Полный текст (363 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
لقد سرني ما قد سمعت من الرضى ... وقد هزني ذاك الحديث وأطربا
وبشرت باليوم الذي فيه نلتقي ... ألا إنه يوم يكون له نبا
فعرض إذا حدثت بالبان والحمى ... وغياك أن تنسى فتذكر زينابا
ستكفيك من ذاك المسمى إشارة ... ودعه مصوناً بالجمال محجبا
أشر لي بوصف واحد من صفاته ... تكن مثل من سمى وكنى ولقبا
وزدني من ذاك الحديث لعلني ... أصدق أمراً كنت فيه مكذبا
سأكتب مما قد جرى في عتابنا ... كتاباً بدمع للمحبين مذهبا
عجبت لطيف زار بالليل مضجعي ... وعاد ولم يشف الفؤاد المعذبا
فأوهمني أمراً وقلت لعله ... رأى حالة لم يرضها فتجنبا
وما صدعن عن أمر مريب وإنما ... رآني قتيلاً في الدجى فتهيبا
ومن قوله:
كلفت بشمس لا ترى الشمس وجههاً ... أراقب فيها ألف عين وحاجب
ممنعة بالخيل والقول والقنا ... وتضعف كتبي عن زحام الكتائب
ولو حملت عني الرياح تحية ... لما نفذت بين القنا والقواضب
فمالي منها رحمة غير إنني ... أعلل نفسي بالأماني الكواذب
أغار على حرف يكون من أسمها ... إذا ما رأته العين في خط كاتب
ومن قوله:
وغانية لما رأتني أعولت ... وقالت عجيب يا زهير عجيب
رأت شعرات لحن بيضاً بمفرقي ... وغصني من ماء الشباب رطيب
لقد أنكرت مني مشيباً على صبى ... فقالت مشيب قلت ذاك مشيب
وما شبت إلا من وقائع هجرها ... على أن عهدي بالصبا لقريب
عرفت الهوى من قبل أن يعرف الهوى ... وما زال لي في الغيب منه نصيب
ولم أر قلباً مثل قلبي معذباً ... له كل يوم لوعة ووجيب
وكنت إذا استهونت في الحب نظرة ... وقد صار منها في الفؤاد لهيب
تركت عذولي ما أراد بقوله ... يسفه يرزي يستخف يعيب
ومإذا به إلا دماثة منطقي ... وإني مزاج اللسان لعوب
أروح ولي في هزة الحب نشوة ... ولست أبالي أن يقال طروب
محب خليع عاشق متهتك ... يلذ لقلبي كل ذا ويطيب
خلعت عذاري بل لبست خلاعتي ... وصرحت حتى لا يقال مريب
وفي لي من أهوى وأنعم بالرضى ... يموت بغيظ عاذل ورقيب
فلا يعيش إلا بالأحبة جامع ... ولا أنس إلا أن يزور حبيب
وإني ليدعوني الهوى فأجيبه ... وإني ليثنيني التقى فأنيب
رجوت كريماً قد وثقت بصنعه ... وما كان من يرجو الكرام يخيب
فيا من يحب العفو إني مذنب ... ولا عفو إلا أن تكون ذنوب
ومن قوله في الشيب:
سلام على عهد الشبيهة والصبا ... وأهلاً وسهلاً بالمشيب ومرحبا
ويا راحلاً عني رحلت مكرماً ... ويا نازلاً عندي نزلت مقرباً
أأحبابنا إن المشيب لشارع ... لينسخ أحكام الصبابة والصبا
وفي مع الشنب الملم بقية ... تجدد عندي هزة وتطربا
أحن إليكم كلما لاح بارق ... وأسأل عنكم كلما هبت الصبا
وما زال وجهي أبيضاً في هواكم ... إلى أن سرى ذاك البياض فشيبا
وليس مشيباً ما ترون بعارضي ... فلا تمنعوني أن أهيم وأطربا
فما هو إلا نور ثغر لثمته ... تعلق في أطراف شعري فألهبا
وأعجبني التنيس بيني وبينه ... فلما تبدي أشنبا حلت أشيبا
وهيفاء بيضاء النرائب أبصرت ... مشيبي فأبدت روعة وتعجبا
جنت لي هذا الشيب ثم تجنبت ... فواحربا ممن جنى وتجنبا
تناسب خدي في البياض وخدها ... ولو دام مسوداً لقد كان أنسبا
وإني وإن هز الغرام معاطفي ... لآبي الدنايا نخوة وتعربا
أتية على كل الأنام نزاهة ... وأشمخ إلا للصديق تأدبا
وإن قلتم أهوى الرباب وزينبا ... صدقتم ساو عني الرباب وزينبا
ولكن فتى قد نال فضل بلاغة ... تلعب فيها بالكلام تلعبا
ومن قوله:
جاءت تودعني والدمع يغلبها ... يوم الرحيل وحادي البين منصلت
وأقبلت وهي في خوف وفي دهش ... مثل الغزال من الأشراك ينفلت
فلم تطق خيفة الواشي تودعني ... وريح الوشاة لقد نالوا وقد شمتوا
стр. 142
وقفت أبكي وراحت وهي باكية ... تسير عني قليلاً ثم تلتفت
فيا فؤادي كم وجد وكم حرق ... ويا زماني ذا جور وذا عنت
ومن قوله:
يعاهدني لا خإنني نم ينكث ... وأحلف لا كلمته ثم أحنت
وذلك دأبي لا يزال ودأبه ... فيا معشر الناس اسمعوا وتحدثوا
أوقل له صلني يقول نعم غداً ... ويكسر جفناً هازثاً بي ويبعث
وما ضر بعض الناس لو كان زارني ... وكنا خلونا ساعة نتحدث
لك الله أني في هواك معذب ... وحتام أبقى في العذاب وأمكث؟
فخذ مرة روحي ترحني ولم أكن ... أموت مراراً في نهاري وأبعث
وإني لهذا الضيم منك لحامل ... ومتظر لطفاً من الله يحدث
أعيذك من هذا الجفاء الذي بدا ... خلائقك الحسنى أرق وأدمث
تردد ظن الناس فينا وأكثروا ... أقاويل منها طيب ويخبث
وقد كرمت في الحب منا شمائل ... ويسأل عنا من أراد ويبحث
ومن مختارات قوله:
ترى هل علمتم ما لقيت من البعد ... لقد جل ما أخفيه منكم وما أبدي
فراق ووجد وأشتياق ولوعة ... تعددت البلوى على واحد فرد
رعى الله أياماً تقضت بقربكم ... كأني بها قد كنت في جنة الخلد
هبوني أمرء أفد كنت بالبين جاهلاً ... أما كان فيكم من هداني إلى الرشد
وكنت لكم عبداً وللعبد حرمة ... فما بالكم ضيعتم حرمة العبد؟
وما بال كتبي لا يرد جوابها ... فهل أكرمت أن لا تقابل بالرد؟
فأين حلاوات الرسائل بيننا ... وأين إمارات المحبة والود؟
وما لي ذنب يستحق عقوبة ... وياليتها كانت بشيء سرى الصد
وياليت عندي كل يوم رسولكم ... فأسكنه عيني وأفرشه خدي
وإني لأرعاكم على كل حالة ... وحقكم أنتم أعز الورى عندي
عليكم سلام الله والبعد بيننا ... وبالرغم مني أن أسلم من بعد
ومن قوله يمدح الأمير النصير اللطمي، ويهنئه بالقدوم:
صفحا لهذا الهر عن هفواته ... إذا كان هذا اليوم من حسناته
يوم يسطر في الكتاب مكانه ... كمكان بسم الله في ختماته
مطل الزمان به زماناً آنفاً ... نفسي وعاد بها إلى عاداته
والغيث لا يسم البلاد بنفعه ... إلا إذا اشتاقت لوسمياته
يا معجز الأيام قرع صفاته ... ومجمل الدنيا بحسن صفاته
بل أحنفاً في حلمه وثباته ... بل حارث الهيجاء في وثباته
بل كعبة المعروف بل كعب الندى ... ولما يقسم شربه بحصاته
إن كنت غبت عن البلاد فلم تغب ... عن خاطري إذ أنت من خطراته
لو كنت فتشت النسيم وجدته ... ودعاؤنا يأتيك في طياته
أحبب بسفرتك التي بقدومها ... جمعت إلينا الجود بعد شتاته
وأفادك الإمكان زائد رفعة ... كالسيف يصقل بعد حد ظباته
وكفى اهتماماً منهما بك أن غدا ... كل يريدك أن تكون لذاته
والجد إنة مضى عزيمة ماجد ... راح السكون ينوب عن حركاته
وأتى البشير فلو يسوغ لواحد ... منا لقاسمه لذيذ حياته
فأربأ بعزك لم تدع من منصب ... يفضي إلى رتب العلى لم تأته
وتفرعت للمجد منك ثلاثة ... كثلاثة الجوزاء في جنباته
من كل مهدي غدا في مهده ... يسمو إلى أسلافه بسماته
أفضى إليه المشتري بسعوده ... وأعاره بهرام من سطواته
شرفت بنصر في البرية معشرا ... هو فيهم كالسن فوق لثاته
قوم هم في البيد خير سراتها ... حسباً وهم في الدهر خير سراته
شرف الزمان بكل ندب منهم ... متيقظ وهب العلى غفواته
ألف الندى ورأى وجوب صلاته ... كرماً ولم يفرض وجوب صلاته
يؤلى المنايا والمنى كالليث في ... غاباته والغيث في غاياته
ذي عزمة إن راح في سفراته ... سبكت شبا الهندي من شفراته
يا منسك المعروف أحرم منطقي ... زمناً وقد لباك من ميقاته
هدا زهيرك لا زهير مزينة ... وافاك لا هرماً على علاته
دعه وحولياته ثم أستمع ... لزهير عصرك حسن ليلياته
لو أنشدت في آل جفنه أضربوا ... عن ذكر حسان وعن جفناته
стр. 143
وقال يمدح الأمير المكرم مجد الدين بن أسماعيل اللمطي ويهنئه بشهر الصوم سنة ٦٠٩:
جعل الرقاد لكي يواصل موعدا ... من أين لي في حبه أن أرقدا؟
وهو الحبيب فكيف أصبح قاتلي ... والله لو كان العدو لما عدا
كم راح نحوى لائم وغدا وما ... راح الملام بمسمعي ةلا غدا
في كل معتدل القوام مهفهف ... حلو التثني والثنايا أغيدا
يحكي الغزالة بهجة وتباعداً ... ويقول قوم مقلة ومقلدا
وكذاك قالوا الغصن يشبه قده ... يا قده كل الغصون لك الفدا
يا رامياً قلبي بأسهم لحظه ... أحسبت قلبي مثل قلبك جلمدا؟
تالله لولا جور أحكام الهوى ... ما بات طرفي في هواك مسهدا
وإليك عاذل عن ملامة مغرم ... ما أتهم العذال إلا أنجدا
أو ما ترى ثغر الأزهر باسماً ... فرحاً وعريان الغصون قد ارتدى؟
وقف السحاب على الربى متحيراً ... ومشى النسيم على الرياض مقيداً
ويشوقني وجه النهار ملثماً ... ويرقني الخد الأصيل موردا
وكأن أنفاس النسيم إذا سرت ... شكرت لمجد الدين مولانا يدا
مولى له في الناس ذكر مرسل ... قد أورته السحب عنه مسندا
ألف الندى والسيف راحة كفه ... فيما هنالك معرباً ومبندا
وإذا استقل على الجواد كأنه ... ظام وقد ظن المجرة موردا
جعل العنان له هنالك سبحة ... وغدا له سرج المطيم مسجدا
مولى بدا من غير مسألة بما ... حاز الندى كرماً وعاد كما بدا
وأنال جوداً لا السحاب ينيله ... يوماً وإن كان السحاب الأجودا
يعزى لقوم سادة يمنيه ... أعلى الورى قدراً وأزكى محتدا
الحالبين البدن من أودجها ... والموقدين لها القنا المنقصدا
والغالبين على القلوب مهابة ... والواصلين إلى القلوب توددا
وإذا الصريخ دعاهم لملمة ... جعلوا صليل المهفات له صدى
يا سيداً للمكرمات مشيداً ... لا فل غربك سيداً ومشيدا
لك في المعالي حجة لا تدعى ... لمعاند ومحجة لا تهتدى
وأفاك شهر الصوم يا من قدره ... فينا كليلة قدره لن يجحدا
وبقيت حيا ألف عام مثله ... متضاعفاً لك أجره متعددا
والدهر عندك كله رمضان يا ... من ليس يبرح صائماً متهجدا
ومن قوله يصف امرأة طويلة سمراء:
وسمراء تحكي لرمح لوناً وقامة ... لها مهجتي مبذولة وقيادي
وقد عابها الواشي فقال طويلة ... مقال حسود مظهر لعناد
فقلت له بشرت بالخير إنها ... حياتي فإن طالت فذاك مرادي
نعم أنا أشكو طولها ويحق لي ... لقد طال فيها لوعتي وسهادي
وما عابها القد الطويل وإنه ... لأول حسن للمليحة باد
رأيت الحصون الشم تحرس أهلها ... فاعددتها حصناً لحفظ ودادي
ومن قوله يعاتب بعض أحبابه:
إلى كم أداري ألف واش وحاسد ... فمن مرشدي من منجدي من مساعدي
ولو كان بعض الناس لي منه جانب ... وعيشك لم أحفل بكل معاند
إذا كنت يا روحي بعهدي لا تفي ... فمن ذا الذي يرجو وفاء معاهد؟
أظن فؤادي شوقه غير زائل ... وأحسب جفني نومه غير عائد
أبي الله إلا أن أهيم صبابة ... بحفظ عهود أو بذكر معاهد
وكم مورد لي في الهوى قد وردته ... وضيعت عمري في ازدحام الموارد
وما لي من أشتاقه غير واحد ... فلا كانت الدنيا إذا غاب واحدي
أأحبا بنا أين الذي كان بيننا ... وأين الذي أسلفتم من مواعد؟
جعلتكم حظي من الناس كلهم ... وأعرضت عن زيد وعمرو وخالد
فلا ترخصوا وداً عليكم عرضته ... فيا رب معروض وليس بكاسد
وحقكم عندي له ألف طالب ... وألف زبون يشتريه بزائد
تقولون لي أنت الذي سار ذكره ... فمن صادر يثني عليه ووارد
هبوني كما قد تزعمون أنا الذي ... فأين صلاتي منكم وعوائدي
وقد كنتم عوني على كل حادث ... وذخري الذي أعدته للشادئد
رجوتكم أن تنصروا فخذلتم ... على أنكم سيفي وكفي وساعدي
فعلتم وقلتم واستطلعتم وجرتم ... ولست عليكم في الجميع بواجد
стр. 144
فجازيتم تلك المودة بالقلى ... وذاك التداني منكم بالتباعد
إذا كان هذا في الأقارب فعلكم ... فمإذا الذي أبقيتم للأباعاد؟
ومن قوله في المعنى:
عفا الله عنكم أين ذاك التودد ... وأين جميل منكم كنت أعهد؟
ويا أيها الأحباب مإذا أرابكم ... وإني بحمد الله أهدي وأرشد
تعالوا نخلي العتب عنا ونصطلح ... وعودوا بنا للوصل والعود أحمد
بما بيننا لا تنقضوا العهدى بيننا ... فيسمح واش أو يقول مفند
ولا تخدشوا بالعتب وجه محبة ... لها بهجة أنوارها تتوقد
ولا نتحمل منة الرسل بيننا ... ولا غرر الكتب التي تردد
إذا ما تعاتبنا وعدنا إليكم ... وقلتم وقلنا والهوى يتأكد
ععتبتم فلم نعلم لطيب حديثكم ... إذاك عتاب أم رضى وتودد؟
وقد كان ذاك العتب من فرط غيره ... ويا طيب عتب بالمودة يشهد
وبتنا كما نهوى حبيين بيننا ... عتاب كما أنحل الجمان المنضد
وأضحى نسيم الروض يروي حديثنا ... فيا رب لا تسمع وشاة وحسد
ومن قوله:
وعاذلة باتت تلوم على الهوى ... وبالنسك في شرخ الشباب تشير
لقد أنكرت مني مشيباً على صبا ... زرقت لقلبي وهو فيه أسير
أتتتني وقالت يا زهير أصبوة ... وانت حقيق بالعفاف جدير
فقلت دعيني اغتنمها مسرة ... فما كل وقت يستقيم سرور
دعيني واللذات في زمن الصبا ... فإن لامني الاقوام قيل صغير
وعيشك هذا وقت لهوي وصبوتي ... وغصني كما قد تعلمين نضير
يوله قلبي قامة ورشاقة ... ويخلب قلبي أعين وثغور
فإن مت في ذا الحب لست بأول ... فقلبي كان العاشقون كثير
واني على ما في من ولع الصبا ... جدير باسباب التقى وخبير
وان عرضت لي في المحبة نشوة ... وحقك اني ثابت ووقور
وان رق مني نمنطق وشمائل ... فما هم مني بالقبيح ضمير
وما ضرني اني صغير حداثة ... إذا كان تدري في الأنام كبير
ومن قوله: يهنئ الامير نصر الدين أبا الفتح بن المطي بقدومه من غزوة غيدان
لها خفر يوم اللقاء خفيرها ... فما بالها ضنت بما لا يضيرها؟
أعادتها أن لا يعاد مريضها ... وسيرتها أن لا يفك أسيرها
رعيت نجوم الليل من اجل إنها ... على جيدها منها عقود تديرها
وقد قيل أن الطيف في النوم زائر ... فأين لطرفي نومة يستعيرها؟
وها أنا ذا كالطيف فيها صبابة ... لعلي إذا نامت بليل أوزارها
أغار على الغصن الرطيب من الصبا ... وذاك لأن الغصن قيل نظيرها
ومن دونها أن لا تلم بخاطر ... قصور الورى عن صلها وقصورها
من الغيد لم توقد من الليل نارها ... ولكنها بين الضلوع تثيرها
ولم تحك من أهل الفلاة شمائلاً ... سوى انه يحكي الغزال نفورها
أروح فلا تعوي علي كلابها ... وأغدوا فلا يرغو علي بعيرها
ولو ظفرت ليلى بترب ديارها ... لأصبح منها درها وعبيرها
تقاضى غريم الشوق مني صبابة ... مروعة لم يبق إلا يسيرها
وان الذي أبقته مني يد النوى ... فداء بشير يوم وافى نصيرها
أمير إذا أبصرت إشراق وجهه ... فقل لليالي تستسر بدورها
وان فزت بالتقبيل يوماً لكفه ... رأيت بحار الجود يجري نهورها
وكم يدعي العلياء قوم وانه ... له سرها من دونهم وسريرها
قدمت ووافتك البلاد كأنما ... يناجيك منها بالسرور ضميرها
ولاقتك لما جئت يسحب روضها ... مطارفة وأفتر عنها غديرها
تبسم منها حين أقبلت نورها ... وأشرق منها يوم وافيت نورها
وحتى موإليك السحائب أقبلت ... فوافاك منها بالهناء مطيرها
ورب دعاء بات يطوي لك الفلا ... إذا خالط الظلماء ليلاً منيرها
وطئت بلاداً لم يظأها بحافر ... سواك ولم تسلك بخيل وعورها
يكل عقاب الجو منها عقابها ... ولا يهتدي فيها القطا لو يسيرها
وزرت بلاد الأعجمين بضمر ... عراب على العقبان منها صقورها
فصبحت منها سودها بأساود ... تبيد العدى قبل النفار زفيرها
стр. 145
لقد مات فيها من سطاك أنيسها ... وقد عاش فيها وحشها ونسورها
غدت وقعة قد سار في الناس ذكرها ... بما فعلته بالعدو ذكورها
فأضحى بها من خالف الدين خائفاً ... وضاق على الكفار منها كفورها
وأعطى قفاء الجدربي مولياً ... بنفس لما تخشاه منك مصيرها
مضى قاطعاً عرض الفلا متلفتاً ... تروعه أعلامها وطيورها
وأنت بما تهواه حتى حريمه ... وتلك التي لا يرتضيها غيورها
فإن راح منها ناجياً بحشاشة ... ستلقاه أخرى يحتويه سعيرها
وليس عدواً كنت تسعى لأجله ... ولكنها سبل الحجيج تجيرها
ومن خلفه ماضي العزائم ماجد ... يبيد العدى من سطوة ويبيرها
إذا رام مجد الدين حالاً فإنما ... عسير الذي يرجوه منها يسيرها
أخو يقظات لا يلم بطرفه ... عار ولا يوهي قواه غريرها
لقد أمنت بالرعب منه بلاده ... فصدت أعاديها وسدت ثغورها
وأضحى له يولي الثناء غنيها ... وأمسى له يهدي الدعاء فقيرها
بك اهتز لي غصن الأماني مثمراً ... وراقت لي الدنيا وراق نضيرها
وما نالني من أنعم الله نعمة ... وإن عظمت إلا وأنت سفيرها
ومن بدأ النعما وجاد تكرماً ... بأولها يرجى لديه أخيرها
وإني وإن كانت أياديك جمة ... لدي فإني عبدها وشكورها
أمولاي وافتك القوافي بواسماً ... وقد طال منها حين غبت بسورها
وكان لنأيي عنك مني تبرقعت ... "وقد رابني منها الغداة سفورها"
إلى اليوم لم تكشف لغيرك صفحة ... فهاهي مسدول عليها ستورها
إذا ذكرت في الحي أصبح آيساً ... فرزدقها من وصلها وجريرها
فخذها كما تهوى المعاني خريدة ... يرف عليها درها وحريرها
تكاد إذا حبرت منها صحيفة ... لمدحك أن تبيض منها سطورها
وللناس أشعار تقال كثيرة ... ولكن شعري في الأمير أميرها
وقال يمدح مجد الدين محمد بن اسماعيل، وهي من فائق الشعر وغرره:
أعلمتم أن النسيم إذا سرى ... نقل الحديث إلى الرقيب كما جرى
وأذاع سراً ما برحت أصونه ... وهوى أنزهُ قدره أن يذكرا
ظهرت عليه من عتابي نفحة ... رقت حواشيها به وتعطرا
وأتى العذول وقد سددتُ مسامعي ... بهوىً يزد من العواذل عسكرا
جهل العذول بأنني في حبكم ... سر الدجى عندي ألذ من الكرى
ويلومني فيكم ولست ألومه ... هيهات ما ذاق الغرام ولا درى
وبمهجتي وسنانُ لا سنة الكرى ... أو ما رأيت الظبي أحوى أحورا
بهرت محاسنه العقول فما بدا ... إلا وسبَّح من رآه وكبرا
عانقت غصن البان منه مثمراً ... ولثمت بدر التم منه مسفرا
وتملكتني من هواه هزة ... كادت تذيع من الغرام المضمرا
وكتمت فيه محبتي فأذاعها ... غزل يفوح المسك منه أذفرا
غزل أرق ن الصبابة والصبا ... وجعلت مدحي في الأمير مكفرا
وغفرتُ ذنب الدهر يوم لقائه ... وشكرته ويحق لي أن أشكرا
مولى ترى بين الأنام وبينه ... في القدر ما بين الثريا والثرى
بهر الملائك في السماء ديانةً ... الله أكبر ما أبر وأطهوا
ذو همة كيوان دون مقامها ... لو رامها النجم المنير تحيرا
وتهز منه الأريحية ما جداً ... كالرمح لدناً والحسام مجوهرا
فإذا سألت سألت منه حاتماً ... وإذا لقيت لقيت منه عنترا
يهتز في يده المهند عزةً ... ويميس فيها السمهري تبخترا
وإذا امرؤ نادى نداه فإنما ... نادى فلباه السحاب الممطرا
بين التكرم والمكارم نسبة ... فلذلك لا تهوى سواه من الورى
من معشرٍ نزلوا من العلياء في ... مستوطن رحب القرى سامى الذرى
جبلوا على الإسلام إلا أنهم ... فتنوا بنار الحرب أو نار القرى
ركبوا الجياد إلى الجلاد كأنما ... يحملن تحت الغاب آساد الشرى
من كل موار العنان مطهم ... يجلوا بغرته الظلام إذا سرى
وسروا إلى النيل العلى بعزائهم ... أين النجوم الزهر من ذاك السرى
стр. 146
فافخر بما أعطاك ربك إنه ... فخر سيبقى في الزمان مسطرا
لا ينكر الإسلام ما أوليته ... بك لم يزل مستنجدا مستنصرا
وليهن مقدمك الصعيد ومن به ... ومن البشير لمكة أم القُرى
وإذا رأيت رأيت منه جنة ... لم ترض إلا جود كفك كوثرا
ولطالما اشتاقت لقربك أنفسٌ ... كادت من الأشواق أن تتفطرا
ونذرت أني إن لقيتك سالماً ... قلدت جيد الدهر هذا الجوهرا
ومالأت من طيب الثناء مجامرا ... يذكين بين يديك هذا العنبرا
فقرٌ لكل الناس فقرٌعندها ... أبداً تباع بها العقول وتشترى
تُثنى لراويها الوسائد عزةً ... ويظل في النادي بها متصدرا
مولاي مجد الدين عطفاً إن لي ... لمحبة في مثلها لا يمترى
يا من عرفت الناس حين عرفته ... وجهلتهم لما نبا وتنكرا
خلق كماء المزن منك عهدته ... ويعز عندي أن يقال تغيرا
مولاي لم أهجر جنابك عن قلى ... حاشاي من هذا الحديث المفترى
وكفرت بالرحمن إن كنت امرءاً ... أرضى لما أوليته أن يكفرا
ومن قوله يتنصل من ذنب عاتبه عليه بعض أحبابه:
أأحبابنا بالله كيف تغيرت ... خلائق غر فيكمُ وغرائزُ؟
لقد ساءني العتب الذي جاء منكم ... وإني عنه لو علمتم لعاجز
لكم عذركم أنتم سمعتم وقلتم ... ومحتملٌ ما قد سمعتم وجائز
وإن كان لي ذنب كما قد عمتم ... فما الناس إلا المحسن المتجاوز
نعم لي ذنب جئتكم منه تائبا ... كما تاب من فعل الخطيئة ماعز
على أنني لم أرض يوماً خيانة ... وهيهات لي والله عن ذاك حاجز
وبين فؤادي والسلو مهالك ... وبين جفوني والرقاد مفاوز
وإن قلت واشوقاً إلى البان والحمى ... فإني عنكم بالإشارة رامز
دعوني والواشي فإني حاضر ... وصوتي مرفوع ووجهي بارز
سيذكر ما يجري لنا من وقائع ... مشايخ تبقى بعدنا وعجائز
فما شاق قلبي غير وجهك شائق ... ولا حاز قلبي غير حبك حائز
سأكتم هذا العتب خفية شامت ... وأوهم أني بالرضى منك فائز
فلي فيك حساد وبيني وبينهم ... وقائع ليست تنقضي وهزاهز
وإني لهم في حربهم لمخادع ... أسالهم طوراً وطوراً أناجز
ومن قوله يتشوق إلى لقاء بعض أحبابه:
سلوا الركب إن وافى من الغور نحوكم ... يخبركم عن لوعتي ورسيسي
حديث به أبقيت في الركب نشوة ... لقد أسكرنهم خمرتي وكؤوسي
فلا تبعثوا لي في النسيم تحية ... فيرتاب من طيب النسيم جليسي
ولي عن يمين الغور دار عهدتني ... أميل لأقمار بها وشموس
على مثلها يبكي المحب صبابة ... فيا مقلتي لا عطر بعد عروس
وإني ليعرفوني مع الليل لوعة ... فؤادي منها في لظى ووطيس
تلوح نجوم لا أراها أحبتني ... ويطلع بدر لا أراه أنيسي
حلفت لكم يوم النوى وحلفتمُ ... بكل يمين للمحب غموس
وكنتم وعدتم في الخميس بزورة ... فكم من خميس قد مضى وخميس
وإني لأرضى كلما ترضونه ... فإن يرضكم بؤسي رضيت ببوسي
على أن لي نفساً عليَّ عزيزة ... وفي الناس عشاق بغير نفوس
ومن قوله في هذا المعنى:
أما آن للبدر المنير طلوعُ ... فتشرق أوطان لنا وربوع
فيا غائياً ما غاب إلا بوجهه ... ولي أبداً شوق له وولوع
أأحبابنا هل ذلك العيش عائد ... كما كان إذا أنتم ونحن جميعُ
وقلتم ربيع موعد الوصل بيننا ... وهذا ربيع قد مضى وربيع
لقد فنيت يا هاجرين رسائلي ... وملَّ رسولَ بيننا وشفيع
فلا تقرعوا بالعتب قلبي فإنهُ ... وحقكم مثل الزجاج صديع
سأبكي فإن تنزف دموعي عليكم ... بكيت بشعر رق فهو دموع
وما ضاع شعري فيكم حين قلته ... بلى وأبيكم ضاع فهو يضوع
وقال يمدح علاء الدين علي بن الأمير شجاع الدين جلدك التقوي:
أغصن النقا لولا القوام المهفهفُ ... لما كان يهواك المعنى المعنفُ
ويا ظبي لولا أن فيك محاسناً ... حكين الذي أهوى لما كنت توصف
стр. 147
كلفت بغصن وغصن ممنطق ... وهمت بطبي وهو ظبي مشنف
ومما دهاني أنه من حيائه ... أقول كليل طرفه وهو مرهف
وذلك أيضاً مثل بستان خده ... به الورد يُسمى مضعفاً وهو يضعف
فيا ظبي هلا كان فيك التفاتة ... ويا غصن هلا كان فيك تعطف
ويا حرم الحسن الذي هو آمن ... وألبابنا من حوله تُتخطف
عسى عطفة للوصل يا واو صدغه ... علي فإني أعرف الواو تعطف
أأَحبابنا أما غرامي بعدكم ... فقد زاد عما تعرفون وأعرف
أطلتم عذابي في الهوى فترفقوا ... فبي كاف في حمله أتكلف
ووالله ما فارقتكم عن ملالة ... وجهدي لكم أني أقول وأحلف
ولكن دعاني للعلاء ابن جلدكٍ ... تشوق قلب قادني وتشوف
إلى سيد أخلاقه وصفاته ... تؤدب من يثني عليه وتظرف
أرق من الماء الزلال شمائلاً ... ولأصفى من الخمر السلاف وألطف
مناقب شتى لو تكون لحاجب ... لما ذكرت يوماً له القوس خندف
غدا من مداها حاتم وهو حاتم ... وأصبح منها أحنف وهو أحنف
أتتك القوافي وهي تحسب روضة ... لما ضمنته وهو قول مزخرف
ولو قصدت بالذم شانيك لاغتدي ... وحاشاك منه قلبه منه يتنطف
تقلد عاراً وهي در منظم ... وتلبس حزنا وهي برد مفوف
وتصلي جحيماً وهي في الحسن جنة ... وتسقي دهاقاً وهي صهباءقرقف
وقال يصف امرأة قصيرة:
تعشقتها مثل الغزال إذا رنا ... لها مقلة نجلا وأجفانها وطفُ
إذا حسدوها الحسن قالوا لطيفةٌ ... لقد صدقوا فيها اللطافة والظرف
ولم يجحدواها مالها من ملاحة ... لعلمهم ما في ملاحتها خلف
بديعة حسن رق منها شمائل ... وراقت إلى أن كاد يشربها الطرف
فلا الخلق منها لا ولا الخلق جافياً ... وحاشا لهاتيك الشمائل أن تجفو
وما ضرها أن لا تكون طويلة ... إذا كان فيها كلّ ما يطلب الإلف
وإني لمشغوف بكل مليحة ... ويعجبني الخصر المخصر والردف
وقال يمدح السلطان نجم الدين أيوب:
وعد الزيارة طرفه المتملق ... وتلاف قلبي من جفون تنطق
إني لأهوى الحسن حيث وجدته ... وأهيم بالقد الرشيق وأعشق
يا عاذلي أنل من سمعت حديثه ... فعساك تحنو أو لعلك ترفق
لو كنت منا حيث تسمع أو ترى ... لرأيت ثوب الصبر كيف يمزق
ورأيت ألطف عاشقين تشاكيا ... وعجبت ممن لا يحب ويعشق
أيسومني العذال عنه تصبراً ... وتسليا قلبي أرق وأشفق
إن عنفوا إن خوفوا إن سوفوا ... لا أنثني لا أنتهي لا أفرق
أبداً أزيد مع الوصال تلهفاً ... كالعقد في جيد المليح يعلق
ويزيدني تلفاً فأشكر فعله ... كالمسك تسحقه الأكف فيعبق
يا قاتلي إني عليك لمشفق ... يا هاجري أني إليك لشيق
وأذاع أني قد سلوتك معشر ... يا رب لا عاشوا لذلك ولا بقوا
ما أطمع العذال إلا أنني ... خوفاً عليك إليهم لأتملق
وإذا وعدت الطرف فيك بهجعة=فاشهد علي بأنني لا أصدق
فعلام قلبك ليس بالقلب الذي ... قد كان لي منه المحب المشفق؟
وأظن خدك شامتاً بفراقنا ... ولقد نظرت إليه وهو مخلق
ولقد سعيت إلى العلاء بهمة ... تقضي بسعيي أنه لا يخفق
وسريت في ليل كأن نجومه ... من فرط غيرتها إلي تحدق
حتى وصلت سرادق الملك الذي ... تقف الملوك ببابه تسترزق
ووقفت من ملك الزمان بموقف ... ألفيت قلب الدهر منه يخفق
فإليك يا نجم السماء فإنني ... قد لاح نجم الدين لي يتألق
الصالح الملك الذي لزمانه ... حسن يتيه به الزمان ورونق
ملك يحدث عن أبيه وجده ... سند لعمرك في العلى لا يلحق
سجدت له حتى العيون مهابة ... أو ما تراها حين يقبل تطرق
رحب الجناب خصيبة أكنافه ... لكم سدير عندها وخورنق
فالعيش إلا في ذراه منكد ... والرزق إلا من نداه مضيق
يا عز من أضحى إليه ينتمي ... وعلو من أمسى به يتعلق
стр. 148
أقسمت ما الصنع الجميل تصنع ... فيه ولا الخلق الكريم تخلق
يدعو الوفود لماله فكأنما ... يدعو إليه فشمله يتفرق
أبداً تحن إلى الطراد جياده ... فلها إليه تشوف وتشوق
يبدي لسطوته الخميس تطرباً ... فالسمر ترقص والسيوف تصفق
في طي لامتة هزبر باسل ... تحت العريكة وهو بدر مشرق
يروي القنا بدم الأعادي في الوغى ... فلذاك يثمر بالرؤوس ويورق
يمضي فيقدم جيشه من هيبة ... جيش يغص به الزمان ويشرق
ملأ القلوب مخافة ومحبة ... فالبأس يرهب والمكارم تعشق
ستجوب آفاق البلاد جياده ... ويرى له في كل فج فيلق
لبيك يا من لا مرد لأمره ... فإذا دعا العيوق لا يتعوَّق
لبيك يا خير الملوك بأسرهم ... وأعز من تحدى إليه الأنيق
لبيك ألفاً أيها الملك الذي ... جمع القلوب نواله المتفرق
وعدلت حتى ما بها متظلم ... وأنلت حتى ما بها مسترزق
أنا من دعوت وقد أجابك مسرعاً ... هذا الثناء له وهذا المنطق
ألفيت سوقاً للمكارم والعلى ... فعلمت أن الفضل فيه ينفق
يا من إذا وعد المنى قصاده ... قالت مواهبه يقول ويصدق
يا من رفضت الناس حين لقيته ... حتى ظننت بأنهم لم يخلقوا
قيدت في مصر إليك ركائبي ... غيري يغرب تارة ويشرق
وحللت عندك إذ حللت بمعقل ... يلفي لديه مارد والأبلق
وتيقن الأقوام أني بعدها ... أبداً إلى رتب العلى لا أسبق
فرزقت ما لم يرزقوا ونطقت ما ... لم ينطقوا ولحقت ما لم يلحقوا
وقال يمدح الصاحب صفي الدين أبا عبد الله بن علي المعروف بابن شكر:
أخذت عليه في المحبة موثقاً ... وما زال قلبي تجنيه مشفقا
وقد كنت أرجو طيفه أن يلم بي ... فأسهرني كي لا يلم ويطرقا
ولي فبه قلب بالغرام مقيد ... له خبر يرويه دمعي مطلقا
كلفت به أحوى الجفون مهفهفاً ... من الظبي أحلى أو من الغصن أرشقا
ومن فرط وجدي في لمه وثغره ... أعلل قلبي بالعذيب وبالنقا
كذلك لولا بارق من جبينه ... لما شمتُ برقاً أو تذكرت أبرقا
ولي حاجة من وصله غير أنها ... مرددة بين الصبابة والتقى
خليلي كفا عن ملامة مغرم ... تذكر أياماً مضت فتشوقا
ولا تحسبا قلبي كما قلتما سلا ... وتحسبا دمعي كما قلتما رقا
فما ازداد ذاك القلب إلا تماديا ... وما ازداد الدمع إلا تدفقا
إلى كم أَََرجي باخلاً بوصاله ... وحتى متى أخشى القلى والتفرقا؟
فحسب فؤادي لوعة وصبابة ... وحسب جفوني عبرة وتأرقا
على أنها الأيام مهما تداولت ... سرور تقضى أو جديد تمزقا
ولست ترى خلا من الغدر سالماً ... ولا تنتفي يوما صديقاً فيصدقا
ومما دهاني حرفة أدبية ... غدت دون إدراك المطالب خندقا
وإن شملتني نظرة صاحبية ... فلست أرى يوماً من الدهر مملقا
وزير إذا ما شمت غرة وجهه ... فدع لسواك العارض المتألقا
ذمت السحاب الغر يوم نواله ... وحقر عندي وبلها المتدفقا
وجدت جناباً فيه للمجد مرتقى ... وفيه لذي الحاجات والنجح ملتقى
إذا قلت عبد الله ثم عنيته ... جمعت به كل التعاويذ والرقى
يقيك من الأيام كل ملمة ... ويكفيك من أحداثها ما تطرقا
وكم لك فينا من كتاب مصنف ... تركت به وجه الشريعة مشرقا
عكفنا عليه نجتني من فنونه ... فعلمنا هذا الكلام الموثقا
وكم شاعر وافى إليك بمده ... فزخرفها مما أفدت ونمقا
فإن حسنت لفظاً فمن روضك اجتني ... وإن عذبت شرباً فمن بحرك استقى
فلا زلت ممدوحا ًبكل مقالة ... تريك جريراً عبدها والفرزدقا
وما حسنت عندي وحقك إذ غدت ... هي التبر مسبوكاً أو الدر منتقى
ولا إن جرت مجرى النسيم لطافة ... ولا إن حكت زهر الرياض المعبقا
ولكنها حازت من اسمك أحرفاً ... كستها جمالا في النفوس ورونقا
وقال لما رحل من مصر يتشوق إلى جماعة من الأدباء فارقهم بها:
стр. 149
أأرحل من مصر وطيب نعيمها ... وأي مكان بعدها لي شائق
وأترك أوطاناً ثراها لناشق ... هو الطيب لا ما ضمنته المفارق
فكيف وقد أضحت من الحسن جنة ... زرابيها مبثوثة والنمارق
وإخوان صدق يجمع الفضل شملهم ... مجالسهم مما حووه حدائق
أسكان مصر إن قضى الله بالنوى ... فثم عهود بيننا ومواثق
فلا تذكروها للنسيم فإنه ... لأمثالها من نفحة الروض سارق
إلى كم جفوني بالدموع قريحة ... وحتام قلبي بالتفرق خافق
ففي كل يوم لي حنين مجدد ... وفي كل أرض لي حبيب مفارق
ستأتي مع الأيام أعظم فرصة ... فما لي أسعى نحوها وأسابق
ومن خلقي أني ألوف وأنه ... يطول التفاتي للذين أفارق
يحرك وجدي في الأراكة طائر ويبعث شجوي في الدجنة بارق
وأقسم ما فارقت في الأرض منزلا ... ويذكر إلا والدموع سوابق
وعندي من الآداب في البعد مؤنس ... أفارق أوطاني وليس يفارق
ولي صبوة العشاق في الشعر وحده ... وأما سواه فهي مني طالق
كلام الذي يصبو له كل سامع ... ويهواه حتى في الخدور العواتق
كلامي غني عن لحون تزينه ... له معبد من نفسه ومخارق
كل امرئ منه نصيب يخصه ... يلائم ما في طبعه ويوافق
تغني به الندمان وهو فكاهة ... ويورده الصوفي وهو رقائق
به يقتضي الحاجات من هو طالب ... ويستعطف الأحباب من هو عاشق
وإني على ما سار منه لعاتب ... أليس به للبين تحدى الأيانق
وما قلت أعاري لأبغي بها الندى ... ولكنني في حيلة الفضل رائق
أأطلب خير الله من عند غيره وأسترزق الأقوام والله رازق
ومن قوله:
لعلك تصغي ساعة وأقول ... لقد غاب واش بيننا وعذول
وفي النفس حاجات إليك كثيرة ... أرى الشرح فيها والحديث يطول
تعال فما بيني وبينك ثالث ... فيذكر كل شجوه ويقول
وإياك من نشر الحديث فإنني ... به عن جميع العالمين بخيل
بعيشك حدثني بمن قتل الهوى ... فإني إلى ذاك الحديث أميل
وما بلغ العشاق حالا بلغتها ... هناك مقام ما إليه سبيل
وما كل مخضوب البنان بثينه ... وما كل مسلوب الفؤاد جميل
ويا عاذلي قد قلت قولا سمعته ... ولكنه قول علي ثقيل
عذرتك أن الحب فيه حرارة ... وإن عزيز القوم فيه ذليل
أأحبابنا هذا الضنا قد ألفت ... فلو زال لاستوحشت حين يزول؟
وحقكم لم يبق فيه بقية ... فكيف حديثي والغرام طويل
وإني لا رعى سركم وأصونه ... عن الناس والأفكار في تجول
دعوا ذكرى ذاك العتب منا ومنكم ... إلى كم كتاب بيننا ورسول
وردوا نسيماً جاء منكم يزورني ... فإني عليل والنسيم عليل
ولي عندكم قلب أضعتم عهوده ... على أنه جار لكم ونزيل
ومن قوله:
أعاتبكم يا أهل ودي وأن بدت ... دلائل صد منكم وملال
وأعذركم ثقلت حتى مللتم ... وأسرفتم في هجري المتوالي
فهونني من كان عندي مكرماً ... وأرخصني من كان عندي غالي
سأحمل عنكم كلما فيه كلفة ... وأقنع منكم في الكرم بخيال
ليسلم ذاك الود بيني وبينكم ... فلست على شيء سواه أبالي
ويأتيكم ما عشت يا آل كامل ... سلامي عليكم دائماً وسؤالي
ومن عجب عتب على الحسن الذي ... لدي وعندي جوده المتوالي
ولكن بدا منه جفاء فساءني ... وذاك شيء لم يمر ببالي
فإن ينسى عهدي لست أنسى عهوده ... وإن يسل عني لست عنه بسال
ومن قوله:
أحن إلى عهد المحصب من منى ... وعيش به كانت ترف ظلاله
ويا حبذا أمواهه ونسيمه ... ويا حبذا حصباؤه ورماله
ويا أسفي إذا شط عني مزاره ... ويا حزني إذا غاب عني غزاله
وكم لي بين المروتين لبانة ... وبدر تمام قد هوته حجاله
مقيم بقلبي حيث كنت حديث ... وباد لعيني حيث سرت خياله
فيا صاحبي بالخيف كن لي مستعداً ... إذ آن من بين الحجيج ارتحاله
стр. 150
وخذ جانب الوادي كذا عن يمينه ... بحيث النقا تهتز منه طواله
هناك ترى بيتاً لزينب مشرقاً ... إذا جئت لا يخفى عليك جلاله
فقل ناشداً بيتاً ومن ذاق مثله ... لدى جيرة ولم يدر كيف احتياله
وكن هكذا حتى تصادف فرصة ... تصيب بها ما رمته وتناله
فعرض بذكري حيث تسمع زينب ... وقل ليس يخلو ساعة منك باله
عساها إذا ما مر ذكري بسمعها ... تقول فلان عندكم كيف حاله
ومن قوله وهي من فائق شعره:
دعوا الوشاة وما قالوا وما نقلوا ... بيني وبينكم ما ليس ينفصل
لكم سرائر في قلبي مخبأة ... لا الكتب تنفعني فيها ولا الرسل
رسائل الشوق عندي لو بعثت بها ... إليكم لم يسعها الطرق والسبل
أمسي وأصبح والأشواق تلعب بي ... كأنما أنا منها شارب ثمل
وأستلذ نسيماً من دياركم ... كأن أنفاسه من نشركم قبل
وكم أحمل قلبي في محبتكم ... ما ليس يحمله قلب فيحتمل
وكم أصبره عنكم وأعزله ... وليس ينفع عند العاشق العزل
وأرحمتاه لصبٍ قل ناصره ... فيكم وضاق عليه السهل والجبل
قضيتي في الهوى والله مشكلة ... ما القول ما الرأي ما التدبير ما العمل؟
يزداد شعري حسناً حين يذكركم ... إن المليحة فيها يحسن بالغزل
يا غائبين وفي قلبي أشاهدهم ... وكلما انفصلوا عن ناظري اتصلوا
قد جدد البعد قرباً في الفؤاد لهم ... حتى كأنهم يوم النوى وصلوا
أنا الوفي لأحبابي وإن غدروا ... أنا المقيم على عهدي وإن رحلوا
أنا المحب الذي ما الغدر من شيمي ... هيهات خلقي عنه لست أنتقل
فيا رسولي إلى من لا أبوح به ... إن المهمات فيها يعرف الرجل
بلغ سلامي وبالغ ف الخطاب له ... وقبل الأرض عني عندما تصل
بالله عرفه حالي إن خلوت به ... ولا تطل فحبيبي عنده ملل
وتلك أعظم حاجاتي إليك فإن ... تنجح فما خاب فيك القصد والأمل
ولم أزل في أموري كما عرضت ... على اهتمامك بعد الله اتكل
وليس عندك لي أمر تحاوله ... والحمد لله لا عجز ولا كسل
فالناس بالناس والدنيا مكافأة ... والخير يذكر والأخبار تنتقل
والمرء يحتال إن عزت مطالبه ... وربما نفعت أربابها الحيل
يا من كلامي له إن كان يسمعه ... يجد كلاماً على ما شاء يشتمل
تغزلاً تخلب الألباب رقته ... مضمونه حكمة غراء أو مثل
إن المليحة تغنيها ملاحتها ... لاسيما وعليها الحلي والحلل
دع التواني في أمرتهم به ... فإن صرف الليالي سابق عجل
ضيعت عمرك فاحزن إن حزنت له ... فالعمر لا عوض عنه ولا بدل
سابق زمانك خوفا من تقلبه ... فكم تقلبت الأيام والدول
وأعزم متى شئت فالأوقات واحدة ... لا الريث يدفع مقدوراً ولا العجل
لا ترقب النجم في أمر تحاوله ... فالله يفعل لا جدي ولا حمل
مع السعادة ما للنجم من أثر ... فلا يضرك مريخ ولا زحل
الأمر أعظم والأفكار حائرة ... والشرع يصدق والإنسان يمتثل
وقال وكتب بها إلى صلاح الدين عمر المعروف بابن العديم الحلبي:
دعوتك لما أن بدت لي حاجة ... وقلت رئيس مثله من تفضلا
لعلك للفضل الذي أنت ربه ... تغار فلا ترضى بأن تتبدلا
إذا لم يكن تحمل منة ... فمنك وأما من سواك فلا ولا
حملت زماناً عنكم كل كلفة ... وخففت حتى آن لي أن أثقلا
ومن خلقي المشهور مذ كنت أنني ... لغير حبيب قط لن أتذللا
وقد عشت دهراً ما شكوت بحادث ... بلى كنت أشكو الأغيد المتدللا
وما هنت إلا للصبابة والهوى ... وما خفت إلا سطوة الهجر والقلى
أروح وأخلاقي تذوب صبابة ... أغدوا وأعطافي تسيل تغزلا
أحب من الظبي الغرير تلفتا ... وأهوى من الغصن النضير تنقلا
فما فاتني حظي من اللهو والصبا ... ولا فاتني حظي من المجد والعلى
ويا رب داع قد دعاني لحاجة ... فعلت له فوق الذي كان آملا
стр. 151
سبقت صداه باهتمامي بكل ما ... أراد ولم أحوجه أن يتمهلا
وأوسعته لما آتاني بشاشة ... ولطفاً وترحيباً وخلقاً ومنزلا
بسطت له وجهاً حيياً ومنطقاً ... وفياً ومعروفاً هنياً معجلا
وراح يراني منعماً متفضلا ... ورحت أراه المنعم التفضلا
وقال يمدح الملك الناصر صلاح الدين بن يوسف بن محمد الأيوبي سنة ٦٤٦
عرف الحبيب مكانه فتدللا ... وقنعت منه بموعد فتعللا
وأتى الرسول فلم أجد في وجهه ... بشراً كما قد كنت أعهد أولا
فقطعت يومي كله متفكراً ... وسهرت ليلي متململا
وأخذت أحسب كل شيء لم يكن ... متحركاً في فكرتي متخيلا
فلعل طيف زار منه فرده ... سهري فعاد بغيظه متقولا
وعسى نسيم بت أكتم سرنا ... عنه فراح يقول عني قد سلا
ولقد خشيت بأن يكون أماله ... غيري وطبع الغصن أن يتميلا
وأظنه طلب الجديد وطالما ... عتق القميص على امرئ فتبدلا
أبداً يرى بعدي وأطلب قربه ... ولو أني جارٌ له لتحولا
وعلقته كالغصن أسمر أهيفا ... وعشقته كالظبي أحور أكحلا
فضح الغزالة والغزال فتلك في ... وسط السماء وذاك وسط الفلا
عجباً لقلبٍ ماخلا من لوعة ... أبداً يحن إلى زمان قد خلا
ورسوم جسمٍ كاد يحرقه الجوى ... لو لم تداركه الدموع لأشعلا
وهوى حفظت حديثه وكتمته ... فوجدت دمعي قد رواه مسلسلا
أهوى التذلل في الغرام وإنما ... يأبى صلاح الدين أن أتذللا
مهدت بالغزل الرقيق لمدحه ... وأردت قبل الفرض أن أتنفلا
ملك شمخت على الملوك بقربه ... ولبست ثوب العز منه مسربلا
ورفعت صوتي قائلا يا يوسف ... فأجابني ملك أطال وأجزلا
ثم ألتفتُ وجدت حولي أنعما ... ما كان أسرعها إلي وأعجلا
وهصرت أغصان المطالب ميساً ... ومريت أخلاف المواهب حفلا
قهر الزمان وقد عراني صرفه ... حتى مشى في خدمتي مترجلا
وإذا نظرت وجدت بعض هباته ... فيها المآثر والمفاخر والعلى
يروي حديث الجود عنه مسنداً ... فعلام ترويه السحائب مرسلا
من معشر فاقوا الملوك سيادة ... وسعادة وتطولا وتفضلا
وكأن متن الأرض يوم ركوبهم ... يكسونه برداً عليه مهلهلا
من كل أغلب في الهياج كأنما ... لبس الغدير وهز منه جدولا
وإذا سألت سألت غيثاً مسبلا ... وإذا لقيت لقيت ليثاً مشبلا
مولاي قد أهديتها لك كاعباً ... عذراء تبدي عذرة وتنصلا
حملت ثناء كالهضاب فأبطأت ... فاعذر بطيئاً قد أتى لك مثقلا
عرفت محبتها لديك وحسنها ... فأتت تريك تدللاً وتعللا
بدوية إن شئت أو حضرية ... جمع الخزامى نشرها والمندلا
لو أنها ممن تقدم عصره ... منعت زياداً أن يقول وجرولا
غزل ومدح بت أغرق فيهما ... كالخمر مازجت الزلال السلسلا
فتألقت عقداً يروق نظامه ... والعقد أحسن ما يكون مفصلا
يا أيها الملك الذي دانت له ... كل الملوك تودداً وتوسلا
فعلاهم متطولاً وحباهم ... متفضلاً وأتاهم متمهلا
يا من مديحي فيه صدق كله ... فكأنما أتلو كتاباً منزلا
يا من ولائي فيه نص بين ... والنص عند القوم لن يتأولا
ولقد حلا عيشي لديك ولم أرد ... عيشاً سواه فإن أردت فلا حلا
وشكرت جودك كل شكر عالماً ... أن لا أقوم ببعض ولا ولا
وقال يمدح الملك العادل سيف الدين أبا بكر بن أيوب وأنشدها بقاعة دمشق سنة ٦١٣
يطيب لقلبي أن يطول غرامه ... وأيسر ما يلقاه منه حمامه
وأعجب منه كيف يقنع بالمنى ... ويرضيه من طيف الخيال لمامه
تعشقته حلو الشمائل أهيفا ... يحرك شجو العاشقين قوامه
وهمت بطرف فاتن منه فاتر ... لبابل منه سحره ومدامه
فما الغصن إلا ما حوته بروده ... وما البدر إلا ما حواه لثامه
أغار إذا ما راح ريان عاطرا ... أراك الحمى من ريقه وبشامه
وأرتاح للبرق الذي من دياره ... ويحسب طرفي أن ذاك ابتسامه
стр. 152
واستنشق الأرواح من كل وجهة ... فأعلم في أي الجهات خيامه
خذوا لي من البدر الذمام فإنه ... أخوه عسى أن لا يرد ذمامه
إلى العادل المأمول للدهر إن سطا ... به يتجلى ظلمه وظلامه
إلى ملك في العين يملأ سرجه ... ويملأ آفاق البلاد اهتمامه
أخو يقظات ليس يعرف طرفه ... غراراً سوى ما يحتويه حسامه
يقصر عنه المدح من كل مادح ... ولو كان من زهر النجوم نظامه
فيا ملك العصر الذي ليس غيره ... يرجى ويخشى عفوه وانتقامه
تقدم ذكر الجود قبلك في الورى ... وأصبح من ذكراك مسكاً ختامها
أمنت بلقياك الزمان وصرفه ... فغيري من يخشى عليه اهتضامه
وأصبحت من كل الخطوب مسلماً ... عليك من الله الكريم سلامه
ومن قوله
لئن صدقتني في الحديث ظنوني ... لقد نقلت سري وشاة جفوني
وبالرغم مني أن سراً أصونه ... يصير بدمعي وهو غير مصوني
وقد رابني يا أهل ودي أنكم ... مطلتم
وأنتم قادرون
ديوني
بروحي أنتم من رسولي إليكم ... ومن مسعدي في حبكم ومعيني
سلوا دمع عيني عن أحاديث لوعتي ... لتعرب عن تلك الشؤون شؤوني
فللدمع من عيني معينٌ يمده ... فإن تسألوه تسألوا أبن معين
على أن دمعي لا يزال يخونني ... ومن ذا الذي يرضى حديث خؤون
فلا تقبلوا للدمع عني روايةً ... فليس على سر الهوى بأمين
حلفت لكم أن لا أخون عهودكم ... وأعطيتكم عند اليمين يميني
وها أنا كالمجنون فيكم صبابة ... وحاشاكم ترضون لي بجنون
وهبكم في الحب عقلي راضيا ... ويا ليتكم أبقيتم لي ديني
أرى سقم جسمي قد حوته جفونكم ... فلا تأخذوا يا ظالمين جفوني
أأحبابنا إني ضنين بردكم ... وما كنت يوماً قبله بضنين
فمن ذا الذي أعتاض عنكم من الورى ... يكون حبيبي مثلكم وخديني
أحب من الأشياء ما كان فائقاً ... وما الدون إلا من يميل لدوني
وأهجر شرب الماء غير مصفق زلال وآكل الحم غير سمين
وإن قيل لي هذا رخيص تركته ... ولا أرتضي إلا بكل ثمين
فإني رأيت الشيء إن يغل قيمة ... يكن بمكان في القلوب مكين
لك الله زدني من حديث ذكرته ... ليسكن هذا القلب بعض سكون
وقل لي ولا تحلف فإنك صادق ... وقولك عندي مثل أف يمين
فوالله لا أرتاب فيما ذكرته ... ولم تختلج بالشك فيك ظنوني
وإن حديثاً أنت راويه إنني ... على ثقة منه وحسن يقين
كذلك تلقاني إذا ما اختبرتني ... يسر حفاظي صاحبي وقريني
إذا قلت قولاً كنت للقول فاعلاً ... وكان حيائي كافلي وضميني
تبشر عني بالوفاء بشاشتي ... وينطق نور الصدق فوق جبيني
مقاطيع أدبية
أحببت نقل بعض المقاطيع الأدبية في هذا الموضع فمن ذلك قول أبي الشيص، وأسمه محمد بن عبد الله:
وقائلة وقد بصرت بدمع ... على الخدين منحدر سكوب
أتكذب بالدموع وأنت جلد ... قديماً ما جسرت على الذنوب
قميصك والدموع تجول فيه ... وقلبك ليس بالقلب الكئيب
أما والله لو فتشت قلبي ... لسرك بالعويل وبالنحيب
كمثل قميص يوسف حين جاؤوا ... عليه عشيةً بالدم كذوب
دموع العاشقين إذا تلاقوا ... بظهر الغيب ألسنة القلوب
وللعباس بن الأحنف:
نزف البكاء دموع عينك فاستعر ... عينا لغيرك دمعها مدرار
من ذا يعيرك عينه تبكي بها ... أرأيت عيناً للبكاء تعار
ومن قوله
وضعت خدي لأدني من يطيف بكم ... حتى احتُقرتُ وما مثلي بمحتقر
إذا أردت سلواً كان ناصركم ... قلبي وما أنا من قلبي بمنتصر
فأكثروا أو أقلوا من ملامكم ... فكل ذلك محمول على القدر
ولأبي أحمد العباس:
حر دعاه الهوى سراً فلباه ... طوراً فأضحك مولاه وأبكاه
فشُهِدت بالذي يخفي لواحظه ... وعدلتها بفيض الدمع عيناه
حاربتني إذ دعيت الود بعدك أن ... وكلت طرفي بنجم الليل أرعاه
الله يشهد أني لم أخنك هوى ... كفاك بينة أن يشهد الله
وقال:
стр. 153
يا من يكاتمني تغير قلبه ... سأكف نفسي قبل أن يتبرما
وأصد عنك وفي يديَّ بقية ... من حبل ودك قبل أن يتصرما
يا للرجال لعاشقين توافقا ... فتخاطبا من غير أن يتكلما
حتى إذا خافا العيون وأشفقا ... جعلا الإشارة بالأنامل سلما
وقال:
الله يعلم ما أردت بهركم ... إلا مساترة العدو الكاشح
وعلمت أن تستري وتباعدي ... أبقى لوصلك من دنو فاضح
وقال:
يهيم بجيران الجزيرة قلبه ... وفيها غزال فاتر الطرف ساحره
يؤازره قلبي علي وليس لي ... يدان بمن قلبي علي يوازره
وقال سهل بن هارون
أعان طرفي على قلبي وأعضائي ... بنظرة وقفت جسمي على دائي
وكنت غراً بما يجني على بدني ... لا علم لي أن بعضي بعض أعدائي
ولغيره:
إن العيون على القلوب إذا جنت ... كانت بليتها على الأجساد
ولغيره:
ولست أعجب من عصيان قلبك لي ... حقاً إذا كان قلبي فيك يعصيني
قال الأصمعي: سمعت الرشيد يقول: قلب العاشق عليه مع معشوقه, فقلت: هذا والله يا أمير المؤمنين أحسن من قول عروة بن حزام في عفراء في آيات له, وأنشدها وهي:
وإني لتعروني لذكراك لوعة ... لها بين جلدي والعظام دبيب
فما هو إلا أن أراها فجأَة ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب
وأصرف عن دائي الذي كنت أرتجي ... ويقرب مني ذكره ويغيب
ويضمر قلبي عذرها ويعينها ... علي وما لي في الفؤاد نصيب
فقال الرشيد: إن قال ذلك وهماً فإني قلته علماً قال علي بن عبيدة الريحاني: احم ودك فإنه عرضك, وصن الأنس بك يغزر حظك, ولا تستكثر من الطمأنينة إلا بعد استحكام الثقة, فإن الأنس سريرة العقل, والطمأنينة بذلة المتحابين, وليس لك بعدهما تحفة تمنحها صاحبك, ولا حباء توجب به الشكر على من اصطفيت. وقال أيضاً: ما أنصف من عاتب أخاه بالإعراض على ذنب كان منه, أو هجره وقال أيضاً: الحياء لباس سابغ وحجاب واق، وستر من المساوئ، وأخو العفاف وحليف الدين, ورقيب من العصمة وعين كالئة تذود عن الفساد, وتنهي عن الفحشاء والأدناس. وقال أيضاً: لا يخلو احد من صبوة إلا أن يكون جاثي الخلق منقوص البنية، أو على خلاف تركيب الاعتدال.
رأى سعيد بن مسلم ابناً له قد شرع في رقيق ال شعر ورواياته, فأنكر عليه بعض أهله, فقال سعيد: دعوه فإنه يلطف ويظرف وينظف٠ ومن قول كثير عزة:
سيهلك في الدنيا شفيق عليكم ... إذا غاله من حادث الدهر غائلهُ
ويخفي لكم حباً شديداً ورهبة ... وللناس أشغال وحبك شاغله
كريم يميت السر حتى كأَنه ... إذا استخبروه عن حديثك جاهله
يود لأن يمسي عليلا لعلها ... إذا سمعت عنه بشكوى تراسله
ويرتاح للمعروف في طلب العلا ... لتحمد يوماً عند ليلا شمائله
ذكر أعرابي الهوى, فقال: هو أعظم ملكاً في القلب من الروح في الجسم وأملك بالنفس من النفس، يظهر ويبطن، ويكشف ويلطف، فامتنع من وصفه اللسان، وعي عنه البيان، فهو بين السحر والجنون، لطيف المسلك والكمون، وأنشد:
يقولون لو دبرت بالعقل حبها ... ولا خير في حب يدبر بالعقل
قال جحظة البر مكي: قلت لخالد الكاتب: كيف أصبحت. قال: أصبحت أرق الناس شعراً، فقلت له: أتعرف قول الإعرابية فقال: وما هو قلت: كان بعض الخلفاء قد تزوج جارية من بنات العرب، وأنزلها في قصره، واخدمها الجواري، فدخل عليها ذات يوم، وإذا هي تنشد:
فما وجد أعرابية قذفت بها ... صروف النوى من حيث لم تك ظنت
تمنت أحاليب الرعاء وخيمة ... بنجد فلم يقدر لها ما تمنت
إذا ذكرت ماء العضاه وطيبه ... وماء الصبا من نحو نجران أنّت
لها أنة عند العشاء وأنة ... سحيراً ولولا أنتاها لجنت
فلما سمعها أرحلها إلى أهلها, فقال خالد: ويلك يا جحظة هذا ارق من شعري
شعر
ابن منير الطرابلسي اسمه أحمد، ولم أقف على شيء من شعره سوى رائيته التي كتبها للشريف الموسوي، وكان من كبار الشيعة، فلما قدم بغداد هيأ له ابن منير هدية، وأرسلها مع مملوك يقال له: تتر، وكان من أعز مماليكه عنده، فقبل الشريف الهدية، واستحسن المملوك،
стр. 154
وأدخله في الهدية، وقصد أن يعوض ابن منير أضعاف قيمته، فلما شعر ابن منير بذالك حزن على مملوكه المذكور وكتب إلى الشريف على الفور قصيدة أولها:
عذبت قلبي يا تتر ... وأطرت نومي بالفكر
بالمشعرين وبالصفا ... والبيت أقسم والحجر
وبمن سعى فيه وطاف ... به ولى وأعتمر
لئن الشريف الموسوي ... ابن الشريف أبي مضر
أبدى الجحود ولم يردّ ... إلي مملوكي تتر
واليت آل أمية الطه ... ر الميامين الغرر
وجحت بيعة حيدر ... ورجعت عنه إلى عمر
وإذا جرى ذكر الصحابة ... بين قوم واشتهر
قلت المقدم شيخ تيم ... ثم صاحبه عمر
ما سل قط ظبى على ... آل النبي ولا شهر
كلا ولا صد البتول ... عن التراث ولا زجر
وأثابها الحسنى وما ... شق الكتاب ولا بقر
وبكيت عثمان الشهيد ... بكاء نسوان الحضر
وشرحت حسن صلاته ... جنح الظلام المعتكر
وقرأت من أوراق مص ... حفه براءة والزمر
ورثيت طلحة والزبير ... بكل شعر مبتكر
وأزور قبرهما وأزجر ... من نهاني أو زجر
وأقول أم المؤمنين ... عقوقها إحدى الكبر
ركبت على جمل لتصبح من بنيها في زمر
وأتت لتصلح بين جيش المسلمين على غرر
فأتى أبو حسن فسل حسامه وسط وكر
وأذاق إخوته الردى ... وبعير أمهم عقر
ما ضره لو كان كفَّ ... وعف عنهم إذا قدر
وأقول إن أمامكم ... ولى بصفين وفر
وأقول إن أخطأ معاوية ... فما أخطأ القدر
هذا ولم يغدر معا ... وية ولا عمرو مكر
بطل بسوءته يقا ... تل لا بصرامة الذكر
وجنيت من قمر النوا ... صب ما تثمر واختمر
وأقول ذنب الخارجين ... على علي مغتفر
لا ثائر لقتالهم ... في النهر وان ولا أثر
والأشعري بما يؤول ... إليه أمرهما شعر
قال انصبوا لي منبراً ... وأنا البريء من الخطر
فعلا وقال خلعت صما ... حبكم وأوجز واختصر
وأقول: إن يزيد ما ... شرب الخمور ولا فجر
ولجيشه بالكف عن ... أبناء فاطمة أمر
وحلقت في عشر المحرم ما اسطال من الشعر
ونويت صوم نهاره ... وصيام أيام أُخر
ولبست فيه أجل ثو ... ب للملابس يدخر
وسهرت في طبخ الحبو ... ب من العشاء إلى السحر
وغدوت مكتحلاً أصا ... فح من لقيت من البشر
ووقفت في وسط الطريق ... أقص شارب من عبر
وغسلت رجلي ضلة ... ومسحت خفي في السفر
وآمين أجهر في الصلاة ... كمن بها قبلي جهر
وأسن تسنيم القبور ... لكل قبر محتفر
وإذا جرى ذكر الغدير ... أقول ما صح الخبر
ولبست فيه من الملا ... بس ما اضمحل وما دثر
وسكنت جلق واقتديت ... بهم وإن كانوا بقر
نفر يرى برئيسهم ... طيش الظليم إذا نفر
وخفيفهم مستثقل ... وصواب قولهم هذر
وطباعهم كجبالهم ... طبعت وقدت من حجر
ما يدرك التشبيب ... تغريد البلابل في السحر
وأقول في يوم تحار له البصيرة والبصر
والصحف ينشر طيها ... والنار ترمي بالشرر
هذا الشريف أضلني ... بعد الهداية والنظر
فيقال خذ بيد الشريف ... فمستقر كما سقر
لواحة تسطو فما ... تبقي عليه ولا تذر
والله يغفر للمسيء ... إذا تنصل واعتذر
فاخشَ الإله بسوء ... فعلك واحتذر كل الحذر
وإليكها بدوية ... رقت لرقتها الحضر
شامية لو شامها ... قس الفصاحة لافتخر
ودرى وأيقن أنني ... بحر وألفاظي درر
وبديعتي كبديعةٌ ... عذراء ترفل في الحبر
حبرتها فغدت كزهر الروض باكره المطر
وإلى الشريف بعثتها ... لما قراها فانبهر
رد الغلام فما استمر ... على الجحود ولا أصر
وأثابني وجزيته ... شكراً وقال وقد صبر
فلما قرأ الشريف هذه القصيدة أمر برد المملوك عليه حالاً.
قال ابن حجة الحموي: لما ذكر هذه القصيدة بطولها، أقول: إنه
стр. 155
يغتفر لي التطويل بنقل هذه القصيدة، لغرابة أسلوبها، ولأنها مبنية على الهزل الذي يراد به الجد، وقد أتى ناظمها بالغاية التي لا تدرك، والطريقة التي ما رأينا لغيره فيها مسلك تم الاختيار من شعر ابن منير الطرابلسي وأخباره، ويليه الاختيار من شعر ابن معتوق وأخباره٠
شعر
ابن معتوق الموسوي هو شاعر العراق في عصره، وسابق حلبته في رقة شعره، ولد سنة ١٠٢٥ ألف وخمسة وعشرين، ونشأ بالبصرة، وبها تعلم الأدب، وقال الشعر، وأجاد، واتصل بالسيد خان أحد أمراء البصرة من قبل الدولة الإير انية، وكان وقتئذ يملك العراق والبحرين، ومدحه مدحاً فائقتة، وأكثر شعره مقصور عليه، وعلى أهل بيته، فغمره بالأحساس، وهو من كبار شعراء الشيعة، فمجح عليا ﵁، وأهل البيت بما يخرج عن حد الشرع والعقل، ويمتاز شعره بالرقة وكثرة المجازات حتى تكاد الحقيقة تهمل فيه بالجملة توفي سنة١١١١ ألف ومئة وإحدى عشرة.
وقال يمدح السيد علي خان:
خفرت بسيف الغنج ذمة مغفري ... وفرت برمح القد درع تصبري
وجلت لنا من تحت مسكة خالها ... كافور فجر شق ليل العنبر
غدت تذب عن الرضاب لحاظها ... فحمت علينا الحور ورد الكوثر
ودنت إلى فمها أراقم فرعها ... فتكفلت بحفاظ كنز الجوهر
يا حامل السيف الصحيح إذا رنت ... إياك ضربة جفنها المتكسر
وتوق يا رب القناة الطعن إن ... حملت عليك من القوام بأسمر
برزت فشمنا البرق لاح ملثماً ... والبدر بين مقر طق ومخمر
وسعت فمر بنا الغزال مطوقاً ... والغض بين موشح ومؤزر
بأبي مرا شفها التي قد لثمت ... فوق الأقاحي بالشقيق الأحمر
وبمهجتي الروض المقيم بمقلة ... ذهب النعاس بها ذهاب تحيري
تالله ما ذكر العقيق وأهله ... إلا وأجراه الغرام بمحجري
لولاه ما ذاب فرائد عبرتي ... بعد الجمود بحر نار تذكري
كم قد صحبت به من أبناء الظبا ... سرباً ومن أسد الثرى من معشر
وظللت من غسق الشعور بغيهب ... وهديت من تلك الوجوه بنير
يا للعشيرة من لمهجة ضيغم ... كمنت منيته بمقلة جؤذر
روحي الفداء لظبية الخدر التي ... بني الكناس لها بغاب القسور
لم أنسى زورتها ووجنات الدجى ... تباع زفرتها بمسك أزفر
أمت وقد هز السماك قناته ... وسطا الضياء على الظلام بخنجر
والقوس معترض أراشت سهمه ... بقوادم النسرين أيدي المشتري
فغدت تشنف مسمعي بلؤلؤ ... لولاه ناظم عبر تي لم ينثر
وتضم مني في القميص مهنداً ... وأضم منها بالنصيب السمهري
طوراً أرى طوقي الذراع وتارة ... منها أرى الكف الخضيب مسور
حتى بدا كسرى الصباح وأدبرت ... قوم النجاشي عن عساكر قيصر
لما رأت روض البنفسج قد ذوى ... من ليلنا وزهت رياض العصفر
والنجم غار على جواد أدهم ... والفجر أقبل فوق صهوة أشقر
نزعت فضرست العقيق بلؤلؤ ... سكنت فرائده غدير السكر
وتنهدت جزعاً فأثر كفها ... في صدرها فنظرت ما لم أنظر
أقلام مرجان كتبن بعنبرِ ... بصحيفة البلورِ خمسة أسطر
ومضت وحمرة خدها من أدمها ... لبست رماد الملك بعد تستر
لله در جمالها من زائرٍ ... رسم الخيال مثاله بتصور
لم ألقى أطيب بهجة من نشرها ... إلا البشارة في قدوم الحيدري
ابن الهمام أخ الغمام أبو الندى ... بركات شمس نهارنا المولى السري
الخاطب المعروف قبل فطامه ... والطالب العلياء غير مقدر
مصباح أهل الجود والصبح الذي ... ما إن جاب ليل البخل لو لم يسفر
قرن إذا سل الحسام حسبته ... نهراً جرى من لج سبعة أبحر
قرن البراعة بالشجاعة والندى ... والرأي في عفو وحسن تدبر
إلى أن قال:
ومحا سواد الجور أبيضُ عدلهِ ... حتى تخوف كل طرف أحورِ
بعد المشقة نال لّذات العلى ... لا يستلذ نوم من لم يسهر
قل للذي في الجود يطلب شأوه ... أربيت في الغلواءِ ويحك فاقصر
بُدئ الندى منه فأفعال السخى ... عن غير مصدر ذاته لم تصدر
стр. 156
فالناس من ماءِ مهين وهو من ... ماء معين طاهر ومطهر
يا من بكنيته نزيد تيمناً ... وبه يزول تشاؤم المتطير
إن عد قبلك في المكارم ماجد ... قد كان دونك في قديم الأعصر
فكذلك الإبهام وهو مقدم ... عند الحساب يُعد بعد الخنصر
بالفخر ساد أبوك سادات الورى ... وأبوك لو لاك ابنه لم يفخر
كالعين بالبصر المنير تفضلت ... والعين لولا نجلها لم تبصر
قسماً ببارق مرهف قلدته ... وبعارض من مزن جودك ممطر
لولا إيابك للجزيرة ما صفت ... فيها مشارع أمنها المتكدر
أسكنت أهليها النعيم وطالما ... شهد الجحيم بها وهول المحشر
وكسوتها حلل الأمان وإنها ... لولاك أضحت عورة لم تستر
بوركت من شهم قدمت مشمراً ... نحو العلى إذ يحجم الليث الشري
وقطفت أنوار الفخار بأنمل القني ... ات من روض الحديد الأخضر
فليهنك المجد التليد وعاد ... العيد الجديد بنيل سعد أكبر
والبس قميص الملك يا طالوته ... واسحب ذيول الفضل فخراً واجرر
واستجل بكر ثناً فصاحة لفظها ... عبثت بحكمتها بسحر البحتري
أو يشعر الطائي بها لم يشعر ... لو يعلم الكوفي بها لم يزدر
لا زلت تاج علا وحلية منصبِ ... وطراز مكرمة وحلية منبر
وقال يمدح السيد بركة خان ويهنئه بعيد الأضحى:
رنا فسل على العشاق أحوره ... سيفاً عليهم ذمام البيض يخفره
وماس تيهاً فثنى في غلالتهِ ... قداً بحمر المنايا صال أسمره
وافتر عن لؤلؤ ما لاح أبيضه ... إلا وياقوت دمعي سال أحمره
يا غيرة البان إذ يثني موشحه ... وخجلة البرق إذ يبدو مؤشره
بمهجتي دعج يجري بمقلته ... لا أعرف الموت إلا حين أنظره
وبالجفون جمالاً تحت برقعه ... لا يسفر الفجر إلا حين يسفره
له محياً لحاظي إذ تعتدِمُهُ ... ثوب الدجنة من لون يعصفره
قاسمته الورد لونيه فأحمره ... في وجنتيه وفي خديّ أصفره
مهفهف القد لغوي النطاق حوى ... معنى كمحذوف نحوي يقدره
إلى أن قال:
إلام يا قلب تصفي الود ذا ملل ... لا يستقر ولا يصفو مكدره
إن الملول وإن صافاك ذو عجب ... إن حال مكسره أومج سكره
واخيبة السعي قد ولى الشباب ولا ... أدركت سؤلي وعمري فات أكثره
فما وفى لي حبيب كنت أعشقه ... ولا صفا لي خليل كنت أوثره
ولا اختبرت صديقاً كنت أمنحه ... صفو السرير إلا صرت أحذره
يا دهر ويحك إن الموت أهون من ... مذمم بك يؤذيني وأشكره
مالي ومالك ما تنفك تقعدني ... إن قمت للمجد أو حظي تعكره
لقد غدا البخل شخصاً نصب أعيننا ... فأصبح الجود عهداً ليس نذكره
وعاد يطوي لواء الحمد رافعه ... لولا يداً بركات المجد تنشره
رب النوال الذي لولا مواهبه ... سمط القوافي لدينا بار جوهره
المتبع البتة الأولى بثانية ... وأكرم المزن ما يوليك ممطره
يضم منه غدير الدرع بحر ندا ... ويحتوي منه بدر التم مغفره
سمح تحرج نهر السائلين ولا ... الدر اليتيم عن الراجي يقهقره
يعطي الجزيل فلا عذر يقدمه ... للطالبين ولا وعد يؤخره
تملك الحوز فلتهرب ثعالبهٌ ... فقد تكفل جيش الملك قسوره
مهذب فطن كادت فراسته ... عما بقلبك قبل القول تخبره
لا يلحق الذل جاراً يستعز به ... ولا يرى الأمن مرعوب يذعره
بعدله الظالم المرهوب يخذله ... وجانب البائس المخذول ينصره
إن زاره سائل عاف يعظمه ... وإن تأتاه جبار يحقره
لفت على الهامة العليا عمامته ... وشّد فوق عفاف الفرج مئزره
لا نعرف الجدب إلا عند غيبته ... ولا نرى الغيث إلا حين نبصره
قد حالف السيف منه أي داهية ... كبرى وصافح يمنى الموت خنجره
كم قد أغار وشهب الليل عاثرة ... والفجر ينبت بالكافور عنبره
فآب والأّسد في الغلال خاضعة ... وعاد بالنجح والأنفال عسكره
والدهم كمت وسمر الخط تحمده ... والبيض صفر مصونات تكبره
стр. 157
والجو كالغسق المسودّ أبيضه ... والسيف كالشفق المحمر أخضره
هو الهمام الذي صحت سيادته ... واشتقّ من أنبياء الله عنصره
همّ العدى بذهاب النور منه وما ... يطفون نوراً يريد الله يظهره
يبغون محو اسمه من صحف منصبه ... والله في لوحه المحفوظ يزبره
بغوا عليه ومن يجعل تجارته ... بضاعة البغي يوماًخاب متجره
وحاولوا الغدر فيه وهو أمنهم ... وصاحب الغدر يكفي فيه منكره
ودبروا الأمر سراً وهو متكل ... وربه فوق أيديهم يدبره
فأدركوا الويل والحزن الطويل وما ... رأوا من الأمر شيئاً سرّ منظره
فكم عزيز لهم ولت ضراغمهم ... وكم كباس خبا قد فر جؤذره
مولاي فلتهنك الدنيا وعودتها ... إليك والعيد قد وافى مبشره
وليهننا حج بيت منك دار على ... شعائر البر والمعروف مشعره
وارم العدى بجمار الذل واسع إلى ... منى وغى يرهف الضرغام منحره
وبشر الخصم أن البغي يصرعه ... ومارد الجور أن الظلم يدحره
واستجل در قريض كاد في حكم ... نظم البديع بيان المرء يسحره
ودم مدا الدهر في عز وفي شرف ... يسمو على كل من ناداك مفخره
وقال يمدح السيد منصور خان ويهنئه بختان ولده:
تلثم بالعقيق على اللآلي ... فغشى الفجر من شفق الجمال
وهز قوامه فثنى قضيباً ... إليه تنقلت دول العوالي
وقنع بالدجى شمس المحيا ... فبرقع بالضحى ليل القذال
تزاور عن خباه فثم شمس ... تبلج حولها فجر النصال
فحد عن وجنتيه فثم ورد ... حماه الهدب في شوك النبال
إلام ألام فيه ولا أحاشي ... ويرقبني الحمام ولا أبالي؟
أوري عن هواه بحب ليلى ... وفيه تغزلي وبه اشتغالي
وليل كالبنفسج بات فيه ... يشنفني رياحين الوصال
وقام إليه من ورعي وعيظ ... يعرفني الحرام من الحلال
إذا امتدت إليه يمين نفسي ... ثنيت عنانها بيد الشمال
وإني قد أميل بلحظ طرفي ... تمن أهوى ويغضي عنه بالي
وإن قامت إلى الفحشاء يوماً ... بي الشهوات تقعدني خصالي
أحب الكذب في التشبيه هزلاً ... واهوي الصدق في جد المقال
فلي وعظ أشد من الرواسي ... ولي غزل أرق من الشمال
أنا الهادي غ الشعراء هاموا ... بوادي الشعر في ليل الظلال
مجلي السابقين إلى المعاني ... وفارس بحثها يوم الجدال
تدل لدى النشيد بنات فكري ... على أدبي وتنسبني فعالي
ويشهد لي بدعوى الفضل قربي ... لدى بركات نقاد المعالي
تملكني هواه فزدت فضلاً ... وفضل العبد مكن شرف الموالي
جمال الفضل مركز نيريه ... كمال بدور أبناء الكمال
رفيع علا إلى هام الثريا ... رقى بسلالم الهمم العوالي
موفى العرض في سنن السجايا ... مبيد المال في طلب المعالي
شجاع فيه تتسع المنايا ... إذا ما كرفي ضيق المجال
إذا يدجى القتام بدا بدرع ... أرانا الشمس في ثوب الهلال
هو العدل الذي بالوصف يعنو ... له العلم المعرف بالجلال
غوامض فكره تحكي الدراري ... وطيب نثاه يرخص بالغوالي
يرى الدنيا وإن عظمت وجلت ... لديه أقل من شسع النعال
به انطلق السماح وكان رهناً ... وأضحى البخل مشدود العقال
تزين به عواطلها القوافي ... كما تتزين البيض الحوالي
فلو مس الصخور الصم يوماً ... لفجرهن بالعذب الزلال
إلى أن قال:
من القوم الذين سموا وسادوا ... على العرب الأواخر والأوالي
أثيل المجد مقصور عليهم ... وضال العز ممدود الظلال
تبين لي الحجا والجود فيه ... ونور المجد من قبل الفصال
غنيت عن الكرام به جميعاً ... وصمت الجود عن ذل السؤال
أأستسقي السحائب نازحات ... وهذا البحر معترضاً حيالي
وألقيت السلاح وما احتياجي ... وفيه تدرعي وبه اعتقالي
ألا يا أيها البطل المرجى ... لدفعي كتائب النوب العضال
ويا سيف المنون وساعديها ... وباري قوسها يوم النضال
стр. 158
ويا قمر الزمان ولا أكني ... وشمسي ضحى الملوك ولا أغالي
لقد غبط العلى بختان شبل ... أبوه أنت يا ليث النزال
شقيق الرشيد تسمية وفألاً ... سليل المجد خير أب وخال
نشا فنشا لنا منه سرور ... يكاد يهز أعطاف الجبال
وحمحمت الجياد مبللات ... وصال مكبراً يوم القتال
وقرت أعين البيض المواضي ... ومسن معاطف السمر الطوال
هو الابن الذي بأبيه نالت ... خلود الأمن أفئدة الرجال
فدام ودمت ما اكتسبت ضياء ... نجوم الليل من شمس النوال
ولا زالت لك الأيام تدعو ... ولا برحت تهنيك الليالي
وقال أيضاً يمدحه بهذه القصيدة, ولم تذكر جامع ديوانه مطلعها, واعتذر أنه لم يجد منها إلا هذا القدر:
ويا وميض بروق المذن إن سفرت ... عن الثنايا فغض الطرف واستتر
ويا وجيز عبارات البيان لقد ... أطنبت في وصف ذاك الخصر فاختصر
هذا الأبيرق في فيها فوا ظمأي ... إلى عذيب عقيق المبسم العطر
وذا الغوير توارى في الوشاح فوا ... شوقي إليه وهذا الجذع في الأزر
بمهجتي نار حسن فوق مرشفها ... تشبُ من حول ذاك المورد الخضر
مرت بنا وهي تبدي نون حاجبها ... والصدغ يلثم منها وردة الخفر
ففوق القوس نبل العين واحزني ... وقارن العقرب المريخ واحذري
وحدثتنا فخلنا أنها ابتسمت ... زهر النجوم حديثاً في فم القمر
أما وبلورتي فجر تلثم في ... ياقوتتي شفق يفتر عن درر
ما خلت قبلك أن الحتف يبرز في ... زي العيون من الآرام والعفر
لولا ابتسامك لم تجر العيون دماً ... والمزن لم تبك لولا البرق بالمطر
لو بيع وصلك للعاني بمهجته ... هانت عليه ومن للعمي بالصبر
أفنيت ماء عيوني بالصدود بكاً ... وجذوة الصيف تفني لجة الغدر
خلو قلبك من نار الهوى عجب ... ومكمن النار لا ينك في الحجر
لا تمقتي أثراً في الخطوب بدا ... فزينة الصارم الهندي بالأثر
ولا تذمي بياض الشيب إن شعلت ... شموعه في سواد الليل من شعري
فالمرء كالجمر في حال الخمود يرى ... فيه السواد ويبدو النور في السعر
لله در ليال بالحمى سلفت ... بيض ترى في جباه الدهر كالغرر
فكم عشونا بجنات النعيم إلى ... سناءنا رين من جمر ومن قطر
وبدر خدر بشهب الليل منتطق ... مبرقع بسناء الفجر معتجر
لو أصبح الليل من فودية ما بزغت ... شمسي المدامة بالآصال والبكر
ولو عدا اللثم ذاك البدر ما قذفت ... أيدي ابن منصور للعافين بالبدر
سواد عين المعالي نقش معصمها ... بياض صلت العطايا مبسم الستر
سهم المنيبة درع الملك جنته ... سنان رمح الليالي صارم القدر
مملك ساس أحوال الرعية في ... عدل يؤلف بين الأسد والبقر
إلى أن قال
وتر البرية شفع الدهر جملته ... جمع الفخار مثنى النفع والضرر
دع الروايات في الماضي فرؤيته ... أقوى وليس عيان الأمر كالخبر
وقد تركت منها أبياتاً خوف الإطالة: وقال يمدح السيد علي خان:
روت عن تراقيها العقود عن النحر ... محاسن ترويها النجوم عن الفجر
وحدثنا عن خالها مسك صدغها ... حديثاً رواه الليل عن كلفة البدر
وركب منها الثغر أفراد جملة ... حكاها فم الإبريق عن حبب الخمر
بصحة جسمي سقم أجفانها التي ... على صحوها لا تستفيق من السكر
وبالعنبر الوردي نكهتها التي ... روى المسك عن اسنادها خبر النثر
عذيري من عذراء قبل تمائمي ... خلعت على العذال في حبها عذر
ولي مدمع في حبها لو بكى الحيا ... به نبت الياقوت في صدف الدر
بروحي منها جؤذراً في غلائل ... وجيد مهاة قد تلفع بالخمر
لقد غصبت منها القرون ليالياً ... من الدهر لولا طولها قلت من عمري
أما وسيوف للحتوف بجفنها ... تجرد عن عين وتغمد في سحري
وهدب يسقى نبله سم كحلها ... فذب بشوك النحل عن شهده الثغر
وصمتة قلب غص منها بمعصم ... ووسواسه الخناس ينفث في صدري
стр. 159
وطوق نضار يستسر هلاله ... مع الفجر تحت الشمس في غسق الشعر
لفي القلب مني لوعة لو تجنها ... حشى المزن أمسى قطرها شرر الجمر
منعمة غير الكرم لا بزورها ... وتحجب عن طيف المحب إذا يسري
إذا مر في الأوهام من وصالها ... رأيت جياد الموت تعثر بالفكر
رفيعة بيت هالة البر نوره ... وقوس محيط الشمس دائرة الستر
يرى في الدجى نهر المجرة تحته ... على در حصباء النجوم به تجري
فأطنابه للفرقدين حمائل ... وأستاره بالجنح أجنحة النسر
وليل نجم القذف فيه كأنها ... تصول علينا بالمهندة البتر
ركبت به هوج المطايا وخضت في ... بحار المنايا طالباً درة الخدر
فعانقت منها جؤذر القفر آنساً ... وصافحت منها بالخبا دمية القصر
فلما دنا منها الوداع وضمنا ... قميص عناق بزنا ملبس الصدر
بكت فضة من نرجس متناعس ... وأجريت تبرا من شقيق أخي سفر
فأمست عيون البدر في شفق الدجى ... تسيل وعين الشمس بالأنجم الزهر
وبتنا وزند الليث مني مطوق ... لها ويمين الظبي قد وشحت خصري
فكادت لما بي أن تذيب سوارها ... ضلوعي وإن كانت حشاي منة الصخر
وكاد فريد العقد منها لما بها ... يذوب فيجري كالدموع ولا يدري
سقى الله أكناف العقيق بوارقاً ... تقطع زنج الليل في قضب التبر
ولازال محمر الشقائق موقداً ... بها الياقوت في قضب الشذر
حمى تتحامى الأسد آرام سربه ... وتصرعهم من عينه أعين العفر
تحوط الظبا أقماره في أهلة ... وتحمى شموس البيض في أنجم السمر
ألا حبذا عصر مضى وليالينا ... عرائس انس يبتسمن عن البشر
وأيامنا غر كأن حجولها ... أيادي عل في رقاب بني الدهر
أياد عن التشبيه جلت وإنما ... عبثن بقلب ساحرات رقى السحر
بواد يزان المجد منها بأنجم ... هواد لمن يسري إلى مشرق اليسر
مواض لمران المعالي أسنة ... وقضب بها العافون تسطو على الفقر
نبتن بكفيه نبات بنانه ... فدلت قطوف الجود في ثمر الشكر
هو العدد الفرد الذي يجمع الثنى ... وتسطر عنه قسمة الجبر
صنائعه عقد على عاتق العلى ... ومعروفه تاج على هامة الفخر
ربيع إذا مازرته زرت روضة ... يفتح فيها نثره حدق الزهر
نهيم به عشقاً لخلق كأنه ... يهب علينا في نسيم الهوى العذري
أيا واردي لج البحار اكتفوا به ... فسبعتها في أنمله العشر
إذا يده البيضاء أخرجها الندى ... فيا ويل أم البيض والورق الصفر
وهي طويلة احببت الاقتصار منها على هذا القدر وقال أيضاً يمدحه:
أما ومواضي مقلتيها الفواصل ... لتشبيبها بالبدر تحصيل حاصل
وياقوت فيها إن جوهر جسمها ... لكالماء إلا انه غير سائل
وورد محياها النضير لقدها ... هو الرمح إلا انه غير ذابل
من العين إلا انها في كنانها ... تظللها أسد الثرى بالمناضل
كعاب تمد الحتف في أي ناظر ... من الغنج إذ تدنو بمقلة خاذل
ذكاة حمتها الشهب وهي أسنة ... وقامت لديها نيران المشاعل
تظن رغاء الرعد زفرة مدنف ... فترشقه حراسها بالمعابل
وتحرس عن مر النسيم توهماً ... بأن الصبا تهدي إليها رسائلي
بروحي منها حاجباً غنج قوسه ... تسلمه من طرفها أي نابل
وقضبان بلور بدت في خواتم ... وأعمدة من فضة في خلاخل
وزندين لو لم يمسكا في دمالج ... لسالا من الأكمام سيل الجداول
فما اختال ظبي قبلها في مدارع ... ولا مال غصن يانع في غلائل
أحن لمرأى خدها وهو مصرعي ... وأعشق منها الطرف والطرف قاتلي
فوا عجباً أشقى بها وهي جنتي ... ولم أقتنصها والظبا من حبائل
وليل غرابي الخضاب كفرعها ... طويل كحظي لونه غير ناصر
كأن الدياجي منه سود عوابس ... وأنجمه بيض الحساني الثواكل
قضى فجره نحباً فأحيته فكرتي ... وقدح الحصى باليعملات الزوامل
وبت وصحبي كالقسي من السرى ... نجافي الكرى ميل الطلا بالكواهل
стр. 160
فظلنا نساقي في زجاجات ذكرها ... حميا هواها في ندي الرواحل
فمن مدنف صاح بنا مثل شارب ... ومن معشر منا له زي زاهيل
فلولا هواها ما صبوت إلى الصبا ... ولا رحمت دمعي دعاة المنازل
ولا اقتنصت أخت الغزال جوارحي ... ولا هيجت ورق الحمام بلابل
ولولا رقى السحر المبين بلفظها ... لما التذ سمعي في أحاديث بابل
أيلحقني في حبها نقص سلوة ... إذا فارقتني نسبتس للفضاء
ولا صافح الخطي مني يد الندى ... ولا عانقت جيد المعالي حمائلي
ولا نصب البيض الجوازم رتبتي ... ولا رفعتها همتي للعوامل
وإني لظمآن إلى عذب منهل ... حمت شهده نحل الرماح النواهل
بحيث تحوط الأسد مرقد باغم ... وتوقظ طرف الموت دعوة صاهل
وما مورد عذب إذا لم أرى الظبا ... تشوب نضاراً في لجين المناهل
سقى الله قوماً خيموا أيمن الحمى ... وحيا بشرق الغضا كل وابل
ولله أيام السرور وحبذا ... مواسم لذات الليالي الأوائل
أما آن أن تدنو الديار وينجلي ... ظلام التنائي في صباح التواصل
فحتام تستجدي النوى يمّ مقلتي ... فيرفدها در الدموع الهوامل
أكانت جفوني كلما اعترض النوى ... بنان علي والنوى كف سائل
جواد إذا ضن الغمام على الورى ... توالت يداه بالغيوث الهوامل
شريف محل التاج في حلي فضله ... تزان صدور المكرمات العواطل
له راحة لو ترضع المزن درها ... همت باللآلي معصرات الحوامل
أحاطت بأوساط الدهور ووشحت ... حظوظ الورى منها خطوط الأنامل
تلذذه بالبأس والعفو والتقى ... وبذل العطايا لا بطيب المآكل
يهز أفعوان الرمح في كف ضيغم ... ويمسك نهر السيف في بحر نائل
يقلب فيه الدهر أجفان حائر ... ويرنو إليه الغيث في طرف آمل
همام يصيد الأسد ثعلب رمحه ... إذا الربد رفت في بزاة الجحافل
فما سار شيء من عداه بأرضه ... سوى ما سرى من لحمها في الحواصل
لطاعته قامت على ساقها الوغى ... ونكسى ذلاً رأسه كل باسل
وشدت على الأوساط من حزم القنا ... لديه زنانير الكعوب العوامل
وليس اضطراب الرمح خلقاً وإنما ... رمتها دواعي ذعره بالأفاكل
يرى زورة العافي ألذ من الصبا ... وأحسن من وصل الحبيب المماطل
هو الصقع اللسن الذي لبيانه ... بنظم القوافي معجزات الفواصل
وموضع علم الفضل والعلم الذي ... عليه وجوباً صح حمل الفواضل
يعدي فعال المكرمات بنفسها ... إلى آمليه لا بجر الوسائل
مضى فعله المشتق من مصدر العلى ... فصح له منه اشتقاق اسم فاعل
تكاد القنا قسراً بغير تثقف ... يقوّم منها عدا له كل مائل
وإن تنحني حني الأساور قضبه ... لما أثقلتها من ذحول القبائل
فلا تطلبوا يا حاسديه اغتياله ... فتخطفكم غول الخطوب الغوائل
ولا تنزلوا أرضاً بها حل شخصه ... فتنزل فيكم صاعقات النوازل
تولى بلاد الحوز فليخل بالها ... وتفرغ من بعد الهموم الشواغل
لقد قر طور المجد فيها مكانه ... وقد كان دكاً قبله بالمنازل
وفك عن الملك الوثاق فأصبحت ... شياطينه من قهره في سلاسل
وزال ظلام البغي عن نير الهدى ... وحكم سيف الحق في كل باطل
فحسبك يا بكر العلى مفخراً فقد ... تزوجت منه بالكريم الحلاحل
فيا ابن حسام المجد والعامل الذي ... به انصرفت قسراً جميع القبائل
لقد فقت آباء الكرام بوالدٍ ... به ختمت غر الكرام الأفاضل
محل سماك الفضل مركز شمسه ... مقر دراري غامضات المسائل
صفوح صدوق حاكم متشرع ... عفيف شريف ماله من مماثل
ففيه حكيم عالم متكلم ... ينص على أحكامه بالدلائل
مناقب فخر حزتها منه ياابنه ... وحسبك فخراً ما به من شمائل
فلازلت قطباً ثابتاً في العلى ولا ... برحت هلالاً كاملاً غير آفل
وقال يمدحه ويستأذنه للحج الشريف ويهنئه بعيد الفطر
تلوح وتستدعي الفراش وتبسم ... فيفتر ثغر الصبح والليل مظلم
стр. 161
وتبدي ثناياها لنا كنز جوهر ... فترصدها في فرعها وهو أرقم
وتغضي فيمشي السحر في غمد فتنةٍ ... وترنو فيضحي مصلتاً وهو مخذم
وتسعى فتخشى الطعن من عطف قدها ... ورب قوام وهو رمح مقوم
أما وحباب وهو ثغر مفلج ... وجامد خمر وهو خد معندم
ومرآة بلورٍ صفت وهي غرة ... وأنبوب درٍ وهو ساقٌ مخدم
لصنوان مسموم السهام ولحظها ... ومبسمها والجوهر الفرد توأم
وقامتها والسمهري وإنها ... لأعدل منه وهو في الفتك أظلم
هي البدر في الإشراقِ لولا حجابها ... وشمس الضحى لولا السجاف المخيم
وبيض الدمى لولا البراقع والحيا ... وظبي الحمى لولا الثوى والتكلم
مهاة لديها السمر في حرم الهوى ... تحل دماء الصيد والبيض تحرم
تحف الظباء العين فبها إذا شدت ... وتزأر أساد الثرى حين تبغم
فكم حولها ليث بحلة أرقم ... يطوف وكم خشف بعينيه ضيغم
تحام حماها واحذر الموت دونها ... فليس الحمى إلا الحمام المرخم
وما الحب إلا أن يكون مزاره ... عزيزاً إليه لا يجوز التوهم
بحيث الدم المحظور فيه محلل على السيف والماء المباح محرم
وإنا لقوم نشا في قلوبنا ... بحب الدمى والمكرمات التسنم
ففي الدر رخص عندنا وهو جوهر ... ويغلو لدينا قيمة وهو مبسم
نفر إذا يرنو غزال مقنع ... ونسطو إذا يبدو هزبر معمم
نضاحك ضوء البرق وهو مهند ... ونبكي نجيعاً وهو ثغره ملثم
ونحذر من نبل الردى وهو أعين ... ونلقاه في لبّاتنا وهو أسهم
ومحجوبة لو ينظر البدر وجهها ... لخر صريعاً وانثنى وهو مغرم
إذا حدثت في بقعة أو تنفست ... ففي بابل أو بسم دارين تيمم
سقى دارها ماء الطلا بارق الظبا ... ففي التراب منها لا يسوغ التيمم
ممنعة لا يمكن الطيف نحوها ... صعوداً ولو أن المجرة سلم
تأتيها والنسر في الأفق واقع ... وبيض حمام الأنجم الزهر حوم
فوافيت منها الشمس في الليل مارد ... ومن دنوها شهب من النبل ترجم
وبتنا كلانا في العفافة والتقى ... أنا يوسف وهي الكريمة مريم
وما أنا ممن يتقي الحتف إن بغى ... مراماً ولا يثنيه في الحب لوم
وركب تعاطوا في الدجى دلج السرى ... يميلون من سكر الكرى لم يهوموا
سهام على مثل القسي ارتمت بهم ... يؤمنون نجداً والهوى حيث يمموا
تراءى لهم قلبي إماماً فغرهم ... وأوهمهم نار الغضى فتوهموا
أروح ولي روح إلى أرض رامة ... وآرامها شوقاً تحن وترزم
وقلب إلى نحو الحجاز وأهله ... يغور به الود الصحيح ويتهم
إذا مر ذكر الحيف لو لم يكن به ... ولاء عليٍ كاد بالنار يضرم
جواد هوى المعروف قبل فطامه ... ومال إلى حب العلى قبل يُفطم
همام إذا قامت وغى فهو ساقها ... وإن شمرت عن زندها فهو معصم
فتى حبه للمجد أفقده الغنى ... كما فقد السلوان صب متيم
يلذٌّ دعاء السائلين بسمعه ... كما لذَّ في السمع الطروب الترنم
كسى العرض من حسن الثنا خير حلة ... لها الفخر يُسدى والمكارم تلحم
له الطعنات النجل تبكي كأنها ... عيون رأت يوم النوى فهي تسجم
فواعجباً يجري حياً وهو شعلةٌ ... ويضرم ناراً في الوغى وهو خضرم
يوصل بفجر كاذب وهو صارم ... ويسطو بنجم ثاقب وهو لهندم
دنانيره صفر الوجوه لعلمها ... بأن النوى في شملهن محكم
إذا زارها العافون يوماً تشتت ... كأدمع صبٍ قد دعتهنَّ أرسم
فلو جالس الأقمار من حوله دجىً ... دروا أنه المولى وإن كان منهم
ولو أنفقتها في الهبات يمينه ... لقل لديها بدرها وهو درهم
ولو كلفت أهل الهوى درع أمنه ... لردت سهام الأعين النجل عنهم
حطمن عواليه قنا كل فتنةٍ ... فكدن لقامات الدمى البيض تحطم
وردت سيوف الجور وهي كليلة ... فأوشكن حتى أنصل الغنج تكهم
له بيت مجد شامخ في صعيده ... تعفر آناف الملوك وترغم
تطنبه سمش الضحى في حبالها ... وتمسكه أيدي السماك وتدعم
стр. 162
يود حصاه الدهر لو أنه غدا ... على جيده عقد يناط وينظم
وحسب الدجى فخراً بحصباءِ أرضه ... لو انتثرت من فوقه وهي أنجم
تقبلها الأفواه حتى كأنها ... ثغور الغواني فهي تهوى وتلثم
نجيب نمته الغر من آل حيدرٍ ... ملوك على كل الملوك تقدموا
جنان نعيم غير أن سيوفهم ... لتعذيب أرواح الطغاة جهنم
مزانون في حلي العلى منذ خلقِهم ... تمائمهم بالمكرمات تختم
مصاليت يوم الكر من شئت منهم ... يصد به الجيش اللهام ويهزم
مضوا فأتى من بعدهم فأعادوهم ... إلى أن رأى كل الورى أنه هم
تحدر في الأصلاب حتى أتت به ... فكان هو السر الخفي المكتم
أبوه ذُكاء أعقب خير أنجم ... ولكنه نجم هو البدر فيهم
كريم لديه زدت قدراً ورفعةً ... وتكرمةً والحر للحر يكرم
فلي كل حين منه لطف مجدد ... ولي كل يوم من أياديه أنعم
أمولاي يا مولاي دعوة مخلص ... حليف ولاً في هر ليس يحجم
لقد أوجبت نعماك حجاً وعمرةً ... على ذمتي والحج فرض محتم
فهل تأذنوا أقضي حقوق مناسك ... تشاركني فيها الثواب وتغنم
ليهنك صوم الشهر وفيت أجره ... وبالعفو عقباه لك اللُّه يختم
وعودة عيد قيد تزين جيده ... بطوق هلالٍ نونه ليس تعجم
هلال إذا قابلته زال نقصه ... فيشرق ليلاً وهو بدر متمم
يصوغ لورد الليل مخلب فضة ... ولولاك أمي وهو ظفر مقل
فلا زلت تكو وجهه من سنا العلى ... ولا زال بالإقبال نحوك يقدم
لعينيك يبدو وهو قلب حبية ... ويلقى الأعياد وهو سيف مصمم
وقال يمدحه ويهنئه بعيد الفطر
هذا الحمى فانزل على جرعائه ... واحذر ظبي لفتات عين ظبائه
وانشد به قلباً أضاعته النوى ... من أضلعي فعساه في وعسائه
وسل الأراك الغض عن روح شكت ... حر الجوى فلجت إلى أفيائه
واقصد لبانات اللوى فلعلنا ... نقضي لُبانات الفؤاد التائه
واضمم إليك قدود أغصان النقا ... والثم ثغور الدار من حصائه
واسفح بذاك السفح حول غديره ... دمعاً يعسجدُ ذوب فضة مائه
سقيا له من ملعب بعقولنا ... وقلوبنا لعبت يدا أهوائه
مغني به تهوى القلوب كأنما ... بالطبع يجذبها حصا مغنائه
أرج حكى نفس الحبيب نسيمه ... يذكي الهوى في الصب برد هوائه
نفحاته تبري الضرير كأنما ... ريح القميص تهيب من تلقائه
فلتحذر الجرحى به أن يسلكوا ... يوماُ فيشتاقوا ثرى أَرجائه
عهدي به ونجوم أطراف القنا ... والبيض مشرفة على أحيائه
والأسد تزأر في سروج جياده ... والعين تبغم في حجال نسائه
والطيف يطرقه فيعثر بالردى ... تحت الدجى فيقصد عن إسرائه
والظل تقصره الصبا وتمده ... والطير يعرب فيه لحن غنائه
لازال يسقي الغيث غر معاشر ... تسقي صوارمهم ثرى بطحائه
لا تنكرن يا قلب أجرك فيهم ... هم أهل بدر أنت من شهدائه
لولا جمود الدار بين شفاههم ... ما ذاب في طرفي عقيق بكائه
لله نفسُ أسٍ يصعدها الأسى ... ويردها في العين كف عزائه
حبست بمقلته فلا من عينهِ ... تجر ولم ترجع إلى أحشائه
من لي بخشف كناسِ خدرٍ دونه ... ما يحجم الضرغام دون لقائه
أحوى هوى ألِفَ الجآذر في الفلا ... والشيء منجذب إلى نظرائه
حسن إذا في ظلمة الليل انجلى ... تعشو الفراش إلى ضياءِ بهائه
يلقى شعاع الخد منه على الدجى ... شفقا يعصفر طيلسان سمائه
فالبرق منه يلوح تحت لثامه ... والغصن منه يميل تحت ردائه
لاغرو أن زار الهلال محله ... فشقيقه الأسنى برحب فنائه
أو نحوه نسرُ النجوم هوى فلا ... عجباً فبيضته بخدر خبائه
أنياب ليث الغاب من حجابه ... ولواحظ الحرباء من رقبائه
كم قد خلوت به وصدق عفافنا ... يجلو دجى الفحشاء فجر ضيائه
مالي وما للدهر ليس ذنوبه ... تفنى ولا عتبى على أبنائه
يجني على فضلي الجميم بفضله ... وكذا الجهول العلمُ من أعدائه
стр. 163
فكأنما هو طالبي بقصاص ما ... صنعته آبائي إلى أرزائه
شيم الزمان الغدر وهو أبو الورى ... فمتى الوفاءُ يرام من أبنائه
لحقوه في كل الصفات لأنه ... ظرفوا به والماء لون إنائه
فعلام قلبي اليوم يجزعه النوى ... ولقد عهدت الصبر من حلفائه
وإلام ندب للديار كأنه ... فرض على أخاف فوت أدائه
يا حبذا عيش على السفح انقضى ... والدهر يلحظنا بعين وفائه
والشمل منتظم كم انتظم العلا ... بندى علي ٍأو عقود ثنائه
وليالياً بيضاً كأن وجوهها ... من فوقه مسحت أكف عطائه
بحر إذا ما مد َّفابن سحابنا ... يدري بأن أباه لج سخائه
فطن تكاد العمي تبصر في الدجى ... لو أنها اكتحلت بنور ذكائه
ملك يعوذ الدين فيه من العدى ... فيصون بيضته جناح لوائه
إلى أن قال:
إن كنت تجهل بالسؤال صفاته ... فعليك نحن نقص من أنبائه
العدل والرأي المسدد والتقى ... والبأس والمعروف من قرنائه
فهو ابن من ساد الأنام بفضله ... خلف الكرام الغر من آبائه
صلى ووالده المجلي قبلهُ ... فأًَََتى المدى فخراً على أكفائه
سيان في الشرف الرفيع فنفسه ... من نفسه وعلاه من عليائه
من آل حيدرة الألى ورثوا العلى ... من هاشم والضرب في هيجائه
آل الرسول ورهطه أسباطه ... أرحامه الأدنون أهل عبائه
نسب إذا ما خط خلت مداده ... ماء الحياة يفيض في ظلمائه
نسب يضوع إذا فضضت ختامه ... فيعطر الأكوان نشر كبائه
أين الكرام الطالبون لحاقه ... منه وأين ثناء من نعمائه
يا أيها المولى الذي بيمينه ... في المال قد فتكت ظبي آلائه
سمعاً فديتك من حليف مودة ... مدحاً يلوح عليه صدق ولائه
مدحاً تميل له الطباع كأنني ... أتلو عليه السحر في إنشائه
بصفاتك اللاتي بهن مزجته ... فعبقن كالأفواه في صهبائه
فاستجله نظماً كأن عروضه ... زهر الربى ورويه كروائه
واسرر خلال العيد منك بنظرة ... تكفيه نقص التم من لألائه
فجبينك الميمون يمنحه السنا ... وعلاك يرفعه لأوج سنائه
طلب الكمال وليس أول طالب ... وأتى إلى جدواك باستجدائه
فاظهر له حتى يراك فإنه ... صب كساه الشوق ثوب خفائه
وليهنك الصوم المبارك ... والله يختمه بحسن جزائه
وقال يمدحه ويهنئه بعيد الفطر أيضاً:
لله قوم بأكناف الحمى نزلوا ... هم الأحبة إن صدوا وإن وصلوا
ودرّ درهم من جيرة معهم ... لم يبرح القلب إن ساروا وإن نزلوا
جعلتهم لي ولاة وارتضيت بما ... يقضون في الحب إن جاروا وإن عدلوا
هم همُ سادتي رقوا قسوا وعطفوا ... جفوا وفوا أخلفوني أنجزوا مطلوا
ودوا قلوا هجروا زاروا صفوا كدروا ... قد حسن الحب عندي كل ما فعلوا
رعيا لماضي زمان فزتُ فيه بهم ... وحبذا بالحمى أيامنا الأُول
عصر كأن الليالي فيه بيض دمى ... لعس الشفاه وأَوقات اللقا قبل
إذا الرواة رووا عنه لنا خبراً ... كأنهم نقلونا بالذي نقلوا
كم في القباب لديهم من محجبة ... بالحسن والعز منها يضرب المثل
بكرهي الشمس في إشراق بهجتها ... لو لم يجن سناها فرعها الجثل
ودمية القصر لولا سمط منطقها ... وظبية القفر لولا الحلي والعطل
سيان بيض ثناياها إذا ضحكت ... ومبسم البرق لولا النظم والرتل
يبدو الصباح فيستحي إذا سفرت ... عن المحيا فيعلو وجهها الخجل
تختال في السعي سكرى وهي صاحية ... فينقضي الصبر عنها وهي تنتقل
تغري القلوب بلحظيها ومقلتها ... لوا النعاس لقلنا جفنها خلل
أفديهم من سراة في جواشنهم ... وفي البراقع منهم تلتظي شعل
فرسان طعن وضرب غير أنهم ... أمضى سلاحهم القامات والمقل
شوس على الشوس بالبيض الرقاق سطوا ... وبالجفون على أهل الهوى حملوا
في غمد كل هزبر من ضراغمهم ... وعين كل مهاة كامن أجل
لم ادر من قبل ألقى سود أعينهم ... إن المنية من أسمائها الكحل
стр. 164
كلا ولا خلت لولا حلي خردهم ... أن الدنانير مما يثمر الأسل
بالبيض قد كللوا أقمارهم وعلى ... شموسهم بالدياجي تضرب الكلل
صباحهم من وجوه البيض منفلق ... وليلهم من قرون العين منسدل
صانوا من الدرما حازت مباسمهم ... وما حووا منه في راحاتهم بذلوا
سود الذوائب والأحداق تحسبهم ... تعمموا بسواد الليل واكتحلوا
يروق في أسدهم نظم القريض وفي ... غزلانهم يحسن التشبيب والغزل
تمسي القلوب ضيوفاً في منازلهم ... ولا لهن سوى نيرانهم نزل
هم الأكارم إلا أنهم عرب ... عند الكرائم منهم يحسن البخل
أما ولدن تثنت في مناطقهم ... تحت الحديد وقضيب فوقها حلل
وبيض حبات در بعضها لفظوا ... وبعضهن لأعناق الدمى جعلوا
لولا عيون وقامات بنا فتكت ... لم نخش من وقع ما سلوا وما اعتقلو
لا أطلع الله فجراُ في مفارقهم ... ولا انجلى ليلها عنهم ولا أفلوا
ولا صحت من سلاف الدل أعينهم ... ولا سرى في سواها منهم الكسل
لولا هواهم لما أبلى الضنى جسدي ... ولا شجتني رسوم الدار والطلل
ولا تفرق قلبي في الرسوم كم ... تفرقت من علي في الورى خول
الموسوي الذي مشكاة نسبته ... أرحام بشهاب الطور تتصل
كريم نفس تزان المكرمات به ... ومنه تنشأ بالدنيا وتنتقل
طود لو أن سر نديباً تبدله ... لساكني الحوز بالراهون ما قبلوا
ولو إلى رجله يهوي الهلال دجى ... لم ترضه أنه من نعلها بدل
قرن يميل إلى نحو الظبى شغفاً ... كأنهن لديه أعين نجل
يغشى العدى مثل ماضيه وعامله ... يهتز بشراً ويثني عطفه الجذل
في طرف هندية من ضربه رمد ... وفي عواليه من جرح الكلى ثمل
له سيوف إذا ما النصر أضحكها ... تبكي الرقاب وتنعي نفسها القلل
جراحها وعيون الصب واحدة ... لا تلك ترقي ولا هاتيك تندمل
بيض الجوانب كالأنهار من لبن ... تظنها بالوفا يجري بها العسل
حليف بئس إذا اشتدت حميته ... لولا ندى راحتيه كاد يشتعل
يغزو العدو على بعد فيدركه ... كالنجم يسري إليه والدجى جمل
يكاد كل مكان حل ساحته ... يقفوه شرقاً إليه حين يرتحل
تلقى مواقد نور في مواطئه ... كأنه بأديم الشمس منتعل
لا يطمع الخصم فيه لين جانبه ... فقد تلين الأفاعي والقنا الذبل
ولا يغر العدى ما فيه مكن كرم ... فمحدث الصاعقات العارض الهطل
يمد نحو العلى والمكرمات يداً ... خطوطها للمنايا والمنى سبل
يد إلى مصر كل من أناملها ... تسري الأيادي وفيها ينزل الأمل
كأن خاتمه يوم النوال بها ... قوس السحاب الغوادي حين ينهمل
حاز الكمال صبياً منذ مولده ... وقال بالفصل طفلاٌ قبل ينفصل
نفس من القدس في ذات مجردة ... بالعرف جاز عليها يصدق الرجل
ما لاح فوق سرير مذله قمر ... ولا تمطى جواداً قبله جبل
ولا تنسك زاهداً غيره أسد ... ولا تدين في دين الظبا بطل
هل عانق الشمس إلا سيفه فلق ... واستغرق البحر إلا درعه وشل
باهت مناقبه الدنيا به فعلا ... قدراً على سائر الأملاك واستفلوا
حكوه خلقاً وما حازوا خلائقه ... والناس كالوحش منها الليث والوعل
أنى يحاول فيه مدع صفة ... وهل يحصل طيب النرجس البصل
ما كل ذي كرم تحوى مكرمه ... والدر في كل بحر ليس يحتمل
لديه أغلى لباس المرء أخشنه ... وأحسن الخز والديباج مبتذل
لو باللباس بدون البأس مفتخر ... فاق البزاة بحسن الملبس الحجل
يا ابن الأسود الألي يوماً إذا حملت ... بالأفق يشفق منها الثور والحمل
زانت بأبنائك الدنيا وفيك ولو ... لم يولدوا لم تجد كفواً لها الدول
أنتم شموس ضحاها بل وأنجمها ... ليلاً وأوقاتها الأسحار والأصل
عنكم ومنكم رواة المجد قد أخذوا ... علم المعالي ولولا كم به جهلوا
يدرون أنكم حقاً أئمتهم ... ويعملون يقيناً أنكم قبل
إذا العباء كساكم فضل ملبسه ... فأي فخر عليكم ليس يشتمل
стр. 165
آراؤكم لسقيم المجد عافية ... لكنهن لإيجاد الثنى علل
كأنما خلطت بالطيب طينتكم ... فنبتها ليس إلا الورد والنفل
مولاي ذا الصوم أبقى أجره ومضى ... لديك والفطر والإقبال مقتبل
واسعد بعودة عيد عاد فيه لنا ... منك السرور وزال الهم والوجل
عيد تشرف يا ابن الطاهرين بكم ... لذا به ملة الإسلام تحتفل
فاق الزمان كما فقت الملوك كما ... كلاكما سيد في قومه جلل
واستجل طلعة فطر فوق غرته ... هلال سعد سناه منك منتحل
شيخاً تأتاك كالعرجون منحنياً ... وأنت كاالرمح رطب العود معتدل
رآك بعد النوى ليلاً فعاد له ... عمر الشبيبة غضاً وهو مكتهل
لازلت بدر سعود لا أفول له ... يبدو له نهاراً وليلاً وهو مكتمل
ولا برحت مطاع الأمر مقتدراً ... يجري الزمان بما تقضي ويمتثل
تم الاختيار من شعر أبن معتوق وأخباره، ويليه الاختيار من شعر ابن الرومي
شعر
ابن الرومي ليس هذا موضع الاختيار من شعره وينبغي أن يكون من أهل زمانه كأبي تمام والبحتري ولكن لم أظفر بديوانه حينئذِ فأحببت ذكره هنا لئلا يخلو المجموع من شعري لأنه في غاية الجودة والله الموفق للصواب لا إله غيره ولا رب سواه هو علي ابن عباس ابن جريج أو جورجيس مولى عبد الله بن عيسى بن جعفر وكنيته أبو الحسن ويعرف بابن الرومي نسبةً إلى أصله وكانت ولادته في بغداد سنة ٢٢١ ومات بها سنة ٢٣٨ قال ناقل ترجمته: وقد أظلته ثمان خلافات وهي خلافة المعتصم والواثق والمتوكل والمستعين والمعتز والمهتدي والمعتمد والمعتضد وكان شعره غير مرتب رواه المتنبي عنه ثم جمعه أبو بكر الصولي ورتبه على الحروف وله في شعره دقة واسترسال يغوص على المعاني النادرة فيستخرجها من مكانها ويبرزها في أحسن صورة ولا يترك المعنى حتى يستوفيه إلى آخره ولا يبقي فيه بقية وكان شبيهاً بقول الشاعر:
وفضلني في القول والشعر أنني ... أقول على علم وأعلم ما أعني
ونثره يشبه شعره في المعاني والجودة فمن ذلك قولهيتنصل إلى بعض من يعز إليه وترفع عن ظلمي إن كنت بريئاً وتفضل بالعفو إن كنت مسيئاً والله إني لأطلب العفو من ذنبِ لم أُجنه وألتمس الإقالة مما لا أعرفه لتزداد تطولاً وأزداد تذللاً وأنا أعيذ حالي عندك بكرمك من واشِ يكيده وأحرسها بوفائك من باغِ يحاول إفسادها وأسأل الله تعالى أن يجعل حظي منك بقدر ودي لك ومحلي من رجائك بحيث أستحق والسلام
ومن قوله في العفو. كتبها إلى بعض من يعز عليه وقد بلغه أنه نال من عرضه ثم أنه ندم وكتب إليه يعتذر من ذلك فأجابه بقوله:
أتاني مقال من أخٍ فاغتفرته ... وإن كان فيما دونه وجه معتب
وذكرت نفسي منه عند امتعاضها ... محاسن تعفو الذنب عن كل مذنب
ومثلي رأى الحسنى بعين جليةِ ... وأغضى عن العوراءِ غير مؤنب
فيا هارب من سخطنا متنصلاً ... هربت إلى أنجى مفر ومهرب
فعذرك مبسوط لدنيا مقدمِ ... وودك مقبولُ بأهل ومرحب
ولو بلغتني عنك أذني أمتها ... لدي مقام الكاشح المتكذب
ولست بتقليب اللسان مصارماً ... خليلي إذا ما القلب لم يتقلب
ومن قوله وهي من غرر قصائده
أجنت لك الوجد أغصانُ وكثبان ... فيهن نوعان تفاح ورمان
وفوق ذينك أعناب مهدلة ... سود لهن من الظلماء ألوان
وتحت هاتيك عناب تلوح به ... أطرافهن قلوب القوم قنوان
غصون بان عميها الدهر فاكهة ... وما الفواكه مما يحمل البان
ونرجس بات ساري الطل يضربه ... وأقحوان منير نور ريان
ألفن من كل شيء طيب الحسن ... فهن فاكهةُ شتى وريحان
ثمار صدق إذا عاينت ظاهرها ... لكنها حين تبلو الطعم خطبان
بل مرة حلوة طوراًً يقال لها ... شهد وطوراً يقول الناس ذيفان
يا ليت شعري وليت غير مجديةِ ... إلا استراحة قلب وهو أسوان
لأي أمر مراد بالفتى جمعت ... تلك الفنون فضمتهن أفنان
تجاورت في غصون لسن شجرِ ... لكن غصون لها وصل وهجران
تلك الغصون اللواتي في أكمتها ... نعمى وبؤسى وأفراح وأحزان
стр. 166
يبلو بها الله قوماً كي يبين له ... ذو الطاعة البر ممن فيه عصيان
وما ابتلاهم لأعنات ولا عبث ... ولا لجهل بما يطويه إبطان
لكن ليثبت في الأعناق حجته ... ويحسن العفو والرحمن رحمان
ومن عجائب ما يمنى الرجال به ... مستضعفات له منهن أقران
مناضلات بنبلٍ لأقوام له ... كتائب الترك يزجيهن خاقان
مستظهرات برأي لا يقوم له ... قصير عمرو ولا عمرو ووردان
من كل قاتلة قتلى وآسرة ... أسرة وليس لها في الأرض إثخان
يولين ما فيه إغرام وآونةً ... يولين ما فيه للمشغوف سلوان
ولا يد من على عهد لمعتقد ... أنى وهن كما شبهن بستان
يميل طوراً بحمل ثم يعدمه ... ويكتسي ثم يلفي وهو عريان
حالاً فحالاً كذا النسوان قاطبةً ... نواكث دينهنّ الدهر أديان
يغدرن والغدر مقبوح يزينه ... للغاويات والغاوين شيطان
تغدو الفتاة لها وإن غدرت ... راحت ينافس فيها الخل خلان
ما للحسان مسيئات بنا ولنا ... إلى المسيآت طول الدهر تحتان
يصبحن والغدر بالخلصان في قرن ... حتى كأن ليس غير الغدر خلصان
فإن تبعن بعهد قلن معذرة ... إنا نسينا وفي النسوان نسيان
يكفي مطالبنا بالذكر ناهية ... أن اسمنا الغالب المشهور نسوان
لا نلزم الذكر إنا لم نسم به ... ولا منحناه بل للذكر ذكران
فضل الرجال علينا أن شيمتهم ... جود وبأس وأحلام وأذهان
وإن فيهم وفاءً لا نقوم به ... ولن يكون مع النقصان رجحان
صدقن ما شئن لكنا تقنصنا ... منهن عين تلاقينا وادمان
أنكى وأزكى حريقاً في جوانحنا ... خلق من الماء والألوان نيران
إذا ترقرقن والإشراق مضطرم ... فيهنّ لم يملك الإسرار كتمان
ماء ونار فقد غادرنا كل فتى ... لابس وهو غزير الدمع حرّان
تخضل منهنّ عين فهي باكية ... ويستحرّ فؤاد وهو هيمان
يا ربُ حسانة منهن قد فعلت ... سوءً وقد تفعل الأسواء حسّان
تصمي المحب وتلفي الدهر شاكية ... كالقوس تصمي الرمايا وهي مرنان
واصلت منها فتاة في خلائقها ... غدر وفي خلقها روض وغدران
هيفاء تكسي فتبدو وهي مرهفة ... خود تعرى فتبدو وهي ميدان؟
ترتج أردافها والمتن مندمج ... والكشح مضطمر والبطن طيان
ألوف عطر تذكي وهي ذاكية ... إذا أساءت جوار العطر أبدان
نمامة المسك تلقى وهي نائية ... فنأيها بنميم المسك لقيان
يغيم كل نهار من مجامرها ... ويشمس الليل منها فهو ضحيان
كأنها وعثان الند يشملها ... شمس عليها ضبابات وأدجان
شمس أظلت بليل لا نجوم به ... إلا نجوم لها في البحر أثمان
وتلبس الحلي مجعولاً لها عُوداً ... لا زينة بل بها عن ذاك غُنيان
لله يوم أرانيها وقد لبست ... فيها شباباً عليها منه ريعان
وقد تردت على سربال بهجتها ... فرعاً غزته الغوادي فهو فينان
جاءت تثنى وقد راح المراح بها ... سكرى تغنى لها حسن وإحسان
كأنها غصنٌ لدن بمروحة ... فيه حمائم هاجتهن أشجان
إذا تمايل في ريح تلاعبه ... ظلت طراباً لها سجع وإرنان
يا عاذليَّ أفيقا إنها أبداً ... عندي جديد وإن الخلق خلقان
لا تلحياني وإياها على ضرعي ... وزهوها فكلا الأمرين ديدان
إني ملكت فلي بالرق مسكنة ... ومُلكت فلها بالملك طغيان
ما كان أصفى نعيم العيش إذ غنيت ... نعمٌ تجاورنا والدار نعمان
إذ لا المنازل أطلال نسائلها ... ولا القواطن آجال وصيران
ظلنا نقول وأشباه الحسان بها ... سقياً لعهدك والأشباه أعيان
بانوا فبان جميل الصبر بعدهمُ ... فللدموع من العينين غنيان
لهم على العيش إمعان يشط بهم ... وللدموع على خديَّ إمعان
لي مذ نأوا وجنة ريا بمشربها ... من عبرتي وفمٌ ما عشت ظمآن
كأنما كل شيء بعد ظعنهم ... فيا يرى قلبي المتبول أظعان
أصبحت مالك من أوطانه ملل ... وخانك الود من مغناه ودان
стр. 167
فاجمع همومك في هم تؤيده ... بالعزم إن هموم الغل شذان
واقصد بودك خلاً ليس من ضلع ... عوجاء فيها بوشك الزيغ إيذان
ومن قوله:
لا تكثرنَّ ملامة العشاق ... فكفاهم بالوجد والأشواق
إن البلاء يطاق غير مضاعف ... فإذا تضاعف كان غير مطاق
أتلومهم للنفع أم لتزيدهم ... باللوم إقلاقا على إقلاق
ما للذي أضحى يلوم أخا هوى ... أمسى صريع مواقع الأحداق
أنىَّ يعنف كل معنوف به ... يثني يديه على حشا خفاق
تهدي الحمامة والغراب لقلبه ... شجواً بساق تارة وبغاق
ويشوقه برق السحاب وإنما ... يعني ببرق المبسم البراق
متصعداً زفراته متحدراً ... عبراته أبداً قريح مآقي
لم يسق فوهُ من الثغور شفاءهُ ... فلوجنتيه من المدامع ساق
يبكي الشجيّ بدمعة مهراقة ... بل بالدماء على دم مهراق
تضحي أحبته تولى سفحه ... عند الفراق وعند كل تلاق
يجزونه طول الجفاء بأنه ... لم يخلُ من شغف مُدِرُّ فراق
شهد الوفاء وكل شيء صادق ... إن الجزاء هناك غير وفاق
أصغت إلى العشاق أذني مرة ... ومن الجميل تعاطف العشاق
فشكى الشجي من الخلي ملامة ... وشكى الوفي تلون الذواق
فدع المحب من الملامة إنها ... بئس الدواء لموجع مقلاق
لا تطفئنَّ جوى بلوم إنهُ ... كالريح تغري النار بالإحراق
وأرى رقى العذال غير نوافع ... لا سيما لمتيم مشتاق
ما للمحب إذا تفاقم داؤهُ ... غير الحبيب يزوره من راق
أخذ الإله لنا بثأر قلوبنا ... من مفعمات للبريز رشاق
رقت مياه وجوههنَّ لناظر ... وقلوبهنَّ عليه غير رقاق
يهززن أغصان تباعد بالجنى ... وتروق بالأثمارِ والإيراق
ومن البلية منظر ذو فتنةٍ ... نائي المنافع شاغف الأَنياق
ومن العجائب إن سمحنا للهوى ... بدمائنا وبخلنا بالأرياق
مزن يمطن الري عن أفواهنا ... ويجدن للأبصار بالإبراق
صيد حرمناه على إغراقنا ... في النزع والحرمان في الإغراق
ومن قوله في شكوى الحال والزمان، واستعطاف بعض الإخوان:
دع اللوم إن اللوم عون النوائب ... ولا تتجاوز فيه حد المتاعب
فما كلُّ من حط الرحال بمخفق ... ولا كل ُّمن شدَّ الرحال بكاسب
وفي الشعر كيسٌ والنفوس نفائس ... وليس بكيس بيعها بالرغائب
وما زال مأمول البقاء مفضلاً ... على الملك والأراح دون الحرائب
حضضت على حطبي لناري فلا تدع ... لك الخير تحذيري شرور المحاطب
وأنكرت إشفاقي وليس بمانعي ... ظلابي أن أبقى طلاب المكاسب
ومن يلق ما لاقيت في كل مجتنى ... من الشوك يزهد في الثمار الأطايب
أذاقتني الأسفار ما كرَّ الغنى ... إليَّ وأغراني برفض المطالب
فأصبحت في أزهد زاهد ... وإن كنت في الإثراء أرغب راغب
حريصاً جباناً أشتهي ثم أنتهي ... بلحظي جناب الرزق لحظ المراقب
ومن راح ذا حرص وجبن فإنه ... يرى المدح عاراً قبل بذل المثاوب
تنازعني رغب ورهب كلاهما ... قوي وأعيان اطلاع المغايب
فقدمت رجلاً رغبة في رغيبة ... وأخرت رجلاً رهبة للمعاطب
أخاف على نفسي وأرجو مفازها ... وأستار غيب الله دون العواقب
ألا من يريني غايتي قبل مذهبي ... ومن أين والغايات بعد المذاهب
ومن نكبة لاقيتها بعد نكبة ... رهبت اعتساف الأرض ذات المناكب
وصبري على الإقتار أيسر محملاً ... عليَّ من التغرير بعد التجارب
لقيت من البر التباريح بعدما ... لقيت من الحر بعد التجارب
سُقيت على ري به مطرة ... شغفت لبغضيها بحب المجادب
ولم أسقها بل سقاها لمكيدتي ... تحامق دهر جد بي كالملاعب
إلى الله أشكو سخف دهري فإنه ... يعابثني مذ كنت غير مطايبي
أبى أن يغيث الأرض حتى إذا ارتمت ... برحيلي أتاها بالغيوث السواكب
سقى الأرض من أجلي فأضحت مزلة ... تمايل صاحيها تمايل شارب
لتعويق سيري أو حوض مطيتي ... وإخصاب مزروّ عن المجد ناكب
стр. 168
فملت إلى خان مرث بناؤه ... مميل غريق الثوب لهفان لاغب
فلم ألق فيه مستراحاً لمتعب ... ولا نزلاً إيان ذاك لساغب
فما زلت في خوف وجوع ووحشة ... وفي سهر يستغرق الليل واصب
يؤرقني سقف كأني تحته ... من الوكفِ تحت المدجنات الهواضب
تراه إذا ما الطين أثقل متنه ... تصر نواحيه صرير الجنادب
وكم خانُ سفر خان فانقض فوقهم ... كما انقض صقر الجن فوق الأرانب
ولم أنس ما لاقيت أيام صحوه ... من الصرفيه والثلوج الأشاهب
وما زال ضاحي البر يضرب أهله ... بسوطي عذاب جامد بعد ذائب
فإن فاته قطر وثلج فإنه ... رهين بسلفٍ تارة أو بحاصب
فذك بلاء البرِّ عندي شاتيا ... وكم لي من صيف به ذي مثالب
ألا رب نار بالفضاءِ اصطليتها ... من الضحّ يودي لفحها بالحواجب
إذا ظلت البيداء تطفو أكامها ... وترسب في غمرة من الآل ناضب
فدع عنك ذكر البر إني رأيته ... لمن خاف هول البحر شر المهاوب
كلا نزليه صيفه وشتاؤه ... خلاف لما أهواه غير مصاقب
لهاث مميتٌ تحت بيضاء سُخنه ... وري مفيتٌ تحت أسحم صائب
يجف إذا ما أصبح الريق عاصباً ... ويغدق لي والريق ليس بعاصب
فنبع مني الماء واللوح جاهد ... ويغرقني والري رطب المحالب
وما زال ينبغي الحتوف موارباً ... يحوم على قتلي وغير موارب
فطوراً يغاديني بلص مصلِّت ... وطوراً يمسيني بورد الشوارب
إلى أن وقاني الله محذور شره ... بعزته والله أغلب غالب
فافلت من ذؤبانه وأسوده ... وحرابه إفلات أتوب تائب
وأما بلاء البحر عندي فإنه ... طواني على روع مع الروح واقب
ولو ثاب عقلي لم أدع ذكر بعضه ... ولكنه من هوله غير تائب
ولم لا ولو ألقيت فيه وصخرةً ... لوافيت منه القعر أول راسب
ولم أتعلم قط من ذي سباحة ... سوى الغوص والمضعوف غير مغالب
فأيسر إشفاقي من الماء أنني ... أمر به الكوز مرَّ المجانب
وأخشى الردى منه على كل شارت ... فكيف بأمنيه على كل راكب
أظل إذا هزته ريح ولألأت ... له الشمس أمواجاً طوال الغوارب
كأني أرى فيهن فرسان بُهمةٍ ... يليحون نحوي بالسيوف القواضب
فإن قلت لي قد يُركب اليم طامياً ... ودجلة عند اليم عض المذانب
فلا عذر فيها لامرئ هاب مثلها ... وفي اللجة الخضراء عذر لهائب
فإن احتجاجي عنك ليس بنائم ... وإن بياني ليس عني بعازب
لدجلة خب ليس لليم إنها ... ترائي بحلم تحته جهل واثب
تطامن حتى تطمئن قلوبنا ... وتغضب من مزح الرياح اللواعب
وأجرافها رهن بكل خيانة ... وغدر ففيها كل عيب لعائب
ترانا إذا هاجت بها الريح هيجة ... نزلزل في حوماتها بالقوارب
نوائل من زلزالها نحو خسفها ... فلا خير في أوساطها والجوانب
زلازل موج في غمار زواخر ... وهدات خسف في شطوط خوارب
وليم أعذار بعرض متونه ... وما فيه من آذيه المتراكب
ولست تراه في الرياح مزلزلا ... بما فيه إلا في الشداد الغوالب
وإن خيف موج عيذ منه بساحل ... خلي من الإجراف ذات الكباكب
ويلفظ ما فيه فليس معاجلاً ... غريقاً بغت يزهق النفس كارب
يعلل غرقاه إلى أن يغثهم ... بصنع لطيف منه غير مصاحب
فتلقى الدلافين الكريم طباعها ... هناك رعالا عند نكب النواكب
مراكب للقوم الذين كبابهم ... فهم وسطه غرقى وهم في مراكب
وينقض ألواح السفين فكلها ... منج لدى نوب من الكسر نائب
وما أنا بالراضي عن البحر مركباً ... ولكنني عارضت شغب المشاغب
صدقتك عن نسي وأنت مراغمي ... وموضع سري دون أدنى الأقارب
وجربت حتى ما أرى الدهر مغرباً ... علي بشيء لم يقع في تجاربي
أرى المرء مذ يلقى التراب بوجهه ... إلى أن يواري فيه رهن النوائب
ولو لم يصب إلا بشرخ شبابه ... لكان قد استوفى جميع المصائب
ومن صدق الأخبار داووا سقامه ... بصحة آراء ويمن نقائب
стр. 169
وما زال صدق المستشير معوناً ... على الرأي لب المستشار المحازب
وأبعد أدواء الرجال ذوي الضنى ... من البرء المستطب المكاذب
فلا تنصبن الحرب لي بملامة ... وأنت سلاحي في حروب النوائب
وأجدى من التعنيف حسن معونة ... برأي ولين من خطاب المخاطب
وفي النصح خير من نصيح موادع ... ولا خير فيه من نصيح مواثب
ومثلي محتاج إلى ذي سماحة ... كريم السجايا أريحي الضرائب
يلين على أهل التسحب مسَّه ... ويقضي لهم عند اقتراح الغرائب
وإن قعودي عنه خيفة نكبة ... للؤم مهز وانشناء مضارب
أقر على نفسي بعيبي لأنني ... أري الصدق يمحو بينات المعائب
لؤمت لعمر الله فيما أتيته ... وإن كنت من قوم كرام المناصب
لهم حلم أنس في عرامة جنة ... وبأس أسود ف دهاء ثعالب
يصولون بالأيدي إذا الحرب أعلمت ... سيوف سريج بعد أرماح راعب
ولا بد من أن يلؤم المرء نازعاً ... إلى الحمأ المسنون ضربة لازب
فقل لأبي العباس ليت وجهه ... وحسبك مني تلك دعوة صاحب
أما حق حامي عرض مثلك أن يرى ... له الرفد والترفيه أوجب واجب
تكلفني هول السفار وغوله ... رفيق شتاء مقفعل الرواجب
كأن تمام الود والمدح كله ... هوي الفتى في البحر أو في السباسب
لعمري لئن حاسبتني في مثوبتي ... بخفضي لقد أجريت عادة حاسب
أيعز عنك الرأي في تثيبني ... مقيماً مصوناً عن عناء المطالب
فتلفى وألفى بين صافي صنيعه ... وصافي ثناء لم يشب بالمعاتب
وتخرج من أحكام قوم تشددوا ... فقد جعلوا آلاءهم كالمصائب
أيذهب هذا عنك يا ابن محمد ... وأنت معاذي في الأمور الحوازب
وأحسن عرف موقعاً ما تناله ... يدي وغرابي بالنوى غير ناعب
أراك متى ثوبتني في مشقة ... رأيتك في شخص المثيب المعاقب
ولو لم يكن في العرف صاف مهنأ ... وذو كدر العرف شتى المشارب
إذا لم يقل أعلى النوابغ رتبة ... لمقول غسان الملوك الأشايب
(علي لعمرو نعمة بعد نعمة ... لوالده ليست بذات عقارب)
وما عقرب أدهى من البين أنه ... له لسعة بين الحشا والترائب
ومن أجل ما راعى من البين قوله ... (كليني لهم يا أميمة ناصب)
أبيت سرى تكليف العرف معفياً ... به صافياً من مؤذيات الشوائب
ألم ترني أتعب فكري محبكاً ... لك الشعر كي لا أبتلي بالمتاعب
وأنت له أهل فإن تجزني به ... أزدك وإن تمسك أقف غير عاتب
فإن سألتني عنك يومً عصابة ... شهدت على نفسي بسوء المناقب
وقلت دعني للندى فأتيته ... فأمسكه بل بثه في المناهب
وما احتجزت عني لهل بحاجز ... ولا احتجبت عني هناك بحاجب
ولكن تصدق فانحرفت لحرفتي ... ففاءت ولم تظلم إلى خير واهب
وما قلت إلا الحق فيك ولم تزل ... على منهج سنة المجد لا حب
وإني لأشقى الناس إن زر ملبسي ... على إثم أفاك وحسرة خائب
وكنت الفتى الذي فيه شيمة ... تشيم عن الأحرار حد المخالب
ولست كمن يغدو وفي كلماته ... تظلم مغصوب ودوان غاصب
يحاول معروف الرجال فإن أبوا ... تعدى على أعراضهم كالمكالب
وأصبح يشكو الناس في الشعر جامعاً ... شكاية مسلوب وتسليط سالب
فلا تحرمني كي تجد عجيبة ... لقوم فحسب الناس ماضي العجائب
ولا تنتقص من قدر حظي إقامتي ... سألتك بالداعين بين الأخاشب
وما أعلقتني رغبة عنك يممت ... سواك ولكن أي رهبة راهب
وليس جزائي أن أخيب لأنني ... جبنت ولم أخلق عتاد حارب
يطالب بالإقدام من عد محرباً ... وسميَّ مذ ناغى بقود المقانب
ولم يمش قيد الشبر إلا وفوقه ... (عصائب طير تبتيدي بعصائب)
فأما فتى ذو حكة وبلاغة ... فطالبه بالتسديد وسط المخاطب
أثبني ورفهني وأجزل مثوبتي ... وثابر على إدرار بري وواظب
لتأتيني جدواك وهي سليمة ... من العيب ما فيها اعتلال لعائب
وما طلب الرفد الهني ببدعة ... ولا عجب المسترفدية بعاجب
стр. 170
بوجهك أضحى كل شيء منورا ... وأبرز وجهاً مثله للمغاضب
فلا تبتذله في المغاضب ظالماً ... فلم تؤت وجهاً مثله للمغاضب
وفي الناس أيقاظ لكل كريمة ... كأنهم العقبان فوق المراقب
يراعون أمثالي فيستنقذونهم ... وهم في كروب جمة وذباذب
إلى الله أشكو عمة لا صباحها ... ينير ولا تنجاب عتي لجائب
نشوب الشبا في الحلق لا هو سائغ ... ولا هو ملفوظ كذا كل ناشب
وقال في وصف خليل له:
خليل أظل إذا زارني ... كأني أنشأ خلقاً جديدا
أراني وإن كثر المؤنسو ... ن ما غاب عني فريداً وحيدا
بلوت سجاياه في النائبات ... فلم أبل منهن إلا حميدا
وقال يخاطب بعض ممدوحيه وقد أخر صلته:
للناس فيما يكلفون مغرم ... عند الكرام لها قضاء ذمام
ومغارم الشعراء في أشعارهم ... أنفاق أعمار وهجر منام
وفوات أوقات وهجر مكاسب ... لوز قوبلت خرجت من الإعدام
وتشاغل عن ذكر رب لم يزل ... حسن الصنيعة سابغ الأنعام
أفما لذلك حرمة مرعية ... إن الكرام إذاً لغير كرام
لم أحتسب فيك الثواب لمدحتي ... إياك يا ابن أكارم الأقوام
لو كان مدحي حسبة لم أكسه ... أحداً أحق به من الأيتام
لا تقلبن المدح ثم تعقه ... وتنام والشعراء غير نيام
وأعلم بأنهم إذا لم ينصفوا ... حكموا لأنفسهم على الحكام
وجناية الجاني عليهم تنقضي ... وعقابهم يبقى على الأيام
ومن رقيق شعره قوله:
أعانقها والنفس بعد مشوقة ... إليها وهل بعد العناق تدان؟
وألثم فاها كي تزول حرارتي ... فيشتد ما ألقى من الهيمان
وما كان مقدار الذي بي من الجوى ... ليشفيه ما ترشف الشفتان
كأن فؤادي ليس يشفي غليله ... سوى أن يرى الروحان ممتزجان
ومن قوله نكد الزمان:
إذا نلت مأمولا على رأس برهة ... حسبتك قد أحرزت غنماً من الغنم
ولم تذكر الغرم الذي قد غرمته ... من العمر الماضي ويا لك من غرم
رأيت حياة المرء رهناً بموتهِ ... وصحته رهناً كذلك بالسقم
إذا طاب لي عيشي تنغصت طيبه ... بصدق يقيني أن سيذهب كالحلم
ومن كان عيب يراعي زواله ... فذلك في بؤس وإن كان في نعم
وقال في وصف الأسد:
ليأمن سقاطي في الخطوب ونوبتي ... جنان الذي يخشى علي ويحذر
فما أسد جهم المحبا شتيمه ... خبعثنة ورد السبال غضنفر
مسمى بأسماءٍ فمنهم ضيغمٌ ... ومنهن ضرغام ومنهن قسور
له جُنة لا تستعار وشكةٌ ... هو الدهر في هذي وهذي مكفَّر
إهابٌ كتجفاف الكمي حصانة ... وعوج كأطراف الشباحين يغفر
وحُجنٌ كأنصاف الأهلة لا يني ... بهن خضاب من دم الجوف أحمر
تظل له غلب الأُسود خواضعاً ... ضوارب بالأذقان حين يزمجر
له ذمرات حن يوعد قرنه ... تكاد لها صم السلام تفطر
يراه سراة الليل والدوةُّ دونه ... قريباً بأدنى مسمع حين يزأر
يدير إذا جن الظلام حجاجه ... شهاب لظى يعشى له المتنور
خبعثةُ جأب البضيع كأنه ... مكسر أجواز العظام مجبر
له ككل رحب اللبان وكاهل ... مظاهر ألباد الرحالة أوبر
شديد القوى عبل الشوى مجد القرى ... مُلاحك أطباق القفار مضبر
إذا ما علا متن الطريق ببركه ... حمى ظهره الركبان والسفر أزور
أخو وحدةٍ تغنيه عن كل الضراءِ لصيده ... ويبرز للقرن المناوى فيصحر
بأربي على الأقران مني صولةً ... وقد أنذر التجريب من كان ينذر
وقال يستعطف بعض أصحابه ويعاتبه:
لعمري لقد غاب الرضى فتطاولت ... لغيبته البلوى فهل هو قادم؟
تعرفت في أهلي وصحبي وخادمي ... هواني عليهم مذ جفاني قاسم
ولو أبصرتني عين حاسدٍ ... لأضحى وأمسى حاسدين وهو راحم
أقاسم قد جاوزت بي كل غاية ... وليس وراء الحيف إلا المآثم
كأنك قد أنسيت أنك سيد ... له الفضل أو أنسيت أني خادم
أقصرت في فرض فمثلي قصرت ... به حاله عن كل ما هو لازم
стр. 171
هل العسر كل العسر مبق عزيمة ... ألا إنما حيث اليسار العزائم
تناولت عني بعد طول عناية ... وقد نهست مني الخطوب الأوازم
متى تنظر الدنيا غليَّ بنظرةٍ ... عينك نحوي أيها المتناوم
هنالك أغدو والسرور محالف ... بنيَّات قلبي والزمان مسالم
ألا إن ثلماً ف السماح عقوبتي ... كأني نظيرٌ أو كفىٌ مقاوم
أقلني عثار الظن فيك فلم تزل ... تقيل التي فيها تحز الحلاقم
وأنت الفتى كل الفتى في فعاله ... إذا ما وهبت الحق والحق قائم
وأكرم بخصم باع بالطَّول حقه ... وآثر حق المجد وهو مخاصم
بحق الوزير ابن الوزير وعيشهِ ... تأَمل ملياً هل العفو نادم؟
وإني لأعفو عن رجال وأتقى ... رجالاً وأدري أي قرن أصادم
فإن سد باب العذر فيما نقمته ... هواك فلي بالرأي فيه مخارم
ستعلم ما قدري إذا رقد الهوى ... فإن الهوى يقظان والرأي نائم
وما زالت الأشباه وهي كثيرة ... مجاهل فيها للبصير معالم
وأني شكور للأيادي التي غدت ... لها في رقاب العالمين خواتم
ومن قوله في ترك أتكال المرء على نسبه:
وما الحسب الموروث لا درَّ درهُ ... بمحتسب إلا بآخر مكتب
إذا العود لم يثمر وإن كان شعبه ... من المثمرات اعتده الناس في الخطب
وأنت لعمري شعبه من ذوي العلى ... فلا ترض أن تعتد من أوضع الشُعب
وللمجد قوم ساوروه بأنفسٍ ... كرام ولم يرضوا بأُم ولا أَب
فلا تتكل إلا على ما فعلته ... ولا تحسبن المجد يورث بالنسب
فليس يسود المرء إلا بنفسه ... وإن عد آباءً كراماً ذوي حسب
ومن قوله في الشيب وفقد الشباب:
كفى بالشيب من ناه مطاع ... على كره ومن داع مجاب
حططت إلى النهى رحيلي وكلت ... مطية باطلي بعد الهياب
وقلت مساماً للشيب أهلاً ... بهادي المخطئين إلى الصواب
إلى أن قال:
سقى عهد الشبيبة كلُ غيثٍ ... أغرَّ مجلجل داني الرباب
ليالي لم أقل سقياً لعهد ... ولم أرغب إلى سُقيا سحاب
يذكرني الشباب هوان عتبي ... وصد الغانيات لدى عتابي
يذكرني الشباب سهام حتفٍ ... يصبن مقالي دون الإهاب
رمت قلبي بهنَّ فأقصدته ... طلوع النبل من خلل النقاب
فراحت وهي في بال رخي ... ورحتُ بلوعة مثل الشهاب
وكل مبارز بالشيب قرناً ... فمسبيُّ لعمرك غير ساب
ولو شهد الشباب إذاً لراحت ... وإن بها وعيشك ضعف ما بي
فيا غوثاً هناك بقيد ثأري ... إذا ما الثأر فات يد الطلاب
فكم ثأر تلاقت لي يداه ... ولو من بين أطراف الحراب
يذكرني الشباب جنان عدن ... على جنبات أنهار العذاب
تفيءُ ظلها نفحات ريح ... تهز متون أغصان رطاب
إذا ماست ذوائبها تداعت ... بواكي الطير فيها بانتحاب
يذكرني الشباب وميضُ برق ... وسجع حمامة وحنين ناب
فيا أسفاً ويا جزعاً عليه ... ويا حزناً إلى يوم الحساب
أأفجع بالشباب ولا أعزّى ... لقد غفل المعزي عن مصابي
تفرقنا على كره جميعاً ... ولم يك عن قلى طول اصطحاب
وكانت أيكتي ليد اجتناء ... فعادت بعده ليد احتطاب
أيا برد الشباب لكنت عندي ... من الحسنات والقسم الراغب
بليت على الزمان وكل برد ... فبين بلى وبين يد استلاب
وعز عليّ أن تبلى وأبقى ... ولكن الحوادث لا تحابي
لبستك برهة لبس ابتذال ... على علمي بفضلك في الثياب
ولو مُلِّكت صونك فاعلمنه ... لصنتك في الحريز من العياب
ومن قوله في الاستقلال من صحبة الناس:
عدوك من صديقك مستفادا ... فلا تستكثرن من الصحاب
فإن الداء أكثر ما تراه ... يحول من الطعام أو الثياب
إذا انقلب الصديق غداً عدواً ... مبيناً والأمور إلى انقلاب
ولو كان الكثير يطيب كانت ... مصاحبة الكثير من الصواب
ولكن قل ما استكثرت إلا ... سقطت على ذئاب في ثياب
فدع عنك الكثير فكم كثير ... يعاف وكم قليل مستصاب
стр. 172
وما اللجج الملاح بمرويات ... وتلقى الري في النطف العذاب
وقال يخاطب بعض ممدوحيه وقد أخر صلته, وقدم عليه قوماً من ال شعر اء في الفضيلة دونه:
أبا حسن طال المطال ولم يكن ... غريمك ممطولاً وإني لصابر
وقفت عليك النفس لا أنا واردٌ ... على طول أيامي ولا أنا صادر
إذا كنت تنسى والمذكر غائبٌ ... وتدفع أمري والمذكر حاضر
فيا ليت شعري والحوادث جمة ... متى تنجز الوعد الذي أنا ناظر
متى استبطأ العافون رفدك أم متى ... تقاضاك أثمان المحامد شاعر
لتهنئ رجالاً لا تزال تجودهم ... سحائب من كلتا يديك مواطر
عنيت بهم حتى كأنك والدٌ ... لهم وهم دوني بنوك الأصاغر
وغادرتني خلف العناية ضائعاً ... فلله ماذا يا أبن يحيى تغادرُ
أراني دهى شعري لديك اقتصاره ... عليك وإن لم تبتذله المعاشر
ولو شئت لم تذهب على حولتي ... هنات لأسماء الرجال شواهر
ولكنني أعطي الصيانة حقها ... فهل ذلك الأحرار عندك ضائر
وأنك للمرء الجلي بصيرة ... ولكن مع الأهواء تعشى البصائر
وكم أمة ورهاء قد فاز قدحها ... بما حُرمته السيدات الحرائر
سيسألني الأقوام عما أثبتني ... به فبماذا أنت أنت إياي آمر
أأخبرهم بالحق وهي شكية ... أم الإفك والإسلام عن ذلك زاجر
وإن أمرءاً باع الثناء من أمري ... فاء بحرمان وأثم الخاسر
أتحرمني الجدوى وأطريك كاذبا ... فتحظى وأشقى بالذي أنا وازر
شهدت إذاً أني لنفسي ظالم ... وإنك إن كلفتني ذاك جائر
وهبني كتمتُ الحق أو قلت غيره ... أتخفى على أهل العقول السرائر
ومدح إنساناً, فلم يثبه, ورد عليه مديحه, وقال أمدح به غيري. فقال:
رددت علي مديحي بعد مطل ... وقد دنست ملبسه الجديدا
وقلت امدح به من شئت غيري ... ومن ذا يقبل المدح الرديدا؟
ولا سيما وقد أعقبت فيه ... مخازيك اللواتي لن تبديا
وما للحي في أكفان ميت ... لبوس بعدما امتلأت صديدا
ومن فائق شعره قوله:
لعمري لقد أنكرت غير نكير ... عبوس الغوالي لابتسام قتير
كذا هنَّ لا يوقعن وداً على امرئٍ ... أطارت غراباً عنه كف مطير
وللشيب جهر والشبيبة طرة ... وليس جهير في الصبا كطرير
عزاءك عن ظبي طرير فإنه ... يعنيك إذا شيّبت غير غرير
رأيت حياة المرء بعد مشيبه ... إذا زاول الدنيا حياة أسير
خليلي هل في نهية الشيب عائض ... لمعتاضها من خبرة وخبير
وبنت نعيم في ضبابه عنبر ... تغور وطوراً في عجاج عبير
برهرهة لم تغذ إلا بناعم ... ولم تسق من ماء بغير نمير
مضمخة اللبَّات تحسب نحرها ... من المسالك والجادي نحر نحير
محجبة تحتل عليا خورنق ... تشارف أنهاراً خلال سدير
سقتني بعينيها وفيها ودلها ... خمورا لها ليست خمور عصير
من الظبيات العاطيات لمجتنى ... ثمار قلوب لا لحبِّ بذير
تغير على الجلد اللبيب فتستبي ... حجاة ولم تحمل سلاح مغير
بدر نثير من حديث تحفه ... بآخر الدجى منه بروق صبير
تم الاختيار من شعر أبن الرومي وأخباره، ويليه الاختيار من ابن المعصوم وأخباره.
شعر
ابن المعصوم هو مؤلف سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر.
стр. 173
يقول جامع هذا المجموع: وفي هذه الأيام أتاح الله لي كتاب ((سلافة العصر)) تأليف العلامة السيد علي صدر الدين المدني بن أحمد نظام بن أحمد نظام الين الحسني أحد أعلام الأدب في القرن الحادي عشر، المعروف بابن معصوم رحمة الله. قال مؤلف ((نفحة الريحان)) القول فيه أنه أبرع من أظلته الخضراء، وأقلته الغبراء، وإذا أردت علاوة في الوصف قلت هو الغاية القصوى، الآية الكبرى, طلع بدر سعده فنسخ الأهلة، وانهل سحاب فضله, فأخجل السحب المنهله، فوجدت في هذا الكتاب من التراجم الفائقة، والأشعار الرائقة ما تقر به أعين أهل الفضل والأدب، وما يشتاق إلى سماعه ذوو الحسب مما يصبوا إليه القلب والطرف، ويقطر منه ماء الملاحة والظرف, فنقلت من فرائدة ما يزري بعقود الجمان في أجياد الحسان. وأما شعر صاحب الترجمة فهو في غاية الرقة والانسجام هو السحر الحلال والعذب البارد الزلال: فمن ذلك قوله من نونية نبوية نظمها وهو بحيدر آباد:
تذكر بالحمى رشأً أغنا ... وهاج له الهوى طربا فغنى
وحن فؤاده شوقاً لنجد ... وأين الهند من نجد وأنَّى؟
وغنت في فروع الأيك ورق ... فجاوبها بزفرته وأنَّ
وأودى لاعج الأشواق منه ... بويرق بالأبيرق لاح وهنا
معنَّى كلما هبَّت شمال ... تذكَّر ذلك العيش المهنا
إذا جن الظلام عليه أبدى ... من الوجد المبرح ما أجنا
سقى وادي الغضى دمعي إذا ما ... تهلل لا السحاب إذا أرجحنَّا
فكم لي رباه قضيب حسن ... تفرد بالملاحة إذ تثنى
كلفت به وما كلفت فرضاً ... فأوجب طرفه قتلي وسنا
وأبدى حبه قلبي وأخفى ... فصرح بالهوى شوقاً وكنى
تفنن حسنه في كل معنى ... فصار العشق لي بهواه معنى
بدا بدراً ولاح لنا هلالاً ... وأشرق كوكباً واهتز غصنا
وثنى قده الحسن ارتياحاً ... فهام القلب بالحسن المثنى
ولو أن الفؤاد على هواه ... تمنى كان غاية ما تمنى
بكيت دماً وحن إليه قلبي ... فخضب من دمي كفاً وحنى
قال ناقل الترجمة: ولم أظفر بتاريخ وفاته غير أني أظن أن وفاته بعد الألف والمائة ﵀.
ومن قوله مادحا أباه، وهي من غرر القصائد, وقد عارض بها قصيدة أبن هانئ الأندلسي التي مدح بها أبن غلبون التي مطلعها "فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر".
لمن الكتائب في العجاج الأكدر ... يخطرن في زرد الحديد الأخضر
ضربت عليهن الرماح سردقاً ... دعمت بساعد كل شهم أعصر
والبيض تلمع في القتام كأنها ... لمع البوارق في ركام كنهور
وصليل وقع المرهفات كأنه ... رعد يجلجل في أجش مزجر
والراية الحمراء يخفق ظلها ... يهفو إليها كل ليث مزئر
والخيل قد حملت على صهواتها ... من كل أصيد باسل ذي مغفر
متسربل بالقلب فوق دلاصه ... متلثم بالنقع لما يسفر
في موقف كسف الظهيرة نقعه ... فأضاءها بشروق وجهه مقمر
يختال في حلف الدلاص كأنه ... يختال منه في مفوف عبقر
في فتية ألفوا السنور والقنا ... فقبابهم قصب الوشيج الأسمر
يغرون بيضهم الرقاب وينهلوا ... زرق الأسنة من نجيع أحمر
شادوا عمادهم بكل مثقف ... لدن ومجدهم بكل مشهر
حلوا من العلياء قمة رأسها ... وحووا بسالة أكبر عن أكبر
من منهم الملك المهيب إذا بدا ... خضعت له ذلاً رقاب الأعصر
فخر المفاخر والمآثر والجحا ... فل والفضائل والعلى والمنبر
القائد الجيش العرمرم معلماً ... من كل ليث ذي براثن قسور
السائق الجرد المذاكي شزباً ... تخطو وتخطر بالرماح الخطر
الفالق الهامات في يوم الوغى ... والسمر بين محطم ومكسر
الشامخ النسبين بين ذوي العلى ... الباذخ الحسبين يوم المفخر
الواهب البدرات يتبعها الندى ... من جوده بسحاب تبر ممطر
يجلو دجى الآمال منه بنائل ... متلألئٍ وبوجه جود مسفر
ولكم جلا رهج القتام بباتر ... متألق وسنان أسمر سمهري
ملك إذا ما جاد يوماً أو سطا ... فالخلق بين مملك ومعفر
من دوحة المجد الرفيع عماده ... والفرع يعرب عن زكي العنصر
стр. 174
ما ينقضي يوماً شهير نواله ... إلا وأتبعه بآخر أشهر
هذا الذي صدع القلوب مهابة ... وأذل كل عملس وغضنفر
هذا الذي غمر الأنام سماحة ... من جوده الطائي الجليل الأبهر
هذا الذي حاز المكارم قعساً ... وسواه يلطم خد حزن أقفر
هذا نظام الدين وابن نظامه ... نسب يؤول إلى النبي الأطهر
لمعت أسره نوره في وجهه ... فازور عنها كل لحظ أخزر
يجلو لنا من حلمه في حومه ... أخلاق أحمد في بسالة حيدر
بينا تراه مصدراً في دسته ... ملكاً تراه فوق صهوة أشقر
أربيب حجر المكرمات وربها ... ورضيع ثدي العارض المثعنجر؟
لله جدك أي مجد حزته ... فشأُوت كل مقدم ومؤخر
أنت الذي أحرزت كل فضيلة ... ووردت بحر الفضل غير مكدر
ظمئت أماني الرجال إلى العلى ... فوردت منهلها ولما تصدر
وإليكها غراء قد أبرزتها ... تجلى بشكرك في ندي المحضر
أحكمت نظم قريضها فتناسقت ... كالعقد يزهى في مقلد جؤذر
يزهو بمدحك نشرها فكأنني ... أذكيتها منه بمسك أذفر
ما ضاع نشر ثنائها في مجلس ... إلا تفتق عن زكي العنبر
واسلم علي درج المعالي راقياً ... بأجل أخبار وأصدق مخبر
وأثبت لأبيه عدة أشعار رائقة فمنها في الغزل قوله:
مثير غرام المستهام ووجده ... وميض سرى من غور سلع ونجده
وبات بأعلى الرقمتين التهابه ... فظل كئيباً من تذكر عهده
يحن إلى نحو اللوى وطويلع ... وبانت نجد والحجاز ورنده
وضال بذات الضال مرخ غصونه ... تفيأه ظبي يميس ببرده
كثير التجني ذو قوام مهفهف ... صبيح المحيا لا وفاء لوعده
يغار إذا ما قيمت بالبدر وجهه ... ويغضب إن شبهت ورداً بخده
مليح تسامى بالملاحة مفردا ... كشمس الضحى كالبدر في برج سعده
ثناياه برق والصباح جبينه ... وأما الثريا قد أنيطت بعقده
فمن وصله سكنى الجنان وطيبها ... ولكن لظى النيران من نار صده
تراءى لنا بالجيد كالظبي تالعاً ... أسرى الهوى في حكمه بعض جنده
روى حسنه أهل الغرام وكلهم ... يتيه إذا ما شاهدوا ليل جعده
يعلم علم السحر هاروت لحظه ... ويروي عن الرمان كاعب نهده
مضاء اليمانيات دون لحاظه ... وفعل الردينيات من دون قده
إذا ما نضاعن وجهه البدر حجبه ... صبا كل ذي نسك ملازم زهده
بروحي محيا قاصر عنه كل من ... أراد له نعتاً بتوصيف حده
هو الحسن بل حسن الورى منه مجتدى ... وكلهم يعزى لجوهر فرده
وما تفعل الراح العتيقة بعض ما ... بمبسمه بالمحتسي صفو ورده
وأورد له أيضا في النسيب قوله:
سلا بطن والغميم وموزعا ... متى اصطافها ظبي النقا وتربعا؟
وهل حل من شرقيها أرض هجلة ... وهل جادها مزن فسال وأمرعها؟
سقى تلك من نوء السماكين بكرة ... سحائب غيث مربعاً ثم مربعا
تظل الصبا تحدو بها وهي سجم ... وتنزلها سهلاً وحزناً وأجزعها
فتلك مغان لا تزال تحلها ... خدلجة الساقين مهضومة المعا
ربيبة خدر الصون والترف الذي ... يزيد على بذل الليالي تمنعا
تروت من الحسن البهي خدودها ... وقامتها كالغصن حين ترعرعا
قطوف الخطا مثل القطا حينما مشت=تقوم بأرداف يحاذين لعلعا وأورد لأبن عمه السيد أحمد بن مسعود بن شريف مكة المشرفة الشريف حسن بن الحسني, فقال في حقه: هو نابغة بن حسن، وباقعة الفصاحة, واللسن السحاب ذيل البلاغة على سحبان، والسائر بأفعاله وأقواله الركبان، ومن جيد شعره قوله:
حنت فأبكت ذات شكل حنون ... وغنت الورق بأعلى غصون
وهينمت مسكية ذيلها ... عطره نشر طوى والحجون
وشق برد الليل برق فما ... ظننته إلا حسام الجفون
كأنه مذ شق قلب الدجى ... جبين ليلى في دياج القرون
فقمت كالهادر في شوقه ... لم أدر ما بي فرح أم جنون
وأسل الدمع نجيعا على ... خدي فيجري أعينا من عيون
فلم أخل نوما ولا مجثماً ... وموقدا أو علما في دمون
стр. 175
إلا وبات الناعم الفرش لي ... شوكا ومبسوط الروابي حزون
فالبرق نوحي قي الربى رعده ... والورق من شعري تجيد اللحون
عهدي بها كانت كناس الظبا ... وغاية الأسد حماة الظعون
حتى غدا من بعده ربعها ... مستقفرا جارت عليه السنون
كأنه جسمي وإن لم يكن ... فوهماً أو خيالاً تكون
الله لي من مهجة مزقت ... ومقلة عبرى ونفس رنون
تحن للشعب وأوطانه ... مهما سرى برق بليل دجون
وفتية من آل طه لهم ... في الحرب أبكار مزايا وعون
من كل طلق لا يرى كالسها ... لضيفه ثلة ذات القرون
مبتذل الساحات في قطرهم ... للخائف الجاني أعز الحصون
كل طويل الباع رحب الفنا ... تصدق للوفاد فيه الظعون
يحمده السارون إن أدلجوا ... ويعمر النادي بهم السامرون
لا يتنهي الجارون منه إلى ... شأون ولا يسعفه الجائرون
فبا نسيمات الصبا عرجي ... بهم وبثي غامضات الشجون
وحاذري أن تصبحي لوعتي ... واستصحبي بثي عسى يفهمون
وبلغيهم حال من لم يزل ... حليف أشجان كثير الشؤون
ناء عن الأهلين صعب الأسى ... من بعد ما فارق قلبا شطون
يحفظ للرمل عهود الوفا ... وإن طلبت القرب منه يخون
قولي لهم يا عرب وادي النقا ... وجيرة الجرعا وذات الحزون
نسيتم صبا غدا دمعه ... من بعدكم صباً قريح الشؤون
وهو وماضي العيش ما ساعة ... فيها تناسى جدكم والمجون
فشأنها يخبر عن شأنه ... وحاله أن يسأل السائلون
وأنت يا شادي بشام اللوى ... ويا حويدي الظعن بين الرعون
عرض بذكري لا شجتك النوى ... لعلهم لي بعد ذا يذكرون
وهات لي عن رامة والنقا ... هل طاب للساكن فيها السكون
وهل أثيلات النقا فرعها ... يهصره من لينه الهاصرون
وصادح تلحينه صادع ... على فنون باعثات الفنون
منازل كنا عهدنا بها ... ثقال أرداف خماص البطون
وكان ابن عمه الشريف محسن بن حسين بن حسن يطرب لأبيات الحسين بن مطير, ويعجب بها كثيراً وهي:
ولي كبد مقروحة من يبيعني ... بها كبداً ليست بذات قروح
أباها علي الناس لا يشترونها ... ومن يشتري ذا علة بصحيح
أحن من الشوق الذي في جوانحي ... حنين غصيص بالشراب قريح
فسأل السيد أحمد المذكور تذييلها، فقال مزيلاً وأجاد ما شاء:
على سلف لو كان يشري زمانه ... شريت ولكن لا يباع بروحي
تقضى وأبقى لاعجاً يستفزه ... تألق برق أو تنسيم ريح
وقلباً إلى الأطلال والضال لم يزل ... نزوعاً وعن أفياء غير نزوح
فليت بذات الضال نجب أحبتي ... طلاحا فنضو الشوق غير طليح
يجشمه بالأبرقين منيزل ... وبرق وهناً وصوت صدوح
وموقف بين لو أرى عنه ملحداً ... ولجت بنفسي فيه غير شحيح
صرمت به ربعي وواصلت أربعي ... وأرضيت تبريحي وعفت نصيحي
وباينت سلواني وكل ملوحي ... ولاءمت أشجاني وكل مليح
وكلفت نفسي فوق طوقي فلم أطق ... لعد سجايا محسن بمديح
وقال مخاطباً ابن عمه شرف مكة المشرفة ادريس بن حسن، وقد رأى منه تقصيراً في حقه:
رأيتك لا توفي الرجال حقوقهم ... توهم كبراً ساء ما تتوهم
وتزعم أني بالمطامع أرتضي ... هوناً ونفسي فوق ما أنت تزعم
وما مغنم يأتي لذل رأيته ... فيقبل إلا وهو عندي مغرم
واختار بالاعزاز عنه منية ... لأني من القوم الذين هم هم
وكان بينه وبين ابن عمه السيد احمد بن عبد المطلب شريف مكة المشرفة مشاقة أدت إلى سفره إلى اليمن, ومدح إمامها محمد بن القاسم بقصيدة مطلعها:
سلا عن دمي ذات الخلاخل والعقد ... ماذا استحلت أخذ روحي على عمد
فإن أمنت أن لا تقاد بما جنت ... فقد قيل قيل أن لا يقتل الحر العبد
ومنها يخاطب الإمام المذكور:
أغيث مكة وانهض فأنت مؤيد ... من الله الفتح المفوض والجد
وقدم وأخاود وآخر مبغضاً ... يساور طعناً في المؤيد والمهدي
ويطعن في كل الأئمة معلناً ... ويرضى عن ابن العاص والنجل من هند
стр. 176
فلم يحصل منه على ما أراد إلا ما أجازة به من مال، ورجع إلى مكة المشرفة، وأقام بها سنتين، ثم توجه إلى الديار الرومية قاصداً السلطان مراد خان وذلك سنة ١٠٤١م, فوفد إليه بالقسطنطينة, ومدحه بقصيدة سأله فيها توليته مكة المشرفة, ومطلع القصيدة قوله:
ألا هبي فقد بكر الندامى ... ومج المرج من ظلم الندى ما
وهيمنت القبول فضاع نشرٌ ... روى من شيخ نجد والخزامى
وقد وضعت عذارى المزن طفلا ... بمهد الروض تغذوه النعامى
فكم خفر الفوارس في وطيس ... فتى منا وما خفر الذماما
وكم يوم ضربنا الخيل فيه ... على أعقابها خلفاً أماما
فنحن بنو الفواطم من قريش ... وقادت الهواشم لا هشاما
برانا الله للدنيا سناءً ... وللأخرى إذا قامت سناما
وخص بفضله من أم منا ... مليكاً كان سابوراً هماما
فتى الهيجا مراد الحق من لم ... يخف من فضل خالقه ملاما
محش الحرب إن طارت شعاعاً ... نفوس عندها قل المحامى
وغيث قطره ورق وتبر ... يجود إذا شكى المحل الركاما
فيثني سيبه جدباً وشيكاً ... ويثني سيفه موتاً زؤما
وفي شفتيه آجال ورزق ... بها أمر الصواعق والسجاما
يقود له الملوك الصيد جيشاً ... فيمنحه الخوامع والرجاما
وإن وفدوه أغناهم وأقنى ... وأجلسهم على العليا مقاما
مليك الأرض والأملاك طراً ... وحاوي ملكها يمناً وشاما
ومجرٍ من دم الأعداء بحراً ... ولا قوداً يخاف ولا أثاما
يبيت مراعياً أمر الرعايا ... إذا باتت ملوكهم نياما
تسنم غارب الدنيا فألقى ... إليه جموحها طوعاً زماما
إذا شملت عنايته لئيماً ... فقد شملت مكارمه الكراما
تعاظم قدره عن وصف شعر ... كذا مرماه يسمو أن يراما
ويكبر أن يدانيه عنيد ... فيرميه ويعظم أن يراما
ترفع كمه عن لثم ملكٍ ... وتلثمه الضعائف واليتامى
وينطق عنده شاك ضعيف ... ولا يسطيع جبار سلاما
له يد ماجد لم تله يوماً ... بغانية ولا ضمت مداما
أغر سميدع ضخم المساعي ... له رأي يرد به السهاما
ويخدم قبرطه بالمواضي ... ودين الله والبيت الحراما
فيا ملك الملوك ولا أبالي ... ولا غدراً أسواق ولا احتشاما
إذا ما قست لم أنزلك فيهم ... بمنزلة الرجال من الأيامى
إلى جدواك كلفنا المطايا ... دوماً لا نفارقها دواما
وجبنا يا ابن عثمان الموامي ... إلى أن صرن من هزل هيامى
وذقنا الشهد في معنى الترجي ... وقلنا الصبر من جوع طعاما
صلينا من شموس القيظ ناراً ... تكون بنورك العالي سلاما
وخضنا البحر من ثلج إلى أن ... حسبناه على البيدا أكاما
نؤم رحابك الفيح اشتياقاً ... ونأمل منك آمالا جساما
ومن قصد الأمير غدا أميراً ... على مافي يديه ولن يضاما
وحاشا بحرك الفياض أنا ... نردُّ بغلة عنه حياما
وقد نزل ابن ذي يزن طريداً ... إلى كسرى فأنزله شماما
أتى فرداً فعاد يجر جيشاً ... كسا الآكام خليلاً والرغاما
به استبقى جميل الذكر دهراً ... وأنت أجل من كسرى مقاما
وسيف في العلى دوني وإني ... عصاميٌ وأسموه عظاما
بفاطمةٍ ونجليها وطه ... وحيدرة الذي فاق الأناما
عليهم رحمة تهدي سلاما ... يكون لنشرها مسكاً ختاما
ولا بدع إذا وافاك عافٍ ... فعاد يقود ذا لجب لهاما
فخذ بيدي وسنِّمني محلا ... بقربي منك فيه لن أسامي
وهب لي منصبي لتنال أجري ... وشكري ما بقيت له لزاما
فيقال: إنه إجابه السلطان المذكور، ووعده بذلك، ولكن اختر منه المنية قبل نيل الأمنية، فلم يعد إلى مكة المشرفة، وتوفي في تلك السنه، أو التي تليها ﵀.
تم الاختيار من شعر أحمد بن مسعود الشريف، وأخباره, ويليه الاختيار من شعر السيد عماد الدين بن بركات بن أبي نمى الحسيني.
شعر
ابن بركات الشريف
стр. 177
قال فيه صاحب "كتاب السلافة": له شعر يفعل في الألباب فعل السحر، أثبت منه ما هو أحلى من جنى النحل, وأجدى من القطر في البلد المحل، وكتبت إليه قصيدة ضمنتها التبرم من الاغتراب والبعاد أقول فيها: "ابن المعصوم"
هل يعلم الصحب أني بعد فرقتم ... أبيت أرعى نجوم الليل سهرانا
أقضي الزمان ولا أقضي به وطراً ... وأقطع الدهر أشواقاً وأشجانا
ولا قريب إذا أصبحت ذا حزنٍ ... إن الغريب حزين حيثما كانا
أرى فؤادي وإن ضاقت مسالكه ... بمدح نجل رسول الله جزلانا
عماد أبنية المجد الذي رفعت ... آباؤه الغر من ناديه أركانا
السيد الماجد الندب الشريف ومن ... قد بذ بالفضل أكفاء وأقرانا
سما به النسب الوضاح فاجتمعت ... فيه المحامد أشكالاً وألوانا
يا واسع الخلق إفضالاً ومكرمة ... وموسع الخلق إنعاماً وإحسانا
فقت الكرام ما أوليت من كرم ... لله درك مفضالاً ومعوانا
ما قلت في المجد قولاً يوم مفتخر ... إلا أقمت عليه منك برهانا
لا زلت في الدهر مرضي العلى أبداً ... ونائلاً من إله الحق رضوانا
عليك مني سلام الله ما صدحت ... ورق الحمام وهز الريح أغصانا
فأجابني يقوله:
يا من تذكر خلاناً وجيرانا ... وصار يمسي سمير النجم سهرانا
صاد إلى مورد قد كان يألفه ... عذب به يشتفي من كان ولهانا
له به مرتع طابت موارده ... واليوم بالهند يا لله ما حانا
يا ماجداً حاز سبقاً في القريض وفي ... نهج البلاغة حتى فاق أقرانا
أحسنت لازلت في أمن وفي دعة ... جزاك ربك بالإحسان إحسانا
وحق جدك إن العين في غرق ... والقلب في حرق وجداً لما آنا
عليك بالصبر يا مولاي معتصماً ... إن النفيس غريب حيثما كان
كذا الليالي عهدناها مبدلة ... بالقرب بعداً وبعد الوصل هجرانا
فلا رأيت مدى الأيام حادثة ... من الزمان ولا همّاً وأحزنا
قد ضاق صدري لما أبديت من كمدٍ ... من لاعج البين ليت البين لا كانا
لكن لي أمل في الله خالقنا ... وحسن ظني متى ندعوه أولانا
أن يجمع الشمل في تلك البقاع وأن ... يروي غليل صدٍ ما زال حرانا
بفضل من عمت الأكوان قدرته ... رب البرية ذي الإحسان مولانا
ما حرمت نسمات الريح مورقة ... من النبات وهزت منه أفنانا
ومن شعرة مخاطباً لوالد المصنف أحمد الحسني:
زرت خلاً صبيحةً فحباني ... بسؤال أشفى وأرغم شاني
قال لما نظرت نور محياه ... ونلت المنى وكل الأماني
كيف أصبحت كيف أمسيت مما ... يلبت الحب في قلوب الغواني؟
فتحرجت أن أفوه بما قد ... كان مني طبعاً مدى الأزمان
يا أخا المجد والمكارم والفضل ... ومن لا أرى له اليوم ثاني
أدرك ادرك متيماً في هواكم ... وأكففن عنه صولة الحدثان
وابق واسلم منعماً في سرورٍ ... ما تغنت ورق على غصن بان
فراجعه الوالد بقصيدة أولها:
ليت شعري متى يكون التداني ... لبلاد بها الحسان الغواني
وبها الكرم مثمراً والأقاحي ... ضحكت من ثغور زهر لجان
والبساتين فائحات بعطر ... يخجل العنبر الزكي اليماني
وطيور بها تجاوبن صبحاً ... وعشياً كنغمة العيدان
وبألحان تذيب ذوي اللب ... وتحيي ميتاً من الهجران
وتمشي بها الظباء الحوالي ... مائسات كناعم الأغصان
كل خود تسطو بلحظ حسام ... وتثنى كما قنا المران
وجهها الصبح إنما الفرع منها ... ليل صب من لوعة الحب فان
غادة كالنجوم عقد طلاها ... ما اللآلي ما حلى العقيان
إن ياقوت خدها أرض الياقوت ... سعراً وعائب المرجان
كل يوم يقضى بقرب لديها ... فهو يوم النيروز والمهرجان
تلك من فاتت الظباء افنتنانا ... فلذا وصفها أتى بافتنان
مالصب أصيب من أسهم اللحظ ... نجاة من طارق الحدثان
أذكرتني أيام تلك وأغرت ... أعيني بالبكاء والهملان
ومنها قوله:
نفثات كالسحر يصدعن في قلب ... معنَّىً من الملامة عاني
стр. 178
كلمات لكنها كالدراري ... وسطور خصت بديع المعاني
إذا أتت من أخ شقيق المعالي ... فائق الأصل غرة في الزمان
صافي الود صافي القلب قرم ... كعبة المجد في ذرى كيوان
ذاكراً لي بها تزايد شوق ... وولوعا به مدى الأزمان
ففهمت الذي نحاه ولكن ... ليت شعر ي يدري بما قد دهاني
أنا قيس في الحب بل هو دوني ... لا جميل حالي ولا كابن هاني
يا أخا العزم قد سلمت ووجدي ... طافح زائد بغير توان
فلتحفي أبصرت من قد رماني ... وعناء تصيد الغزلان
إن تشأ شرح حال صب كئيب ... فلقد قاله بديع المعاني
"مرضي من مريضة الأجفان ... عللاني بذكرها عللاني"
هذا البيت مطلع قصيدة لأبن العربي وبعده:
غنت الورق في الرياض وناحت ... شجو هذا الحمام مما شجاني
بأبي طفلة لعوب تهادي ... من بنات الخدور بين الغواني
طلعت في العيان شمسا فلما ... أفلت أشرقت بأفق جناني
ومن شعر السيد المذكور قوله مذيلاً بيت أبي زمعة جد أميه بن أبي الصلت، ومادحا السيد أحمد بن معصوم والد مؤلف السلافة:
اشرب هنيئاً عليك التاج مرتفعاً ... برأس غمدان دار منك محلالا
تسعى إليك بها هيفاء غانية ... مياسة القد كحلا الطرف مكسالا
إذا تثنت كغصن البان من ترف ... وإن تجلت كبدر زان تمثالا
كأنها وأدام الله بهجتها ... تكونت من محيا دهرنا حالا
وكيف لا وهي أمست فيه ساحبة ... بخدمة السيد المفضال أذيالا
ذاك الذي جل عن تنويه تسمية ... شمس علت هل ترى للشمس أمثالا
الباسم الثغر والأبطال عابسة ... والباذل المال لم يتبعه أنكالا
عار من العار كأس من محامده ... لا يعرف الخلف في الأقوال إن قالا
إن قال أفحم ندب القوم مقوله ... أوصال أخجل ليث الغاب إن صالا
علا به النسب الوضاح منزلة ... عن أن يماثل إعظاما وإجلالا
خذها ربيبة خدر طالما حجبت ... لولا علاك وودٌ قط ما حالا
واصفح بفضلك عن تقصير منشئها ... وحسن بشرك لم يبرح لها فالا
ثم الصلاة على أزكى الورى نسباً ... وآله الغر تفصيلاً وإجمالا
تم الاختيار من شعر ابن بركات الشريف، ويليه الاختيار من شعر السيد محمد بن الأمير أحمد الحسيني.
شعر
محمد يحيى الحسيني قال مؤلف ((السلافة)) : هو ماجد ثبتت في المجد وثائقه, وفاضل نشبت بالفضل علائقه, أحرز الأدب النصيب الأوفر، وتمسك منه بما أخجل طيب نشره المسك الأذفر إلى دماثة شيم وأخلاق, وما شأن قشيب ابرادها اخلاق, وله شعر تأخذ بمجامع القلوب طرائفه، ويملك مسامع أولي الأشواق شائقة ورائقة فمن قله:
تذكرت أيام الحجيج فأسبلت ... جفوني دماء واستجد بي الوجد
وأيامنا بالمشعرين التي مضت ... وبالخفيف إذحادي الركاب بنا يحدو
وقوله مخاطباً لي:
وما شوق مقصوص الجناحين مقعد ... على الضيم لم يقدر على الطيران
بأكثر من شوقي إليك وإنما ... رماني بهذا العد منك زماني
وقوله مخاطباً لي أيضاً:
ألا لا سقى الله البعاد وجوره ... فإن قليلاً منه عنك خطير
ووالله لو كان التباعد ساعة ... وأنت بعيد إنه لكثير
وقوله:
ألا يا زماناً طال فيه تباعدي ... أما رحمة تدنو بها وتجود
لألقى الذي فارقت نفسي مذ نأى ... منها أنا مسلوب الفؤاد فريد
وكتب إلي مادحاً, وعلى فنن البلاغة صادحاً:
أقل أيهذا القلب عما تحاوله ... فإنك مهما زدت زاد تشاغله
دع الدهر يفعل كيف شاء فقلما ... يروم امرؤ شيئاً وليس يواصله
وما الدهر إلا قلب في أموره ... فلا يغترر في الحالتين معامله
ويا طالما طاب الزمان لماجد ... فسر وقد ساءت لديه أوائله
رعى وسقى الله الحجاز وأهله ... ملث تعم الأرض سقياً هواطله
فإن به داري ودار عزيزة ... علي ومهما أشغل القلب شاغله
ولكن بي شوقاً إلى خلتي التي ... متى ذكرت للقلب هاجت بلابله
أبيت ولي منها حنين كأنني ... طريح طعان قد أصيبت مقاتله
стр. 179
هوى لك ما ألقاه يا عذبة اللمى ... وإلا فصعب ما أنا اليوم حامله
أكابد فيه الشوق والشوق قاتلي ... وأسأل ممن لم يجب من يسأله
تقي الله في قتل امرئ طال سقمه ... وإلا فإن الهجر لا شك قاتله
صليه فقد طال الصدود وقلما ... يعيش امرؤٌ والصد ممن يقاتله
حزين لما يلقاه فيك من الجوى ... فها هو مضني معين فإني كلما شئت نائله
فذاك أخي حامي الذمار وسيدي ... وذخير الذي ألقى به ما أحاوله
وذاك الذي لولاه ما عرف الندى ... ولا عرف التفضيل لولا فضائله
أغر همام يمتطي صهوة العلى ... فتعلوا به بين الأنام مناوله
فلا فخر إلا فخره وعلاؤه ... ولا جود إلا ما هو اليوم بازله
يعز إذا زلت أسود لدى الوغى ... وتسعد منه في الحروب قبائله
له بين أبناء الملوك مخائل ... فيا حبذا ذلك الفتى ومخائله
إذا ما أتاه سائل نال سؤله ... ونال جزيلاً فوق ما هو آماله
ويأتي إليه طالب الجود راغباً ... فيرجع مسروراً بما نال سائله
فيا ملجأي في النائبات ومن به ... إذا رمت أمراً في الزمان أوصاله
إليك فقد جاءتك مني قصيدة ... أتت تشكي دهراً تعدى تطاوله
ودم ذا علاء في البرايا وسؤدد ... رفيع مكان لاعلاء يطاوله
فراجعتة بقولي:
إليك فقلبي لا تقر بلابله ... إذا ما شدت فوق الغصون بلابله
تهيج له ذكرى حبيب مفارق ... زرود وحزوى والعقيق منازله
سقاهن صواب الدمع مني ووبله ... منازل لا صوب الغمام ووابله
يحل بها من لا أصلح باسمه ... غزال على بعد المزار أغازله
تقسمه للحسن عبل ودقة ... فرن وشاحاه وصمت خلاخله
وما أنا بالناسي ليالي بالحمى ... تقضت وورد العيش صفو مناهله
ليالي لا ظبي الصريم مصارم ... ولا ضاق صدرا بالصدور مواصله
وكم عاذل قلبي وقد لج في الهوى ... وما عادل في شرعة الحب عازله
يلومون جهلا بالغرام وإنما ... له وعليه بره وغوائله
فلله قلب قد تمادى صبابة ... على اللوم لا ينفك تغلى مراجله
وبالحلة الفيحاء من أبرق الحمى ... رداح حماها من قنا الخط ذابله
تميس كما ماس الرديني مائداً ... وتهز عجابا مثل ما أهتز عاملة
مهفهفة الكشحين طاوية الحشي ... فما مائد الغصن الرطيب ومائلة
تعلقها عصر الشبيبة والصبا ... وما علقت بي من زماني حبائله
حذرت عليها آجل العد والنوى ... فعاجلني من فادح البين عاجله
إلى الله يا أسماء نفساً تقطعت ... عليك غراما ما زال أزواله
وخطب بعاد كلما قلت هذه ... أواخره كرت علي أوائلة
لئن جار دهر بالتفرق واعتدى ... وغال التداني من دها البين غائله
فاني لأرجو نيل ما قد املته ... كما نال من يحيى الرغائب املة
كريم وفي إحسانه ونواله ... بما ضمنت للسائلين مخائله
من النفر الغر الذين بمجدهم ... تأطد ركن المجد واشتد كاهله
جواد يرى بذل النوال فريضة ... عليه فما زالت تعم نوافله
لقد ألبست نفس المعالي بروده ... وزرت على شخص الكمال غلائله
أجل همام أدرك المجد نيله ... وأدرك مولي سح بالفضل نائله
ولقد أيقنت المكارم أنها ... لتحيا بيحيى حين عمت فواضله
أخ لي ما زلت أواخي إخائه ... موطدة منها ببر يواصله
له همة نافت على الأوج رفعة ... تقاصر عنها حين همت تطاوله
لبهنك مجد يا ابن أحمد لم تزل ... فواضله مشهورة وفضائله
أبى الله إلا أن ينيف بك العلى ... ويعلي ها الفضل الذي أنت كافله
وما زلت تسعى في المكارم طالبا ... مقاما تناهى دونه من يحاوله
رويدك قد جزت الأنام بوثبة ... يشير لها من كل كف أنامله
سأشكرك ما أهديت لي من أزهار ... يجول عليها من ندى الحسن جائلة
ودم سالما من كل سوء مهنأ ... بما نلته دهرا وما أنت نائله
وأثني على ما صغته من قلائد ... تحلى بها من جيد مدحي عاطله
ودونكها من عض شكري وما عسى ... يفي بالذي أوليت ما أنا قائله
стр. 180
وكتب لي أيضا
وزائرة والبدر يتبعها وهنا ... ونور سناها من سنى نوره أسنى
رداح لها في الحسن أعظم آية ... تراها إذا ما أقبلت تخجل الغصنا
لها تصميم القلب خافي مودة ... وسر وداد أظهر الاسم أو كتى
حليف غرام في هواها مولع ... بها دائم الأسقام من هجرها مضنى
يذكرها عهد المحبة والهوى ... فتعرض عما قال مصغية ظنا
وإن لاح برق من نواحي ديارها ... أحل بقلب المستهام بها حزنا
فيا ليت شعري كم يقاسي صدودها ... فتى لم يجد صبرا ويوشك أن يفنى
فو الله رب العرش حلفة صادق ... لقد ضقت ذرعا من زماني وما سنا
زمان إذا ما رحت فيه مطالبا ... لنيل سرور زادني وهنه وهنا
أسائله تجيد عهد بقربها ... وهيهات منه أيمن وما منا
وما كل من يعطى النوال ينيله ... ولا كل من أغناه خالقه أغنى
نعم في بلاد الله طرداً ممجد ... إذا قال قولا صدق الخبر المعنى
علي أخي البر الذي ما قصدته ... لدى شدة إلا وصادفته وكنا
فتى قط مالا قيت منه حزونة ... على أنني صاحبته السهل والحزنا
فلا زال محروس اجناب مؤيداً ... برب الورى طراً وأسماءه الحسنى
فكتبت إليه بهذين البيتين:
أياما جداً قد أحكم اللفظ والمعنى ... ومعه من الإبداع ما لم يكن معنا
إليك فقد صيرت سحبان مفحما ... وأخجلت بالإفضال يا سيدي معنا
وممن نقل عنه صاحب ((السلافة)) محمد بن عبد الطبري من أهل القرن الحادي عشر, قال في حقه: هو أحد أولئك الجلة, وواحد تلك البدور والأهلة, الضارب في كل فن بسهم, والفارغ صفاة كل قريحة وفهم, ضاع نشر أدبه وما ضاع, ورضع ثدي الفضل فشب على حب ذلك الرضاع, وله قريض يزري بقراضة الذهب, ثبت في صفحات الصحائف حسنه وما ذهب, وقفت على كافية هي في الشهادة بفضلة كافية, وقافية راحت الباب أولي الأدب لاثرها قافية وهي:
أسير العيون العج ليس له فك ... لأن سيوف اللحظ من شأنها الفتك
حذار خلي القلب من علق الهوى ... فأوله سقم وآخره سفك
ورح سالماً قبل الغرام ولا تقس ... علي فإني هالك فيه لا شك
ألم ترني ودعت يوم فراقهم ... حشاي لعلمي أن ما دونه الهلك
وكيف خلاصي من يدي شادن إذا ... بدا ابيضّ في الديجور من نوره الحلك
يقولون ترك الحب أسلم للفتى ... نعم صدقوا لو كان يمكنه الترك
دعوني وذكرى بين بانات لعلع ... غريبا فهم عند المواقف لي نسك
وإن رمتم إرشاد قلبي فكرروا ... أحاديث عشق طاب في نظمها السبك
أما والخدود العند ميات لم أخل ... وكل الذي عني روى عاذلي إفك
وما بمصون الثغر من ماء كوثر ... وكأس عقيق ختمه حاله المسك
لقد لذ لي خلع العذار وطاب في ... هوى الخرد البيض الدمى عندي الهتك
شعر العمري
وممن نقل عنه صاحب ((السلافة)) الشيخ عبد الرحمن العمري من أهل القرن الحادي عشر, قال في حقه: هو علامة القطر الحجازي ومفتيه, ومولي معروف المعارف ومواتيه, وبحر العلم الذي لا يدرك ساحله وبره، الذي لا تطوى مواحله, أشرقت في سماء الفضائل ذكاء ذكائه, وأخرس به ناطق الجهل بعد تصديه ومكائه حتى طار صيته في الآفاق وانعقد على فضله الوفاق، وانتهت إليه رياسة العلم في البلد الأمين، فتصدر وهو منجع الوافدين والآمين منه تقتبس أنواع الفنون، وعنه تؤخذ أحكام المفروض والمسنون، وتشد الرحال إلى لقائه، وتصانيفه في أقسام العلم صنوف، وتآليفه في مسامع الدهر أقراط وشنوف، إن نثر فما أزهار الرياض غب المزن الهاطل, وإن نظم فما جواهر العقود تحلت به الغيد العواطل.
وأطال في ترجمته, وأستقصى سيرته, وأثبت شيئاً من نثره ونظمه, وأطال في ذلك، فأحببت الاختصار, لأن كتاب السلافة كثير الوجود, فمن أراد الوقوف على ذلك فاليراجعه, فمن شعره ما مدح به السيد ثقبة مهنئاً لهى عافية ابنه قتادة, ومتشكراً من أنعام أنعمه عليه:
أقبل أرضاً حفها الله بالسعد ... وألثم ترباً عرفها فائق الند
وأهدي سلاماً عبّق الكون نشره ... وفاق شذا النسرين والآس والورد
صحيب ثناء فصلت در عقده ... وفضله الرائي على الجواهر الفرد
следующие страницы →