← Акыда

Акыда · id 536

آراء السمعاني العقدية

مازن بن محمد بن عيسى

Полный текст (738 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ثم قال الطبري: "وقد يحتمل أن ماقاله علي بن أبي طالب، وابن عباس ومجاهد بمعنى واحد، وذلك أن تكون المخاريق التي ذكر على أنها البرق: هي السياط التي هي من نور التي يزجي بها الملك السحاب كما قال ابن عباس، ويكون إزجاء الملك بها السحاب قَصْعَه إياه، وذلك أن المِصَاع عند العرب أصله: المجالدة بالسيوف، ثم تستعمله في كل شيء جُولد به، في حرب وفي غير حرب" (١). وهكذا نجد أن السمعاني ﵀ في باب الإيمان بالملائكة ﵈، خط فيه منهج السلف بعيدا عن كلام الفلاسفة الذين يقولون بالعقول المجردة، وأنها أرواح لا أشخاص، ليس لهم حركات ولا أعمال البتة، فليست هناك ذات منفصلة تصعد وتنزل، وتذهب وتجيء، وترى وتخاطب الرسول ﷺ ، وإنما هي مجرد أمور ذهنية لا وجود لها في الأعيان (٢)، وبعضهم يقول: هي القوى الخيرة الفاضلة التي في العبد (٣)، وهذه انحرافات عن المنهج الحق. فالسمعاني ذكر أوصاف الملائكة، وأعمالهم، وحركاتهم، وعباداتهم، فهذا كله يدل على أنها أجسام "وكِلوا بأمور، عرفهم الله عزوجل العمل بها" (٤). يقول الله جل وعلا:" مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ" [الحجر:٨]، يقول السمعاني: "الحق الذي تنزل به الملائكة هو الوحي، وقبض أرواح العباد، وإهلاك الكفار، وكتبة الأعمال، وما أشبه ذلك" (٥).

стр. 457

فهذا من أعمال الملائكة التي وكلوا بها، إلا أنهم صُمُد، بمعنى أنهم لا يأكلون (١)، ولا يشربون ولا يناكحون، ولا ذرية لهم (٢)، وقد نقل الرازي الاتفاق على ذلك، فقال: "اتفقوا على أن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون، ولاينكحون، يسبحون الليل والنهار لايفترون" (٣)، وقال السفاريني: "وقد حكى غير واحد من محققي العلماء: الاتفاق على أن الملائكة لا يأكلون، ولا يشربون، ولا ينكحون" (٤). ولما كان للملائكة مقام عليٌّ عند الله ذكرهم بالتقريب والكرامة (٥)، فقال سبحانه:" إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ " [الأعراف:٢٠٦].

стр. 458

المبحث الرابع: الإيمان بالجن والشياطين: مدخل: الإيمان بوجود الجن والشياطين، ومالهم من الأحوال التي جعلهم الله تعالى عليها، هي من عقيدة المسلم، وهي جزء من الإيمان، وهو يدخل تحت الإيمان بالغيب الذي أخبر الله جل وعلا عنه، وهذا مما اتفق عليه علماء الأمة، يقول الإمام ابن تيمية:" لم يخالف أحد من طوائف المسلمين في وجود الجن" (١)، وأجمع المسلمون من أهل السنة على الإيمان بالجن، وعلى أن لهم ثوابا وعليهم عقابا، وعلى أنهم مأمورون مكلفون" (٢)، وقال الرازي: "وقد يتصل بأحوال الملائكة، أحوال الجن والشياطين" (٣)، فهما يتفقان بأنهم عوالم غيبية لاترى، ولكل صنف أعمال وأحوال وصفات، فالملائكة خلقت من نور، والشياطين من مارج من نار. فالإمام السمعاني أفاض في ذكر أحوال الجن والشياطين، وأخبارهم وصفاتهم، وهو في هذا موافق لإجماع الأمة، يقول السمعاني: "ويُقال: وفي الجن مؤمنون وكافرون، ويحيون ويموتون. وأما الشياطين فليس فيهم مسلم، ويموتون إذا مات ابليس" (٤).

стр. 459

وهو بهذا يرد على كافة الطوائف المنكرة لوجود الجن، سواء أنكرهم إنكارا كليا، وزعم أن الجن هي أرواح الكواكب، وهم قلة من المشركين، أو زعم بأن الجن تعبير عن نوازع الشر في النفس الإنسانية وقواها الخبيثة، أو من تخبط في هذا الباب في هذه الأزمان المتأخرة، ممن زعم أن الجن عبارة عن الجراثيم والميكروبات التي كشف عنها العلم الحديث، أو من زعم التداخل بين عالمي الملائكة والجن والشياطين، وأنهم عالم واحد لا فرق بينهما. (١) المطلب الأول: تعريف الجن والشياطين: يقول السمعاني: "الجان هو ابليس، ويقال الجان أبو الجن، كما أن آدم أبو البشر، وأما ابليس هو أبو الشياطين" (٢). ويقول:" الشيطان كل عاتٍ متمردٍ من الجن والإنس، وأصله: البعد والامتداد، يقال: بئر شطون، أي: بعيد العمق والقعر، ويقال: للجبل شطن: لامتداده، وسمي الشيطان شيطانا؛ لامتداده في الشر وبعده عن الخير" (٣). وروي عن النبي ﷺ أنه قال لأبي ذر: (تعوذ بالله من شياطين الإنس)، قال أبو ذر قلت: ومن الإنس شياطين: فقال ﵊: نعم، وتلا قوله تعالى:" وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ" [الأنعام:١١] (٤)، وحُكِيَ عن مالك بن دينار أنه قال: خوفي من شيطان الإنس أكبر من خوفي من شيطان الجن؛ لأن الجني يذهب إذا ذكرت الله، والإنس ي يجرني إلى المعاصي (٥).

стр. 460

والإمام السمعاني يفرق بين الجن والشياطين، يقول:" الجان أبو الجن، وأما إبليس هو أبو الشياطين" (١)، وهو أحد القولين، وقيل: إن الجميع من ولد إبليس؛ إلا أنه جعل ولده قسمين، فأرسل أحد القسمين وسوسة الإنس، والقسم الثاني إلى وسوسة الجن، فالفريقان شياطين، الإنس والجن (٢). ووصف الشيطان بأنه رجيم، قال تعالى: "فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ" [الأعراف: ٩٨]، والرجيم فسرت بتفاسير قيل: الرجيم، المرجوم، وقيل: الملعون، وقيل: الشتيم (٣). والله جل وعز طرد ابليس من رحمته فقال:" فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ" [ص:٧٧]، والمرجوم: هو المبعد باللعنة (٤)، وقال تعالى:" فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ" [الحجر:٣٤ - ٣٥]، قال السمعاني: "ويقال: إن بليس ملعون السماء والأرض وإن أهل السماء يلعنونه، كما أن أهل الأرض يلعنونه" (٥)، وقد لعنه الله فقال تعالى:"وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا (١١٧) لَّعَنَهُ اللَّهُ " [النساء:١١٧ - ١١٨]، أي: أبعده الله من الرحمة (٦). ووصف الشيطان بأنه عارٍ عن كل خير، قال تعالى:" وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا" [النساء:١١٧]، قال السمعاني: "والمريد: العاتي المتمرد، وحقيقته العاري من كل خير" (٧). ووصف الشيطان بأنه مارد، قال تعالى:" وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ" [الصافات:٧]، يقول السمعاني: "أي: متمرد، والشيطان كل متمرد عاتٍ من إنس، أو جن، أو جنّة" (٨)، فهو معيب مقيت أي: ممقوت، مطرود من رحمة الله (٩).

стр. 461

والعفريت من الجني هو الشديد القوي، وأما اسم ابليس، فقال بعضهم: هو مشتق من الإبلاس، وهو اليأس من الخير، وقيل: هو اسم أعجمي معرب، لا اشتقاق له، ولذلك لاينصرف (١). المطلب الثاني: أعمال الشياطين وأحوالهم وصفاتهم: ذكر الله تعالى في كتابه العزيز جملة من أوصاف الشياطين وأعمالهم وقد تتبعها السمعاني وبينها وأشار إليها ونجملها في النحو التالي: ١ - أن العرب تسمي كل قبيح مكروه شيطاناً؛ وذلك لما استقر في النفوس من قبحها، وقد شبه الله تعالى شجرة الزقوم برؤوس الشياطين، فقال: " إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ" [الصافات:٦٤ - ٦٥]، وإنما صح التشبيه مع أن رؤوس الشياطين لم يرها أحد؛ لأنه كان مستقرا في النفوس قبحها وأن جميعهم على أقبح صورة، فشبه بها على ما استقر في النفوس (٢). ٢ - أعمال الشياطين: أ ـ أذية الإنسان: وقد أخبر الله تعالى عن ذلك فقال:" الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَاا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ " [البقرة:٢٧٥]، قال السمعاني: "وقيل هو من تخبط الشيطان، وذلك أن يدخل الإنسان فيصرعه" (٣)، وهذا فيه إثبات لدخول الجن في بدن الإنسان، خلافا لمن أنكره من المعتزلة، وقد نقل شيخ الإسلام الاتفاق على دخول الجن في بدن الإنسان (٤).

стр. 462

ب ـ الوسوسة: وقد بين الله تعالى ذلك في كتابه العزيز، وأشار إلى أن الشيطان قد وسوس لآدم وحواء ﵉ فقال:" فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا" [الأعراف:٢٠]، قال السمعاني:"والوسوسة حديث يلقيه الشيطان في قلب الإنسان، واختلفوا في كيف وسوس لهما وهما في الجنة وهو في الأرض؟ فقيل: وسوس لهما من الأرض؛ لأن الله تعالى أعطاه قوة بذلك حتى وسوس لهما بتلك القوة من الأرض إلى الجنة، وقيل: حين وسوس لهما كان في السماء، فالتقيا على باب الجنة هو وآدم فوسوس وقيل: إن الحية خبأته في أنيابها وأدخلته الجنة، فوسوس من بين أنيابها فمسخت الحية وأخرجت من الجنة" (١)، وقد سمى الله عزوجل الوسوسة من الشيطان نزغ فقال:" وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ " [الأعراف:٢٠٠]، أي: وسوسة (٢). وسماها الله تعالى رجزا، فقال سبحانه:" وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ" أي وسوسة الشيطان (٣)،وسماها كذلك همزات، فقال سبحانه:" وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ" أي: وساوسهم، والهمز في اللغة مأخوذ من الدفع، ودفع الشيطان غيره إلى المعصية، يكون بوسوسته، فعرف أن الهمزات هي الوساوس، وقيل: همز الشيطان، إغراؤه على المعصية (٤). وقد أمر الله تعالى بالاستعادة منه فقال:" قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ" [الناس:١ - ٤]، والوسواس الخناس: الشيطان، والمعنى: من شر الشيطان ذي الوسواس، ويقال: سمي وسواسا؛ لأنه يجثم، فإن ذكر العبد ربه خنس، أي تأخر، وإن لم يذكر وسوس (٥). ج ـ إفساد علاقات الود والمحبة بين المسلمين:

стр. 463

قال تعالى:" إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ" ... [المائدة:٩١]، "أما وقوع العداوة في الخمر: أن شاربيه إذا سكروا عربدوا وتشاجروا وتشاحجوا، وأما العداوة في الميسر: قال قتادة: هو أنهم كانوا يغارون على الأهل والمال، ثم إذا لم يبق له شيء يجلس زينا، مسلوبا، مغتاظا على قرنائه (١)، ولذا سماها الله تعالى رجساً من عمل الشيطان، والرجس هو عمل الشيطان (٢). وبين الله هذا العمل القبيح من الشيطان، فقال:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ " [الإسراء:٥٣]، أي: يفسد بإيقاع العداوة (٣). د ـ إنساء ذكر الله تعالى والصلاة: كما قال تعالى:" وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ " [المائدة:٩١]، يعني: الشيطان يمنعكم بالخمر والميسر، عن ذكر الله وعن الصلاة،" فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ " أي: انتهوا (٤). وقال تعالى:" اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ " [المجادلة:١٩]، أي: غلب عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله تعالى (٥). هـ ـ التسويل والإملاء: كما قال تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ" [محمد:٢٥]، فزين لهم، وأمهلهم بالمد لهم في العمر (٦).

стр. 464

و ـ الصد عن سبيل الله تعالى: كما قال تعالى:" وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ" [النمل:٢٤]،" فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ" أي: عن سبيل الإسلام "فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ" أي: الطريق الحق (١)، وقال تعالى:" وَعَادًا وَثَمُودَا وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ" [العنكبوت:٣٨]، " فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ"أي: صدهم عن سبيل الحق، "وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ" أي: ارتكبوا ما ارتكبوا وقد علموا أن عاقبة أمرهم بوار. (٢) ز ـ تزيين الباطل: كما قال تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [النحل:٦٣]، يعني: كفرهم وجحودهم، ثم قال تعالى: " فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ " سماه ولياً لهم؛ لطاعتهم إياه (٣). وقال تعالى: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الإسراء:٦٤]، والغرور: تزيين الباطل بما يُظَنُّ أنه حق. (٤) وقال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)﴾ [النساء:١٢٠]: وذلك بإيهام الوصول إلى النفع، من موضع الضر. (٥) وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام:١١٢]، وزخرف القول: هو قول مزين لا معنى تحته، والغرور: القول الباطل، والأمر بالشر بإلهام الشيطان. (٦)

стр. 465

والله تعالى:" سمى الشيطان غروراً، قال تعالى: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣]، يعني: الشيطان، وتغريره للإنسان: هو تزيينه للمعاصي، وتمنيه المغفرة من الله، وعَبَّر عنه؛ بتزيينه له المعاصي، وتمنيه المغفرة (١). وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد:١٤]، أي: الشيطان، وإنما سُمي الشيطان غروراً؛ لأن الناس تغر الناس بتمنية الأباطيل. (٢) ح ـ بث الحزن في القلوب: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة:١٠]، فالنجوى من الشيطان؛ ليحزن الذين آمنوا، بما يسمعون من الإرجاف بالسَّرِيَّة، وذلك أن المنافقين كان بعضهم يقول إذا بعث النبي ﷺ سرية: قد أصاب السرية، وكذا قد أسروا وقتلوا، وما يشبه ذلك؛ إرجافاً للمسلمين، فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك. (٣) ٣ ـ أن الله تعالى أوجب الكفر بالشيطان؛ لأنه كافر بالله تعالى، عَصِيٌّ لأمره، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ [البقرة:٢٦٥]، والطاغوت الشيطان (٤)، وقد سماه الله طاغوتاً، فقال: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ [الزُّمَر:١٧]، أي: الشيطان. (٥)

стр. 466

وإنما أوجب الله تعالى الكفر بالشيطان؛ لأنه كافر بربه، قال تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٧]، أي: بربه كافراً (١). ولأنه كان عصياً للرحمن، قال تعالى إبراهيم: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ [مريم:٤٤]، أي: لا تطع الشيطان فيما يزين لك من الكفر والشرك؛ ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾، أي: عاصياً. (٢) وكل من اتبع الشيطان، صار ولياً له، قال تعالى عن إبراهيم: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥)﴾ [مريم:٤٥]، يعني: يلزمك ولاية، أي: موالاة الشيطان وتكون مثله. وقيل: فتوكل إلى الشيطان، ويخذلك الله. (٣) وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ [الحج:٤]، أي كُتب على الشيطان، أن يضل من تولاه، ﴿يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج:٤] أي: إلى عذاب جهنم. (٤) وقال تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)﴾ [الفرقان:٢٩]، أي تاركاً: ويقول الشيطان يوم القيامة لأتباعه: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم:٢٢]، وفي معنى كلامه، قولان: أحدهما: إني كفرت بجعلكم إياي شريكاً في عبادة الله وطاعته، والثاني: إني كفرت قبل أن أشركتموني في عبادته، يعني: كفرت قبل كفركم (٥)، وهذا كقوله تعالى: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [ق:٢٧]، والقرين هنا هو الشيطان باتفاق المفسرين، فالشيطان يقول: " ما أطغيته " أي: ما أضللته، " ولكن كان في ضلال بعيد "، أي: وجدته وقد اختار الضلالة لنفسه. (٦)

стр. 467

٤ ـ استراق السمع: كما أخبر الله تعالى عنهم فقال: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحِجر:١٨]، يقول السمعاني: " في الأخبار: أن الشياطين يركب بعضهم بعضاً، إلى السماء الدنيا، ويسترقون السمع من الملائكة، فترجمهم الكواكب، فتقتل البعض، وتخبل البعض. واختلف القول في أنهم متى يسترقون السمع؟ فأحد القولين: أنهم يسترقون السمع من الملائكة في السماء، والقول الآخر: أنهم يسترقون السمع من الملائكة في الهواء " (١)، فاستراق السمع من الشياطين ثابت ـ لكنه لم يكن ظاهراً في زمن الأنبياء قبل رسول الله ﷺ ، وإنما رُوي هذا في ابتداء أمر النبي ﷺ ، وكان ذلك أساساً لنبوته (٢)، وهل كان رمي الشُهب معلوماً في الجاهلية؟. رجح السمعاني: أن الرمي بالشهب قد كان من قبل، ولكن لما كان في زمان الرسول ﵊، كثير وقوي، قال معمر: قلت للزهري: أكان الرمي بالشهب قبل الرسول ﷺ في الجاهلية؟ قال: نعم، ولكنه لما كان زمان الرسول ﷺ كثر واشتد. (٣) ٥ ـ ومع ما ذُكر من أعمال الشياطين، إلا أن الله جل وعلا، هوَّن من شأنهم، وقلل من أمرهم، ونهى عن اتباع خطواتهم، وهذا يظهر في عدة أمور: أ ـ أن الله تعالى جعل كيد الشيطان ضعيفاً، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٧٦]، يقول السمعاني: " قيل: كان ضعيفاً بمعنى: أنه لا يرد أحداً عن الإسلام والهداية، وقيل: أراد به أن كيده كان ضعيفاً يوم بدر، حين رأى الملائكة، فخاف أن يأخذوه فهرب " (٤).

стр. 468

ب ـ أنه ليس له سلطان على المؤمنين، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل:٩٩]، أي: ليس له ولاية على الذين آمنوا، يُقال: معناه: أنه لا يقدر على إيقاعهم في ذنب، ليس لهم منه توبة، وقيل: إنه لايقدر على إدخالهم في الشرك وإغوائهم (١)، ولكنه إنما تسلط عليهم بالوسوسة والإغواء والإغراء، قال تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٦٢]، ومعناه: لأسوقنهم إلى المعاصي سوقاً، ولأميلنهم إليها ميلاً، وقيل: لأستولين عليهم بالإغواء، وقيل: لأضلنهم. فإن قيل: كيف عرف إبليس أن أكثر ذرية آدم يتبعونه؟ قلنا: الجواب من وجهين: الأول: أنه لما رأى انقياد آدم لوسوسته، طمع في ذريته، والثاني: أنه رأى ذلك في اللوح مكتوباً، وعرف كما عرفت الملائكة حين قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة:٣٠]. (٢)

стр. 469

ج ـ أخبر الله تعالى أن الباطل، وهو الشيطان كان زهوقاً، أي: ذاهباً، قال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، قال قتادة: الحق القرآن، والباطل الشيطان (١). وقال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٨]، والباطل هو الشيطان، فالله تعالى يُلقي بالقرآن الكريم وهو الحق، على الباطل هو الشيطان الرجيم، فيدمغه ويزيله، فإذا هو زاهق ذاهب، وهذا من حيث بيان الدليل والحجة، لا من حيث إزالة الكفر أصلاً؛ فإن الكفر والباطل في العالم كثير (٢). وقال تعالى: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ [سبأ:٤٩]، أي: القرآن، أو الرسول، " وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ " قال قتادة: هو الشيطان، " وَمَا يُعِيدُ " أي: ما يُبدئ الشيطان شيئاً وما يعيد. (٣)

стр. 470

٦ ـ ولما كانت عداوة الشيطان للإنسان مستفحلة من قديم الزمان، حذر الله تعالى من طاعته، والسير على نهجه، بل وعن اتباع خطواته، قال تعالى مبيناً هذه العداوة القديمة الظاهرة، والمستمرة على مدى الأزمان: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف:٥]، يقول السمعاني: " ومعناه: إن الشيطان يزين لهم ذلك، ويحملهم عليه لعداوته القديمة " (١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء:٥٣]، أي: عدواً ظاهر العداوة (٢). وقال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٠]، أي: عدو بيِّن العداوة. (٣) وقال تعالى: ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الزُّخرُف:٦٢]، قال ابن عباس: من عداوته، أنه أخرج أباكم من الجنة، ونزع عنهم لباس النور. (٤) وبعد أن بيَّن الله تعالى عداوة الشيطان لبني آدم ﵇، حذر من اتباع خطواته، فقال: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:١٦٨]، وذكر السمعاني في معنى خطوات الشيطان ثلاثة أقوال: أحدها: هي خطايا الشيطان، وهو قول مجاهد، والثاني: هي النذور في المعاصي، والثالث: هي أعمال الشيطان (٥). وقال في مقام آخر: " قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأنعام:١٤٢]، أي: آثار الشيطان، وخطاياه، وهو تخطيه من الحلال إلى الحرام " (٦)، ومن الطاعة إلى المعصية (٧).

стр. 471

٧ ـ ومع العداوة الظاهرة التي أشار إليها القرآن الكريم، إلا أن الله تعالى ذكر لعباده المؤمنين، سُبل الوقاية والحماية من أساليب الشيطان وإغوائه، ومن تلك الأساليب: أ ـ اتخاذه عدواً، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر:٦]، أي: عادوه بطاعة الله تعالى. (١) ب ـ الاستعاذة بالله تعالى من شره، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فُصِّلَت:٣٦]، " أي: اعتصم بالله، وقد روينا أن النبي ﷺ كان يقول: " أعوذ بالله من الشيطان من همزه، ونفثه، ونفخه " (٢) ... (٣) المطلب الثالث: أعمال الجن، وأحوالهم، وصفاتهم: ذكر الله جل شأنه، أخبار الجن، وبعض أحوالهم، ولذا تتبع السمعاني أخبارهم، وبيَّن أحوالهم، ونُجمل ما ذكره السمعاني في الإيمان بالجن، وما يتعلق بهم في الأمور التالية: ١ ـ أن الجن يدخلون في قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ [الرحمن:١٠]، قال الحسن البصري في الأنام: أنه الجن و الإنس (٤)، فهم من الأنام. وهل يصح تسميتهم رجالاً؟ قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن:٦]، قال السمعاني: "الجن لا يسمون رجالاً، والجواب عما ورد في الآية، أنه على طريق المجاز، وقد ورد في أخبار العرب في حكاية: أن قوماً من الجن قالوا: نحن أناس من الجن، فإذا جاز أن يسموا أُناساً، جاز أن يسموا رجالاً " (٥).

стр. 472

٢ ـ أن الجن مكلفون، قال السمعاني في تفسير قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]،: " قال ابن عباس: هم الجن والإنس، وقال الحسن وقتادة، وأبو عبيدة: هم جميع المخلوقين، وقيل: الأولى أولى؛ لأن الخطاب مع المكلفين، الذين هم المقصودون بالخليفة، وهم الجن والإنس " (١)، وقد ذكر الله تعالى شمولية الرسالة المحمدية لعموم الثقلين، فقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١]، أي: الجن والإنس (٢). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ﴾ [الأحقاف:٣٢]، يقول السمعاني: " في الآية دليل على أن النبي ﷺ كان مبعوثاً إلى الجن والأنس ". (٣) ٣ ـ أن الجن فيهم مؤمنون وكفار، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ [الجن:٧]، يقول السمعاني: " في الآية دليل على أنه كان في الجن قوم لا يؤمنون بالبعث كما في الإنس " (٤). قال الحسن البصري: في الجن قدرية، ومرجئة، وروافض، وخوارج، وغير ذلك من الفرق، وفيهم العاصي، والمطيع، والمصلح، وغير ذلك من المؤمن والكافر. (٥) ٤ ـ أن الجن يموتون كالإنس، قال تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ [الأعراف:٣٨]، قال السمعاني: " وفيه دليل على أن الجن يموتون كالإنس، خلافاً لقول الحسن حيث قال: لا يموتون " (٦). ٥ ـ أنهم محشورون يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ [الأنعام:١٢٨]، يقول السمعاني: " أما حشر الجن و الإنس، حق يجب الإيمان به " (٧).

стр. 473

٦ ـ أنهم لا يعلمون الغيب، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ:١٤]، أي: تبينت الجن للإنس، أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين، أي: التعب والشقاء الطويل. (١) ٧ ـ أن بين الجن والإنس استمتاع، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام:١٢٨]، يعني: استمتع الجن بالإنس، والإنس بالجن، قيل: استمتاع الجن بالإنس: تزيينهم لهم، وتسهيلهم طريق الغواية عليهم، وأما استمتاع الإنس بالجن، طاعتهم. والجملة: أن استمتاع الجن بالأمر، واستمتاع الإنس بالقبول. (٢) ٨ ـ أنهم يأكلون ويشربون، ويولد لهم، فهم بمنزلة الآدميين، ومنهم من هم بمنزلة الريح، لا يتوالدون، ولا يأكلون، ولا يشربون، نقله السمعاني عن وهب بن منبه. (٣) لكن نقل ابن القطان الإجماع، على أن الجن يأكلون، ويشربون، ويجامعون، ويولد لهم. (٤) ٩ ـ أن الجن زينوا للناس عبادة الملائكة، والمقصود بهم: الشياطين العاتون المتمردون، ويُقال: إنهم صوروا صور الجن، وقالوا: هؤلاء الملائكة، فاعبدوهم، وهذا هو تفسير قوله تعالى: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤١]، مع أنهم عبدوا الملائكة.

стр. 474

١٠ ـ أن بعض الإنس كانوا يستعيذون بالجن، إذا نزلوا بواد قفر، فإذا أمسوا قالوا: نعود بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦]، ومعنى " فَزَادُوهُمْ رَهَقًا " فيه قولان: أحدهما: أي عظمة في أنفسهم، كأن الإنس لما استعاذوا بالجن، ازداد الجن في أنفسهم عظمة. والثاني: هو أن الإنس ازدادوا رهقاً، بالاستعاذة من الجن، ومعناه: طغياناً وإثماً، كأن الإنس لما استعاذوا من الجن، وأمنوا على أنفسهم، ازدادوا كفراً، وظنوا أن أمنهم كان من الجن. (١) ١١ - أن الجن لا يُرون، وقد أشار السمعاني إليه في تفسير قوله تعالى: (إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم) الأعراف ٢٧، فقال: يعني أن الشياطين وجنوده يرونكم، وأنتم لا ترونهم (٢)، وتأيد قوله بقول الإمام الشافعي: من زعم من أهل العدالة أنه يرى الجن، أبطلت شهادته؛ لأن الله تعالى يقول: (إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم)، إلا أن يكون نبيا (٣)، وقال الحافظ ابن حجر: وهو الذي فهمه أكثر أهل العلم (٤)، وقال: (إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم) مخصوص بما إذا كان على صورته الني خُلق عليها (٥). في حين ذهب الإمام ابن تيمية إلى تفسير الآية بمعنى آخر، فقال: الذي في القرآن: أنهم يرون الإنس من حيث لا يراهم الإنس، وهذا يقتضي أنهم يرون الإنس في حال لا يراهم الإنس فيها، وليس فيه أنهم لا يراهم أحد من الإنس بحال، بل قد يراهم الصالحون وغير الصالحين أيضا، لكن لا يرونهم في كل حال (٦).

стр. 475

المطلب الرابع: مسائل في عالم الجن والشياطين: المسألة الأولى: هل إبليس من الملائكة ؟! ذكر السمعاني خلاف العلماء في هذه المسألة، وأن الذي عليه أكثر المفسرين، أن إبليس كان من الملائكة، ونسبه لابن عباس. والقول الآخر: أنه كان من الجن، لقوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف:٥٠]؛ ولأنه خُلق من النار، والملائكة خلقوا من النور، ولأنه له ذرية، ولا ذرية للملائكة. ورجح السمعاني القول الأول، وهو أن إبليس كان من الملائكة؛ لأن خطاب السجود كان مع الملائكة، وقال: ولهذا تناوله الأمر بالسجود، ولو يكن من الملائكة لم يتناوله الأمر بالسجود (١) ثم رد السمعاني عما استدل به أصحاب القول الثاني، فقال: أما قوله: " كَانَ مِنَ الْجِنِّ " قيل: إن فرقة من الملائكة سموا جناً، خلقهم الله تعالى من النار، وعليه دَلَّ قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات:١٥٨]، حيث قالوا: الملائكة بنات الله، فسماهم جِنَّة، وإنما سموا جناً؛ لاستتارهم عن الأعين، وإبليس كان من ذلك القبيل. وإنما كان له ذرية؛ لأنه أخرجه من الملائكة، ثم جعل له ذرية (٢)، وقال في مقام آخر، في معرض رده على أصحاب القول الثاني: جميع ما نقلوه هو على طريق المجاز، والكلام في الحقيقة (٣) وهذه المسألة ـ كما أشار السمعاني ـ إلى أنها محل خِلاف عند العلماء، وأن الأقوال فيها متباينة، ولكن هنا يُشار إلى أمور: ١ ـ أن النقل عن ابن عباس، وابن مسعود، مروي في القولين، فقد نسب العلماء القولين لهما. (٤) ٢ ـ أن كثيراً مما نُقل في هذا الباب، وهذه المسألة بخصوصها، وعن إبليس أنه كان خازن الجنة، ونحو ذلك من الأقوال، هي من قبيل الإسرائيليات التي لا يعول عليها، كما نبه على ذلك الحافظ ابن كثير (٥)، ويقول الشنقيطي: " وما ذكر عن إبليس من الإسرائيليات لا يعول عليها " (٦).

стр. 476

٣ ـ أن بعض المفسرين حاول الجمع بين القولين، حتى قال الراغب الأصفهاني: " فصار يصدق عليه القولان، ويجوز أن يكون عنى أنه كان من الجن فعلاً، ومن الملائكة نوعاً " (١). يعني: أن الملائكة حين حاربت الجن، وسبت إبليس، صار بالحكم من الملائكة، فمولى القوم منهم، وبالنسبة من الجن. وقيل: كان ملكاً قبل أن يعصي الله تعالى، فلما عصاه مسخه شيطاناً. ونقل النسفي في تفسيره عن الجاحظ: أن الجن والملائكة جنس واحد، فمن طهر فهو ملك، ومن خبث فهو شيطان، ومن كان بين بين فهو جن. (٢) وما نُقل عن المعتزلة، أن قولهم يوافق قول من قال: إنه ليس من الملائكة، لا يخرج المسألة عن كونها اجتهادية، خاضعة للنص، فليس قول من قال بأحد القولين يعتبر بدعة؛ لأن كل صاحب قول يستدل بالقرآن على قوله. فمن قال إنه من الملائكة، استدل بعموم قوله: " وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ "، ومن قال إنه ليس منهم، استدل بقوله تعالى: " كَانَ مِنَ الْجِنِّ "، وكُلُّ صاحبِ قول، وَجَّه أدلة القول الآخر. فمن قال بأنه من الملائكة، حمل قوله تعالى: " كَانَ مِنَ الْجِنِّ " على عدة محامل: ١ ـ أي كان ضالاً، كما أن الجن كانوا ضالين، فجُعل منهم، ذكره الزجاج. (٣) ٢ ـ أن الملائكة قد تسمى جناً؛ لاستتارها. ٣ ـ أو أن يكون نسبهم إلى الجنة، لما كان خازناً لها، ذكرهما ابن عطية. (٤) ومن قال أنه من الجن، حمل الاستثناء في الآية " إلا إبليس " على أنه استثناء منقطع. ولكن يبقى الإشكال: إن قيل إن إبليس من الجن، من جهتين: الأول: من أين تناوله الأمر، وهو للملائكة خاصة؟ قيل: إنه كان في صحبتهم، وكان يعبد الله تعالى مثل عبادتهم.

стр. 477

الثانية: كيف صح استثناؤه، وهو جني من الملائكة؟ قيل: عمل على حكم التغليب، في إطلاق اسم الملائكة عليهم وعليه، فأخرج الاستثناء على ذلك، كقولك: خرجوا إلا فلانة، لامرأة بين الرجال. (١) ٤ ـ حكى الرازي في تفسيره الخلاف، وبيَّن الأدلة، ورجح أن إبليس ليس من الملائكة (٢)، وهذا القول هو الراجح ـ والعلم عند الله تعالى ـ، وهو المروي عن الحسن والزهري، وابن زيد، ورجحه الزجاج (٣)، وابن حزم، وقال: " وقد ادعى قوم أن إبليس كان ملكاً فعصى، حاشا لله من هذا؛ لأن الله قد كذب هذا القول بقول تعالى ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف:٥٠]، وبقوله:" أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي " وبإخباره أنه خلق إبليس من نار السموم، وصح عن النبي ﷺ أنه قال: " خلقت الملائكة من نور" (٤)، والنور غير النار بلا شك، فصح أن الجن غير الملائكة، والملائكة كلهم خيار مكرمون بنص القرآن، والجن والإنس فيهما مذموم ومحمود " (٥).

стр. 478

وقوله تعالى: " " كَانَ مِنَ الْجِنِّ "، نص قرآني في محل النزاع (١)، قال الجصاص عن إبليس: " فهو جنس غير جنس الملائكة، كما أن الإنس جنس غير جنس الجن " (٢)، ولذا قال السيوطي:" قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف:٥٠]، استدل به الجمهور على أنه لم يكن من الملائكة " (٣)، ويقول: " قال الحليمي، والبيهقي، والقونوي: ومما يدل على تباين الجن والملائكة، قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤٠ - ٤١]، فثبت بهذا أن الملائكة غير الجن " (٤)، وقال ابن العربي: " وقال شيخنا أبو الحسن في كتاب المختزن: إن إبليس كان من الملائكة، ولم يكن من الجن. ولست أرضاه" (٥). المسألة الثانية: هل من الجن رسل ؟! أشار السمعاني إلى وجود خلاف عند العلماء في هذه المسألة، وهو على قولين: القول الأول: قال الضحاك: بلى من الثقلين رسل، كما نطق به الكتاب، قال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الأنعام:١٣٠]، وعلى هذا القول يكون معنى الآية: أن الرسل من الصنفين، إلا أنه عبر بالرسل عن النذر من الجن بطريق المعنى؛ لأن النذير في معنى الرسول. وقال بعض أهل التفسير: إن الله تعالى أرسل إلى القبط نبياً من الجن يُسمى يوسف، قال السمعاني: " وهذا قول ضعيف، والصحيح الأول؛ لأنه أطلق ذكر يوسف، فهو يوسف المعروف " (٦).

стр. 479

القول الثاني: قال مجاهد: الرسل من الإنس، وأما الجن فمنهم النذر، كما قال تعالى: ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩]، أي: محذرين، ويُقال: ولوا دعاة إلى التوحيد (١). ويكون معنى الآية في قوله تعالى: " أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ "، مُنصرف إلى أحد الصنفين، هو الإنس. إلا أن السمعاني قال عن قول مجاهد: " هو قول مهجور " (٢). وقال الحسن: لم يبعث الله نبياً من الجن (٣)، وإنما جاءتهم رسل الإنس، وهذا أيضاً قول ابن جريج، والفراء (٤)، والزجاج (٥). وحكى ابن عطية قول الضحاك وضعفه (٦)، وحكاه أيضاً ابن كثير، وقال: " وفي الاستدلال بها على ذلك نظر؛ لأنها محتملة وليست بصريحة " (٧). وذهب بعضهم: إلى أن الرسل من الجن، هم رسل الرسل إليهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩]، حكاه الطبري عن ابن عباس ﵄. (٨) وذكر ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن، في باب مخالفة اللفظ معناه، قاعدة: " ومنه: أنه يجتمع شيئان، ولأحدهما فعل، فيجعل الفعل لهما "، كقوله سبحانه: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ﴾ [الأنعام:١٣٠]، والرسل من الإنس دون الجن " (٩).

стр. 480

المسألة الثالثة: هل الجن يدخلون الجنة؟! وهل يثابون على أعمالهم ؟! ذكر السمعاني خلافاً عن العلماء في هذه المسألة: فقال بعضهم: يدخل الله تعالى المؤمنين منهم الجنة، كما يُدخل الكافرين منهم النار، وهو قول ضمرة بن جندب وغيره، ذكره الأصبهاني في كتابه العظمة. وقال بعضهم: ليس لهم ثواب، قال ليث بن أبي سليم: مؤمنوا الجن يحاجزون من النار، ثم يجعلون تراباً، وأما الكفار منهم يخلدون في النار (١)، وكذا ذكره الأصبهاني في العظمة. (٢) وقد حكى الإمام ابن حزم هذه المسألة، فقال: " فكافرهم في النار مع كافرنا، وأما مؤمنهم، فقد اختلف الناس فيهم: فقال أبو حنيفة، لا ثواب لهم، وقال ابن أبي ليلى، وأبو يوسف، وجمهور الناس، إنهم في الجنة، وبهذا نقول؛ لقول الله : ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، ولقوله تعالى حاكياً عنهم، ومصدقاً لمن قال ذلك منهم ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ﴾ [الجن:١٣]، وقوله تعالى حاكياً عنهم ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن:١ - ٢]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البيِّنة:٧ - ٨]، وهذه الصفة تعم الجن والإنس عموماً، لا يجوز أن يخص منها أحد النوعين، فيكون فاعل ذلك، قائلاً على الله ما لا يعلم، وهذا حرام، ومن المحال الممتنع أن يكون الله تعالى يخبرنا بخبر عام، وهو لا يريد إلا بعض ما أخبرنا به، ثم لا يُبيِّن ذلك لنا، هذا هو ضد البيان الذي ضمنه لنا، فكيف وقد نص على أنهم آمنوا، فوجب أنهم من جملة المؤمنين، الذين يدخلون الجنة ولا بُدَّ " (٣).

стр. 481

والراجح ـ والعلم عند الله تعالى ـ القول الذي عليه أكثر العلماء، والذي تؤيده النصوص، وهو دخولهم الجنة، وهو قول الأوزاعي، وابن أبي ليلى، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، ونقل عن مالك، والشافعي، وأحمد، وهو قول أصحابهم، ورجحه الإمام ابن تيمية (١)، ورجحه الإمام ابن القيم، وذكر له عشرة أدلة، تؤيده، ثم قال: " لكن قيل: إنهم يكونون في ربض الجنة، يراهم أهل الجنة ولا يرونهم، كما كانوا في الدنيا يرون بني آدم من حيث لا يرونهم، ومثل هذا لا يعلم إلا بتوقيف تنقطع الحجة عنده، فإن تثبت حجة، يجب اتباعها، وإلا فهو مما يُحكى؛ ليعلم، وصحته موقوفة على الدليل " (٢). المسألة الرابعة: هل يمكن أن يطأ الجني الإنسية: ذكر السمعاني عند تفسير قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦]، قولان لأهل التفسير: الأول: أن المراد من الآية: الحور العين. والثاني: هن المؤمنات من الآدميات، وهو منقول عن الحسن البصري، وعلى القول الثاني، نشأت هذه المسألة: فقال بعضهم يجوز أن يطأ الجني الإنسية، واستدل بظاهر الآية. وأما الأكثرون فقد أنكروا هذا، وقالوا: معنى الآية: (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ): الجنية جني، والإنسية إنسي، وقوله (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ)، يتناول الإنسيات والجنيات (٣). والراجح ـ والله أعلم ـ أن الآية الكريمة، يستفاد منها: أن الجني يغشى، كما يغشى الإنسي، لكن ظاهر الآية لا تدل على أنه يغشى الإنسية؛ لأن الظاهر من الآية، أن هؤلاء النسوة، لسن من نساء الدنيا، وإنما هن من الحور العين، ورجحه الإمام ابن القيم. (٤) مع أن بعض العلماء بحث هذه المسألة من جهتين:

стр. 482

١ ـ من جهة إمكان وقوع ذلك. ٢ ـ من جهة مشروعيته، فرجح الشُبلي (١)، في كتابه " آكام المرجان "، أن ذلك ممكن، ودليل إمكانه: حكاية الكراهة عن بعض الأئمة، في التزاوج بين الإنس والجن، فإن غير الممكن، لا يحكم عليه بجواز ولا بعدمه في الشرع (٢). وهذا النوع من النكاح، هو جائز عقلاً، كما قال ابن العربي (٣)، لكن هل جوازه عقلاً، يجوز به شرعاً؟ وهل إذا قيل بالجواز، يترتب في هذا النوع من التزاوج، ما يترتب في التزاوج بين الإنسي والإنسية؟ ولذلك ولَّد الفقهاء مسائل كثيرة، بناء على القول بجواز التناكح بين الإنس والإنسي والجني، فيما يتعلق ابتداء بالطهارة، فهل يوجب الاغتسال من الوطء أم لا؟ ولو اشتبه عليه، أو غيَّرت الجنية صورتها، وما الحكم لو لمست المرأة رجلاً جنياً، أو الرجل امرأة جنية، هل ينتقض ضوء الآدمي أم لا؟ وهل يشترط وجود العقد بينهما، وما الذي يترتب من أحكام النكاح، مروراً بالرضاع من الجنية ومدى تحريمه؟ ووقوع حد الزنا ...

стр. 483

ولذا كان الصحيح في المسألة ـ والله أعلم ـ عدم جواز ذلك، فقد رُوي عن الحسن، وقتادة، والحكم، وإسحاق كراهة ذلك (١)، ورُوي من رواية ابن لهيعة، عن يونس، عن الزهري: نهي النبي ﷺ عن نكاح الجن (٢)، ونقل هذا الحديث السيوطي، ثم قال: "الحديث وإن كان مرسلاً، فقد اعتضد بأقوال العلماء، فروي المنع عن الحسن البصري، وقتادة، والحكم بن عتيبة، وإسحاق بن راهوية، وعقبة الأصم، وقال الجمال السجستاني من الحنفية، في كتاب منية المفتي عن الفتاوي السراجية: لا يجوز المناكحة بين الإنس، والجن، وإنسان الماء؛ لاختلاف الجنس " (٣). ولذا عّدَّ بعض الفقهاء، أن من أسباب تحريم النكاح: اختلاف الجنس، فلا يجوز للآدمي نكاح جنية والعكس. قاله العماد بن يونس، وأفتى به ابن عبدالسلام، وتبعه شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، واعتمده ابن حجر، قال: لأن الله تعالى، امتن علينا بجعل الإزواج من أنفسنا؛ ليتم التآنس بها، وجواز ذلك يفوت الامتنان. (٤) وإن أفتى بعض الناس بحله وجوازه، فليكن هذا القول على أقل تقدير مبنياً على فقه الإمام مالك ـ إن صح النقل عنه ـ (٥) أنه سُئل، فقيل: إن ها هنا رجلاً من الجن، يخطب إلينا جارية، يزعم أنه يريد الحلال، فقال: ما أرى بذلك بأساً في الدين، ولكن أكره إذا وجدت امرأة حامل، قيل لها من زوجك، قالت: من الجن؛ فيكثر الفساد في الإسلام بذلك. (٦)

стр. 484

وإن كان القول الصحيح، ما ذكرنا: أن نكاح الجن ليس بشيء. (١) وبما تم نقله عن الإمام السمعاني، وإبرازه في هذه المطالب، والمسائل، يظهر جلياً موافقته لما عليه السلف في هذه المسائل، وخاصة الأصول منها، التي وقع عليها الإجماع، كإجماع أهل السنة على الإيمان بالجن، وأن لهم ثواباً، وعليهم عقاباً، وأنهم مأمورون مكلفون، وأنهم يأكلون، ويشربون، ويتناكحون، ولهم ذرية، وأن لهم أحوالا أمكنهم الله بها، يتحولون بها من حال إلى حال، فمرة يتمثل في صورة، ومرة يوسوس، ويجري من ابن آدم مجري الدم. (٢)

стр. 485

الفصل الثالث: الإيمان بالكتب المبحث الأول: التعريف بالقرآن، والكتب المنزلة المبحث الثاني: صفات القرآن الكريم المبحث الثالث: إعجاز القرآن الكريم المبحث الرابع: مسائل في القرآن الكريم المطلب الأول: وصف القرآن بأنه محكم ومتشابه المطلب الثاني: القرآن منزل غير مخلوق المطلب الثالث: تفاضل كلام الله تعالى، بعضه على بعض المطلب الرابع: القول بالمجاز في القرآن الكريم

стр. 486

الفصل الثالث: الإيمان بالكتب: الإيمان بالكتب الإلهية، ركن ركين من أصول الإيمان، لا يصح إيمان عبد، حتى يؤمن بها، " والإيمان بسائر الكتب واجب؛ لأنه وحي من عند الله تعالى (١)، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء:١٣٦]، يقول السمعاني: " قوله تعالى: " وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ " يعني: القرآن، " والكتاب الذي أنزل من قبل " يعني: الكتب المنزلة من قبل القرآن " (٢).

стр. 487

" ويجزي من ذلك كله، الإيمان بالقرآن العظيم؛ فإنه قد وجب الإيمان بكل آية منه، وقد ذكر فيه جميع الأنبياء عموماً وخصوصاً، وما أنزل عليهم، ففي الإيمان به، إيمان بجميع الكتب؛ لأنه مهيمن على جميعها " (١)، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤٨]، فالكتاب هو القرآن الكريم، " مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ " يعني: سائر الكتب المنزلة قبله، " وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ "، قال ابن عباس: أي: أميناً عليه، والمعنى أن كل كتاب يصدقه القرآن، ويشهد بصدقه، فهو كتاب الله، ومالا فلا (٢). وعلى هذا إجماع المسلمين، يقول الإمام ابن تيمية: " السلف كلهم متفقون على أن القرآن، هو المهيمن المؤتمن الشاهد على ما بين يديه من الكتب " (٣). ولذا كان الإيمان بالكتب، من الأصول المعتبرة في الإيمان، والإيمان بالقرآن الكريم يشمل أموراً: ١ ـ الإيمان بأنه كلام الله تعالى. ٢ ـ والإيمان بأنه معجز النظم. ٣ ـ واعتقاد أن جميع القرآن الذي توفي النبي ﷺ عنه، هو الذي في مصاحف المسلمين، لم يُزد فيه حرف، ولم يُنقص منه حرف. وأما الإيمان بالكتب قبله، فيقتضي الإيمان بها، الاعتراف بأنها كانت من عند الله، وكانت في أوقاتها حقاً وصدقاً، واتباعها واجباً للمتعبدين المخاطبين بها، كما أن الإيمان به يقتضي الإيمان بقبول ماجاء به، واتباعه في عامة ما يأمر به، ويدعو إليه. (٤) والإمام السمعاني قد قرر جميع هذه المعاني وأثبتها، وبين دلائل الحق فيها، ورد على الشبهات التي تعتريها. وقد ظهر اهتمام السمعاني بهذا الركن من عدة جهات: ١ - التعريف بالقرآن الكريم والكتب السابقة. ٢ - الإشارة إلى صفات القرآن الكريم. ٣ - بعض أوجه إعجاز القرآن الكريم. ٤ - وذكر جملة من المسائل المتعلقة بالقرآن الكريم:

стр. 488

- في وصف القرآن الكريم بأنه محكم ومتشابه. - في أن القرآن الكريم منزل غير مخلوق. - تفاضل كلام الله تعالى بعضه على بعض. - المجاز في القرآن الكريم. وباستقراء كلام السمعاني في هذا الباب، يجد أنه كان حقا سيفا مصلتا على المخالفين، فقد قرر المنهج القرآني الذي يدل على: * أن القرآن الكريم كلام الله تعالى منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. *وأنه هو الحاكم والمهيمن على الكتب السابقة. * وأنه معجز في بلاغته، ونظمه، ومعناه، معجز في أخباره وأحكامه. *وأنه محكم ومتشابه، وأن شأن المغرضين اتباع المتشابه. وهو بهذا يرد على المخالفين من جهتين: ١ - ما يجب اعتقاده في القرآن الكريم، فقد رد على من يقول بأن القرآن مخلوق، بالأدلة والبراهين، وأثبت ما أجمعت عليه الأمة: من أن القرآن منزل غير مخلوق، وأنه من كلام الله تعالى، وأنه كلام الله تعالى صفة من صفاته، والله تعالى وصفاته غير مخلوقة. ٢ - الإعجاز الذاتي للقرآن الكريم، رادا به على خرافة القول بالصرفة.

стр. 489

المبحث الأول: التعريف بالقرآن، والكتب المنزلة: المطلب الأول: القرآن الكريم: أ ـ في اللغة: يقول السمعاني: وأصل القرآن الجمع، ومنه قول الشاعر: (ذراعي عيطل أدماء بكر *** هجان اللون لم تقرأ جنيناً)، وإنما سُمي القرآن قرآناً، لأنه يجمع السور، والآي، والحروف (١). ويقول ابن الأثير: " وكل شيء جمعته فقد قرأته، وسُمي القرآن قرآناً؛ لأنه جمع القصص، والأمر والنهي، والوعد والوعيد، والآيات والسور بعضها إلى بعض، وهو مصدر، كالغفران، والكفران. وقد يُطلق على الصلاة؛ لأن فيها قراءة، من تسمية الشيء ببعضه، وعلى القراءة نفسها، يُقال: قرأ قراءة وقرآناً، والاقتراء، افتعال من القراءة، وقد تحذف الهمزة منه تخفيفاً، فيقال: قُرآن، وقريت وقارٍ، ونحو ذلك من التصاريف " (٢).

стр. 490

وهذا هو الصحيح، وهو الذي عليه الأكثر، أن لفظ القرآن، مهموز، ومشتق، وذهب الشافعي إلى أن القرآن اسم، وليس بمهموز، ولم يؤخذ من قرأت، ولكنه اسم لكتاب الله، مثل التوراة، والإنجيل، ويُهمز قرأت، ولا يُهمز القرآن، كما تقول: إذا قرأت القرآن. (١) وترك الهمز إنما هو من باب التخفيف. (٢) وقد يأتي القرآن بمعنى القراءة، قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٧]، يقول السمعاني: " فالقرآن هاهنا بمعنى القراءة " (٣). ب ـ في الاصطلاح: ١ ـ يقول السمعاني: " القرآن كلام الله غير مخلوق " (٤)، وهو بهذا يُقرر معتقده في القرآن الكريم، وهو المعتقد التسق مع النصوص الشرعية، والموافق لإجماع الأمة. ويقول أبو شامة (٥): " القرآن كلام الله، منقول بالتواتر عن رسول الله ﷺ " (٦)، ويقول الطحاوي: " إن القرآن كلام الله، منه بدأ بلا كيفية قولاً، وأنزله على رسوله وحياً، وصدقه المؤمنون على ذلك حقاً، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية " (٧). وتعريفه الذي يُقرِّب معناه، ويميزه عن غيره: (كلام الله، المنزل على محمد ﷺ المتعبد بتلاوته " (٨). وقد أشار السمعاني ﵀ إلى بعض أسماء القرآن الكريم، وهذا منه إشارة إلى عِظم هذا القرآن؛ لأن الشيء إذا كثرت أسماؤه دل على فضله وعظمته، ومنها:

стр. 491

١ ـ المثاني: قال تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزُّمَر:٢٣]، يقول السمعاني: " وإنما سُمي القرآن مثاني؛ لاشتماله على علوم مثناه، من الوعد والوعيد، والأمر والنهي، ونحوها " (١). ٢ ـ الكتاب: قال تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران:٣]، يقول السمعاني: "الكتاب القرآن، وسمي كتاباً؛ لأنه يجمع الآي والحروف، وهو من الكتب، وهو الجمع، ومنه: الكتيبة، وهي السرية؛ لاجتماعهم، ومنه يُقال: كتبت البغلة، إذا جمع بين شفريها بحلقة " (٢). ٣ ـ الفرقان: قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١]، يقول السمعاني: " أي: القرآن، وسُمي القرآن فرقاناً لمعنيين: أحدهما: لأنه يفرق بين الحق والباطل، والآخر: أن فيه بيان الحلال والحرام " (٣). ٤ ـ الحديث: قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزُّمَر:٢٣]، يقول السمعاني: " أي: القرآن، وسماه حديثاً؛ لأنه حديث إنزاله، وقيل: أي: أحسن الكلام " (٤). ٥ ـ المبين: قال تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ [الزُّخرُف:١ - ٢]، يقول السمعاني: " هو القرآن، وسماه مبيناً؛ لأنه أبان فيه الهدى من الضلالة، والخير من الشر، وأبان فيه جميع ما يُؤتى، وجميع ما يُتقى " (٥)، والمبين: البين حلاله وحرامه، وقيل: البين رشده وغيه. (٦) ٦ ـ الروح: قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:٥٢]، يقول السمعاني: "الروح هاهنا هو القرآن، سماه روحاً؛ لأنه تحيا به القلوب، وكالروح تحيا به النفوس ". (٧)

стр. 492

المطلب الثاني: التوراة والإنجيل والزبور: قال تعالى: إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى) الأعلى ١٨ - ١٩، يقول السمعاني: أي: الكتب التي أنزلها الله تعالى على إبراهيم وموسى، وقد أنزل على إبراهيم صحفا، وأنزل على موسى التوراة، فهي المراد بالآية (١)، فالتوراة بقيت محرفة في أيدي اليهود، وأما صحف إبراهيم فلم يُعرف منها اليوم شيء، كما نقله السيوطي عن أبي بكر الرازي (٢). فهو الكتاب الذي أنزله الله على نبيه موسى ﵇، قال تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ [البقرة:٥٣]، والكتاب: التوراة، واختلف في الفرقان، فقيل: أراد به التوراة أيضاً، إلا أنه ذكرها باسمين. وقيل: أراد به الفرقان بين الحق والباطل، وقيل: أراد به انفراق البحر. (٣) وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء:٤٨]، والفرقان: فيه قولان: أحدهما: التوراة، والآخر: البرهان الذي فرق به بين حق موسى وباطل فرعون، وقوله " وَضِيَاءً " فيها قراءتان: بالواو، وبغير الواو، فأما بالواو، فهو صفة أخرى للتوراة، إذا حملنا الفرقان على التوراة، وإن حملناه على البرهان، فمعناه: أعطيناه البرهان، وأعطيناه التوراة التي هي ضياء. فأما بغير الواو، فمعنى الفرقان على هذا ليس إلا التوراة، وضياء صفة لها. (٤) وأما أصل التوراة، فيقول السمعاني: " وأما التوراة أصلها: وورية من الورى، من قولهم: ورى الزند، إذا أضاء، وخرجت ناره، ويُقال: ورى زندي عند فلان، إذا أضاء أمره عند. فسمى وورية؛ لضيائها، وكونها نوراً، وقُلبت الواو تاء، فصارت تورية ". (٥)

стр. 493

والله تعالى كتب التوراة بيده، كما قال سبحانه: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ [الأعراف:١٤٥]، وأراد به التوراة، وفي الخبر: " إن الله تعالى: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده" (١) (٢) وحُكي عن كعب الأحبار أنه قال: قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام:١]، هذه أول آية في التوراة، وآخر آية في التوراة، قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الإسراء:١١١]، (٣) وقد وصف الله جل وعز التوراة بأنها إمام ورحمة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ [هود:١٧]، يقول السمعاني:" يعني: كانت إماماً ورحمة لمن ابتعها، وهي مصدقة للقرآن، شاهدة للنبي ﷺ " (٤). ٣ ـ الإنجيل: الإنجيل من النجل، وهل الأصل، فُسمِّي به؛ لأنه كان أصلا من الأصول في العلم (٥). وهو الكتاب الذي أنزله الله تعالى، على نبيه عيسى ﵇، قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ [مريم:٣٠]، أي: الإنجيل (٦). وقال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾ [الحديد:٢٧]، أي: أعطيناه الإنجيل جملة. (٧) وغالب ما في الإنجيل من الأحكام، موافق لما في التوراة، إلا في أشياء معدودة. (٨) ٤ ـ الزبور:

стр. 494

وهو الكتاب الذي أعطاه الله تعالى لداود ﵇، قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء:٥٥]، يقول السمعاني: " الزبور كتاب يشتمل على مائة وخمسين سورة، كلها تحميد، وتمجيد، وثناء على الله، ليس فيها أمر ولا نهي، ولا حلال ولا حرام " (١). وقال: " فالزبور: فعول بمعنى المفعول، وهو الكتاب الذي أنزل الله تعالى على داود، فيه التحميد، والتمجيد، والثناء على الله، والزبور: الكتابة، والزبرة قطعة الحديد، ويقال: ماله زبر، أي: ماله عقل " (٢)، ويُقال: أول كلمة في الزبور: رأس الحكمة، خشية الله تعالى. (٣)

стр. 495

المبحث الثاني: صفات القرآن الكريم: وصف الله جل وعلا كتابه العزيز، بعدة صفات، بيَّنها السمعاني في تفسره، منها: ١ ـ الحكمة: قال تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس:٢]، يقول السمعاني: " يعني: والقرآن الذي أحكم بالأمر والنهي، والثواب والعقاب " (١)، وسُمي القرآن حكيماً؛ لأنه كالناطق بالحكمة. (٢) ٢ ـ الصراط المستقيم: قال تعالى: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء:٦٨]، قيل: هو القرآن. (٣) ٣ ـ شفاء ورحمة: قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢]، يقول السمعاني: " وأما المراد من الشفاء: هو الشفاء من الجهل بالعلم، ومن الضلالة بالهدى , ومن الشك باليقين. وقيل: المراد من الشفاء، هو الشفاء من المرض بالتبرك به، وقيل: إن معنى الشفاء: هو ظهور دليل الرسالة منه، بالإعجاز، عجيب النظم والتأليف. وقوله: " وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ " أي: هو بركة، وبيان، وهدى للمؤمنين " (٤).
следующие страницы →