Полный текст (363 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ما شاب عزمي ولا حزمي ولا خلقي ... ولا وفائي ولا ديني ولا كرمي
وإنما أعتاد رأسي غير صنعته ... والشيب في الرأس غير الشيب في الهمم
ظنت شيبته تبقى وما علمت ... أن الشبيبة مرقاة إلى الهرم
وصل الخيال ووصل الخود عن بخلت ... سيان ما أشبه الوجدان بالعدم
والطيف أفضل وصل إن لذته ... تخلو من الإثم والتنغيص والندم
لا تحمد الدهر في ضراء يصرفها ... فلو أردت دوام البؤس لم يدم
فالدهر كالطيف بؤساه وأنعمه ... من غير قصد فلا تحمد ولا تلم
لا تحسبن كرم الآباء مكرمة ... لمن يقصر عن غايات مجدهم
حسن الرجال بحسناهم وفخرهم ... بطولهم في المعالي لا بطولهم
ما اغتابني حاسد إلا شرفت به ... فحاسدي وغن وقعت من غير قصدهم
وله أيضاً يرثي أبناً له مات صغيراً، ويشكو زمانه وحاسديه، ويفتخر بفضله وفضل قومه، وهي من أجود المراثي:
حكم المنية في البرية جاري ... ما هذه الدنيا بدار قرار
بينا يرى الإنسان فيها مخبراً ... حتى يرى خبراً من الأخبار
طبعت على كدر وأنت تريدها ... صفواً من الأقذاء والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار
وإذا رجوت المستحيل فإنما ... تبني الرجاء على شفير هار
فالعيش نوم والمنية يقظة ... والمرء بينهما خيالك سار
فأقضوا مآربكم عجالاً إنما ... أعماركم سفر من الأسفار
وتراكضوا خيل الشباب وحاذروا أن تسترد فإنهن عوار
فالدهر يخدع بالمنى ويغص أن ... هنا ويهدم ما بنى ببوار
ليس الزمان وإن حرصت مسالماً ... خلق الزمان عداوة الأحرار
إني وترت بصارم ذي رونق ... أعدته لطلابة الأوتار
والنفس إن رضيت بذلك أو أبت ... منقادة بأزمة الأقدار
اثني عليه بأثره ولو انه ... لم يعتبط أثنيت بالآثار
يا كوكباً ما كان أقصر عمره ... وكذاك عمر كواكب الأسحار
وهلال أيام مضى لم يستدر ... بدراً ولم يمهل لوقت سرار
عجل الخسوف عليه قبل أوانه ... فمحاه قبل مظنة الإبدار
واستل من أترابه ولداته ... كالمقلة استلت من الأشفار
فكأن قلبي قبره وكأنه ... في طيه سر من الأسرار
أن يعتبط ضغراً فرب مضخم ... يبدو ضئيل الشخص للنظار
أن الكواكب في علو محلها ... لترى صغاراً وهي غير صغار
ولد المعزى بعضه فإذا مضى ... بعض الفتى فالكل بالآثار
أبكيه ثم أقول معتذراً له ... وفقت حين تركت ألأم دار
جاورت أعدائي وجاور ربه ... شتان بين جواره وجواري
أشكو بعادك لي وأنت بموضع ... لولا الردى لسمعت فيه سراري
والشرق نحو الغرب أقرب شقة ... من بعد تلك الخمسة الأشبار
هيهات قد علقتك أسباب الردى ... واغتال عمرك قاطع الأعمار
ولقد جريت كما جريت لغاية ... فبلغتها وأبوك في المضمار
فإذا نطقت فأنت أول منطقي ... وإذا سكت فأنت في إضماري
أخفي من البرحاء ناراً مثلما ... يخفي من النار الزناد الواري
وأخفض الزافرات وهي صواعد ... وأكفكف العبرات وهي جواري
وشهاب نار الحزن أن طاوعته ... أورى وان عاصيته متواري
وأكف نيران الأسى ولربما ... غلب التصبر فارتمت بشرار
ثوب الرياء يشف عما تحته ... فإذا التحفت به فإنك عار
قصرت جفوني أم تباعد بينها ... أم صورت عيني بلا أشفار؟
جفت الكرى حتى كأن غراره ... عند اغتماض العين وخز غرار
ولو استزارت رقدة لطحابها ... ما بين أجفاني من التيار
أحيي الليالي التم وهي تميتني ... ويميتهن تبلج الأسحار
حتى رأيت الصبح تهتك كفه ... بالضوء رفرف خيمة كالقار
والصبح قد غمر النجوم كأنه ... سيل طغى فطفا على النوار
لو كنت تمنع خاض دونك فتية ... منا بحار عوامل وشفار
ودحوا فويق الأرض أرضا من دم ... ثم انثنوا فبنوا سماء غبار
قوم إذا لبسوا الدروع حسبتها ... سحبا مزررة على أقمار
стр. 107
وترى سيوف الدارعين كأنها ... خلج تمد بها أكف بحار
لو شرعوا أيمانهم في طولها ... طعنوا بها عوضاً عن الخطار
جنبوا الجياد إلى المطي وراوحوا ... بين السروج هناك والأكوار
وكأنما ملؤوا عياب دروعهم ... وغمود أنصالهم سرار قفار
وكأنما صنع السوابغ عزه ... ماء الحديد فصاغ ماء قرار
زردا فأحكم كل موضع حلقة ... بحبابه في موضع المسمار
فتسربلوا بمتون ماء جامد ... وتقنعوا بحباب ماء جار
أسد ولكن يؤثرون بزادهم ... والأسد ليس تدين بالإيثار
يتزين النادي بحسن وجوههم ... كتزين الهالات بالأقمار
يتعطفون على المجاور فيهم ... بالمنفسات تعطف الأظآر
من كل من جعل الظبى أنصاره ... فكر من واستغنى عن الأنصار
وإذا هو اعتقل القناة حسبتها ... صلا تأبطه هزبر ضاري
والليث أن ثاورته لم يعتمد ... إلا على الأنياب والأظفار
زرد الدلاص عن الطعان يريحه ... في الجحفل المتضايق الجرار
ما بين ثوب بالدماء مضرج ... زلق ونقع بالطراد مثار
والهون في ظل الهوينا كامن ... وجلالة الأخطار في الأخطار
تندى أسرة وجهه ويمينه ... في حالة الإعسار والإيسار
ويمد نحو المكرمات أناملاً ... للرزق في أثنائهن مجاري
يحوي المعالي كاسباً أو راغبا ... أبداً يدارى دونها ويداري
قد لاح في ليل الشباب كواكب ... أن أمهلت آلت إلى الأسفار
وتلهب الاحشاء شيب لمتي ... هذا الضياء شواظ تلك النار
شاب القذال وكل غصن صائر ... فينانه الأحوى إلى الأزهار
والشبه منجذب فلم بيض الدمى ... عن بيض مفرقه ذورات نفار
وتود لو جعلت سواد قلوبها ... وسواد أعينها خضاب عذاري
لا تنفر الظبيات منه فقد رأت ... كيف اختلاف النبت في الأطوار
شيآن ينقشعان أول وهلة ... ظل الغمام وصحبة الأشرار
لا حبذا الشيب الوفي وحبذا ... ظل الشباب الخائن الغدار
وطري من الدنيا الشباب وروقه ... فإذا انقضى فقد انقضت أوطاري
قصرت مسافته وما حسناته ... عندي ولا آلاؤه بقصار
نزداد هماً كلما ازددنا غنى ... والفقر كل الفقر في الإكثار
ما زاد فوق الزاد خلف ضائعاً ... في حادث أو وارث أو عار
إني لا رحم حاسدي لحرما ... ضمنت صدورهم من الأوغار
نظروا صنيع الله بي فعيونهم ... في جنة وقلوبهم في نار
لا ذنب لي قد رمت كتم فضائلي ... فكأنما برقعت وجه نهار
وسترتها بتواضعي فتطلعت ... أعناقها تعلو على الأستار
ومن الرجال معالم ومجاهل ... ومن النجوم غوامض ودراري
والناس مشتبهون في إيرادهم ... وتفاضل الأقوام في الأصدار
عمري لقد أوطأتهم طرق العلى ... فعموا فلم يقفوا على آثاري
لو أبصروا بقوبهم لتبصرا ... وعمى البصائر من عمى الأبصار
هلا سعوا سعي الكرام فأدركوا ... أو سلموا لمواقع الأقدار
وفشت خيانات الثقات وغيرهم ... حتى اتهمنا رؤية الأبصار
ولربما اعتضد الحليم بجاهل ... لا خير في يمنى بغير يسار
فوائد أدبية
ومن شعر العتبي الأموي
رأين الغواني الشيب لاح بعارضي ... فأعرضن عني بالخدود النواضر
وكن إذا أبصرنني أو سمعنني ... دنين ورفعن الكوى بالمحاجر
فان عطفت عني أعنة أعين ... نظرن بأحداق المهى والجآذر
فإني من قوم كريم ثناؤهم ... لأقدامهم صيغت رؤوس المنابر
خلائف في الإسلام في الشرق قادة ... بهم واليهم فخر كل مفاخر
ولحسام الدين الواعظي ﵀:
من ضيع الحزم في أفعاله ندما ... وظل مكتئباً والقلب قد سقما
ما المرء إلا الذي طابت فضائله ... والدين زين يزين العاقل الفهما
والعلم أنفس شيء أنت ذاخره ... فلا تكن جاهلا تستورث الندما
تعلم العلم واجلس في مجالسه ... ما خاب قط لبيب جالس العلما
والوالدين فأكرم تنج من ضرر ... ولا تكن نكداً تستوجب النقما
стр. 108
ولازم الصمت لا تنطق بفاحشة ... وأكرم الجار لا تهتك له حرما
واحذر من المزح كم في المزح من خطر ... كم من صديقين قبل المزح فاختصما
وصبر النفس وأرشدها إذا جهلت ... وان حضرت طعاماً لا تكن نهما
آس اللهيف إذا ما كنت مقتدراً ... على الزمان وكن للخير مقتسما
وصد نفسك عن لهو وعن مرح ... وان حضرت مكانا كنت فيه سما
ولعبد الله بن حجاج من أبيات
قالوا غدا العيد فاستبشر به فرحاً ... فقلت مالي وما للعيد والفرح
قد كان ذا والنوى لم تمس نازلة ... بعقوبي وغراب البين لم يصح
أيام لم يخترم قرب البعاد ولم ... يغد الشتات على شملي ولم يرح
فاليوم بعدك قلبي غير متسع ... لما يسر وصدري غير منشرح
وطائر ناح في خضراء مونقة ... على شفا جدول بالزهر متشح
بكى وناح ولولا انه سبب ... لكان قلبي لمعنى فيه لم يبح
في العمر من واسط والليل ما هبطت ... فيه النجوم وضوء الصبح لم يلح
بيني وبينك ود لا يغيره ... بعد المزار وعهد غير مطرح
فما ذكرتك والأقداح دائرة ... إلا مزجت بدمعي باكياً قدحي
ولا استمتعت لصوت فيه ذكر نوى ... إلا عصيت عليه كل مقترح
ولأبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني رحمه الله تعالى:
من أين للعارض الساري تلهبه ... وكيف طبق وجه الأرض صيبه
هل استعار جفوني فهي تنجده ... أم استعار فؤادي فهو يلهبه؟
بجانب الكرخ من بغداد لي سكن ... لولا التجمل أم انفك اندبه
وصاحب ما صحبت اللهو مذ بعدت ... دياره واراني أني لست أصحبه
في كل يوم لعيني ما يؤرقها ... من ذكره ولقلبي ما يعذبه
ما زال يبعدني عنه وأتعبه ... ويستمر على ظلمي وأعتبه
حتى رثت لي النوى من طول جفوته ... وسهلت لي طريقاً كنت أذهبه
وما البعاد دهاني بل خلائفه ... ولا الفراق شجاني بل تجنبه
أذكر فيه بعض الوصايا والآداب، والحكم النافعة عن اللف ﵃. قال رسول الله صلى الله عليه وسلمك للأنصار: (من سيدكم) قالوا: الجد ين قيس علي بخل فيه، فقال ﷺ (وأي داء أدوى من ابخل بل سيدكم الجعد الأبيض عمرو بن الجموح) فقال شاعرهم:
وقال رسول الله والحق قوله ... لمن قال منا من تسمون سيدا
فقالوا له الجد بن قيس على التي ... نبخله فيها وان كان اسودا
فتى ما تخطى خطوة لدنية ... ولا مد في يوم إلى سوأة يدا
فسود عمرو بن الجموح لجوده ... وحق لعمرو بالندى أن يسودا
فائدة
روي عن عمرو بن العزيز رحمه الله تعالى: ما قرن شيء إلى شيء أحسن من حلم ومن عفو إلى قدرة. ومن قول أبو العتاهية:
فيا رب هب لي منك حلماً فإنني ... أرى الحلم لم يندم عليه حليم
ويا رب لي منك عزماً على التقى ... أقيم به ما عشت حيث أقيم
إلا أن تقوى الله أكرم نسبة ... تسامى بها عند الفخار كريم
فائدة
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أن خيري الدنيا والأخرى في خمس خصال، وهي غنى النفس، وكف الأذى، كسب الحلال، ولباس التقوى، والثقة بالله على كل حال، وقد نظمها السيد عبد الجليل الحسيني رحمه الله تعالى فقال:
أرى خيري الدارين بجمع كله ... بخمس خلال يا لها من لطائف
بنص الإمام الشافعي أخي التقوى ... هو البحر كنز العلم شمس المعارف
غنى النفس مع كف الأذى واكتساب ما ... يحل وملبوس التقى حصن خائف
على كل حال كن بربك واثقاً ... بنفع وكشف الضر عند المخاوف
فدونكما خمساً وكن واعياً لها ... مكباً عليها لا كفدم مخالف
فائدة من كلام ابن المعتز كتبها لبعض أصحابه قال:
стр. 109
اعلم يا أخي انك لن تكتسب أعز الله المحامد وتستوجب الشرف إلا بالجمل على النفس والحال، والنهوض بحمل الأثقال، وبذل الجاه والمال، ولو كانت المكارم تنال بغير مؤنة لاشترك فيها السفل والأحرار، وتساهمها الوضعاء من ذوي الأخطار، ولكن الله تعالى خص بها الكرماء الذين جعلهم أهلها، فخفف عليهم حملها، وسوغهم فضلها، وحظرها على السفلة لصغر أقدارهم عنها، وبعد طباعهم منها ونفورها منهم.
فائدة
قال معاوية ﵁ لصعصعة بن صوحان: صف لي عمر ابن الخطاب فقال: كان عالماً برعيته، عادلاً في قضيته، عارياً من الكبر، قبولاً للعذر، سهل الحجاب، مصون الباب، متحرياً لصواب، رفيقاً بالضعيف، غير محارب للقريب، ولا جاف للغريب.
قيل للأحنف بن قيس: من تعلمت الحلم؟ فقال: من قيس بن عاصم المنقري رأيته قاعداً بفناء بيته، محتبياً بحمائل سيفه، يحدث قومه إذا أتي برجل مكتوف، ورجل مقتول، فقيل له: هذا ابن أخيك قتل ابنك، فوالله ما حل حبوته، ولا قطع كلامه، ثم التفت إلى ابن أخيه، فقال يا ابن أخي بئس ما فعلت أثمت بربك، ورميت نفسك بسهمك، وأشمت عدوك، ونقصت عددك، قتلت ابن عمك. ثم قال لابن له آخر: قم يا بني فوار أخاك، وحل كتاف ابن عمك، وسق إلى أمه مئة من الإبل دية ابنها، فإنها غريبة عندنا فلعلها أن تسلو ثم أنشد:
إني امرؤ لا يطبي نسبي ... دنس يهجنه ولا أفن
من منقر في بيت مكرمة ... والغصن ينبت حوله الغصن
خطباء حين يقول قائلهم ... بيض الوجوه أعفة لسن
لا يفطنون لعيب جارهم ... وهم لحفظ جواره فطن
وقال رجل للأحنف بن قيس: علمني الحلم. فقال: هو الذل يا ابن أخي، أتصبر عليه؟ وقال رجل للأحنف: انك لحليم. فقال: لست بحليم، ولكني أتحتالم، والله إني لأسمع الكلمة، فأحم لها ثلاثة أيام، ما يمنعني من ردها إلا مخافة أن أسمع شراً منها. وقيل له: من أحلم أنت أم معاوية. فقال: ما رأيت أجهل منكم معاوية يقدر ويحلم، وأنا أحلم ولا أقدر، فكيف أقاس به أو أدانيه؟ وقال هشام بن عبد الملك لخالد بن صفوان: بم بلغ الأحنف فيكم ما بلغ؟ قال: إني شئت أخبرتك بواحدة، وان شئت باثنتين، وان شئت بثلاث. قال: ما الواحدة؟ قال: كان أقوى الناس على نفسه. قال: ما اثنتان؟ قال: كان موقى الشر، ملقى الخير. قال: فما الثلاث؟ قال كان لا يجهل، ولا يبغي، ولا يبخل.
فائدة من كلام عمر بن الخطاب ﵁
قال: ثلاث يثبتن لك الود في قلب صاحبك، أن تبدأه بالسلام، وان توسع له في المجلس، وان تدعوه بأحب الأسماء إليه، وقال ﵁: كفى الله عنه: كفى بالمرء عيباً أن تكون فيه خلة من ثلاث أن يعيب بشيء ثم يأتي بمثله، أو يبدو له من أخيه ما يخفى عليه من نفسه، أو يؤذي جليسه بما لا يعنيه؟
فائدة من كلام علي بن أبي طالب ﵁
من لانت كلمته وجبت محبته، وقيمة كل إنسان ما يحسنه ومن كلام عمر بن عبد العزيز ﵀: ثلاث من كن فيه، فقد كمل: من لم يخرجه غضبه عن طاعة الله، ولم يستنزله رضاه إلى معصية الله، وإذا قدر عفّ وكف.
ومن كلام الحسن البصري: نعم الله أكثر من أن تشكر إلا ما أعان عليه، وذنوب ابن آدم أكثر من أن يسلم منها إلا ما عفا الله عنه.
ولبعضهم في الصبر والاحتمال
تعز فان الصبر بالحر أجمل ... وليس على ريب الزمان معول
وعاقبة الصبر الجميل جميلة ... وأفضل أخلاق الرجال التجمل
فلو كان يغني أن يرى امرأً جازعاً ... لنائبة أو كان يغني التبذل
لكان التعزي عند كل مصيبة ... ونازلة بالحر أولى وأجمل
فكيف وكل ليس يعدو حمامه ... وما لامرئ مما قضى الله مرحل
فان تكن الأيام فينا تبدلت ... ببؤسى ونعمى والحوادث تفعل
فما لينت منا قناة صليبة ... ولا ذللتنا للذي ليس يجمل
ولكن رحلناها نفوساً كريمة ... تحمل ما لا يستطاع فتحمل
وقينا بفضل الله منا نفوسنا ... فصحت لنا الأعراض والناس هزل
ومن قول أبي الفتح البستي:
وإذا هممت فناج نفسك بالمنى ... وعداً فخيرات الجنان عدات
واجعل رجاءك دون يأسك جنةً ... حتى تزول بهمك الأوقات
стр. 110
واسترعن الجلساء همك انما ... جاساؤك الحساد والشمات
ودع الأوقع للحوادث انه ... للحي من قبل الممات ممات
فالهم ليس له ثبات مثلما ... في أهله ما للسرور ثبات
لولا مغالطة النفوس عقالها ... لم يصف للمتيقظين حياة
وقال أيضا:
بحفظ الجسم تبقى النفس فيه ... بقاء النار تحفظ بالوعاء
فبالبأس الممض فلا تمتها ... ولا تمدد لها حبل الرجاء
وعدها في شدائدها رخاء ... وذكرها الشدائد في الرخاء
يعد صلاحها هذا وهذا ... وبالترتيب منفعة الدواء
وللبيد:
أكذب النفس إذا حدثتها ... أن صدق النفس مزر بالأمل
قال أبو الفرج: روي انه جاء الكميت الشاعر إلى الفرزدق فقال له: يا عم إني قد قلت قصيدة أريد أن اعرضها عليك قال قل فانشده:
طربت وما شوقاً إلى البيض اطرب ... ولا لعباً مني وذو الشوق يلعب؟
فقال الفرزدق ولماذا لم تطرب فقال:
ولم تلهني دار ولا رسم منزل ... ولا يزدهي قلبي بنان مخضب
فقال الفرزدق: أجماد أنت ويحك؟ فقال:
ولا أنا ممن يزجر الطير همه ... أصاح غراب أم تعرض ثعلب
ولا السانحات البارحات عشية ... أمر سليم القرن أم مر أعضب
ولكن إلى أهل الفضائل والنهى ... وخير بني حاء والخير يطلب
فقال الفرزدق: م هؤلاء لا أم لك فقال:
إلى النفر البيض الذين بحبهم ... إلى الله فيما نابني أتقرب
فقال الفرزدق من هم أرحني؟ فقال:
بني هاشم رهط النبي فإنني ... بهم ولهم أرضى مراراً وأغضب
فقال الفرزدق: لو جزتهم إلى سواهم لذهب شعرك باطلاً ومنها:
خفضت لهم مني جناح مودة ... إلى كنف عطفاه أهل ومرحب
ومالي إلا آل أحمد شيعة ... ومالي إلا مذهب الحق مذهب
بأي كتاب أم بأية سنة ... يرى حبهم عاراً علي ويحسب
يشيرون بالأيدي إلي وقولهم ... إلا خاب هذا والمشيرون أخيب
روي انه حج هشام بن عبد الملك، وأراد استلام الحجر، فلم يصل إليه إلا بعد زحام، ثم وضع له كرسي، وجلس فجاء زين العابدين علي بن الحسين ﵄، فلما أراد استلام الحجر تنحى الناس عنه، فسأل هشام من كان عنده عنه فقالوا: لا نعرفه، وكان الفرزدق حاضراً، فقال: أنا أعرفه يا أمير المؤمنين فقال من هو فأنشد:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العلم
وليس قولك من هذا بضائره ... والعرب تعرف من أنكرت والعجم
إذا رأته قريش قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فلا يكلم إلا حين يبتسم
بكفه خيزران ريحه عبق ... من كف أروع في عرنينه شمم
ينشق نور الهدى عن نور غرته ... كالشمس تنجاب عن إشراقها الظلم
من معشر حبهم دين وبغضهم ... إثم وقربهم منجى ومعتصم
أن عد أهل التقى كانوا أئمتهم ... أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم
لا ينقص العدم بسطاً من أكفهم ... سيان ذلك أن أثروا وان عدموا
هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت ... والأسد أسد الشرى والبأس محتدم
مقدم بعد ذكر الله ذكرهم ... في كل أمر ومختوم به الكلم
وللشريف ارضي:
لغير العلى مني القلى والتجنب ... ولولا العلى ما كنت في العيش أرغب
إذا الله لم يعذرك فيما ترومه ... فما الناس إلا عاذل أو مؤنب
ملكت بحلمي فرصة ما استرقها ... من الدهر مفتول الذراعين أغلب
فان تك سني ما تطاول باعها ... فلي من وراء المجد قلب مدرب
فحسبي أني في الأعادي مبغض ... واني إلى غر المعالي محبب
وللحلم أوقات وللجهل مثلها ... ولكن أوقاتي إلى الحلم أقرب
يصول علي الجاهلون وأعتلي ... ويعجم في القائلون وأعرب
يرون احتمالي غصة ويزيدهم ... لواعج ضغن إنني لست أغضب
وأعرض عن كأس النديم كأنها ... وميض غمام غائر المزن خلب
وقور فلا الألحان تأسر عزمتي ... ولا تمكر الصهباء بي حين أشرب
стр. 111
ولا أعرف الفحشاء إلا بوصفها ... ولا أنطق العوراء والقلب مغضب
تحلم عن كر القوارض شيمتي ... كأن معيد المدح بالذم مطنب
لساني حصاة يقرع الجهل بالحجا ... إذا نال مني العاضه المتوثب
ولست براض أن تمس عزائمي ... فضالات ما يعطي الزمان ويسلب
غرائب آداب حباني بحفظها ... زماني وصرف الدهر نعم المؤدب
تريشنا الأيام ثم تهيضنا ... إلا نعم ذا البادي وبئس المعقب
نهيتك عن طبع اللئام فإنني ... أرى البخل يأتي والمكارم تطلب
تعلم فان الجود في الناس فطنة ... تناقلها الأحرار والطبع أغلب
ولعلي الكيلاني:
تأمل ولا تعجل بما أنت باغيا ... وكن لازماً للعدل لا تك باغيا
وجاز الذي أسدى الجميل بمثله ... وسيئه فاجز مسيئاً وعاتيا
ولن جانباً للخل وارع وداده ... ووف بمكيال الذي كان وافيا
ورغ عند رواغ وزغ عند زائغ ... ومع مستقيم العدل كن متساويا
تحل بحسن الخلق للخلق كلهم ... وكن سهلا صعبا فوراً مواتياً
ودار جميع الناس ما دمت بينهم ... وكن تابعاً حقاً نبيلاً مداريا
تحمل لجور الجار وارع جواره ... وواصل ذوي الأرحام واجف المجافيا
وكن بإله الناس ظنك محسناً ... وبالناس سوء الظن دوماً مراعيا
لتعلم أن الناس لا خير فيهم ... ولا بد منهم فالتبسهم مزاويا
وان تبد يوماً بالنصيحة لامرئ ... بتهمته اياك كان مجازيا
وان تتحلى بالسماحة والسخا ... يقال سفيه أخرق ليس واعيا
فإن أمسكت كفاك حال ضرورة ... يقال شحيح ممسك لا مواسيا
وان كنت مقداماً لكل ملمة ... يقال عجول طائش العقل ولاهيا
وان تتغاض باعتزالك عنهم ... يخالوك من كبر وتيه مجافيا
وان تتدان منهم لتألف ... يظنوك خداعاً كذوباً مرائيا
ترى الظلم منهم كامناً في نفوسهم ... كذا غدرهم في طبعهم متواريا
وفي قوة الإنسان يظهر ظلمه ... وفي عجزه يبقى كما كان خافيا
وهيهات تنجو من غوائل فعلهم ... وأقوالهم مهما تكن متحاشيا
فمن رام إرضاء الأنام بقوله ... وفعل غدا للمستحيل معانيا
ومن ذا الذي أرضى الخلائق كلهم ... رسولاً نبياً أو ولياً وقاضيا
وأعظم من ذا خالق الخلق هل ترى ... جميع الورى في قسمة منه راضيا
إذا كان رب الخلق لم يرض خلقه ... فكيف بمخلوق رضاهم مراجيا؟
فلازم رضى رب العباد إذن ولا ... تبال بمخلوق إذا كنت زاكيا
وسدد وقارب ما استطعت فإنما ... يكلف عبد فعل ما كان قاويا
ولأبي العتاهية:
اسلك بني مناهج السادات ... وتخلقن بأشراف العادات
لا تلهينك عن معادك لذة ... تفنى وتورث دائم الحسرات
أن السعيد غداً زهيد قانع ... عبد الإله بأخلص النيات
أقم الصلاة لوقتها بشروطها ... فمن الضلال تفاوت الميقات
وإذا اتسعت برزق ربك فاجعلن ... منه الأجل لأوجه الصدقات
في الأقربين وفي الأباعد تارة ... أن الزكاة قرينة الصلوات
وارع الجوار لأهله متبرعاً ... بقضاء ما طلبوا من الحاجات
واخفض جناحك أن منحت إمارة ... وارغب بنفسك عن ردى اللذات
يليها الاختيار من شعر لبيد بن ربيعة:
شعر
لبيد بن ربيعة يقول جامع هذا المجموع: عذراً فإني لم أظفر بترجمة لبيد بن ربيعة ومعلقته وقتئذ فأحببت ذكرها هنا لئلا يخلو المجموع منها.
هو أبو عقيل لبيد بن ربيعة العامري ﵁، أحد أشراف الشعراء المجيدين، وهو من بني عامر بن صعصعة إحدى بطون هوازن من مضر، وأمه عبسية. نشأ لبيد جواداً شجاعاً فاتكا، أما الجود فورثه من أبيه الملقب ربيعة المعتزين، وأما الشجاعة والفتك، فهما خصلتا قبيلته إذا كان عمه ملاعب الأسنة أحد فرسان مضر في الجاهلية، وأسلم وحسن إسلامه وترك قول الشعر في الإسلام، فلما ولي الخلافة عمر بن الخطاب رضي لله عنه أمر أن يحصى ما قيل من الشعر في الإسلام، فسأل لبيد عما قال من الشعر في الإسلام، فكتب سورة البقرة وآل عمران وكتب تحتها:
стр. 112
الحمد لله إذا لم يأتني أجلي ... حتى اكتسيت من الإسلام سربالا
فلما وصلت إلى عمر ﵁، قال: كم عطاء لبيد؟ قالوا ألفان.
فقال: زيدوه خمسمائة، فكان عطاؤه ألفين وخمسمائة في خلافة عمر وعثمان وعلي ومعاوية وتوفي سنة ٤١ من الهجرة، وكان يطعم كلما هبت الصبا، والتزم ذلك في الإسلام. وقيل: انه عاش مائة وثلاثين سنة ومن شعره:
ما عاتب المرء الكريم كنفسه ... والمرء يصلحه الجليس الصالح
واستوطن الكوفة، وعلى العراق الوليد بن عقبة، وهبت الصبا، وليس عنده ما يطعم به، فعلم بذلك الوليد، فأرسل إليه بابل، فنحرها، وأطعم الناس، فقال لابنته إلا قلت فيه شعراً تشكرينه به فأنشدت:
إذا هبت رياح أبي عقيل ... دعونا عند هبتها الوليدا
أغر الوجه ابيض عبشمي ... أعان على مروءته لبيدا
بأمثال الهضاب كأن ركبا ... عليها من بني حام قعودا
جزاك الله خيراً من أمير ... نحرناها وأطعمنا الثريدا
فعد أن الكريم له معاد ... وظني يا ابن أرى أن تعودا
فقال لبيد: لقد أحسنت إلا انك استزدته، فقالت: إنه ملك، وليس بسوقة، وليس في سؤاله نقص. ونبغ بالشعر، وهو غلام، وجرى فيه على سنن الأشراف والفرسان، وكان بين قبيلته، وبين بني عبس أخواله عداوة شديدة في الجاهليه، فاجتمع وفداهما عند النعمان بن المنذر، وعلى العبسيين الربيع بن زياد، وعلى العامريين ملاعب الاسنة، وكان الربيع مقرباً عند النعمان، يواكله وينادمه، فأوغر صدره على العامريين، فلما دخل وفدهم على النعمان، أعرض عنهم فشق ذلك عليهم، ولبيد يومئذ صغير يحفظ ابلهم، ويرعاهم فسألهم عن خطيبهم، فاحتقروه لصغره، فألح حتى أخبروه فوعدهم انه سينتقم منه غداً عند النعمان أسوأ انتقام بهجاء لا يجالسه بعد، ولا يواكله، فكان ذلك فانه لما دخل عليه خاطب الربيع بكلام أمضه، وأوجعه، وأنشد يخاطب النعمان:
مهلاً ابيت اللعن لا تأكل معه ... فاسته من برص ملمعه
وانه يدخل فيها أصبعه ... يدخلها حتى يوارى أشجعه
كأنه يطلب شيئاً ضيعه فقال النعمان: حسبك لقد نكدت علي ما مضى من الأكل معه وقال للربيع: أنت كما قال، فقال: كذب علي فإن كنت في شك فأمر من يجردني وينظرني فقال النعمان:
شرد برحلك عني حيث شئت ولا ... تكثر علي ودع عنك الأقاويلا
قد قيل ما قيل أن صدقاً وان كذباً ... فما اعتذارك من قول إذا قيلا
وأهمل النعمان الربيع، وجفاه، وأقبل على العامريين وأجزل صلتهم، وحباهم، وقضى حوائجهم، وكان هذا أول ما اشتهر به لبيد، ثم قال بعد ذلك المقطعات والمطولات، وشهد النابغة له، وهو غلام بأنه أشعر هوازن حين رأى معلقته وهي هذه:
عفت الديار محلها فمقامها ... بمنىً تأبد غولها فرجامها
فمدافع الريان عري رسمها ... خلقا كما ضمن الوحي سلامها
رزقت مرابيع النجوم وصابها ... ودق الرواعد جودها فرهامها
من كل سارية وغاد مدجن ... وعشية متجاوب ارزامها
فعلا فروع الأبقهان واطفلت ... بالجلهتين ظباؤها ونعامها
والعين ساكنة على أطلائها ... عوذا تأجل بالفضاء بهامها
وجلا السيول عن الطلول كأنها ... زبر تجد متونها أقلامها
أو رجع واشمة أسف نؤورها ... كففاً تعرض فوقهن وشامها
فوقفت أسألها وكيف سؤالنا ... صما خوالد ما يبين كلامها
عريت وكان بها الجميع فأبكروا ... منها وغودر نؤيها وثمامها
شاقتك ظعن الحي حين تحملوا ... فتكنسوا قطناً تصر خيامها
من كل محفوف يطل عصيه ... زوج عليه كلة وقرامها
زجلاً كأن نعاج توضح فوقها ... وظباء وجرة غطفا آرامها
حفزت وزايلها السراب كأنها ... اجزاع بيشة أثلها ورضامها
بل ما تذكر من نوادر وقد نأت ... وتقطعت أسبابها ورمامها
مرية حلت بفيد وجاورت ... أهل الحجاز فأين منك مرامها
بمشارق الجبلين أو بمحجر ... فتضمنتها فردة فرخامها
فصوائق لبانة من تعرض وصله ... ولشر واصل خلة صرامها
وأحب المجامل بالجزيل وصرمه ... باق إذا ظلعت وزاغ قوامها
بطيلح أسفار تركن بقية ... منها وأحنق صلبها وسنامها
стр. 113
فإذا تغالى لحمها وتحسرت ... وتقطعت بعد الكلال خدامها
فلها هباب في الزمام كأنها ... صهباء راح مع الجنوب جهامها
أو ملمع وسقت لاحقب لاحه ... طرد الفحول وضربها وكدامها
يعلو بها حدب الأكام مسحجاً ... قد رابه عصيانها ووحامها
بأحزة الثلبوت يربأ فوقها ... قفر المراقب خوفها آرامها
حتى إذا سلخا جمادى ستة ... جزءاً فطال صيامه وصيامها
رجعا دوابرها السفا وتهيجت ... ريح المصايف سومها وسهامها
فتنازعا سبطا يطير ظلاله ... كدخان مشعلة يشب ضرامها
مشمولة غلثت بنابت عرفج ... كدخان نار ساطع أسنامها
فمضى وقدمها وكانت عادة ... منه إذا هي عردت أقدامها
فتوسطا عرض السري وصدعا ... مسجورة متجاوراً قلامها
محفوفة وسط اليراع يظلها ... منها مصرع غابة وقيامها
أفتلك أم وحشية مسبوعة ... خذلت وهادية الصوار قوامها
خلساء ضيعت الفرير فلم يرم ... عرض الشقائق طوفها وبغامها
لمعفر فهد تنازع شلوه ... غبس كواسب ما يمن طعامها
صادفن منها غرة فأصبنه ... أن المنايا لا تطيش سهامها
باتت واسبل واكف من ديمة ... يروي الخمائل دائماً تسجامها
تجتاف أصلاً قالصاً متنبذاً ... بعجوب أنقاء يميل هيامها
يعلو طريقة متنها متواتراً ... في ليلة كفر النجوم سل نظامها
حتى إذا انحسر الظلام وأسفرت ... بكرت تزل عن الثرى أزلامها
علهت تبلد في نهاء صعائد ... سبعاً تؤاما كاملاً أيامها
حتى إذا يئست وأسحق حالق ... لم يبله أرضاعها وفطامها
وتسمعت رز الأنيس فراعها ... عن ظهر غيب والأنيس سقامها
فغدت كلا الفرجين تحسب انه ... مولى المخافة خلفها وأمامها
حتى إذا يئس الرماة وأرسلوا ... غضفا دواجن قافلا أعصامها
فلحقن واعتكرت لها مدرية ... كالسمهرية حدها وتمامها
لتذودهن وأيقنت أن لم تذد ... أن قد أحم مع الحتوف حمامها
فتقصدت منها كساب وضرجت ... بدم وغودر في المكر سخامها
فبتلك إذا رقص اللوامع بالضحى ... واجتاب أردية السراب آكامها
أقضي اللبانة لا أفرط ريبة أو أن يلوم بحاجة لوامها
أو لم تكن تدري نوار بأنني ... وصال عقد حبائل جذامها
تراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يرتبط بعض النفوس حمامها
بل أنت لا تدركين كم من ليلة ... طلق لذيذ لهوها وندامها
قد بت سامرها وغاية تاجر ... وافيت إذا رفعت وعز مدامها
أغلي السباء بكل أدكن عاتق ... أو جونة قدحت وفض ختامها
لصبوح صافية وجذب كرينة ... بموتر تأتاله ابهامها
باكرت حاجتها الدجاج بسحرة ... لأعل منها حين هب نيامها
وغداة ريح قد وزعت وقرة ... إذا أصبحت بيد الشمال زمامها
ولقد حميت الخيل تحمل شكتي ... فرط وشاحي إذا غدوت لجامها
فعلوت مرتقباً على مرهبوة ... حرج إلى أعلامهن قتامها
حتى إذا ألقت يدا في كافر ... وأجن عورات الثغور ظلامها
أسهلت وانتصبت كجذع منيفة ... جرداء يحصر دونها جرامها
رفعتها طرد النعام وفوقه ... حتى إذا سخنت وخف عظامها
قلقت رحالتها وأسبل نحرها ... وابتل من زبد الحميم حزامها
ترقى وتطعن في العنان وتنتحي ... ورد الحمامة إذا أجد حمامها
وكثيرة غرباؤها مجهولة ... ترجى نوافلها ويخشى ذامها
غلب تشذر بالذخول كأنها ... جن البدي رواسياً اقدامها
أنكرت باطلها وبؤث بحقها ... يوماً ولم يفخر علي كرامها
وجزور أيسار دعوت لحتفها ... بمغالق متشابه أعلامها
أدعو بهن لعاقر أو مطفل ... بذلت لجيران الجميع لحامها
فالضيف والجار الغريب كأنما ... هبطا تبالة مخصباً أهضابها
تأوي إلى الأطناب كل رزية ... مثل البلية قالص أهدامها
ويكللون إذا الرياح تناوحت ... خلجاً تمد شوارعاً أيتامها
أنا إذا التقت المجامع لم يزل ... منا لزاز عظيمة جشامها
ومقسم يعطي العشيرة حقها ... ومغذمر لحقوقها هضاما
стр. 114
فضلاً وذو كرم يعين على الندى ... سمح كسوب رغائب غنامها
من معشر سنت لهم آبائهم ... ولكل قوم سنة وأمامها
أن يفزعوا تلق المغافر عندهم ... والسن يلمع كالكواكب لامها
لا يطبعون ولا يبور فعالهم ... إذا لا تميل مع الهوى أحلامها
فبنوا لنا بيتاً رفيعاً سمكه ... فسما إليه كهلها وغلامها
فاقنع بما قسم المليك فإنما ... قسم الخلائق بيننا علامها
وإذا الأمانة قسمت في معشر ... أوفى بأعظم حظنا قسامها
فهم السعادة إذا العشيرة أنظعت ... وهم فوارسها وهم حكامها
وهم ربيع للمجاور فيهم ... والمرملات إذا تطاول عامها
هم العشيرة أن يبطئ حاسد ... أو أن يلوم مع العدى لوامها
تم الاختيار من شعر لبيد ويليه الاختيار من شعر ذي الوزارتين احمد بن زيدون
شعر
ذي الوزارتين أحمد بن عبد الله بن زيدون الأندلسي القرطبي فمن قوله:
يا قمراً مطلعه المرب ... قد ضاق بي في حبك المذهب
ألزمتني الذي الذنب جئته ... صدقت فاصفح أيها المذنب
وان من أغرب ما مر بي ... أن عذابي منك مستعذب
ومن قوله أيضا يتذكر معاهد أصحابه وأحبابه:
خليلي لا فطر يسر ولا أضحى ... فما حال من أسمى مشوقاً كما أضحى
لئن شاقني شرق العقاب فلم أزل ... أخص بممحوض الهوى ذلك السفحا
وما انفك جو في الرصافة مشعري ... دواعي بث تعقب الأسف البرحا
ويهتاج ذميما عهد مجلس ناصح ... فاقبل في فرط الولوع به نصحاً
كأني لم أشهد لدى عين شهدة ... نزال عتاب كان اخره الفتحا
وقائع جانيها التجني وان مشى ... سفير خضوع بيننا أكد الصلحا
وأيام وصل بالععتيق اقتضيته ... فالايكن ميعاده العيد فالفصحا
وآصال لهو في مسناة مالك ... معاطة ندمان إذا شئت أو سبحا
لدى راكد ييبك من صفحاته ... قوارير خضر خلتها مردت صرحا
معاهد لذات وأوطان صبوة ... أجلت المعلى في الأماني بهها قدحا
ألا هل إلى الزهراء أوبة نازح ... تقضى تنائيها مدامعه نزحا؟
مقاصير ملك أشرقت جنباتها ... فخلنا العشاء الجون أثناءها صبحا
يمثل قرطيها لي الوهم جهرة ... فقبتها فالكواكب الرحب فالسطحا
محل ارتياح يذكر الخلد طيبه ... إذا عز أن يصدى الفتى فيه أو يضحى
هناك الجمام الزرق تندى حفافها ... ظلال عهدت الدهر فيها فتى سمحا
تعوضت من شدو القيان خلالها ... صدى فلوات قد أطار الكرى ضبحا
أجل أن ليلي فوق شاطئ نيطة ... لأقصر من ليلي بآنة فالبطحا
وهذه معاهد لبني أيمة بالأندلس، ومنتزهات حال ملكهم لتلك البلاد، وكان ابن زيدون يكلف بولادة المهدي فمن قوله فيها:
يا نازحاً وضمير القلب مثواه ... أنستك دنياك عبداً أنت دنياه
الهتك عنه فكاهات تلذ بها ... فليس يجري ببال منك ذكراه
عل الليالي تبقيني إلى أمل ... الدهر يعلم والأيام معناه
وقال يعاتبها على إغفال عهده:
إني ذكرتك بالزهراء مشتاقا ... والأفق طلق ووجه الأرض قد راق
وللنسيم اعتلال في أصائله ... كأنه رق لي فاعتل إشفاقا
والروض عن مائه الفضي مبتسم ... كما شققت عن اللبات أطواقا
يوم كلذات أيام لنا انصرمت ... بتنا لها حين نام الدهر سراقا
نلهو بما يستميل العين من زهر ... جال الندى فيه حتى مال أعناقا
كأن اعينه إذا عاينت أرقي ... بكت لما بي فجال الدمع رقراقا
ورد تألق في ضاحي منابته ... فازداد منه الضحى في العين إشراقا
كل يهيج لنا ذكرى تشوقنا ... الك لم يعد عنها الصدر أن ضاقا
لو كان وفى المنى في جمعنا بكم ... لكان من أكرم الأيام أخلاقا
لا سكن الله قلبا عن ذكركم ... فلم يطر بجناح الشوق خفاقا
لو شاء حملي نسيم الصبح حين سرى ... وافاكم بفتى أضناه ما لاقى
يا علقي الأخطر الأسنى الحبيب إلى ... نفسي إذا ما اقتنى الأحباب إعلاقا
طكان التجاري بمحض الود مذ زمن ... ميدان انس جرينا فيه إطلاقا
стр. 115
فالآن احمد ما كنا لعهدكم ... سلوتم وبقينا نحن عشاقا
وقال يمدح المعتضد:
أما في نسيم الريح معرق ... لناهل لذات الوقف بالجزع موقف
فنقضي أوطار المنى من زيارة ... لنا كلف منها بما نتكلف
ضمان علينا أن تزار ودونها ... رقاق الظبى والسمهري المثقف
وقوم عدىً يبدون عن صفحاتهم ... وازهرها من ظلمة الحقد اكلف
يودون لو يثني الوعيد زماعنا ... وهيهات ريح الشرق من ذاك أعصف
كفانا من الوصل التحية خلسة ... فيومئ طرف أو بنان مطرف
واني ليستهويني البرق صبوة ... إلى برق ثغر أن بدا كاد يخطف
وما ولعي بالراح إلا توهماً ... لظلم لها كالراح لو يترشف
وتذكرني العقد المرن جمانه ... مرنات ورق في ذرى الأيك تهتف
فما قبل من أهوى البدر هودج ... ولا صان ريم القفر خدر مسجف
ولا قبل عباد حوى البحر مجلس ... ولا حمل الطود المعظم رفرف
هو الملك الجعد الذي في ظلاله ... تكف صروف الحادثات وتصرف
رويته في الحادث الإد لحظة ... وتوقيعه الجالي دجا الخطب أحرف
طلاقة وجه في مضاء كمثل ما ... يروق فرند السيف والحد مرهف
على السيف من تلك الشهامة ميسم ... وفي الروض من تلك الطلاقة زخرف
ولما قضينا ما عنانا أداؤه ... وكل بما يرضيك داع فملحف
أظن الأعادي أن حزمك نائم ... لقد تعد الفسل الظنون فتخلف
رأيناك في أعلى المصلى كأنما ... تطلع من محراب داود يوسف
ولما حضرنا الأذن والدهر خادم ... تشير فيمضي والقضاء مصرف
وصلنا فقبلنا الندى منك في يد ... بها يتلف المال الجسيم ويخلف
لك الخير أني لي بشكرك نهضة ... وكيف أؤدي شكر ما أنت مسلف
أفدت بهيم الحال مني غرة ... يقابلها طرف الحسود فيطرف
ولولاك لم يسهل من الدهر جانب ... ولا ذل مقتاد ولا لان معطف
ولما مات المعتضد رثاه وذكر إكرام المعتمد له وبره فقال:
أعباد يا أوفى الملوك لقد سطا ... عليك زمان من سجيته الغدر
فهلا عداه أم علياك حلية ... وذكرك في أردان أيامه عطر
أأنفس نفس في الورى أقصد الردى ... وأخطر علق للندى أفقد الدهر
إذا الموت أضحى قصر كل معمر ... فان سواء طال أو قصر العمر
ومنها:
فهل علم المقدس إنني ... مسوغ حال ضل في كنهها الفكر
وان متابي لم يضعه محمد ... خليفتك العدل الرضى وابنك البر
وأرغم في بري انوف عصابة ... لقاؤهم جهم ومنظرهم شزر
إذا ما استوى في الدست عاقد حبوة ... وقام سماط حافل فلي الصدر
وله بعد فراره من سجن أبي الحزم ابن جهور وقد أقام بقرطبة متواريا ويخاطب الأديب أبا بكر له عند أبي الحزم:
شحطنا وما الدار نأي ولا شحط ... وشط بمن نهوى المزار وما شطوا
أأحبابنا ألوت بادث عهدنا ... حوادث لا عقد عليها ولا شرط
لعمركم أن الزمان الذي قضى ... بشت جميع الشمل منا لمشتط
واما الكرى مذ لم أزركم فهاجر ... زيارته غب وإلمامه فرط
وما شوق مقتول الجوانح بالصدى ... إلى نطفة زرقاء أضمرها وقط
بأبرح من شوقي إليكم ودون ما ... أدير المنى عنه القتادة والخرط
وفي الربرب الإنسي أهوى كناسه ... نواحي فؤادي لا الكثيب ولا السقط
غريب فنون الحسن ترتاح درعه ... متى ضاق ذرعا بالذي حازه المرط
كأن فؤادي يوم أهوى مودعا ... هوى خافقاً منه بحيث هوى القرط
إذا ما كتاب الوجد أشكل سطره ... فمن زفرتي شكل ومن عبرتي نقط
إلا هل اتى افتيان أن فتاهم ... فريسة من يعدو ونهزة من يسطو
وان الجواد الفائت الشأو صافن ... تخونه شكل وأزرى به ربط
وان الحسام العضب ثاو بجفنه ... وما ذم من غربيه قد ولا قط
عليك أبا بكر بكرت بهمة ... لها الخطر العالي وان نالها حط
أبي بعدما هيل التراب على أبي ... ورهطي فذاً حين لم يبق لي رهط
لك النعمة الخضراء تندى ظلالها ... علي ولا جحد لدي ولا غمط
стр. 116
ولولاك لم تثقب زناد قريحتي ... فينتهب الظلماء من نارها سقط
ولا الفت أيدي الربيع بدائعي ... فمن خاطري نثر ومن روضه لقط
هرمت ما للشيب وخط بمفرقي ... ولكن لشيب الهم في كبدي وخط
وطاول سوء الحال نفسي فاذكرت ... من الروضة الغناء طاولها القحط
مئون من الأيام خمس قطعتها ... اسيراً وان لم يبد شد ولا ربط
أتت بي كما ميص الإناء من الأذى ... واذهب مابالثوب من دون مسط
أتدنو قطوف الجنتين لمعشر ... وغايتي السدر القليل أو الخمط
وما كان ظني أن تغرني المنى ... وللغر في العشواء من ظنه خبط
أما وأرتني النجم موطئ أخمصي ... لقد أوطأت خدي لا خمص من يخطو
ومستبطئ العتبي إذا قلت قد أنى ... رضاه تمادى العتب واتصل السخط
وما زال يدنيني وينأى قبوله ... هوى سرى منه وصاغية فرط
ونظم ثنائي في نظام ولائه ... تحلت به الدنيا لآلئه وسط
على خصرها منه وشاح مفصل ... وفي رأسها تاج وفي جيدها سمط
عدا سمعه عني وأصغى إلى عدى ... لهم في أديمي كلما استمكنوا عط
بلغت المدى إذا قصروا فقلوبهم ... مكامن أضغان اساودها رقط
يولونني عرض الكراهة والقلى ... وما دهرهم إلا النفاسه والغبط
ولما انتخوني بالتي لست أهلها ... ولم يمن أمثالي بأمثالها قط
فررت فإن قالوا الفرار أرابة ... فقد فر موسى حين هم به القبط
واني لراج أن تعود كبدئها ... لي الشيمة الزهراء والخلق السبط
وحلم امرئ تعفى الذنوب لعفوه ... وتمحى الخطايا مثل ما محي الخط
فمالك لا تختصني بشفاعة ... يلوح على دهري لميسمها علط
يفي بنسيم العنبر الورد نفحها ... إذا شعشع المسك الأحم به خلط
فإن يسعف المولى فنعمى هنيئة ... تنفس عن نفس ألظبها ضغط
وان يأب الاقبض مبسوط فضله ... ففي يدمولى فوقه القبض والبسط
ولم يزل يروم دنو ولادة، ويتعذر عليه، فلما يئس من لقائها كتب إليها يستديم عهدها، ويعتذر من فراقها بالخطب الذي غشيه، ويعلمها انه ما سلا عنها وهي قصيدة ضربت في الإبداع بسهم. وطلعت في كل خاطر ووهم، ونزعت منزعاً قصر عنه حبيب وابن الجهم أولها:
أضحى التنائي بديلا من تدانينا ... وناب عن طيب لقيانا تجافينا
بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا ... شوقا إليكم ولا جفت مآقينا
نكاد حين تناجيكم ضمائرنا ... يقضي علينا الاسى لولا تأسينا
حالت لفقدكم أيامنا فغدت ... سوداً وكانت بكم بيضاً ليالينا
إذا جانب العيش طلق من تألفنا ... ومربع اللهو صاف من تصافينا
واذ هصرنا غصون الانس دانية ... قطوفها فجنينا منه ماشينا
ليسق عهدكم عهد السرور فما ... كنتم لأرواحنا إلا رياحينا
من مبلغ ملبسينا بانتزاحهم ... حزناً مع الدهر لا يبلى ويبلينا
أن الزمان الذي ما زال يضحكنا ... أنساً بقربكم قد عاد يبكينا
ما حقنا أن تقروا عين ذي حسد ... بنا ولا تسروا كاشحا فينا
غيظ العدى من تساقينا الهوى فدعوا ... بأن نغص فقال الدهر آمينا
فانحل ما كان معقوداً بأنفسنا ... وانبت ما كان موصولا بأيدينا
وقد نكون وما يخشى تفرقنا ... فاليوم نحن وما يرجى تلاقينا
لم نعتقد بعدكم إلا الوفاء لكم ... رأياً ولم نتقلد غيره دينا
لا تحسبوا نأيكم عنا يغيرنا ... أن طالما غير النأي المحبينا
والله ما طلبت أهواؤنا بدلاً ... منكم ولا انصرفت عنكم أمانينا
ولا استفدنا خليلاً عنك يشغلنا ... ولا اتخذنا بديلاً منك ينسينا
يا ساري البرق غاد القصر فاسق به ... من كان صرف الهوى والود يسقينا
ويا نسيم الصبا بلغ تحيتنا ... من لو على البعد حيا كان يحيينا
يا روضة طالما أجنت لواحظنا ... ورداً جلاه الصبا غضاً ونسرينا
ويا حياة تملينا بزهرتها ... منا ضروباً ولذات أفانينا
ويا نعيماً خطرنا من غضارته ... في وشي نعمى سحبنا زيله حينا
لسنا نسميك اجلالا وتكرمة ... وقدرك المعتلي عن ذاك يغنينا
стр. 117
إذا انفردت وما شوركت في صفة ... فحسبنا الوصف إيضاحا وتبيينا
يا جنة الخلد بدلنا بسدرتها ... والكوثر العذب زقوماً وغسلينا
كأننا لم نبت والوصل ثالثنا ... والسعد قد غض من اجفان واشينا
أن كان قد عز في الدنيا اللقاء ففي ... مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا
سران في خاطر الظلماء يكتمنا ... حتى يكاد لسان الصبح يفشينا
لاغرو في أن ذكرنا الحزن حين نهت ... عنه النهى وتركنا الصبر ناسينا
إذا قرأنا الأسى يوم النوى سوراً ... مكتوبة وأخذنا الصبر تلقينا
أما هواك فلم نعدل بمنهله ... شرباً وان كان يروينا فيطمينا
لم نجف أفق جمال أنت كوكبه ... سالين عنه ولم نهجزه قالينا
ولا اختياراً تجنبناه عن كثب ... لكن عدتنا على كره عوادينا
دومي على العهد ما دمنا محافظة ... فالحر من دان انصافا كما دينا
فما استعضنا خليلا منك يحبسنا ... ولا استفدنا حبيباً عنك يثنينا
ولو صبا نحوك من علو مطلعه ... بدر الدجى لم يكن حاشاك يصبينا
أبكي وفاءً وان لم تبذلي صلة ... فالذكر يقنعنا والطيف يكفينا
وفي الجواب متاع لو شغفت به ... بيض الأيادي التي ما زلت تولينا
عليك مني سلام الله ما بقيت ... صبابة بك نخفيها فتخفينا
تم الاختيار ن شعر ابن زيدون وأخباره ويليه الاختيار من شعر ابن شرف وأخباره.
شعر
ابن شرف قال صاحب قلائد العقيان: هو الحكيم الأديب أبو الفضل بن شرف الناظم، الناثر، الكثير المعالي والمآثر، الذي لا يدرك باعه، لا يترك اقتفاؤه وإتباعه، أن نثر رأيت بحراً يزخر، وان نظم قلد الأجياد دراً تتباهى به وتفخر، وان تكلم في علوم الأوائل بهرج الأذهان والألباب، وولج منها في كل باب، وهو اليوم بدر هذه الآفاق، وموقف الاختلاف والاتفاق مع جري في ميدان الطلب إلى منتهاه، وتصرف بين سماكه وسهاه، وتصانيف في الحكم ألف منها ما ألف، وتقدم فيها وما تخلف، فمنها كتابه المسمى ب (سر البر) وجزؤه الملقب ب (نجح النصح) وسواها من تصانيف اشتمل عليها الأوان وحواها. فمن حكمه قوله: العالم مع العلم كالناظر في البحر يستعظم منه ما يرى، وما غاب عنه أكثر. ومنها: لولا التسويف كثر العلم؟ ومنها: الفاضل في الزمن السوء كالمصباح في البراح قد كان يضيء لو تركته الرياح، ومنها: لا تكن بالحال المتزايدة أغبط منك بالحال المتناهية، فالقمر آخر إبداره أول إدباره. ومنها: لاتكن بقلبلك أغبط منك بكثير غيرك، فان الحي برجليه، وهما ثنتان أقوى من الميت على أقدام الحملة، وهما ثمان. ومنها: الملتبس بمال السلطان كالسفينة في البحر أن أدخلت بعضه في جوفها أدخل جميعها في جوفه. ومنها: التعليم فلاحة الأذهان، وليس كل ارض منبتة. ومنها: الجازم من شك فروى، وأيقن فبادر. ومنها: قول الحق من كرم العنصر كالمرآة كلما كرم حديدها أرت حقائق الصفات. ومنها: رب مسامح بالعطاء على باخل بالقبول. ومنها: ليس المحروم من سئل فلم يعط، وإنما المحروم من أعطي فلم يقبل.
ومنها: يا ابن آدم تذم أهل زمانك وأنت منهم، كأنك وحدك البريء كلا بل جنيت وجني عليك، فذكرت ما لديهم، ونسيت ما لديك. ومنها: اعلم أن الفاضل الذكي لا يرتفع أمره، أو يظهر قدره كالسراج لا تظهر أنواره أو يرفع مناره، والناقص الدنيء لا يبلغ نفعه إلا كهوجل السفينة لا ينتفع بضبطه إلا بعد الغاية في حطه. ومن بديع قوله في قصيدة أولها:
تخطو فتولي ذيول العصب والحبر ... ضعيفة الخطو والميثاق والنظر
تخطو فتولي الحصى من حليها نبذا ... وتخلط العنبر الوردي بالعفر
غيري الخلي بما تبديه من قلق ... في الوشح أو غصص تخفيه في الازر
لم أدر هل الخلخال من غضب ... عليه أم لعب الزنار من أشر
تلفتت عن طلى وسنان وابتسمت ... عن واضح مثل نور الروضة العطر
أن نلت رياه لم أطمع بمطعمه ... لأن روض الصبا نور بلا ثمر
ما لذ للعين نوم بعد ما ذكرت ... ليلاً سمرناه بين الضال والسمر
تساقط الطل من فوق النحور ربه ... تساقط الدر في اللبات والثغر
ومفرق الليل قد شابت ذوائبه ... فيت أدعو له بالطول في العمر
стр. 118
والليل يعجب والظلماء جانحة ... من ساهر يشتكي لليل بالقصر
فبت أجزع من ليل لواضحة ... تبدو وأبخل من روض على سحر
يامن جفا فجفاني الطيف هجرك لي ... بأي عذر فعذر الطيف في السهر
ذكرت بالسفح شملاً غير منصدع ... بالنائبات ونظماً غير منتثر
بكل بيضاء خود خلتها جمدت ... من اسكينة أو ذابت من الخفر
ومنها في وصف السيف:
أن قلت ناراً اتندى النار ملهبة ... أو قلت ماءً أيرمي الماء بالشرر
ومنها في وصف الدرع
من كل مأذية أنثى فيا عجبا كيف استهانت بوقع الصارم الذكر
وله من قصيدة أخرى أولها:
ما الرسم من حاجة المهرية الرسم ... ولا مرام المطايا عند ذي أرم
ردي شبا الخط تهدين الركاب فما ... بالبيد للركب من هاد ولا علم
حثي المطي وشدي في دوائرها ... هذا اوان اقتضاء الشد من زيم
ريعت لنبأة سامي السوط فالتفتت ... صعر الخدود إلى سواقة حطم
صبت على صهوات الناجيات وقد ... أخفت سروج المطايا صولة اللجم
منوطة بغواشي البيض راحته ... كأنما اختلطت بالصارم الخذم
بتنا نكالئ طرف العين عن سنة ... والطيف يستأذن الأجفان في الحلم
معرسين بإغفال البطاح لنا ... تحت الوشيج مبيت الأسد في الأجم
قامت تغبطني بالحرص سالكة ... بين السبيلين لم تقعد ولم تقم
ظنت بي العجز فارتابت فخاصمها ... جور الزمان فلم تغدر ولم تلم
اني وان غرني نيل المنى لأرى ... حرص الفتى خلة زيدت على العدم
فما عكفت بآمالي علو وثولا سجدت بأشعاري إلى صنم
أهل المناظر والألباب خالية ... لا يعدمون من الدنيا سوى الفهم
نالوا الحظوظ فما نالوا موافقة ... كما تقاسمت الايسار بالزلم
لما رأيت الليالي قد طبعن على ... جدب الأسود وخصب ا؟ النعم
رجعت أضحك والإعوال أجدر بي ... من ميسر كان فيه الفوز للبرم
تقلدتني الليالي وهي مدبرة ... كأنني صارم في كف منهزم
ذهبت بالنفس لا الوي على نشب ... وان دعيت به ابن المجد والكرم
فللمصارع أطراف اليراع يد ... بنت لي المجد بين السيف والقلم
ومن مديحها:
وان أحمد في الدنيا وان عظمت ... لواحد مفرد في عالم الأمم
تهدى الملوك به من بعدما نكصت ... كما تراجع فل الجيش للعلم
رحب الذراع طويل الباع متضح ... كأن غرته نار على علم
من الملوك الالى اعتادت أوائلهم ... سحب البرود ومسح المسك باللمم
زادت مرور الليالي بينهم شرفا ... كالسيف يزداد إرهافا على القدم
تسنموا انكبات الدهر واختلطوا ... مع الخطوب اختلاط البرء بالسقم
معوق السيل لا تنفك راحته ... من كف معتلق أو ثغر مستلم
مكارم حكمت في ذاته يدها ... فكدت أرحمها من سطوة الكرم
أضنى فؤادي واوهاه تحملها ... حتى وضعت يدي منه على ألمي
كأنني إذا أوالي قبل راحته ... عجزت عن شكره حتى سددت فمي
ومن أخرى أولها:
سروا ما امتطوا إلا اظلام ركائبا ... ولا اتخذوا إلا النجوم صواحبا
وقد وخطت أرماحهم مفرق الدجى ... فبات باطراف الاسنة شائبا
وليل كطي المسح جبنا سواده ... كأنا امتطينا من دجاه النوائبا
خطبنا به اظلماء حتى كأنما ... ضربنا بايدي العيس إبلا غرائبا
وركب كأن البيض أمست ضرائبا ... لهم وهم أمسوا لهن ضرائبا
إذا أوبوا صاروا شموساً منيرة ... وان أدلجوا أمسوا نجوماً ثواقبا
طوال الباع والخيل والقنا ... تخالهم فوق الجياد أهاضبا
فما يحملون السمر إلا عواليا ... ولا يركبون الخيل إلا سلاهبا
إذا اعتقلوا للطعن عواليا ... أو اتشحوا للضرب بيضاً قواضبا
وطال بليل الدار هم أبت له ... نجوم الدياجي أن تؤوب غواربا
ومذ وطئت أبناء مروان ذروة ... من الشرق آلت لا تجب المغاربا
ثوابت في جو السماء تخالها ... بها لبني عبد العزيز مناقبا
وله من قصيدة أولها:
أرح خطاك فحلي النجم قد نهبا ... وقد قضى الشرق من وصل الدجى أربا
стр. 119
أنا ركبنا من الظلماء جانحة ... كأننا من دجاه نمتطي نوبا
سل النجوم هل ارتابت بصحبتنا ... لما أثرن إليهن القنا السلبا
إذا استمرت بمجرى النجم سالكة ... خلت المجرة من آثارها ندبا
تهفو الركاب فتهدينا أسنتنا ... كأنما عارضت أطرافها الشهبا
وباتت الخيل يقدحن الحصى حنقاً ... حتى تضرم ذيل الليل والتهبا
تلك الفوارس لا تثني أعنتها ... عن وجهة أوينال السيف ما طلبا
باتوا على نشوة ما هاجها طرب ... وقد أداروا بكاسات السرى نغبا
إذا اثاروا القنا عن جنح مظلمة ... شالوا النجوم على أطرافها عذبا
وله يمدح أبا بكر الوزير:
خيال زارني عند الصباح ... وثغر الشرق يبسم عن أقاح
وقد حشر الصباح له ونادى ... فأصغى النجم منه إلى الصباح
وفاض على الكواكب وهو طام ... فطار النسر مبلول الجناح
وزائرة طردت لها منامي ... وقد عقد الكرى راحاً براحي
وأدناها الهوى حتى أحلت ... وباتت بين ريحان وراح
تهز الغصن في حقف مهيل ... وتفري الليل عن قمر لياح
وأضناني الهوى فنعت نحولي ... وهل ينعى النحول على الصفاح
وقد حملت عبء الحب ضعف ... حمل الخصر للكفل الرداح
أحن إلى رضاك وفيه برئي ... كما حن المال من ايدي الشحاح
سأفزع في هواك لحسن صبركما فزع الجبان إلى السلاح
واقتدح الرغيبة من ركاب ... براهن السرى بري القداح
تعنف أن رأت شأواً بعيداً ... ومن يثني الجواد عن الجماح
سرى جبنا به الظلماء حتى ... سبقنا البائتين إلى اصباح
إذا ونت الكواكب عن مداها ... حفزناها بأطراف الرماح
ومن كان الوزير له ظهيراً ... يسم راعيه في حي لقاح
بحيث الرعي في أحوى أحم ... وحيث الورد في شبم قراح
من القوم العزيزين أهل العلى والطوال والنسب الصراح
أقاموا المجد في سمك علي ... ومدوا العز في أرض فياح
فآوى كل عاف من ذراهم ... إلى بيض اللمى خضر البطاح
وقد وقام العلى عنهم خطيباً ... وصاح الجود حي على الفلاح
بأبنية وأعمدة طوال ... وراحات وساحات فساح
أبا بكر كتمت علاك حلماً ... فنم على الربى طيب الفواح
فكم تحيي الوالي بامتنان ... وكم تردي المعادي باجتياح
يمين ملكت رق المساعي ... وكف أعذبت ماء السماح
وفضل لا ينيب إلى نصيح ... وجود لا يصيخ لقول لاح
وحلم أوسع الدنيا وقاراً ... وقد خفقت له خفق الجناح
لأعمى الفكر عن عيب الموالي ... أصم الجود عن قول اللواحي
فتى تجد الأماني في يديه ... وجود الري في الماء القراح
يجلي حادث الدنيا بوجه ... كأن جبينه فلق الصباح
أضاء بوجهه أفق الدياجي ... وقام بكفه علم النجاح
طلعت على العلى من كل باب ... وجزت المجد من كل النواحي
وجاء بك الزمان على اكتهال ... فكنت الروض فاح مع الرواح
فكف للسيادة ذات بسط ... وطرف للمعالي ذو طماح
غضبت لكل حق مستباح ... ولم تغضب لمال مستباح
فكيف نصرت كل حمىً مذال ... ولم تنصر حمى المال المباح
نوالك من ولاتك ذو تدان ... وقدرك عن عداتك ذو انتزاح
تداركت انصداعاً بانشعاب ... وصيرت الفساد إلى الصلاح
فقد بدلت كرباً بانفراج ... وقد عوضت ضيقاً بانفساح
وداويت الليالي من رداها ... وقد ناديت يا آسي الجراح
فقد أشفيتها من كل داء ... وقد أسقيتها بعد التياح
دعوت المعتفين لغير مأوىوأحللت الطريد أعز ساح
فما للفضل فيها من زوال ... وما للمجد عنها من براح
لقد أنسى زمانك كل عيد ... بعز ثابت وأسى مزاح
وذي الأيام أعياد الأيادي ... فكيف تضيفهن إلى الأضاحي
وكتب إليه بعض أصحابه ابن اللبانة هذه الأبيات:
يا روضة أضحى النسيم لسانها ... يصف الذي تهديه من أرجائها
ومن اغتدى ثم اهتدى لطريقة ... ما ضل من يسعى على منهاجها
طافت بكعبتك المعالي إذا رأت ... أن النجوم الزهر من حجاجها
стр. 120
شغلت قضيتك النفوس فأصبحت ... مرضى وفي كفيك سر علاجها
هلا كتبت إلى الوزير برقعة ... تصبو معاطفه إلى ديباجها
تجد السبيل لهم ولاتك للمنى ... وينير سعيهم بنور سراجها
أنت السماء فما بهالك رقعة ... طلعت عليها الشهب من أبراجها
ضحت مفارق كل فضل عنده ... فاجعل قريضك درة في تاجها
فراجعه أبو الفضل:
يا منجدي والدهر يبعث حربه ... شعثاء قد لبست رداء عجاجها
لله درك إذا بسطت إلى الرضى ... نفساً تمادى الدهر في إخراجها
وأرقت ماء الود في نار الأسى ... كالراح يكسر حدها بمزاجها
فيأتني تلك الغمام فبردت ... من غلة كالنار في انضاجها
فأويت تحت ظلالها ووجدت بر ... د نسيمها وكرعت من ثجاجها
حاولت مني أن أطارد حاجة ... مرضت فاعيا الناس باب علاجها
قل كيف تنعش بعد طول عثارها ... أم كيف تفتح بعد سد رتاجها
هيهات لاتثنى النفوس لوجهة ... من بعد ما رجعت إلى إدبارها
لأزيد في أمري وضوجاً بعدما ... قامت براهين على منهاجها
فأكون أن زدت الصباح أدلة ... خرقاء تمشي في الضحى بسراجها
دعني ابرد بالقناعة غلة ... يأس النفوس أحق في اثلاجها
بكر بخلت على الانام بوجهها ... ومنعتها من ليس من أزواجها
وصرفتها محجوبة بصوانها ... مثل السلوك تصان في أدراجها
كالنور في اكمامها والبيض في ... اغمادها والغيد في ادراجها
فالنفس أن ثبتت على أخلاقها ... اعيا على النصاح طول لجاجها
تم الاختيار من شعر ابن شرف ويليه الاختيار من شعر الداني.
شعر
أبو بكر الداني هو الأديب الشاعر المجيد ذو الباع المديد والانطباع الفريد أبو بكر الداني المعروف بابن اللبانة عفى الله عنه.
فمن شعره قوله يتغزل:
تولى السرب خفية من يليه ... وأفلت من حبائل قانصيه
على شرف الخميلة كان حتى ... توجس نبأةً من خاتليه
فمر على مهب الريح يعدو ... بأسرع من مدامع عاشقيه
تعلق آخر البطحاء هضبا ... تأمل منه خيفة آمليه
وصادف عنده مرعى مريعاً ... فاصبح يشرئب ويرتعيه
توجه حيث لم تقفى خطاه ... بمنسوب إلى آل الوجيه
بمياع الأديم يكاد يغشي ... بنقبته نواظر مبصريه
ودخل ميورقة وتلقاه ملكها ناصر الدولة فأكرمه وزاد في إكرامه فمدحه بقوله:
حنيت جوانحه على جمر الغضى ... لما رأى برقاً أضاء بذي الاضا
واشتم في ريح الصبا ارج الصبا ... فقضى حقوق الشوق فيه بأن قضى
والتف في حبراته فحسبتها ... من فوق عطفيه رداء فضفضا
قالوا الخيال حياته لو زاره ... قلت الحقيقة قلتم لو غمضا
يهوى العقيق وساكنيه وان يكن ... خبر العقيق وساكنيه قد انقضى
ويود عودته إلى ما اعتاده ... ولقلما عاد الشباب وقد مضى
ألف السرى فكأن نجماً ثاقباً ... صدع الدجى منه وبرقاً مومضا
طلب الغنى من ليله ونهاره ... فله على القمرين مال يقتضى
مهما بدت شمس يكون مذهبا ... وإذا بدى بدر يكون مفضضا
هذا أفاد وفاد غير مقصر ... جهد المقل بأن يموت مفوضا
ولرب ربة حانة نبهتها ... والجو لؤلؤ طله قد رضرضا
وقد انطفت نار القرى وبقي على ... مسك الدجى مذرور كافور الغضى
والليل قد سدى والحم ثوبه ... والفجر يرسل فيه خيطاً أبيضا
ومتى ركبت لها أعالي أيكة ... نشرت جناحاً للرياض معرضا
والبحر يسكن خفية من ناصر ... أرضى الرياسة بعد فقد المرتضى
ملك سمت علياه حتى دوخت ... وزكى ثرى نعماه حتى روضا
ماء الغمائم جرعة مما سقى ... وسنى الأهلة خلعة مما نضا
حفت عليه راية وذؤابة ... فكأن صلاً نحو صل نضنضا
وكان المرتضى رحمه الله تعالى هو الذي أورث ناصر الدين الملك، قلم يزل يكرم أولياءه، ويبرهم ويتفقدهم بما يسرهم. وقال يمدحه بقصيدة أولها:
هلا ثناك علي قلب مشفق ... فترى فراشاً في فراش يحرق
أتت المنية والمنى فيك استوى ... ظل الغمامة والهجير المحرق
стр. 121
لك قد ذابلة الوشيج ولونها ... لكن سنانك أكحل لا ازرق
ويقال انك ايكة حتى إذا ... غنيت قيل هو الحمام الأورق
يامن رشقت إلى السلو فردني ... سبقت جفونك كل سهم يرشق
لو في يدي سحر وعندي أخذلجعلت قلبك بعد حين يعشق
جسدي من الأعداء فيك لأنه ... لا يستبين لطرف طيف يرمق
لم يدر طيفك موضعي من مضجعي ... فعذرته في انه لا يطرق
جفت لديك منابعي ومنابتي ... فالدمع ينشع والصبابة تورق
وكأن أعلام الأمير مبشر ... نشرت على قلبي فأصبح يخفق
الخيزرانة تلتظي في كفه ... والتاج فوق جبينه يتألق
وكأن صوب حياً وصعقه بارق ... ما ضم منه نديه والمأزق
متباعد الطرفين جود غافل ... عما يحل به وعزم مطرق
بأس كما جمد الحديد وراءه ... كرم يسيل كما يسيل الزئبق
لا تعجب الأملاك كثرة مالهم ... النبع أصلب والأراكة أورق
ضدان فيه لمعتد ولمعتف ... السيف يجمع والعطاء يفرق
ومنها:
وبنو الحروب على الحرابي التي ... تردي كما تردي الجياد السبق
خاضت غدير الماء سابحة به ... فكأنما هي في سراب أنيق
ملأ الكماة بطونها وظهورها ... فأتت كما يأتي السحاب المغدق
وقال فيه:
رأت بك أوجه العليا مباها ... وعاد على لواحظها كراها
وجاءت فيك السنة المعالي ... بآيات تشرف من تلاها
سواك يسير في أرض فأما ... خطاك فبالمجرة لا سواها
كأن الشهب إذا تجري لسعد ... تخط لك الطريق على ذراها
وله أيضا:
بكت عند توديعي فما علم الركب ... إذاك سقيط الرأم لؤلؤ رطب؟
وتابعها سرب واني لمخطئ ... نجوم الدياجي لا يقال لها سرب
لئن وقفت شمس النهار ليوشع ... فقد وقفت شمس الهدى لي والشهب
عقيلة بيت المجد لم ترها الدجى ... ولا لمحتها الشمس وهي لها ترب
ظبى الهند مما ذب عنها وإنما ... تلطف لي فيها بخدعته الحب
سرت وبروج النيرات قبابها ... وقدامها من كل خاطفة قب
وما دخلت إلا المجرة وادياً ... فليس لها إلا بإعطانها شرب
وبحر سوى بحر الهوى قد ركبته ... لأمر كلا البحرين مركبه صعب
غريب على جنبي غراب نهوضه ... بقادمتي ورقاء مطلبها شعب
كأني قذى في مقلة وهو ناظر ... بها والمجاذيف التي حولها هدب
ولما رأت عيني جناب ميورق ... امنت وحسب المرء بغيته حسب
نزلت بكافر وتبر وجوهر ... يقال لها الحصباء والرمل والترب
وقلت المكان الرحب اين فقيل لي ... ذوا ناصر العلياء اجمعه رحب
ثم أن الناصر تغير له وجفاه ولم يراع قديم صحبته وأخاه فكتب إليه يستعطفه بقوله:
نسيمك حتام لا ينبري ... وطيفك حتام لا يعتري؟
أتذكر أيامنا بالحمى ... وأيامنا بجوى الأعصر؟
ألا رأفة من وفي صفي ... ألا عطفة من سني سري
رمى زحل في أظفاره ... وحل يداً عني المشتري
عطارد هل لك من عودة ... فأرجع منك إلى عنصري
سيطلبني الملك مهما أراد ... لباس نسيج من الفخر
ولو أن كل حصاة تزين ... لما جعل الفضل للجوهر
فلم يجبه.
وكتب إليه أيضاً:
اذكر من لم ينس عهداً ولا ينسى ... وأبسط في أكناف ساحتنا النفسا
وأنشئها خلقاً جديداً واغتدي ... بظل علاه اعتدي معه الأنسا
والبس ريعان الشباب وطالما ... لبست الخطوب السود ماذية ورسا
واني واياه لمزن روضة ... يباكرني سقيا وازكوله غرسا
صفا بيننا من خالص الود جوهر ... غلبنا به في نور جوهرها الشمسا
وما أنا إلا من علاه مكون ... غدوت له نوعاً وأصبح لي جنسا
مكارمه مرعى إلى جنب معقل ... أرود إذا أضحى وآوي إذا أمسى
وأورد خمساً كل يوم بمائه ... وكم لي دهر قد مضى لم أرد خمسا
أبا لقاسم اشرب قهوة العز وانتقل ... ثنائي ومن فضل الكؤوس اسقني كأسا
وخذ بيدي من عثرة قصرت يدي ... وكنت أخا بأس فلم تبق لي بأسا
رميت لها فضفاضتي ومهندي ... وخطيتي والنبل وأقوس والترسا
стр. 122
ثغور المعالي قابلتك ضواحكا ... فصل لثمها وامصص مراشفها اللعسا
وأجيادها مالت عليك نواعماً ... كما مالت الأغصان فاتعم بها لمسا
ولا ذكر في الأفواه حاشاك انما ... صفاتك آيات ولعنا بها درسا
إليك بها دراً تلقب أحرفا ... وقطعة ديباج يسمونها طرسا
وفضلك في الاغضاء عما بعثته ... فليس يجيد ال شعر من عدم الحسا
فلما لم يجبه الناصر عزم على الارتحال وقال يودع اخوانه:
أقول تحية وهي الوداع ... خداعاً لي وما يغني الخداع
أعلل بالمنى قلباً شعاعاً ... ولن يتعلل القلب الشعاع
واترك جيرة جاروا وشدوا ... أضاعوني وأي فتى أضاعوا
إذا لم يرع لي أدب وبأس ... فلا طال الحسام ولا اليراع
لقد باعتني الأيام بخساً ... وعهدي بالذخائر لا تباع
أجفتني ولم ينبت ربيع ... وحطتني ولم يثبت يفاع
ومكنت العدى مني فعاثت ... بلحمي ضعف ما عاث السباع
ثم قال يعاتب ناصر الدولة ويودعه:
سلام على المجد يندى بليلا ... كنشر الربى بكرة أو أصيلا
سلام وكنت أقول الوداع ... ولكن أدرج قلبي قليلا
أخاف عليه انصداع الصفاة ... ولا يكون زجاجا عليلا
جرحت لديك وكنت البري ... كما يجرح اللحظ خداً أسيلا
ولو لم أكن ماضي الشفرتين ... لما فلني الدهر عضبا صقيلا
أتت ذلة منك محبوبة ... فلم أرض بالعز منها بديلا
تلقيت فيها سواد الخطوب ... فاشبه عندي طرفاً كحيلا
تم الاختيار من شعر الداني وأخباره، يليه الاختيار من شعر الأستاذ أبي محمد بن سارة الشنتريني الأندلسي عفى الله عنه.
شعر
ابن سارة قال صاحب قلائد العقيان: هو سابق الحلبة، وعقد تلك البة، لا يشق غباره في ميدان النظام، ولا تنسى أخباره في قلة ارتباط وانتظام، فمن قوله يمدح القاضي اباامية:
قدمت بين يدي مديحك هذه ... والوبل يبدو ولا رذاذه
والسهم يبدو في ترنم قوسه ... مقدار غلوته وكنه نفاذه
والطرف يعلم عتقه في طرفه ... قبل احتماء الحضر في افخاذه
وكذا المهند يستبان مضاؤه ... في صفحتيه ولم يقع بجذاذه
كم ذا يعذبني الرجاء ولا أرى ... للحظ إقبالاً على إغذاذه
والذكر منك على لسان مودتي ... احلى من البرني أو إذاذه
في قلب ليل قطعته عزائمي ... فبكت فراقده على افلاذه
أو في رداء ضحى تراه معصفراً ... عند الأصيل بحمرة من ذاذه
وسراب كل ظهيرة مترقرق ... يختال عطفي في ملاءة لاذه
والركب من كأس الكرى مترنح ... كالشراب في المأخوذ من كلواذه
والشمس في كف الهواء سنجنجل ... يتوقد الهندي من فولاذه
أن قابلت مرآة رأيك أبصرت ... منها شبيها في يدي انفاذه
لو أن عدلك يجتديه زماننا ... لم يلقنا بالجور في استحوازه
ولكان بالإسعاف يلقى ناظري ... فيطوف منه بركنه وملاذه
أصبحت ليثاً في مخالب ثعلب ... من مطلبي في روغه ولواذه
استاذه الزمن الخبيث وللفتى ... شيم تلوح عليه من استاذه
للناس عيش درت الدنيا لهم من دوننا بنعيمه ولذاذه
اخذوا موفوراً كما شاؤوا ولم ... يؤذن لنا فنكون من اخاذه
حضروا وغبنا شذذاً ولربما ... حرم الغنى من كان من شذاذه
وأراهم هذوا وابطأنا وقد ... يدنو بعيد الخطو من هذاذه
ليست تؤد أخا اقتضاء غيلة ... مستظهراً فيها بخفة حاذه
فذاً إذا زحف الزمان بجمعه ... رفض الجميع وحل في أفذاذه
يصمي الافن من السهام وربما ... أنمى المريش على وفور قذاذه
والمرء قد يحنى الرضا من سخطه ... كالليث يفرس وهو في أسفاذه
وقذ الزمان جوانحي ووقذته ... فانظر إلي موقوذه ووقاذه
أن صدعن رمحي بثغرة نحره ... فسنان رمحي واقع في كاذه
لما ذكرتك لاذ بين صروفه ... يبغي النجاة ولات حين لياذه
اني منيت من الزمان بصاحب ... قاسي الفؤاد خبيثه لو آذه
وافيت مرسيه فوافى قائلا ... بتصلف ما شاء ليبست هذه
стр. 123
فمتى اصول عليه يا ابن عصامها ... سباق ميدان العلى بذاذه
ومتى أرى سعيي بدهري هازلا ... وعلاه منه يجد في استنقاذه
يا ويح قلبي كم يضيق وكلمه ... يسع الفجاج الفيح في إنقاذه
زادت عوائق دهره في برحة ... إذا حان منها عوذه بمعاذه
قاض تقابلنا حبا ابراده ... بابي هريرة في التقى ومعاذه
ظمئت إلى ماء الفرات جوانحي ... وانأ مقيم في ثرى بغداذه
ناديت بدر التم أن شئت السنى ... من غير نقص فالقه أو حاذه
فلألقين به الزمان وأهله ... في تيه قيصره وزهو قباذه
وكتب إليه يستنجده:
أشيع أيامي بليت وعلما ... وأشغل أوصافي بما وكأنما
وأزمع يأساً ثم اذكر إنني ... بحضرة أزكى الناس فرعا ومنتمى
فارتقب العتبى وأشدو تعللا ... عسى وطن يدنو بهم ولعلما
أفضه علينا كوثرياً لعله ... يبرد ناراً في الحشا من جهنما
ورد جوابي وهي تثني صوامتا ... كفاها لسان الحال أن تتكلما
فما جئت جالينوس مستشفياً به ... ولا علتي حين المسيح بن مريما
وقال يمدح الأمير أبا بكر بن إبراهيم، وقد قدم غرناطة والياً لأمرها، فدخل في جملة من الشعراء، وأنشدها بين يديه:
اليوم أخمدت الضلالة نارها ... واسترجعت دار الهدى عمارها
واستقبلت حدق الورى غرناطة ... وهي الحديقة فوفت ازهارها
فكأن تشرينا بها نيسان إذا ... يكسو رباها وردها وبهارها
في غب سارية ترقرق ادمعا ... يحكي الجمان صغارها وكبارها
ما شئت من نهر كصدر عقيلة ... شقت أناملها عليه صدارها
أو جدول كالنصل في يد ثاثر ... أمهى صحيفته وهز غرارها
ما بين اشجار تميد كأنها ... شراب جريال يدير حلومها ووقارها
لله أروع من ذوائب حمير ... راع العداة فما تقر قرارها
راقت به أرض الجزيرة عزمة ... خلعت على حب الجمان عذارها
ما هاله بيد تعسفها ولا ... لجج كجنح الليل خاض بحارها
في فتية تسري إلى نصر الهدى ... فتظنهم سدف الدجى اقمارها
خضبوا السواعد بالرقاق تفاؤلا ... أن سوف تخضب بالنجيع شفارها
وتلثموا صوناً لرقة أوجه ... جعل السماح شعارها ودثارها
المنعمين على العفاة إذا وشوا ... والناقضين على العدى أوتارها
غرسوا الأيادي في ثرى معروفهم ... فجنوا بألسنة الثناء ثمارها
لم لا تراح شريعة التقوى بهم ... وجفنها منهم ترى انصارها
ضربوا سرادق بأسهم من دونها ... وقد اشرأب الكفر يهدم دارها
فوقوا بخرصان جنابها ... وحموا بقضبان الصفاح ذمارها
ومسومات شزب أن أحفرت ... نفضت على ثوب السماء غبارها
لبسوا القلوب على الدروع فدوخوا ... أرض العدى واستأصلوا كفارها
شهب إذا أوقت على أفق الوغى ... جعلت أبا يحيى الأمير مدارها
متلثم بالصبح فوق أسرة ... تهدي إلى شمس الضحى أنوارها
أورت زناد المسلمين له يد ... بالنجح تقدح مرخها وعفارها
حاشا لأزند شرعنا من كبوة ... ويد ابن ابراهيم توري نارها
أصفى مواردها أزاح سقامها ... أرخى حرارتها أقال عثارها
أولي أمة أحمد أبهجتها ... مذ صرت من جور الحوادث جارها
جلبت لك الأنعام ضرعا جافلا ... ورنت على أفنانها أطيارها
وأرى زناد ارأي نذ قدحتها ... أوريت في مقل النجوم شرارها
وحط الرعية في مريع جنابها ... وارأب ثآها واصطنع أحرارها
زد الأكابر من بنيها خطة ... واردد كباراً بالحباء صغارها
واقذف بحور المشركين بجحفل ... يمحو معالم أرضها ومنارها
لجب تظن السابغات بموجه ... زرقا ونقع السابحات بحارها
واحلل عرى تلك الجماجم إنها ... عقدت على بغض الهدى زنارها
وكأنني بك قد ثللت عروشهم ... وسلبت بيضة ملكه جبارها
وقتلت من انجادها انجادها ... وصرعت في اغوارها اغوارها
لا ترض منهم بالنفوس تحوزها ... سمر القنا حتى تحوز ديارها
وترى بها عيناك عين ضلالها ... ويد الهدى فيها تشق زرارها
стр. 124
صمتت سيوفك في الغمود وجردت ... يوم النزال فحدثت إخبارها
لما احتست خمر الهياج نصالها ... أهدت إلي هام الطغاة خمارها
زارتك في قصر كاعب ... زانت محاسن جيدها تقصارها
رضعت من الآداب محض لبانها ... وتجمبت ممذوقها وسمارها
تثني الليالي هائمات كلما ... نفثت علي بسحرها أسحارها
فاجعل جفون رضاك في أعطافها ... كرما وشرف بالقبول مزارها
وله في الزهد:
يا من يصيخ إلى داعي الذكرى ففيم ثوى ... في رأسك الواعيان السمع والبصر
ليس الأصم ولا الأعمى سوى رجل ... لم يهده الهاديان العين والأثر
لا الدهر يبقى ولا الدنيا ولا الفلك ... الأعلى ولا النيران الشمس والقمر
ليرحلن عن الدنيا وان كرها ... فراقها الثاويان البدو والحضر
وقال أيضاً من كلمة له:
تنمر الدهر حتى ما فرقت له ... من قوري الدجى في فروة النمر
لابد أن يقطع المطلوب في شركي ... ولو بنى داره في دارة القمر
قاضي الجماعة في دار الامارة لي ... قاض على الدهر أن لم يقض لي وطري
لولا ضلوع تواري نار فطنته ... لأحرقت وجنات الشمس بالشرر
وقال يمدح القاضي أبا امية ابراهيم بن عصام رحمه الله تعالى:
يا من عزائمه أمضى إذا انتضيت ... من حادث الدهر إذا يسطو بها القدر
ومن إذ لا بدا في أفق مكرمة ... جبينه المسفر استخذى له القمر
عين الرجاء إلى علياك شاخصة ... في حاجة أنت فيها السمع والبصر
فاجر الصفوف إلى استنزالها قدماً ... وصاحباك بها التأييد والظفر
حتى تلاقي من قاضي القضاة بها ... شمساً أنارت بها الأحكام والسير
في حبوتيه إذا استقبلته ملك ... مقدس الروح إلا أنه بشر
أضفى على الدين أبراد الشباب فل ... صديقه البر أو فاروقه عمر
من ادعى الشرك في أكرومة معه ... فاغلظ عليه وقل للعاهر الحجر
وقل له ما ترى في روضة أنف ... وافت ليسقيها من جودك المطر
وقال يمدحه أيضا:
هاكها كالجنوب تزجي القطارا ... طافح الورد نفحها واعرارا
في جبين من حالك الحبر تبدي ... لك ليلاً من طرسه ونهارا
رق ديباجه فراق زلالاً ... حيث دارت به النواسم دارا
تتالا من المعاني شموس ... فوق صقحيه تخطف الابصارا
خجل الصبح من شكاتي فاهدى ... سوسن الخد منه والجلنارا
ورآني بلا عقار فكادت ... صفحة منه تستهل عقارا
ورآني السحاب أسحب حالاً ... ذات عدم فذاب ماء ونارا
عثر الدهر بي وقد جئت حراً ... ذاكي الأصل ينعش الأحرارا
أن تكن عصمة فإن عصا مجده ... لم يزل يقيل العثارا
قاضي الشرق أشرقتني بريقي ... نائبات يطلبن عندي ثارا
لا لذنب إلا لأني أديب ... طاب عود منه فكان نضارا
اجل دراً يرق حسناً وان كانت ضلوعي تهفو عليه حرارا
حاش لي أن أزفها ثيبات ... عنساً بل كواكباً إبكارا
طلعت في أهلة من ضلوع ... لي تجلو بناتها أقمارا
أرضعتها در البلاغة منها ... أمهات لم تحتلب أظآرا
وأرتك الرياض منها كمام ... جادها النبلا وابلا مدرارا
ما على بابل لو استقبلتها ... فاجتنبت من ثمارها الأسحارا
كل خمرية ولم تسق خمرا ... تلبس الحسن والدلال خمارا
تذر السامعين يثنون اعطافها ... سكارى وما هم بيسكارى
لو تغلغلن في مسامع رضوى ... لانثنى راقصاً وخلى الوقارا
ليس في فسحة من الغدر إلا ... من صار خالعاً إليها العذارى
وجهها أجزل المهور فلولا ... أنت ما أدلجت بهن المهارى
أبصرتها النجوم أشرق منها ... فسرت تخبط لظلام حبارى
وقال أيضا:
للرزق أسباب ومن أسبابه ... أعمال ناجية وشد حزام
حرف كأني فوق عوج ضلوعها ... ألف أقيمت فوق عطفة لام
وكأن زورتها ربابة ياسر ... لزمت باربعة من الأزلام
لم يبق منها نصفها إلا سفى ... كالريح تمسكه يدي بزمام
من نام عن حاجاته لم يلقها ... إلا بواسطة من الأحلام
стр. 125
شيئان في الأسفار يكتنافانها ... كسب الخطير وصحة الأجسام
لا أم لي أن لم أيمم مسلكا ... يهدي الحياة إلي فيه حمامي
فالعذب يأجن طعمه ما لم يكن ... ينساب بين أباطح وآكام
والعضب يدركه الصدى ما لم يبل ... في كل معركة بضرب الهام
خيمت من خرق بأرض مضيعة ... والرأي خلفي والهوى قدامي
حتى رأيت العجز أودى بي كما ... أودى الغرام بعروة بن حزام
أكل الخمول بها بنات خواطري ... أكل الوصي ذخائر الأيتام
يا دهر دعوة من يؤمل أن يرى ... بعلاك منتصفا من الأيام
فأثيل مجدك نلته عن آدم ... وسم قدرك حزته عن سام
تم الاختيار من شعر أبي محمد بن سارة وأخباره ةيليه الاختيار من شعر أبي جعفر الأعمى الطليطلي.
شعر أبيب جعفر الأعمى
قال صحب قلائد العقيان: له ذهن يكشف الغامض الذي يخفى، ويعرف رسم المشكل وان كان قد عفى، أبصر الخفيات بفهمه، وقصر فكها على خاطره ووهمه، فجاء بالنادر الذي أعجزأ وعطل التطويل بالمقتطب الموجز، ونظم أخبار المم المتفرقة في لبة القريض، وأسمعها أطرب من نغم معبد والغريض، وكان بالأندلس سر الإحسان، ومزرياً على زياد وحسان، إلا انه لم تطل أيامه، فأصبحت نواظر الأدب بعده رمدة، ونفوسها كمدة، وقد أأثبت له ما يبهر سامعه ويثني إليه الإحسان مسامعه، فمن ذلك قوله:
مللت حمص وملتني ولو نطقت ... كما نطقت تلاحينا على قدر
وسولت لي نفسي أن أفارقها ... والماء في المزن أصفى منه في الغدر
أما اشتفت مني الأيام في وطني ... حتى تضايق فيما عز من وطري
ولا قضت من سواد العين حاجتها ... حتى تكر على ما كان في الشعر
وله في الغزل:
هو الهوى وقديماً كنت أحذره ... السقم مورده والموت مصدره
يا لوعة وجلا من نظرة أمل ... الآن أعرف رشداً كنت أنكره
جد من الشوق كان الهزل أوله ... اقل شيء إذا فكرت أكثره
ولي حبيب دنا لولا تمنعه ... وقد أقول نأى لولا تذكره
وقتل فتى من فتيان اشبيلية غيلة، ولم يعلم قاتله، وكان جواداً معروفاً بالكرم ومكارم الأخلاق مع كونه عيناً من أعيان البلد، وكان محسناً إلى أبي جعفر المذكور، جميل الرأي فيه، كثير النفقد له، فجزع عليه جزعاً شديداً، وقال يرثيه بهذه القصيدة، وهي من مختار المراثي:
خذا حدثاني عن فل وفلان ... لعلي أرى باق على الحدثان
وعن دول حسن الديار وأهلها ... فنين وصرف الدهر ليس بفان
وعن هرمي مصر الغداة أمتعا ... بشرخ شباب أم هما هرمان
وعن نخلتي حلوان كيف تناءتا ... ولم توطيا كشحاً على شنآن
وطال ثواء الفرقدين بغبطة ... أما علما أن سوف يفترقان
وزايل بين الشعر بين تصرف ... من الدهر لا وان ولا متوان
فان تذهب الشعرى العبور لشأنها ... فإن الغميصا في بقية شان
وجن سهيل بالثريا جنونه ... ولكن سلاه كيف يلتقيان
وهيهات من جور أزمان وعدله ... شآمية ألوت بدين يماني
فأجمع منها آخر الدهر سلوة ... على طمع خلاه للدبران
وأعلن صرف الدهر لابني نويرة ... بيوم ثناء غال كل تدان
"وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر" لو لم تنصرم لأوان
وهان دم بين الدكادك واللى ... وما كان في أمثالها بمهان
فضاعت دموع بات يبعثها الأسى ... يهيجه قبر بكل مكان
ومال على عبس وذبيان ميلة ... فأودى بمجني عليه وجان
فعوجا على جفر الهباءة واعجبا ... لضيعة اعلاق هناك ثمان
دماء جرت منها التلاع بملئها ... ولا ذخل إلا أن جرى فرسان
ويام حرب لا ينادى وليدها ... أهاب بها في الحي يوم رهان
فآب ربيع والكلاب تهره ... ولا مثل مود من وراء عمان
وأنحى على ابني وائل فتهاصرا ... غصون الدرى من كرة ولدان
تعاطى كليب فاستمر بطعنة ... أقامت لها الأبطال سوق طعان
وبات عدي بالذنائب يصطلي ... بنار وغى ليست بذات دخان
فذلت رقاب من رجال أعزة ... اليهم تناهى عز كل زمان
وهبوا يلاقون الصوارم والقنا ... بكل جبين واضح ولبان
стр. 126
فلا خد إليه فيه حد مهند ... ولا صدر إلا فيه صدر سنان
وصال على الجونين بالشعب فانثنى ... بأسلاب مطلول وربقة عان
وأمضى على أبناء قيلة حكمه ... على شرس أدلوا به وليان
ولو شاء عدوان الزمان ولم يشأ ... لكان عذير الحي من عدوان
واي قبيل لم يصدع جميعهم ... ببكر من الأرزاء أو بعوان
خليلي أبصرت الردى وسمعته ... فإن كنتما في مرية فسلاني
خذا من فمي هلا وسوف فإنني ... أرى بهما غير الذي تريان
ولا تعداني أن أعيش إلى غد ... لعل المنايا دون ما تعداني
ونبهني ناع من الصبح كلما ... تشاغلت عنه عن لي وعناني
أغمض أجفاني كأني نائم ... وقد لجت الأحشاء بالخفقان
أبا حسن أما أخوك فقد مضى ... فواطول لهفي ما التقى أخوان
أبا حسن إحدى يديك رزئتها ... فهل لك بالصبر الجميل يدان؟
أبا حسن غر المذاكي شرفا ... تجر إلى الهيجاء كل عنان
أبا حسن ألق السلاح فإنها ... منايا وان قال الجهول أماني
أبا حسن هل يفع المرء حينه ... بأيد شجاع أو بكيد جبان
أبا حسن أن المنايا وقيتها ... إذا أتلفت لم تتبع بضمان
أقول كأني لست أحفل وانبرت ... دموعي فأبدت ما يجن جناني
أبا حسن أن كان أودى محمد ... وهيهات عدوي فيك من رسفاني
أجدك لم تشهده إذا أحدقوا به ... ونادى بأعلى الصوت يال فلان
توقوه شيئاً ثم كرور وجعجعوا ... بأروع فضفاض الرداء هجان
أخي عزمات لا يزال يحثها ... بحزم معين أو بعزم كعان
رأى كلما يستعظم الناس دونه ... فولى غنياً عنه أو متغاني
فتىً كان يعروري الفيافي والدجى ... ذوات جماح أو ذوات حران
تداعت له أبيات بكر بن وائل ... ولم ترجعنه لا ظفرت بثاني
بنفسي وأهلي أي بدرد جنة ... لست خلت من دهره وثمان
واي أبي لا تقوم له الربا ... ثنى عزمه دون القرارة ثان
وأي فتىً لو جاءكم في سلاحه ... متى صلحت كف بغير بنان
يقولن لا يبعد ولله دره ... وقد حيل بين العير والنزوان
ويأبون إلا ليته ولعله ... ومن اين للمقصوص بالطيران
رويد الأماني أن رزء محمد ... عدا الفلك الأعلى عن الدوران
وحب المنايا أن تفوز بمثله ... كفاك ولو أخطأته لكفاني
سقاك كدمعي أو كجودك وابل ... من المزن بين السح والهملان
شآبيب غيث لا تزال ملثة ... بقبرك حتى يلتقي الثريان
أبا حسن وف اعتزاءك حقه ... فقد كنتما أرضعتما بلبان
تماسك قليلا لست أول مبتلى ... ببين حبيب أو بغدر زمان
أثا كلتيه والثواكل جمة ... لو لنكما بالناس تأتسيان
أذيلا وصونا واجزعا وتجلدا ... ولا تأخذا إلا بما تدعان
وعودا على الباقي المخلف فيكما ... بفضل حنو منكما وحنان
خذاه فضماه إلى كنفيكما ... فإنهما للمجد مكتنفان
لعلكما أن تستظلا بظله ... غدا أن هذا الدهر ذو ضربان
لشعر كما السلوان أن محمداً ... مجاور حور في الجنان حسان
وقال يمدح القاضي أبا الحسن علي بن القاسم بن عشيرة بقصيدة منها:
كم مقلة ذهبت في الغي مذهبها ... بنظرة هي شان أولها شان
رهن بأضغاث أحلام إذا هجعت ... وربما حلمت والمرء يقظان
فانظر بعقلك أن العين كاذبة ... واسمع بحسك أن السمع خان
ولا تقل كل ذي عين له نظر ... أن الرعاة ترى مم لا ترى الضان
دع الغنى لرجال ينصبون له ... أن الغنى لفضول الهم ميدان
واخلع لبوسك من شح ومن أمل ... لا يقطع السيف إلا وهو عريان
وصاحب لم أزل منه على خطر ... كأنني علم غيب وهو حسان
أغراه حظ توخاه وأخطأني ... أما درى أن بعض الرزق حرمان؟
وغره أن رآه قد تقدمني ... كما تقدم بسم الله عنوان
ومن مديحها:
إني استجرت على ريب الزمان فتى ... أن لا يكن ليث غاب فهو إنسان
حسبي بعليا علي معقلا أشبا ... زمان سرى به في الأمن أزمان
صعب المراقي ولكن ربما سهلت ... على المنى منه أوطار وأوطان
стр. 127
الواهب الخيل عقبانا مسومة ... لو سومت قلبها في الجو عقبان
من كل ساع امام الريح يقدمها ... منه مهاة وان شاءت فسرحان
دجنة تصف الانوار غرتها ... ونبعة يدعي أعطافها البان
عصا جذيمة إلا ما أتيح لها ... من أمر موسي فجاءت وهي ثعبان
ومنها في وصف السيف:
هيم رواء لو أن الماء صافحها ... لزال أو زل عنها وهو ظمآن
يكاد يحلق مهراق الدماء بها ... فلا تقل هي أنصاب وأوثان
موتي فإن خلعت أثوابها علمت ... أن الدروع على الإبطال أكفان
نفسي فداؤك لا كفء ولا ثمناً ... ولو غدا المشتري منها وكيوان
والتبر قد وزنوه بالحديد فما ... ساوى ولكن مقادير وأوزان
تم الاختيار من شعر أبي جعفر الأعمى وأخباره، ويليه الاختيار من شعر أبي بكر بن تقي الأندلسي وأخباره.
شعر
يحيى بن تقي الأندلسي قال صاحب قلائد العقيان: هو رافع راية القريض، وصاحب آية التصريح فيه والتريض أقام شرائعه وأظهر روائعه، وصار عصيه طائعه، إذا نظم أزرى بنظم العقود، وأتى بأحسن من رقم البرود، ولكنه ضفا عليه حرمانه وما صافاه زمانه، فصار قعد صهوات، وقاطع فلوات، ومع توهم لا يظفره بأمان، وتقلب ذهن كواهي الجمان، وقد أثبت له من قوله ما يستحلى ويتزين به الزمان ويتحلى.
فمن ذلك قوله:
عندي حشاشة نفس في سيبل ردىً ... أن سمتها اليوم لم أمطل بها لغد
وكيف أقوى على السلوان عنك وقد ... ربيت حبك حتى شاب في خلدي
خذها وهات ولا تمزح فتفسدها ... الماء في النار أصل غير مطرد
ومن قوله:
وقالوا إلا تبكي وتلك مطيهم ... على الشهب يحملن الخرائد كالدمى
لئن بعدت مني الدموع تغامزوا ... وقالوا سلا أو لم يكن قبل مغرما
فهلا أقامر كالبكاء تنهدي ... إذا ما بكا القمري قالوا ترنما
إلى اله أشكوها نوى أجنبيةً ... لها من أبيها الدهر شيمة ظالم
إذا جاش صدر الأرض بي كنت منجداً ... وان لم يجش بي كنت بين التهائم
أكل بني الآداب مثلي ضائع ... فأجعل ظلمي أسوة في المظالم
ستبكي قوافي الشعر ملء جفونها ... على عربي ضاع بين الأعاجم
وله من قصيدة:
هو الشعر أجرى في ميادين سبقه ... وأفرج عن أبوابه كا مبهم
وسل اهله عني هل امتزت منهم ... بطبعي وهل غادرت من متردم
سلكت أساليب البديع فأصبحت ... بأقوالي الركبان في البيد ترتمي
وربتما غنى به كل ساجع ... يردده في شجوه والترنم
وضيعني قومي لاني لسانهم ... إذا أفحم الأقوام عند التكلم
وكالبني دهري لأني زنته ... واني فيه غرة فوق أدهم
قال منحيا على أهل المغرب وقد ذم عندهم مثواه وصفرت من نائلهم يداه:
أقمت فيكم على الإقتار والعدم ... لو كنت حراً أبي النفس لم أقم
وظلت أبغي لكم عذراً لعلكم ... تستيقظون وقد نمتم عن الكرم
فلا حديقتكم يجنى بها ثمر ... ولا سماؤكم تنهل بالديم
لا رزق عندكم لكن سأطلبه ... في الأرض إذا كانت الأرزاق بالقسم
أنا أمرؤ إن نبت بي أرض أندجلس ... جئت العراق فقامت لي على قدم
اينا الرجا والحجى من حازم يقظ ... يغزو أعاديه في الأشهر الحرم
أن كان سهما فلا تنمى رميته ... أو كان سيفاً فمسلول على البهم
ما العيش بالعلم إلا حيلة ضعفت ... وحرفة وكلت بالقعد البرم
لا يكسر الله متن الرمح أن به ... نيل العلى وأتاح الكسر للقلم
ولا أراق دما من باسل بطل ... ومات كل أديب عبطة بدم
أوغلت في المغرب الأقصى وأعجزني ... نيل الرغائب حتى أبت بالندم
وساقط نال من عرضي فقلت له ... إليك عني فليس السب من شيمي
أعرضت عنه ولو أني عرضت له ... سقيته حمة الأفعى من الكلم
وله من قصيدة:
ولي همم ستقذف بي بلاداً ... نأت أما العراق أو الشآما
وألحق بالأعاريب اعتلاء ... بهم واجيد مدحهم اهتماما
لكيما تحمل الركبان شعري ... بواديى الطلح أو وادي الخزامى
وكيما تعلم الفصحاء اني ... خطيب علم السجع الحماما
стр. 128
وقد أطلعتهن بكل ارض ... بدوراً لا يفارقن التماما
فلم أعدم وايها حسوداً ... كما لا تعدم الحسناء ذاما
تم الاختيار من شعر ابن تقي ويليه نبذة من اشعار النساء
من اشعار النساء
هند بنت يزيد الانصارية ترثي أخاً لها:
لقد مات بالبيضاء من جانب الحمى ... فتى كان زينا للكواكب والشهب
يلوذ به الجاني مخافة ما جنى ... كما لاذت العصماء بالشاهق الصعب
تظل بنات العم والخال حوله ... صوادي لا يروون بالبارد العذب
وقالت أم خالد النمرية:
إذا ما أتتنا الريح من نحو أرضه ... أتتنا برياه فطاب هبوبها
أتتنا بمسك خالط المسك عنبر ... ريح خزامى باكرتها جنوبها
احن لذكراه إذا ما ذكرته ... وتنهل عبرات تفيض غربها
حنين أسير نازح شد قيده ... وأعوال نفس غاب عنها حبيبها
وأنشد ثعلب لام الضحاك المحاربية وكانت تحب رجلا من الضباب حباً شديداً:
يا أيها الراكب الغادي لطيته ... عرج أبثك عن بعض الذي أجد
ما عالج الناس من وجد تضمنهم ... إلا ووجدي به بعض الذي أجد
حسبي رضاه واني في مسرته ... ووده آخر الأيام اجتهد
وقالت:
هل القلب إلا لاقى الضبابي خاليا ... لدى الركن أو عند الصفا يتحرج
وأعجلنا قرب الفراق وبيننا ... حديث كتشجيج المريضين مزعج
حديث لو أن اللحم يشوى بحره ... غريضاً اتى أصحابه وهو منضج
وانشد الزبير بن بكار لحليمة المضرية من بني عبس وقد انشدها المبرد لنبهان العبسي وهو أشبه:
يقر لعيني أن أرى لمكانه ... ذرى عقدات الأجرع المتفاود
وان ارد الماء الذي شربت به ... سليمى وان مل السرى كل واحد
وألصق أحشائي ببرد ترابه ... وان كان مخلوطا بسم الاساود
وقالت الفارعة بنت شداد اخاها مسعود بن شداد:
يا عين بكي لمسعود بن شداد ... بكاء ذي عبرات شجوه بادي
من لا يذاب له شحم السديف ولا ... يجفو العيال إذا ماضن بالزاد
ولا يحل إذا ما حل منتبذاً ... يخشى الرزية بين المال والنادي
قوال محكمة نقاض مبرمة ... فتاح مبهمة حباس أوراد
قتال مسغبة وثاب مرقبة ... مناح مغلبة فكاك أقياد
خلال ممرعة فراج مفظعة ... حمال مضلعة طلاع انجاد
حمال ألوية شهاد أندية ... شداد اوهية فراج اسداد
جماع كل خصال الخير قد علموا ... زين القرين نكال الظالم العادي
أبا زرارة لا تبعد فكل فتى ... يوما رهين صفيحات وأعواد
هلا سقيتم بني جرم أسيركم ... نفسي فداؤك من ذي كربة صادي
نعم الفتى ويمين الله قد علموا ... يحلو به الحي أو يغدو به الغادي
هو الفتى يحسد الجيران مشهده ... عند الشتاء وقد هموا بإخماد
الطاعن الطعنة النجلاء يتبعها ... مثعنجم بعدما تغلي بأزباد
والسابئ الزق للاضياف أن نزلوا ... إلى ذراه وغيث المحوج الغادي
خبر جميل السدوسي
قال احمد بن أبي داود كان جميل بن تميم السدوسي بشاطئ الفرات اجتمع عليه كثير من الأعراب، فعظم أمره، وبعد ذكره، فكتب المعتصم إلى مالك بن طوق في النهوض إليه، فبدد جمعه، وظفر به فحمله موثقاً إلى باب المعتصم. قال احمد: فما رأيت أحداً عاين الموت فما هاله، ولا شغله عما كان يح=جب عليه فعله مثله، فإنه لما مثل بين يدي المعتصم، فأحضر السيف والنطع، وأوقف بينهم، تأمله المعتصم وكان جميلاً وسيماً، فأوجب أن يعلم اين لسانه من منظره، فقال: تكلم يا تميم.
فقال أما إذا أذنت يا أمير المؤمنين، فأنا أقول: الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، جبر الله بك صدع الدين، لم بك شعث المسلمين، وأوضح بك سبيل الحق، وأخمد بك الشهاب الباطل. أن الذنوف تخرس الألسن الفصيحة، وتعيي الأفئدة الصحيحة، ولقد عظمت الجريرة، وانقطعت الحجة، ساء الظن، ولم يبق إلا عفوم أو انتقامك، وارجو أن يكون أقربهما مني وأضرعهما إلى أسبقهما بك، وأولاهما بكرمك، ثم أنشد:
ارى الموت بين السيف والنطع كامناً ... يلاحظني من حيث ما أتلفت
стр. 129
وأكبر ظني انك ايوم قاتلي ... وأي امرئ مما قضى اله يفلت
وأي امرئ يأتي بعذر وحجة ... سيف المنايا بين عينيه مصلت
وما جزعي من أن أموت وإنني ... لأعلم أن الموت شيء مؤقت
ولكن خلفي صبية قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتت
فان عشت عاشوا سالمين بغبطة ... أذود الردى عنهم وان مت موتوا
وكم قائل لا يبعد الله داره ... وآخر جذلان يسر ويشمت
يعز على الاوس ابن تغلب موقف ... يسل علي السيف فيه وأسكت
فتبسم المعتصم، وقال: وقد وهبتك للصبية، وغفرت لك الصبوة.
كاد والله يا جميل أن يسبق السيف العذل، وأمر بفك قيةده، وخلع عليه وعقد له على شاطئ الفرات
شعر
ابن عبد ربه الأندلسي لم أظفر من شعره إلا بمقاطيع غزلية فأحببت نقله هنا لجودتها، فمنها قوله في رقة التشبيب:
صحا القلب إلا نظرة تبعث الاسى ... لها زفرة موصولة بحنين
بلى ربما حلت عرى عزماته ... سوالف آرام وأعين عين
لواقط حبات القلوب إذا زنت ... بسحر عيون وانكسار جفون
وريط من المواشي أينع تحته ... ثمار صدور لا ثمار غصون
برود كأنوار الربيع لبسنها ... ثياب خضاب لا ثياب مجون
فرين أديم الليل عن نور أوجه ... تجن بها الألباب كل جنون
وجوه جرى فيها النعيم فكللت ... بورد خدود يجتنى بعيون
سألبس للأيام درعاً من الأسى ... وإن لم يكن عند اللقا بحصين
فكيف ولي قلب إذا هبت الصبا ... أهاب بشوق في الضلوع دفين
ويهتاج منه كلما كان ساكناً ... دعاء حمام لم يبت بوركون
وإن ارتياحي من بكاء حمامة ... كذي شجن داويته بشجون
كأن حمام الأيك حين تجاوبت ... حزين بكى من رحمه لحزرين
ومما عارض به صريع الغواني في قوله:
أدير علي الراح لا تشربا قبلي ... ولا تطلبا من عند قاتلتي ذحلي
فيا حزني إني أموت صبابة ... ولكن على من لا يحل له قتلي
فديت التي صدت وقالت لتربها ... دعيه الثريا منه أقرب من وصلي
فقال على رويه:
أتقتلني وتجحدني قتلي ... وقد قام من عينك لي شاهد أعدل
أطلاب ذحلي ليس بي شادن ... بعينيه سحر فاطلبوا عنده ذحلي
أغار على قلبي فلما أتيته ... أطالبه فيه أغار على عقلي
بنفسي التي ضنت برد سلامها ... ولو سألت قتلي وهبت لها قتلي
إذا جئتها صدت حياءً بوجهه ... فتهجرني هجراً ألذ من الوصل
وإن حكمت جارت علي بحكمها ... ولكن ذاك الجور أشهى من العدل
كتمت الهوى جهدي فحرره الأسى ... بماء البكا هذا يخط وذا يملي
وأحببت فيها العذل لذكرها ... فلا شيء في فؤادي من العذل
أقول لقلبي كلما ضامه الأسى ... إذا ما أبيت العز فأصبر على الذل
برأيك لا رأيي تعرضت للهوى ... وأمرك لا أمري وفعلك لا فعلي
وجدت الهوى نصلاً من الموت مغمداً ... فجرته ثم أتكيت على النصل
فإن تك مقتولاً على غير ريبة ... فأنت الذي عرضت نفسك للقتل
قال الناظم: فمن رأى سهولة هذا الشعر مع بديع معناه، ورقو طبعه، لم يفضل شعر صريع الغواني عليه إلا بفضل التقدم، ولا سيما إذا قرن قوله في هذا الشعر.
كتمت الذي ألقى من الحب عاذلي ... فلم يدر ما بي فاسترحت من العذل
بقوله:
وأحببت فيها العذل حباً لذكرها ... فلا شيء أشهى في فؤادي من العذل
ومن قوله في رقة التشبيب:
أدعو عليك فلا دعائي يسمع ... يا من يضر مناظريه وينفع
للورد حين ليس يطلع دونه ... والورد عندك كل يوم يطلع
لم تنصدع كبدي عليك لضعفها ... لكنها ذابت فما تتصدع
من لي بأجرد ما يبين لسانه ... خجلاً وسيف جفونه ما يقلع
منع الكلام سوى إشسارة مقلة ... فيها يكلمني ومنها يسمع
ومن قوله في البين:
هيج البين دواعي سقمي ... وكسى جسمي ثوب الألم
أيها البين أقلني مرة ... فإذا عدت فقد حل دمي
يا خلي الذرع نم في غبطة ... إن من فارقته لم ينم
ولقد هاج لقلبي سقماً ... ذكر من لو شاء دواى سقمي
ومن قوله في المعنى:
стр. 130
ودعتني بزفرة وأعتناق ... ثم نادت متى يكون التلاقي
وتصدت فأشرق الوجه منها ... بين تلك الجيوب والأطواق
باسقم الجفون من غير سقم ... بين عينيك مصرع العشاق
إن يوم الفراق أفظع يوم ... ليتني مت قبل يوم الفراق
ومنه قوله:
فرزت من اللقاء إلى الفراق ... فحسبي ما لقيت وما ألاقي
سقاني البين كأس الموت صرفاً ... وما ظني أموت بكف ساقي
فيا برد اللقاء على فؤادي ... أجزني اليوم من حر الفراق
ومن قوله في الحمام:
ونائح في غصون الأيك أرقني ... وما عنيت بشيء ظل يعنيه
مطوق بخضاب ما يزايله ... حتى تزاوله إحدى تراقيه
قد بات يشكو بشجوٍ ما دريت به ... وبت أشكو بشجو ليس يدريه
ومن قوله:
أناحت حمامات اللوى أم تغنت ... فأبدت دواعي قلبه ما أجنت
فديت التي كانت ولا شيء غيرها ... منى النفس لو يقضي لها ما تمنت
ومن قوله في الرياض:
وروضة عقدت أيدي الربيع بها ... نوراً بنور وتزويجاً بتزويج
بملقح من سواريها وملقحة ... وناتج من غواديها ومنتوج
توشحت بملاةٍ غير ملحمة ... من نورها ورداء غير منسوج
ومنه قوله:
وموشية يهدي إليك نسيمها ... على مفرق الأرواح مسكاً وعنبرا
سداوتها من ناصع اللون أبيض ... ولحمتها من فاقع اللون أصفرا
يلاحظ لحظاً من عيون كأنها ... فصوص من الياقوت كلمن جوهرا
ومنه قوله:
وما روضة بالحزن حاك لها الندى ... بردواً من المواشي حمر الشقائق
إذا ضاحكتها الشمس تبكي بأعين ... مكللة الأجفان صفر الحمالق
حكت أرضها لون السماء وزانها ... نجوم كأمثال النجوم الخوافق
بأطيب نشراً من خلائقه التي ... لها خضعت في الحسن زهر الخلائقد
وله أيضاً:
وروضة ورد حف بالسوسن الغض ... تحلت بلون السام والذهب المحض
رأيت بها بدراً على الأرض ماشياً ... ولم أر بدراً قط يمشي على الأرض
إلى مثلها فلتصب إن كنت صابياً ... فقد كاد منها البعض يصبو إلى بعض
وله أيضاً:
وحامله راحاً على راحة اليد ... موردة تسقى بلون مورد
متى ما ترى الإبريق للكأس راكعاً ... تصلي له من غير طهر وتسجد
على ياسمين كاللجين ونرجس ... كأطراق در في قضيب زبرجد
بتلك وهذي فاله ليلك كله ... وعنها فسل لا تسأل الناس عن غد
وله أيضاً:
أيقتلني دائي وأنت طبيبي ... قريب وهل من لا يرى بقريب
لئن خنت عهدي إنني غير خائن ... وأي محب خان عهد حبيب
وساحبة فضل الذيول كأنها ... قضيب من الريحان فوق كثيب
إذا ما بدت من خدرها قال صاحبي ... أطعني وخذ من وصايا بنصيب
وما كل ذي لب بمؤتيك نصحه ... وما كل مؤت نصحه بلبيب
يا وميض البرق بين الغمام ... لا عليها بل عليك السلام
أن في الاحداج مقصورة ... وجهها يهتك ستر الظلام
تحسب الهجر حلالا لها ... وترى الوصل عليها حرام
ما تأسيك لدار خلت ... ولشعب شت بعد التآم
وله أيضا:
تجافى النوم عن جفوني ... ولكن ليبس تجفوها الدموع
يذكرني تبسمك الأقاحي ... ويحكى لي توردك الربيع
يطير إليك من شوق فؤادي ... ولكن ليس تتركه الضلوع
كأن الشمس لما غبت غابت ... فليس لها على الدنيا طلوع
فما لي من تذكرك امتناع ... ودون لقائك الحصن المنيع
إذا لم تستطيع شيئافدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
وله أيضا:
يا وجه معتذر ومقلة ظالم ... كم من دم ظلماً سفكت بلا دم
أوجدت وصلي في الكتاب محرما ... ووجدت قتلي فيه غير محرم
كم جنة لك قد سكنت ظلالها ... متفكها في لذة وتنعم
وشربت من خمر العيون تعللاً ... فإذا انتشيت أجود جود المرزم
"وإذا صحوت فما اقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي"
وله أيضا:
حال الزمان فبدل الآمالا ... وكسى المشيب مفارقاً وقذالا
غنيت غواني الحي عنك وربما ... طلعت إليك أكلة وحجالا
стр. 131
أضحى عايك حلالهن محرماً ... ولقد يكون حرمهن حلالا
أن الكواعب أن رأينك طاويا ... برد الشباب طوين عنك وصالا
"وإذا دعونك عمهن فانه ... نسب يزيدك عندهن خبالا"
تم الاختيار من شعر أحمد بن عبد ربه ويليه الاختيار من شعر عبد بن أيوب التيمي
شعر
عبد الله التيمي قال يمدح عمر بن مسعدة:
أعني على بارق ناضب ... خفي كوحيك بالحاجب
كأن تألقه في السماء ... يدا كاتب أو يدا حاسب
فروى منازل تذكارها ... يهيج من شوقك الغالب
غريب يحن لأوطانه ... ويبكي على عصره الذاهب
كفاك أبو الفضل عمرو الندى ... مطالعة الأمل الكاذب
عريض الفناء طويل البناء ... في العز والشرف الثاقب
بنى الملك طود له بيته ... وأهل الخلافة من غالب
هو المرتجى لصروف الزمان ... ومعتصم الراغب الراهب
جوادج بما ملكت كفه ... على الضيف والجار والصاحب
بأدم الركاب ووشي الثياب ... والطرف والطفلة الكاعب
نؤمله لجسام الأمور ... ونرجوه للجلل الكارب
خصيب الجناب مطير السحاب ... بشيمته لين الجانب
يروي القنا من نحور العدى ... ويغرق في الجود كالاعب
إليك تبدت بأكوارها ... حرجيج في مهمه لاحب
كأن نعاما تبارى بنا ... بوابل من برد حاصب
يزرن ندى كفك المرتجى ... ويقضين من حقك الواجب
ولله ما أنت من خابر ... بسجل لقوم ومن خارب
فتسقى العدى بكؤوس الردى ... وتسبق مسألة الطالب
وكم راغب نلته بالعطا ... وكم نلت بالعطف من راهب
وتلك الخلائق أعطيتها ... بفضل من المانع الواهب
كسبت الثناء وكسب الثناء ... أفضل مكسبة الكاسب
يقينك يجلو ستور الدجى ... وظنك يخبر بالغائب
قال صاحب زهر الآداب لما أورد هذه القصيدة.
هذا الشعر يتدفق طبعاً وسلاسة والكلام الجيد الطبع مقبول في السمع قريب المثاتل بعيد المنال أنيق الديباجة رقيق الزجاجة يدنو من فهم سامعه كدنوه من فهم صانعه، يطرد ماء البديع على وجناته ويجول رونق الحسن في صفحاته كما يجول السحر في الطرف الكحيل والأثر في السيف الصقيل.
وقال جمال الدين ابن نباتة معزيا عن ملك ومهنئاً بملك:
هناء محا ذاك العزاء المقدما ... فما عبس المحزون حتى تبسما
ثغور ابتسام في ثغور مدامع ... شبيهان لا يمتاز ذو السبق منهما
تدر مجارى الدمع والبشر واضح ... كوابل غيث في ضحى الشمس قدهما
سقى الغيث عنا تربة الملك الذي ... عهدنا سجاياه أبر وأكرما
ودامت يد النعمى على الملك الذي ... تدانت به الدنيا وعز به الحمى
مليكان هذا قد هوى لضريحه ... برغمي وهذا للأسرة قد سما
ودوحة فضل شاذوى تكافأت ... فغصن ذوى منها وآخر قد نما
كأن ديار الملك غاب إذا انقضى ... به ضيغم أنشا له الدهر ضيغما
فإن تلك أوقات المؤيد قد خلت ... فقد جددت علياك وقتاً وموسما
هو الغيث ولى بالثناء مشيعاً ... وأبقاك بحراً بالمواهب مفعماً
إذا الغيث صلى خلف جدواك راكعاً ... ثنت عزمه للاعتراف فسلما
يراعك يوم السلم ينهل ديمة ... وسيفك يوم الحرب ينهل في الدما
فعش للورى واسلم سعيدا مهنئاً ... فحظ الورى في أن تعيش وتسلما
أعدت زمان البشر والجود والثنا ... إلى أن ملأت العين والكف والفما
ولمحمد بن زريق البغدادي نادماً على الإفراط في طلب الدنيا، وكان قصد الأندلس في طلب الغنى، فلم يرجع لبغداد، ووجدت هذه القصيدة تحت وساده هي قوله رحمه الله تعالى:
لا تعذليه فإن العزل يولعه ... قد قلت حقاً ولكن ليس يسمعه
جاوزت في لومه حداً أضر به ... من حيث قدرتن أن اللوم ينفعه
فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلا ... من عنفه فهو مضنى القلب موجعه
قد كان مضطلعاً بالخطب يحمله ... فضيقت بخطوب البين أضلعه
يكفيه من لوعة التنفيذ أن له ... من المنى كل يوم ما يروعه
ما آب من سفر إلا وأزعجه ... رأي إلى سفر بالعزم يجمعه
стр. 132
كأنما هو في حل ومرتحل ... موكل بفضاء الأرض يذرعه
إذا الزمان أراه في الرحيل عغنى ... ولو إلى السند أضحى وهو يزمعه
تأبى المطامع إلى أن تجشمه ... للرزق كداً وكم ممن يودعه
وما مجاهدة الإنسان توصله ... رزقاً ولا دعة الإنسان تقطعه
والله قسم بين الخلق رزقهم ... لم يخلق الله من خلق يضيعه
لكنهم ملؤوا حرصا فلست ترى ... مسترزقاً وسى الغايات يقنعه
والسعي في الرزق والأرزاق قد قسمت ... بغي إلا أن بغي المرء يصرعه
والدهر يعطي الفتى ما ليس يطلبه ... يوماً ويمنعه من حيث يطمعه
أستودع الله في بغداد لي قمرا ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
ودعته وبودى أن يودعني ... طيب الحياة واني لا أودعه
وكم تشفع بي أن لا أفارقه ... وللضرورة حال لا تشفعه
وكم تشبث بي يوم ارحيل ضحى ... وأدمعي مستهلات وأدمعه
لا اكذب الله ثوب الصبر منخرق ... عنى بفرقته لكن أرقعه
إني أوسع عذري في جنايته ... بالبين عنه وقلبي لا يوسعه
أعطيت ملكا فلم أحسن سياسته ... وكل من لا يسوس الملك يخلعه
ومن غدا لابساً ثوب النعيم بلا ... شكر عليه فعنا الله ينزعه
اعتضت من وجه خلي بعد فرقته ... كأساً أجرع منها ما أجرعه
كم قائل لي ذنب البين قلت له ... الذنب والله ذنبي لست ادفعه
هلا أقمت فكان الرشد أجمعه ... لو إنني يوم بان الرشد أتبعه
إني لأقطع أيامي وأنفذها ... بحسرة منه في قلبي تقطعه
بمن إذا هجع النوام بت له ... بلوعة منه ليلي لست أهجعه
لا يطمئن لجنبي مضجع وكذا ... لا يطمئن له مذ بنت مضجعه
ما كنت احسب أن الدهر يفجعني ... به ولا أن بي الأيام تفجعه
حتى جرى الدهر فيما بيننا بيد ... عسراء تمنعني حظي وتمنعه
بلله يا منزل القصف الذي درست ... آثاره وعفت مذ غبت أربعه
هل الزمان معيد فيك لذتنا ... أم الليالي التي أمضته ترجعه
في ذمة الله من أصبحت منزله ... وجاد غيث على مغداك يمرعه
من عنده لي عهد لا يضيعه ... كما له عهد صدق لا أضيعه
ومن يصدع قلبي ذكره وإذا ... جرى على قلبه ذكرى يصدعه
لأصبرن لدهر لا يمتعني ... به ولا بي في حال يمتعه
علماً بأن اصطباري معقب فرجاً ... وأضيق الأمر أن فكرت أوسعه
عل الليالي التي أضنت بفرقتنا ... جسمي ستجمعني يوماً وتجمعه
وان يدم أبداً هذا الفراق لنا ... فما الذي بقضاء الله نصنعه
تم الاختيار من شعر ابن زريق البغدادي وأخباره ويليه الاختيار من شعر ابن حيوس وأخباره.
شعر
ابن حيوس هو أبو افتيان محمد بن سلطان بن محمد بن حيوس الشاعر المشهور، وأحد الشعراء الشاميين المحسنني، ومن فحولهم المجيدين، له ديوان كبير، وكان نقطعاً إلى بني مرداس أصحاب حلب، وله فيهم القصائد الأنيقة، وقصته مشهورة مع الأمير جلال الدولة أبي المظفر نصر بن محمود بن مرداس الكلابي صاحب حلب، فانه كان مدح أباه محمود بن نصر، فأجازه ألف دينار فلما مات وقام ابنه نصر المذكور قصده ابن حيوس المذكور بقصيدته الرائية يمدحه بها ويعزيه عن أبيه وهي:
كفى الدين عزاً ما قضاه لك الدهر ... فمن كان ذا نذر فقد وجب النذر
ومنها:
ثماتية لم تفترق مذ جمعتها ... فلا افترقت ما ذب عن ناظر شفر
يقينك والتقوى وجودك والغنى ... ولفظك والمعنى وعزمك والنصر
وذكر فيه وفاة أبيه توليه الأمر بعده بقوله:
صبرنا على حكم الزمان الذي سطا ... على انه لولاك لم يكن الصبر
غزانا ببؤسى لا يماثلها الأسى ... تقارن نعمى لا يقوم بها الشكر
ومنها:
تباعدت عنكم حرقة لا زهادة ... وسرت إليكم حين مسني الضر
فلا قيل ظل الامن ما عنه حاجز ... يصد وباب العز ما دونه ستر
وطال مقامي في اسار جميلكم ... فدامت معإليكم ودام لي الأسر
وأنجز لي رب السماوات وعده ... الكريم بأن العسر يتبعه اليسر
فجاد ابن نصر لي بألف تصرمت ... واني عليم أن سيخلفها نصر
стр. 133
لقد كنت مأمولا ترجى لمثلها ... فكيف وطوعا أمرك النهي والأمر
وما بي إلى الإلحاح والحرص حاجة ... وقد عرف المبتاع وانفصل السعر
وإني بآمالي لديك مخيم ... وكم في الورى ثاو وآماله سفر
وعندك ما أبغي بقولي تصنعا ... بأيسر ما توليه يستعبد الحر
فلما فرغ من انشادها، قال الامير نصر: والله لو قال عوض قوله: سيخلفها سيضعفها نصر لأضعفتها له، وأعطاه ألف دينار في طبق فضة، وكان الامير نصر سخياً، واسع العطاء. ومن محاسن شعر ابن حيوس القصيدة اللمية التي مدح بها أبا الفضل سابق ابن محمود هو أخو الامير نصر المذكور فمن مديحها قوله:
طالما قلت للمسائل عنكم ... واعتمادي هداية الضلال
أن ترد علم حالهم عن يقين ... فالقهم في مكارم أو نزال
تلق بيض الوجوه سود مثار ... النقع خضر الأكف حمر النصال
قال ابن خالكان: ما احسن هذا التقسيم الذي اتفق له، وقد الم فيها بقول أبي سعيد الرستمي من جملة قصيدة يمدح بها الصاحب بن عباد، وهي من فاخر الشعر وذلك قوله:
من النفر العالين في السلم والوغى ... وأهل المعالي والعوالي وآلها
إذا نزلوا اخضر الثرى من نزولهم ... وان نازلوا احمر القنا من نزالها
ثم قال: هذا والله الشعهر الخالص الذي لا يشوبه من الحشو: وكان ابن حيوس المذكور قد أثرى، وحصلت له نعمة ضخمة من بني مرداس، فبنى داراً بمدينة حلب، وكتب على بابها من شعره:
دار بنيناها وعشنا بها ... في نعمة من آل مرداس
قوم نفوا بؤسي ولم يتركوا ... علي للأيام من باس
قل لبني الدنيا إلا هكذا ... فليصنع الناس مع الناسس
ومن غرر قصائده السائرة قوله:
هو هو ذاك ربع المالكية فاربع ... واسأل مصيفاً عافياً عن مربع
واستسق للدمن الخوالي بالحمى ... غر السحائب واعتذر من أدمعي
فلقد فنين أمام دان هاجر ... في قربه ووراء ناء مزمع
لو يخبر الركبان عني حدثوا ... عن مقلة عبرى وقلب نوجع
ردي لنا زمن الكثيب فإنه ... زمن متى يرجع وصالك يرجع
لو كنت عالمة بأدنى لوعتي ... لرددت أقصى نيلك المسترجع
بل لو قنعت من الغرام بمظهر ... عن مضمر بين الحشا والأضلع
أعتبت اثر تعتب ووصلت غب ... تجنب وبذلت بعد تمنع
لو إنني أنصفت نفسي صنتها ... عن أن أكون كطالب لم ينجع
ومنها:
اني دعوت ندى الكرام فلم يجب ... فلأ شكرن ندى أجاب وما دعي
ومن العجائب والعجائب جمة ... شكر بطيء عن ندى متسرع
ومن شعره أيضا:
قفوا في الفلا حيث انتهيتم تذمما ... ولا تفتقوا من جار لما تحكما
أرى كل معوج المودة يصطفى ... لديكم ويلقى حتفه من تقوما
فإن كنتم لم تعدلوا إذا حكمتم ... فلا تعدلوا عن مذهب قد تقدما
حنى الناس من قبل القسي لتقتني ... وثقف منآد القنا ليقوما
وما ظلم الشيب الملم بلمتي ... وان بزني حظي من الظلم واللمى
ومحبوبة عزت وعز نظيرها ... وان أشبهت في الحسن والعفة الدمى
أعنف فيها صبوة قط ما ارعوت ... واسأل عنها معلماً ما تكلما
سلي عنه تخبر عن يقين دموعه ... ولا تسألي عن قلبه اين يمما
فقد كان لي عونا على الصبر برهة ... ففارقني أيام فارقتم الحمى
فراق قضى أن لا تأسي بعد أن ... مضى منجداً صبري وأوغلت متهما
وفجعة بين مثل مصرع ملك ... ويقبح بي أن لا أكون متمماً
خليلي أن لم تسعداني على الأسى ... فما أنتما مني ولا أنا منكما
وحسنتما لي سلوة وتناسيا ... ولم تذكرا كيف السبيل إليهما
سقى الله أيام الصبا كل هاطل ... ملث إذا ما الغيث أنجم أنجما
وعيشاً سرقناه برغم رقيبنا ... وقد مل من طول السهاد فهوما
وكانت ولادته سنة ٣٩٤ ووفاته سنة ٤٧٣ بحلب رحمه الله تعالى: تم الاختيار من شعر ابن حيوس وأخباره، ويليه الاختيار من شعر ابن بختيار وأخباره.
شعر
ابن بختيار
стр. 134
هو أبو عبد الله محمد بن بختيار بن عبد البغدادي المشهور، وهو أحد المتأخرين المجيدين، جمع في شعر ه الصناعة والرقة، وذكره صاحب الذخيرة، فقال: هو شاب ظريف، رقيق أسلوب الشعر، حلو الصناعة، رائق البراعة، عذب اللفظ، ارق من النسيم، وأحسن من الوشي، وكلما ينظمه ولو انه يسير بأفواه الرواة، وأهل الأدب يتهافتون على نظمه المطرب تهافت الطير الحوم على عذب المشرب فمن قوله:
زار من أحيا بزورته ... والدجى في لون طرته
قمر يثني معاطففه ... بانة في طي بردته
بت استجلي المدام على ... غرة الواشي وغرته
يالها من زورة قصرت ... فاماتت طول جفوته
آه من خصر له وعلى ... رشفة من برد ريقته
ومن أبياته السائرة قوله من جملة قصيدة:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابة إلا من يعانيها
ومن رقيق شعره قوله في الغزل من قصيدة أنيقة:
دعني أكابد لوعتي وأعاني ... أين الطليق من الأسير العاني
آليت لا أدع الملام يغرني ... من بعد ما أخذ الغرام عناني
أو لا تروض العاذلات وقد أرى ... روضات حسن في خدود حسان
والبدر يلتمس السلو ولم أزل ... حي الصبابة ميت السلوان
يا برق أن اجف العقيق فطالما ... أغنته عنك سحائب الأجفان
هيهات أن أنسى وربك وقفة ... فيها أغير بها على الغيران
ومهفهف ساجي اللحاظ حفظته ... فأضاعني وأطعته فعصاني
يصمي قلوب العاشقين بمقلة ... طرف السنان وطرفها سيان
حسن الدلال بشعره وبثغره ... يوم الوداع اضلني وهداني
ما قام معتد لا يهز قوامه ... إلا وبانت خجلة في البان
يا أهل النعمان إلى وجناتكم ... تعزى الشقائق لا إلى النعمان
ما يفعل المران في يد قلب ... في القلب فعل مرارة الهجران
وهي قصيدة جيدة من فائق الشعر، ومخالصه من الغزل إلى المديح في نهاية الحسن، وقل من يلحقه فيها، فمن ذلك قوله في قصيدة أولها:
جنيت جني الورد من ذلك الخد ... وعانقت غصن البان من ذلك القد
فلما انتهى إلى مخلصها قال:
لئن وقرت يوماً بسمعي ملامة ... لهند فلا عفت الملامة في هند
ولا وجدت عيني سبيلا إلى البكا ... ولا بت في اسر الصبابة والوجد
وبحت بما القي ورحت مقابلا ... سماحة مجد الدين بالكفر والجحد
وقوله من قصيدة أخرى:
فلا وجد سوى وجدي بليلى ... ولا مجد كمجد ابن الدوامى
وقوله من قصيدة أخرى ببغداد:
فاقسم اني في الصبابة واحد ... وان كما الدين في الجود واحد
إلى غير ذلك وكانت وفاته سنة ٥٨٠ ﵀، تم الاختيار من شعر ابن بختيار ويليه الاختيار من شعر القاضي أبي يعلى.
شعر
أبي يعلى هو القاضي ابو يعلى حمزة بن عبد الرزاق بن أبي حصين ولم أقف له إلا على مرثيته التي رثي بها مقلد بن نضر بن منقذ الكناني، وهي من مختار المراثي، وفائق الشعر، فأثبتها بطولها وهي:
إلا كل حي مقصدات مقاتله ... وآجل ما يخسى من الدهر آجله
وهل يفرح الناجي السليم وهذه ... خيول الردى قدامه وحبائله
لعمر الفتى أن السلامة سلم ... إلى الحين والمغرور بالعيش آمله
فيسلب أثواب الحياة معارها ... ويقضي غريم الدين من هو ماطله
مضى قيصر لم تغن عنه قصوره ... وجدل كسرى ما حمته مجادله
وما صد هلكاً عن سليمان ملكه ... ولا منعت منه اباه سرابله
ولم يبق إلا من يروح ويغتدي ... إلى سفر ينأى عن الأهل قافله
وما نفس الإنسان إلا خزامة ... بأيدي المنايا والليالي مراحله
فهل غال بدءاً مخلص الدولة الردى ... وهل تنزوي عمن سواه غوائله
ولكنه حوض الحمام ففارط ... إليه وتال مسرعات رواحله
لقد دفن الأقوام أروع لم تكن ... بمدفونة طول الزمان فضائله
سقى جدثاً هالت عليه ترابه ... اكفهم طال الغمام ووابله
ففيه سحاب يرفع المحل هدبه ... وبحر ندىً يستغرق البر ساحله
كأن ابن نصر سائر في سريره ... حياء من الوسمي أقشع هاطله
يمر على الوادي فتثني رماله ... عليه وبالنادي فتبكي أرامله
стр. 135
سرى نعشه فوق الرقاب وطالما ... سرى جوده فوق الركاب ونائله
أناعيه أن النفوس منوطة ... بقولك فانظر ما الذي أنت قائله
بفيك الثرى لم تدر من حل بالثرى ... جهلت وقد يستصغر المرء جاهله
هو السيد المهتز للتم بدره ... وللجود عطفاه وللطعن عامله
أفاض عيون الناس حتى كأنما ... عيونهم سما تفيض انامله
فياعين سحي لا تشحي بوابل ... على ماجد لم يعرف الشح سائله
متى سألوه المال تندى بنانه ... وان سألوه الضيم تبدو عوامله
وكم عاد عنه بالخسار مقنع ... وكم نال منه قانع ما يحاوله
له الغلب القاضي على كل باسل ... يجادله أو كل خصم يجادله
مجالسه في روضة طلها الندى ... ولكنه في المجد مات مساجله
فيا عمره انى قصرت ولم تطل ... منازله بل كفه بل حمائله
جرت تحته اعلياء ملء فروجها ... إلى غاية طالت على من يطاوله
فما مات حتى نال أقصى مراده ... كما يستسر البدر تمت منازله
فتى طالما يعتاده الجيش عافيا ... فينزله أو عادياً فينازله
صفوح عن الجاني وصفحة سيفه ... إذا هي لم تقتله فالصبح قاتله
وأدمى عسيب الطرف بعدك هلبه ... وعادته أن يقذف الدم كاهله
فياطرفه ما كان عجزك حاملاً ... أذى صارم لو أن ظهرك حامله
لقد كثر الملبوس بعد مروع ... جرت ببيان المشكلات شواكله
إذا ظن لا يخطي كأن ظنونه ... على ما يظن الناس عنه دلائله
فلا رحلت عنه نوازل رحمة ... صحاه بها موصولة وأصائله
وروى ثراه منهل العفر في غد ... فقد روت العافين أمس مناهله
قضى الله أن يردى الأمير وهذه ... صوافنه موقورة ومناصله
وكل فتىً كالبرق إبريق غمده ... إذا شامه أو كالذبابة ذابله
فليت ظباه صلت اليوم خلفه ... فظلت على غير الصيام صواهله
بني منقذ صبراً فإن مصابكم ... يصاب به حافي ليس يوجد عاذله
إذا صوحت أيدي الرجال فانتم ... بني منقذ روض الندى وحمائله
سوان فر من وزر الزمان مفرح ... فإنكم أوزاره ومعاقله
وصاحب علي الصبر عنه فما غوى ... مصاحب صبر عن حبيب يزايله
وما نام حتى قام منك وراءه ... أخو يقظات وافر العقل كامله
كأنكما تؤمان في فلك العلى ... فطالعه هذا وذلك آفله
وما كلفوك الأمر إلا لعلمهم ... قيامك بالأمر الذي أنت كافله
سعيت إلى نيل المكارم سعيه ... ولو كنت لاتسعى كفتك فواضله
ولم تر أن ترقى بما كان فاعلاً ... أجل نما أمرفوع بالفعل فاعله
لعمرك اني في الذي عن كله ... شريك عنان ناصح الود ناهله
وكيف خلو القلب من ذلك الهوى
وقد خلدت بين الشغاف دواخله
تمت قصيدة القاضي أبي يعلى رحمه الله تعالى، ويليه الاختيار من شعر الشريف الرضي.
شعر
الشريف الرضي هو الشريف الرضي أبو الحسن محمد بن الطاهر، ذي المناقب أبي أحمد الحسين بن موسى بن محمد إبراهيم بن موسى الكاظم، بن جعفر الصادق، بن محمد الباقر، بن علي زين العابدين، بن الحسين بن علي ابن أبي طالب، ﵃، المعروف بالموسوي، صاحب ديوان الشعر ذكره الثعالبي في كتاب (اليتيمية) فقال: في ترجمته ابتدأ: يقول الشعر بعد أن جاوز عشر سنين، وهو أبدع أبناء الزمان، وأنجب سادات العراق، يتحلى مع محتده الشريف، ومفخره المنيف بأدب ظاهر، وفضل باهر، وحظ من جميع المحاسن وافر، ثم هو أشعر الطالبين، من مضى منهم، ومن غبر على كثرة شعرائهم المفلقين، ولو قلت: انه أشعر قريش لم أبعد، وسيشهد بذلك شاهد عدل من شعره، العالي القدح، الممتنع من القدح، الذي يجمع مع السلاسة متانة، والى السهولة رصانة، ويشمل على معان يقرب جناها، ويبعد مداها، ومن غرر شعره ما كتبه إلى الخليفة القادر بالله العباس أحمد بن المقتدر من جملة قصيدة:
عطفاً أمير المؤمنين فإننا ... في دوحة اعلياء لا نتفرق
ما بيننا يوم الفخار تفاوت ... أبداً كلانا في المعالي معرق
إلا الخلافة ميزتك فإنني ... أنا عاطل منها وأنت مطوق
ومن جيد شعره قوله أيضا:
стр. 136
رمت المعالي فامتنعن ولم يزل ... أبداً يمانع عاشقاً معشوق
فصبرت حتى نلتهن ولم أقل ... ضجراً دواء الفارق التطليق
وله من جملة ابيات:
يا صاحبي قفالي واقضيا وطراً ... وحدثاني عن نجد بأخبار
هل روضت قاعة الوعساء أم مطرت ... خميلة الطلح ذات البان والغار
أم هل أبيت ودار دون كاظمة ... داري وسمار ذاك الحي سماري
تضوع أرواح نجد من ثيابهم ... عند القدوم لقرب العهد بالدار
ومن قوله في رقة النسيب:
يا ليلة السفح هلا عدت ثانية ... سقى زمانك هطال من الديم
ماض من العيش لو يفدى بذلت بها ... كرائم المال من خيل ومن نعم
لم أقض منك لبانات ظفرت ... بها
فهل لي اليوم إلا زفرة الندم
فليت عهدك إذا لم يبق لي أبداً ... لم يبق عندي عقابيلاً من السقم
تعجبوا من تمني القلب مؤلمة ... وما دروا انه خلو من الألم
ردوا علي ليالي التي سلفت ... لم أنسهن وما بالعهد من قدم
أقول للائم المهدي ملامته ... ذق الهوى وان اسطعت الملام لم
وظبية من ظباء الإنس عاطلة ... تستوقف العين بين الخمص والهضم
لو إنها بفناء البيت سارحة ... لصدتها وابتدعت الصيد في الحرم
قدرت منها بلا رقبى ولا حذر ... على الذي نام عن ليلي ولم انم
بتنا ضجيعين في ثوبي وتقىً ... يلفنا الشوق من فرع إلى قدم
وأمست الريح كالغيرى تجاذبنا ... على الكثيب فضول الريط والكمم
يشي بنا الطيب أحيانا وآونة ... يضيئنا البرق مجتازاً على إضم
وبات بارق ذاك الثغر يوضح لي ... مواقع اللثم في داج من الظلم
وبيننا عفة بايعتها بيدي ... على الوفاء بها والرعي للذمم
يولع الطل بردينا وقد نسمت ... رويحة الفجر بين الضال والسلم
وأكتم أصبح عنها وهي غافلة ... حتى تكلم عصفور على علم
فقمت انفض بردا ما تعلقه ... غير العفاف وراء الغيب والكرم
وألثمتني ثغراً ما عدلت به ... أرى الجنى ببنات الوابل الرزم
ثم انثنينا وقد رابت ظواهرنا ... وفي بواصننا بعد من التهم
يا حبذا لمة بالرمل ثانية ... ووقفة ببيوت الحي من امم
وحبذا نهلة من فيك باردة ... يعدي على حر قلبي بردها بفمي
دين عليك فإن تقضيه أحي به ... وان ابيت تقاضينا إلى حكم
عجبت من باخل عني بريقته ... وقد بذلت له دون الأنام دمي
ما ساعفتني الليالي بعد بينهم ... ولا بكيت هوى أيامنا أقدم
لا تطلبن لي الإبدال بعدهم ... فإن قلبي لا يرضى بغيرهم
ومن قوله:
ولي كبد من حب ظمياء أصبحت ... كذي الجرح ينكى يعد مارقي الدم
أصاب الهوى قلباً بعيداً من الهوى ... وما كل من يبغي السلامة يسلم
قال يمدح الخليفة الطائع لله، ويشكره على تكرم خصه، وجائزة سنية، وذلك في سنة ٣٧٦:
أنا للركائب أن عرضن بمنزل ... وإذا القنوع أطاعني لم ارحل
لا أطلب المثري البخيل لحاجة ... أبداً وأقنع بالجواد المرمل
وأرى المعرض باللئيم كأنه ... أعشى اللحاظ يحز غير المفصل
ولرب مولى لا يغض جماحه ... طول العتاب ولا عناء العذل
يطغى عليك وأنت ألأم شعبه ... كالسيف يأخذ من بنان الصقيل
أبكي على عمر بجاذبه الردى ... جذب الرشاء عن القليب الأطول
أخلق بحبل مرسل في غمرة ... أن سوف ترفعه بنان المرسل
ما كنت أطرب للقاء ولا أرى ... قلقاً لبين الظاعن المتحمل
ألوي عناني عن منازلة الهوى ... وأصد عن ذكر اغزال المغزل
وأزور أطراف الثغور ودونها ... طعن يبرح بالوشيج الذبل
أأنال من عذب الوصال ودونه ... مر الاباء ونخوة المتدلل
ما كنت أجرع نطفة معسولة ... طوع المنى وإناؤها من حنظل
أعتيلة الحيين دونك فارفعي ... ما شئت من عذب القناع المسبل
هيهات يبلغك اللحاظ وبيننا ... هضب كخرطوم اغمام المقبل
أوطان غير للضيافة طلقة ... وسواك في اللأواء رحب المنزل
стр. 137
وإذا امير النمؤمنين أضاف لي ... املي نزلت على الجواد المفضل
بالطائع الميمون انجح مطلبي ... وعلوت حتى ما يطاول معقلي
قرم إذا غزت الخطوب مراحه ... أدمى غاربها بناب أعصل
متوغل خلف العدو وعلمه ... أن الجبان إذا سرى لم يوغل
وإذا تناولت الرجال غنيمة ... قسم التراث لها بحد المنصل
ثبت لهجهجة الخطوب كأنها ... جاءت تقعقع بالشنان ليذبل
رأي الرشيد وهيبة المنصور في ... حسن الأمين ونعمة المتوكل
آباؤك الغر الذين إذا انتموا ... ذهبوا بكل تطاول وتطول
درجوا كما درج القرون وعلمهم ... أن سوف يخبر آخر عن أول
نسب إليك تجاذبت أشياخه ... طولا من العباس غير موصل
هذي الخلافة في يديك زمامها ... وسواك يخبط قعر ليل اليل
أحرزتها دون الأنام وإنما ... خلف العجاجة سائق لم يذهل
بجوادر يعنقن من نحت القنا ... عنقاً يعرد بالذئاب العسل
غر محجلة إذا احتضر الوغى ... نقبن عن يوم أغر محجل
رفعت فأي الحزم عنها لم يضق ... عرقاً وأي اللجم لم يتصلصل
سلخ الظلام إهابها وتهللت ... جنبات ذاك العارض المتهلل
طلعت بوجهك غرة نبوية ... كالشمس تملأ ناظر المتأمل
وإذا نبت بك في مسالمة العدى ... ارض وهب ترابها للقسطل
وفوارس ما استعصموا بثنية ... إلا طلعت عليهم في جحفل
إلى أن قال:
ارجوك للامر الخطير وإنما ... يرجى المعظم للعظيم المعضل
واروم من غلواء عزك غاية ... قعساء تستلب النواظر من عل
تدمي قلوب الحاسدين وتنثني ... فترد عادية الخطوب النزل
ضاق الزمان فضاق فيه تقلبك الماء يجمع نفسه في الجدول
فاسمح بفعلك بعد وعدك انه ... لا يحمد الوسمي إلا بالولي
فلعلنا نمتاح أن لم نغترف ... ماء المنى ونعل أن لم ننهل
ايه وكم من نعمة جللتها ... تضفو كهداب الرداء المخمل
لله أنت لقد أثرت صنيعةً ... بيدي معم في الصنائع مخول
شرفتنا دون الأنام وإنما ... برالقريب علاقة المتفضل
وجذبتنا جذب الحرير إلى العلى ... وعدونا يهوي هوي الأجدل
وأحق بالإطراء باعث منة ... وصلت من الأرحام ما لم يوصل
مولاي من لي أن اراك وكيف لي ... بحضور دارك والعدو بمعزل
انظر الي ببعض طرفك نظرة ... يسمو لها ويعرب مقولي
فالآن لا ارضى وانت مؤلمي ... برضى القنوع وعفة المتجمل
نعمى أمير المؤمنين حرية ... أن لا تنام على الرجاء المهمل
بفم إذا رفع الكلام سجافه ... أوحى بنائل وان لم يسأل
ويد إذا استمطرت هامر مزنها ... دفقت عليك من الزلال السلسل
تمحو أساطير الخطوب كما محا ... مر الشمال من الغمام المثقل
واليت فيك مدائحي فكأنما ... أفرغت نبلي كله في مقتل
من كل قافية إذا ما انشدت ... عطفت عنان الراكب المستعجل
فظفرت من نفحاته وجواره ... باجل نعماء وأحرز موئل
وقال يمدح الطائع أيضا ويهنئه بصوم شهر رمضان سنة ٣٨٧:
مسيري في ليل الشاب ضلال ... وشيبي ضياء في الورى وجمال
سواد ولكن البياض سيادة ... وليل ولكن النهار جلال
وما المرء قبل الشيب إلا مهند ... صدي وشيب العارضين صقال
وليس خضاب الرأس إلا تعلة ... لمن شاب منه عارض وقذال
للنفس في عجز الفتى وزماعه ... زمام إلى ما يشتهي وعقال
بلوت وجربت الأخلاء مدة ... فاكثر شيء في الصديق ملال
وما راقني ممن أود تملق ... ولا غرني ممن أحب وصال
وما صحبك الادنون إلا أباعد ... إذا قل مال أو نبت بك حال
ومن لي بخل أرتضيه وليت لي ... يمينا تعاطيها الوفاء شمال
تميل بي الدنيا إلى كل شهوة ... وان من النجم البعيد منال
وتسلبني أيدي النوائب ثروتي ... ولي من عفافي والتقنع مال
إذا عزني ماء وفي القلب غلة ... ظمئت وكل الآل عندي آل
ومثلي لا بأس على ما يفوته ... إذا كان عقبى ما ينال زوال
стр. 138
لانا خلقنا عرضة لمنية ... فنحن إلى داعي المنون عجال
تخف على ظهر الثرى وبطونه ... علينا إذا حل الممات ثقال
وما نوب الأيام إلا أسنة ... تهاوى إلى أعمارنا ونصال
وأنعم منا في الحياة بهائم ... وأثبت منا في التراب جبال
أنا المرء لا عرضي قريب من العدى ... ولا في لباغي علي مقال
وما العرض إلا خير عضو من الفتى ... يصاب وأقوال العداة نبال
وقور فان لم يرع حقي جاهل ... سألت عن العوراء كيف تقال
إلى كم أمشي العيش غرثى كليلة ... وأودع منها دبرب ورئال
أروغ كأني في الصباح طريدة ... وأسري كأني في الظلام خيال
تمطى بنا أذوادنا كل مهمة ... خفائف تخفيها ربى ومال
لطمنا بأيديها الفيافي إليكم ... وقد دام أغذاذ وطال كلال
خوارج من ليل كأن وراءه ... يد الفجر في سيف جلاه صقال
تقوم أعناق المطي نجومه ... فليس لسار فوقهن تلال
وهو جاء قدام الركاب مغذة ... لها من جلود الرازحات نعال
رحلن بها كالبدر حسناً وشارة ... وملنا إلى البيداء وهي هلال
إليك أمين الله وسمت أرضها ... بأخفافها يدنو بهن نقال
أيداي أمير المؤمنين كثيرة ... ومال أمير المؤمنين مزال
وأوقاته اللتي تسوءه قصيرة ... وأيامه التي تسر طوال
من الضاربين إلهام والخيل تدعى ... وإن غاب أنصار وقال رجال
هم القوم إن هاب المصاليت أقدم ... وإن سئلوا بذل النوال أنال
وإن طريق اليوم العبوث تهلل ... وإن مالت السمر الذوابل مالوا
أجيل لحلظي لا أرى غير ناقض ... كأن الورى نقص وأنت كمال
لنا كل يوم في معإليك ِشعبة ... وأكرومة ما تنقضي والنوال
وأنت الذي بلغتنا كل غاية ... لها فوق أعناق النجوم مجال
فما طرد النعماء وعدك ساعة ... ولا غض من جدوى يديك مطال
إذا قلت إذا كان الفضل ثاني نطقه ... وخير مقال ما تلاه فعال
أزل طمع الأعداء عني بفتكة ... فلا سلم إلا أن يطول قتال
فإن نفوس الناكثين مباحة ... وإن دماء الغادرين حلال
وشمر فما للسيف غيرك ناصر ... ولا للعوالي إن قعدت مصال
ومن لي ليوم شاحب في عجاجه ... أنال بأطراف القنا وأنال
وكالنفوس الشقراء في الجو شمسه ... لها من غيابات الغبار جلال
أردني مراداً يقعد الناس دونه ... ويغبطني عم عليه وخال
ولا تسمعن من حاسد ما يقوله ... فأكثر أقوال العداة محال
هناء لك الصوم الحديد ولا تزل ... عليك من العيش الرقيق ظلال
جادك منهل الغمام وصافحت ... حماك جنوب غضة وشمال
ولا زال من آمالنا ورجائنا ... عليك وإن ساء العدو عيال
وفي كل يوم عندنا منك عارض ... وعند الأعادي فيلق ونزال
أنا القائل المحسود قولي من الورى ... علوت وما يعلو علي مقال
يقولون حاز الفضل قوم بسبقهم ... وما ضرني أني أتيت وزالوا
ولا فرق بيني في الكلام وبينهم ... بشيء سوى أني أقول وقالوا
فلا زال شعري فيك وحدك كله ... ولا اضطرني إلا إليك سؤال
ومن قوله في الفخر:
ألا ليت الغيوم السواجم ... تجر على تلك لربى والمعالم
ولولاك ما استبقيت مزناً لمنزل ... فأحمل فيه منة للغمائم
ويا رب أرض قد قطعت تشق بي ... جيوب الملأ أيدي المطي الرواسم
وليل طويل الباع قسرت طوله ... إليك وقد ألقى يداً في المخازم
وعيش خطت عرض الفلابر حالنا ... تزعزع في الأعناق رقش التمائم
إذا فاح ريعان النسيم رأيتها ... إلى الجانب الغربي عوج الخياشم
يسير بها مستنجد بعصابة ... أناملها ملوية بالقوائم
تباري نجو الليل بالبيض والقنلا ... وضوء بدور هامها في العمائم
حقيق بأن لا يهتك الدهر ثوبه ... على العار كأس من عجاج الملاحم
وأين من الدهر استماع ظلامتي ... إذا نظرت أيامه في المظالم
فهل نافع أن ينصر المجد عزمتي ... على هذه العلياء والمال ظالمي
стр. 139
أنا الأسد الماضي على كل فعلة ... تمشي شفار البيض فوق الجماجم
وفي مثلها أرضيت من عزمتي المنى ... وصافحت أطراف القنا والصوارم
ولم أدر أن الدهر يخفض أهله ... إذا سكنت فيهم نفوس الضراغم
وما العيش إلا فرحة إن هجرتها ... سطوت على الدنيا بسطوة حازم
سأصبر حتى يعلم الصبر إنني ... ملكت به دفع الخطوب الهواجم
وآخذ ثاري من زمان تعرضت ... مغارمه بيني وبين المغانم
وما نام إغضاء عن الدهر صارمي ... ولكني أبقي على غير راحم
وإن أنا أهلكت الزمان فما الذي ... يصدع عزمي في صدور العظائم
وركب سروا والليل ملق جرانه ... على كل مغبر المطالع قاتم
خذوا عزمات ضاعت الأرض بينها ... فصار سراهم في ظهور العزائم
تريهم نجوم الليل ما يبتغونه ... على عاتق الشعرى وهام النعائم
وغط على الأرض الدجى فكأننا ... نفتش عن أعلامها بالمناسم
وفتية صدق من قريش إذا أنتدوا أروك عطاء المال ضربة لازم
إذا طردوا في معرك المجد قصفوا ... رماح العطايا في قلوب المراحم
وإن سحبوا خرصانهم لكريهة ... تصدع قلب الأرض عن صدر واجم
وتثبت في عليا معد غصونهم ... ثبات بنان في قلوب البراجم
أيسمح لي هذا الزمان بصاحب ... طويل نجاد السيف من آل هاشم
إذا أنا شيعت الحسام بكفه ... مضى عزم مشبوح الذراع ضبارم
إذا ضافه الهم النزيع رمى بها ... نزائع لا يعلفن غير الشكائم
ولست بمستصف سوى كل خائض ... ألأى كل بحر بالقنا متلاطم
أنامله في الحرب عشر أسنة ... ولكنها في الجود عشر غمائم
طموح إذا غض الشجاع لحاظه ... وأطرق عن برق الظبي كل شائم
أعاذل ما سمعي للومك مرتعاً ... إذا كان مصروفاً إلى غير لائم
يبثك عن ليل تعسفت متنه ... كأني أمشي في متون الأراقم
يخيل لي أن النجوم ضمائر ... يقلقل فيها خشية من عزائمي
لقيت ظلام الليل في لون مفرتي ... وفارقته والصبح في لون صارمي
أجوب آجام المنايا وأسدها ... تروعني من بينها بالهماهم
وبيني وبين القوم من آل يعرب ... ضغتئن تثنيني زهيد المطاعم
إذا ما جنوا من مالهم ثمر العلى ... جنيت المعالي من غصون اللهاذم
أغر بني فهر وعيد مجتسع ... وأي وعيد بعد وقع الصوارم؟
أيوعدنا من عطل البعض والقنا ... وأقسم لا ينجو بغير الهزائم
عشية خضنا بالضوامر ليلهم ... وفي كل جفن منهم طيف حالم
نريهم صدور السمر بين نحورهم ... فما أستيقظوا إلا بقرع الحلاقم
كأن الكرى يقتص من طول نومهم ... فيسهر منهم بالقنا كل نائم
وكم من غلام خالط البأس قلبه ... يقطع أقران الأمور الغواشم
ونحن دلفنا للأراقم فتية ... يضيقون أطراف القنا في الحيازم
تطلع من خلف الفجاج كأنما ... تطالعهم منها عيون القشاعم
إذا اشتجر الضرب الدر التقطت ... إلى الطعن أفواه النسور الحوائم
وولوا على الخيل العتاق كأنهم ... تزاحم غيم العارض المتراكم
تفيض عيون الطعن بالدم منهم ... ويغسلها فيض العيون السواجم
وله يمدح أباه ويذكر غرضاً له:
شيمي لحاظك عني ظبية الخمر ... ليس الصبا اليوم من شأني ولا وطري
مات الغرام فما أصغي إلى طرب ... ولا أربي دموع العين للسهر
من يعشق المجد لا يعنو لغانية ... في رونق الصفو ما يغني عن الكدر
شغلت بالمجد عما يستلذ به ... إذا جذبت به باعا من العمر
لا يبتعد الله من غارت ركائبهم ... وأنجد الشوق بين القلب والبصر
يا وقفة بوراء الليل أعهدها ... كانت نتيجة صدر عاقر الوطر
والوجد يغضبني قلباً أضن به ... والدمع يمنع عني لذة النظر
طرقتهم والمطايا يستراب بها ... والليل يرمقني بالأنجم الزهر
أصانع الكلب أن يبدي عقيرته ... والحي مني إذا أغفوا على غرر
وفي الخباء الذي هام الفؤاد به ... نجلاء من أعين الغزلان والبقر
стр. 140
أبرزتها فتحاصرنا مباعدة ... من الخيام نعفي الخطو بالأرز
ثم انثنيت ولم أدنس سوى عبق ... على جيوبي لريا بردها العطر
لا أغفل المزن أرضاً ينزلون بها ... ولا طوى عنهم مستعذب المطر
جر النسيم على أعطاف دارهم ... ذيلاً وألبسها من رقة السحر
وما بكائي على خل فجعت به ... إلا لكل فتى كالصارم الذكر
ما حاربوا الدهر إلا لان جانبه ... أن المشيع أولى الناس بالظفر
يا للرجال دعاء لا يشار به ... إلا إلى غرض بالذل والحذر
ردوا الرحيل فإن القلب مرتحل ... وسافروا أن دمع العين في سفر
ويوم ضجت ثنايا بابل ومشت ... بالخيل في خلع الأوضاع والغرر
قمنا نحلي وراء اللثم كل فتى ... كأن حليته من صفحة القمر
إني لأمنح قوماً لا أزورهم ... مج القا من دم الأوداج والثغر
طعناً كما صبح الغدران ممتحن ... رمى فشتت شمل الماء بالحجر
وجاهل نال من عرضي بلا سبب ... أمسكت عنه بلاعي ولا حصر
حمته مني المخازي أن أعاقبه ... كذاك تحمى لحوم الذوذ بالدبر
ومهمه كشفار البيض مطرد ... بالآل عار من الأعلام والخمر
إذا تدلت عليه الشمس لأوحشها ... تلمع المور بالأنهار والغدر
غصصت تربته بالعيش مالكة ... على النجاء رقاب الورد والصدر
أطوي البلاد إلى ما أذل به ... من البلاد وما أطوي على خطر
مجاهلاً ما أظن الذئب يعرفها ... ولا مشى قائف فيها على أثر
ينسى بها اليقظ المقدام حاجته ... ويصبح المرء فيها ميت الخبر
لا تبعدن أماني التي نشزت ... على الزمان بالإدلاج والبكر
يا ابن النبي مقالاً لا خفاء به ... وأحسن القول فينا قول مختصر
رأيت كفك مأوى كل مكرمة ... إذا تواصت أكف القوم بالعسر
لطاب فرعك واهتزت أراكته ... في المجد إن المعالي أطيب الشجر
ما كل نسل الفتى تركوا مغارسه ... قد يفجع العود بالأوراق والثمر
إن الرماح وإن طالت ذوائبها ... من العدى تتواصى عنك بالقصر
تسل منك الليالي سيف ملحمة ... يستنهض الموت بين البيض والسمر
مشيع الرأي أن كرت أسنته ... جرى القنا بين منآد ومنأطر
فاسلم إذا نكب المركوب راكبه ... وأستأسد الدهر بالأقدار والعين
تم الاختيار من شعر الشريف الرضي وأخباره، ويليه الاختيار من شعر البهاء زهير.
شعر
البهاء زهير هو الوزير بهاء الدين أبو الفضل، زهير بن محمد بن علي بن يحيى ابن الحسين بن جعفر بن منصور المهلبي الصالحي، الفاتكي، المصري، الأزردي، رحمه الله تعالى آمين فمن قوله: وكتب بها إلى الوزير فخر الدين أبي الفتح عبد الله بن قاضي داريا يشكو إليه سوء أدب غلمانه:
سواك الذي ودي لديه مضيع ... وغيرك من سعيي إليه مخيب
ووالله ما آتيك إلا محبة ... وإني في أهل ألفضيلة أرغب
أبث لك الشكر الذي طاب نشره ... وأطري بما أثني عليك وأطرب
فما ألقى دون بابك جفوة ... لغيرك تعزى لا إليك وتنسب
أرد برد الباب إن جئت زائراً ... فياليت شعري أين أهل ومرحب؟
ولست بأوقات الزيارة جاهلاً ... ولا أنا ممن قربه يتجنب
وقد ذكروا في خادم المرء أنه ... بما كان من آدابه يتأدب
فهلا سرت منك اللطافة فيهم ... وأعدتهم آدابها فتأدبوا
ويصعب عندي حالة ما ألفتها ... على أن بعدي عن جنابك أصعب
وأمسك نفسي عن لقائك كارها ... ((أغالب فيك الشوق والشوق أغلب))
وأغضب للفضل الذي أنت ربه ... لأجلك لا أني لنفسي أغضب
وآنف إما عزة منك نلتها ... وإما لإدلال به أتعب
وإن كنت ما اعتداها فيك زلة ... فحسبي بها من خجلة حين أذهب
وقال في جواب كتاب ورد إليه من بعض أحبابه:
رسول الرضى أهلاً وسهلاً ومرحباً ... حديثك ما أحلاه عندي وأطيبا
ويا مهدايا ممن أحب سلامه ... عليك سلام الله ما هبت الصبا
ويا محسناً قد جاء من عند محسن ... ويا طيبا أهدى من القول طيبا
стр. 141
لقد سرني ما قد سمعت من الرضى ... وقد هزني ذاك الحديث وأطربا
وبشرت باليوم الذي فيه نلتقي ... ألا إنه يوم يكون له نبا
فعرض إذا حدثت بالبان والحمى ... وغياك أن تنسى فتذكر زينابا
ستكفيك من ذاك المسمى إشارة ... ودعه مصوناً بالجمال محجبا
أشر لي بوصف واحد من صفاته ... تكن مثل من سمى وكنى ولقبا
وزدني من ذاك الحديث لعلني ... أصدق أمراً كنت فيه مكذبا
سأكتب مما قد جرى في عتابنا ... كتاباً بدمع للمحبين مذهبا
عجبت لطيف زار بالليل مضجعي ... وعاد ولم يشف الفؤاد المعذبا
فأوهمني أمراً وقلت لعله ... رأى حالة لم يرضها فتجنبا
وما صدعن عن أمر مريب وإنما ... رآني قتيلاً في الدجى فتهيبا
ومن قوله:
كلفت بشمس لا ترى الشمس وجههاً ... أراقب فيها ألف عين وحاجب
ممنعة بالخيل والقول والقنا ... وتضعف كتبي عن زحام الكتائب
ولو حملت عني الرياح تحية ... لما نفذت بين القنا والقواضب
فمالي منها رحمة غير إنني ... أعلل نفسي بالأماني الكواذب
أغار على حرف يكون من أسمها ... إذا ما رأته العين في خط كاتب
ومن قوله:
وغانية لما رأتني أعولت ... وقالت عجيب يا زهير عجيب
رأت شعرات لحن بيضاً بمفرقي ... وغصني من ماء الشباب رطيب
لقد أنكرت مني مشيباً على صبى ... فقالت مشيب قلت ذاك مشيب
وما شبت إلا من وقائع هجرها ... على أن عهدي بالصبا لقريب
عرفت الهوى من قبل أن يعرف الهوى ... وما زال لي في الغيب منه نصيب
ولم أر قلباً مثل قلبي معذباً ... له كل يوم لوعة ووجيب
وكنت إذا استهونت في الحب نظرة ... وقد صار منها في الفؤاد لهيب
تركت عذولي ما أراد بقوله ... يسفه يرزي يستخف يعيب
ومإذا به إلا دماثة منطقي ... وإني مزاج اللسان لعوب
أروح ولي في هزة الحب نشوة ... ولست أبالي أن يقال طروب
محب خليع عاشق متهتك ... يلذ لقلبي كل ذا ويطيب
خلعت عذاري بل لبست خلاعتي ... وصرحت حتى لا يقال مريب
وفي لي من أهوى وأنعم بالرضى ... يموت بغيظ عاذل ورقيب
فلا يعيش إلا بالأحبة جامع ... ولا أنس إلا أن يزور حبيب
وإني ليدعوني الهوى فأجيبه ... وإني ليثنيني التقى فأنيب
رجوت كريماً قد وثقت بصنعه ... وما كان من يرجو الكرام يخيب
فيا من يحب العفو إني مذنب ... ولا عفو إلا أن تكون ذنوب
ومن قوله في الشيب:
سلام على عهد الشبيهة والصبا ... وأهلاً وسهلاً بالمشيب ومرحبا
ويا راحلاً عني رحلت مكرماً ... ويا نازلاً عندي نزلت مقرباً
أأحبابنا إن المشيب لشارع ... لينسخ أحكام الصبابة والصبا
وفي مع الشنب الملم بقية ... تجدد عندي هزة وتطربا
أحن إليكم كلما لاح بارق ... وأسأل عنكم كلما هبت الصبا
وما زال وجهي أبيضاً في هواكم ... إلى أن سرى ذاك البياض فشيبا
وليس مشيباً ما ترون بعارضي ... فلا تمنعوني أن أهيم وأطربا
فما هو إلا نور ثغر لثمته ... تعلق في أطراف شعري فألهبا
وأعجبني التنيس بيني وبينه ... فلما تبدي أشنبا حلت أشيبا
وهيفاء بيضاء النرائب أبصرت ... مشيبي فأبدت روعة وتعجبا
جنت لي هذا الشيب ثم تجنبت ... فواحربا ممن جنى وتجنبا
تناسب خدي في البياض وخدها ... ولو دام مسوداً لقد كان أنسبا
وإني وإن هز الغرام معاطفي ... لآبي الدنايا نخوة وتعربا
أتية على كل الأنام نزاهة ... وأشمخ إلا للصديق تأدبا
وإن قلتم أهوى الرباب وزينبا ... صدقتم ساو عني الرباب وزينبا
ولكن فتى قد نال فضل بلاغة ... تلعب فيها بالكلام تلعبا
ومن قوله:
جاءت تودعني والدمع يغلبها ... يوم الرحيل وحادي البين منصلت
وأقبلت وهي في خوف وفي دهش ... مثل الغزال من الأشراك ينفلت
فلم تطق خيفة الواشي تودعني ... وريح الوشاة لقد نالوا وقد شمتوا
стр. 142
وقفت أبكي وراحت وهي باكية ... تسير عني قليلاً ثم تلتفت
فيا فؤادي كم وجد وكم حرق ... ويا زماني ذا جور وذا عنت
ومن قوله:
يعاهدني لا خإنني نم ينكث ... وأحلف لا كلمته ثم أحنت
وذلك دأبي لا يزال ودأبه ... فيا معشر الناس اسمعوا وتحدثوا
أوقل له صلني يقول نعم غداً ... ويكسر جفناً هازثاً بي ويبعث
وما ضر بعض الناس لو كان زارني ... وكنا خلونا ساعة نتحدث
لك الله أني في هواك معذب ... وحتام أبقى في العذاب وأمكث؟
فخذ مرة روحي ترحني ولم أكن ... أموت مراراً في نهاري وأبعث
وإني لهذا الضيم منك لحامل ... ومتظر لطفاً من الله يحدث
أعيذك من هذا الجفاء الذي بدا ... خلائقك الحسنى أرق وأدمث
تردد ظن الناس فينا وأكثروا ... أقاويل منها طيب ويخبث
وقد كرمت في الحب منا شمائل ... ويسأل عنا من أراد ويبحث
ومن مختارات قوله:
ترى هل علمتم ما لقيت من البعد ... لقد جل ما أخفيه منكم وما أبدي
فراق ووجد وأشتياق ولوعة ... تعددت البلوى على واحد فرد
رعى الله أياماً تقضت بقربكم ... كأني بها قد كنت في جنة الخلد
هبوني أمرء أفد كنت بالبين جاهلاً ... أما كان فيكم من هداني إلى الرشد
وكنت لكم عبداً وللعبد حرمة ... فما بالكم ضيعتم حرمة العبد؟
وما بال كتبي لا يرد جوابها ... فهل أكرمت أن لا تقابل بالرد؟
فأين حلاوات الرسائل بيننا ... وأين إمارات المحبة والود؟
وما لي ذنب يستحق عقوبة ... وياليتها كانت بشيء سرى الصد
وياليت عندي كل يوم رسولكم ... فأسكنه عيني وأفرشه خدي
وإني لأرعاكم على كل حالة ... وحقكم أنتم أعز الورى عندي
عليكم سلام الله والبعد بيننا ... وبالرغم مني أن أسلم من بعد
ومن قوله يمدح الأمير النصير اللطمي، ويهنئه بالقدوم:
صفحا لهذا الهر عن هفواته ... إذا كان هذا اليوم من حسناته
يوم يسطر في الكتاب مكانه ... كمكان بسم الله في ختماته
مطل الزمان به زماناً آنفاً ... نفسي وعاد بها إلى عاداته
والغيث لا يسم البلاد بنفعه ... إلا إذا اشتاقت لوسمياته
يا معجز الأيام قرع صفاته ... ومجمل الدنيا بحسن صفاته
بل أحنفاً في حلمه وثباته ... بل حارث الهيجاء في وثباته
بل كعبة المعروف بل كعب الندى ... ولما يقسم شربه بحصاته
إن كنت غبت عن البلاد فلم تغب ... عن خاطري إذ أنت من خطراته
لو كنت فتشت النسيم وجدته ... ودعاؤنا يأتيك في طياته
أحبب بسفرتك التي بقدومها ... جمعت إلينا الجود بعد شتاته
وأفادك الإمكان زائد رفعة ... كالسيف يصقل بعد حد ظباته
وكفى اهتماماً منهما بك أن غدا ... كل يريدك أن تكون لذاته
والجد إنة مضى عزيمة ماجد ... راح السكون ينوب عن حركاته
وأتى البشير فلو يسوغ لواحد ... منا لقاسمه لذيذ حياته
فأربأ بعزك لم تدع من منصب ... يفضي إلى رتب العلى لم تأته
وتفرعت للمجد منك ثلاثة ... كثلاثة الجوزاء في جنباته
من كل مهدي غدا في مهده ... يسمو إلى أسلافه بسماته
أفضى إليه المشتري بسعوده ... وأعاره بهرام من سطواته
شرفت بنصر في البرية معشرا ... هو فيهم كالسن فوق لثاته
قوم هم في البيد خير سراتها ... حسباً وهم في الدهر خير سراته
شرف الزمان بكل ندب منهم ... متيقظ وهب العلى غفواته
ألف الندى ورأى وجوب صلاته ... كرماً ولم يفرض وجوب صلاته
يؤلى المنايا والمنى كالليث في ... غاباته والغيث في غاياته
ذي عزمة إن راح في سفراته ... سبكت شبا الهندي من شفراته
يا منسك المعروف أحرم منطقي ... زمناً وقد لباك من ميقاته
هدا زهيرك لا زهير مزينة ... وافاك لا هرماً على علاته
دعه وحولياته ثم أستمع ... لزهير عصرك حسن ليلياته
لو أنشدت في آل جفنه أضربوا ... عن ذكر حسان وعن جفناته
стр. 143
وقال يمدح الأمير المكرم مجد الدين بن أسماعيل اللمطي ويهنئه بشهر الصوم سنة ٦٠٩:
جعل الرقاد لكي يواصل موعدا ... من أين لي في حبه أن أرقدا؟
وهو الحبيب فكيف أصبح قاتلي ... والله لو كان العدو لما عدا
كم راح نحوى لائم وغدا وما ... راح الملام بمسمعي ةلا غدا
في كل معتدل القوام مهفهف ... حلو التثني والثنايا أغيدا
يحكي الغزالة بهجة وتباعداً ... ويقول قوم مقلة ومقلدا
وكذاك قالوا الغصن يشبه قده ... يا قده كل الغصون لك الفدا
يا رامياً قلبي بأسهم لحظه ... أحسبت قلبي مثل قلبك جلمدا؟
تالله لولا جور أحكام الهوى ... ما بات طرفي في هواك مسهدا
وإليك عاذل عن ملامة مغرم ... ما أتهم العذال إلا أنجدا
أو ما ترى ثغر الأزهر باسماً ... فرحاً وعريان الغصون قد ارتدى؟
وقف السحاب على الربى متحيراً ... ومشى النسيم على الرياض مقيداً
ويشوقني وجه النهار ملثماً ... ويرقني الخد الأصيل موردا
وكأن أنفاس النسيم إذا سرت ... شكرت لمجد الدين مولانا يدا
مولى له في الناس ذكر مرسل ... قد أورته السحب عنه مسندا
ألف الندى والسيف راحة كفه ... فيما هنالك معرباً ومبندا
وإذا استقل على الجواد كأنه ... ظام وقد ظن المجرة موردا
جعل العنان له هنالك سبحة ... وغدا له سرج المطيم مسجدا
مولى بدا من غير مسألة بما ... حاز الندى كرماً وعاد كما بدا
وأنال جوداً لا السحاب ينيله ... يوماً وإن كان السحاب الأجودا
يعزى لقوم سادة يمنيه ... أعلى الورى قدراً وأزكى محتدا
الحالبين البدن من أودجها ... والموقدين لها القنا المنقصدا
والغالبين على القلوب مهابة ... والواصلين إلى القلوب توددا
وإذا الصريخ دعاهم لملمة ... جعلوا صليل المهفات له صدى
يا سيداً للمكرمات مشيداً ... لا فل غربك سيداً ومشيدا
لك في المعالي حجة لا تدعى ... لمعاند ومحجة لا تهتدى
وأفاك شهر الصوم يا من قدره ... فينا كليلة قدره لن يجحدا
وبقيت حيا ألف عام مثله ... متضاعفاً لك أجره متعددا
والدهر عندك كله رمضان يا ... من ليس يبرح صائماً متهجدا
ومن قوله يصف امرأة طويلة سمراء:
وسمراء تحكي لرمح لوناً وقامة ... لها مهجتي مبذولة وقيادي
وقد عابها الواشي فقال طويلة ... مقال حسود مظهر لعناد
فقلت له بشرت بالخير إنها ... حياتي فإن طالت فذاك مرادي
نعم أنا أشكو طولها ويحق لي ... لقد طال فيها لوعتي وسهادي
وما عابها القد الطويل وإنه ... لأول حسن للمليحة باد
رأيت الحصون الشم تحرس أهلها ... فاعددتها حصناً لحفظ ودادي
ومن قوله يعاتب بعض أحبابه:
إلى كم أداري ألف واش وحاسد ... فمن مرشدي من منجدي من مساعدي
ولو كان بعض الناس لي منه جانب ... وعيشك لم أحفل بكل معاند
إذا كنت يا روحي بعهدي لا تفي ... فمن ذا الذي يرجو وفاء معاهد؟
أظن فؤادي شوقه غير زائل ... وأحسب جفني نومه غير عائد
أبي الله إلا أن أهيم صبابة ... بحفظ عهود أو بذكر معاهد
وكم مورد لي في الهوى قد وردته ... وضيعت عمري في ازدحام الموارد
وما لي من أشتاقه غير واحد ... فلا كانت الدنيا إذا غاب واحدي
أأحبا بنا أين الذي كان بيننا ... وأين الذي أسلفتم من مواعد؟
جعلتكم حظي من الناس كلهم ... وأعرضت عن زيد وعمرو وخالد
فلا ترخصوا وداً عليكم عرضته ... فيا رب معروض وليس بكاسد
وحقكم عندي له ألف طالب ... وألف زبون يشتريه بزائد
تقولون لي أنت الذي سار ذكره ... فمن صادر يثني عليه ووارد
هبوني كما قد تزعمون أنا الذي ... فأين صلاتي منكم وعوائدي
وقد كنتم عوني على كل حادث ... وذخري الذي أعدته للشادئد
رجوتكم أن تنصروا فخذلتم ... على أنكم سيفي وكفي وساعدي
فعلتم وقلتم واستطلعتم وجرتم ... ولست عليكم في الجميع بواجد
стр. 144
فجازيتم تلك المودة بالقلى ... وذاك التداني منكم بالتباعد
إذا كان هذا في الأقارب فعلكم ... فمإذا الذي أبقيتم للأباعاد؟
ومن قوله في المعنى:
عفا الله عنكم أين ذاك التودد ... وأين جميل منكم كنت أعهد؟
ويا أيها الأحباب مإذا أرابكم ... وإني بحمد الله أهدي وأرشد
تعالوا نخلي العتب عنا ونصطلح ... وعودوا بنا للوصل والعود أحمد
بما بيننا لا تنقضوا العهدى بيننا ... فيسمح واش أو يقول مفند
ولا تخدشوا بالعتب وجه محبة ... لها بهجة أنوارها تتوقد
ولا نتحمل منة الرسل بيننا ... ولا غرر الكتب التي تردد
إذا ما تعاتبنا وعدنا إليكم ... وقلتم وقلنا والهوى يتأكد
ععتبتم فلم نعلم لطيب حديثكم ... إذاك عتاب أم رضى وتودد؟
وقد كان ذاك العتب من فرط غيره ... ويا طيب عتب بالمودة يشهد
وبتنا كما نهوى حبيين بيننا ... عتاب كما أنحل الجمان المنضد
وأضحى نسيم الروض يروي حديثنا ... فيا رب لا تسمع وشاة وحسد
ومن قوله:
وعاذلة باتت تلوم على الهوى ... وبالنسك في شرخ الشباب تشير
لقد أنكرت مني مشيباً على صبا ... زرقت لقلبي وهو فيه أسير
أتتتني وقالت يا زهير أصبوة ... وانت حقيق بالعفاف جدير
فقلت دعيني اغتنمها مسرة ... فما كل وقت يستقيم سرور
دعيني واللذات في زمن الصبا ... فإن لامني الاقوام قيل صغير
وعيشك هذا وقت لهوي وصبوتي ... وغصني كما قد تعلمين نضير
يوله قلبي قامة ورشاقة ... ويخلب قلبي أعين وثغور
فإن مت في ذا الحب لست بأول ... فقلبي كان العاشقون كثير
واني على ما في من ولع الصبا ... جدير باسباب التقى وخبير
وان عرضت لي في المحبة نشوة ... وحقك اني ثابت ووقور
وان رق مني نمنطق وشمائل ... فما هم مني بالقبيح ضمير
وما ضرني اني صغير حداثة ... إذا كان تدري في الأنام كبير
ومن قوله: يهنئ الامير نصر الدين أبا الفتح بن المطي بقدومه من غزوة غيدان
لها خفر يوم اللقاء خفيرها ... فما بالها ضنت بما لا يضيرها؟
أعادتها أن لا يعاد مريضها ... وسيرتها أن لا يفك أسيرها
رعيت نجوم الليل من اجل إنها ... على جيدها منها عقود تديرها
وقد قيل أن الطيف في النوم زائر ... فأين لطرفي نومة يستعيرها؟
وها أنا ذا كالطيف فيها صبابة ... لعلي إذا نامت بليل أوزارها
أغار على الغصن الرطيب من الصبا ... وذاك لأن الغصن قيل نظيرها
ومن دونها أن لا تلم بخاطر ... قصور الورى عن صلها وقصورها
من الغيد لم توقد من الليل نارها ... ولكنها بين الضلوع تثيرها
ولم تحك من أهل الفلاة شمائلاً ... سوى انه يحكي الغزال نفورها
أروح فلا تعوي علي كلابها ... وأغدوا فلا يرغو علي بعيرها
ولو ظفرت ليلى بترب ديارها ... لأصبح منها درها وعبيرها
تقاضى غريم الشوق مني صبابة ... مروعة لم يبق إلا يسيرها
وان الذي أبقته مني يد النوى ... فداء بشير يوم وافى نصيرها
أمير إذا أبصرت إشراق وجهه ... فقل لليالي تستسر بدورها
وان فزت بالتقبيل يوماً لكفه ... رأيت بحار الجود يجري نهورها
وكم يدعي العلياء قوم وانه ... له سرها من دونهم وسريرها
قدمت ووافتك البلاد كأنما ... يناجيك منها بالسرور ضميرها
ولاقتك لما جئت يسحب روضها ... مطارفة وأفتر عنها غديرها
تبسم منها حين أقبلت نورها ... وأشرق منها يوم وافيت نورها
وحتى موإليك السحائب أقبلت ... فوافاك منها بالهناء مطيرها
ورب دعاء بات يطوي لك الفلا ... إذا خالط الظلماء ليلاً منيرها
وطئت بلاداً لم يظأها بحافر ... سواك ولم تسلك بخيل وعورها
يكل عقاب الجو منها عقابها ... ولا يهتدي فيها القطا لو يسيرها
وزرت بلاد الأعجمين بضمر ... عراب على العقبان منها صقورها
فصبحت منها سودها بأساود ... تبيد العدى قبل النفار زفيرها
стр. 145
لقد مات فيها من سطاك أنيسها ... وقد عاش فيها وحشها ونسورها
غدت وقعة قد سار في الناس ذكرها ... بما فعلته بالعدو ذكورها
فأضحى بها من خالف الدين خائفاً ... وضاق على الكفار منها كفورها
وأعطى قفاء الجدربي مولياً ... بنفس لما تخشاه منك مصيرها
مضى قاطعاً عرض الفلا متلفتاً ... تروعه أعلامها وطيورها
وأنت بما تهواه حتى حريمه ... وتلك التي لا يرتضيها غيورها
فإن راح منها ناجياً بحشاشة ... ستلقاه أخرى يحتويه سعيرها
وليس عدواً كنت تسعى لأجله ... ولكنها سبل الحجيج تجيرها
ومن خلفه ماضي العزائم ماجد ... يبيد العدى من سطوة ويبيرها
إذا رام مجد الدين حالاً فإنما ... عسير الذي يرجوه منها يسيرها
أخو يقظات لا يلم بطرفه ... عار ولا يوهي قواه غريرها
لقد أمنت بالرعب منه بلاده ... فصدت أعاديها وسدت ثغورها
وأضحى له يولي الثناء غنيها ... وأمسى له يهدي الدعاء فقيرها
بك اهتز لي غصن الأماني مثمراً ... وراقت لي الدنيا وراق نضيرها
وما نالني من أنعم الله نعمة ... وإن عظمت إلا وأنت سفيرها
ومن بدأ النعما وجاد تكرماً ... بأولها يرجى لديه أخيرها
وإني وإن كانت أياديك جمة ... لدي فإني عبدها وشكورها
أمولاي وافتك القوافي بواسماً ... وقد طال منها حين غبت بسورها
وكان لنأيي عنك مني تبرقعت ... "وقد رابني منها الغداة سفورها"
إلى اليوم لم تكشف لغيرك صفحة ... فهاهي مسدول عليها ستورها
إذا ذكرت في الحي أصبح آيساً ... فرزدقها من وصلها وجريرها
فخذها كما تهوى المعاني خريدة ... يرف عليها درها وحريرها
تكاد إذا حبرت منها صحيفة ... لمدحك أن تبيض منها سطورها
وللناس أشعار تقال كثيرة ... ولكن شعري في الأمير أميرها
وقال يمدح مجد الدين محمد بن اسماعيل، وهي من فائق الشعر وغرره:
أعلمتم أن النسيم إذا سرى ... نقل الحديث إلى الرقيب كما جرى
وأذاع سراً ما برحت أصونه ... وهوى أنزهُ قدره أن يذكرا
ظهرت عليه من عتابي نفحة ... رقت حواشيها به وتعطرا
وأتى العذول وقد سددتُ مسامعي ... بهوىً يزد من العواذل عسكرا
جهل العذول بأنني في حبكم ... سر الدجى عندي ألذ من الكرى
ويلومني فيكم ولست ألومه ... هيهات ما ذاق الغرام ولا درى
وبمهجتي وسنانُ لا سنة الكرى ... أو ما رأيت الظبي أحوى أحورا
بهرت محاسنه العقول فما بدا ... إلا وسبَّح من رآه وكبرا
عانقت غصن البان منه مثمراً ... ولثمت بدر التم منه مسفرا
وتملكتني من هواه هزة ... كادت تذيع من الغرام المضمرا
وكتمت فيه محبتي فأذاعها ... غزل يفوح المسك منه أذفرا
غزل أرق ن الصبابة والصبا ... وجعلت مدحي في الأمير مكفرا
وغفرتُ ذنب الدهر يوم لقائه ... وشكرته ويحق لي أن أشكرا
مولى ترى بين الأنام وبينه ... في القدر ما بين الثريا والثرى
بهر الملائك في السماء ديانةً ... الله أكبر ما أبر وأطهوا
ذو همة كيوان دون مقامها ... لو رامها النجم المنير تحيرا
وتهز منه الأريحية ما جداً ... كالرمح لدناً والحسام مجوهرا
فإذا سألت سألت منه حاتماً ... وإذا لقيت لقيت منه عنترا
يهتز في يده المهند عزةً ... ويميس فيها السمهري تبخترا
وإذا امرؤ نادى نداه فإنما ... نادى فلباه السحاب الممطرا
بين التكرم والمكارم نسبة ... فلذلك لا تهوى سواه من الورى
من معشرٍ نزلوا من العلياء في ... مستوطن رحب القرى سامى الذرى
جبلوا على الإسلام إلا أنهم ... فتنوا بنار الحرب أو نار القرى
ركبوا الجياد إلى الجلاد كأنما ... يحملن تحت الغاب آساد الشرى
من كل موار العنان مطهم ... يجلوا بغرته الظلام إذا سرى
وسروا إلى النيل العلى بعزائهم ... أين النجوم الزهر من ذاك السرى
следующие страницы →