← Адаб

Адаб · id 5375

نزهة الأبصار بطرائف الأخبار والأشعار

عبد الرحمن بن درهم

Полный текст (363 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فلم يحصل منه على ما أراد إلا ما أجازة به من مال، ورجع إلى مكة المشرفة، وأقام بها سنتين، ثم توجه إلى الديار الرومية قاصداً السلطان مراد خان وذلك سنة ١٠٤١م, فوفد إليه بالقسطنطينة, ومدحه بقصيدة سأله فيها توليته مكة المشرفة, ومطلع القصيدة قوله: ألا هبي فقد بكر الندامى ... ومج المرج من ظلم الندى ما وهيمنت القبول فضاع نشرٌ ... روى من شيخ نجد والخزامى وقد وضعت عذارى المزن طفلا ... بمهد الروض تغذوه النعامى فكم خفر الفوارس في وطيس ... فتى منا وما خفر الذماما وكم يوم ضربنا الخيل فيه ... على أعقابها خلفاً أماما فنحن بنو الفواطم من قريش ... وقادت الهواشم لا هشاما برانا الله للدنيا سناءً ... وللأخرى إذا قامت سناما وخص بفضله من أم منا ... مليكاً كان سابوراً هماما فتى الهيجا مراد الحق من لم ... يخف من فضل خالقه ملاما محش الحرب إن طارت شعاعاً ... نفوس عندها قل المحامى وغيث قطره ورق وتبر ... يجود إذا شكى المحل الركاما فيثني سيبه جدباً وشيكاً ... ويثني سيفه موتاً زؤما وفي شفتيه آجال ورزق ... بها أمر الصواعق والسجاما يقود له الملوك الصيد جيشاً ... فيمنحه الخوامع والرجاما وإن وفدوه أغناهم وأقنى ... وأجلسهم على العليا مقاما مليك الأرض والأملاك طراً ... وحاوي ملكها يمناً وشاما ومجرٍ من دم الأعداء بحراً ... ولا قوداً يخاف ولا أثاما يبيت مراعياً أمر الرعايا ... إذا باتت ملوكهم نياما تسنم غارب الدنيا فألقى ... إليه جموحها طوعاً زماما إذا شملت عنايته لئيماً ... فقد شملت مكارمه الكراما تعاظم قدره عن وصف شعر ... كذا مرماه يسمو أن يراما ويكبر أن يدانيه عنيد ... فيرميه ويعظم أن يراما ترفع كمه عن لثم ملكٍ ... وتلثمه الضعائف واليتامى وينطق عنده شاك ضعيف ... ولا يسطيع جبار سلاما له يد ماجد لم تله يوماً ... بغانية ولا ضمت مداما أغر سميدع ضخم المساعي ... له رأي يرد به السهاما ويخدم قبرطه بالمواضي ... ودين الله والبيت الحراما فيا ملك الملوك ولا أبالي ... ولا غدراً أسواق ولا احتشاما إذا ما قست لم أنزلك فيهم ... بمنزلة الرجال من الأيامى إلى جدواك كلفنا المطايا ... دوماً لا نفارقها دواما وجبنا يا ابن عثمان الموامي ... إلى أن صرن من هزل هيامى وذقنا الشهد في معنى الترجي ... وقلنا الصبر من جوع طعاما صلينا من شموس القيظ ناراً ... تكون بنورك العالي سلاما وخضنا البحر من ثلج إلى أن ... حسبناه على البيدا أكاما نؤم رحابك الفيح اشتياقاً ... ونأمل منك آمالا جساما ومن قصد الأمير غدا أميراً ... على مافي يديه ولن يضاما وحاشا بحرك الفياض أنا ... نردُّ بغلة عنه حياما وقد نزل ابن ذي يزن طريداً ... إلى كسرى فأنزله شماما أتى فرداً فعاد يجر جيشاً ... كسا الآكام خليلاً والرغاما به استبقى جميل الذكر دهراً ... وأنت أجل من كسرى مقاما وسيف في العلى دوني وإني ... عصاميٌ وأسموه عظاما بفاطمةٍ ونجليها وطه ... وحيدرة الذي فاق الأناما عليهم رحمة تهدي سلاما ... يكون لنشرها مسكاً ختاما ولا بدع إذا وافاك عافٍ ... فعاد يقود ذا لجب لهاما فخذ بيدي وسنِّمني محلا ... بقربي منك فيه لن أسامي وهب لي منصبي لتنال أجري ... وشكري ما بقيت له لزاما فيقال: إنه إجابه السلطان المذكور، ووعده بذلك، ولكن اختر منه المنية قبل نيل الأمنية، فلم يعد إلى مكة المشرفة، وتوفي في تلك السنه، أو التي تليها ﵀. تم الاختيار من شعر أحمد بن مسعود الشريف، وأخباره, ويليه الاختيار من شعر السيد عماد الدين بن بركات بن أبي نمى الحسيني. شعر ابن بركات الشريف

стр. 177

قال فيه صاحب "كتاب السلافة": له شعر يفعل في الألباب فعل السحر، أثبت منه ما هو أحلى من جنى النحل, وأجدى من القطر في البلد المحل، وكتبت إليه قصيدة ضمنتها التبرم من الاغتراب والبعاد أقول فيها: "ابن المعصوم" هل يعلم الصحب أني بعد فرقتم ... أبيت أرعى نجوم الليل سهرانا أقضي الزمان ولا أقضي به وطراً ... وأقطع الدهر أشواقاً وأشجانا ولا قريب إذا أصبحت ذا حزنٍ ... إن الغريب حزين حيثما كانا أرى فؤادي وإن ضاقت مسالكه ... بمدح نجل رسول الله جزلانا عماد أبنية المجد الذي رفعت ... آباؤه الغر من ناديه أركانا السيد الماجد الندب الشريف ومن ... قد بذ بالفضل أكفاء وأقرانا سما به النسب الوضاح فاجتمعت ... فيه المحامد أشكالاً وألوانا يا واسع الخلق إفضالاً ومكرمة ... وموسع الخلق إنعاماً وإحسانا فقت الكرام ما أوليت من كرم ... لله درك مفضالاً ومعوانا ما قلت في المجد قولاً يوم مفتخر ... إلا أقمت عليه منك برهانا لا زلت في الدهر مرضي العلى أبداً ... ونائلاً من إله الحق رضوانا عليك مني سلام الله ما صدحت ... ورق الحمام وهز الريح أغصانا فأجابني يقوله: يا من تذكر خلاناً وجيرانا ... وصار يمسي سمير النجم سهرانا صاد إلى مورد قد كان يألفه ... عذب به يشتفي من كان ولهانا له به مرتع طابت موارده ... واليوم بالهند يا لله ما حانا يا ماجداً حاز سبقاً في القريض وفي ... نهج البلاغة حتى فاق أقرانا أحسنت لازلت في أمن وفي دعة ... جزاك ربك بالإحسان إحسانا وحق جدك إن العين في غرق ... والقلب في حرق وجداً لما آنا عليك بالصبر يا مولاي معتصماً ... إن النفيس غريب حيثما كان كذا الليالي عهدناها مبدلة ... بالقرب بعداً وبعد الوصل هجرانا فلا رأيت مدى الأيام حادثة ... من الزمان ولا همّاً وأحزنا قد ضاق صدري لما أبديت من كمدٍ ... من لاعج البين ليت البين لا كانا لكن لي أمل في الله خالقنا ... وحسن ظني متى ندعوه أولانا أن يجمع الشمل في تلك البقاع وأن ... يروي غليل صدٍ ما زال حرانا بفضل من عمت الأكوان قدرته ... رب البرية ذي الإحسان مولانا ما حرمت نسمات الريح مورقة ... من النبات وهزت منه أفنانا ومن شعرة مخاطباً لوالد المصنف أحمد الحسني: زرت خلاً صبيحةً فحباني ... بسؤال أشفى وأرغم شاني قال لما نظرت نور محياه ... ونلت المنى وكل الأماني كيف أصبحت كيف أمسيت مما ... يلبت الحب في قلوب الغواني؟ فتحرجت أن أفوه بما قد ... كان مني طبعاً مدى الأزمان يا أخا المجد والمكارم والفضل ... ومن لا أرى له اليوم ثاني أدرك ادرك متيماً في هواكم ... وأكففن عنه صولة الحدثان وابق واسلم منعماً في سرورٍ ... ما تغنت ورق على غصن بان فراجعه الوالد بقصيدة أولها: ليت شعري متى يكون التداني ... لبلاد بها الحسان الغواني وبها الكرم مثمراً والأقاحي ... ضحكت من ثغور زهر لجان والبساتين فائحات بعطر ... يخجل العنبر الزكي اليماني وطيور بها تجاوبن صبحاً ... وعشياً كنغمة العيدان وبألحان تذيب ذوي اللب ... وتحيي ميتاً من الهجران وتمشي بها الظباء الحوالي ... مائسات كناعم الأغصان كل خود تسطو بلحظ حسام ... وتثنى كما قنا المران وجهها الصبح إنما الفرع منها ... ليل صب من لوعة الحب فان غادة كالنجوم عقد طلاها ... ما اللآلي ما حلى العقيان إن ياقوت خدها أرض الياقوت ... سعراً وعائب المرجان كل يوم يقضى بقرب لديها ... فهو يوم النيروز والمهرجان تلك من فاتت الظباء افنتنانا ... فلذا وصفها أتى بافتنان مالصب أصيب من أسهم اللحظ ... نجاة من طارق الحدثان أذكرتني أيام تلك وأغرت ... أعيني بالبكاء والهملان ومنها قوله: نفثات كالسحر يصدعن في قلب ... معنَّىً من الملامة عاني

стр. 178

كلمات لكنها كالدراري ... وسطور خصت بديع المعاني إذا أتت من أخ شقيق المعالي ... فائق الأصل غرة في الزمان صافي الود صافي القلب قرم ... كعبة المجد في ذرى كيوان ذاكراً لي بها تزايد شوق ... وولوعا به مدى الأزمان ففهمت الذي نحاه ولكن ... ليت شعر ي يدري بما قد دهاني أنا قيس في الحب بل هو دوني ... لا جميل حالي ولا كابن هاني يا أخا العزم قد سلمت ووجدي ... طافح زائد بغير توان فلتحفي أبصرت من قد رماني ... وعناء تصيد الغزلان إن تشأ شرح حال صب كئيب ... فلقد قاله بديع المعاني "مرضي من مريضة الأجفان ... عللاني بذكرها عللاني" هذا البيت مطلع قصيدة لأبن العربي وبعده: غنت الورق في الرياض وناحت ... شجو هذا الحمام مما شجاني بأبي طفلة لعوب تهادي ... من بنات الخدور بين الغواني طلعت في العيان شمسا فلما ... أفلت أشرقت بأفق جناني ومن شعر السيد المذكور قوله مذيلاً بيت أبي زمعة جد أميه بن أبي الصلت، ومادحا السيد أحمد بن معصوم والد مؤلف السلافة: اشرب هنيئاً عليك التاج مرتفعاً ... برأس غمدان دار منك محلالا تسعى إليك بها هيفاء غانية ... مياسة القد كحلا الطرف مكسالا إذا تثنت كغصن البان من ترف ... وإن تجلت كبدر زان تمثالا كأنها وأدام الله بهجتها ... تكونت من محيا دهرنا حالا وكيف لا وهي أمست فيه ساحبة ... بخدمة السيد المفضال أذيالا ذاك الذي جل عن تنويه تسمية ... شمس علت هل ترى للشمس أمثالا الباسم الثغر والأبطال عابسة ... والباذل المال لم يتبعه أنكالا عار من العار كأس من محامده ... لا يعرف الخلف في الأقوال إن قالا إن قال أفحم ندب القوم مقوله ... أوصال أخجل ليث الغاب إن صالا علا به النسب الوضاح منزلة ... عن أن يماثل إعظاما وإجلالا خذها ربيبة خدر طالما حجبت ... لولا علاك وودٌ قط ما حالا واصفح بفضلك عن تقصير منشئها ... وحسن بشرك لم يبرح لها فالا ثم الصلاة على أزكى الورى نسباً ... وآله الغر تفصيلاً وإجمالا تم الاختيار من شعر ابن بركات الشريف، ويليه الاختيار من شعر السيد محمد بن الأمير أحمد الحسيني. شعر محمد يحيى الحسيني قال مؤلف ((السلافة)) : هو ماجد ثبتت في المجد وثائقه, وفاضل نشبت بالفضل علائقه, أحرز الأدب النصيب الأوفر، وتمسك منه بما أخجل طيب نشره المسك الأذفر إلى دماثة شيم وأخلاق, وما شأن قشيب ابرادها اخلاق, وله شعر تأخذ بمجامع القلوب طرائفه، ويملك مسامع أولي الأشواق شائقة ورائقة فمن قله: تذكرت أيام الحجيج فأسبلت ... جفوني دماء واستجد بي الوجد وأيامنا بالمشعرين التي مضت ... وبالخفيف إذحادي الركاب بنا يحدو وقوله مخاطباً لي: وما شوق مقصوص الجناحين مقعد ... على الضيم لم يقدر على الطيران بأكثر من شوقي إليك وإنما ... رماني بهذا العد منك زماني وقوله مخاطباً لي أيضاً: ألا لا سقى الله البعاد وجوره ... فإن قليلاً منه عنك خطير ووالله لو كان التباعد ساعة ... وأنت بعيد إنه لكثير وقوله: ألا يا زماناً طال فيه تباعدي ... أما رحمة تدنو بها وتجود لألقى الذي فارقت نفسي مذ نأى ... منها أنا مسلوب الفؤاد فريد وكتب إلي مادحاً, وعلى فنن البلاغة صادحاً: أقل أيهذا القلب عما تحاوله ... فإنك مهما زدت زاد تشاغله دع الدهر يفعل كيف شاء فقلما ... يروم امرؤ شيئاً وليس يواصله وما الدهر إلا قلب في أموره ... فلا يغترر في الحالتين معامله ويا طالما طاب الزمان لماجد ... فسر وقد ساءت لديه أوائله رعى وسقى الله الحجاز وأهله ... ملث تعم الأرض سقياً هواطله فإن به داري ودار عزيزة ... علي ومهما أشغل القلب شاغله ولكن بي شوقاً إلى خلتي التي ... متى ذكرت للقلب هاجت بلابله أبيت ولي منها حنين كأنني ... طريح طعان قد أصيبت مقاتله

стр. 179

هوى لك ما ألقاه يا عذبة اللمى ... وإلا فصعب ما أنا اليوم حامله أكابد فيه الشوق والشوق قاتلي ... وأسأل ممن لم يجب من يسأله تقي الله في قتل امرئ طال سقمه ... وإلا فإن الهجر لا شك قاتله صليه فقد طال الصدود وقلما ... يعيش امرؤٌ والصد ممن يقاتله حزين لما يلقاه فيك من الجوى ... فها هو مضني معين فإني كلما شئت نائله فذاك أخي حامي الذمار وسيدي ... وذخير الذي ألقى به ما أحاوله وذاك الذي لولاه ما عرف الندى ... ولا عرف التفضيل لولا فضائله أغر همام يمتطي صهوة العلى ... فتعلوا به بين الأنام مناوله فلا فخر إلا فخره وعلاؤه ... ولا جود إلا ما هو اليوم بازله يعز إذا زلت أسود لدى الوغى ... وتسعد منه في الحروب قبائله له بين أبناء الملوك مخائل ... فيا حبذا ذلك الفتى ومخائله إذا ما أتاه سائل نال سؤله ... ونال جزيلاً فوق ما هو آماله ويأتي إليه طالب الجود راغباً ... فيرجع مسروراً بما نال سائله فيا ملجأي في النائبات ومن به ... إذا رمت أمراً في الزمان أوصاله إليك فقد جاءتك مني قصيدة ... أتت تشكي دهراً تعدى تطاوله ودم ذا علاء في البرايا وسؤدد ... رفيع مكان لاعلاء يطاوله فراجعتة بقولي: إليك فقلبي لا تقر بلابله ... إذا ما شدت فوق الغصون بلابله تهيج له ذكرى حبيب مفارق ... زرود وحزوى والعقيق منازله سقاهن صواب الدمع مني ووبله ... منازل لا صوب الغمام ووابله يحل بها من لا أصلح باسمه ... غزال على بعد المزار أغازله تقسمه للحسن عبل ودقة ... فرن وشاحاه وصمت خلاخله وما أنا بالناسي ليالي بالحمى ... تقضت وورد العيش صفو مناهله ليالي لا ظبي الصريم مصارم ... ولا ضاق صدرا بالصدور مواصله وكم عاذل قلبي وقد لج في الهوى ... وما عادل في شرعة الحب عازله يلومون جهلا بالغرام وإنما ... له وعليه بره وغوائله فلله قلب قد تمادى صبابة ... على اللوم لا ينفك تغلى مراجله وبالحلة الفيحاء من أبرق الحمى ... رداح حماها من قنا الخط ذابله تميس كما ماس الرديني مائداً ... وتهز عجابا مثل ما أهتز عاملة مهفهفة الكشحين طاوية الحشي ... فما مائد الغصن الرطيب ومائلة تعلقها عصر الشبيبة والصبا ... وما علقت بي من زماني حبائله حذرت عليها آجل العد والنوى ... فعاجلني من فادح البين عاجله إلى الله يا أسماء نفساً تقطعت ... عليك غراما ما زال أزواله وخطب بعاد كلما قلت هذه ... أواخره كرت علي أوائلة لئن جار دهر بالتفرق واعتدى ... وغال التداني من دها البين غائله فاني لأرجو نيل ما قد املته ... كما نال من يحيى الرغائب املة كريم وفي إحسانه ونواله ... بما ضمنت للسائلين مخائله من النفر الغر الذين بمجدهم ... تأطد ركن المجد واشتد كاهله جواد يرى بذل النوال فريضة ... عليه فما زالت تعم نوافله لقد ألبست نفس المعالي بروده ... وزرت على شخص الكمال غلائله أجل همام أدرك المجد نيله ... وأدرك مولي سح بالفضل نائله ولقد أيقنت المكارم أنها ... لتحيا بيحيى حين عمت فواضله أخ لي ما زلت أواخي إخائه ... موطدة منها ببر يواصله له همة نافت على الأوج رفعة ... تقاصر عنها حين همت تطاوله لبهنك مجد يا ابن أحمد لم تزل ... فواضله مشهورة وفضائله أبى الله إلا أن ينيف بك العلى ... ويعلي ها الفضل الذي أنت كافله وما زلت تسعى في المكارم طالبا ... مقاما تناهى دونه من يحاوله رويدك قد جزت الأنام بوثبة ... يشير لها من كل كف أنامله سأشكرك ما أهديت لي من أزهار ... يجول عليها من ندى الحسن جائلة ودم سالما من كل سوء مهنأ ... بما نلته دهرا وما أنت نائله وأثني على ما صغته من قلائد ... تحلى بها من جيد مدحي عاطله ودونكها من عض شكري وما عسى ... يفي بالذي أوليت ما أنا قائله

стр. 180

وكتب لي أيضا وزائرة والبدر يتبعها وهنا ... ونور سناها من سنى نوره أسنى رداح لها في الحسن أعظم آية ... تراها إذا ما أقبلت تخجل الغصنا لها تصميم القلب خافي مودة ... وسر وداد أظهر الاسم أو كتى حليف غرام في هواها مولع ... بها دائم الأسقام من هجرها مضنى يذكرها عهد المحبة والهوى ... فتعرض عما قال مصغية ظنا وإن لاح برق من نواحي ديارها ... أحل بقلب المستهام بها حزنا فيا ليت شعري كم يقاسي صدودها ... فتى لم يجد صبرا ويوشك أن يفنى فو الله رب العرش حلفة صادق ... لقد ضقت ذرعا من زماني وما سنا زمان إذا ما رحت فيه مطالبا ... لنيل سرور زادني وهنه وهنا أسائله تجيد عهد بقربها ... وهيهات منه أيمن وما منا وما كل من يعطى النوال ينيله ... ولا كل من أغناه خالقه أغنى نعم في بلاد الله طرداً ممجد ... إذا قال قولا صدق الخبر المعنى علي أخي البر الذي ما قصدته ... لدى شدة إلا وصادفته وكنا فتى قط مالا قيت منه حزونة ... على أنني صاحبته السهل والحزنا فلا زال محروس اجناب مؤيداً ... برب الورى طراً وأسماءه الحسنى فكتبت إليه بهذين البيتين: أياما جداً قد أحكم اللفظ والمعنى ... ومعه من الإبداع ما لم يكن معنا إليك فقد صيرت سحبان مفحما ... وأخجلت بالإفضال يا سيدي معنا وممن نقل عنه صاحب ((السلافة)) محمد بن عبد الطبري من أهل القرن الحادي عشر, قال في حقه: هو أحد أولئك الجلة, وواحد تلك البدور والأهلة, الضارب في كل فن بسهم, والفارغ صفاة كل قريحة وفهم, ضاع نشر أدبه وما ضاع, ورضع ثدي الفضل فشب على حب ذلك الرضاع, وله قريض يزري بقراضة الذهب, ثبت في صفحات الصحائف حسنه وما ذهب, وقفت على كافية هي في الشهادة بفضلة كافية, وقافية راحت الباب أولي الأدب لاثرها قافية وهي: أسير العيون العج ليس له فك ... لأن سيوف اللحظ من شأنها الفتك حذار خلي القلب من علق الهوى ... فأوله سقم وآخره سفك ورح سالماً قبل الغرام ولا تقس ... علي فإني هالك فيه لا شك ألم ترني ودعت يوم فراقهم ... حشاي لعلمي أن ما دونه الهلك وكيف خلاصي من يدي شادن إذا ... بدا ابيضّ في الديجور من نوره الحلك يقولون ترك الحب أسلم للفتى ... نعم صدقوا لو كان يمكنه الترك دعوني وذكرى بين بانات لعلع ... غريبا فهم عند المواقف لي نسك وإن رمتم إرشاد قلبي فكرروا ... أحاديث عشق طاب في نظمها السبك أما والخدود العند ميات لم أخل ... وكل الذي عني روى عاذلي إفك وما بمصون الثغر من ماء كوثر ... وكأس عقيق ختمه حاله المسك لقد لذ لي خلع العذار وطاب في ... هوى الخرد البيض الدمى عندي الهتك شعر العمري وممن نقل عنه صاحب ((السلافة)) الشيخ عبد الرحمن العمري من أهل القرن الحادي عشر, قال في حقه: هو علامة القطر الحجازي ومفتيه, ومولي معروف المعارف ومواتيه, وبحر العلم الذي لا يدرك ساحله وبره، الذي لا تطوى مواحله, أشرقت في سماء الفضائل ذكاء ذكائه, وأخرس به ناطق الجهل بعد تصديه ومكائه حتى طار صيته في الآفاق وانعقد على فضله الوفاق، وانتهت إليه رياسة العلم في البلد الأمين، فتصدر وهو منجع الوافدين والآمين منه تقتبس أنواع الفنون، وعنه تؤخذ أحكام المفروض والمسنون، وتشد الرحال إلى لقائه، وتصانيفه في أقسام العلم صنوف، وتآليفه في مسامع الدهر أقراط وشنوف، إن نثر فما أزهار الرياض غب المزن الهاطل, وإن نظم فما جواهر العقود تحلت به الغيد العواطل. وأطال في ترجمته, وأستقصى سيرته, وأثبت شيئاً من نثره ونظمه, وأطال في ذلك، فأحببت الاختصار, لأن كتاب السلافة كثير الوجود, فمن أراد الوقوف على ذلك فاليراجعه, فمن شعره ما مدح به السيد ثقبة مهنئاً لهى عافية ابنه قتادة, ومتشكراً من أنعام أنعمه عليه: أقبل أرضاً حفها الله بالسعد ... وألثم ترباً عرفها فائق الند وأهدي سلاماً عبّق الكون نشره ... وفاق شذا النسرين والآس والورد صحيب ثناء فصلت در عقده ... وفضله الرائي على الجواهر الفرد

стр. 181

وحاكته أيدي غانيات فضائلاً ... تحجبن إلا عن لقاء ذوي المجد ووشته حتى خيل برداً منمنماً ... على منكب العلياء طرز بالحمد ومذ نشرته فاح في الكون عرفه ... وأهدى إلى الأرواح رائحة الند وأنشد من أضحى لرياه ناشقا ... ((ألا يا صبايا نجد متى هجت من نجد)) رديف دعا هزت معاطف غصنه ... قبول قبول فهي مائسة القد تبختر في روض الإنابة ساحباً ... مطارف أذيال الإجابة بالقصد إلى حضرة عليا مقدسة سمت ... وجلت عن التعريف بالرسم والحد وقصر عها الواصفون وإن يكن ... خطيب عكاظ وامرأ القس والجعدي وإني وإن كنت المقصر عنهم ... سأبذل في مدحي وتقريظه جهدي وهيهات أن أحصي ثناء لقائل ... تشرف جبريل بخدمته جدي مليك له هام الفرادق منزل ... تبوأه إرثاً عن الأب والجد مليك سنا الإجلال لاح بوجهه ... مخائله مذ كان في حوزة المهد مليك إذا ما جال حومة الوغى ... ترى الهام تهوي في الرغام على الخد تخيلها خرت لتقبيل لا حافز الصوافن كيما تستجير من الجد فإن شمت برقاً لاح في أفق غيهب ... من النقع قل ذا سيفه سل من غمد وإن سمعت أذناك سيلاً عرمرماً ... يسيل فقل هذا نداه لمستجد وإن عبق الأكوان نشر معنبر ... فقل ذا شذا أوصافه الفائق الند وإن تر شمس الأفق قد أشرقت فقل ... سنا وجهه الوضاح لاح لمستهد وإن تر بدر الجو بين كواكب ... فقل هو في بنائه الغر إذ يبدي فمن كأبي عجلان في الحلم والحجى ... وفي الفضل والتقوى وفي العلم والزهد؟ ومن كأبي عجلان في البأس والندى ... وفي الشرف البذاخ والعز والمجد؟ فيا سيد السادات دونك مدحة ... تفاخر در السمط بل جوهر العقد قريض محب لم يزل متمسكاً ... بعروتك الوثقى المنوطة بالعهد شكور لنعماك التي ألبسته من ... نسيج يد الإفضال من أفخر البرد وهيهات لا أسطيع شكر صنيعها ... ولكن على مقدار ما يقتضي جهدي ولا سيما إن ذكرته مدائحي ... بسابق وعد كان من صادق الوعد فلا زال محروس الجناب ممتعاً ... بأبنائه الصيد الغطارفة الأسد ولا سيما السامي لأفخر رتبة ... تسنمها بالحزم والعزم والجد بهي الصفات الغر والمجد والسنا ... سمي السمات الساميات من العد قتادة حاوي المكرمات ومن علا ... على هامة الجوزاء من فلك السعد ومن في سماء المجد أشرق نجمه ... وأضحت به الأكوان وردية الخد وهزت له العليا معاطف نثرها ... وغنت حمام الأيك في عذب الرند تهنيه إذ حاكت له بيد الشفا ... معاطف تغنيه عن السابغ السرد لعمري لقد عم الهنا كل مهجة ... لما ضمنته في مخبأة الود فلا زال في وثب المسرة رافلاً ... يجرر أردان السعادة والمجد بسوح أبيه السيد الملك الذي ... تقلد من حلي السيادة بالعقد وتوجه نور النبوة مغفراً ... يطرز بالإقبال والعز والسعد وألبسه جأش الخلافة سابغاً ... تدرعه من سطوة الدهر إذ يعدي وأزكى صلاة الله ثم سلامه ... على المصطفى الهادي إلى منهج الرشد وآل له والصحب ماذر شارق ... وما غرد القمري على فنن الرند وما حكت في مدح المليك قصائداً ... وطرزتها بالشكر والمدح والحمد ولم يؤرخ ناقل الترجمة سنة وفاته, ونقل أيضا صاحب ((السلافة)) لأخيه القاضي شهاب الدين أحمد بن عيسى المرشدي, فقال في حقه: شهاب الفضل الثاقب، الشهير المآثر والمناقب, سطع في سماء الأدب نوره، وامتد في البلاغة باعه فشق من رام أن يشق غباره أتباعه, لا تلين قناة فضله لغامز, ولا يلعز أدبه المبرأ من العيب لامز, وله نظم بديع الأسلوب يملك برقته المسامع والقلوب، فمنه يمدح الشريف مسعود بن الشريف أدريس شريف مكة المشرفة عام تسع وثلاثين وألف بهذه القصيدة: عوجا قليلا كذا عن أيمن الوادي ... واستوقفا العيس لا يحدو بها الحادي وعرجا بي على ربع صحبت به ... شرخ الشبيبة في أكناف أجياد واستعطفا جيرة بالشعب قد نزلوا ... على الكثيب فهم غيي وإرشادي

стр. 182

وسائلاً عن فؤادي تبلغا أملي ... إن التعلل يشفي غلة الصادي واستشفعا تشفعا تسآلكم فعسى ... يقدر الله إسعافي وإسعادي وأجملا لي وحطا عن قلوصكما ... في سوح مردي الأعادي الضيغم العادي مسعود عين العلى المسعود طالعه ... قلب الكتيبة صدر الحفل والنادي رأس الملوك يمين الملك ساعده ... زند المعالي جبين الجحفل البادي شهم السراة الألى سارت عوارفهم ... شرقاً وغرباً بإغوار وإنجاد نرد غمار العلى في سوحه ونرح ... أيدي الركائب من وخد واسآد فلا مناخ لنا في غير ساحته ... وجود كفين فها رائح غادي يعشوشب العز في أكناف عقوته ... يا حبذا الشعب في الدنيا لمرتاد ونجتني ثمر الآمال يانعةً ... من روض معروفه من قبل ميعاد فأي سوح يرجى بعد ساحته ... وأي قصد لمقصود وقصاد؟ ليهن ذا الملك إن ألبست حلته ... محيي مآثر آباء وأجداد لبستها فكسوت الفخر مرسلها ... مشهّراً يبهر المصبوغ بالجادي علوت بيتاً ففاخرت النجوم علاً ... والشهب فخراً بأسباب وأوتاد ولحت بدراً بأفق الدست تحسده ... شمس النهار وهذا حرها بادي وصنت مكة إذ طهرت حوزتها ... من ثملة أهل تثليث وإلحاد قد غر بعضهم الإهمال يحسبه ... عفواً فعاد لإتلاف وإفساد وزدتهم عن حمى البيت الحرام وهم ... من السلاسل في أطواق أجياد كأنهم عند رفع الزند أيديهم ... يدعون حباً لمولانا بإمداد وما ارعووا فشهرت السيف محتسباً ... يا برد حرهم في حر أكباد غادرتهم جزراً في كل منجدل ... كأن أثوابها وجت بفرصاد وأثمر السدر من أجادهم ثمراً ... حلواً بأفواه أجداث وألحاد سعيت سعياً حثيثا من خمائله ... نور الأمان لأرواح بأجساد فكم بمكة من داع ومبتهل ... ومن محب ومن مثمن ومن فاد وعاد كل عصي مصلحا وغدت ... أيامنا بالهنا أيام أعياد إلى أن قال: فهاك يا ابن رسول الله من ... أورت قريحته من بعد إخماد فأحكمت فيك نظما كله غرر ... ما أحرزت مثله أقيال بغداد أضحت قوافيه والإحسان يشرحها ... روض البديع لإرصاد بمرصاد ترويه عني الثريا وهي هازئة ... بالأصمعي وما يروي وحماد وتستحث مطايا الزهر إن ركدت ... كأنها إبل يحدوا بها الحادي توقظ الركب ميلاً من خمار كرى ... والليل من طول تدآب السرى هادي أمّتك تشفع إذلالا لمنشأها ... فاقبل تذللها يا نسل أمجاد وأسبل الستر صفحاً إن بدا خلل ... نهتك به ستر أعداء وحساد وقل تقرب إلينا تستعز بنا ... ما حق مثلك أن يقصى بإبعاد لازلت ياعزّ آل البيت في دعة ... تحف منهم بأنصار وإنجاد ثم الصلاة على الهادي وعترته ... وصحبه ما شدا في أيكتة شاد وقال يستدعي جماعة من الفضلاء، وهم بجبل النور الكائن بالمعلاة وهو بمنى: عليكم من محب حشو أضلعه ... ودٌ أرقُّ إلى الظامي من النطف تحية يرتضيها الفضل إن نفحت ... أربت على نفحات الروضة الأنف حواكم أجبل العالي بكم شرفاً ... على المعالي التي تعلوا على الشرف نظمتم فيه نظم العقد متسقاً ... على تليل كعاب ظاهر الترف وغادرت عبدكم أيدي مؤلفه ... مكبلا وحده في ربقة الصدف منى هي الصدف المومى إليه منىً ... للنفس فيها وفي افنائها الورف ولا أنيس لكم إلا مماثلكم ... على بثين جميل السفح والسعف يجيبني بصدى صوتي فأرفعه ... من قلة الإلف أو من كثرة الشغف فهل وفي من الخلان يسعدني ... في الفجر أو بعد ماصلى مع الحنفي يجيبني أو يجيب الضير عنه وما ... يجيبني غير محيي الدين أو شرف كفآن يرضاهما الإحسان إن نطقا ... أو أرغفا لدن الأقلام في الصحف

стр. 183

ونقل في ((السلافة)) أيضا ترجمة أبي بكر الخاتوني, فقال في حقه: هو الشيخ فخر الدين الخاتوني, كاتب ماهر، وشاعر قلد الطروس من نظمة عقود الجواهر, وأديب سهم أده لشواكل الأغراض مصيب, وأديب أحرز من فضل أو فهرسهم ونصيب, جرى في مضمار القريض ملء عنانه, واجتنى زهر رياضه واقتطف ورد جنانه, وهو ممن حلب الدهر أشطره، وفرى من أديم الزمان أسطره, وشعره بحر لا يلفى لمدة جزر, رقيق الحواشي لا هراء ولا نزر، فمن بدائعه التي هي من بديع الحسن مصورة قولة مخاطبا أهل المدينة المنورة على سكانها وآله وأصحابه الكرام أفضل الصلاة وأزكى السلام: يا أهل طيبة لا زالت شمائلكم ... كالروض باكره سار من الديم أنفاسكم والنفوس الغر لا برحت ... كالزهر والزهر في لطف وفي كرم ما أمكم زائر إلا وآب بما ... يربو على فكره من كل مغتنم فأنتم الطاهرون الطيبون ومن ... لا ريب في مجدهم من سالف القدم لا عيب فيهم سوى أن النزيل بهم ... يسلو عن الأهل والأوطان والحشم جميلكم جل أن يحصى وفضلكم ... في الناس أشهر من نار على علم كفاكم بجوار المصطفى شرفاً ... وجار ذي الجاه أنّى كان لم يضم لولكم خيرة الله الكريم لما ... كنتم له جيرة من سائر الأمم والله جل اسمه بالقرب خولكم ... وزادكم بسطةً في العلم والهمم لا زلتن وأمان الله يكلؤكم ... مما يحاذر في حرز من اللمم وكيف يخشى الرزايا أن تلم بكم ... وأنتم من حمى المختار في حرم عليه صلى إله العرش ما سجعت ... ورق الحمائم بين الضال والسلم وآله الطهر والصحب الكرام ومن ... والأهم من جمع العرب والعجم وممن نقل له صاحب ((السلافة)) أيضا الشيخ أحمد بن محمد الجوهري قال في حقه: هو جوهري النثر والنظم، زهري السجايا العظام، حلى بعقود نظمه عواطل الأجياد, وسبق بجواد فهمه الصافنات الجياد مع اضطلاع بفنون العلوم, واطلاع على خفايا المنطوق والمفهوم, وديانة وورع، وصيانة فاق فيها وبرع, وأخلاق وشيم, كأنفس الرياض غب الديم, وها أنا أُثبت من بهي كلامه وسني نظامه ما تنشق منه نشر العبهري, وتقتني منه ((صحاح الجوهري)) كان أول وفوده علينا بالديار الهندية أهدى إلي كراسية من نثره ونظمه, فكتب إليه ما صورته: زهر الدراري أم نظام الجوهري ... وشذا السلافة أم شميم العبهر؟ أم زهر روض قد تبسم ضاحكاً ... إذ جاده صوب الغمام الممطر وشذور تبرأم جمان قلائد ... تزهو وتزهو في مقلد جؤذر؟ أم هذه ألفاظ مولى ماجدٍ ... ورث البلاغة أكبر عن أكبر؟ يزري بنظم الدهر باهر نظمه ... ويفوق مكسره مذاب السكر فلشعرة الشعري العبور تضاءلت ... كرها وودت أنها لم تظهر والنثرة العليا هوت من نثره ... خجلاً وقالت ليته لم ينثر قد أعجز البلغاء معجز أحمدٍ ... فأقر أكثرهم بعجز مقصر يا مهديا لي من ستي نظامه ... ونشاره دراً بهي المنظر شكراً لفضلك شكر ممنون فقد ... حليت جيدي من نظام الجوهري فراجعني بقوله: يا مهدياً وشي الربيع المزهر ... بل روضة تزهو بحسن المنظر غناء باكرها الحيا وتفتحت ... أزهارها غب السحاب الممطر ردت لنا من بشرها زمن الصبا ... وشممت منها طيب تلك الأعصر ارتاح سكراً من سلافة لفظها ... وهي المصونة عن خمار المسكر لله درك من همام بارع ... في كل فن غنية المستخبر ما هذه الدرر التي أبرزتها ... شبه المجرة في خلال الأسطر لا غرو أن ساد الأنام بفضله ... من كان ندباً من سلالة حيدر من معشر شم الأنوف وليدهم ... أدني محل خطاه فوق المشتري حاز المروءة والفتوة والسخا ... والعلم والتقوى وطيب العنصر فليهنك الشرف الرفيع ومجدك ... العالي المنيع وحسن قول المخبر واسلم ودم في عزة وخلالة ... باد علاك على ممر الأدهر قال مؤلف ((السلافة)) : ومن شعرة مادحاً والدي ﵀ بقوله: كلما غنت على الدوح الحمام ... هيجت أشواق قلبي المستهام ذكرته ساجعات المنحنى ... وربي نجد وهاتيك الخيام

стр. 184

وليال ما صفا لي بعدها ... طيب العيش ولا صافي المدام حيث لا أصغي لعذل راتعاً ... في ميادين التصابي والغرام حيث لي شغل بربات الخبا ... عن شراب وطعام ومنام حيث مالي شافع إلا الصبا ... في الهوى إن عز من هند المرام لست أنسى ليلة إذ أقبلت ... وتلقتني ببشر وابتسام قلت يا هند إلى من تشتكي ... نقض عهد من حبيب لا يرام؟ فاستشاطت ثم قالت جذلاً ... هل وفت حسناء قبلي بالذمام؟ ثم أبدت عتباً يا ليته ... طال لما طاب في ذاك المقام فاعتنقنا واشتكينا ما بنا ... ولدمع العين في الخد انسجام هل ترى من بعدهم لي عوضاً ... غير حزن وبكاء وسقام إلى أن قال في المديح: أحمد ابن السيد المعصوم من ... عن مداره قصرت كل الكرام مذ نشا قرت به عين العلى ... وارتضته بعلها قبل الفطام حاز علماً في صباه وافراً ... لم يحزه عالم في ألف عام خلق كالروض وافاه الصبا ... غب ما باكرة صوب الغمام هاشمي نسل طه أحمد ... ليس فخر فوق هذا للأنام زرع الفضل له في مهجتي ... روض ود مثمر زهر الكلام التفات منه أقصى مطلبي ... إنما الدينار مطلوب الطعام فله لا زال مدحي دائما ... طرباً ينشده خاص وعام فكرتي قاصرة عن مدحه ... فلهذا عجلت بالاختتام ومن رقيق شعره: ما شمت برقاً سري في جنح معتكر ... إلا تذكرت برق المبسم العطر ولا صبوت إلى خل أسامره ... إلا بكيت زمان اللهو والسمر شلت يد للنوى ما كان ضائرها ... لو غادرتنا نقضي العيش بالوطر في خلسة من ليالي الوصل مسرعة ... كأنما هي بين الوهن والسحر لا نرقب النجم من فقد النديم ولا ... ((نستعجل الخطو من خوف ومن حذر)) وأهيف القد ساقينا براحته ... كأنه صنم في هيكل البشر منعمين وشمل الأنس منتظم ... يربو على نظم عقد فاخر الدرر فما انتهينا لأمر قد ألم بنا ... إلا وبدل ذاك الصفو بالكدر لادر در زمان راح مختلساً ... من بيننا قمراً ناهيك من قمر غزال أنس تجلى في حلى بشر ... وبدر حسن تجلى في دجى الشعر وغصن بان تثنى في نقا كفل ... لا غصن بان تثنى في نقا المدر كأن ليلي نهاري بعد فرقته ... مما أقاسي به من شدة السهر يا ليت شعري هل حالت محاسنه ... وهل تغير ما باللحظ من حور فإن تكن بجنان الخلد محاسنه ... فاذكر معنى الأماني ضائع الخطر وإن تأنست بالحور الحسان فلا ... تنسى الليالي التي سرت مع القصر ومن قوله: إذا مضت الأوقات من غير طاعة ... ولم تك محزوناً أعظم الخطب علامة موت القلب أن لا ترى به ... حراكاً إلى التقوى وميلاً عن الذنب ومن قوله: في المنع والإعطاء كن شاكراً ... واستقبل الكل بوجه الرضا فالخير للمعارف فيما جرى ... ورب منع كان عين العطا وقوله: إن حزت عاماً فاتخذ حرفة ... تصون ماء الوجه لا يبذل ولا تهنهه إن ترى سائلاً ... فشأن أهل العلم أن يسألوا وقوله: جانب اللهو والبطولة واحذر ... من الهوى النفس إن أردت السعادة واعبد الله ما استطعت بصدق ... مطلب العارفين صدق العبادة وقوله: إذا التبس الأمران فالخير في الذي ... تراه إذا كلفته النفس يثقل فجانب هواها واطرح ما تريده ... من اللهو واللذات إن كنت تعقل وممن نقل عنه صاحب السلافة أيضاً شهاب الدين بن فضل بن محمد باكثير المكي قال في حقه. هو ابن الفضل وأبوه والمذعن لفضله أعداؤه ومحبوه ومقداره في الأدب جليل ومثل باكثير في الأنام قليل إن عدة فرسان اليراعة فهو ملاعب أسنة الأقلام أو ذكرت فرسان البراعة فهو ثاني أعنة الكلام ملك زمام القريض فاقتاده حيث شاء؛ وكان له في التصدير والتعجيز إعجاز أفحم مصاقع البلغاء بالتعجيز فمن ذلك قوله مصدراً ومعجزاً عينيه المتنبي وما دحا بها علي بن بركات وهي: حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا ... وقلب لأظمأن الأحبة يتبع

стр. 185

وصبري نوى الترحال يوم رحيلهم ... فلم أدرأي الظاعنين اشيع أشاروا بتسليم فجدنا بأنفس ... تسيل مع الأنفاس لما ترفعوا وساروا فظلت في الخدود عيوننا تسيل من الآماق والأسم أدمع حشاي على جمر ذكي من الهوى ... وصدري مذ بانوا من الصبر يلقع وقلبي لدى التوديع في حزن حزنه ... وعينايا في روض من الحسن ترتع ولو حملت صم الجبال الذي بنا ... من الوجد والتبريج كادت تضعضع وأكبادنا من لوعة البين والنوى ... غداة افنرقنا أوشكت تتصدع بما بين جنبي الذي خاض طيفها ... دموعي فوافى بالتوصيل يطمع تخيل لي في غفوة وجهت بها ... إلي الدياجي والخليون هج أتت زائرا ما خامر الطيب ثوبها ... وخمرتها من مسك دارين أضوع فقلبت إعظاما لها فضل ذيلها ... وكلمسك من مسك من أردانها يتضوع فشرد أعظامي لها ما أتى بها ... وفارقت نومي والحشا يتقطع وبت على جمر الغضى لفراقها ... من النوم والتاع الفوآد المفجع فيا ليلة ما كان أطول بتها ... سمير السها حلف الجوى أتضرع يجر عني كأنها الأسى فقد طيفها ... وسم الأفاعي عذب ما أتجرع تذلل لها واخضع على القرب والنوى ... لعلك تحظى بالذي فيه تطمع ولا تأنفن من هضم نفسك في الهوى ... فما عاشق من لا يذل ويخضع ولا ثوب مجد غير ثوب ابن أحمد ... علي ابن بركات به الفخر أجمع عليه ضفا بالمكرمات ولم يكن ... على أحد إلا بلؤم مرقع وإن الذي حابى جديلة طيهم ... بحاتمهم وهو الجواد الممنع حباً بعلي آل طه فإنه ... به الله يعطي من يشاء ويمنع بذي كرم ما مر يوم وشمسه ... بغير سنى منه تضيئ وتسطع ولا ليلة تزهو به ونجومها ... على رأس أوفى ذمة منه تطلع فأرحم شعر يتصلن لدنه ... فلم سعر شعر في معاليه يرفع؟ وكم عصبات جمعت في صلاته ... وأرحم مال ماتني تتقطع فتى ألف جزء رأيه في زمانه ... إذا حسبت آراؤه حين تجمع يرى عشر عشر العشر منها وإنه ... أقل جزاء بعضه الرأي أجمع غمام علينا ممطراً ليس يقشع ... وصيبه تبر وفي الحال ينفع وليس كسحب الأفق يخطي ويقلع ... ولا البرق فيه خلب حين يلمع إذا عرضت حاج إليه فنفسه ... تطاوعه في بذل ما يتوقع يمن أبتداء بالأيادي ولم يكن ... إلى نفسه فيها شفيع مشفع خبت نار حرب لم تهجها بنانه ... ولم تتقد أن يطفها لو تجمعوا ولا قول إلا رواه لسانه ... وأسمر عربان من القشر أصلع نحيف الشوى يعدو على أم رأسه ... مطيع لباريه يصلي ويركع وبالخمس يسعى ساجدا وهو قائم ... ويجني فيقوى عدوه حين يقطع يمج ظلاماً في نهار لسانه ... وينطق وهو الأخرس المتصنع يعبر عما في الضمير ولم يفه ... ويفه عما قال ما ليس يسمع ذباب حسام منه إنجاز ضربه ... وكم قطع الأعدا وذا منه أقطع وعود القنا أوهى شبا منه في العدى ... وأعصي لمولاه وذا منه أطوع بكف جواد لو حكته سحابة ... لسحت لنا تبراً يصاغ ويطبع ولو حملت من بعض جدواه مزنة ... لما فاتها في الشرق والغرب موضع فصيح متى ينطق تجد كل لفظة ... له تحتها معنى البلاغة أجمع وإن خط لفظاً باليراع رأيته ... أصول البراعات التي تتفرع يتيه دقيق الفكر في بعد غوره ... وعن نجد فحواه المفوه يقطع وبحر معانيه البليغ يغوصه ... ويفرق في تياره وهو مصقع وليس لماء البحر ينشف قعره ... لنيل الدراري من ها يتطمع ولا بحر جدواه كبحر يخوضه ... إلى حيث يغني الماء حوت وضفدع أبحر يضر المعتفين وطعمه ... يصدعن الورد الشهي ويمنع يموت به الصادي أواماً لأنه ... زعاف كبحر لايضر وينفع ألا أيها القليل المقيم بمكة ... ومسك ثناه في العوالم يسطع حللت بها اسمي على كل حال مطنب ... وهمته فوق السماكين موضع أليس عجباً أن وصفك معجز ... له المتنبي ناظم ومرصع

стр. 186

وان طويل المدح فيك مقصر ... وان ظنوني في معاليك تطلع وإنك في ثوب وصدرك فيكما ... يحيط به من نسج داود أدرع فيا ليت شعري كيف ضمته لأمة ... على أنه من ساحة البحر أوسع وقلبك في الدنيا ولو دخلت بنا ... وبالفلك الأعلى وما منه يطلع وبالعالم العلوي والأنس جملة ... وبالجن فيه ما درت كيف ترجع ألا كل سمح غيرك اليوم باطل ... لأنك فرد للكمالات تجمع وكل ثنا فيك حق وإن علا ... وكل مديح في سواك مضيع وقوله مصدراً ومعجزاً أبيات أبي حاتم اللغوي: أذا اشتملت على اليأس القلوب ... وكادت من تلهبها تذوب وعم الغم واتسع التجري ... وضاق بما به الصدر الرحيب وأوطنت المكاره واطمأنت ... وفي الأحشاء طنبت الكروب وأقلعت المسرة عن ذويها ... وارست في مكانتها الخطوب ولم تر لانكشاف الضر وجهاً ... يلوح ومنك قد يئس الحبيب وأعيا داء فادحة الرزايا ... ولا أغنى بحيلته الطبيب أتاك على قنوط منك غوث ... يفرج كل فادحة تذيب فكم وافاك بعد العسر يسر ... يمن به اللطيف المستجيب وكل الحادثات إذا تناهت ... وفي تصريفها حال اللبيب وزاد الكرب فيها واستطالت ... فمقرون بها الفرج القريب وممن نقل عنه صاحب ((السلافة)) الشيخ محمد بن شعيد باقشير؛ قال في حقه: أديب بارع، وشاعر له في مناهل الأدب مشارع نظم فأجاد، وارزم سحاب نظمه فجاد، فعلت رتبته في الفريض وسمت، وافترت ثغور محاسنه وابتسمت، كل ذلك من غير تكلف نحو وعروض، بل من قريحة تذلل له جوامع الكلام، وتروض، فجاء نظمه السهل الممتنع، ونزهة الناظر والمستمع، وها أنا أثبت منه ما تصطحبه مداماً وتديره كؤوسا بين الندامى فمنه قوله يمدح السيد أحمد بن مسعود. علقاً أظنك بالظباء الرود ... أم والها بهوى الظباء الغيد أسبلن أمثلة الغداف غدائراً ... سوداً تطول على الليالي السود وسفرن عما لو لطمن بمثله ... خد الظلام لما بدا بالبيد بيض يرنحهن ريحان الصبا ... تيهاً كخوط البانة الأملود عذر العذول على الهوى فيها وقد ... ((عنت لنا بين اللوى وزرود)) فطفت أنشده على تأنيبه ... ((أرأيت أي سالف وخدود)) تربت يد اللوام كم ألظت حشا ... دنفاً بألهوب من التنفيد أو ومادروا أن الجمال حبائل ... ما إن يصادبهن غير الصيد ولرب مخطفة الحشا بهناته ... المتنين مفعمة الإزار خرود ترنو فتحسب أم خشف ثارها ... القناص عن خضل الكلا مخضود لله أحداق الحسان وفعلها ... في قلب متيم معمود؟ الحقنني البرحاء لكني أمرؤٌ ... وزري بركن في الملوك شديد بسميدع من آل أحمد ماجدٍ ... لا بالكهام بدا ولا العربيد وجواد مصعبة إذا سل الندى ... أولى وجاد بطارف وتليد طابت أرومية بأصل ثابت ... عرقاً وفرع مثمر بالجواد متسنم العلياء لا بالنكس عن ... تحصيل غايتها ولا الرعيد لو حاول العيوق نيلاً لم يعق ... عنه ولم يك نيله بعيد أو لو يحاول ألف عنقا مغرب ... صيدت بجد مؤيد صنديد وإن اقشعر العام غيث مسبل ... وإن اكفر السام ليث مودي خلق أرق من السلاف ومهجة ... أقسى على الحدثان من جلمود بلغت بنو الحسنين شأواً لم يزل ... من قبلهم لمسودٍ ومسود حلماء إن غضبوا كأن نفوسهم ... بشرور بين تحف أو بالجودي ومواهب تترى وسيب لم تزل ... ينساب بين جحافل وجنود من كل طلق الوجه يسطع نوره ... بسنا النبوة عن أب وجدود ومن شعره وهو من مختار قصيدة له أتعذر في لمياء والعذر أليق ... وتعشقها جهلاً وذو اللب يعشق ولا عيش إلا ما الصبابة شطره ... وصوت المثني والسلاف المعتق وجوبك أجواز الموامي مثمراَ ... إلى المجد يطويها عذافر معنق وأن تتهاداك التنائف معلماً ... تضلك أو تهديك بيداء سملق وأن ترد الماء الذي شطره دم ... فتستقي برأي ابن الحسين وترزق فأسوغ ما بل اللهى بعد غلة ... وأروى من الماء الشراب المروق

стр. 187

فدع لجج التعنيف وابك بذي اللوى ... دياراً كأنها للتقادم مهرق أحالت مغانيها السنون فأصبحت ... قوى لهريق الودق والريح مخرق وقفت بها والقلب بالوجد موثق ... كفيت الردى والجفن بالدمع مطلق أناشد بينونة الحي من جوىً ... بقلب إذا هب النسائم يخفق شج تتصاباه الصبا وتلوعه الجنو ... ب ويشجوه الحمام المطوق إلى الله أفعال الليالي بها وبي ... لقد كنت منها دائم الدهر أفرق فسم سمة الصبر الجميل لعلها ... تذيل فإن لم تغن فالصبر أخلق فلو سلمت من حادث الدهر دمنة ... تمطى على هام الدهور الخورنق وممن نقل عنه في ((السلافة)) عفيف الدين عبد الله بن الحسين جاشل, الثقفي، قال في حقه: ثقفي النسب, مثقف قناة الحسب، برى نبعة طبعه بالمروءة وثقف, وجرى إلى آماد الفتوة وما توقف، وخطب عرائس الكرم والوفا, فبنى عليه بالبنين والرفا إلى أخلاق أقطعها الروض أنفاسه, وشيم يتنافس فيها رغبة ونفاسه, وله شعر تأخذ محاسنه السالمة من التصنيع بمجامع القلوب وفق ما قيل: حسن الحضارة مجلوب بتطرية ... وفي البداوة حسن غير مجلوب وكم أنشد الأسماع حاله المطرب: ولست بنحوي يلوك لسانه ... ولكن سيلقي أقول فأعرب وقد اثبت له ما نغتبقه راحا ونملا بلطافته ومحاسنه راحا فمن ذلك قوله مراجعاً للأخ الأعز السيد محمد يحيى عن قصيدة كتبها إليه: سقى طللاً بين الأجارع واللوى ... وحيا زمانا لم نرع فيه بالنوى وريعاً لأيام هناك سوالف ... قضينا بها عصر الشبيبة والهوى بظل جناب والندامى عصابةً ... كرام المساعي ترغم الخصم إن غوى على السفح ما بين القصير إلى الحمى ... إلى الحصن نطوي الود عنا وما انطوى ليالي لا تخطي سهام رميتي ... ولا عاقني الوالي الغيور إن زوى وأصبحت يثنيني الحجى عن هويتي ... ويمنعني دهر تمادى وما ارعوى ولله كم من يوم دجن وصلته ... بليل على الربع الجنوبي وما حوى وساعات أنس كلما عن ذكرها ... يهيجن فرط الصبابة والجوى لكل غضيض الطرف أحوى إذا رنا ... سباك النهى والصبر واستأثر القوى إذا افتر عن ثغر حكى الدر نظمه ... وإن لاح قلت الشمس في خط الاستوا يشير فأدري ما يقول برمزه ... فأقضي على ما في هواه بما نوى عليهم بعلات الغواني وطبها ... ومفتي الندامى في محاورة الهوى جريت على طرق الغرام كما جرت ... مواهب يحيى في النوال بما أحتوى فتى فيه للراجي مخائل تقتفى ... على أنه حامي الكتيبة واللوا نماه إلى العليا أكارم سادة ... مآثره مشهورة لمن ارتوى أيا ابن الذي أحيا الندى بعد موته ... وشيد ربع المجد من بعد ما هوى وصنو الذي يبدو لذي الحدس أنه ... إمام هدى عن ذروة العز ما لوى أتاني من نادي علاك جريدة ... تضمن معناها الحريري بما روى تخبر عن صب ضنين بظبية ... محجبة تحكي غزالاً بذي طوى فحسبك دين الحب ديناً فإنه ... ترقى بأرباب القلوب عن السوى ولا تبتئس من قول لاحٍ ولائم ... لعمرك ما ضلَّ المحب وما غوى إليك عماد الدين عقداً يصوغه ... هوى لكم بين الجوانح قد ثوى ودم وابق واسلم ما ترنم طائر ... وما زمزم الحادي بمنعرج اللوى وله أيضا مراجعاً له عن أبيات كتبها إليه: خليلي هل رند الحجاز على علمي ... وهل ربرب الوادي مقيم على السلم وهل أثلاث الواديين أنيقة ... تعهدها الغولان غب الحيا الوسمي وهل ربرب الربع الحنوبي ثابت ... على ما مضى أم قد تمادى على صرمي رعى الله هاتيك المنازل إنها ... وإن بعدت شوقي إليها انتضى عزمي معاهد أنس كلما عنّ ذكرها ... لقلبي ترى عيني مدامعها تهمي فما ساعدت ورق الحمام أخا أسى ... ولا روحت ريح الصباعن أخي همّ فيا مربع الترحال قل لابن أحمد ... ربيب العلى يحيى وترب الندى المسمي أتاني من نادي علاك رسالة ... نفثت بها كلمي وزدت بها سقمي تضمن من خمسين يوم شكاية ... فما الحب إلا ما يمضّ وما يصمي

стр. 188

فكيف بمن قاسى سنين من النوى ... وراح من الهجران جلداً على عظم فأحلى الهوى ما عز منه وعذبهُ ... منادمة الأحباب من بارد الظلم ودم وابق يا نجل الملوك معظماً ... ولا زلت كنزاً للمكارم والحزم قال أبن معصوم وكتبت إليه معاتبا: أناس عفيف الدين أم أنت ذاكر ... عهوداً سقتهن العهاد البواكر ومثلك من لم ينس عهداً وإنما ... هو الدهر لا يلفى على الدهر ناصر وما أنت ممن يبخس الود عنده ... ولكن قضاء أوجبته المقادر أورم لك العذر الجميل مصححاً ... وفاك وقد كادت تضيق المعاذر أعيذك أن أمسي لودك عامراً ... ويصبح ودي وهو عندك داثر أنا لك أصل في المروءة طاهر ... وفصل بأنواع الفتوة ظاهر وإن تنسك الأيام عهدي فإنني ... وحقك للعهد القديم لذاكر إليك أخا الهيجاء نفثة موجع ... رآك لها أهلا فهل أنت شاكر؟ ودم وابق واسلم ما تألق بارق ... وهب نسيم واستهلت مواطر فراجعني بقوله: أبا حسن قلبي بودك عامر ... ولم يخل من ذكراكم منه خاطر ولولا مراعاة الزمان وأهلة ... لما عاقني بعدٌ ولا صدّ زاجر ولكن لأحوال الزمان معاذر ... إذا كان هذا الدهر ممن نحاذر أعيذك لا يخطر ببالك أنني ... سلوت وإن الود عندي داثر أبي الله والمجد من قول قائل ... فلان لميثاق الأحبة غادر وقد تقبل العذر الخفي تكرماً ... فما بال عذري واقف وهو مسافر؟ إليك أبا منصور عذراً تجمجمت ... به نفثات الود وهي حواسر تجشمها فإني عن جوابك محجم ... ومعتذر عنه فقل أنا عاذر وممن نقل عنه صاحب ((السلافة)) إبراهيم ن يوسف المهتار الملكي, قال في حقه: شاعر بذيء اللسان, كثير الإساءة قليل الإحسان, وقد نقل من محاسن شعره مقاطيع جيدة تدل على جودة شعرة, وإنه ليس بدون من نقل عنه, ولكن للناس فيما يعشقون مذاهب, وقد ذكر له قصيدة قالها لما وقع البيت المعظم وهي: ماجت قواعد بيت الله واضطربت ... واهتزت الأرض من أقطارها وربت وأمست الكعبة الغراء واقعة ... مما أشك بأن الساعة أقتربت فأي خطب به أحشاؤنا انصدعت ... وأي هول به ألبابنا سلبت وأي دهر لقينا من نوائبه ... ما لو على الشامخات الشم لا نسربت إنا إلى الله من دنيا منغصة ... أيامها مستردات لما وهبت أبدت عجائب لا تقوى العقول لها ... وأي نفس من الأيام ما عجبت هي التي لعبت جدت وفت غدرت ... قست ألانت أبت دانت نأت قربت كم رام أهل النهى من قبل أعصرنا ... صفواً لعيشهم من شوبها فأبت وكم أرادوا بإدراك ومعرفة ... تقويم منآدها بالرأي فاضطربت فما نرجي وقد ولت بشاشتها ... وأوجه الأنس من لذاتها شحبت ما بعد منظر بيت الله منهدماً ... تلقى حشاشة حر في البقا رغبت فأي عين على ما كان ما انسكبت ... وأي روح على ما صار ما وصبت؟ لهفي على كعبة الله التي افترقت ... أحجارها بعدما في حبها اصطحبت لهفي على تلكم الأستار كيف غدت ... أيدي سبا وبوحل السحب قد سحبت لهفي على تلكم الآثار كيف عفت ... وكيف جذت حبال الوصل واقتطفت لهفي على تلكم الأطفال كيف قضت ... وكيف جذت حبال الوصل واقتضبت لهفي على تلكم الأقمار ما شرقت ... بالماء إلا بآفاق الثرى غربت لهفي ولست لعمري منشداً أبداً ... سقى منى وليالي الخيف ما شربت فكم بأكنافها من مهجة ذهبت ... وكم جنوب على ساحتها وجبت وكم بذلك من ذكرى ومعتبرٍ ... لمن تذكر لكن النهى عزبت يا خالق الخلق عفواً عن جرائمنا ... فخوف أنفاسنا مما قد ارتكبت وقوله من صدر قصيدة: قف بالمعاهد من ميثاء ملحوب ... شرقي كاظمة فالجزع فاللوب واستلمح البرق إذ تهفو لوامعه ... على النقاهل سقى حي الأعاريب يا حبذا إذ بدا يفتر مبتسما ... أعلى الثنية من شم الشناخيب والجو مضطرم الأحشاء يحسبه ... برداً أصيب حواشيه بالهوب يا بارقاً لاح وهناً من ديارهم ... كأنه حين يهفو قلب مرعوب

стр. 189

أذكرتني معهدا كنا بجيرته ... نستقصر الدهر من حسن ومن طيب لم أنس بالتلعات الجون موقفنا ... والحي ما بين تقويض وتطنيب وقد بدا لعيون الصب سرب ظبا ... حفت بظبي ببيض الهند محجوب لم تبد تلك الدمى إلا لسفك دمي ... ولا العذاب اللمى إلا لتعذيبي ومن قوله: أذكى بقلبي لاعج الاشجان ... برق أضاء على ربا نعمان أجرى مدامع مقلتي أورى زنا ... د صبابتي أشجى فؤادي العاني ما شاقني إلا لكون وميضه ... بربى الهوى ومعاهد الخلان يا برق جد بالدمع في أطلالهم ... عني فسح الدمع قد أعياني لم أسأل الأجفان سقي عهودهم ... إلا وجادت لي بأحمر قان واها لأيام العذيب إذ اللوى ... وطني وسكان الحمى جيراني إذ كنت طوعاً للهوى واللهو في ... ظل الشبيبة ساحب الأردان تشجيني الورقاء إن صدحت على ... تلك الغصون بنغمة الألحان ويشوقني بان النقا وحلول وا ... ديه وحسن الدار بالسكان ومن قوله: ألا لا تغضبن لمن تعالى ... ولا تبد الوداد لمن جفاكا ولا تر للرجال عليك حقاً ... إذا هم لم يروا لك مثل ذاكا وممن ذكر صاحب ((السلافة)) السيد حسن ابن شدقم الحسيني المدني، قال في حقه: واحد السادة، وأحد السادة في دست الرياسة، جمع إلى شرف العلم عز الجاه، ونال من خير الدنيا والآخرة مرتجاه، وله شعر بديع فائق، كأنه اقتطفه من أزهار تلك الحدائق، فمنه قوله حين أنف من مقامه في وطنه بين أقوامه وعطنه: وليس غريباً من نأى عن دياره ... إذا كان ذا مال وينسب للفضل وإني غريب بين سكان طيبة ... وإن كنت ذا علم ومال وفي أهلي وليس ذهاب الروح يوماً منية ... ولكن ذهاب الروح في عدم الشكل وهو من قول البستي: وإني غريب بين بست وأهلها ... وإن كان فيها جيرتي وبها أهلي وما غربة الإنسان في شقة النوى ... ولكنها والله في عدم الشكل ولمؤلف "السلافة" من أبيات في هذا المعنى: وإني غريب بين قومي وجيرتي ... وأهلي حتى ما كأنهم أهلي وليس غريب الدار من راح نائباً ... عن الأهل لكن من غدا نائل الشكل فمن لي بخل في الزمان مشاكل ... ألف به من بعد طول النوى شملي ومن شعر السيد المذكور: لا بد للإنسان من صاحب ... يبدي له المكنون من سره فاصحب كريم الأصل ذا عفة ... تأمن إن عاداك من شره ونقل أيضاً عن ابنه السيد محمد بن حسن بن شدقم الحسيني, قال في حقه: فرع ثبت أصله فنما، وزكا جداً وأبا وابنما: طابت بطيبة مغارس جدوده وآبائه، وتفرعت بها مفارع مجده وآبائه، فانفسحت خطاه في الفضائل والمآثر، وأذعن لأدبه كل ناظم وثائر، له شعر غرد به ساجع براعته وصدح، وأورى زناد البيان بحسن بلاغته وقدح، فمنه قوله مذيلاً بيت أبي دهبل وهو قوله: وأبرزتها بطحاء مكة بعدما ... أصات المنادي بالصلاة فأعمتا فأرج أرجاء المعرف عرفها ... وأضوى ضياها الزبرقان المعظما وحيا محياها الملبون وانتشى ... بنشر محياها الممنع واللمى وروض منها كل أرض مشت بها ... تجر التصابي بين أترابها الدمى هي الشمس إلا أن فاحمها الدجى ... هي البدر لكن لا يزال متمما تجول مياه الحسن في وجناتها ... وتمنع سلسال الرضاب أخا الظما وتسلب يقظان الفؤاد شارده ... وتكسو رداء الحسن جسماً منعما مهام تصيد الأسد سهم لحاظها ... ومن عجب صيد الغزالة ضيغما يعللني ذكر الحمى مترنم ... وما شغفي لولا الغزالة بالحمى أصب لنجدي الرياح تعللاً ... ومن فقد الماء الطهور تيمما وقد اقتفى السيد الذكور في هذه الأبيات أثر الشريف الرضي وقال ﵀ في كتابه"الدرر والغرر":ذاكرني بعض الأصدقاء يقول أبي دهبل: وأبرزتها بطحاء مكة بعدما ... أصات المنادى بالصلاة فاعتما وسألني إجازة هذا البيت بأبيات تنضم إليه وأن أجعل الكناية عن امرأة لا عن ناقة فقلت في الحال: فطيب رياها المقام وضوأت ... بإشراقها بين الحطيم وزمزما فيا رب إن لقيت وجه تحية ... فحي وجوها بالمدينة سهما

стр. 190

تجامين عن مس الدهان وطالما ... عصمن عن الحاء كفاً ومعصما وكم من جليد لا يخامره الهوى ... فشن عليه الوجد حتى تتيما أهان لهن النفس وهي كريمة ... ألقى إليهن الحديث المكتما تسفهت لما أن مررت بدارها ... وعوجلت دون الحلم أن أتحلما ويوم وقفنا للوداع وكلنا ... بعد مطيع الشوق من كان أحزما نظرت بقلب لا يعنف في الهوى ... وعين متى استمطرتها قطرت دما قال مؤلف"السلافة": وقلت أنا ناسجاً على هذا المنوال: أبرزتها بطحاء مكة بعدما ... أصات النادي بالصلاة فاعتما فضوء أكناف الحجون ضياؤها ... وأشرق بين المأزمين وزمزما ولما سرت الراكب نفحة طيبها ... تغنى بها حاديهم وترنما وشام محياها الحجيج على السرى ... فيمم مغناها ولبى أحرم أناة هي الشمس المنيرة في الضحى ... ولكنها تبدو إذا الليل أظلم تعلم منها الغصن عطفة قدها ... وما كان أحرى الغصن أن يتعلما وأسفر عنها الصبح لما تلثمت ... ولو أسفرت يوماً للصبح تلثما إذا ما رنت لحظاً وماست تأوداً ... فما ظبية الجرعا وما بانة الحمى وكم حللت بالقصد قتل أخي هوى ... وكان يرى قبل الصدود محرما وظنت فؤادي خالياً فرمت به ... هوى عاد دائي منه أدهى وأعظما لو أنها أبقت علي أطقته ... ولكنها لم تبق لحما ولا دما وقال وأنشدني الشيخ أحمد الجوهري لنفسه: فشاهدت لو أبصر البدر وجهها ... لكان به مضنى ولوعاً ومغرماً ولو عرضت ركب الحجيج تعده ... للبى لما يدعو هواها وأحرما وعرف بالكثبان من عرصاتها ... وقال منى من دارها حين خيما فلا تعذلوا في حب ظمياء إنها ... لها مبسم يشفي الفؤاد من الظما أعذب من صوب الغمامة مرشفاً ... وأضوأ من لمع الرق تبسما وأجمل من ليلى وسلمى وعزة ... وسعدى ولبنى والرباب وكلثما وكم ملك في قومه كان قاهراً ... فأضحى ذليلاً في هواها متيما يدين لما تهوى مطيعاً لأمرها ... وإن ظلمته لم يكن متظلما فظل الملوك الصيد تعثر بالثرى ... إذا قاربوا أو شاهدوا ذلك الحمى وقال: وأما بيت أبي دهبل المذيل عليه فهو، من قصيدة له يصف فيها ناقته وهي قوله: ألا علق القلب المتيم كلثما ... لجاجا فلم يلزم من الحب ملزما خرجت بها من بطن مكة بعدما ... أصات المنادي بالصلاة فاعتما فما نام من داع ولا ارتد سامر ... من الحي حتى جاوزت بي يلملمها مرت ببطن البث تهوي كأنما ... تبادر بالإدلاج نهباً مقسما وجازت على البزواء والليل كاسر ... جناحين بالبزواء ورداً وأدهما فما ذر الشمس حتى تبينت ... بعليب نخلاً مشرفاً ومخيما ومرت على أشطان دوقه بالضحى ... فما حدرت للماء عيناً ولا فما ِوما شربت حتى ثنيت زمامها=وخفت عليها أن تخر وتكلما فقلت لها قد نلت غير ذميمة ... وأصبح وادي البرك مديما شعر ابن النحاس وممن نقل عنه صاحب "السلافة"الشيخ فتح الله ابن النحاس المدني قال في حقه: هو ناظم قلائد العقيان، الشاعر الساحر والباهر بما هو ألذ من الغمض في مقلة الساهر فهو صانع إبريز القريض، وغن عرف ابن النحاس، ومسترق حر الكلام فما أشعار عبد بني الحسحاس، والمبرز في الأدب على من درج ودب، وحسبك من لقبه الأدباء بمحك الأدب، ولو لم تكن له الإحائية التي سارت بها الركبان، وطارت شهرتها بخوافي النسور، وقوادم العقبان لكفته دلالة على أناقة قدره، وإشراق شمسه في سماء البلاغة وبدره، وله ديوان شعر لم أره، ولكنني سمعت خبره وقصيدته المشار إليها هي قوله في الأمير محمد بن فروخ أمير حاج الشام: بات ساجي الطرف والشوق يلح ... والدجى إن يمض جنح جاء جنح فكان الشرق باب للدجى ... ماله خوف هجوم الصبح فتح يقدح النجم لعيني شرراً ... ولزند الشوق في الأحشاء قدح لا تسل عن حال أربا الهوى ... يا ابن ودي ما لهذا المال شرح لست أشكو حال جفني والكرى ... إن يكن بيني وبين النوم صلح

стр. 191

إنما حلي للمحبين البكا ... أي فضل لسحاب لا يسح ما نداماي وأيام الصبا ... هل لنا رجع وهل للعمر فسح بصحتك المزن يا دار اللوى ... كان لي فيها خلاعات وشطح حيث لي شغل بأجفان الظبا ... ولقلبي مرهم منها وجرح كل عيش ينقضي ما لم يكن ... مع مليح ما لذاك العيش ملح وبذات الطلح لي من عالج ... وقفة أذكرها ما اخضل طلح حيث منا الركب بالركب التقى ... وقضى حاجاته الشوق الملح لا أذم العيس للعيس يد ... في تلاقينا وللأسفار نجح قربت منا فماً نحو فمً ... فاعتنقنا والتقى كشح وكشح تزودت شذاً من مرشفٍ ... بفمي منه إلى ذا اليوم نفح وتعاهدنا على كأس اللمى ... وإنني ما دمت حياً لست أصحو يا ترى هل عند من قد رحلوا ... أن عيشي بعدهم كد وكدح كم أداوي القلب قلت حيلتي ... كلما داويت جرحاً سال جرح وكم أدعو ومالي سامع ... فكأني كلما أدعو أبح حسنوا القول وقالوا غربة ... إنما الغربة للأحرار ذبح أشتكي برح الجوا إن لم يرى ... كابن فروخ لم يشك برح أين من كان لعاب سيفه ... ما له إلا بأعلى القرن مسح فاذا قيل ابن الفروخ أتى ... سقطوا لو أن ذاك القول مزح كل من أسره من رعيه ... نومه اليوم بظل السيف سدح بأبي أفدي أميري إنه ... صادق القول نقي العرض سمح كل ما قد قيل في ترجيحه ... في الندى أو في الوغى فهو الأصح كم طروس بالقنا يكتبها ... وسطور بلسان السيف يمحو يا عروس السيف والخيل له ... من قراع الخيل والأبطال صدح يا رجال الخيل والحرب لها ... في حياض الموت بالأبطال سبح خط سيف الجود في حظي الذي ... هو كالدهر يمني ويشح أنقذني واتخذني بلبلاً ... صدح بين يدي علياك مدح طالع الأدبار مالي وله ... إن يكن من كوكب الإقبال لمح كل بيت في العلا أنحته ... من نضيد الدر والياقوت صرح ناطق عني بالفضل الذي ... إن تبارى فله في الفوز قدح بقواف كسقيط الطل أو ... إنها من وجنات الغيد رشح خلقت طوع يدي كيما ترى ... إنها كمن يتبعها وهي تشح وله أيضاً: رأى اللوم من كل الجهات فراعه ... فلا تنكروا إعراضه وامتناعهُ ولا تسألوه عن فؤادي فإنني ... علمت يقيناً أنه قد أضاعه له الله ظبياً كل شييء يروعه ... فيا ليت لي شيئاً يزيل ارتياعه ويا ليته لو كان من أول الهوى ... أطاع عزولي واكتفينا نزاعه فما راشنا بالسوء إلا لسانه ... وما خرب الدنيا سوى ما أشاعه أشاع الذي أغرى بنا ألسن العدى ... وطير عن وجه التغالي قناعه وأصبح من أهوى على فيه قفلة ... يكتم خوف الشامتين انفجاعه وآلى على أن لا أقيم بأرضه ... وأحرمني يوم الفراق وداعه فرحت وسيري خطوة والتفاتة ... إلى فائت منه أرجي ارتجاعه ذرعت الفلا شرقاً وغرباً لأجله ... وصيرت أخفاف المطي ذراعه فلم يبق أرض ما وطئت بساطها ... ولم يبق بحر ما رفعت شراعه كأني ضمير كنت في خاطر النوي ... أحاط به واشي السرى فأذاعه أخلاي من دار الهوى زارها الحيا ... ومد إليها صالح الغيث باعه بعيشكم عوجوا على من أضاعني ... وحيوه عني ثم حيوا رباعه وقولوا فلان أوحشتنا نكاته ... وما كان أحلى شعره وابتداعه فتى كان كالبنيان حولك واقفاً ... فليتك بالحسنى طلبت اندفاعه أبحت العدى سمعاً فلا كانت العدى ... متى وجدوا خرقاً أحبوا اتساعه فكنت كذى عبد هو الرجل والعصى ... تجنى بلا ذنب عليه فباعه لكل هوى واش وإن ضعضع الهوى ... فلا تلم الواشي ولم من أضاعه إذ كنت تسقى الشهد ممن تحبه ... فدع كل ذي عذل يبيع فقاعه وقولوا رأينا من حمدت افتراقه ... ولم ترنا من لم تذم اجتماعه وإني الذي كالسيف حداً وجوهراً ... لمن رام يبلو ضره وانتفاعه وما كنتما إلا يراع وكاتبا ... فملا وألقى في التراب يراعه

стр. 192

فإن أطرق الغضبان أوخط في الثرى ... فقولوا فقد ألقى إليكم سماعه وقال مضمناً: لا يدعي بدر لوجهك نسبة ... فأخاف أن يسود وجه المدعي والشمس لو علمت بأنك دونها ... هبطت إليك من المحل الأرفع وله يمدح بعض مكارم عصره: ألام انتظاري للوصال ولا وصل ... وحتام لا تدنو إلي ولا أسلو وبين ضلوعي زفرة لو تبوأت ... فؤادك ما أيقنت أن الهوى سهل جميلاً بصب زاده النأي صبوة ... ورفقا بقلب مسه بعدك الخبل إذا طرفت منك العيون بنظرة ... فأيسر شيءٍ عند عاشقك القتلى أمنعمة بالزورة الظبية التي ... بخلخاله حلم وفي قرطها جهل ومن كلما جردتها من ثيابها ... كساها ثيابا غيرها الفاحم الجثل سقى المزن أقواماً بعساء رامة ... لقد عطلت بيني وبينهم السبل وحيَّا زمانا كلما جئت طارقاً ... سليمى أجابتني إلى وصلها جمل تود ولا أصبو وتوفي ولا أفي ... وأنأى ولا تنأى وأسلو ولا تسلو إذا الغصن غض والشباب بمائه ... وجيد الرضى من كل ناتئة عطل ومن خشية النار التي فوق وجنتي ... تقاصر إن يدنو بعارض النمل بروجي من ودعتها ومدامعي ... كسمط جمان جن من سمطه الحبل كأن قلاص المالكية نوخت ... على مدمعي فارفض من مدره الأئل وما ضربت تلك الخيام بعالج ... لقصد سوى أن لا يصاحبني العقل وجدب كأن العيس فيه إذا خطت ... تسابق ظلاً أو يسابقها الظل يسمن بنا الانضاء حتى كأننا ... جياد رحى أو أرضنا معنا قفل إذا عرضت لي من بلاد مذلة ... فأيسر شيء عندي الوخد والرحل وليس اعتساف البيد عن مربع الأذى ... يذل ولكن المقام هو الذل وما أنا ممن إن جهلنا خلاله ... أقامت به القامات والأعين النجل وكل رياض جئتها لي مرتع ... وكل أناس أكرموني هم الأصل ولي باعتمادي أبلج الوجه راشد ... عن الشغل في أثار هذا الورى شغل همام رست للمجد فيه جنب عزمه ... جبال جبال المجد في جنبها سهل وليث هياج ما عيين جفونه ... من الكحل إلا والعجاج لها كحل يقوم مقام الجيش إن غاب جيشه ... ويغمد حد النصل إن غمد النصل زكت شرفاً أعراقه وفروعه ... وطابت لنا منه الفضائل والفعل إذا لم يكن فعل الأمير كأصله ... كريماً فما تغني المناسب والأصل من النفر الغر الذين تألفوا ... مدى الدهر أن يأتي ديارهم البخل كرام إذا راموا فطام وليدهم ... من الثدي خطو البخل فانفطم الطفل ليوث إذا صابوا غيوث إذا هموا ... بحور إذا جادوا السيوف إذا سلوا وإن خطبوا مجدا فإن سيوفهم ... مهور وأطوار القنا لهم أرسل إذا قفلوا تنأى العلى حيث ما نأوا ... وإن نزلوا حل الندى حيثما حلوا توالت على كسب الثناء طباعهم ... وأعراضهم حرم وأموالهم حل أمولاي إن تمضي فغيض سما العدا ... وقامت قناة الدين وانتشر الفضل وإن يك قد أفضى الزمان بسالم ... فإنك روض الوبل إن ذهب الوبل إليك ارتمت فينا قلاص كأنها ... قسي بأسفار كأنهم نبل وما زجر الأنضاء سوطي وإنما ... إليك بلا سوق تساوقت الإبل وكل لحاظ لست إنسانها قذى ... وكل بلاد لست صيبها محل وقال صاحب "السلافة" قد لمحت في أول الترجمة بقولي فما أشعار عبد بني الحسحاس لقوله: أشعار عبد بني الحسحاس قمن له ... يوم الفخار مقام الأصل والورق إن كنت عبداً فنفسي حرة كرماً ... أو أسود الخلق إني أبيض الخلق وعبد بني الحساس هذا: هو سحيم، وكان عبدا اسود نوبيا، مطبوعا في الشعر، اشتراه بنو الحساس، فنسب إليهم، وهم بطن من بني أسد، وقد أدرك النبي، ويقال: انه تمثل من شعره بكلمة غير موزونة، وهي: كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا. فقال أبو بكر الصديق ﵁: يا رسول الله إنما قال الشاعر: كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً، فجعل لا يطبق فقال أبو بكر: أشهد أنك رسول الله، وما علمناه الشعر وما ينبغي له. ويقال: أنه أنشد عمر ﵁ قوله:

стр. 193

عميرة ودع إن تجهزت غادياً ... كفا الشيب والإسلام للمرء ناهيا فقال له عمر ﵁: لو قلت شعرك مثل هذا لأعطيتك عليه. وعن محمد بن سلام قال: كان عبد بني الحسحاس حلو الشعر رقيق الحواشي وفي سواده يقول: وما ضر أثوابي سواي وإنني ... لكالمسك لا يسلو عن المسك ذائقه كسيت قميصاً ذا سواد وتحته قميص من الإحسان بيض بنائقه وعن أبي مسهر، قال: أخبرني بعض الأعراب أن أول ما تكلم به عبد بني الحسحاس أنهم أرسلوه رائداً فجاء وهو يقول: أنعتُ غيثاً حسناً نباته ... كالحبشي حوله بناته فقالوا شاعر والله، ثم نطق بالشعر بعد ذلك. قال محمد بن سلام: أتى عثمان ﵁ بعبد بني الحسحاس ليشتريه، فأعجب به فقيل له: إنه شاعر. وأرادوا أن يرغبوه فيه، فقال: لا حاجة لي فيه فإن الشاعر لا حريم له إن شبع شب بنساء أهله، وإن جاع هجاهم، فاشتراه غيره، فلما رحل به قال في طريقه: أشوقاً لما تمض لي غير ليلة ... فكيف إذا سار المطي بنا شهراً وما كنت أخشى مالكاً أن يبيعني ... بشيء ولو أضحت أنامله صفرا أخوكم ومولاكم وصاحب سركم ... ومن قد سوى فيكم وعاشركم دهرا فلما بلغهم شعره، رثوا له واستردوه وكان يشبب بنسائهم حتى قال: لقد تحدر من جبين فتاتكم ... عرق على متن الفراش وطيب فقتلوه والله أعلم. وممن ترجم له صاحب "السلافة"الشيخ حسن بن الشهيد الشامي العاملي، قال في حقه: هو شيخ المشايخ الجلة، ورئيس المذهب والملة، الواضح الطريق والسنن المحقق، ولا يراع له يراع والمدقق الذي راق فضله وراع المتفننين في جميع الفنون، والمتفخر به الآباء والبنون، وأما الأدب فهو روضه لأريض، ومالك زمام السجع منه والقريض، والناظم قلائده وعقوده، والمميز عروضه من تقوده وسأثبت منه ما يزدهيك إحسانه وتعطيك خرائده وحسانه. فمن ذلك قوله: طول اغترابي بفرط الشوق أضناني ... والبين في غمرات الوجد ألقاني فما رأيتك بالآفاق معترضاً ... إلا وذكرتني أهلي وأوطاني وما سمعت شج الورقاء نايحة ... في الأيك إلا وشبت منه نيراني كم ليلة من ليالي البين بت بها ... أرعى النجوم بطرفي وهي ترعاني كأن أيدي خطوب الدهر منذ نأوا ... عن ناظري كحلت بالسهد أجفاني ويا نسيماً سرى من حيهم سحراً ... في طيه نشر ذاك الرند والبان أحييت ميتاً بأرض الشام وجهته ... وفي العراق له تخييل جثمان وكم حييت وكم قد مت من شجن ... ما ذاك أول إحيائي ولا الثاني شابت نواصي من وجدي فوا أسفي ... على الشباب فشيبي قبل إباني يا لائمي وبهذا اللوم تزعجني ... دعني فلومك قد والله أغراني لا يسكن الوجد مادام الشتات ولا ... تصفو المشارب لي إلا بلبنان في ربع أنسي الذي حل الشباب به ... تمائمي وبه صيحي وخلاني كم قد عهدت بهاتيك المعاهد من ... إخوان صدق لعمري أإخوان وكم تقضت لنا بالحي آونة ... على المسرة في كرم وبستان لم أدر حال النوى حتى علقت به ... فغمرتي من وقوعي قبل عرفاني حتام دهري على الهون تمسكني ... هلا جنحت لتسريحي بإحسان أقسمت لولا رجاء القرب يسعفني ... فكلما مت بالأشواق أحياني لكدت أقضي بها نحبي ولا عجب ... كم أهلك الوجد من شيب وشبان يا جيرة الحي قلبي بعد بعدكم ... في حيرة بين أوصاب وأحزان يمضي الزمان عليه وهو ملتزم ... بحبكم لم يدنسه بسلوان باق على العهد راع للزمام فما ... يسوم عهدكم يوماً بنسيان فإن براني سقامي أو نأي رشدي ... فلا عج الشوق أو هاني وألهاني وإن بكت مقلتي يوم الفراق دماً ... فمن تذكركم يا خير جيران وقوله وهو من محاسن شعره: فؤادي ظاعن إثر النياق ... وجسمي قاطن أرض العراق ومن عجب الزمان حياة شخص ... ترحل بعضه والبعض باق وحل السقم في بدني فأمسى ... له ليل النوى ليل المحاق وصبري راحل عما قليل ... لشدة لوعتي ولظى اشتياقي وفرط الوجد أصبح بي خليعاً ... ولما ينو في الدنيا فراقي

стр. 194

وتبعث ناره في الروح حيناً ... فيوشك أن تبلغها التراقي وأظمأني النوى وأراق دمعي ... فلا أروى ولا دمعي براق وقيدني على حال شديد ... فما حرز الرقى منه بواق أبى الله المهيمن أن تراني ... عيون الخلق محلول الوثائق أبيت مدى الزمان لنار وجدي ... على جمر يزيد به احتراقي وما عيش الزمان صفاء يوم ... يلوذ بظله مما يلاقي سقتني نائبات الدهر كأساً ... مريراً من أباريق الفراق لم يخطر ببالي قبل هذا ... لفرط الجهل أن الدهر ساقي وفاض الكأس بعد البين حتى ... لعمري قد جرت منه السواقي فليس لداء ما ألقى دواء ... يؤمك نفعه إلا التلاقي وممن نقل عنه صاحب"السلافة"الشيخ زين الدين بن الشيخ محمد حسن الشامي العاملي قال في حقه: زين الأئمة، وكاشف الغمة، شرح الله صدره للعموم، وبنى له من رفيع الذكر صرحاً مع زهد أسس بنيانه على التقوى، وصلاح أهل ربه ربعه فما أقوى، وآداب تحمر خدود الورد من أنفاسها خجلاً، وشيم أوضح بها غوامض مكارم الأخلاق وجلا، رأيته بمكة المشرفة شرفها الله تعالى، والفلاح يشرق من محياه، وطيب الأعراق يفوح من نشر رباه، وما طالت مجاورته بها حتى وافاه، وانتقل من جوار حرم الله إلى جوار الله توفي سنة١٠٦٢ اثنتين وستين وألف رحمه الله تعالى، وله شعر خلب به العقول ويحر، وحدت رقته أنفاس نسيم السحر، فمن ذلك ما كتبه على الوالد من مكة المشرفة مادحاً له وذلك سنة ١٠٦١: شام برقاً لاح بالأبرق وهنا ... فصبا شوقاً إلى الجزع وحنا وجرى ذكر أثيلات النقا ... فشكى من لاعج الوجد وإن دنف قد عاقه صرف النوى ... وخطوب الدهر عما يتمنى شفه الشوق إلى بان اللوى ... فغدا منهمل الدمع معنى أسلمته للردى أيدي الأسى ... عندما أحسن بالأيام ظنا طالما أمل المام الكرى ... طمعاً في زورة الطيف وأنى كلما جن الدجى حن إلى ... زمن الوصل فأيدي ما أجنا وإذا هب نسيم من ربا ... حاجر أهدى له سقماً وحزنا يا عريباً باحمى لولاكم ... ما صبا قلبي إلى ربع ومغنى كان لي صير فأوهاه النوى ... بعدكم يا جيرة الحي وأفنى قاتل الله النوى كم قرحت ... كبداً من ألم الشوق وجفنا كدرت مورد لذاتي وما ... تركت لي من جميل الصبر ركنا قطعت أفلاذ قلبي والحشا ... وكستني من جليل السقم وهنا فإلى كم أشتكي جور النوى ... أقاسي من هوى ليلى ولبنى قد صحا قلبي من سكر الهوى ... بعدما أزعجه السكر وعنى ونهاني عن هوى الغيد النهى ... وحباني الشيب إحساناً وحسنا وتفرغت إلى مدح فتى ... سنة المعروف والإفضال سنا يجد الربح سوى نيل العلى ... في طلاب المجد خسراناً وغبنا لم يزل في كل حين بابه ... مأمناً من نوب الدهر وحصنا غمرت سحب أياديه الورى ... نعماً فهو للفظ الجود معنى ورث السؤدد عن آبائه ... مثل ما قد ورثوا بطناً فبطنا حل من أوج العلى مرتبة ... صار منها النسر والعيوق آدنى تهزأ الأقلام في راحته ... برماح الخط لما تتشنى جادنا من راحتيه سحب ... تمطر المسجد لا ماء ومزنا يا عماد المجد يا من لم تزل ... منه معاليه ثمار الفضل تجنى عضني الدهر بأنياب الأسى ... تركتني في يد الأسواء رهنا هائماً في لجة الفكر ولي ... جسد أنحله الشوق وأضنى كلما لاح لعيني بارق ... من نواحي الشام وأضناني وعنى وكبت آمالنا شوقاً إلى ... ورد إنعامك والأنضاء سقنا بعدما انحلت العيس السرى ... وأبادت في فيافي البيد بدنا وبأكنافك يا كهف الورى ... من تصاريف صروف الدهر لذنا ونهي مجدك العالي بما ... حازه بل كلما حاز تهنى وابق يا مولى الموالي بالغاً ... من مقامات العلى ما تتمنى ومن قوله أيضاً: سئمت لفرط تنقلي البيداء ... وشكت لعظم ترحلي الأنضاء ما أن أرى في الدهر غير مودع ... خلاً وتوديع الخليل عناء

стр. 195

أبلى النوى جلدي وأوقد في الحشا ... نيران وجد ما لها إطفاء فقدت لطول البين عيني ماءها ... فبكاؤها بدل الدموع دماء فارقت أوطاني وأهل مودتي ... وخرائداً غيداً لهن وفاء من كل مائسة القوام إذا بدت ... لجمال بهجتها تغار ذكاء ما أسفرت والليل مرخ ستره ... إلا تهتك دونها الظلماء ترمي القلوب بأسهم تصمي وما ... لجراحهن سوى الوصال دواء شمس تغار لها الشموس مضيئة ... ولها قلوب العاشقين سماء هيفاء تختلس القلوب إذا رنت ... فكأنما لحظاتها الصهباء ومعاشر ما كان صدق ولائهم ... نقض العهود ولا الوداد مراء ما كنت أحسب قبل يوم فراقهم ... أن سوف يقضى بعد ذاك بقاء فسقى ثرى وادي دمشق وجادها ... من هاطل المزن الملث حياء فيها أهيل مودتي وبتربها ... لجليل وجدي والسقام شفاء ورعى ليالينا التي في ظلها ... سلقت ومقلة دهرنا عمياء أترى الزمان يجود لي بإيابها ... ويتاح لي بعد البعاد لقاء فإلى متى يا دهر تصدع بالنوى ... أعشار قلب ما لهن قواء؟ وتسومني منك المقام بذلة ... ولهمتي عما تسوم إباء فأجابني لولا التغرب ما ارتقى ... رتب المكارم قبلك الآباء فاصبر على مر الخطوب فإنما ... من دون كل مرة ضراء واترك تذكرك الشام فإنما ... دون الشآم أهلها بيداء شعر الحرفوشي وممن نقل عنه صاحب "السلافة" الشيخ محمد بن علي ابن الحرفوشي الحويزي العاملي الشامي، وقال في حقه: منار العلم السامي وملتزم كعبة الفضل وركنها الشامي مشكاة الفضائل، ومصباحها المنير به مساؤها وصباحها، خاتمة أئمة العربية شرقاً وغرباً، والمرهف من كهام الكلام شباً وعربا، أماط عن المشكلات ثيابها، وذلل صعبها، وملك رقابها ألف بتأليفه شتات الفنون، وبتصانيفه الدر المكنون إلى زهد فاق به خشوعاً وإخباتا، ووقار لا توازيه الرواسي ثباتاً، وتأله ليس لابن أدهم غرره وأوضاحه، وتقدس ليس للسري سره وإيضاحه، وهو شيخ شيوخنا الذي عادت علينا بركات أنفاسه، واستضأنا من بواسطة من ضيا نبراسه، وله الأدب الذي أينعت ثمار رياضه، وتبسمت أزهار حدائق وغياضه، فمن مطرب كلامه الذي سجعت به على الأغصان أنامله على أقلامه، وقوله مادحاً شيخه شرف الدين الدمشقي سنة١٠٢٦ ست وعشرين ألف. إذا منحت جفوني القرار ... فمر طارق الطيف يدني المزار فعلك تثلج قلباً به ... تأجج وجداً وزاد أستعار وانى يزور فتى قد براه ... سقاٌ يمض ولو زار حار خليلي عوج على رامةٍ ... لأنظر سلعاً وتلك الديار وعج بي على ربع من قد نأى ... لأسكب فيه الدموع الغزارة فقلبي من يوم نم المطي ... ترحل عني إلى حيث سار فهل أنشد لي وادي العقيق ... عنه فإني عدمت القرار بنفسي رشاً فاتك فاتن ... إذا ما تثنى يفوق العذارى وإما رنا باللحاظ أنبرت ... قلوب الأنام لديه حيار ومن عجب إنها لم تزل ... تعاقب بالحد وهي السكارى وأعجب من ذا رأينا بها ... انكساراً يقود إليها انتصار ولم أرى منها قبلها سافكاً ... دماءً ولم يخشى في القلب ثار تعير الغزالة من وجهها ... ضياءً وتسلبُ منها النفار وتحمي بمرهف أجفانها ... جنياً من الورد والجلنار تملكتني عنوة والهوى ... إذا ما أغار الحذار الحذار يرق العذول إذا ما رأى ... غرامي ويمنحني الاعتذار ومن رشقته سهام اللحاظ ... فقد عز برءاً وناء اصطبار حنانيك لست بأول من ... دعاه الغرام قلبي جهار ولا أنت أول صب جنى ... على نفسه حين أضحى جبار فرفقاً بقلبك واستبقه ... فقد حكم الوجد فيه وجار وعج من حديث الهوى واقرعن ... ال مدح من في العلى لا يجارى إمام توحد في المكرمات=ونال المعالي والافتخارا وأدرك شأو العلى يافعاً ... والبس شانيه منه الصغارا سما في الكلام الى غاية ... وناهيك من غاية لا تبارى مناقبه لا يطيق الذكي ... بياناً لمعشارها وانحصارا

стр. 196

غدا كعبة لاقتداء الورى ... وأضحى لباغي الكمال المنادا إليه المفاخر منقادة ... أبت غيره أن يكون الوجارا هو البحر لا ينقضي وصفه ... فحدث عن البحر تلق اليسارا إذا أظلم البحر من فكرة ... توقد عاد لديه نهارا يفيد لراجي المعالي على ... ويمنح عافي نداه النضارا وبكر تجرر أذيالها ... اليك دلالاً وتسعى بدارا أتتك من الحسن في مطرف ... تثنى قواماً أبى الاهتصارا تضوع عبيراً وتختال في ... ملابس وشي أبت أن تعارا تشكي إليك زماناً جنى ... عليها بنوه وخانوا الذمارا وهموا بإطفاء مقباسها ... فلم يجدوا حين راموا اقتدارا فكيف وانت الذي قد قدحت ... زناد ذكاها وأوقدت نارا فهاك عروساً ترجي بأن ... يكون القبول لديها نثارا ومنك اليك أتت اذ غدوت ... لها منشأ واضحاً والنجارا ودم واحد الدهر فرد الورى ... تنال سمواً وتحوي وقارا مدى الدهر ما لاح شمس الضحى ... وناوح بلبل روض هزارا وواصل صباً حبيب وما ... تذكر نجداً فحن ادكارا ومن قوله ما مدح به الفاضل الأديب اللطيف المقلري حيث يقول: يا ليتها إن لم تجد بوصال ... سمحت بوعد او بطيف خيال جنحت لما رشق الوشاة ونمقوا ... من أنني سال ولست بسال كيف السلو ولي فؤاد لم يزل ... لجحيم نيران الصبابة صالي ومدامع لولا زفيري لم يكن ... ينجو الورى من سحها المتوالي ونحول جسم واحتمال مكارهٍ ... وسهاد جفن وادكار ليالي فإلام أظمأ في الهوى ومواردي ... فيه سراب او لموع الآل ولم اختباري عن فؤادي كل من ... ألقى وقلبي عد ذات الخال هيفاء رنحها الدلال فأخجات ... هيف الغصون بقدها الميال في خدها الورد الجني وثغرها ... يحوي لذيذ الشهد والجريال حجبت محياها الجميل ببرقع ... كرقيق غيم فوق بدر كمال ونضت من الأجفان بيض صوارم ... ففرت بهن ولم تناد نزال فلكم عزيز يختشى من بأسهِ ... أضحى لديها في أشد وبال وأخو الهوى يلفي المذلة عزة ... ومذال أهل الحب غير مذال الله ليلة أقبلت بدجنةٍ ... فرقاً من الواشين والعذال ووفت كما شاء الغرام وأنعمت ... بالقرب بعد تبرم ودلال وحبت فؤادي بعد نار صدودها ... برد الوصال ومنتها الآمال فجنيت أوراد الخدود وطالما ... امتنعت علي وهيجت بلبالي وبلغت منها ما يؤمل وامق ... ورهبت منها الوصل خوف زوال حتى بدا الصبح المنير كأنه ... وجه الوحيد الماجد المفضال عبد اللطيف الأريحي أخي الندى ... بدر الدجا ذي النائل الهطَّال الألمعي اللوذعي الهبرزي ... الأوحدي محل كل كمال الفاضل الحبر الهمام ومحرز ... قصبات سبق أواخر وأوالي الكامل الندب المبين بفكره ... ما لم يلح من غامض الإشكال الواهب النعم الجسام ومانح العافي لجدواه جزيل بوال الناظم الشعر الذي لو حلت الشعرى له وفته بعض معال والغيد لو شاهدنه لبغينه ... عقداً يمن به على الأمثال أدب يروقك بهجةٌ وشمائلٌ ... فاقت نسيم صبا ولطف شمال ومآثر مروية ومفاخر ... محوية بعزيمة ومقال مهلاً أمير الفضل ماذا تبتغي ... فقت الورى إذكنت في الأطفال أصبحت كعبة قاصد وملاذ من ... وافى علاك لحادث مغتال أممت سدنك التي قد أصبحت ... مأوى الكمال ومعدن الإفصال فانقادت الآمال نحوي وانبرت ... نحوي المطالب دون سبق سؤال والدهر جاءك تائباً من حشده ... نحوي رعال الخطب إثر رعال ودرى بأني قد لجأت لماجد ... رحب الفاء مؤمل الإقبال فإليك من دور النظام قصيدة ... جاءتك ترفل في رداء جمال تمشي على مهل وتشكرك الذي ... أوليته من فضلك المنهال ومتى يوفي بعض وصفك ناظم ... وإلى علاك مآل كل كمال واسلم على مر الزمان مؤيداً ... جذلان ذا نعم موفر بال ما أخلصت وداً صحيفة كاتب ... وتلا مديحاً في النوال التالي

стр. 197

شعر ابن يوسف الشامي وممن ترجم له صاحب (السلافة) الشيخ العلامة محمد بن علي بن محمود بن يوسف الشامي قال في حقه: هو الهمام البعيد الهمة، المجلوة بأنواع علومه ظلم الجهل المدلهمة، اللابس في مطارف الكمال أظرف حلة، والحال من منازل الجلال في أشرف حلة، وأطال الثنا عليه بما ليس فوقه مزيد، إلى أن قال: وأما الأدب فعليه مداره، وإليه مراده وإصداره، ينشر منه ما هو أذكى من النشر في خلال النواسم بل أحلى من الظلم يترقرق في ثنايا المباسم، وما الدر إلا ما انتظم من جواهر كلامه، ولا السحر إلا ما نفثت به سواحر أقلامه، وأقسم إني لم أسمع بعد شعرِ مهيار والرضي، أحسن من شعره المشرقي المضي إن ذكرت الرقة فهو سوق رقيقها، أو الجزالة، فهو سفح عقيقها أو الانسجام فهو غيثه الصيب، أو السهولة فهو نهجها الذي تنكبه أبو الطيب، وسأثبت منه ما يقوم بينه هذه الدعوى، وتهوي إليه أفئدة أولي الألباب وتهوى، وإن صدف عن هذا المذهب ذاهب فللناس فيما يعشقون مذاهب، وها أنا أعتذر إليه من الإيجاز في الثنا عليه فما سطرته لمحة مما أقفو: ويا عجباً مني أحاول وصفه ... وقد فنيت فيه القراطيس والصحف وله علي من الحقوق الواجب شكرها ما يكل شبا يراعي عن ذكرها، وهو شيخي الذي أخذت عنه في بدء حالي، وأنضيت إلى موائد فوائده يعملات رحالي اشتغلت عليه فاشتغل بي، وكان دأبه تهذيب أدبي، ووهبني من فضله ما لا يضيع، وحنا علي حنو الظئر على الرضيع، ففرش لي حجر علومه، وألقمني ثدي معلومه حتى شحذ من طبعي مرهفاً، وبرى من نبعي مثقفاً، فما يسفح به قلمي إنما هو من فيض بحاره، وما ينفح به كلمي إنما هو من نسيم أسحار شعره: ومن منائح مولانا مدائحه ... لأن من زنده قدحي وإيرائي ثم ذكر خبر ظهوره من الشام، وأنه هاجر إلى الديار الأعجمية، فأقام بها برهة محمود السيرة، عاكفاً على بث العلم ونشره، وأطال، ثم قال: وهو اليوم يتحلى بفضل تشد إليه الرحال، ويتحلى بأدب يروي الإمحال، وينيف برتبة يقصر عنها كل متطاول: وترجع أيدي الناس دون منالها ... وأين الثريا من يد المتناول وسأثبت من نظمه ما تتعلق به البلاغة وتتمسك، ويتضوع به كافور الطروس ويتمسك، وتحسد حسن اتساقه الثغور، وتغار له نجوم السماء فتغور، فمن ذلك قوله في الغزل: أنت يا شغل المحب الواجد ... قبلة الداعي ووجه القاصد فتَّ آرام الفلا حسناً فما ... قابلت إلا بطرف جامد شأن قلبينا إذا صح الهوى ... يا حياتي شأن قلب واحد أكثر الواشون فينا قولهم ... ما علينا من مقال الحاسد لست أصغي لأراجيف العدى ... من يغالي في المتاع الكاسد وذكر له أشعاراً ضربت عن ذكرها لأجل الاختصار، ونقلت منها قوله وهو في غاية الرقة: أجدك شايعت الحنين المرجعا ... وغازلت غزلاناً على الخيف رتعا وطالعت أقماراً على وجرة النقا ... وقد كنت أنها العين أن تتطلعا ولم أر مثل الغيد أعصى على الهوى ... ولا مثل قلبي للصبابة أطوعا ومن شيمتي والصبر عندي شيمة ... متى أرم أطلالا بعيني تدمعا وقور على يأس الهوى ورجائه ... فما أتحسى الهم إلا تجرعا خليلي مالي كلما لاح بارق ... تكاد حصاد القلب أن تتصدعا طوى الهجر أسباب المودة بيننا ... فلم يبق في قوس التصبر منزعا إلى الله كم أغضبني الجفون على القذى ... وأطوي على القلب الضلوع توجعا ألا حبذا الطيف الذي قصر الدجى ... وإن كان لا يلقاك إلا مودعا ألم كحسوا الطير صادف منهلاً ... فأزعجه داعي الصباح فأسرعا وناضلته باللحظ حتى إذا رمى ... بسطت له حبل الهوى فتورعا قسمت صفايا الود بيني وبينه ... سواء ولكني حفظت وضيعا وحزَّت نياط القلب أسباب نيةٍ ... فلله قلبي ما أرق وأجزعا ومن قوله: راضتك أصعب ما تكون قيادا ... وسلتك أهلع ما تكون فؤادا لانت حصاتك في يدي متغطرس ... أحنى عليك مع الهوى أو كادا آلت عليك وفي أليتها الهوى ... أن لا تمازح طيفها إن عادا مرت تلاعب ظلها وتكاد من ... فرط النشاة تلاعب الآرادا

стр. 198

طارت بلبك حيث طار بها الهوى ... ورقاء قطع نوحها الأكبادا غنتك أحوج ما تكون إلى البكا ... (هل تحسنين لواجد إسمادا) ما أنصف الطيف الذي جلب الهوى ... أعزاك عزاً بالغرام فزادا إن الذي روى الجفون من الكرى ... أهدى إليك مع الخيال سهادا ما راب عينك من تلون لمةِ ... لبست على فقد الشباب حدادا كذب العذول العذر أصعب مركباً ... لا تأس إن نقص العذول وزادا ومُهوِن للوجد عندي قال لي ... والعيس تقدح للفراق زنادا أفنيت دمعك في البكاء وما حدوا ... عيساً وما شدوا لهم اقتادا لا يكذبنَّ فلقد رأيت مطيهم ... بالأمس تنقض في الفلا أجسادا خفض عليك من اللام فإنني ... عودت قلبي حبهم فاعتادا ومن قوله أيضاً: شرق على حكم النوى أو غرب ... ما أنت أول ناشب في مخلب في كل يوم أنت نهب محاسن ... أو ذاهب في إثر برق خُلَّب متألق في الجو بين مشرق ... غص الفضاء به وبين مغرب يبكي ويضحك والرياض بواسم ... ضحك المشيب على عذارا الأشيب أزعمت أن الذل ضربة لازب ... فنشبت في مخلاب باز أشهب لعبت بلبك كيف شاء لها الهوى ... مقلٌ متى جد النواظر تلعب زعمت عزيمة أن قلبك قد صبا ... من لي بقلب مثل قلبك قلَّب؟ قد كنت آمل أن تموت صبابتي ... حتى نظرت إليك يا ابنة يعرب فطربت ما لم تطربي ورغبت ما ... لم ترغبي وذهبت ما لم تذهبي ولقد دلفت إليهم في فتية ... ركبوا من الأخطار أصعب مركب جعلوا العيون على القلوب طليعة ... ورموا القفار بكل حرف ذعلب ترمي الفجاج وقلبها متصوب ... في البيد إثر البارق المتصوب هو جاء ما نفضت يداً من سبسب ... إلا وقد غمست يداً في سبسب تسري وقلب البرق يخفق غيرة ... منها وعين الشمس لم تتنقب تطفو وترسب في السراب كأنها ... فلك يشق عباب بحر زعرب تفلي بنا في البيض ناصية الفلا ... حتى رفعت إلى عقيلة ربرب وأتتك تخلط نفسها بلداتها ... والحسن يظهرها ظهور الكوكب كفريدة في غبغب أو شادنِ ... في ربرب أو فارس في موكب تمشي فتعثر في فضول ردائها ... بحياءِ بكر لا بنشطة ثيب ومن قوله: أرقت وصحبي بالفلاة هجود ... وقد مد فرع للظلام وجيد وأبعدت في المرمى فقال لي الهوى ... رويدك يا شاميُّ أين تريد أهذا ولما يبعد العهد بيننا ... بلى كل شيء لا ينال بعيد أراقوا دمي وما دمي بمحلل ... إذا لم ترقه أعين وخدود أأصبر عن ليلى وليلى ذي الغضا ... وصحبي بجزوى إنني لجليد؟ هي الظبية الأدماء والبانة التي ... تميد مع الأغصان كيف تميد أناة كقرن الشمس أما ضياؤها ... فدان وأما نيلها فبعيد وقفنا فمنا ممسك بفؤاده ... وآخر محلول العزاء عميد أليفان قد طارت بشمليهما النوى ... شريد وثاو بالعراق وحيد أما تتقين الله في متهالك ... على الحب حتى ما يقال وعيد طوى كشحه طي السجل على الجوى ... وبات وشيطان الهموم مريد إلى كم يدور الدهر بيني وبينكم ... وتبدي الليالي كيدها وتعيد؟ فقد جعل الواشي وأنت اتبعته ... من اليوم يسعى بيننا ويرود؟ تم الاختيار من شعر ابن يوسف الشامي وأخباره، ويليه الاختيار من شعر ابن خان الشامي وأخباره. شعر ابن خان دار الشامي قال صاحب (السلافة) :

стр. 199

الشيخ حسن بن شهاب الدين بن حسين بن خاندار الشامي الكري العاملي، طود رسا في مقر العلم ورسخ، وخطة الجهل بما خط نسخ، رأيته فرأيت منه فرداً في الفضائل وحيدا، وكملاً لا يجد الكمال عنه محيداً، تحل له الحبا وتعقد عليه الخناصر، أو في على من قبله, وبفضله اعترف المعاصر، يستوعب قماطر العلم حفظاً بين مقروء ومسموع، ويجمع شوارد الفضل جمعاً، هو في الحقيقة منتهى الجموع حتى لم ير مثله في الجد على نشر العلم، وإحياء مواته، وحرصه على جمع أسبابه وتحصيل أدواته، ثم ذكر انه في آخر عمره تعاطى علم الطب، ولم ينجح فيه، ثم قال ومع ذلك فقد طوى أديمه، من الأدب على أغزر ديمة، ومتى تقهقهت لهاته بالشعر، أرخص من عقود الآلي كل غالي السعر، إلى ظرف شيم وشمائل، تطيب بأنفاسها الصبا والشمائل، وإلمام بنوادر يحلي بها حديثه والحديث شجون، ولم يزل ينتقل في البلاد وينقلب، حتى قدم على الوالد قدوم أخي العرب على آل المهلب، وذلك في سنة ١٠٧٦سبع وسبعين وألف، فأحله الوالد لديه، محلا عقد فيه نواصي الآمال بين يديه، وأمطره سحائب جوده وكرمه، ورد شباب أمله بعد هرمه، فأقام بحضرته بين خير وخير فقد ما شان من شانه تأخير حتى خوى من أفق الحياة طالعه، وأدجت بأفول عمره مطالعه، توفي ﵀ يوم الاثنين لأحد عشرة بقيت صفر سنة ١٠٧٦ست وسبعين وألف عن أربع وستين سنة ٦٤ تقريباً، وله من المصنفات شرح (نهج البلاغة) ، و (عقود الدرر في حل أبيات المطول والمختصر) و (الاغاني) و (الاسعاف) وغير ذلك ومن شعره ما مدح به، وهي من غرر القصائد: بدت لنا وظلام الليل معتكر ... فقلت شمس الضحى لاحت أم القمر جاء البشير وقال الشمس قد بزغت ... ليلاً فصار عياناً ذلك الخبر فقل لمن لامني في حبها سفها ... إليك عني فإني لست أعتذر هي الحبيبة إن جادت وإن بخلت ... وكل ذنب جناه الحب مغتفر سيان عندي إذ صح الوداد لها ... أقل في حبها اللاحون أم كثروا لها المودة مني ما بقيت ولي ... حظ المحب وحظ العاذل الحجر يا منية النفس إن دام الوصال لنا ... فلا أبالي أغاب الناس أم حضروا ما لذة العيش إلا ما سمحت به ... أنت الحياة وأنت السمع والبصر لم يلهني عنك مطلوب ولا وطن ... ولا نديم ولا كأس ولا وتر فقت الحسان وفقت العاشقين معاً ... فلو أرادوا لحاقاً بي لما قدروا لاغرو أن أنكروا حالي فما سمعوا ... بمثلها في الهوى يوماً وما نظروا مالي وما لفتاة الحي قد صرمت ... حبلي وأنكرني أترابها الأُخر هيفاء وافرة الارداف مائلة الاع ... طاف ما شانها طول ولا قصر بيضاء وردية الخدين وجنتها ... يكاد منها سلاف الراح يعتصر لم يبق لي بعدها صبر ولا جلد ... ولا فؤاد ولا عين ولا أثر إن كان قد راعها فودي فلا عجب ... إن شاب رأسي ففي الأيام معتبر يا منيتي لا تراعي من ضنى جسدي ... فنار حبك لا تبقي ولا تذر لا تجزعي من نحولي وانظري هممي ... قد يعجز السيف عما تفعل الإبر ولا تكوني على قرب المزار لنا ... كبقلة الرمل لا ظل ولا ثمر ما الشيب عار ولا شيء أعاب به ... فلا تظنيه ذنباً ليس يغتفر أن تهجريني فإني عنك في شغل ... من لذة العيش حيث الماء والشجر في ظل أروع مازالت أوامره ... تجري على وفق ما يجري به القدر ماضي العزيمة لا ضعف ينهنهه ... عما يروم ولا في عوده خور بحر من الجود لم تكذب خمائله ... يوماً ولا أخلفت إذ يخلف المطر وليث غاب يهاب الليث سطوته ... في مأزق يحتويه البدو والحضر إذا استدارت رحى الحرب العوان غدا ... يمشي العرضنة لا وانٍ ولا ضجر كأنما في مثاني درعه أسد ... ششن البراثن مرهوب الشبا زئر ما جردت في لظى حرب صوارمه ... إلا وكادت قلوب الشوس تنفطر يرون منها نجوم الليل ساطعة ... عند الضحى والقنا كالغاب مشتجر فقل لمن لامني في مدحه سفهاً ... هل لابن معصوم مثل حين يفتخر؟ من أسرة شهدت غلب الرجال لهم ... بالغلب حيث يبين النبع والعشر

стр. 200

لا يقبضون عن الحسنى أناملهم ... ولا يحازون بالأسوا إذا قدروا يبيت في الأمن مولاهم وحاسدهم ... بالويل حشو شاه الخوف والحذر لا تنكر الناس ما عاشوا سوابقهم ... ولا يساجلهم قوم وإن فخروا يا ماجداً يهب الدنيا بأجمعها ... عفواً ويعطي الضنايا وهو يعتذر تهن بالعيد والعام الجديد معاً ... فالعيش مقتبل والدهر مؤتمر ودم كرضوى دواماً لا زاول له ... تنهى وتأمر لا عي ولا حصر وقال يمدحه: إلى كم وقوف العيس في دارس الرسم ... وحتام استسقي من الدمع ما يظمي؟ لقد كان لي عما تجشمته غنى ... ولكنها الأقدار تجري على حتم طحا بفؤادي حب نعم وهجرها ... فيا ويح قلبي ما يقاسيه من نعم من البيض لم تظعن بعيراً ولم ترع ... بسبي ولم تلق الرباق على البهم كأن على أنيابها ذوب سكر ... وماء ٌغمام ما زجته ابنة الكرم أحن لسقمي إذ بها كان أصله ... وحسبك من صب يحن إلى السقم يحاولني قومي على ترك حبها ... ولي في الهوى شغل عن الترك والعزم أأسلو وروحي قد تملكها الهوى ... فجردها عن العالم الروح والجسم؟ يعز على الرائين تمثيل صورتي ... ولكنما المرئي نوع من الوهم وإن قال قوم غير ذاك وأرجفوا ... فقد تجنح الحرب العوان إلى السلم ورب فتاة يغتسل الكحل دمعها ... على ما رأت بي للنوائب من وسم فديتك لا تستكثري ما رأيته ... فرب نحيف الجسم ذو شرف ضخم وما النار إن فكرت لا شرارة ... فما هو إلا أن تشب وأن تنمي وخير الظبى ما أرهف القين حده ... ونيل العلى من ذابلات القنا الصم حنا نيم إني ما تقحمت مورداً ... فأعذبته حتى أمر له طعمي خبير بما يرضي الخليط مجرب ... فأصمت عن حلم وأنطق عن علم وأضرب وجه الأرض شرقاً ومغرباً ... وبراً وبحراً لا أقيم على رسم أزاحم آساد الشرى في مقيلها ... نهاراً وانضي العيس في حالك الدهم فإن ظفرت عيني برؤية أحمد ... فقد نلت من أعلى العلى وافر القسم وحلت ركابي في رحال ابن حرة ... له راحة تستهلك البحر إذا تهمي وليس يبالي من أقام بظله ... جناية جان أو ظلامة ذي ظلم حمى لم ترعه الحادثات كأنه ... رياض منى والخيف باكرها الوسمي يضيء دياجي الخطب نور جبينه ... وتشرق منه غرة الزمن الجهم إذا ناضل الأعداء عاد بفضله ... ظهيراً ولو بالمذلة والرغم أشد من الليث الهصور شكيمة ... وأمضى من السيف اليماني والسهم كلا راحتيه معدن البأس والندى ... فجود إلى جود وعزم إلى عزم بواعثه مقصورة عن سوى العلى ... فيسعى لما يرضي ويسمو لما يسمي وما أعجزته همة عن مرامه ... ولو كان ما يبغيه في هامة النجم إذا ما مضى في عصبة هاشمية ... كأس لشرى قد سربلت حلل الرقم تذل له غلب الرجال مهابة ... ويرجف منه قلب ذي المارق الدهم وإن رمق الحصن المنيع بطرفه ... تداعى بلا هدم وخر بلا رجم إليك نظام الدين مني مدائحاً ... تفوق عقود الدر في الحسن والنظم لها نسب في الآخرين وإنها ... وحقك يا مولاي فاقت على القدم تهنيك بالنيروز لا زلت باقياً ... لأمثاله تسمو على العرب والعجم وقال يمدحه: لك الخير لا زيد يدوم ولا عمرو ... ولا ماء يبقى في الدنان ولا خمر فبادر إلى اللذات غير مراقب ... فمالك إن قصرت في نيلها عذر فإن قيل في الشيب الوقار لأهله ... فذاك كلام فيه عن مسمعي وقر وقالوا نذير الشيب جاء كما ترى ... فقلت لهم هيهات ان تغني النذر لئن كان رأسي غير الشيب لونه ... فرقة طبعي لا يغيرها الدهر يقولون دع عنك الغواني وإنما ... قصارك لحظ العين والنظر الشزر وهل فيك للغيد الحسان بقية ... وقد ظهر المكنون وارتقع الستر فما للغواني وابن سبعين حجة ... وحكم الهوى جهل ومعروف نكر؟ فقلت دعوني فالهوى ذلك الهوى ... وما العمر إلا العام واليوم والشهر

стр. 201

نشأت أحب الغيد طفلاً ويافعاً ... وكهلا ولو أوفى على المئة العمر وهن وإن أعرضن عني حبائب ... لهن علي الحكم والنهي والأمر أحاشيك بي منهن من تعرضت ... لنوء الثريا لا ستهل لها القطر ترقرق ماء الحسن في نار خدها ... فماء ولا ماء وجمر ولا جمر فيا بعد ما بين الحسان وبينها ... لهن جميعاً شطره ولها الشطر برهرهة صفر الوشاح إذا مشت ... تجاذب منها الردف والعطف والخصر من البيض لم تغمس يداً في لطيمة ... وقد ملأ الآفاق من طيبها نشر تخر لها زهر الكواكب سجداً ... وتعنو لها الشمس المنيرة والبدر تخال بخديها من النوم لوثة ... وتحسبها سكرى وليس بها سكر وقالوا إلى هاروت ينسب سحرها ... أبى الله بل من لحظها يؤخذ السحر تخالف حالي في الغرام وحالها ... لها محض ودي في الهوى ولي الهجر فيا ويح قلبي كم يقاسي من الهوى ... ويا ويله كم لا ينهنهه الزجر على أنني لا جازع إن تباعدت ... بها الدار أو عز التجلد والصبر فمدح عماد الدين دامت سعوده ... هو القصد لا بيض الكواعب والسمر شريف له في كل قلب مدينة ... عزيز له في كل جارحة مصر من النفر البيض الألى شيدت لهم ... صدور العوالي والمهندة البتر إذا عد أهل الفضل كان إمامهم ... وإن عد أهل البذل كان له الفخر نهوض بأعباء المكارم كلها ... وإن ضاق عنها ماله رحب الصدر له تسعة الأعشار من رتب العلى ... وسهم بقايا الناس منها هو العُشر تجلُّ عن الدنيا وإن جل قدرها ... يمين ابن معصوم ونائله الغمر وما بي إلى نوء السماكين حاجة ... وقد لامست كفي أنامله العشر فلا وعده خلف ولا البرق خلبٌ ... ولا جوده مطل ولا سيبه نزر علقت بحبل منه لا عن جهالة ... فلم تلهني عنه العراق ولا مصر وخضت إليه البحر لا أرهب الردى ... فصادفت بحراً لا يقاس به بحر وأدركت من نعماه ما دونه الغنى ... فدامت لي النعمى ودام له الشكر لئن ملت يوماً عن هواه لغيره ... فلا كانت الدنيا ولا وفر الوفر فكفران ما أسدي إلي من الندى ... هو الكفر لا بل دونه عندي الكفر وإن أنكر الحساد سابق فضله ... أقر له الركن اليماني والحجر وما قلت ما قد قلت إلا تعللا ... وإلا فماذا يبلغ النظم والنثر فلا زال محروس الجناب مؤيداً ... من الله ما دام السما كان والنسر وقال أيضاً يمدحه وزعم أنه عارض بها معلقة امرىء القيس: لمن طلٌ أقوى بدارة جلجل ... ذكرت به ما مر عن عيشي الجلي وقفت به والعين عبرى كأنما ... يذر بجفنيها سحيق القرنفل فلم يرى طرفي غير أطلال دمنة ... خلت وخوت واختل معهدها الخلي برغمي إرغام المطي على السرى ... وإنزال ضيف الدمع في كل منزل إلى كم هيامي لا يزول على المدى ... وحتام قلبي في اسار التعلل؟ إذا ما مضى يومٌ من الدهر مدبر ... فجعت بفينان من العيش مقبل يعنفني في الحب قومي سفاهة ... وهيهات كم خالفت في الحب عذلي يقولون بعت الحلم بالجهل عامداً ... فقلت لهم من يعشق الغيد يجهل دعوني زمن قد هام قلبي بحبها ... وقلبي لديها كالأسير المسلسل فما قربها إلا الحياة وطيبها ... وما بعدها إلا الحمام المعجل بعيدة مهوى القرط خمصانة الحشا ... أسيلة مجرى الدمع ريا المخلخل صقيلة ما بين التراب والطلى ... كحيلة طرف العين لا عن تكحل أشارت لعقلي حين جد بي الهوى ... وقالت له ما تصنع الآن فارحل فيا قلب كن عوني على ما ينوبني ... ويا كبدي ذوبي ويا عيني أهملي ٍأساحرة العينين معسولة اللمى ... ملكت فؤادي فاجملي أو تجملي أطعت الهوى والشوق فيك صبابة ... وأصبحت عن قلبي وصبري بمعزل صلي واقطعي وارضي إذا شئت واغضبي ... على وجوري ما بدا لك واعدلي فلا يطمع الواشون مني بسلوة ... ولا الحبل متبول ولا الحب منسلي

стр. 202

ولست بميال إلى كل صارخ ... ولا طالب للورد من كل منهل وإن جهلت قدري بلاد هجرتها ... مشيحاً كصوب العارض المتهلل جزى الله موج البحر عني وفلكه ... جزاء كريمٍ واسع الجود مفضل هما أنزلاني والحوادث جمة ... بروض أريض وافر الظل مخضل له معهد حل السماح نطقه ... به عن قديم ثم لم يتحول حمى معدن العليا وغيث أولي الظما ... وعون ذوي البلوى وغيث المؤمل جناب نظام الدين أحمد من سما ... على الناس في مج أخيرٍ وأول حوى ما حواه الأكرمون وفاقهم ... بسعي معم المكارم مخول فصاحة قسٍ في سماحة حاتم ... وإقدام عمرو في وفاء السموأل حليف الندى في صدر محفل ... وحتف العدى إن سار في صدر جحفل كأن له في منبت كل شعر ةٍ ... يداً في لظى الهيجاء تسطو بمنصل جواد إذا ضن الجواد بماله ... وقور إذا خفت قواعد يذبل غيور إذا خلى الغيور حريمه ... حمول إذا اجتثت أصول التحمل فما روضة بالحزن باكرها الحيا ... بأرعن رجاسٍ من المزن مسبل إذا خطرت فيها الصبا عبقت بها ... عوابق من ريا عبيرٍ ومندل بأطيب نشراً من خلائق أحمد ... ومن شك أو لم يدر ما قلت يسأل وهيهات أن أحصي علاه وجوده ... دليل على إمكان كون التسلسل نديمي أدر كأس راح حديثه ... ودعني من ذكرى حبيب ومنزل ففيه وإلا فالحديثُ مضيعٌ ... وعنه وإلا فهو عين التقول إليك نظام الدين مني مدائحاً ... تفوق على نظم الجمان المفضل وما أنا ممن يجعل الشعر همه ... وإن كان شعري نزهة المتأمل ولكن دعاني ما رأيت وشاقني ... علاك فطاب المدح فيك ولذَّ لي تهنَّ بعيد أنت في الناس مثله ... تفوق عليهم بالمعالي وتعتلي شعر منجك الشامي قال صاحب (السلافة) : أمير مورده في الفضل نمير، ومحله لأعلى الكواكب سمير، تأصلت دوحة فضله بالشام وتفرعت، واقتدت مكارمه بأسلافه في الكرم وتبرعت، إلى نخوة، وهمة تستنير بها اليالي المدلهمة، وشرف ومجد أشرق بهما كل غور ونجد، وحميد أخلاق سلمت من مساوىء الزهو والكبر، وآداب تكاد بيوته إذا ذكرت يبيض من نورها الحبر، وقد وقفت له على قطعة عليها أمارة الإمارة، وجزالة البدو، ورقة الحضارة، هي عنوان ملكته في الأدب واقتداره، وعلو مقامه وسمو مقداره وهي: دنواً فقد أوهى تجلدي البعد ... ووصلاً فقد أدمى جوانحي الصد أحن غراماً فيك خيفة كاشح ... ومن مدمعي ودق ومن كبدي وقد وبي فوق ما بي الناس من لاعج الهوى ... ولكن أبي أن يجزع الأسد الورد فيا من يبيد الرشد فيمن أحبه ... متى يلتقي الحب المبرح والرشد؟ تلاعبت بالأشواق حتى لعبن بي ... وما كنت أدري أن هزل الهوى جد بليت بقاسٍ لا يرق فؤاده ... علي وها قد رقَّ لي الحجر الصلد أعاني به ما يعجز الدهر بعضه ... وأحمل ما قد كلَّ عن حمله الجهد وأدفع عن النفس وهي عصية ... وهل يمكن الظمآن عن مورد ردُّ إذا جئتها يوماً لبث شكية ... أروح بأشجان على مثلها أغدو تهددني من مقلتيها إذا رنت ... قواضب مما يطبع الله لا الهند حداد يلوح الموت في صفحاتها ... مواضٍ لها في كل جارحة غمد وأشتاق إما عن في القلب ذكرها ... وأطرب ما بات اللسان بها يشدو شعر العادي

стр. 203

وممن ترجم له صاحب (السلافة) الشيخ عبد الرحمن العادي مفتي الحنفية بدمشق المحمية، قال في حقه: هو علاوة الزمان، وشقيق النعمان، الناشر العلم والعمل، والمحرز أدوات الكمال عن كمل العمدة، الرفيع العماد، المتميز على أقرانه تميز الروي على الثماد، فاضل له في الفضل والفواضل أياد، وفقيه أفكاره شدت للنعمان ما يشده شعر زياد إلى أدب ظهرت آياته وبهرت، ونشرت راياته بالمحاسن واشتهرت، فأذعن له كل ناظم وناثر، وعظم قدرة الأعاظم والأكابر، إن قال فالبلاغة منوطة بمقاله، أو كتب فالبراعة موثقة بعقاله مع كرم هو ضرة الغمام، وأياد هي الأطواق والناس الحمام، وخلق من لباب المكارم مخلوق، وشيم يستغنى بطيبها عن كل طيب وخلوق، وأشعاره درر لم يحتو على مثلها صدف، وغرر لم ينحل بمثلها سدف، ثم ذكر له رسالة كتبها إلى الشيخ المقري وهو بمصر، أبدع فيها كل الإبداع، تركت نقلها طلباً للاختصار، ثم قال ومن نظمه ما كتبه إلى الشيخ المذكور: شمس العلى أطلعها الشيخ المغربُ ... وطار عنقاء بها مُغربُ فأشرقت في الشام أنوارها ... وليتها في الدهر لا تغرب شهاب علم ثاقب فضله ... ينظم عقداً منه لا يثقب فرع علوم بالهدى مثمر ... وروض فضل في الندى معشب قد ارتدى ثوب العلى وامتطى ... غارب مجد قرها المركب درس غريب كل يوم له ... يملي ولكن حفظه أغرب محاضرات مسكر لفظها ... بكأس سمع راحها تشرب رياض آداب سقاها الحيا ... ففاح مسكاً نشرها الأطيب فضائل عمت وطمت فقد ... قصر فيها كل من يطنب قلوبنا قد جذبت نحوه ... والحب من عادته يجذب إن بعدت عن غربه شرقنا ... فالفضل فينا نسب أقرب كم طلبت تشريفه شامنا ... بشرى لها فليهنها المطلب قد سبقت لي معه صحبة ... في حرم يؤمن من يرهب أخوة في الله من زمزم ... وضاعها طاب به المغرب أنهلني ثم وداداً فلي ... بالشام منه علل أعذب ضاء دجى العلم به للورى ... ما ضاء في جنح الدجى كوكب فراجعه الشيخ بقوله: ما تبر راح كأسها مذهب ... ماللنهى من حسنها مذهب تسدفع الأكدار من صفوفها ... وتنهب الأفراح إذ تنهب تسعى بها هيفاءُ من ثغرها ... وفرعها الأنوار والغيهب فتانة الأعطاف نفاثةٌ ... سحراً بألعاب الورى يلعب في روضة قد كالمت بالندى ... والزهر رأس الغصن إذ يغضب برودها بالنور قد نمنمت ... كالوشي من صنعاء بل أعجب والماء يجري تحت جناتها ... والنار من نارنجها تلهب والظل ضاف والنسيم انبرى ... والزهر زاكي النشر مستعذب والطير للعشاق بالعود قد ... غنت فهاجت شوق من يطرب أبهى ولا أبهج من منظر ... من نظم من تقديمه الأصوبُ فتى دمشق الشام صدر الورى ... من في العلى تم به المطلب علامة الدهر ولا مرية ... وملجأ الفضل ولا مهرب لله ما امتاز به من علىً ... بغير منِّ الله لا تكسب أبدى به الرحمن في عبده ... مظاهر الفضل التي تحسب جود بلا منٍ وعلم بلا ... دعوى به التحقيق يستجلب وبيت مجدٍٍ مسند ركنه ... إلى عماد الدين إذ ينسب فبرقه الشامي من شامهُ ... تال مراماً والسوى خلب وما عسى أبديه من مدحه ... ومدح أبناء له أنجبوا تسابقوا للمجد حتى حووا ... سبقاً لما في مثله يرغب أعيذهم بالله من شرِّ ما ... يخشى من الأغيار أو يرهب وأسأل الله لهم عزةً ... بادية الأضواء لا تحجب شعر أحمد بن شاهين وممن ترجم له صاحب (السلافة) أحمد بن شاهين الشامي.

стр. 204

قال في حقه: شامة وجنات الشام، المشرق نثره ونظمه إشراق البدر ليلة التمام، أديب ضربت البلاغة رواقها بحماه، وأريب انتمت اليراعة إلى منتماه، حاز قصب السبق في ميدان الإحسان والإجادة، ورواية حديث الفضل المسلسل شفاها لا وجادة، فأصبحت دعوى أدبه واضحة الحجج والبراهين، وراحت جوارح أفكاره صائدة لقنص الفصاحة، ولا غرور فهو ابن شاهين، ونثره وشعره في غاية الرقة والإنسجام، وها أنا أُثبت ما يدار به عليك من الإنسجام، وذكر له من النثر رسالة وردت عليه من نحوه، وأجاد في نثرها إلى الغاية تركت نقلها طلباً للاختصار، وأما شعره فقد نقلت منه قصيدة واحدة وهي هذه ذكر أنه مدح بها بعض أكابر عصره: ما همت بعدك أشفي العين بالأثر ... إلا عثرت بقلب ضل بالأثر ولا ذكرتك مشتاقاً على ولهٍ ... إلا وأشفقت من دمعي على بصري لم أكتحل بالكرى شوقاً إليك ولا ... خاط الجفون سوى ميل من السهر يا حبذا عهدنا في جو كاظمةٍ ... صافي المشارب ضافي الظل والسمر نشارف اللهو فيه خوف مرتقب ... إن ازدياد الغواني صيبة الخطر خدين عشرين إذ عهد الصبا كبث ... وللشبيبة غصنٌ جد مهتصر جذلان رنح عطفيه الصبا فغدا ... شروى الغصون وقد مالت مع السحر يميل تحسبه الواشون منتشياً ... وقد تمكن منه نشوة الخفر يؤم لثم يدٍ غراء ما لثمت ... إلا وأسفر منها غرَّة الوطر بيضاء لولا نداها مع ترافتها ... شبهتها لازدحام اللثم بالحجر يا ابن الذين تردوا بالفخار ومن ... قد أحرزوا قصبات السبق والظفر من مثل قومك إجلالاً وأنت بهم ... مثل اليتيمة في عقد من الدرر عرفتهم بك والمعروف أنبأني ... كما استدل على التأثير بالأثر أعيا مدى السمع مناذ كر جودهم ... وأنت أعييت إجلالاً مدى النظر زان الحياة مداهم ثم مذ رحلوا ... آثارهم زينة الأخبار والسير ذكراهم ومعاليك التي تليت ... في صفحة الدهر كالأحجال والغرر لو كان للعز إمكان بناطفه ... لراح يخطب في علياك والخطر أو كان للمجد إحساس بما انعقدت ... ذؤابتاه لأضحى جد مفتخر أو كان للبدر نور من طلاقته ... لم يبق للشمس تمييز عن القمر حًلَّيْت جيد زمان قد مضى عطلاً ... ورُحت ترفل مختالاً على الدهر لبست ثوب فخار لا يجاذبه ... فضل الرداء شريك في مدى العصر بكرت في طلب العلياء وادَّ لجوا ... وليس مدلج قوم مثل مبتكر لو رمت منهل ماء ما رضيت سوى ... نهر المجرة من وردٍ ومن نهر أو رمت عقد نظام كي تقلده ... جيد الصحائف لم تختر سوى الزهر وود حين يفر النفس من يده ... أن يستمد سواد القلب والبصر فطرسه وقطار الحبر يطرحها ... ترى النواظر حسن العين بالحور لله ما فقر كالزهر تحسبها ... مطوية وهي عند النشر كالزهر كأنها وهي في الأسطار محدقة ... نظم الجبان على اللبات والنحر مذ ناظرتها النجوم الغر وابتدرت ... تحكي سناها فلم تهد أولم تقر لك البلاعة لا تثنى أعنتها ... فاركب لها واضح الأحجال والغرور أكني عن العزم يا ابن العزم قاطبة ... كناية عن وحيد البدو والحضر المصطفى الندب من فاضت فوا ضله ... والمورد العذب صفواً جل عن كدر من لو نهضت إلى الأفلاك مرتقباً ... لشمت ثمة فضلاً منه منتظري فزنت نعماه بالزهر التي زهرت ... فاستصغرتها عيوني غاية الصغر وسمتها بالمنى والوسع يسعفها ... فاستكبرتها الأماني غاية الكبر تلك المكارم عين الله تحرسها ... تفنى الأماني فلم تبق ولم تذر مولاي دعوة مملوك به ظمأ ... برح لعذب نداك السلسل الخصر إن الحياة حياة في ذراك ومن ... يعدوك فهو كما الأشباح والصور وماؤها كمياه البشر دافقة ... بوجهك الطلق ليست مقبة الحضر قد رق منها على الدنيا وساكنها ... عرس لنا من جناه يانع الثمر لو رمت غيرك أبغي منه عارفة ... غدا إذاً ذاك ذنباً غير مغتفر أراش لحظتك مني حص أجنحتي ... فبالحرى ولشوفي فيك أن أطر

стр. 205

قد قصر الدهر في إشكاي من حسد ... من قبل والآن لا يقوى على عذر وكنت أشكو الليالي سوء محنتها ... والآن أوسع شكراً محنة القدر وهاكها من بنات الزنج ألفها ... نجل لشاهين لا يأوي إلى وكر تدعى بأنثى ولكن في النظام لها ... صرامة لم تكن في الصارم الذكر تطوى الصحاف لها صوناً وإن نثرت ... تفوح سوم أريج المسك في الصور تروق كالروضة الغناء ترفل في ... ريط الثناء كزهو الخود في الحبر تلفعت ببرود الحمد تحسبها ... بكراً توشح موشياً من الأرز ساقت إليك جيوشاً من بلاغتها ... لوا المحامد فيها معلم الطرر أوشكت أقنص نسر الأفق مرتقياً ... لما خيالك أغراني على الفكر إن رمت مدحك يا ابن بجدتها ... ورونقاً بفحول العرب من مضر لي في قبولك تأميل يبشرني ... أني سأظفر بالمقبول من عذر وإنني لأرى نفسي تحرضني ... أني سأشفعها من قصدي الآخر وأسلم ببرج جمال أنت رونقه ... ترضي المعالي في الآصال والبكر ممتعاً بلذيذ العيش تمنحه ... وظافراً بهني المال والعمر شعر الغري وممن ترجم له صاحب ((السلافة)) أيضاً أبو الطيب بدر الدين بن رضي الدين الغري العامري الشامي قال في حقه: شاعر فصيح مجاله في الأدب فسيح يسحر بيانه العقول، ويبهر الألباب بما يقول، إن نظم فالدر الثمين كاسد، وزهر النجوم حوا سد، سار شعره مسير الشعر بين، وجلى عن قلوب ذوي الألباب كل رين، ولم يزل معدوداً من أرباب الصدور، مسفرة محاسن فضله إسفار البدور حتى أفسدت السوداء عقله، وواجبت من مناصب العقلاء عزله، فأصبح في عقال الجنون إلى أن فاجأه رائد الممنون عفا الله عنه، وهذا حين أثبت من شعره ما تستحليه وتقلد به جيد الدهر وتحكيه، فمن ذلك قوله مادحاً أبا السرور البكري: ألا طرقتنا قبل منبلج الفجر ... معطرة الأَردان طيبة النشر وحيت فأحيت من حشاشة مدنف ... وما خلتها تقضي على الموت والنشر وجادت بما ضن الزمان بمثله ... وفاءً بلا مطل ووصلاً بلا هجر وجاءت كما شاء المنى في مطار ف ... من الحسن أدناها أرق من السحر ولاحت من العذر العلى في دياجر ... فأشرق بدر التم في غسق الفجر وماست قضيباً فوق دعص فأتلعت ... من الغيد ريماً لامن الشدن العفر فبادرتها والقلب جم سروره ... وقل أن يوفي حين وافته بالنذر وجاذبتها أطراف عتب كأنه ... نسيم الصبا غب الملث من القطر ومازجتها ضماً فرحنا كأننا ... (خليطان من ماء الغمامة والخمر) ونازعتها ذيل العفاف ولم أخل ... خليطين مثلينا استقالا من الوزر إلى أن نضاكف الصباح حسامه ... وأسفر داجي الأًفق عن فلق الفجر فقامت تهادي تنفض البرد تنثني ... مرنحة الأعطاف ناحلة الخصر وهمت بتوديعي فسالت مدامعي ... وسار فؤادي خلفها حيث لا تدري فيا ليلة ما كان أَزهر متها ... لقد أذكرتني موهناً ليلة القدر ويا زورة ما أنس لا أنس أنسها ... عدى عودة أم أنت لي بيضة العقر والله ما شببت إلا علالة ... وفي غمرة من غير بحر الهوى فكري وفي همتي والله يعلم شاغل ... عن الغادة العذراء ترفل في الحبر أأرتع في روض الحسان وأنثني ... عن الذروة الشماء يعلو بها قدري أحدث نفسي بالمعالي وأَبتغي ... رفيقاً رفيقا بي معيناً على أمري وما الناس إلا الشوك عند اختبارهم ... على أنهم في منظر العين كالزهر سأضرب وجه الأرض أبغي مطالبي ... فريداً ولا أعبا بزيد ولا عمر أبى الله لي إلا سيادة أصيد ... مجد إلى قنص العلى بالقنا السمر ولا مجد عن إرث وإن طبت محتداً ... فأنمى إلى حبر يلقب بالبدر وما الفخر إلا في مقارعة العدى ... وما المجد إلا بالسباء والأسر فإن أنت صافت الأسود وخضتها ... بطعن فقل ما شئت في عالم البدر ولم تغتمض عيناي ليلة لم أبت ... أقلب في قلب الهزبر على جمر وكم لي من صيدات عز وسؤدد ... ومن دونها وقع المهندة البتر

стр. 206

ولما رأيت الذل في جانب الغنى ... تنكبت أبغي العز في جانب الفقر مناقب هماتي حكين مقانباً ... نظمن قلادات من الأنجم الزهر يارين أحداث الزمان فتنبري ... كمال ارتعد العصفور من صولة الصقر وما هي من همات قطب العلى أبي ... السرور ولا دعوى سوى عثير العسر هو الأسد الضرغام إن عن حادث ... ملم شديد البأس حتى على الدهر هو الشمس في أفق وضوؤها ... على الخلق من بيض وسمر ومن حمر هو العالم الشهم المبرز في النهى ... أخو النسب الوضاح والشيم الغر هو البحر أمّا ريم إدراك شأوه ... فأين الثماد الجفر من زاخر البحر؟ ولا عيب فيه غير أن يمينه ... تنوف على ما في الكنهور باليسر وكم من صفات راح يحوي زمامها ... عديمة أمثال تجل عن الحصر فصاحة قس في سماحة حاتم ... وإغضاء قيس في اقتدار يدي عمرو وفقه ابن ادريس وزهد ابن أدهم ... وحلم أبي بحر وصدق أبي ذر خليلي عوجا بارك الله فيكما ... على ساكني الفسطاط من قاطني مصر وهبا إلى كنز المآثر واقرءآ ... عليه سلاما كاللطائم في القطر وبثا إليه فرط شوقي ولوعتي ... على ما هما فالصدق أجدر بالحر أصدر الموالي المحرزي قصب العلى ... فداء محب مخلص السر والجهر لعلك لا تنسى المسيء من الرضى ... وعلم لا تنسى الكسير من الجبر وإني لأستعفيك مما وجدتني ... سريعاً إلى النعما بطيئاً عن الشكر وما أنا نظام ال شعر وإنما ... مديحك ألوى بي على صنعة الشعر وما الشعر يا ذا الفضل إلا تجارة ... فطوراً إلى ربح وطوراً إلى خسر فدونك يا ركن المعالي حوائلاً ... تؤمك بالتسليم قطراً على قطر قواف إذ انشدوها تخالها ... عقود الدراري لا عقوداً من الدر ترق بماء الطبع حتى كأنما ... ترقرق في أرجائها ذائب التبر لها رونق الدر المصون ملاحة ... ومنها استعير الظلم في شنب الثغر ودونكها بكراً إليك زففتها ... ولا غرو فهي البكر زفت إلى البكري تروم قبولاً مهرها وجديرة ... مجانبة إلا جنابك بالمهر ودم سالماً ما جاد روضاً ربابه ... وما ناح شحرور وما غرد القمري شعر حسين جلبي وممن نقل له صاحب (السلافة) حسين جلبي بن الجوزي الشامي قال في حقه: أحد صاغة القريض البديع التصريح فيه والتعريض، العلم بشعار الأشعار، والمقتنص لأبكار الأفكار، فتح بقرائحه باب البيان المقفل، ووسم من غفلة ما سها عنه غيره وأغفل، راقت بدائع آدابه ورقت، وملكت روائعه حر الكلام واسترقت، فهو إذا نظم أهدى السحر للأحداق، والرقة للخصور، وشاد من أبيات أدبه ما تعنو له مشيدات القصور، فتملك المسامع إبداعاً وإعجاباً، وكشف عن وجوه المحاسن نقاباً وحجاباً، فمن بديعه المستجاد ومطبوعه الذي ابدع فيه وأجاد قوله في صدر قصيدة مدح بها ابن سفيا: ألما نحييها ربىً وربوعا ... ووحشاً نسقيها دماً ودموعا وعوجا على عافي الطلول وعرجا ... معي واندباني والطلول جميعا ولا تزجيا القود الرواسم واعقلا ... على الرسم منها ضالعاً وضليعا خليلي خلي من أصاخ بسمعه ... وبعداً لخل لا يكون سميعا فلا تعصياني في التصابي على الصبا ... وأرفق ما كان الرفيق مطيعا قفا نوضح الأشجان منا بتوضح ... وننتجع الدمع الملث نجيعا ونبكي الليالي الغابرات نعيدها ... لو أن الليالي تستطيع رجوعا معاهد أنس بان عهد انيسها ... بعيشي ريعان الشباب وريعا وجنة مأوى غاض ماء نعيمها ... وجرعت غسلينا بها وضريعا لقد غال ما بيني وبين ظبائها ... على الجزع بين ظلت منه جزوعا وغيب عن عينيَّ أوجه عينها ... وكن شموساً لا تغبن طلوعا عقائل يعقلن الفؤآد عن السرى ... ويصر عن ذا العقل الصحيح سريعاً تقد القنى منهن والصبح والدجى ... قدود أقلت أوجهاً وفروعا أحاشيك بي منهن ذات تمنع ... وأقتل ما كان المحب منوعا لها لحظات ما أسنة قومها ... بأسرع منها في الكمي وقوعا

стр. 207

تمنى يزور الطيف طرفي وإنه ... لزور وإن كان المحب قنوعا وأبخل خلق الله من كان باعثاً ... خيالاً لعين لا تذوق هجوعا يكلفني فيها الهوى ما يكلف اللها ... لابن سيفا منذ كان رضيعا شعر عبد اللطيف المنقاري وممن نقل له صاحب (السلافة) أيضاً الأديب عبد اللطيف بن شمس الدين محمد المنقاري قال في حقه: أديب ربع أدبه آهل، نهض بأثقال المقال فما أودت له كاهل، علت شيمة بيانه وغلت، وسارت أغراض إحسانه في البلاد وأوغلت، وفاق وشي كلامه موشي البرود وأخجل العقود في تليل الكعاب الروض، فشعره أرق من عليل النسيم، إذا هب وأجدى من نوال الكريم إذا وهب، فمن رقيق كلامه، وأنيق أزهار نظامه قوله في قصيدة مدح بها بعض أعيان عصره: هاج نار الوجد في قلب الكئيب ... بارق لاح سناه من قريب أضرم النار وكانت خمدت ... وأثار الشوق من بعد المغيب نبَّه اللوعة من هجعتها ... وسرى كالريح في فرط الهبوب عاود الداء له من بعد ما ... صح منه القلب من حر اللهيب ذكر الصب زمانا بالحمى ... مرَّ كالنجم هوى بين الشعوب ليت شعري هل لماضي عصرنا ... من رجوع أم لدائي من طبيب أتمنى أوبةً هيهات لا ... يرجع الماضي من العيش الخصيب ومحال رجع عصر قد مضى ... والصبا لا يرتجى بعد المشيب لست أنسى يوم سعدي مقبل ... بدنو الحب مع بعد الرقيب وتعاطينا كؤوس الريق من ... ثغره المعسول خرجا بالضريب آه لو عادت ليالي وصلنا ... ورجعنا لمنجاة الحبيب كنت أعطي لبشيري حبة ال ... ناظر الغض وحبات القلوب لم يخلف في فؤادي لمعة ... غير وجد وزفير ونحيب وضلوع حشوها جمر الغضا ... ودموع العين الغيث السكوب كدت لولا زفرتي أغرق في ... يم أجفاني من الدمع الصبيب كلما أخفيت مكنون الهوى ... ذاعت الأدمع بالوجد المذيب بارق لاح فلما شمته ... حن قلبي للقا أهل الكثيب يا رعى الله غزالاً منهمُ ... طاب لي فيه انتسابي ونسيبي ثغره يطفئ من برد اللمى ... غلة الصدر ونيران الكروب إن بدا فالشمس تخفي خجلة ... وهلال الأفق يحنو للغروب أو تثنى هز من قامته ... ذابلاً يهزأ بالغصن الرطيب وإذا ما مر في حلته ... لم ير الغصن سوى شق الجيوب مفرد في الحسن والحسنى كما ... أن مولى الوقت معدوم الضريب شعر محمد الجوهري وممن نقل له صاحب (السلافة) الأديب محمد الجوهري الشامي قال في حقه: ناظم جواهر الكلام، وقاطف أزهار البيان بأنامل الأقلام أخير ناف على الأوائل وسحب ذيل الفخر على سحبان وائل, وتقدم في مضمار البلاغة وما تأخر، وذلل صعاب البراعة بأدبه وسحر، لا يكلل ليراعته لسان، ولا ينكر لبراعته إحسان، فمن محاسن قوافيه، وكامل قريضه ووافيه قوله وأجاد ما أراد: باكر رياض النيربين وماسها ... وانظر إلى الأزهار في أجناسها مابين زنبقها الرقيق ووردها ... وبديع نرجسها الغضيض وآسها وترنم الأطيار فوق غصونها ... تروي لطيف الوصف عن مياسها جمعت معاني اللطف في ألحانها ... وبيان منطقها وحسن جناسها تغنيك عن صوت المثاني عندما ... تشدو بمزهرها على جلاسها فترى الغصون لما بها من نشوة ... تهوي إليك من السرور براسها طاف الغدير بها فأثمر فرعها ... وغدا يخبرنا بأصل غراسها وسرت بها ريح الصبا فنأرجت ... جلساؤها بالطيب من أنفاسها فانهض نديمي نصطبح في ظلها ... واترك تباريح الهموم لناسها وأجل لحاظ العين في أرجائها ... واجل الهموم هناك من وسواسها واستحل باللذات بين رياضها ... واستجل بكراً أفرغت في كأسها عذراء واقعها المزاج فأنتجت ... أطفال در لم ترع بنفاسها شمس تزيد سناً إذا ما غربت ... في فيك أّولتك القوى بشماسها من كف مياس القوام إذا مشى ... بين الغصون قضى على مياسها أو ماس في أهل الهوى ضربت له ... أخماسها بالقهر في أسداسها

стр. 208

ما جيد غزلان الصريم إذا انثنى ... وإذا رنا ما لحظ ريم كناسها ذو مقلة نعسى إذا شاهدتها ... أهدتك سهداً من فتور نعاسها قم يا حبيبي لا برحت ممتعا ... داو القلوب من الكروب وآسها واسمح وآنس باللقا يا مُنيتي ... ما دامت الأيام في إيناسها شعر تاج العارفين المصري وممن ذكره صاحب (السلافة) الشيخ تاج العارفين بن محمد بن أمين الدين المصري قال في حقه: لجة علم لا تدركها الدلاء، ومحجة فضل لا يفتقر سالكها إلى الادلاء، حل من رتب المعارف المحل الأسمى، ودل عرفانه على أن الاسم عين المسمى، وكان والده مفتي الحنفية بتلك الديار، وقطب الشريعة الذي عليه المدار، فنشأ ولده هذا في حجر العلم والعلى، وتحلى من الكمال بأشرف الحلى، وله أدب شاد من أبياته قصوراً، لا ترى الأسماع في إطالة إحسانها قصوراً، فمن رقيق نظمه الرائق قوله: أذكرت ربعاً من أميمة أقفرا ... فأسلت دمعاً ذا شعاع أحمرا؟ أم شاقك الغادون عنك بسحرةٍ ... لما سروا وتيمموا أم القرى زموا المطي وأعنقوا في سيرهم ... لله دمعي خلفهم لما جرى ما قطرت للسير أجمال لهم ... إلا ودمعي في الخدود تقطرا فكأن ظهر البيد بطن صحيفة ... وقطارهم فيها يحاكي الأسطرا وكأنها بهوادج قد رفعت ... سفن ودمع العين يحكي الأبحرا رحلوا وما عاجوا على مضناهم ... واهاً لحظي كيف كنت مؤخرا إن كان جسمي في الديار مخلفاص ... فالقلب معهم حيث قالوا هجرا أظهرت صبري بعدهم وتجلدي ... وكتمت وجدي فيهم مستبشرا وغدا العذول يقول لي من بعدهم ... (بادٍ هواك صبرت أم لم تصبرا) وقوله: وحق من كون الأشياء تكوينا ... نار المحبة بالأشواق تكوينا وكلما هب من نجد نسيم صبا ... أزمَّةُ الشوق للأحباب تلوينا وكلما سار ركب لم نسر معه ... أجرى الدموع دماءً من أماقينا هيهات نسلو وما نسلو محبتهم ... ولو أرونا من الهجران تلوينا ساروا فراح فؤادي سائراً معهم ... يقفو الركائب في إثر المحبينا جسمي بمصر وقلبي بالحجاز يرى ... من صدق حب وود حكما فينا سقياً لأيامنا ما كان أطيبها ... بالرقمتين وما أحلى ليالينا شعر شهاب الدين الخفاجي وممن ترجم له صاحب (السلافة) شهاب الدين أحمد الخفاجي صاحب الريحانة قال في حقه: أحد الشهب السيارة، المقتحم من بحر الفضل لجة، وتياره فرع تهدل من زؤابة خفاجه، وفرد سلك سبيل البيان ومهد فجاجة، أجرى من ينبوع الفضل ما أخجل بمصر نيلها وبالشام سيحانه، وأهدى لمشام أرباب الأدب من رياض الأدب أطيب ريحانه، فمن شعره ما كتب في صدر قصيدة كتبها إلى أبي المعالي الطالوي: قبلت مصطبحاً شفاه الأَكؤس ... والصبح يبسم لي بثغر ألعس حتى بدت منه الغزالة واختفى ... مسك الدجى عند الجواري الكنس والنهر سيف بالنسيم فرندهُ ... وله حمائل من خمائل سندس أو صدر خود فتحت أطواقها ... أو شققت للوصل حلة أطلس والطير تشدو والغصون رواقص ... في وشي ديباج الربيع السندسي وعلى الخلاعة ليس جيدي عاطلاً ... من حلية المجد العزيز الأنفس ولواعظ مرضى بها اعتل الصبا ... والصب بالسقم المبرح مكتسي فتنت بأنفسها ففيها علة ... من وجدها وفتور مهجور نسي فلكم قطفت ثمار لهو أينعت ... وغفلت عما قد جنى الزمن المسي وطردت آمالي براحة عفتي ... إن التمني رأس مال المفلس رام التلمس نزر شعري برهة ... فطرحته كصحيفة المتلمس وكحلت طرفي بالسهاد صبابةً ... ووهبت نومي للعيون النعَّس ونظرت خد الورد لما احمر من ... خجلٍ وقد بهتت عيون النرجس قال صاحب (السلافة) ذكرت بهذه الأبيات قصيدة لي على هذا الوزن والروي راجعت بها السيد حسين بن علي بن شدقم الحسيني عن قصيدة مدح بها الوالد فأمرني بإجابته عنها فقلت وهو صدرها: ماست فأزرت بالخصوم الميَّسِ ... وأتتك تخطو في غلائل سندسِ وتبرجت جنح الظلام كأنها ... شمس تجلت في دياجي الحندس

стр. 209

تختال بين لداتها فتخالها ... بدراً بدا بين الجواري الكنس أرجت برياها الصبا وتضوعت ... أنفاسها والصبح لم يتنفس ووفت بما وعدت وبات وشاتها ... للوجد بين عم وآخر أخرس والليل يخفق قلبه من غيرة ... والنجم يرمقنا بمقلة أشوس يا طيب ليلتنا بشرقي الحمى ... ومبيتنا فوق الكثيب الأوعسي إذ بات شملي في ضمان وصالها ... والقرب يبدل وحشتي بتأنسي والليل يكتم سرنا ونجومه ... ترنو إلينا عن لحاظٍ نعَّس وسنا المجرة في السما كأنه ... نهر تدفق في حديقة نرجس باتت تدير علي من الحاظها ... كأساً وأخرى من لماها الألعس حتى إذا رق النسيم وأخفقت ... من أُفق مجلسنا نجوم الأَكؤس قالت وقد واليت هصر قوامها ... ضاق الخناق عن العناق فنفِّس ثم انثنت حذر الفراق مروعةً ... في هيئة المستوحش المستأنس تتنفس الصعداء من وجد وقد ... غصَّ الظلام بصحبه المتنفس واستعجلت شد النطاق وودعت ... توديع مختلس بحيرة مبلس لله غانية عنت لضيائها ... شمس الضحى إذ أشرقت في الأطلس سلبت عقول أولي الغرام صبابةً ... بجمالها الباهي السني الأنفس وسألتها نفسي فقالت حيرة ... أي النفوس فقلت أعلى الأنفس لم أنسها يوماً فأذكر أُنسها ... لا كان من ينسي الأحبة أو نسي ومن قول الخفاجي المذكور. قل للأحبة أنتم مذ غبتمُ ... لم ألق وجهاً للسلو جميلاً فجعلت أيام الوصال قصيرة ... ولبست ليلاً للهموم طويلا شعر الشيخ داود الأنطاكي وممن ترجم له صاحب (السلافة) الشيخ داود الأنطاكي المشهور بالبصير، قال في حقه: أعمى قائده التوفيق والتسديد، ومحجوب كشف عنه غطاؤه فبصر ذكائه حديد، أدرك ببصيرته ما لم تدركه ألو الأبصار، وقطن بمصر فسار صيته في الأمصار، جمع فنون العلم ج=معاً أصبح به علماً فرداً، وسرد شروحه ومتونه عن ظهر قلب سرداً، إلى أدب بهر بتبيانه، وأظهر حكمة شعره وحسن بيانه، فهو عالم في شخص عالم، وعلم شيدت به دوارس المعالم، اعتنى بالطب فصار فيه طَباً عليماً، وفاق أربابه حديثاً وقديماً، ثم ذكر مصنفاته، وذكر أنه استوطن مصر، وحصل له قبول من أهلها، ثم إنهم رمه بأنه ملحد، وزعموا أنه يرى رأي القدماء من الفلاسفة والحكماء إلى غير ذلك من مقالاتهم فلما كثر منهم فيه اللغط ركب متن عزمه على الفرار، وتوجه إلى البيت الذي من دخله كان آمنا، فاستوطن البيت الحرام، وحصل له من شريف الحرمين الحسن بن أبي نمى قبول واحترام، ومكث بمكة شرفها الله في أرغد العيش، وأتم نعمه حتى تصرمت لياليه وأيامه، واخترمت المنية حمامه وذلك سنة ١٠٠٩ تسع وألف عفا الله عنه، وأما شعره فهو غاية في الرقة والانسجام والرصانة والإحكام فمن ذلك قوله: بروحي أقي من خلتها حين أقبلت ... على إثر حزن تنثر الدمع في الخد قضيباً من الكافور يمطر لؤلؤاً ... من النرجس الوضاح في فرش الورد وقوله: نظرت إليها والسواك قد ارتوى ... بريق عليه الطرف مني باك تردده من فوق درٍ منظم ... سناه لأنوار البروق يحاكي فقلت وقلبي قد تفطر غيرةً ... أيا ليتني قد كنت عود أراك فقالت أما ترضى السواك أجبتها ... وحقك مالي حاجة بسواك وقوله: لقد فقت أرباب المحاسن كلهم ... وزدت عليهم بالرشاقة والعقل فمذ أعجز المغتاب شيء يقوله ... رماك بأوصاف القطيعة والبخل فلا تثبتي بالهجر زور مقاله ... ولكن صليني أو عديني بالوصل ولا تمطلي بالوعد صباً معذباً ... وإن قيل إن الشيء يعذب بالمطل وقوله: أقول لها هل تسعفين بزورة ... مريضاً كواه البين بالهجر والسقم فقالت إذا ما فارق الروح زرته ... لأن محالاً جمع روحين في جسم وقوله في الجناس: هواك مازج روحي قبل تكويني ... وأنت ظلماً بنار الهجر تكويني صبرت فيك على أشياء أيسرها ... ذهاب نفسي وقوم عنك تلويني قد حل عقد اصطباري طول هجرك لي ... وليس غير وصال منكِ يبريني إذا شممت شذا رياك منتشقاً ... فما نسيم أتى من نحو يبرين

стр. 210

وقوله: أفدي فتاة فتنت مهجتي ... وقد أذيب القلب من صدها مالي وللدنيا إذا لم تزر ... وليس يحلو العيش من بعدها يقول لي الآسي وقد راعه ... ما بفؤادي من جوى بعدها خذ ماء ورد ولسان معاً ... واشربه بالماذي من شهدها قد صدق الآسي فهذا الدوا ... هو الشفا لو كان من عندها بأن يكون الشهد من ثغرها ... يجنى وماء الورد من خدها شعر حسين بن المطهر وممن نقل له صاحب (السلافة) أيضاً السيد حسين بن المطهر اليمني، قال في حقه: سطع نور فضله وأشرق، وأغص الحساد بزلاله وأشرق، فقامت به سوق الأدب على ساق، واقتاد حقائب البلاغة والبراعة وساق، بنثر يهزأ بالدر النثير، ونظم تحسده دراري الأثير، ثم ذكر من نثره رسالة حافلة كتبها إلى القاضي محمد دراز مراجعاً له؛ تركت نقلها للاختصار، وأثبت له من نظمه قوله: عج بالمطي وحي الأثل والبانا ... واستنجد الصبر إن الحي قد بانا واسفح دموعك في ربع رعيت به ... غيد الظباء زرافات ووحدانا وانشد فؤادك إذ زمت مطيهم ... هل سار في إثرهم أم ظل حيرانا من أين للصب صبر بعد بعدهم ... إذا تذكر أوطاراً وأوطانا والشوق يرسل سحب الدمع ماطره ... والوجد يقدح في الأحشاء نيرانا يا حادي العيس مرخاة أزمتها ... بلغت خيرا إذا ما جزت نجرانا فقف على أربع أقوت معالمها ... وقل لأمثالها أساً وبنياناً والله ما استبدل المشتاق منذ نأى ... بالأهل أهلا ولا الجيران جيرانا وقوله من أخرى: هذا العذيب وتلك برقة ثهمد ... مغنى الغواني والظباء الخرد لاغرو أن لعب الغرام بمهجتي ... وقضى علي هوى الغزال الأغيد وأطعت من أغرى فؤادي بالهوى ... وعصيت كل مؤنب ومفند ريان من ماء النعيم يميس في ... أبرانه كالغصن في الورد الندي لعب الصّبا بقوامه لعب الصّبا ... غب الهواطل بالغصون الميد ما لاح يثني عطفه إلا أرى ... قمراً تجلى فوق رمح أملد وقوله: لله ما صنع الفراق بمهجتي ... وأحبتي ما للفراق ومالي ما كنت أقنع بالتلاقي منهم ... واليوم أقنع منهم بخيال وهو من قول الشهر زوري: وقد كنت لا أرضى بالوصل من الرضى ... وآخذ ما فوق الرضى متبرما فلما تفرقنا وشط مزارنا ... قنعت بطيف منك يأتي مسلما شعر الاهدل وممن ذكره من رجال (السلافة) السيد حاتم بن أحمد الأهدل الحسيني، قال في حقه: قطب الشرف، وعماد بيت المجد العالي، وبحر العرفان الخضم، وصدر المكارم الذي جمع شملها، وضم المتحلي من الأدب بما أبان تفضيله، والحائز من محاسنه ما تحكم له شواهده بالسبق وتقضي له، فمن شعره مذيلاً بيت أبي دهبل: (وأبرزتها بطحاء مكة بعدما ... أصات المنادي بالصلاة فأعتما) وسرحت عيني في الرياض خدودها ... فشاهدت روضاً كالربيع منمنما سقته مياه الحسن فازداد بهجة ... وغادر قلبي بالحطيم محطما حسينية حسناء لمياء نحوها ... توجه قلبي بالغرام وأحرما سعيت إليها بالصفاء مسلماً ... لروحي وقلبي طاف سبعاً وزمزما غزال تعير الظبي لفتة جيدها ... وعن قدها المياس سل بانة الحمى فتاة تعير الشمس بهجة وجهها ... سناها بغير الحسن لن يتلثما عدى خصرها جسمي سقاماً وجفنها ... تعدى على جفني وللنوم حرما إليها ثنت قلبي الثنايا صبابة ... فياما أحيلى ذلك الثغر واللما إذا حدثت فاح الندى وأظهرت ... برمزتها مني الحديث المكتما وذكر له تصدير وتعجيز على فائية ابن الفارض أوله: (قلبي يحدثني بأنك متلفي) ... عجل به ولك البقا وتصرف قد خلت حين عرفته وعرفتني ... (روحي فداك عرفت أم لم تعرف) ومنه: (أنت القتيل بكل من أحببته) ... فلك السعادة بالشهادة يا وفي ولقد وصفت لك الغرام وأهله ... (فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي) ومن قوله في الجناس: لآلي ثغور أم بدور تشف عن ... لآلي بحور أو بروق نحور؟ سما لثمها عني فيا لهفي على ... فوات نحور من فواتن حور

стр. 211

شعر زيد الحجاف اليمني وممن نقل له في (السلافة) زيد بن علي بن إبراهيم الحجاف اليمني، أطنب الثنا عليه بما ليس فوقه مزيد، ثم قال: هذا وإني معترف بالتقصير في وصف فضله، ثم قال: وسأثبت من غرر شعره التي تجنح إليها البلاغة جنوح الفرخ إلى وكره، فمنها ما أنشدني شيخنا العلامة جعفر بن كمال الدين، قال: أنشدني السيد المذكور لنفسه بالمخا سنة ١٠٦٨ ثمان وستين وألف. ولي عتب على قوم أساؤوا ... معاملتي وساموني اغترارا جنوا عمداً وما راعوا حقوقاً ... وما اعتذروا وساموني صغارا سأضرب عنهم صفحاً وأغضي ... مخافة أن أقلدهم شنارا ولو أني ركبت متون عزمي ... إذاً لسقيتهم مراً مرارا ولو أني هممت بأخذ حقي ... لولوني ظهورهم فرارا قال وسألني القول على ذلك فقلت: لك العتبى ومنك الصفح يرجى ... إذا لم تستبن منهم وقارا وإن هم جنوا عمداً وجهلاً ... وما راعوا وما طلبوا اعتذارا فإن البدر لا يثنيه شيء ... من العجما صياحا أو جؤارا وأنت على أذاهم ذو اقتدار ... على أن لا تسامي أو تبارى فطب نفساً فكلهم ذليل ... لعزتك اختياراً واضطرارا وللسيد المذكور: ومالي والهم الذي أنا حامل ... ولي صلة من فضل ربي وعائد إذا عادة الله التي أنا آلف ... تذكرتها هانت علي الشدائد فلا أتقي هولاً وأرهب طارقاً ... ولي ثقة بالله ما قام عابد قال: وأنشدني صاحبنا الشيخ أحمد الجوهري له قال: كتب إلي وقد طلبت منه شرح النهج لابن أبي الحديد في بيتين من الشعر. أتاني نظمك المنضود يمشي ... من الإحسان في ثوب جديد ووافى جوهري للفظ لطفاً ... ومعنى صيغ من در نضيد سمحت بذاك وهو أجل قدراً ... لأن يأتيك بابن أبي الحديد ربحنا بالتجارة وارتضينا ... لطيف الدر عن ثقل الحديد فراجعته بقولي: أخا الهيجاء ذا الرأي السديد ... غياث الملتجي مأوى الطريد طويل الباع في كسب المعالي ... بسيط الفضل كالبحر المديد أتاني منك نظم فوق طرس ... كدر زان في نحر وجيد فما أبصرت بيتاً منه إلا ... وقلت بأنه بيت القصيد فشعرك يعجز الشعراء عنه ... ونثرك مخجل لابن العميد وقد حزت المعاني والمعالي ... وفقت بها على جمع عديد فلا زالت بك الأيام تزهو ... وجاهك كل يوم في مزيد قال: وكتب إلي أيضاً: صوغ القريض على اختلاف رجاله ... ما بين حصبا لا تعد وجوهر وإذا أردت أن تفوز بدرة ... نظماً فخذه من صحاح الجوهري شعر محمد المخاوي ومن رجال (السلافة) السيد محمد بن أحمد حاكم المخا ذكر أنه رأى في بعض الدفاتر له بيتين دلا على أن حسام أدبه مرهف باتر وهما قوله: شبهت نرجسة وافى إليَّ بها ... خلي وقد جئت في التشبيه بالعجب كفاً من الفضة البيضاء ساعدها ... زمرد حملت كأساً من الذهب قلت حق له التصديق، ووجب، ... فقد جاء من التشبيه بالعجب شعر محمد بن عبد القادر اليمني ومن رجال (السلافة) أيضاً السيد محمد بن عبد القادر اليمني قال في حقه: أحد سحرة القريض، ومقتطفي نور روضه الأريض، نطق عن لسان الإحسان، ونثر من البلاغة رفرفها الخضر، وعبقريها الحسان إلى مجد ونسب، ومنطق يملك الأسماع إذا مدح أو نسب، وله ديوان يشتمل على غرر وقلائد، تحسدها عقود الولائد وقفت عليه، فاخترت منه قوله من قصيدة مدح بها السيد الحسن بن القاسم أخا الإمام محمد المؤيد ملك اليمن ويهنئه بعيد الفطر أولها: ألام هلال لاح أم نون حاجب ... بدا بجبين الأفق في ليلة الفطر؟ أم العيد من صافي اللجين بخنجر ... تمنطق أم سيفٌ تقلد من تبر أقوس لملك الغرب صيغ بعسجد ... وعلق موتوراً على قصره الدري أم الكأس ساقي القوم ليلاً أدارها ... ليسقي الندامى قهوة العيد كالخمر أشكل سوار ذاك أم شق دملج ... بساعد ليلى بان في غرة الشهر أم الغادة الحسناء خلخال ساقها ... أبانته للعشاق من كوة القصر

стр. 212

توهمت ليس الأمر كما ذكرته ... وشبهت والتشبيه يحسن في الشعر وما هو إلا هيكل في قلادةٍ ... على طوق ملك قلد الملك بالفخر هو السيد المعروف معروف جوده ... ومن كفه بالغيث تزري وبالبحر هو الحسن الأخلاق والاسم من سما ... بهمته قسراً على فلك النسر هزبر الوغى ليث الشرى ضيغم العدوى ... مؤيد أعلام المؤيد بالنصر خضم الندى من في أكف عطائه ... زمام الغنى المغني لراجيه باليسر أتحسب أن السحب تمطر صيباً ... وأن بطون البحر تقذف بالدر وما ذاك إلا أن نائل جوده ... أنال السحاب الغيث فانهل بالقطر وما الدر إلا أن نيسان كفه ... حشا البحر حتى عاد فيضاً إلى البر وما أحمر شفاف اليواقيت مشرقاً ... فأصبح منظوم العقود على النحر ولكنه من نار غيظ حيائه ... توقد حتى صار في شعلة الجمر وما انفتحت أكمام روض وعطرت ... بنفحتها الآفاق بالنور والزهر ولكنه أخلاقه الغر أثرت ... ففيها سرت طيباً ففاح شذى النشر وما في الأيك يوما حمامة ... ولا ناح من شوق به صادح القمري ولكنها تدعو الإله تضرعاً ... ليبقى له ملك الولاية في القطر وما اكتسب البدر المنير ضياءه ... من الشمس لما لاح في ليلة البدر ولكنّ لاحت من محياه لمعة ... فعمته بالأنوار في عالم الأمر وما البرق إلا لمحة من حسامه ... إذا شمته في الجو يلمع أو يسري ولا صاعقات الجو إلا قواطع ... بأحكامه ان نقدتها يد القهر وقائعه تنبي اللبيب بشأنه ... وأخباره تهدي التحير للفكر قال صاحب (السلافة) : هذا ما وقع عليه الاختيار منها، وقد شبه الهلال في أولها بعشرة أشياء، وجمع الشيخ عماد الدين ابن نباتة جملة منها في قصيدته الرائية التي مدح بها الملك المؤيد صاحب حماة التي أولها: يا شاهر الطرف حبي فيك مشهور ... وكاسر الجفن قلبي منك مكسور فإنه هنأه فيها بعيد الفطر واستطرد في تشبيه الهلال فقال: كأن شكل هلال العيد في يده ... قوس على مهج الأعداء موتور أو مخلب مده نسر السماء لهم ... فكل طائر قلب منه مذعور أو منجل لحصاد الصوم منعطف ... أو خنجر مرهف الحدين مطرور أو نعل تبر أجادت في هديته ... إلى جواد ابن أيوب المقادير أو راكع الظهر شكراً في الظلام على ... من فضله في السما والأرض مشكور أو زورق جاء فيه العيد منحدراً ... حيث الدجى كعباب البحر مسجور أو لا فقل شفةٌ للكأس مائلة ... تذكر العيش إن العيش مذكور أو لا فنصف سوار قام يطرحه ... كف الدجى حين عمته التباشير أو لا فقطعة قيد فك عن بشر ... أخنى الصيام عليه فهو مأسور أو لا فمن رمضان النون قد سقطت ... لما مضى وهو من شوال محصور ومن شعر ابن عبد القادر المذكور: أحوى حوى الرق مني ثغره الشنبُ ... ومبسم لاح في جرياله الحبب حلو التثني إذا ريح الصبا عطفت ... معاطف القد منه تخجل القضب مهفهف العطف مياس القوام إذا ... ما اهتز كالغصن ليناً هزه الطرب دمي مباح لسيف من لواحظه ... إن كان غير هواه للحشا أرب ومنها: لا تعذلوني إذا ما همت من شغف ... بمن سباني منكم أيها العرب قد بان عذر غرامي في محبته ... عند العذول وشأني في الهوى عجب وصدر وعجز أبياتاً من أول البردة فقال وأجاد: (أمن تذكر جيران بذي سلم) ... كسيت برداً من الأحزان والسقم؟ أم من فراق ربوع كنت تعهدها ... مزجت دمعاً جرى من مقلة بدم؟ (أم هبت الريح من تلقاء كاظمة) ... فأظهرت كامن الأشجان والألم؟ أملاح بارق ليلى عندما ابتسمت ... (وأومض البرق في الظلماء من إضم) ؟ (فما لعينيك إن قلت اكففاهمتا) ... بصوب دمع كغيث المزن منسجم؟ وما لنفسك إن قلت اسكني اضطربت ... (وما لقلبك إن قلت استفق يهم) ؟ (أيجسب الصب أن الحب منكتم) ... وشاهد الحال يفشيه بكل فم؟ وكيف يخفى وأحشاهُ ومقلتهُ ... (ما بين مضطرم منه ومنسجم) ؟

стр. 213

(لولا لم ترق دمعاً على طللٍ) ... به اكتفى روضه عن وابل الديم ولا قلقت لريح الشيح من شغف ... (ولا أرقت لذكر البان والعلم) وقال في صدر قصيدة: إن كان ذنب صبابتي لا يغفر ... فبأي نعتٍ في المحامد أشهر؟ أو كان تهيام الغرام مذمة ... فلأي معنى قيس ليلى يذكر؟ وعلام تضرب في الملا أمثاله ... وحديثه فوق الطروس يسطر؟ ومنها: كم ذا أكتم في هواه صبابتي ... طوراً أقرَّ بها وطوراً أنكر أعليّ لوم في معذب مهجتي ... إن قلت إن هواه لي مستأسر شعر عبد الصمد باكثير ومن رجال (السلافة) الشيخ عبد الصمد بن عبد الله باكثير، قال في حقه: خاتمة شعراء اليمن، ونابغة العصر وباقعة الزمن، ينتهي نسبه إلى كندة، وكان كاتب الإنشاء لعمر بن بدر ملك الشحر وشاعره، وديوان شعره مشهور تتاو محاسنه ألسن الأيام والشهور، وقد وقفت عليه، وصرفت عنان النظر إليه فاصطفيت منه ما استحسنت، وأوردت منه ما أردت، ولم يزل كاتباً للأمير المشهور ثم لولده عبد الله بن عمر إلى أن توفي بالشحر عام خمس وعشرين وألف عفا الله عنه وهذا حين أُثبت ما اخترته من ديوانه والتقطته من فرائده وعقيانه ومنه قوله من قصيدة أولها: رعيًَ لأيام تقضت بالحمى ... فزنا بها ووشاتنا غفلاء جاد الزمان بها وأسعفنا بمن ... نهوى ولم تشعر بنا الرقباء ومنادمي بدر على غصن على ... حقف له قلبي العميد خباء عذب المقبل عاطر الأنفا ... س درياق النفوس شفاهه اللسعاء متبسم عن أشنبٍ شبم له ... مهما تبسم في الدجى لألاء ما مسك دارين بأطيب نكهةً ... منه وقد ضاعت له ريَّاء عبر النسيم بجر فضل بروده ... فحبته من كافورها الأنداء فتعطرت من طيب فائح نشره ... أرواحنا وسرت لنا السراء فسقى الإله مراتع الغزلان من وادي النقا وهمت به الأنواء وتهللت برياضها سحب الحيا ... وسرت عليها ديمةٌ وطفاء حتى يراها الطرف أبهج روضة ... فبروقه الإصباح والإمساء والطير عاكفة بكل حديقة ... فكأنها بلحونها قراء والروض مبتهج الحيا فكأنه وافاه من عمر الندى إيماء ثم خرج إلى المديح، وقوله في صدر أخرى: هذي المرابع والكثيب الأوعس ... وظبا الخيام الآنسات الكنّس قف بي عليها ساعة فلعل أن ... يبدو لي الخشف الأغن الألعس فلطالما عفت الكرى عن ناظري ... شوقاً إليه ومدمعي يتبجس ينهلِّ سحاً مثل منهمر الحيا ... فوق المحاجر مطلقاً لا يحبس وأغن ناعس طرفه ساب الكرى ... عني فطرفي ساهر لا ينعس أشتاقه ما لاح صبح مسفر ... في أفقه أو جن ليل حندس ومنها: يا عاذلي دعني وشأني إن لي ... قلباً بغير الحب لا يستأنس لك قدرة أن لا تلوم وليس لي ... صبر به دون الهوى أتلبس كيف السلو عن الأحبة بعدما ... دارت علي من الصبابة أكؤس نقل الصّبا نشر الحبيب وحبذا ... نشر به ريح الصّبا تتنفس آهاً ولا يجدي التأوُّه والأسى ... فالصبر أجمل والتجميل أكيس وقال أيضاً: جاد الغمام مراتع الغزلان ... ومرابع الرشأ الأغن الغاني وسرى عليها كل أسحم هاطل ... غدق يسح بوابل هتان يحي ربوعاً طالما لعبت بها ال ... غيد الحسان نوا عس الأجفان من كل فاترة اللحاظ إذا رنت ... سلبت بسحر اللحظ كل جنان فكأنما الأقمار تطلع في دجى ... ليل من المسترسل الفينان وكأنما تلك القدود إذا انثنت ... قضب تمايل في ربى الكثبان وبمهجتي خشف أغن مهفهف ... أصمى فؤادي إذ رن فرماني ظبي من الأعراب في وجنتاه ... قوت القلوب وسلوة الأحزان بالله ما طالعت طلعة وجهه ... إلا ورحت براحة النشوان ماء الشبيبة فوق ورد خدود، ... يجري على متلهب النيران ذابت عليه حشاشتي وجداً به ... وصبابة وجفا الكرى أجفاني لم أنس أيام التواصل واللقا ... والشمل مجتمع بوادي البان وقال في صدر أخرى:

стр. 214

أشتاق من ساكني ذاك الحمى خيماً ... لأجلها زاد شوقي في الحشا ونما ولاعج البين والتبريج من كمد ... أجرى من العين دمعاً يخجل الديما ولا طربت إلا نظم القريض ولا ... عليّ بالوجد سلطان الهوى حكمها نفسي الفداء لظبي وجهه قمر ... وبرجه في سما قلبي العميد سما يصمي فؤادي بنبل من لوا حظه ... عن قوس حاجبه مهما رنى ورمى في ثغره الدر منظوماً فيالك من ... ثغر شنيب يريك الدر منتظما جل الذي صاغه بدراً على غصن ... على كثيب وأبداه لنا صنما لم يكسه الحسن ثوباً من مطارفه ... إلا كسا جسدي من عشقه سقما وقال أيضاً: بنشر وادي الغضا نشر النسيم سرى ... فأفهم الصب عن أهل الحمى خبرا أهي التحية من أهل الخيام إلى ... حليف وجد يقاسي الوجد والسهرا لكنه جد في وجدي وأذكرني ... تلك الربوع وبان الحي والسمرا ومنها: ولي من العرب ظبي ما رأى بصري ... شبهاً له في الورى بدواً ولا حضرا كالشمس وجهاً وبدر التم مبتسماً ... والظبي جيداً وغصن البان إن خطرا يمشي الهوينا حذار الكاشحين وقد ... أرخى الستور ظلام الليل واعتكرا قبلت مبسمه عشراً على عجل ... فقام عني إلى التوديع مبتدرا فكدت أشربه لثماً وأهصره ... ضماً وأثني عناقاً قده النضرا شعر المرهبي اليمني ومن رجال (السلافة) بدر الدين محمد بن سليمان أبو فاضل المرهبي اليمني، قال في حقه: أحد فضلاء اليمن، وواحد أدباء الزمن، إن نثر أزرى بزهر المروج، وأوفى على زهر البروج، وإن نظم أخجل جواهر العقود، وفعل بالألباب فغل ابنة العنقود، وكلامه يطرب بالأسماع، ويأخذ بمجامع القلوب والأسماع، وقفت له على نثر أتبعه بنظم في رسالة كتبها إلى جمال الإسلام والمسلمين علي بن المتوكل على الله أمير المؤمنين، وقد ذكر المصنف الرسالة بطولها، فأضربت عن نقلها مراعاة للاختصار وأما النظم الذي اتبعه به النثر فهو قوله وهي من غرر القصائد وفائق الشعر: أما آن أن ترقى الجفون السواجم ... وتقصر هاتيك القلوب الهوائم إلى الله حتى البرق أعداه رقة ... نحولي واعتلت لجسمي النسائم وقد سمعت زهر النجوم دعايتي ... وملت مناجاتي لهن الحمائم ومن حر ما ألقاه من مهيع الصبا ... غدت نسمات الحي وهي سمائم وقد أذهبت لوني يد الشوق واكتسى ... أصيل الحمى من صفرتي وهو نائم فلولا بكائي في المعاهد سحرة ... لما سمعت للطير فيها مآتم وكم يستمد القيظ من حر جوانحي ... تنم بما وارته مني الحيازم فحتام قلبي في الصبابة هائم ... وإنسان عيني في المدامع عائم؟ خليلي كم أخفي الهوى وتذيعه ... جفون مساعي الدمع فيها النمائم ولم أر مثل القلب عوناً على الهوى ... تشب به نار الجوى وهو كاتم وفي كبدي من حب أسما جراحة تعز على الآسي فيها المراهم وإن شفائي ما استدار نطافها ... عليه وما ضمته منه المباسم ودون لقا أسماء من بأس قومها ... سباسب ما سارت عليها المناسم ومن ذا على خوض المهالك معدي ... وقد قل في هذا الزمان المسالم؟ أخلاي طراً حاسد ومفند ... وقالً ومغتاب وواشٍ ولائم سقى تلعات الجزع فالشط فاللوى ... فسفح النقا سار من المزن ساجم مغان قضت فيها الشبيبة حقها ... سروراً وغصن اللهو ريان ناعم ولي بين هاتيك المعاهد ظبية ... تبات حواليها الليوث الضراغم من الهيف نعساء النواظر طفلة ... لها السمر والبيض الرقاق تمائم تنام فلم يلمم بها الطيف غرة ... بفحش ولم يحلم بها قط حالم ترى علمت أني بها الدهر مغرم ... وأن فؤادي في الصبابة هائم وإن قلبي لوعة يستثيرها ... إذا هدأت جنح الظلام الهمائم لئن درست تلك المعاهد أو عفت ... فلم تعف من شوقي إليها معالم وإن زماناً قد قضت لي صروفه ... بفرقة هاتيك الديار لظالم وهل جاز أن ارضى على الدهر أو أرى ... به ضاحكاً والفضل غضبان واجم

стр. 215

ومالي لا أشكوا الزمان وقد هوت ... بأهل النهى أحقاده والسخائم يحار إذا ما سيل لم أخصب الفتى ... جهولاً ولم أكدى بها وهو عالم؟ وما هي إلا حكمة دون فهمها ... فلاة مطي العقل فيها روازم تقاصرت الأوهام عنها كأنما ... عليها لتضليل العقول طلاسم وأسلم شيء أن يقال بانها ... حظوظ قضى الباري بها ومقاسم ألم ترني أستنهض الجد عاثراً ... وأستنطق الأقدار وهي أعاجم وأستنتج الأيام وهي حوائل ... وأستمطر الأنواء وهي حوائم وذنبي أني في البلاغة صادح ... وغيري في أسر الفهامة باغم وفي الناس من يستصغر ال شعر رتبة ... وما الناس لولا الشعر إلا بهائم فبي ختمت رسل الفصاحة وانتهت ... إلى ابن أمير المؤمنين المكارم فتى تسعد الآمال والفضل عنده ... وتشقى القنا في كفه والدراهم بمن ذا من الأجواد يوماً أقيسه ... وقد جاز في مسعاه كعب وحاتم أنال الخراد البيض وهي كواعب ... وأعطى عراب الخيال وهي كرائم غدا حاكماً شرق البلاد وغربها ... وآمالنا فيما حواه حواكم يجل صغير الأمر في عين غيره ... وتصغر في عينيه منه العظائم أنيطت به الأحكام طفلاً وإنها ... تمائم مخصوص بهن الأكارم نديماه يوم السلم شعر وعالم ... وخدناه يوم الروع رمح وصارم ترج يداه للغنى وهو نافع ... ولذ بحماه آمناً وهو عاصم تخيلته في الدست بدراً متوجاً ... ولكنه في السرج ليث ضبارم وسأله السمر العوالي إذا عدا ... وكم حمدت سمر العوالي العوالم إذا سار أقذى مقلة الشمس عثيراً ... وروعت الجوزا به والنعائم وسد الفضاء الرحب بالخيل والقنا ... وضاقت به أنجاده والتهائم وأدلج في ليل من النقع مظلم ... كواكبه فيه الظبى واللهاذم له كل يوم غارة ينتحي بها ... أساطين من بأس العدى ودعائم فتنفعل الأشيا له قبل كونها ... ويهزم من بعد إذا قيل قادم فآراؤه تردي أعاديه لا القنا ... وصولته تغتالهم لا الصوارم وذا حال من يعنى الإله بشأنه ... يعاد القضا في أمره وهو نائم ويسعده برجيس فيما يرومه ... ويمسي وبهرام عليه يصادم أبو الحسن الراقي من المجد منصباً ... نسيف الخوافي دونه والقوادم وأكرم من تزجى المطايا لبابه ... وترسم في البيدا ثناه الرواسم ترحل شهر الصوم عنا فأعلنت ... عليك المبادي بالثنا والخواتم ولو كان معنى الصوم شرعاً موافقاً ... له لغة ما قيل إنك صائم لأنك لا تنفك بالخير آمراً ... وكفك فيها للنوال مزاحم لقد جردت منك السماحة مرهفاً ... تجذ به للعسر عنا غلاصم وبحر نوال كلما عب زاخراً ... رأيت بحار الأرض وهي كظائم إذا لم يشم في المحل برق غمامة ... فإني لبرق العرف منك لشائم وإن لاح وجه الأرض في الجدب عابساً ... فإن ثغور الجود منك بواسم وهاك ثناء أبرزته قريحتي ... كما أبرزت زهر الرياض الكمائم وما كل شعر يشبه الدر نظمه ... فما الدر إلا ما أنا فيك ناظم ولا زال مخدوماً لك الفلك الذي ... عليه مدار الأمر والسعد خادم شعر الشوشتري وممن نقل له صاحب (السلافة) الملا فرج الله الشوشتري قال في حقه: أحد مفلفي شعراء العجم الذي طلع نبت مقاله في روض البلاغة، ونجم علافي البلاغة شعره، فغلا في سوق الأدب سعره، ونظمه بالعربية محرز خصل الإجادة، وسأثبت مما سقاه غيث إحسانه وجاده، فمنه قوله من قصيدة مدح بها الوالد عددها مائة وثمانية وخمسون بيتاً: ما بين دجلة والفرات مراتع ... هي للنفوس معارج وسماء ومنازل هي للقلوب منازل ... لا جاوزتها ديمة هطلاء لا الجزع يسليني ولا وادي الغضا ... عنها ولا النجّا ولا الدهناء لا رامة رومي ولا حزوى ولا ... وادي النقا والخيف والخلصاء سقت الغوادي روضها وفلاتها ... ورعت بمرعاها مهاً وظباء أصبو إلى سكانها طول المدى ... لم تلهني خود ولا هيفاء
следующие страницы →