Полный текст (363 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
شعر
زيد الحجاف اليمني وممن نقل له في (السلافة) زيد بن علي بن إبراهيم الحجاف اليمني، أطنب الثنا عليه بما ليس فوقه مزيد، ثم قال: هذا وإني معترف بالتقصير في وصف فضله، ثم قال: وسأثبت من غرر شعره التي تجنح إليها البلاغة جنوح الفرخ إلى وكره، فمنها ما أنشدني شيخنا العلامة جعفر بن كمال الدين، قال: أنشدني السيد المذكور لنفسه بالمخا سنة ١٠٦٨ ثمان وستين وألف.
ولي عتب على قوم أساؤوا ... معاملتي وساموني اغترارا
جنوا عمداً وما راعوا حقوقاً ... وما اعتذروا وساموني صغارا
سأضرب عنهم صفحاً وأغضي ... مخافة أن أقلدهم شنارا
ولو أني ركبت متون عزمي ... إذاً لسقيتهم مراً مرارا
ولو أني هممت بأخذ حقي ... لولوني ظهورهم فرارا
قال وسألني القول على ذلك فقلت:
لك العتبى ومنك الصفح يرجى ... إذا لم تستبن منهم وقارا
وإن هم جنوا عمداً وجهلاً ... وما راعوا وما طلبوا اعتذارا
فإن البدر لا يثنيه شيء ... من العجما صياحا أو جؤارا
وأنت على أذاهم ذو اقتدار ... على أن لا تسامي أو تبارى
فطب نفساً فكلهم ذليل ... لعزتك اختياراً واضطرارا
وللسيد المذكور:
ومالي والهم الذي أنا حامل ... ولي صلة من فضل ربي وعائد
إذا عادة الله التي أنا آلف ... تذكرتها هانت علي الشدائد
فلا أتقي هولاً وأرهب طارقاً ... ولي ثقة بالله ما قام عابد
قال: وأنشدني صاحبنا الشيخ أحمد الجوهري له قال: كتب إلي وقد طلبت منه شرح النهج لابن أبي الحديد في بيتين من الشعر.
أتاني نظمك المنضود يمشي ... من الإحسان في ثوب جديد
ووافى جوهري للفظ لطفاً ... ومعنى صيغ من در نضيد
سمحت بذاك وهو أجل قدراً ... لأن يأتيك بابن أبي الحديد
ربحنا بالتجارة وارتضينا ... لطيف الدر عن ثقل الحديد
فراجعته بقولي:
أخا الهيجاء ذا الرأي السديد ... غياث الملتجي مأوى الطريد
طويل الباع في كسب المعالي ... بسيط الفضل كالبحر المديد
أتاني منك نظم فوق طرس ... كدر زان في نحر وجيد
فما أبصرت بيتاً منه إلا ... وقلت بأنه بيت القصيد
فشعرك يعجز الشعراء عنه ... ونثرك مخجل لابن العميد
وقد حزت المعاني والمعالي ... وفقت بها على جمع عديد
فلا زالت بك الأيام تزهو ... وجاهك كل يوم في مزيد
قال: وكتب إلي أيضاً:
صوغ القريض على اختلاف رجاله ... ما بين حصبا لا تعد وجوهر
وإذا أردت أن تفوز بدرة ... نظماً فخذه من صحاح الجوهري
شعر
محمد المخاوي ومن رجال (السلافة) السيد محمد بن أحمد حاكم المخا ذكر أنه رأى في بعض الدفاتر له بيتين دلا على أن حسام أدبه مرهف باتر وهما قوله:
شبهت نرجسة وافى إليَّ بها ... خلي وقد جئت في التشبيه بالعجب
كفاً من الفضة البيضاء ساعدها ... زمرد حملت كأساً من الذهب
قلت حق له التصديق، ووجب، ... فقد جاء من التشبيه بالعجب
شعر
محمد بن عبد القادر اليمني ومن رجال (السلافة) أيضاً السيد محمد بن عبد القادر اليمني قال في حقه: أحد سحرة القريض، ومقتطفي نور روضه الأريض، نطق عن لسان الإحسان، ونثر من البلاغة رفرفها الخضر، وعبقريها الحسان إلى مجد ونسب، ومنطق يملك الأسماع إذا مدح أو نسب، وله ديوان يشتمل على غرر وقلائد، تحسدها عقود الولائد وقفت عليه، فاخترت منه قوله من قصيدة مدح بها السيد الحسن بن القاسم أخا الإمام محمد المؤيد ملك اليمن ويهنئه بعيد الفطر أولها:
ألام هلال لاح أم نون حاجب ... بدا بجبين الأفق في ليلة الفطر؟
أم العيد من صافي اللجين بخنجر ... تمنطق أم سيفٌ تقلد من تبر
أقوس لملك الغرب صيغ بعسجد ... وعلق موتوراً على قصره الدري
أم الكأس ساقي القوم ليلاً أدارها ... ليسقي الندامى قهوة العيد كالخمر
أشكل سوار ذاك أم شق دملج ... بساعد ليلى بان في غرة الشهر
أم الغادة الحسناء خلخال ساقها ... أبانته للعشاق من كوة القصر
стр. 212
توهمت ليس الأمر كما ذكرته ... وشبهت والتشبيه يحسن في الشعر
وما هو إلا هيكل في قلادةٍ ... على طوق ملك قلد الملك بالفخر
هو السيد المعروف معروف جوده ... ومن كفه بالغيث تزري وبالبحر
هو الحسن الأخلاق والاسم من سما ... بهمته قسراً على فلك النسر
هزبر الوغى ليث الشرى ضيغم العدوى ... مؤيد أعلام المؤيد بالنصر
خضم الندى من في أكف عطائه ... زمام الغنى المغني لراجيه باليسر
أتحسب أن السحب تمطر صيباً ... وأن بطون البحر تقذف بالدر
وما ذاك إلا أن نائل جوده ... أنال السحاب الغيث فانهل بالقطر
وما الدر إلا أن نيسان كفه ... حشا البحر حتى عاد فيضاً إلى البر
وما أحمر شفاف اليواقيت مشرقاً ... فأصبح منظوم العقود على النحر
ولكنه من نار غيظ حيائه ... توقد حتى صار في شعلة الجمر
وما انفتحت أكمام روض وعطرت ... بنفحتها الآفاق بالنور والزهر
ولكنه أخلاقه الغر أثرت ... ففيها سرت طيباً ففاح شذى النشر
وما في الأيك يوما حمامة ... ولا ناح من شوق به صادح القمري
ولكنها تدعو الإله تضرعاً ... ليبقى له ملك الولاية في القطر
وما اكتسب البدر المنير ضياءه ... من الشمس لما لاح في ليلة البدر
ولكنّ لاحت من محياه لمعة ... فعمته بالأنوار في عالم الأمر
وما البرق إلا لمحة من حسامه ... إذا شمته في الجو يلمع أو يسري
ولا صاعقات الجو إلا قواطع ... بأحكامه ان نقدتها يد القهر
وقائعه تنبي اللبيب بشأنه ... وأخباره تهدي التحير للفكر
قال صاحب (السلافة) : هذا ما وقع عليه الاختيار منها، وقد شبه الهلال في أولها بعشرة أشياء، وجمع الشيخ عماد الدين ابن نباتة جملة منها في قصيدته الرائية التي مدح بها الملك المؤيد صاحب حماة التي أولها:
يا شاهر الطرف حبي فيك مشهور ... وكاسر الجفن قلبي منك مكسور
فإنه هنأه فيها بعيد الفطر واستطرد في تشبيه الهلال فقال:
كأن شكل هلال العيد في يده ... قوس على مهج الأعداء موتور
أو مخلب مده نسر السماء لهم ... فكل طائر قلب منه مذعور
أو منجل لحصاد الصوم منعطف ... أو خنجر مرهف الحدين مطرور
أو نعل تبر أجادت في هديته ... إلى جواد ابن أيوب المقادير
أو راكع الظهر شكراً في الظلام على ... من فضله في السما والأرض مشكور
أو زورق جاء فيه العيد منحدراً ... حيث الدجى كعباب البحر مسجور
أو لا فقل شفةٌ للكأس مائلة ... تذكر العيش إن العيش مذكور
أو لا فنصف سوار قام يطرحه ... كف الدجى حين عمته التباشير
أو لا فقطعة قيد فك عن بشر ... أخنى الصيام عليه فهو مأسور
أو لا فمن رمضان النون قد سقطت ... لما مضى وهو من شوال محصور
ومن شعر ابن عبد القادر المذكور:
أحوى حوى الرق مني ثغره الشنبُ ... ومبسم لاح في جرياله الحبب
حلو التثني إذا ريح الصبا عطفت ... معاطف القد منه تخجل القضب
مهفهف العطف مياس القوام إذا ... ما اهتز كالغصن ليناً هزه الطرب
دمي مباح لسيف من لواحظه ... إن كان غير هواه للحشا أرب
ومنها:
لا تعذلوني إذا ما همت من شغف ... بمن سباني منكم أيها العرب
قد بان عذر غرامي في محبته ... عند العذول وشأني في الهوى عجب
وصدر وعجز أبياتاً من أول البردة فقال وأجاد:
(أمن تذكر جيران بذي سلم) ... كسيت برداً من الأحزان والسقم؟
أم من فراق ربوع كنت تعهدها ... مزجت دمعاً جرى من مقلة بدم؟
(أم هبت الريح من تلقاء كاظمة) ... فأظهرت كامن الأشجان والألم؟
أملاح بارق ليلى عندما ابتسمت ... (وأومض البرق في الظلماء من إضم) ؟
(فما لعينيك إن قلت اكففاهمتا) ... بصوب دمع كغيث المزن منسجم؟
وما لنفسك إن قلت اسكني اضطربت ... (وما لقلبك إن قلت استفق يهم) ؟
(أيجسب الصب أن الحب منكتم) ... وشاهد الحال يفشيه بكل فم؟
وكيف يخفى وأحشاهُ ومقلتهُ ... (ما بين مضطرم منه ومنسجم) ؟
стр. 213
(لولا لم ترق دمعاً على طللٍ) ... به اكتفى روضه عن وابل الديم
ولا قلقت لريح الشيح من شغف ... (ولا أرقت لذكر البان والعلم)
وقال في صدر قصيدة:
إن كان ذنب صبابتي لا يغفر ... فبأي نعتٍ في المحامد أشهر؟
أو كان تهيام الغرام مذمة ... فلأي معنى قيس ليلى يذكر؟
وعلام تضرب في الملا أمثاله ... وحديثه فوق الطروس يسطر؟
ومنها:
كم ذا أكتم في هواه صبابتي ... طوراً أقرَّ بها وطوراً أنكر
أعليّ لوم في معذب مهجتي ... إن قلت إن هواه لي مستأسر
شعر
عبد الصمد باكثير ومن رجال (السلافة) الشيخ عبد الصمد بن عبد الله باكثير، قال في حقه: خاتمة شعراء اليمن، ونابغة العصر وباقعة الزمن، ينتهي نسبه إلى كندة، وكان كاتب الإنشاء لعمر بن بدر ملك الشحر وشاعره، وديوان شعره مشهور تتاو محاسنه ألسن الأيام والشهور، وقد وقفت عليه، وصرفت عنان النظر إليه فاصطفيت منه ما استحسنت، وأوردت منه ما أردت، ولم يزل كاتباً للأمير المشهور ثم لولده عبد الله بن عمر إلى أن توفي بالشحر عام خمس وعشرين وألف عفا الله عنه وهذا حين أُثبت ما اخترته من ديوانه والتقطته من فرائده وعقيانه ومنه قوله من قصيدة أولها:
رعيًَ لأيام تقضت بالحمى ... فزنا بها ووشاتنا غفلاء
جاد الزمان بها وأسعفنا بمن ... نهوى ولم تشعر بنا الرقباء
ومنادمي بدر على غصن على ... حقف له قلبي العميد خباء
عذب المقبل عاطر الأنفا ... س درياق النفوس شفاهه اللسعاء
متبسم عن أشنبٍ شبم له ... مهما تبسم في الدجى لألاء
ما مسك دارين بأطيب نكهةً ... منه وقد ضاعت له ريَّاء
عبر النسيم بجر فضل بروده ... فحبته من كافورها الأنداء
فتعطرت من طيب فائح نشره ... أرواحنا وسرت لنا السراء
فسقى الإله مراتع الغزلان من وادي النقا وهمت به الأنواء
وتهللت برياضها سحب الحيا ... وسرت عليها ديمةٌ وطفاء
حتى يراها الطرف أبهج روضة ... فبروقه الإصباح والإمساء
والطير عاكفة بكل حديقة ... فكأنها بلحونها قراء
والروض مبتهج الحيا فكأنه وافاه من عمر الندى إيماء
ثم خرج إلى المديح، وقوله في صدر أخرى:
هذي المرابع والكثيب الأوعس ... وظبا الخيام الآنسات الكنّس
قف بي عليها ساعة فلعل أن ... يبدو لي الخشف الأغن الألعس
فلطالما عفت الكرى عن ناظري ... شوقاً إليه ومدمعي يتبجس
ينهلِّ سحاً مثل منهمر الحيا ... فوق المحاجر مطلقاً لا يحبس
وأغن ناعس طرفه ساب الكرى ... عني فطرفي ساهر لا ينعس
أشتاقه ما لاح صبح مسفر ... في أفقه أو جن ليل حندس
ومنها:
يا عاذلي دعني وشأني إن لي ... قلباً بغير الحب لا يستأنس
لك قدرة أن لا تلوم وليس لي ... صبر به دون الهوى أتلبس
كيف السلو عن الأحبة بعدما ... دارت علي من الصبابة أكؤس
نقل الصّبا نشر الحبيب وحبذا ... نشر به ريح الصّبا تتنفس
آهاً ولا يجدي التأوُّه والأسى ... فالصبر أجمل والتجميل أكيس
وقال أيضاً:
جاد الغمام مراتع الغزلان ... ومرابع الرشأ الأغن الغاني
وسرى عليها كل أسحم هاطل ... غدق يسح بوابل هتان
يحي ربوعاً طالما لعبت بها ال ... غيد الحسان نوا عس الأجفان
من كل فاترة اللحاظ إذا رنت ... سلبت بسحر اللحظ كل جنان
فكأنما الأقمار تطلع في دجى ... ليل من المسترسل الفينان
وكأنما تلك القدود إذا انثنت ... قضب تمايل في ربى الكثبان
وبمهجتي خشف أغن مهفهف ... أصمى فؤادي إذ رن فرماني
ظبي من الأعراب في وجنتاه ... قوت القلوب وسلوة الأحزان
بالله ما طالعت طلعة وجهه ... إلا ورحت براحة النشوان
ماء الشبيبة فوق ورد خدود، ... يجري على متلهب النيران
ذابت عليه حشاشتي وجداً به ... وصبابة وجفا الكرى أجفاني
لم أنس أيام التواصل واللقا ... والشمل مجتمع بوادي البان
وقال في صدر أخرى:
стр. 214
أشتاق من ساكني ذاك الحمى خيماً ... لأجلها زاد شوقي في الحشا ونما
ولاعج البين والتبريج من كمد ... أجرى من العين دمعاً يخجل الديما
ولا طربت إلا نظم القريض ولا ... عليّ بالوجد سلطان الهوى حكمها
نفسي الفداء لظبي وجهه قمر ... وبرجه في سما قلبي العميد سما
يصمي فؤادي بنبل من لوا حظه ... عن قوس حاجبه مهما رنى ورمى
في ثغره الدر منظوماً فيالك من ... ثغر شنيب يريك الدر منتظما
جل الذي صاغه بدراً على غصن ... على كثيب وأبداه لنا صنما
لم يكسه الحسن ثوباً من مطارفه ... إلا كسا جسدي من عشقه سقما
وقال أيضاً:
بنشر وادي الغضا نشر النسيم سرى ... فأفهم الصب عن أهل الحمى خبرا
أهي التحية من أهل الخيام إلى ... حليف وجد يقاسي الوجد والسهرا
لكنه جد في وجدي وأذكرني ... تلك الربوع وبان الحي والسمرا
ومنها:
ولي من العرب ظبي ما رأى بصري ... شبهاً له في الورى بدواً ولا حضرا
كالشمس وجهاً وبدر التم مبتسماً ... والظبي جيداً وغصن البان إن خطرا
يمشي الهوينا حذار الكاشحين وقد ... أرخى الستور ظلام الليل واعتكرا
قبلت مبسمه عشراً على عجل ... فقام عني إلى التوديع مبتدرا
فكدت أشربه لثماً وأهصره ... ضماً وأثني عناقاً قده النضرا
شعر
المرهبي اليمني ومن رجال (السلافة) بدر الدين محمد بن سليمان أبو فاضل المرهبي اليمني، قال في حقه: أحد فضلاء اليمن، وواحد أدباء الزمن، إن نثر أزرى بزهر المروج، وأوفى على زهر البروج، وإن نظم أخجل جواهر العقود، وفعل بالألباب فغل ابنة العنقود، وكلامه يطرب بالأسماع، ويأخذ بمجامع القلوب والأسماع، وقفت له على نثر أتبعه بنظم في رسالة كتبها إلى جمال الإسلام والمسلمين علي بن المتوكل على الله أمير المؤمنين، وقد ذكر المصنف الرسالة بطولها، فأضربت عن نقلها مراعاة للاختصار وأما النظم الذي اتبعه به النثر فهو قوله وهي من غرر القصائد وفائق الشعر:
أما آن أن ترقى الجفون السواجم ... وتقصر هاتيك القلوب الهوائم
إلى الله حتى البرق أعداه رقة ... نحولي واعتلت لجسمي النسائم
وقد سمعت زهر النجوم دعايتي ... وملت مناجاتي لهن الحمائم
ومن حر ما ألقاه من مهيع الصبا ... غدت نسمات الحي وهي سمائم
وقد أذهبت لوني يد الشوق واكتسى ... أصيل الحمى من صفرتي وهو نائم
فلولا بكائي في المعاهد سحرة ... لما سمعت للطير فيها مآتم
وكم يستمد القيظ من حر جوانحي ... تنم بما وارته مني الحيازم
فحتام قلبي في الصبابة هائم ... وإنسان عيني في المدامع عائم؟
خليلي كم أخفي الهوى وتذيعه ... جفون مساعي الدمع فيها النمائم
ولم أر مثل القلب عوناً على الهوى ... تشب به نار الجوى وهو كاتم
وفي كبدي من حب أسما جراحة تعز على الآسي فيها المراهم
وإن شفائي ما استدار نطافها ... عليه وما ضمته منه المباسم
ودون لقا أسماء من بأس قومها ... سباسب ما سارت عليها المناسم
ومن ذا على خوض المهالك معدي ... وقد قل في هذا الزمان المسالم؟
أخلاي طراً حاسد ومفند ... وقالً ومغتاب وواشٍ ولائم
سقى تلعات الجزع فالشط فاللوى ... فسفح النقا سار من المزن ساجم
مغان قضت فيها الشبيبة حقها ... سروراً وغصن اللهو ريان ناعم
ولي بين هاتيك المعاهد ظبية ... تبات حواليها الليوث الضراغم
من الهيف نعساء النواظر طفلة ... لها السمر والبيض الرقاق تمائم
تنام فلم يلمم بها الطيف غرة ... بفحش ولم يحلم بها قط حالم
ترى علمت أني بها الدهر مغرم ... وأن فؤادي في الصبابة هائم
وإن قلبي لوعة يستثيرها ... إذا هدأت جنح الظلام الهمائم
لئن درست تلك المعاهد أو عفت ... فلم تعف من شوقي إليها معالم
وإن زماناً قد قضت لي صروفه ... بفرقة هاتيك الديار لظالم
وهل جاز أن ارضى على الدهر أو أرى ... به ضاحكاً والفضل غضبان واجم
стр. 215
ومالي لا أشكوا الزمان وقد هوت ... بأهل النهى أحقاده والسخائم
يحار إذا ما سيل لم أخصب الفتى ... جهولاً ولم أكدى بها وهو عالم؟
وما هي إلا حكمة دون فهمها ... فلاة مطي العقل فيها روازم
تقاصرت الأوهام عنها كأنما ... عليها لتضليل العقول طلاسم
وأسلم شيء أن يقال بانها ... حظوظ قضى الباري بها ومقاسم
ألم ترني أستنهض الجد عاثراً ... وأستنطق الأقدار وهي أعاجم
وأستنتج الأيام وهي حوائل ... وأستمطر الأنواء وهي حوائم
وذنبي أني في البلاغة صادح ... وغيري في أسر الفهامة باغم
وفي الناس من يستصغر ال شعر رتبة ... وما الناس لولا الشعر إلا بهائم
فبي ختمت رسل الفصاحة وانتهت ... إلى ابن أمير المؤمنين المكارم
فتى تسعد الآمال والفضل عنده ... وتشقى القنا في كفه والدراهم
بمن ذا من الأجواد يوماً أقيسه ... وقد جاز في مسعاه كعب وحاتم
أنال الخراد البيض وهي كواعب ... وأعطى عراب الخيال وهي كرائم
غدا حاكماً شرق البلاد وغربها ... وآمالنا فيما حواه حواكم
يجل صغير الأمر في عين غيره ... وتصغر في عينيه منه العظائم
أنيطت به الأحكام طفلاً وإنها ... تمائم مخصوص بهن الأكارم
نديماه يوم السلم شعر وعالم ... وخدناه يوم الروع رمح وصارم
ترج يداه للغنى وهو نافع ... ولذ بحماه آمناً وهو عاصم
تخيلته في الدست بدراً متوجاً ... ولكنه في السرج ليث ضبارم
وسأله السمر العوالي إذا عدا ... وكم حمدت سمر العوالي العوالم
إذا سار أقذى مقلة الشمس عثيراً ... وروعت الجوزا به والنعائم
وسد الفضاء الرحب بالخيل والقنا ... وضاقت به أنجاده والتهائم
وأدلج في ليل من النقع مظلم ... كواكبه فيه الظبى واللهاذم
له كل يوم غارة ينتحي بها ... أساطين من بأس العدى ودعائم
فتنفعل الأشيا له قبل كونها ... ويهزم من بعد إذا قيل قادم
فآراؤه تردي أعاديه لا القنا ... وصولته تغتالهم لا الصوارم
وذا حال من يعنى الإله بشأنه ... يعاد القضا في أمره وهو نائم
ويسعده برجيس فيما يرومه ... ويمسي وبهرام عليه يصادم
أبو الحسن الراقي من المجد منصباً ... نسيف الخوافي دونه والقوادم
وأكرم من تزجى المطايا لبابه ... وترسم في البيدا ثناه الرواسم
ترحل شهر الصوم عنا فأعلنت ... عليك المبادي بالثنا والخواتم
ولو كان معنى الصوم شرعاً موافقاً ... له لغة ما قيل إنك صائم
لأنك لا تنفك بالخير آمراً ... وكفك فيها للنوال مزاحم
لقد جردت منك السماحة مرهفاً ... تجذ به للعسر عنا غلاصم
وبحر نوال كلما عب زاخراً ... رأيت بحار الأرض وهي كظائم
إذا لم يشم في المحل برق غمامة ... فإني لبرق العرف منك لشائم
وإن لاح وجه الأرض في الجدب عابساً ... فإن ثغور الجود منك بواسم
وهاك ثناء أبرزته قريحتي ... كما أبرزت زهر الرياض الكمائم
وما كل شعر يشبه الدر نظمه ... فما الدر إلا ما أنا فيك ناظم
ولا زال مخدوماً لك الفلك الذي ... عليه مدار الأمر والسعد خادم
شعر
الشوشتري وممن نقل له صاحب (السلافة) الملا فرج الله الشوشتري قال في حقه: أحد مفلفي شعراء العجم الذي طلع نبت مقاله في روض البلاغة، ونجم علافي البلاغة شعره، فغلا في سوق الأدب سعره، ونظمه بالعربية محرز خصل الإجادة، وسأثبت مما سقاه غيث إحسانه وجاده، فمنه قوله من قصيدة مدح بها الوالد عددها مائة وثمانية وخمسون بيتاً:
ما بين دجلة والفرات مراتع ... هي للنفوس معارج وسماء
ومنازل هي للقلوب منازل ... لا جاوزتها ديمة هطلاء
لا الجزع يسليني ولا وادي الغضا ... عنها ولا النجّا ولا الدهناء
لا رامة رومي ولا حزوى ولا ... وادي النقا والخيف والخلصاء
سقت الغوادي روضها وفلاتها ... ورعت بمرعاها مهاً وظباء
أصبو إلى سكانها طول المدى ... لم تلهني خود ولا هيفاء
стр. 216
إن الاماكن تستحب لاهلها ... أنا عروة وجميعهم عفراء
بهم أشبب لا بعاتكة وكم ... في مهجتي من بينهم برحاء
أسمائهم ملأت خروق مسامعي ... لاميّ تسكنها ولا أسماء
للناظرين على الفراق مواطن ... لهم بهن عن الجنان غناء
وبسوحهن مراتع وملاعب ... الليل فيها والنهار سواء
مستوطن الآمال غايات المنى ... للغانيات بها الغداة ثواءِ
يرتعن بين ضلوعنا فكأنما ... أرباعها الألباب والأحشاء
آرام أنسي للنفوس أوانس ... داء ولكن للعيون دواء
يصغي إليهن الجليس فينتشي ... وهناك لا خمر ولا صهباء
حل الربيع متى حللن بمنزل ... فكأِنهن عوارض وحياء
وإذا ارتحلن ترى الديار كأنها ... من فقدهن سباسب قفراء
كم من مناهل للفرات وردنها ... وصدرن وهي لعودهن ظماء
لا تعجبن إن لم يفين بوعد ... إن الغواني ما لهن وفاء
سكان تلك الأرض كلهم لهم ... عندي هوى وصداقة وإخاء
إن يسلبوا عني السرور ببينهم ... فلمهجتي بحديثهم ثراء
فهم مناط مساءتي ومسرتي ... وهم لقلبي شدة ورخاء
أكبادنا نار الغضا من بعدهم ... تذكي الأسى وجفوننا أنواء
الطاعنون القاطنون قلوبنا ... هم واصلين وقاطعين سواء
وإذا المحبة في الصدور تمكنت ... فقد استوى الإبعاد والإدناء
ألقتني الأيام من أرض إلى ... أرض لها أرض العراق سماء
شتان ما بيني وبين مزارهم ... هيهات أين الهند والزوراء
كيف احتيالي في الوصول إليهم ... إن الوصول إليهم لرجاء
لا تركبن ظهر الرجاء مطية ... إن الرجاء مطية عرجاء
وكواذب الآمال لا تهدي بها ... دعها فتلك هدية عمياء
يا ساكني دار السلام عليكمُ ... مني السلام ورحمة ودعاء
أين العزاء وأهله وضجيعُه ... روحي له ولما حواه فداء
ومن مديحها:
الأحمد المحمود كل فعاله ... ما شاءه وقضى به فقضاء
ما للعقول وفوق ساحة فضله ... قد ضلِّت الأفهام والآراء
فله يدٌ وله أناملُ فعلها ... الإنعام والإحسان والإعطاء
لا كالبحار تظل تجمع ماءها ... بل كالجبال يسيل عنها الماء
دار المعاني والبحار كليهما ... يوم العطاء لدى يديه هباء
فلسيبه وعطائه بسؤاله ... ولسبيه ولسيفه الأعداء
شرك الأفاضل في خصائص فضلهم ... وله خصائص دونها الإحصاء
وهي طويلة اكتفيت من نقلها بهذا المقدار طلباً للاختصار.
وذكر له أيضا ًقصيدة ذكر أنه مدح بها والده أيضاً وهي:
أليلة القدر أم ليالي الرغائب ... ليال قطعناها بوصل الحبائب
ليل تجلت بالوجوه وزينت ... بها لا بأقمار ولا بكواكب
وما سمن الأنظار والقلب وامق ... إذا كان مرعاها خدود الكواعب
رأيت وما آنست نوراً كوجهها ... وطفت بقاع الأرض من كل جانب
إذا خفيت لاحت وأخفت إذا بدا ... سنا وجهها مثل النجوم الثواقب
تعرضتها شاكي السلاح أخاف من ... صوارم لحظ أو سهام صوائب
لئن أخطأت بعض القلوب سهامها ... فما كل ما يرمي السقيم بصائب
لرؤيتها كلي عيونٌ وكلها ... بهاءٌ وحسنٌ لم يزين بجالب
وما جشأت نفسي لدى الصد والنوى ... ويعرف قدر المرء عند النوائب
ولا أتحاشى الموت إن كان مقتلي ... بسهم لحاظ من قسي الحواجب
وكيف يخاف الموت من كان هلكه ... بأشباه أطراف القنا والقواضب
مسافة بين الخافقين بذكرها ... لأقرب مما بين عين وحاجب
فلم أدر إذ طال السرى بحديثها ... مشيت برجلي أم مشت بركائبي
أراقت دمي أم لم ترقه فإنني ... وإن أتلفتني لست عنها براغب
لكثرة ضربي باليدين قد انمحت ... لها أسفاً يوم الوداع رواجبي
رجعنا وما أبصارنا برواجع ... وأبنا وما ألبابنا بأوائب
تراني يا سلم ابن ود لصاحب ... وصاحبة يستعذبان مشاربي
فلا أستقي إلا بحبل مساجلي ... ولا أرتوي إلا بكأس مصاحبي
وما بخلت نفسي ولا ضقت ساعة ... بلين لسلم أو بحزن لحارب
стр. 217
أجيب المنادي سائلا أو مسائلاً ... وأعرض عمن لا أراه مجاوبي
فمن يرتضي قربي قليلاً وصلته ... ولست لمن لم يهوه بمقارب
وتلك سجايا ليس يعرفها الورى ... سوى سيد السادات من آل غالب
نظام الورى ديناً ودنيا وحشمةً ... وعلماً ورأيا وابتذال الرغائب
مناقبه بين المناقب مثلة ... ومثل اسمه فخر الكنى والمناقب
تزاحمت الآمال طراً بباله ... فما الناس إلا بين جاءٍ وذاهب
لديه تمني كل باد وحاضر ... إليه قصارى كل سار وسارب
مصائبنا من قربه في مصيبة ... فنحن بلقياه مصائب المصائب
مواهب رب العالمين كثيرة ... وأنت لنا منها أجل المواهب
بك اعتلت العلياء لا أنت بالعلا ... وما أنت إلا رافع للمناصب
فأَنت تكسي وتكسب منحة ... وما الخلق إلا بي كاسِ وكاسب
بغير حاب ما تنيل ومنة ... فلست بمنان ولا بمحاسب
وأنت الذي عمت فواضله الورى ... فمالك للأخاذة لا لغاصب
وأنت الذي حاز المحاسن كلها ... وجمع وجود الحسن ليس بواجب
أيا دهر أعط القوس باريها إذن ... وراع على هذا الصلاح العواقب
إمام لدى الهيجاء إمام لدى الحجى ... مشير مجيب هازم للكتائب
مصيب بضرب السيف والطعن بالقنا ... قوي قدير عارف بالمضارب
شجاع كمي لوذعي غشمشم ... يد السيف ظهر الرمح قلب المواكب
بدلو رآها البحر أصبح ناضباً ... ظلمت متى شبهتها بالهواضب
بصير بأعقاب الأمور مجرب ... كأن جرب الدنيا بكل التجارب
أتيتك مولاي بما ملكت يدي ... وحصله فكري وخول واهبي
أتيتك مهتوفاً بزوعي كما أتى ... نبي الهدى سلماً سواد بن قارب
وفقري إليك الدهر أغنى من الغنى ... وذلك فقر لست عنه بهارب
فلا أشتفي إلا بمدحك أن أفز ... بلفظٍ غريب أو بمعنى مناسب
ولم أشتغل إلا بذكرك إن أجد ... لساناً فصيحاً ناطقاً بالمطالب
فهذا مديح من خلوص عقيدة ... وإخلاص ودٍ لم يشب بشوائب
لزمت ذمامي إن قبلت وذمتي ... وإلا فقد ألقيت حبلي بغاربي
فلا زلت في الدنيا أماناً لخائف ... وغوثاً لملهوف وكهفاً لهارب
وبابك للاجين مأوى وموئل ... وجودك مبذول لعاف وطالب
يشير بقوله:
أتيتك مهتوفاً بزوعي كما أتى ... نبي الهدى سلماً سواد بن قارب
إلى إتيان سواد بن قارب إلى النبي (ص) مسلما أتاه ريبه بظهوره عليه أفضل الصلاة والسلام، والخبر ما رواه أصحاب السير من حديث محمد بن كعب القرظي قال بينما عمر بن الخطاب ﵁ جالس، اذا مر به رجل فقيل له يا أمير المؤمنين هذا سواد بن قارب الذي أتاه ريبه بظهوره (ص) فقال له عمر ﵁ انت سواد بن قارب قال: نعم. قال: انت على ما انت عليه من الكهانة؟ فغضب. فقال: عمر ﵁ سبحان الله! ما كنا عليه من الشرك أعظم مما كنت عليه، فأخبرني بإتيانك ريبك بظهور النبي (ص) ، فقال: بينما أنا ليلة بين النائم واليقظان، إذ أتاني فضربني برجله، وقال: قم يا سواد بن قارب، فاسمع مقالتي، واعقل إن كنت تعقل، إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب، يدعو إلى الله وإلى عبادته، ثم أنشأ يقول:
عجبت للجن وتطلابها ... وشدها العيس بأقتابها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما مؤمن الجن ككذابها
فارحل إلى الصفوة من هاشم ... ليس قداماها كأذناها
فقلت: دعني أنام لست واعياً، فلما كانت الليلة الثانية أتاني فضربني برجله، وقال قم يا سواد بن قارب، فاسمع مقالتي، واعقل إن كنت تعقل، إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب، يدعو إلى الله وإلى عبادته، ثم أنشأَ يقول:
عجبت للجن وتخبارها ... وشدها العيس بأكوارها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما مؤمن الجن ككفارها
فارحل إلى الصفوة من هاشم ... بين روابيها وأحجارها
فقلت: دعني أنام فإني أمسيت ناعساً، فلما كانت الليلة الثالثة أتاني فضربني برجله، وقال: قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي؛ واعقل إن كنت تعقل، إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب، يدعو إلى الله وعبادته، ثم أنشأ يقول:
стр. 218
عجبت للجن وتحساسها ... وسدها العيس بأحلامها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما خير الجن كأنجاسها
فارحل إلي الصفوة من هاشم ... وانظر بعينيك إلى رأسها
قال: فرحلت ناقتي، وأتيت المدينة فإذا رسول الله ﷺ وأصحابه حوله فأنشأت أقول:
أتاني نجي بين هدو ورقدت ... ولم أك فيما قد بلوت بكاذب
ثلاث ليل قوله كل ليلة ... أتاك رسول من لؤي بن غالب
فشمرت عن ذيلي الإزار ووسطت ... بي الذعلب الوجناء بين السباسب
فأشهد أن الله لا رب غيره ... وأنك مأمون على كل غائب
وأنك أدنى المرسلين وسيلة ... من الله يابن الآمنين الأطايب
فمرنا بما يأتيك يا خير من مشى ... إن كان فيما جاء شيب الذوائب
وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة ... بمغن فتيلاَ عن سواد بن قارب
قال ففرح رسول الله (ص) وأصحابه فرحاً شديداً، فقام إليه عمر ﵁، فالتزمه، وقبل بين عينيه، وقال: كنت أشتهي أن أسمع هذا الحديث منك، فهل يأتيك ريبك اليوم؟ قال: أما منذ قرأت القرآن فلا، انتهى.
شعر
علوي بن اسماعيل البحراني
وممن ذكر صاحب (السلافة) السيد علوي بن اسماعيل البحراني قال في حقه: فاضل النسب والأدب معرق، وكامل تهدل في فروع مجده وأعرق، وهو اليوم شاعر هجر، ومنطيقها الذي واصله المنطق الفصل وما هاجر، يفسح للبيان مجالا، ويوضح منه غرراً وأحجالا، ويشتار من جناه عسلا ويهز من قناه أسلا، ومعظم شعره فائق مستجاد، فمنه قوله في الغزل وقد أجاد:
بنفسي أفدي وقل الفدا ... غزالا بوادي النقا أغيدا
مليحا إذا نض عن وجهه ... نقاب الحيا خلت بدراً بدا
غزالا ولكن إذا ما نصبت ... شراكا لأصطاده استأسدا
سقيم اللواحظ مكحولها ... ولم يعرف الميل والأثمدا
رشيق القوام إذا هزه ... رأيت الغصون له سجدا
له ريقة طعمها السكري ... يجلي الصداء ويروي الصدى
ولحظ كعضب ولكنه ... يشق القلوب وما جردا
نأى بعد فهو لغيري ولي ... قريب المزار بعيد المدى
تفرد بالحسن دون الملا ... فسبحان مولى له أفردا
رعى الله أيامنا الماضيات ... وعيشاً ألفنا بها أرغدا
وصب على ترب تلك الربوع ... مثعنجراً مبرقاً مرعدا
فكم قد أقمنا بها لم نخف ... عدوا ولم نرقب حسدا
إلى حيث أخنت صروف الزمان ... وشمل الوصال بها بددا
وأضحت قفار وليس بهن مقيم من الجمع إلا الصدى
إذا قلت أين حبيبي غدا ... يجيب بأين حبيبي غدا
وقوله أيضاً:
أشيم البرق وهو علي شوم ... ويثنيني له الشغف القديم
وأصبر للهوى العذري ما إن ... شدا القمري أو هب النسيم
رعاك الله يا قمري نجد ... تنوح فلا تنام ولا تنيم
أرقت ولا كما أرق النسيم ... قلقت ولا كما قلق السقيم
وكابدت الأسى والحزن إذ لا ... أخ يدري بذاك ولا حميم
زعمت بأن وجدك فوق وجدي ... وذاك لأنني صب كتوم
أعرض إن بكيت بذكر حزوى ... ولا حزوى عنيت ولا الغميم
ولولا المنجدون لما شجتني ... طلول بالغوير ولا رسوم
ألا يا منجدون ولم تعودوا ... لقد أبطأتم فمتى القدوم
ومن رقيق قوله في النسيب:
أتت تحمل الابريق شمس الضحى وهناً ... ولو سمحت بالريق كان لها أهنى
حكاها قضيب الخيزران لأنه ... يشاركها في الاسم والوصف والمعنى
ترينا الضحى والليل ساج وما الضحى ... وتلعتها من نور طلعته أسنى
مهفهفة الأعطاف خود وخلتها ... من الحور إلا أن مقلتها وسنى
لها كفل كالدعص ملء إزارها ... وقد إذا ماست به تخجل الغصنا
عليها برود الأرجوان كأنها ... شقائق أو من وجنتيها بدت تجنى
ولا عيب فيها غير أن مليكها ... براها بخلق يعقب الحسن بالحسنى
تقوم تعاطينا سلافة ثغرها ... على عجل نلنا به المن والأَمنا
هي الروح والريحان والراح والمنى ... علي بها معطي المواهب قد منا
قصرت عليها محض ودي فلم يكن ... سواها له في القلب ربع ولا مغنى
شعر
стр. 219
جعفر الخطي وممن ترجم له صاحب (السلافة) جعفر بن محمد حسن الشهير بالخطي البحراني العبيدي أحدبني عند القيس، قال في حقه: ناهج طرق البلاغة والفصاحة، الزاخر الباحث الرحيب الباحة، ثقف بالبراعة قداحه، وأدار على السامع كؤوسه وأقداحه، فأتى بكل مبتدع مطرب، ومخترع في حسنه مغرب، وله ديوان شعر وقفت على فرائده التي لمعت، فرأيت مالا عين رأت، ولا أذن سمعت. وقد استوطن الديار الأعجمية حتى اختطفته أيدي المنون، وخلد بها عرائس الفنون، وكانت وفاته سنة١٠٢٨ ثمان وعشرين وألف، ولما دخل أصبهان اجتمع بالشيخ بهاء الدين محمد العاملي، وعرض عليه أدبه فاقترح عليه معارضة قصيدة الرائية المشهورة التي مطلعها:
سرى البرق من نجد فجدد تذكاري ... عهوداً بحزوى والعذيب وذي قار
فعارضها بقصيدة طنانة أولها:
هي الدار تستسقيك مدمعك الجاري ... فسقياً فخير الدمع ما كان للدار
ولا تستطع دمعاً تريق عيونه ... لعزته ما بين نؤي وأحجار
فأنت امرؤٌ قد كنت بالأمس جارها ... وللجار حق قد علمت على الجار
عشوت إلى اللذات فيها على سنى ... سناء شموس ما يغبن وأقمار
فأصبحت قد أنفقت أطيب ما مضى ... من العمر فيما بين عون وأبكار
نواصع بيض لو أفضن على الدجى ... سناهن لأستغنى عن الأنجم الساري
حرائر ينصرن الأصول بأوجه ... تغص بأمواه النضارة أحرار
معاطير لم تغمر يداً في لطيمة ... لهن ولا استعبقن جونة عطار
أبحنك ممنوع الوصال نوازلا ... على حكم ناه كيف شاء وأمار
إذا بت تستسقي الثغور مدامة ... أتتك فحيتك الخدود بأزهار
أموسم لذاتي وسوق مآربي ... ومجنى لباناتي ومهبط أوطاري
سقتك برغم المحل أخلاف مزنة ... تلف إذا جاشت سهولا بأوعار
وفج كما شاء المجال حشوته ... بعزمة عواد على الهول كرار
تمرس بالأسفار حتى تركنهُ ... بدقته كالقدح أرهفه الباري
إلى ماجد يعزى إذا انتسب الورى ... إلى معشر بيض أماجد أخيار
ومضطلع بالفضل زر قميصه ... على كنز آثار وعيبة أسرار
سمي النبي المصطفى وأمينه ... على الدين في إيراد حكم وإصدار
به قام بعد الميل وانتصبت به ... دعائم قد كانت على جرف هار
فلما أناخت بي على باب داره ... مطاياي لم تذمم مغبة أسفاري
فكان نزولي إذ نزلت بمغدق ... على المجد فضل البرد عار من العار
أساغ على رغم الحوادث مشربي ... وأعذب ورد العيش لي بعد إمرار
وأنقذني من قبضة الدهر بعدما ... ألح بأنياب علي وأظفار
جهلت علي معروف فضلي فلم يكن ... سواه من الأقوام يعرف مقداري
على أنه لم يبق فيما أظنه ... على الأرض شبر لم تطبقه أخباري
فلا غرور فالإكسير أكبر شهرة ... وما زال من جهل به تحت أستار
متى بل لي كفاً فلست بآسف ... على درهم إن لم ينله ودينار
ثم قال: وتمام القصيدة يؤخذ من ديوان الشاعر المذكور. ومن بديع قصائده أيضاً قوله في صباه يمدح وزير البحرين محمد بن نور الدين أنشدها يوم عيد الفطر للسنة الحادية عشر بعد الألف.
ماذا يفيدك من سؤال الأربع ... وهي التي إن خوطبت لم تسمع
سفهٌ وقوفك في رسوم رثة ... عجماء لا تدري الكلام ولا تعي
فذر الوقوف على محاني منزل ... عاف لمختلف الرياح الاربع
وامسك عنان الدمع عن جريانه ... في دمنة لا تحمدنك ومربع
الله جارك هل رأيت منازلا ... عطلت فحلتها عقود الادمع
واستبق قلباً لا تعيش بغيره ... وشعاع نفس إن يغب لم يطلع
واصرف بصرف الراح همك إنها ... مهما تفرق من سرورك تجمع
كرمية تذر البخيل كأنما ... نزل ابن مامة من يديه بأصبع
فهي التي آلت ألية صادق ... أن لا تجورها الهموم بموضع
من كف ساحرة اللحاظ كأنما ... ترنو بناظرتي مهاة مرضع
وكأنما تثني على شمس الضحى ... إما هي انتقبت حواشي البرقع
وكأنمى وضع البرى منها على ... عشر تعاوره الحيا أو خروع
يا من يفر من الخطوب وصرفها ... أنى أراه يفر عنها تتبع
стр. 220
لذ بالوزير فأنما تأوي إلى ال ... كنف الأعز الأمنع ابن الأمنع
ملك رقى درج الفخار فلم يدع ... فيها لراق بعده من مطمع
وتناولت كفاه أشرف رتبة ... لو قام يلمسها السها لم يسطع
أندى من الغيث الملث إذا اجتدى ... أحمى من الليث الهزبر إذا دعي
التارك الأبطال صرعى في الوغى ... فكأنهم أعجاز نخل منقع
يذر الجماجم في المكر سواقطاً ... سقط الثمار من المهب الزعزع
إلى أن قال:
يا ابن الألى جعلوا مراكز سمرهم ... حب القلوب بكل يوم مفظع
واستبدلوا للبيض من أغمادها ... في الحرب هامة كل ليث أروع
النازلين من العلى في رتبةٍ ... هام السهى منها بأدنى الموضع
ما حدثت نفس امرىءٍ ببلوغها ... إلا ومات بغلةٍ لم تنقع
وإليك من عرب الكلام خريدة ... جاءتك مسفرة ولم تتبرقع
عذراء أول ما جلاه لناظر ... نظمي وأول ما تلاة لمسمع
من شاعر ذرب اللسان مفوهٍ ... طب بتركيب القوافي مصقع
فاضمم عليه يديك تحظى بمفلق ... أذكى من المتقدمين وأبرع
فليسمعنك إن بقي لك بعدها ... ما تستبين لديه ذل الأشجع
قال مؤلف (السلافة) : لما وقفت على هذه القصيدة راق لي هذا الوزن والروي فأحببت أن أنظم عليها وبالله التوفيق:
يا دار مية باللوى فالأجرع ... حياك منهل الحيا من أدمعي
وسرى نسيم الروض يسحب ذيله ... بمصيف أَنس في حماك ومربع
لو لم تبيتي من أنيسك بلقعاً ... ما بت أندب كل دار بلقع
لم أنس عهدك والأحبة جيرة ... والعيش صفو في ثراك الممرع
أيام لا أصغي للومة لائم ... سمعاً وإن تقر الصبابة أسمع
حيث الربى تسري برياها الصبا والروض زاهي النور عذب المشرع
تحنو علي عواطفاً أفنانهُ ... عند المبيت به حنو المرضع
كم بت فيه صريع كأس مدامة ... حلف البطالة لا أفيق ولا أعي
يعتادني زهو الشباب وعفتي ... فيه عفاف الناسك المتورع
لله أيامي بمنعرج اللوى ... حيث الهوى طوعي ومن أهوى معي
لم أنسه والبين ينعق بيننا ... متصاعد الزفرات وهي مودعي
إن شب في قلبي الغضا لفراقه ... فلقد ثوى بالمنحنى من أضلعي
أتجشم السلوان عنه تكاماً ... والطبع يغلب شيمة المتطبع
ومن غرر قصائده قوله يصف حاله، وقد ضربته في وجهه سمكة تعرف بالسبيطية، فشجته ومعه ابنة حسان، ومن تأمل هذه القصيدة عرف سمو قدره في البلاغة، وأخذه برقاب الكلام، وتلاعبه بمحاسن المعاني وهي قوله:
برغم العوالي والمهندة البتر ... دماء أراقتها سبيطية البحر
ألا قد جنى بحر البلاد ونوبلي ... علي بما ضاقت به ساحة البر
فويل بني شن ابن اقصى وما الذي ... رمتهم به أيدي الحوادث من وتر
دم لم يرق من عهد نوح ولا جرى ... على حد ناب للعدو ولا ظفر
تحامته أطراف القنا وتعرضت ... له الحوت يا بؤس الحوادث والدهر
لعمر أبي الأيام إن باء صرفها ... بثار امرىءٍ من كل صالحة مثر
فلا غرو فالأيام بين صروفها ... وبين ذوي الأخطار حرب إلى الحشر
ألا فابلغ الحين بكراً وتغلباً ... فما الغوث إلا عند تغلب أو بكر
أيرضيكما أن امرءاً من بينكما ... وأي امرىءٍ للخير يدعى وللشر
يراق على غير الظبي دم وجهه ... ويجري على غير المثقفة السمر
وتنبو نيوب عنه أيضاً وينثني ... أخو الحوت عنه دامي الفم والثغر
ليقضي امروٌ من قصتي عجباً ومن ... يرد شرح هذا الحال ينظر إلى شعري
أنا الرجل المشهور ما من محلةٍ ... من الأرض إلا قد تخللها ذكري
فإن أمس في قطر من الأرض إن لي ... بريد اشتهار في مناكبها يسري
طوالع بي صرف القضاء ولم يكن ... لتجري صروف الدهر إلا على الحر
توجهت من مري إلى العلقم المر
تلججت خور القريتين مشمراً ... وشبلي معي والماء في أول الجزر
فما هو إلا أن فجئت بظافر ... من الحوت في وجهي ولا ضربة الفهر
لقد شق يمنى وجنتي بنطحة ... وقعت لها دامي المحيا على قطر
стр. 221
فخيل لي أن السماوات أطبقت ... علي وأبصرت الكواكب في الظهر
وقمت كجدي ندَّ من يد ذابح ... وقد بلغت سكينة ثغرة النحر
يطوحني نزف الدماء كأنني ... نزيف طلا مالت به نشوة الخمر
فمن لامرئٍ لا يلبس الوشي قد غدا ... وراح موشى الجيب بالنقط الحمر
ووافيت بيتي ما رآني امرؤٌ ولم ... يقل أو هذا جاء من ملتقى الكر؟
فها هو قد أبقى بوجهي علامة ... كما اعترضت في الطرس إعرابه الكسر
فإن يحم شيئاً من محياي أثرها ... بمقدار أخذ المحو من صفحة البدر
فلا غرو بالبيض الرقاق إذا لها ... على العنق ما لاحت به سمة الأثر
وقل بعد هذا للبسيطية أفخري ... على سائر الشجعان بالفتكة البكر
وقل للظبا مهلاً إليك عن الطلى ... وللسمر لا تهززن يوماً إلى صدر
فلو هم غير الحوت بي لتواثبت ... رجال يخوضون الحمام إلى نصري
فأما إذا ما عزَّ ذاك ولم يكن ... لإدراك ثأري منه ما مد في عمري
فلست بمولى ال شعر إن لم أزجه ... بكل شرود الذكر أعدى من العمر
أمر على الأجفان من حادث العمى ... وأبلى على الآذان من عارض الوقر
يخاف على من يركب البحر شرها ... وليس بمأمون على سالك البر
تجوس خلال البحر تطفح تارة ... وترسو رسو الغيض في طلب الدر
تناول منه ما تغالى بسبحة ... وتدرك دون القمر بتدر القعر
لعمر أبي الخطي إن بات ثأرهُ ... لدى غير كفءٍ وهو نادرة العصر
فثأر علي بات عند ملجم ... وأعقبه ثأر الحسين لدى شمر
شعر
ماجد بن هاشم قال مؤلف (السلافة) : لما عرضت القصيدة السابقة على الشريف ماجد بن هاشم البحراني، كتب عليها مقرظاً بقوله: أجلت رائد النظر في ألفاظها ومعانيها، وأحللت صاعد الفكر في أركانها ومبانيها، فوجدتها قرة في عين الإبداع، ومسرة في قلب الاختراع، والحق أحق بالأتباع، فالحمد لله على تجديد معالم الأدب بعد اندراسها، وإزالة وحشتها بإيناسها.
كتب إلى أهله يتشوق إليهم، وهو محبوس بشيراز قوله
سلام ينادي جوكم ويراوحه ... ونشر ثناء تنتحيكم روائحه
ولا زال مرفوع الثناء يؤمكم ... على كاهل البرق الشمالي صالحه
أأحبابنا والمرء يا ربما دعا=أخا النأي إن ضاقت عليه منادحه
هل الدهر مدنيني إليكم فمبرد ... لهيب اشتياق يرمض القلب لافحه؟
ومجمع دمع كلما هتفت به ... دواعي هواكم قرح الجفن سافحه
كفى حزناً أني بشيراز مفرد ... أباكر ما يضني الحشا وأرواحه
وفرط هموم لو تضفن يذبلاً ... تضاءل واستعملت عليه أبطاحه
وشوقاً لو استجل سناه أخو الدجى ... لأغناه عن ضوء المصابيح قادحه
غدا وهو عنوان الحوادث فاستوى ... لديه به خافي البداد وواضحه
وأشياء ضاق النظم عنها وبعضها ... يلوذ بظل الاستقالة جارحه
أحن فلا ألقى سوى هاتف الضحى ... يطارحني شكوى النوى وأطارحه
يقطع أناء النهار بنوحه ... إلى أن يرى وجه الظلام يصافحه
وإن له بعد الهدو لعولةً ... وأجزى وأشجى النوح مالح نائحه
شكى وحشتي سجن ونأي فأجرشت ... له رقة مما يجن جوارحه
يكاد إذا هز الجناح فخانه ... تغص بترجيع الحنين جوانحه
خلا أنه ذو رفقةٍ فمتى دعا ... تجبه على قرب المكان صوادحه
وإني إذا ما اشتقتكم حال دونكم ... ودوني غيلان الفلا وصحاصحه
وملتطم الأَمواج ما عبثت به ... يد الريح إلا وامتطى النجم طافحه
على أنه في السجن أرغد عيشة ... ولا يستوي داني القرين ونازحه
يشنُّ علي البعد غارات جوره ... وتهتف بي من كل فج صوائحه
له الغلب فليثن الأعنة مبقياً ... عليَّ فما عندي جنود تكافحه
ولا المفرد العاني يهز رماحه ... لطعن ولا تنضى لضرب صفائحه
سقى جد حفص البيض سحاً ولو سما ... لها الدمع أغناها عن الغيث راشحه
ولا زال خفاق النسيم إذا سرى ... عليلاً يماسي جوها ويصابحه
بلاد أقام القلب فيها ولم يزل ... وإن طمحت بالجسم عنها طوامحه
стр. 222
هل الله مستبق ذمامي بعودة ... إليها تريني الدمع قد هش كالحه؟
ويصبح هذا البعد قد ريض صعبه ... وأمكن من فضل المقادة جامحه
وقال في صدر قصيدة أخرى:
لعبت بعطفيه الشمول فمادا ... كالغصن حركه الهوى فانآدا
ريم أعارمها الصريم لواحظاً ... نجلاً وآرام الحمى أجيادا
ساجي اللحاظ وإنها لأشد من ... بيض الظبى يوم القراع جلادا
هاتيك جاروت الجفون وهذه ... أبت الجفون وحلَّت الأكبادا
نازعته راحاً كبرد رضابه ... طمعاً وجمرة خده إيقادا
فانقاد كالمهر الجموح جذبته ... رفقاً ثنى لعنانه فانقادا
والليل زنجي الملاة لناشرٍ ... لمماً كأحداق الحسان جعادا
فنضا دجاه بغرة أوفى بها ... حسناً على البدر المنير وزادا
قسماً بخوض كالحنى ضوامرٍ=وصلت بتدآب السرى الآسادا
يحملن شعثاً من ذؤابة وائلٍ ... شم المعاطس سادة أمجادا
لأفارقن الخط غير معول ... فيها الفحول وتكرم الأغادا
وله أيضاً وهي من فائق الشعر:
هاتيك أحداج تشد وهذه ... أطناب أخبيه تحل وتنقص
وواء عيسهم المناخة عصبة ... أكبادهم وهم وقوف تركض
وقفوا وأحشاء الضمار بالأسى ... تحشى وأوعية المدامع تنقض
يتخافتون ضناً فمطلق أنةٍ ... ومطامن من زفرة ومخفض
قبضوا بأيديهم على أكبادهم ... والشوق ينزع من يد ما تقبض
فإذا هم أمنوا المراقب عرضوا ... بشكاتهم وإذا استرابوا أعرضوا
رحلوا وآراءُ البكاة وراءهم ... شتى فسافح عبرة ومفيض
أتبعتهم نفساً ودمعاً نادراً ... تشوى الرياض وماء ذاك يروض
من ناشد لي بالعقيق حشاشة ... طاحت وراء الركب ساعة قوضوا؟
لم تلو راجعة ولم تلحق بهم ... حتى وهت مما تطيح وتنهض
أترى قد رضيت بما أراقوا من دمي ... عمداً على سخط القتيل فهل رضوا؟
فهناهم صفو الزمان وإن هم ... بالريق يوم وداعهم لي أجرضوا
باتوا أصحاء القلوب وعندنا ... منهم على النأي المعل الممرض
يا صاح أنت المستشار لمن دمي ... برق تألق بعد وهن يومض
فمن المذم على المحاجر من سنا ... برق كصل الرمل حين ينضنض
فلق الوميض فليس يغيض طرفه ... ليلاً ولا يدع الحاجر تغمض
نثرت له ليلاً على كثب الحمى ... حلل تذهب تارة وتفضض
وبمنحى الجرعاء حي ثوروا ... بالقلب ثائرة الظنون وأبضوا
ولقد دعوت ووجه شوقي مقبل ... بهمُ ووجه الصبر عني معرض
ردوه أحي برده أو ألحقوا ... كلي به فالحي لا يتبعض
نفسوا بردهم النفيس وعوضوا ... عنه الأسى بعداً لما قد عوضوا
يا صاح هل يهب التجلد واهب ... أو يقرض السلوان عنه مقرض؟
وأبي لقد عز العزاء وما بقي ... بيدي من سيف التجلد مقبض
انفضت من زاد السلو وما عسى ... يبقى عقيب نفاذ زاد منفض؟
ومن محاسن مراثيه المرثية التي رثى بها الشيخ أبا علي عبد الله بن ناصر ابن حسن بن المقلد من بني وائل، وكانت وفاته في السنة ١٠١١ الحادية عشرة بعد الألف، وهي من غرر المراثي، ولولا جودتها لم أنقلها وهي:
أكف البرايا من تراثهم صفر ... وبيض المنايا من دمائهم حمر
وخيل الرزايا ما تزال معدة ... تقاتلنا فرسانها ولها النصر
تكر علينا البيض والسمر بالردى ... فتبلغ ما لا تبلغ البيض والسمر
ومورد هذا الأمر مرٌّ وإنه ... لأَعذب شيء عندنا ذلك المر
خليلي من أبناء بكر بن وائل ... قفا واندبا شيخاً به فجعت بكر
وبدراً تراءى للنواظر فاهتدت ... به برهة ثم اختفى ذلك البدر
وعضباً ثنت أيدي النوائب حده ... وكان اعتراها من مضاربه عقر
أرامي الورى أخطأتنا وأصبتهُ ... أسأت بنا شلت أناملك العشر
فيا أيها الثاوي الذي اتخذ الثرى ... مقاماً فهلا كان في صدري القبرُ
فإن جعل الماء القراح بزعم من ... رآه لكم طهراً فأنتم له طهر
وإن بليت أكفانك البيض في الثرى ... فما بلي المعوف منك ولا الذكر
كأنك مغناطيس كل مهذب ... فما كامل إلا وفيك له قبر
стр. 223
ليهنك فخراً إن ظفرت بتربته ... يعفر خداً دون إدراكها العفر
ثوى بك من آل المقلد سيد ... هو الذهب الإبريز والعالم الصفر
فمتى كرمت آباؤه وجدوده ... وطابت مساعيه فتم له الفخر
عفيف ملاث البرد عن كل زلة ... وفي أذنه عن كل فاحشة وقر
جواد له في كل أنملة مجد ... بصير له الدهر كسر لا يرام له جبر
من الآن بدءُ الشر فيك وإنه ... لمتصل باق وآخره الحشر
فأي فتى لا يرهب الضيم جاره ... فقدت ويسر لا يمازجه عسر
وليث وغى لو قابل الليث أعزلا ... وحاربه لم يغنه الناب والظفر
فأقسم لولا موته في فراشه ... لجردت البيض المهندة البتر
وأرعشت الملد المثقفة السمر ... وأقبلت الخيل المسومة الشقر
عليهنَّ من آل المقلد غامة ... مساعير حرب لا يضيع لهم وتر
تثقف ملاد الرماح أكفهم ... وتمنحها طولاً إذا شأنها قصر
كأنهم والسابغات عليهمُ ... إذا ما دجا ليل الوغى أنجم زهر
ولو خلد المعروف في الناس واحداً ... لخلد عبد الله نائله الغمر
ولكنها الأيام جاءته تبتغي ... نوالاً فأولاها نوالاً هو العمر
فيا قبره حياك منبعق الكلا ... ونشر من أبراده حولك الزهر
بينه اصبروا فالصبر أجمل حلة ... تردى بها من مس جانبه الضر
فلولا انقضا الأعوام ما فني الدهر ... ولولا فنا الأَيام ما نفذ الشهر
ودونكم من لجة الفكر درة ... منظمة يعلو لها النظم والنثر
وعذراء ن حر الكلام خريدة ... بأمثالها في ال شعر يفتخر الشعر
وما مهرها إلا قبولكم لها ... لقد كرمت ممهورة وغلا المهر
شعر
عبد العلي الحويزي ومن رجال (السلافة) عبد العلي بن ناصر بن رحمة الحويزي، قال في حقه: فاضل قال من الفضل بظل وريف، وكامل حل من الكمال ين خصب وريف، فلأسماع من زهرات أدبه في ربيع، ومن ثمرات فضله في آخر خريف، إن شاء أبدى من فنون السجع ضرائب، أو طفق ينظم أهدى الشنوف للأسماع والعقود للترائب، وذكر له نثراً فائقاً، أضربت عن نقله طلباً للاختصار، ثم قال: من بديع شعره قوله يمدح علي باشا حاكم البصرة ويهنئه بعيد الفطر:
لمن العيس عشيا تترامى ... تركتها شقق البين سهاما
كلما برقعها ريح الصبا ... لبست من أحم الدمع لثاما
وترامت خضعاً أعناقها ... كلما هز له البرق حساما
شفها جذب براها للحمى ... وهي تثني لربي نجد زماما
وتلقيها نسيماً حاملاً ... عن ثرى وجرة أنفاس الخزامى
ما على من حملت لو وقفوا ... ساعة نشرح وجداً وغراما
ومن الجهل ارتجائي يقظة ... أرباً لا أترجاه مناما
يا بني عذرة هل من آخذ ... بدمي المسفوك من حل الخياما
قمر لو لم ير البدر دجى ... ما حوى البدر كمالاً وتماما
غادر لم يرع مني نسباً ... دون أن خديه لهيباً واضطراما
ولجسمي من بقايا حبه ... شبه الطرف فتوراً وسقاما
يا نديمي دعا خمريكما ... إن أرق الحب من فيه مداما
وتثن يا قضيب البان إن ... رنحت سكر اللمى ذاك القواما
وأصغ يا روض أناجيك إذاً ... فلقد لاح لنا الثغر ابتساما
أيها الظاعن عن عيني وفي ... مهجتي قد شاد ربعاً ومقاما
عاقب الله بأدهى صمم ... أذني إن سمعت فيك ملاما
وعشت يوم ترى ذاك البها ... مقلتي إن زارها النوم لماما
أنا من ينظر في شرع الهوى ... كل شيء ما سوى الموت حراما
فقت أهل العق طراً مثل ما ... فاق في المجد علي وتسامى
ملك راحته غيث ندى ... رشحها يخجل بالسح الغماما
وهزبر يصدم الموت إذا ... ما تنادت أسد الحرب الصداما
رب سيب فاض من أنمله ... فكفى رزق أيامي ويتامى
وعنيد كسرت صولته ... وحمام قد أذاقته حماما
ومكر كسيف شمس الضحى ... فيه وانصاع سنا الأفق ظلاما
طلعت فيه نجوم من ظبا ... وتردت عوض الليل قتاما
موقف لا يبصر الطرف به ... إن رنا إلا حساماً أو هماما
انعل الخيل بأجساد العدى ... بعد ما قد توج السمر اللهاما
стр. 224
وثنى عنه الظبا مخمورة ... والكؤوس الروس والدم المداما
قلب الطرف به فكراً تجد ... ديمة تجري وضرغاما شهاما
وأخا الفضل إذا ما انسجمت ... سحبه أخجل سحبان نظاما
أبحر الدنيا إذا ما سجلت ... جوده أقعدها الفخر وقاما
لو أتاه يوم حشر سائل ... وهو لا يملك إذ ذاك حطاما
لتلقاه بأعلى همة ... وحباه بالذي صلى وصاما
أيها المولى الذي من ربه ... سمي المولى وسميت الغلاما
لا تضعني وأجد تربيتي ... تلفني إذ صدق الجد تماما
واهن بالعيد الذي أنت بنا ... مثله في الدهر فضلاً واحتراما
والقه شكراً ببشر إذ أتى ... بعد أن صمت فوفيت الصياما
واسم واسلم بالمعالي مقصداً ... نحوك الخلق رجاءً تترامى
وقال أيضاً وهي قصيدة تشتمل على أنواع من البديع:
قلبي وطرفك منصوب ومكسور ... كلاهما مطلق منا ومأسور
ناديت دمع جفوني كي ترخمه ... يا مستغاثي مالي عنك تحذير
حاكى فؤادي منك الوجه وافترقا ... فذاك نار لتعذيبي وذا نور
قدري وقدرك مخفوض ومنتصب ... والثغر والدمع منظوم ومنثور
بخفض قدري فيك الناس تعرفني ... وهكذا الحب تعريف وتنكير
قد أعرب الحب نحواً بيننا حسناً ... فال شعر والشعر مرفوع ومجرور
يا طرف من نبهت قلبي محاسنه ... ذكري كسيفك في الآفاق مشهور
ينجاب ذو الجهل عني حين يبصرني ... كأنما أنا صبح وهو ديجور
لو رمت فخراً على المحبوب قلت له ... دمعي وثغرك ياقوت وبلور
أصناف جونة عطار بطالعته ... فحاله عنبر والخد كافور
أقام سوق الهوى خد له أبداً ... لحبة القلب فيه اليوم تعسير
لا ترج مني امتناعاً عن محبته ... له على فلك المريخ تدوير
أبدى ضروب بديع طرفه فله ... في فتية العشق تصريح وتشطير
حمت لواحظه معسول ريقته ... ياكوثراً منعتنا ورده الحور
تقول إن صدقتنا القول مقلته ... يا محرمي العشق إني كعبة زوروا
قد أخلصت كيمياء الحب وجنته ... كأنها للهوى العذري إكسير
لو لم يكن كيمياء ما تسير لل ... أنفاس والدمع تصعيد وتقطير
يحيا بجعفر دمع فضل وفي ... أنا الرشيد به والقلب مسرور
يا دمع مقلتي الكشاف أنت لفي ... تقدير للحب تأويل وتفسير
وسعت للدمع أشكالاً خلفت بها ... اقليدساً ولها في الخد تحرير
لله مجلساً الغصن يعطفه ... من نسمة الصبح تقديم وتنأخير
والنهر جسم بثوب الزهر ملتحف ... والزهر برد من الريحان مسرور
فصل الربيع إذا ما العشق وافقه ... القلب فيه وللأشجار تقطير
وللسماء التباس بالرياض لما ... حكت كواكبها منها التصاوير
والزهوة الورد والسعد الشقائق وال ... مجمرة النهر والجوزاء منثور
تصرفت بي أيامي لتنقصني ... فما تغيرت والتصريف تغيير
لا ينفع المرء تدبير يهذبهُ ... إلا إذا عضد التدبير تقدير
شعر
محمد عبد الله النجفي ومن رجال (السلافة) أيضاً الشيخ محمد بن عبد الله النجفي المالكي من ذرية مالك بن الأشتر، قال في حقه: ذو النسب الأشتري، والأدب البحتري، سماء فضل مشرق البروج، وحديقة أدب مزهزة المروج، وطود حلم لا تزعزعه الرياح، وبحر علم لا يغبض لممتاح، طلع في سماء البيان سراجا، وعلا في السبع الطباق منها معراجا، ونه إلى معاقل المعاني ببلاغته ففتحها، وشرع أرشية أقلامه إلى قلب البديع فمتحها، ونظم في أسلاك القريض دره المنتقى، وأجرى سلسال ترسله ين العذيب والنقى إلى أخلاق وشمائل، قال منها في رياض وخمائل، وصفاء سريرة وضمير، كرع منه في عذب نمير، إن ذكرت الفتوة فهو شيخها وفتاها، أو المروة فهو مصيفها ومشتاها، ولقد عاشرته سفراً وحضراً، فألفيته على العسر كما قال الشنفرى:
فلا جزع من خلة متكشف ... ولا رمح تحت الغنى متخيل
ثم ذكر من نثره ما تهتز له الأعطاف طرباً، وترشفه الأذواق ضرباً وأثبت من شعره ما كتبه من أصبهان إلى أصحابه بالعزي:
أيا ريح هل باكرت حي بني بكر ... فقد هاج شوقي ما بطيك من نثر
стр. 225
هززت قدوداً ثم رنحها الصبا ... خلال الرماح السمر والأغصن الخضر
وجزت رياضاً خلتهن لياليل ... تفتح فيها النور كالآنجم الزهر
خليلي قد عاثت بصبري يد الهوى ... وأحلى الهوى ما مر بالصبر
لقد راعني فعل السحاب بدارها ... ورب مريب فعله وهو لا يدري
أسائلكم عن بارق تأنسونه ... أمتقد الأحشاء أم باسم الثغر؟
سقى العهد من أرض العزي معاهداً ... بها يتقي ليث الوغى ظبية الخدر
فيالك من أرض تتيه حصاتها ... على الدرة الزهراء والكواكب الدري
بها قاتل القرنين عمرو ومرحب ... مروي المواضي في حنين وفي بدر
علي ولي الله صنو محمد ... أبو ولديه زوج فاطمة الطهر
مراكز سمر تخطر السمر بينها ... كفاها جلاد البيض عن بيضها الغر
تذكرني هذي الكواكب معشراً ... أنار وإضراب السمر في العثير الكدر
أنادم فيها كل أروع باسل ... شهاب يعب الشمس من راحة البدر
هزبر إذا ضاق المكر به سطا ... من اللدان والصمصام بالناب والظفر
إذا ما انتضى الصمصام هزته نشوة ... فتحسبه غصناً تلوى على نهر
ستثني على تلك البحار قصائدي ... ثناء أزاهير الرياض على القطر
إذا ما نجوم الشعر باتت لوامعاً ... طلعن على أفرادها طلعة الفجر
وما كان لفظي في القوافي نفاسة ... أخا الدر حتى كان قلبي أخا البحر
ثم قال صاحب السلافة: ومن شعره ما كتبته إلي مادحاُ، ولزند البلاغة قادحاً:
أتاك بها الهوى تختال كبراً ... فتاة من سلاف الدل سكرى
تكلف جفنها المخمور نهضاً ... فليطح كأَسهُ غنجاً وسحرا
فمن نظم النجوم الزهر عقداً ... وقد لها أديم البحر نحرا
ومن جعل السحاب لها جفوناً ... وصاغ لها وميض سقاك الغنج أخرى
تخيل ثغرها حبباً إذا ما ... رشفت من الرضاب العذب خمرا
رأتني فاعتراها الروع جهراً ... وما علمي بما تخفيه سرا
أتني الدر من ثغر وطرف ... غداة وداعنا نظماً ونثرا
كشفت لها إذاً عن صبر حر ... تظل النائبات لديه أسرى
وهزته النوى فرأته طوداً ... وزاحمه الهوى فرآه صخرا
سلي غيداً لهوت بهن دهراً ... وخضت الحب ضحضاحاً وغمرا
عدلن فهل شكوت لهن وصلاً ... وجرن فهل شكوت لهن هجراً؟
شربت الصبر شهداً في مساغ ... يرى فيها الوقود الشهد صبرا
أعد فتوتي في المجد فرعاً ... وأذكر مالكاً في الفخر بحرا
نجيب لم يلد إلا نجيباً ... أغر لم يلد إلا أغرا
أب در له أبناء حرب ... غدوا لوطيسها شرراً وسعرا
هو اكتسب السجايا الغر تبراً ... وأبقاهن للأبناء ذخرا
يموت بكفه الخطي رعباً ... فيودعه فؤاد الشم قبرا
ويغشى عثير الهيجاء ليلاً ... فيفلق فيه للصمصام فجرا
سرى في نحو روض العزم عزم ... يريني الشهب بين يدي زهرا
فأقحمني حباب البحر شهباً ... وأوطاني حصا لمزاء جمرا
إذا ما لحت في أفق هلالاً ... فسر عنه عساك تصير بدرا
وجز كالسيل ساحة كل واد ... عساك تموج حيث أقمت بحرا
نعم لولا اجتناب الفلك سيرا ... لما أمسى لجين الشمس تبرا
أتني يا ابن أحمد خلق حر ... رأينا كل خلق فيه حرا
رأيت عليَّ أهل الفضل طراً ... يداً واسماً ومرتبة. وقدرا
فقل صافحت بعد البحر بحراً ... بناديه وبعد البر برا
فتى أروى من الذأماء قلاباً ... وأوسع من فضاء البيد صدرا
وأبرد من فؤاد الثلج عيشاً ... وألهب من شواظ النار فكرا
وأمضى من ذباب السيف عزماً ... وأسرى من خيال الطيف مجرى
عزائم سلهن فكن بيضاً ... وهزّ متونهن فكن سمرا
ترى غيث المكارم مستهلاً ... بساحة وروض المجد نضرا
يزدن قرونه منه ذكاءً ... ويلقى قرنه منه هزبرا
فتى يقضي على الأيام حتى ... تكاد تخاله للدهر دهرا
أعد الأسمر الخطي ناياً ... له والأبيض الهندي ظفرا
ويورد طامسات السمر صفراً ... فيصدرهن بعد الري حمرا
стр. 226
تشاهد حربه الأولى عواناً ... وتلقى جودة المأثور بكرا
بعزم أفعم الغبراء فخراً ... وعدل أثقل الخضراء خضرا
تركت بحبك الأحشاء بحراً ... وقلت بمدحك الألفاظ درا
أطعت الحب فيك وكنت مرءاً ... أبياً لم يطع للحب أمرا
فدم وأقصر هواك على المعالي ... وطل بدوامها باعاً وعمرا
شعر
أحمد الحسني المغربي ومن رجال (السلافة) السيد أحمد الحسيني المغربي، قال في حقه: هذا السيد ورد إلى مكة المعظمة، متحلياً بعقود الأدب المنظمة، فمدح السيد زهير بن علي أحد شرفائها بقصيدة طائية، غبري في وجوه القصائد البحترية الطائية وذكر فيها أنه من سلالة الحسن السبط، وأنه فاطمي ما شان نسبه روم ولا قبط، وأن جده سلطان المغرب في عصره، وخليفة رب العالمين بأرضه ومصره، كما ستقف عليه فيها، وتراه في أثناء قوافيها، فاشتهرت هذه القصيدة كل الاشتهار.
وظهرت ظهور الشمس في رائعة النهار وهي هذه:
سقى طللاً حيث الأَجارع والسقط ... وحيث الظباء العفر من بينها تعطو
هزيم همول الودق منبجس له ... بأفنائها في كل ناحية سقط
ولو أن لي دمعاً يروي رحابه ... لما كنت أرضى عارضاً جوده نقط
ولكن دمعي صار أكثره دماً ... فأني يرجى أن يروي به قحط
ولما رماني البين سهماً مسدداً ... فأقصدني والحي ألوى به شحط
نحوت بأصحابي وركبي أجارعا ... فلا نفل ينفي لديها ولا خمط
وجبت قفار لو تصدت لقطعها ... روامس أرباء لأعيب فلم تخط
مفاوز لا يجتاب شخص فجابها ... ولو أنه المطرود أو حارب ملط
يسوف بها الهادي التراب ضلالة ... ويغدو كعشواء لها في السرى خبط
سريت وصحبي قد أديرت عليهم ... سلاف كرىً والعيس في سيرها تنطو
وقد مالت الأكوار وانتحل العرى ... لطول السرى حتى ذوى الأنعس المنط
كأنا ببحر الآل والركب منجدٌ ... ونحن ببحر الغور نعلو وننحط
كمثل غريق ليس يدري سباحة ... وقد طار وسط الماء يطفو وينغط
وقفنا برسم الربع والدمع خاشع ... نسائله عن ساكنيه متى شطوا
فلو أن رسما قبله كان مخبراً ... لقال لنا ساروا وفي القلب قد حطوا
كأن فناء الدار طرس وركبنا ... صفوف به سطر ورسم به كشط
رعى الله طيفاً زار من نحو غادة ... وحيا وفود الليل ما شابه وخط
فحييت طيفاً زار من نحو أرضها ... ومن دوننا والدار شاسعة سقط
فيا طيف هل ذات الوشاحين واللما ... على العهد أم ألوى بها بعدنا الشحط؟
وهل غصن ذاك الفد يحكي قوامه ... إذا خطرت في الروض ما ينبت الخط؟
وهل ذاك الشع المرجل لم يزل ... يمج فتيت المسك من بينه المشط؟
وهل عقرب الصدغين في روض خدها ... بشوكتها تحمي وروداً به تطغو؟
وهل خصرها باق على جور ردفها ... فعهدي بذاك الردف في الجور يشتط؟
وهل حلجها غصان من ماء ساقيها ... وهل جيدها باق به العقد والقراط؟
وهل ريقها يا صاح كالخمر مسكر ... فعهدب به قدماً وما ذقته اسفنط؟
وهل ردنها والذيل مهما تفاوضا ... يضوعان عطراً دونه المسك والقسط؟
وهل سراها ما ساء عشاق مثلها ... وقد نزفوا اللبين دمعاً وما أطوا؟
وهل نسيت علوى وقد دار بيننا ... حديث كمثل الدر سمعي له سفط؟
وهل علمت أني نظمت قلائداً ... فدر المعاني في المباني هو السمط؟
مديح زهير الفضل من قلد الورى ... عوارف مثل البحر ليس لها شط
أبو زاهر أزكى الأنام أورمة ... وأكرم من ضمته في مهده القمط
ومن لم يزل يقظان في المجد والعلى ... وقد نعس الأقوام في المجد أو غطوا
همام لدى الهيجاء تعنو لبأسه ... أسود الثرى يوم الهياج إذا يسطو
خبير بكر الخيل في حومة الوغى ... إذا راع نكس القوم من صوتها عط
إذا طال قرن أو تعرض مارق ... فهذا له قدٌ وهذه له قط
إذا ما نحى الدرع الدلاص برمحه ... فما هي إلا أن تشك فتنعط
كأن انسياب الرمح في الدرع سابح ... من الرقش في وسط الغدير له غط
стр. 227
يجازي على المعروف عبداً وسيداً ... وليس عليه يوم يعطي الندى شرط
وما شاب ما يوليه منٌ ولا أذى ... ولا شان ما يولاه كفر ولا غمط
إليه الندى أقلى مقاليد أمره ... وقال إليك القبض والبذل والبسط
فما قال لا يوماً لراجي نواله ... ولا قصر الجدوى بنان له بسط
ولا عيب فيه ما عدا أنه الذي ... له خلق كالروض ما شأنه سخط
يجود وما سام العفاة نواله ... وكم شان ذا جدوى وقد أخلط اللط
ينادي منادي الجود من شط أو دنا ... إلى بذله سيروا سراعاً ولا تبطوا
إذا ما بدا وهط الحجاز وحبذا ... منازل من يعلو بساكنه الوهط
بلاد زهير إن حللتم بداره ... وشاهدتم النادي ففي سوحه حطوا
إليك أثيل المجد وجهتُ مطلبي ... وما خاب من رجى غياث الورى قط
عسى نظرة من عين رحماك سيدي ... يكون لمثلي من كارمها قسط
وإني غريب الدار أحمد من له ... غرائب لا تحصى ولا يمكن الضبط
وما أنا البحر والدر معدن ... وكل بصير بالآلي له لقط
وحسبي فخراً أن جدي حيدر ... وأن أبي خير الورى الحسن البسط
وجدي إمام الغرب سلطان عصره ... بطاعته قد طاعت الجند والرهط
خليفة رب العالمين بأرضه ... إلى علمه في حكمه الحل والربط
وما أنا إلا فاطمي مهذب ... وما شان أصلي قط روم ولا قبط
وما ذمني إلا غبي وحاسد ... وما كان مثلي جاءه الذم والغبط
وشعري كما زهر الربيع محاسناً ... وغيري به شعر ولكنه خمط
لعمري هي الأقدار والحظ سائر ... وكم من له حظ وليس له أخطو
ودم في أمان الله ما قال شاعر ... عليَّ يمين عن ديارك لا أخطو
قال مؤلف (السلافة) عفى الله عنه: لما وقفت على هذه القصيدة أحببت أن أنظم عليها فقلت متعزلاً:
سرت موهناً والنجم أذنها قرط ... وعقد الثريا في مقلدها سمط
ألمت بنا والليل مرخ سدوله ... فضاء بصبح ميط عن نوره المرط
وأرج أرجاء الحمى بشر طيبها ... فلم يدر مسك ما تضوع أم قسط
وقد أقبلت ترنو بمقلة مغزل ... أظلت بجرعاء الحمى شادياً يعطو
تميل كما مال النزيف كأنا ... يرنحها من راح صرخد اسفنط
وتخطر تيهاً حين تخطو تأوداً ... بأسمر مما أنبت الله لا الخط
تجل عن التشبيه في الحسنغادة ... إذا قيس في أوج بها البدر ينحط
وإن قيل إن الريم يحكي لحاظها ... فأين القوام الدان والشعر السبط
على أن مرعاها وما صوح الكلى ... حشاشة نفسي لا الإدراك ولا الخمط
وتسطو أسود الغاب بالريم جهرة ... وهذي بآساد الثرى أبداً تسطو
بنفسي فتاة تغبط الشمس حسنها ... وفي مثل هذا الحسن يستحسن الغبط
لها طرة تصفو على صبح غرة ... ياقط مسكاً من غدائرها المشط
شفعت بها ليلاً تقاصر وهنةُ ... فطال وللآمال في طوله بسط
وبتنا على رغم الحسود وبيننا ... حديث رضى بالوصل ما شايه سخط
تعللني من دلها ورضابها ... بخمرين لم أسكر بمثلها قط
وعاطيتها صرفاً حكت دم عاشق ... مراقاً عليه من مدتمعه نقط
فمالت ولم تسطع حراكاً كأنما ... أتيح لها من عقد أحبولة نشط
فلم تصح إلا والنجوم خوافق ... وفرع الدجى جعد ذوائبه شمط
وقد ضاء مسود الظلام بشمعة ... من الصبح لم يفرز ذبالتها قط
فقامت لتوديعي بوجد ولوعة ... وللوجد في جنبي من لوعة فرط
وأذرت دموعاً من لحاظ سقيمة ... هي الدر لكن ما لمنثوره لقط
وسارت على اسم الله تنقل أخمصاً ... إذا ما استقلت لا تكاد بها تخطو
وشطت بقلبي في هواها ولم يزل ... ببحر غرام لا يرام له شط
وقد قدح التفريق بين جوانحي ... زناد هموم لا يبوح لها سقط
نعم قد حلت تلك الليالي وقد خلت ... وأي دنو لا يقارنه شحط؟
لعمري لقد ألوت بأيام وصلنا ... حوادث أيام أساودها رقط
وبذلت من قرب الوصال بخطة ... من الهجر لا يمحى بدمعي لها خط
تؤرقني الذكرى إذا عنّ بارق ... يلوح بفود الليل من لمعة وخط
стр. 228
ويوقظ مني الوجد ورق حمائم ... إذا هدأ السمار بات لها لغط
أبيت على مثل باق على العهد والوفا ... ولي من هيامي في الهوى شاهد قسط
وأصبو إلى دار بها حط أهلها ... على أنهم من أجلها في الحشا حطوا
ولو لم يكن شعري هل رباها مريعة ... كما هي عهدي أم لوى خصبها قحط
وهل سربها يرعى بأكناف حاجر ... مروجاً عليها من نسيج الحيا بسط
وهل رتعت أترابها ولداتها ... بمرتعها حيث المسرة والغبط
فعهدي بهاتيك المعاهد لم تزل ... شوادنها تعطو وأغصانها تغطوا
فلا غبها غاد من المزن رائح ... له كل يوم في أجارعها سقط
ثم قال: وإي ليكلمني الأعجاب بقصيدة أبي الوليد أحمد بن عبد الله أبن زيدون المغربي التي هي على هذا الوزن، وأنا قد نقلتها بطولها في ترجمة ابن زيدون من هذا المجموع.
هذا آخر ما نقلته من كتاب (سلافة العصر في محاسن الشعراء من كل مصر) وسأنقل إن شاء الله ما أمكنني من الآداب الرائقة، والأشعار الفائقة ما ستحسنه ذوو النهى والألباب، ويصبو إليه ذوو الفضل والآداب، والله الموفق للصواب.
أشعار وآداب متفرقة
قال محمد بن عبد الله بن الإمام شرف الصنعاني:
داء اصبابة ماله من راق ... والموت دون لواعج الأشواق
وألذ حالات الغرام لمغرم ... شكوى الهوى بالمدمع المراهق
وبمهجتي والروح أفدي شادناً ... لم ترق مذ فارقته آماقي
ناديته لما بدا وجماله ... يثني إليه أعنة الأحداق
يا أيها القمر الذي قمر النهى ... لما تخلى من سماء الطاق
رفقاً بقلب بين أسرى طرفكالفتاك أضحى في أشد وثاق
فخذ الفدا مني جعلت لك الفدا ... أو لا فمن علي بالاعتاق
وإذا بخلت بذا وذاك ولم يكن ... لك مأرب أفديك في استراقاقي
فاقتل وحاذر أن تكون منيتي ... يا منيتي القصوى بسيف فراق
وما أحسن قوله منها:
يا صاحبي هديتما إن كنتما ... ممن يروم على الغرام وفاقي
فتجسسا بربوع مكة لي عن ال ... قلب العميد الهائم المشتاق
عاهدته أ، لا يجيب إلى الهوى ... داعي الجمال فمال عن ميثاقي
وسباه في دب السويقة شادن ... يسطو بمقتله على العشاق
كالبدر في الديجور رنح قده ... كقضيب بان عاطل أوراق
أفديه من قمر بدا لي كاملاً ... حسناً فكان من الكمال محاقي
سكران من خمر الشبيبة والصبا ... صعب اللقا متلون الأخلاق
شفقي خد لم أزل في حبه ... حيران بين الأمن والإشفاق
وللسيد جمال الإسلام ابن المتوكل الصنعاني:
صب يكاد يذوب من حر الجوى ... لولا انهمال جفونه بالأدمع
وإذا تنفست الصبا ذكر الصبا ... وليالياً مرت بوادي الأجرع
آه على ذاك الزمان وطيبه ... حيث الغضا وطني ومن أهوى معي
ما زال ومض البرق يذكي لوعتي ... ويهيج تذكار لذاك المربع
وإذا تغنت في الغصون حمامة ... هاجت بلابل قلب صب موجع
سجعت على غصن ولم تدر الهوى ... مثلي ولم تدر الغرام ولم تعي
أحمامة الوادي بشرقي الغضا ... إن كنت مسعدة الكئيب فرجعي
إنا تقاسمنا الغضا فغصونهُ ... في راحتيك وجمرة في أضلعي
ولعبد الرحيم البرعي اليمني:
رفاقي الظاعنين متى الورود ... وذياك العذيب وذا زرود؟
فعوجوا بي على آثار ليلي ... فما يدري الغريب متى يعود؟
وزوروا شعبها فعلى فؤادي ... وقلبي من نسيمهِ برود
رفاقي الظاعنين ترفقوا بي ... فقلبي في هوى ليلى عميد
أعيدوا لي الحديث بذكر ليلى ... أعيدوا لي فديتكم أعيدوا
رعى الله الزمان زمان ليلى ... ولا رعي التفريق والدود
فما أحلى هواها في فؤادي ... وإن بخلت علي بما أريد
جرى قلم السعادة باسم ليلى ... وطاب بذكرها العيش الرغيد
فكيف يلومني في حب ليلى ... خلي القلب أدمعه جمود
وإن فتى رمته عيون ليلى ... فمات على الفراش هو الشهيد
ولعبد الهادي السويدي اليمني:
أهلاً وسهلاً بكم يا جيرة الحلل ... ومرحباً بحداة العيس والابل
стр. 229
كنا نؤمل أن نحظى بقربكم ... فلآن والله هذا منتهى الأمل
لو أن روحي في كفي فجدت بها ... على البشير بكم يا مرهم العلل
ما إن وفيت ببعض من حقوقكم ... وكطنت من عدم الإنصاف في خجل
ولبعضهم:
كتم الحب زمانا ثم باحا ... وغدا في طاعة الشوق وراحا
عاشق إن ضحك الواشي بكى ... وإذا ما غنت الورقاء ناحا
في سيل الله منه كبد ... أثخنتها الأعين النجل جراحا
وبكاه عائدوه رحمةً ... خشية الموت ولو مات استراحا
يا جفوني أسعدوني بالبكا ... أنا لا أصحب أجفاناً شحاحا
لو تكلفت سلواً لم أطق ... أو يخفى قط سكران تصاحى؟
ولابن الزيات:
سماعاً يا عباد الله مني ... وكفوا عن ملاحظة الملاح
فإن الحب آخره المنايا ... وأوله شبيه بالمزاح
وقالوا دع مراقبة الثريا ... ونم بالليل مسود الجناح
فقلت وهل أفاق القلب حتى ... أفرق بين ليلي والصباح
ولابن لؤلؤ الذهبي:
وتنبهت ذات الجناح بسحرة ... بالواديين فنبهت أشواقي
ورقاء قد أخذت فنون الحزن عن ... يعقوب والألحان عن إسحاق
قامت تطارحني الغرام جاهلة ... من دون صحبي بالحمى ورفاقي
أنى تباريني جوى وصبابة ... وكآبة وأسى وفيض آماقي
وأنا الذي أملي الهوى من خاطري ... وهي التي تملي من الأوراق
ولهارون بن المعتصم العباسي:
ما كنت أعرف ما في البين من حرق ... حتى تنادوا بأن قد جيء بالسفن
قامت تودعني والدمع يغلبها ... فجمجمت بعض ما قالت ولم تبن
مالت علي تفديني وترشفني ... كما يميل نسيم الريح بالغصن
وأعرضت ثم قالت وهي باكية ... يا ليت معرفتي إياك لم تكن
وللحاجري:
سلوا ظبية الوادي التي فقدت خشفا ... ألا هل وجد من الشوق لا يطفى؟
وقولوا لورقاء الأراك أعندها ... من الشوق ما عندي إذا ذكرت الفا؟
وهيهات مثلي في الغرام متيم ... يرى كل يوم قد عرفت بها عرفا
ولا تعذلاني إن لثمت أراكة ... تميل فمن سلمى تعلمت العطفا
وله:
أنت الحياة وأنت السمع والبصر ... كيف احتيالي ومالي عنك مصطبر
فارقتني فنهاري كله حرق ... وغبت عني فليلي كله سهر
لو فارق الحجر القاسي أحبته ... لذاب من حر نار الفرقة الحجر
ابعث خيالك في جنح الظلام ترى ... ما بي من الوجد والبلوى فتعتبر
إذا تذكرت أياماً بقربكم ... ولت تطاير عن أنفاسي الشرر
بجهد المتيم أشواق فيظهرها ... دمع على صفحات الخد ينحدر
لا كان في الدهر يوم لا أراك به ... ولا بدت فيه لا شمس ولا قمر
وللارجاني:
نفسي فداؤك أيهذا الصاحب ... يا من رضاه علي فرض واجب
كم طال تقصيري وما عاتبتني ... فأنا الغداة مقصر ومعاتب
ومن الدليل على ملالك أنني ... قد غبت أياماً ومالي طالب
وإذا رأيت العبد يهرب ثم لم ... يطلب فمولى العبد منه هارب
ولأحمد بن الأنصاري المعروف بالشرواني:
جفا من لست أذكره براني ... وهيج لي غراماً في جناني
وحال عن الوداد ولم أحل عن ... مودته وظلماً قد جفاني
أيحسن منك يا مولاي هجري ... بلا ذنب وتعلم ما أعاني؟
دع الإعراض وارحم حال صب ... لبانته الزيارة والتداني
ورشف رضاب ثغرك واعتناق ... أنال به المسرة والأماني
وحسبك ما بليت به وفائي ... وعزك ذا المحاسن في هواني
أراك نسيتني وسلوت ودي ... وذاك الصل في ذاك الزمان
أعد نظراً إليَّ فإن قلبي ... لعمرك إن أطلت الهجر فان
سألتك بالهوى العذري أن لا ... تضن بما يسر به جناني
فها وجدي تضاعف منه كربى ... وصيرني حديثاً في المغاني
جعلت فداك فاسمح بالتلاقي ... ولا تجعل جوابي لن تراني
قال الشرواني: كتب إلي الشيخ الفقيه الفاضل اللوذعي عبد الله بن عثمان بن جامع الحنبلي وأنا كلكته وهي هذه:
أإنسان الوجود بلا نزاع ... ويا بحر العلوم بلا دفاع
وكهف الملتجين إذا أضيموا ... وغيثاً للعفاة بلا انقطاع
стр. 230
شكوت إليك ما ألقى وإني ... أرى الهم المبرح في اتساع
جوى يزداد في قلبي وينمو ... نمو النار بالجزل اليراع
أبعداً واغتراباً واشتياقاً ... وفقدان الأنيس بذي البقاع
فلا وأبيك ما هذا بعيش ... لنفس حرة ذات امتناع
عسى المولى المهيمن ذو العطايا ... يلم الشعب بعد الانصداع
ويجمعنا بمن نهوى قريباً ... وتسكن غلة القلب المراع
فقلت مجيباً له:
أيا من قد حوى كرم الطباع ... ومن هوى للطائف خير واع
وكنز جواهر الآداب حقاً ... وجامعها المقيد بلا نزاع
أتاني منك مرقوم عزيز ... بديع النظم يقصر عنه باعي
تذكرني به ما منه أضحى ... فؤادي ي اشتعال والتياع
أتحسب يا ابن النورين أني ... هممت بفرقة بعد اجتماع
ولا والله ربي لم يكن لي ... مرام في نوى أو في انقطاع
ولكني ابتليت بمعضلات ... غدا في حلها يجري يراعي
ومنها كنت مضطرباً لأني ... بها والله راحم كل داع
ولولاها أجل بني المعالي ... وأحمدهم لما كان اندفاعي
ومثلك لا يمل وأنت مغني اللبيب ومؤنسي في ذي البقاع
فظن بذي الوداد المحض خيراً ... ودم واسلم بعز وارتفاع
وقالت مكاتباً له أيضاً:
أعندك ما عندي من الشوق والوجد ... وهل أنت باق في المحبة والعهد؟
أكابد أشجانا توقد نارها ... بقلبي المعنى من بعادك والصد
وصدك عن مضناك داء دواؤه ... تدانيك من بعد القطيعة والبعد
فحتام تجفو من إليك اشتياقه ... تضاعف يا نجم المحاسن والسعد؟
فو الله لولا أن مأواك في الحشا ... لأحرقه الشوق المبرح بالوقد
وإني وإن أخفت ما بي من الأسى ... عن الناس لا يخفاك يا منتهى قصدي
أيخفى غرامي وارتماضي بذا الهوى ... عليك وأشعاري تبين ما عندي
فعطفاً لمن لا يستلذ بعيشه ... لبعدك وارحم من تضعضع للود
وها أنا ذاك اللوذعي ومن له ... مكارم أخلاق تفوق عن العد
وعمدة أرباب البلاغة والحجى ... وواحد هذا العصر أكرم بذا الفرد
دع الصد واسلك في المودة والوفا ... سلوك أبن ذي النورين ذي الفضل والرشد
هو عبد الله نخبة قادة ... بهم عرف المعروف حجتنا المهدي
خلاصة أهل الجود لله دره ... فمن مثله في العلم والحلم والرفد؟
كريم إذا استمطرت يوماً أكفه ... همت باللهى من دون برق ولا رعد
عليه رضى الرحمنما قال شتى ... أعندك ما عندي من الشوق والوجود
فأجابه لافظ فوه:
نعم إن نيران الصبابة والوجد ... لها في الحشا وقدٌ يزيد مع الصد.
ألا قاتل الله الهوى ما أمره ... وأسرعه في هتك كل فتى جلد.
إذا رام ستراً للذي في فؤاده ... عصته أماقيه فسالت على الخد.
خليلي مالي والهوى تستفزني ... وما أنا بالخالي وما أنا بالوغد.
ولي همة تسموا إلى كل غاية ... من المجدلا للخال والأسود الجعد.
ولا لغزال أنعس الطرف أكحل ... له وجنة حسناء تهزأ بالورد.
ولا لقوام يشبه الغصن الناعم ... إذا ما أثنى يثني إليه أخوه الزهد.
ولا لرحيثق من لمى الثغر بارد ... إذا أمتصه ذو لوعة راح بالرشد.
ولكني نفسي قد تضاعف شوقها ... إلى صاحب صاف سجاياه كالشهد.
حليف تقى لا ينقض الدهرعزمه ... أخو ثقة ما ذاع يوماً عن القصد.
كريم حليم عالم متورع ... عفيف صبور كامل الوصف ذوود.
أعاطية من كأس المحبة شربة ... يزيد ظماها كلما زيد في الورد.
له خلق زاك أمد بنظره ... من الملك الديان سامي السما الفرد.
كأخلاق زاكي الأصل والفرع أحمد ... له محتد يسمو إلى قمة المجد.
هو البحر إلا أنه غير جازر ... هو البدر إلا أنه كامل القد.
تراه إذا أم العفاة فناءه ... يكمهم مبا فيها من النقد.
ومن طارد ثم التليد جميعة ... فيوسعهم سيباً وحسبك من رفد.
فلا زال طول الدهر يسمو ويرتقي ... إلى رتبة من دونها أنجم السعد.
وختم كلامي بالصلاة على الذي ... هو السبب الداعي إلى مهيع الرشد.
стр. 231
قال الشرواني أيضاً: قلت مكاتباً السيد الفاضل الرباني يوسف إبراهيم الأمير الكوكباني بجدة المحمية:
تذكرت من حالت عن الود والعهد ... ففاضت دموع العين شوقاً على خدي.
خليلي مر بالتي من بعدها ... أقضي الليالي بالتفكير والسهد.
وقولا لها طال اجتنابك عن فتى ... غدا بك صباً لا يعيد ولا بيدي.
فجودي بما يشفيه من ألم الهوى ... وينجو به من قادح الشوق والوجد.
عسى ترحم الصب المعنى بزورة ... يفوز بها بعد القطيعة والبعد.
رعى الله أياماً تقضت بقربها ... وليلات أفراح خلت في ربي نجد.
بها كنت في روض الرفاهة مارحاً ... فولت وآلت لا تعود إلى أهلي.
نعم هكذا الأيام تمضي وعودها ... محال فمالي لا أميل إلى الزهد.
وحسبك يا قلبي حبيباً موافق ... أمين وفي لا يخونك في الود.
كمثل أخي المجد المؤثل يوسف ... أمين المعالي كوكب الفضل والرشد.
شريف عفيف أريحي مهذب ... مناقبه جلت عن الحصر والحد.
به أشرقت شمس المعارف والهدى ... على فلك العلا مذ كان في المهد.
جدير بأن يسمو على كل فضائل ... حري بذا المدح المنظم كالعقد.
فلا زلت بالعم المكرم هادياً ... لأهل النقى والفضل يا خير من يهدي.
وأزكى صلاة الله ماذر شارق ... وما حن مشتاق وما أن ذو وجد.
يخص بها الهادي الشفيع محمد ... آل له والصحب ذو الفضل والمجد.
فأجابه (يوسف الكوكباني) لافص فوه:
تهادت إلى سوحي وزارت بلا وعد ... ومنت لتطفي من فؤادي لظى الوجد.
وجادت على رغم الرقيب بوصلها ... فداوت عليل الشوق من ألم الصد.
رشيقة قد تخجل الغصن والنقا ... فوا خجلة الأأغصان من مائس القد.
منعمة من لحظها السحري والظبا ... فما سحر هاروت وما الصارم الهندي.
حمت روض خديها صوارم لحظها ... فما حامت الآمال حول حمي الخد.
ويقولون أن الخمر بين شفاهها ... وأين وذا في الذوق أحلى من الشهد.
وقد حال دون الرشف عقرب صدغها ... وقام بلال الخال يحمي جنى الورد.
هم زعموا أن الثنايا لآلى ... وشتان ما بين المقاصد والعقد.
وكم مغرم من شدة الوجد والهوى ... تشاوره الأحزان في القرب والبعد.
يعاني قامات الغصون تسليا ... ويستحسن الرمان شوقاً إلى الهند.
ولكنني في شرعة الحب واحد ... سأبعث في أهل الهوى أمة وحدي.
تحير فكري بين صبح جبينها ... وإشراق شمس الفرق في الفاحم الجعد.
ومهما دجا ليل الذوائب لاح من ... سنا ثغرها برق إلى حسنها يهدي.
فلم أرض تشبيه الحبيب بغيره ... ولا نظم خدن الفضل بالجوهر الفرد.
بليغ أتاني منه معجز أحمد ... ومن يبدي بالفضل مستوجب الجهد.
خدين المعالي واحد العصر له ... محامد أدناها يحل عن العد.
لك الله قد حيرتني في مهامه ... البلاغة فاعذرني إذا حرت عن قصدي.
وأني قد أصبحت في دار غربة ... وفارقت أوطاني وأهلي وذا ودي.
وألهي عن الشعر الشعير ولم أكن ... لأحسن ما يحلو من النظم في النقد.
فلفقت لا أني أجاريك ناظماً ... كلامي على أن اتكالي على الود
فعذراً وستراً للقصور ودمت في ... نعيم بلا حصر ونعمى بلا حد
ولبعضهم:
يستوجب الصفح في الدنيا ثمانية ... لا لوم في واحد منهم إذا صفعا
المستخف بسلطان له خطر ... وداخل الدار تطفيلا بلا دعا
ومنذ أمره في غير منزله ... وجالس مجلساً عن غيره ارتفعا
ومتحف بحديث غير سامعه ... داخل في حديث أثنين مندفعا
وطالب الفضل ممن لا خلاق له ... ومبتغي الود من أعدائه طمعا
وللحريري صاحب المقامات:
جزيت من اعلق به وده ... جزاء من يبني على أسه
وكلت للخل كما كال لي ... على وفاء الكيل أو بخسه
ولم أخسره وشر الورى ... من يومه أخسر من أمسه
وكل من يطلب عندي جنى ... فا له إلا جنى غرسه
لا أبتغي الغبن ولا انثني ... بصفقة المغبون في حسه
ولست بالموجب حقاً لمن ... لا يوجب الحق على نفسه
стр. 232
ورب مذاق الهوى خالني ... أصدقه الود على لبسه
وما درى من جهله أنني ... أقضي غريم الدين من جنسه
فاهجر من استغباك هجر القلى ... وهبه في المحمود في رمسه
والبس لمن في وصله لبسة ... ملبس من يرغب أن أنسه
ولا ترجى الود ممن يرى ... أنك محتاج على فله
وللأمير قابوس:
قل للذي بصروف الدهر عيرنا ... هل حارب الدهر إلا من له خطر
أما ترى البحر تعلو فوقه جيف ... وتستقر بأقصى قعره الدرر
فإن تكن عبثت أيدي الزمان بنا ... ونالنا من تمادي بؤسه ضرر
ففي السماء نجوم لا عداد لها ... وليس بكشف إلا الشمس والقمر
وكم على الأرض من خضراء مورقة ... وليس يرجى إلا ما له ثمر
مرثية
عبد الله باشا فكري ولحفني بك ناصف يرثي المرحوم عبد الله باشا فكري وهي من غرر المراثي:
ليدع المدعون العلم ولأدب ... فقد تغيبا عبد الله واحتجبا
ولينتسب أدعياء الفضل كيف قضت ... آراؤهم إذ قضى من يحفظ النسبا
وليفخر اليوم قوم باليراع ولا ... خوف عليهم فمن يخشونه ذهبا
وليرق من يشاء أعواد المنابر إذ ... مات الذي يتقيه كل من خطبا
لو عاش لم يطرق الأسماع ذكرهم ... في طلعة الشمس من ذا يبصر الشهبا
فليس من شاء بالإنشاء لا عجب ... مضى الذي كان من آياته عجبا
طود من الفضل من بعد الرسوخ هوى ... وكوكب بعد أن أبدى الهدى غربا
وخضرم غاض لما فاض ذاخره ... وضامر أدراك الغابات ثم كبا
وشامخ من مباني العلم قوضه ... صرف الزمان فأمسى بالهوى هبا
وجنة عصفت ريح المنون بها ... وظافر ظفر البلوى به نشبا
وما للعلى أنشق في آفاقها قمر ... وهول ساعتها ما باله أقترب
فهل عرا الكون خطب غير منتظر ... يستغرب الأمر من لا يعرف السببا
أجل لقد مات عبد الله واأسفا ... وأوحشت مصر مني فوا حربا
فكل نفس لمنعاها شكت وبكت ... وكل فكرٍ بفكرى ماج واضطربا
قضى الحياة ونصر الحق ديدنة ... لا ينثني رغباً عنه ول رهبا
ل كان رأينا صفوه كدرا ... بفقده وانثنت راحاته تعبا
سارت جنازته والعلم في جزع ... والفضل يندبه في ضمن من ندبا
ولعبد الله فكري المذكور يخاطب أبنه:
إذا نام غرٌّ في دجى الخطب فاسهر ... وقوم للعوالي والمعالي وشمر
وخل أحاديث الأماني فأنها ... علالة نفس العاجز المتحير
وسارع على ما رمت ما دمت قادراً ... عليه فإن لم تبصر النجح فاصبر
ولا تأتي أمراً ولا ترجي تمامه ... ولا مورداً ما لم تجد حسن مصدر
واكثر من الشورى فإنك لا تصب ... تجد مادحاًَ أو تخطئ الرأي تعذر
ولا تستشر في الأمر غير مجرب ... لأمثاله أو حازم متصبر
ولا تبغي رأياً من خؤون مخادع ... ولا جاهل غر قليل التدبير
فمن تبع في الخط خدعة خائن ... يعض بنان النادم المتحسر
ومن يتبع في أمره رأي جاهل ... يقده على أمر من الغي منكر
كمن يهتدي من جوف ظلماء داجر ... باكمه في نور الضحى غير مبصر
وكم نصوح أبصر الخلف فأثنى ... يبيع الهدى بالغي غير مفكر
ولا تصغ في ود الصديق لكاذب ... نموم فإن يعرض لك الشك فاخبره
ولا تغتر تندم ولا تك طامعاً ... تذل ولا تحقر سواك فتحقر
وعود مقال الصدق نفسك وأرضه ... تصدق ولا تركن على قول مفتر
ودع عنك إسراف العطا ولا يكن ... لكفيك في الأنفاق امسك مقتر
ألا إن أوساط الأمور خيارها ... مقال نبي عن هدى الله مخبر
والأم هذا المال مال تصبه ... بظلم وتعطيه عطاء المبذر
وأكرمه مالاً أصيب بحقه ... وأنفق في نهج من الحق نير
وأشقى الورى من باع أحره ضلة ... بدنيا سواه فهو للغبن مشتر
وخير عباد الله أنفعهم لهم ... كما جاء في قول النذير المبشر
فكن راغباً ما عشت وانتصب ... لنفع الورى ما استطعت والشر فاحذر
ولا تقف زلات الرجال تعدها ... فلست على هذا الورى بمسيطر
стр. 233
ولا تتعرض لاعتراض عليهم ... دع الخلاق للخلاق تساء وتؤجر
شعر
أحمد الهاشمي المصري وهو مؤلف كتاب (جواهر الآداب) معارضاً لامية الطغرائي، وقال:
عليك بالصبر والأخلاق في العمل ... ولازم الخير في حل ومرتحل
ولازم الشر وأعلم أن صاحبه ... لا بد يجزاه في سهل وفي جبل
واثبات ثبات الرواسي الشامخات ولا ... تركن على الفشل في ساعة الوهل
وكن كرضوى لما يعروك من نوب ... ولا تكن جازعاً في الحادث الجلل
وأصبر على مضض الأيام محتملاً ... ففيه قرب لباب النجح والأمل
تأن متئداً فيما تروم ولا ... تعجل وان خلق الإنسان من عجل
لا تطلب العز في دار ولدت بها ... (فالعز عند رسيم الأنيق الذلل)
شمر وجد لأمر أنت طالبه ... إذ لا تنال المعالي قط بالكسل
وأحذر مساوي أخلاق تشان بها ... وأسوء السوء سوء الخلق والبخل
واخفض جناحك للمولي وجدّ ونل ... ما أسمج الكبر والإمساك بالرجل
لا تسأل الندل واقصد ماجداً حدبا ... (في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل)
نور بلقياك من تلقى نواظره ... ولا تكن كالقذى في الأعين النجل
ولا تجادل جهولاً ليس يفهم ما ... تقول فالشر كل الشر في الجدل
ولا تكن للنزول الخطب مضطراً ... (في حادث الدهر ما يغني عن الحيل)
الجود أحسن ما أوليت من خلق ... والعفو أنفى لداء الضغن والدخل
والحلم ملح فساد المر يصلحه ... والبذل خير فاعل الماجد البطل
لا تقتحم غمرات البحر مرتكباً ... (وأنت يكفيك منها مصة الوشل)
ولا تعاشر سوى حر أخا ثقة ... (وأربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل)
ولا نتخدع لصديق يدع ملقاً ... فحاذر الناس واصحبهم على دخل
لا تأمنن أحداً وأحذر مكائدهم ... وظن شراً وكن منهم على وجل
ولا تغرنك الدنيا بزهرتها ... (فهل سمعت بظل غير متنقل)
إن الغني غني النفس في كرم ... بالطبع ل باقتناء الشاة والبل
إن الصنيعة للأنذال تفسدهم ... (كما تضر رياح الود بالجعل)
مرارة النصح تحلو لي مضاضدتها ... (وربما صحت الأجسام بالعلل)
دع التكلف لا يحديك منفعة ... (ليس التكحل في العين كالكحل)
أرى الرعاء رعاء الشاء في ترف ... في أخفض العيش بين الخيل والخول
وسادة العصر قد ألقو مقالدها ... على الطغاة شرار الناس والسفل
تكموا في قضايا الناس واحتكموا ... وحكموا كل ذي جهل أخي خبل
من كل غر جهول لا يرى رشداً ... كباقل مثلاً في الغي والخطل
تعساً لشر زمان ظل طوعاً ... يد اللئام يسقيهم علاَّ على نهل
تسطو الكلاب على أسد الشرى سفها ... والباز الأشهب يخشى صولة الحجل
والقرد يضحك على نمر علي هزوء ... والكلب يوعد ليس الغيل بالغسل
نال المرام علوج لاخلق لهم ... فوق المؤمل من شب ومكتهل
أملى لهم دهرهم فاستهملوا أبدً ... مرخى لهم في مروج العيش والطول
شر العصور زمان يستمد به ... خب لئيم غداً في الشر كالثمل
لا يعلم الرشد من غي وليس له ... سوى الشرارة في قول وفي عمل
يشكوا الطوى كل ذي فضل وذي أدب ... وسوقة الناس في خفض وفي جذل
ناهيك من غمة غماء ما سمعت ... بمثلها أذن في الأعصر الأول
أشد بها أزمة الله يفرجها ... (ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل)
مالي وللبلد الحمقاء أسكنها ... مساكناً لذوي خرق أولي حيل
وليس لي فيها ناقة ولا جمل ... وليس لي ثم من ثور ولا حمل
لا يستقيم وفاق لي بمثلهم ... (وهل يطابق معوج بمعتدل)
قد ذقتم وبلوت الحال عندهم ... فما حصلت على صاب ولا عسل
ليسوا كراماً ولكن من مكارمهم ... (ما بالكرائم من جبن ولا بخل)
إني ابتليت باخلاق فوصلهم ... وعد ومطل وإرجاء على مذل
لا يفعلون إذ قالوا قد بعدت ... (مسافة الخلف بين القول والعمل)
(أضحت مواعيد عرقوب لهم مثلاً) ... وما مواعيدهم إلا على دخل
стр. 234
أخلاقهم صاح إنجاز لموعدهم ... إذ كان موعدهم كذب من الخجل
أشكو الزمان وأهليه وأمقتهم ... إذ سوء أفعالهم أوفى على القلل
علم بلا علم حكم بلا حكم ... ظلم على عجل وعد على مهل
الإفك والزور والبهتان عنهم ... والسعي بالأرض بالإفساد والخلل
الكذب مستحسن والصدق عندهم ... مستهجن من صفات العاجز الوكل
أهنى الطعام لحوم الناس عندهم ... والنم فيما لديهم شربة العسل
نكث العهود سجاياهم ودأبهم ... خلف الوعد ومن ذا أسوء العمل
يا دهر مالك والأحرار تقهرهم ... تذل كل كريم الأصل مقتبل
حتى متى يازمان السوء تفعل ما ... تشيب فيه النواصي غير محتفل
تؤخر الفاعل المرفوع تخفضه ... مقدماً لمفاعيل على بدل
وساق الجيش قد أصبحت مقدمة ... مثل التليل غداً في أخر الكفل
فلست أحفظ في ذا الدهر من أسف ... أطال أيام عمري أم دنا أجلي
كيف التبصر في ناري هوى وجوى ... وفي الحسنك جرح غير مندمل
فقد فقدت الآلى كانت ببهجتهم ... نور النواظر في الأحداق والمقل
لم أكتحل بقرار بعدما ارتحلوا ... ولا ابتغيت لهم من الناس بدل
لم يبقي لي الدهر بعد البين من جلد ... ما أستطيع به توديع مرتحل
ولا من الفمض ما أقري الخيال به ... ولا من الدمع ما أبكي على طلل
قلبي على لهب والجسم في نصب ... والروح في وصب واللب في ذهل
حسبي لي الغرام حليفاً والجوى أبداً ... منادماً وسميراً غير منفصل
خذها محبرة غيداء غانية ... أتت على عجل كالقابس العجل
جاءت من الهاشمي لا تبتغي مهراًج ... من خاطب لبنات النظم في عطل
وله أيضاً: المرء يعرف بالأنام بفعله=وفعائل الحر الكريم كأصله
لا تستغيب فتستغاب فربما ... من قال شيئاً قيل فيه بمثله
وتجنب الفحشاء لا تنطق بها ... ما دمت في جد الكلام وهزله
وأحذر مناوأة الحكيم وسبه ... حبل المهيمن أخذ في حبله
يرميك عن قوس القلى سهم الدها ... هيهات تسلم من أصابه نبله
كم سيد متفضل قد سبه ... من لا يساوي طعنة من نعله
وإذا أستغاب أخو الجهالة عالماً ... كان الدليل على غزارة جهله
فالبحر تعلو فوقه جيف الفلا ... والدر منحط بأسفل رمله
أهل المظالم لا تعن تبلى بهم ... فالمرء يحصد زرعه من حقله
أرأيت عصفوراً يحارب باشقاً ... إلا لخفته وقلة عقله
واحرص على التقوى وكن متأدباً ... وارغب عن القول القبيح وبطله
واستصحب العلم الشريف تجارة ... واعمل بمفروض الكتاب ونفله
إياك زور القول تلقى أثمهُ ... والزور شاهده يبوء بذله
وإذا شهدت الشهر صمه وأعتصم ... بالصبر من هجر الطعام وفضله
لا تقطع الصلوات في أوقاتها ... يسود قلبك كالظلام وسدله
وإذا خدمت لحاكم فأصبر على ... أخلاقه وأشكر سياسة عدله
لا تعصه وتخنه وأحفظ سره ... وعليك في صدق الكلام ونقله
وأعلم بأن الموت تحت لسانه ... لا تأمن الثعبان لدغة صله
وتجنب الرجل الغوي فأنه ... لا يتقي رب السماء بفعله
يغوي بطيب سلامه وكلامه ... وإذا سطا فهو الحسام بصقله
وأجف الدني وإن تقرب إنه ... يؤذيك كالكلب العقور لأهله
واحذر معاشرة السفيه فأنه ... يؤذي العشير بحمقه وبشكله
وإذا حوتك مجالس فاصمت بها ... وإذا نطقت فلا تكن بممله
واسمح بمالك ولا تكن متباخلاً ... فالعيب بالإنسان شدة بخله
وصية .
ابن شداد.
ومن وصية أبن شداد لأبنه عليك بتقوى الله العظيم، ولكن أولي الأمور شكر الله، وحسن النية في السر والعلانية، فإن الشكور يزداد، والتقوى خير زاد ولكن كما قال الحطيئة:
ولست أرى السعادة جمع مال ... ولكن التقي هو السعيد.
وتقوى الله خير الزاد ذخراً ... عند الله لاتقى مزيد.
стр. 235
ثم قال: أي بني لا تزهدن في معروف، فإن الدهر ذو صرف، والأيام ذات نوائب على الشاهد والغائب، فكم من راغب كان مرغوباً إليه، أصبح مطلوباً ما لديه، وأعلم أن الزمان ذو ألوان، ومن يصحب الزمان يرى الهوان. ثم قال: أي بني، كن جواداً بالمال في موضع الحق، بخيلاً بالأسرار عن الخلق، فإن احمد جواد المرء الإنفاق في الوجه والبر، وإن أحمد بخل المرء الضن بمكتوم السر. ولكن كما قال قيس بن الخطيم:
أجود بكمنون التلاد وإنني ... بسرك عمن سألني لضنين.
إذا جاوز الإثنين سر فإنه ... ينث ويكثر الحديث قمين.
وعندي له يوماً إذا ما أتمنتي ... مكان بسوداء الفؤاد مكين.
أي بني: إن سمعت كلمة من حاسد فكن كأنك لست بالشاهد، فإنك إن أمضيتها حيالها رجع الغيب على من قالها وكان يقال: العاقل هو الفطن المتغافل.
ترجمة .
الحسن البصري.
كتب عمر بن عبد العزيز ﵀ ورضي عنه، لما ولي الخلافة على الحسن بن أبي حسن البصري ﵀: أن أكتب لي بوصية الإمام العادل فكتب إليه الحسن: اعلم يا أمير المؤمنين إن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل، وقصد كل حائر، وصلح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف، والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله، الرفيق الذي يرتاد لها أطيب المرعى، ويذودها عن مراتع الهلكة، ويحميها من السباع، ويكنقها من إذ الحر والقر، والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالأب الحاني على ولده يسعى لهم صغاراً ويعلمهم كباراً، يكسب لهم في حياته ويدخر لهم بعد وفاته، والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة والبرة، الرفيقة بولدها، حملتها كرهاً ووضعته كرهاً، وربته طفلاً، تسهر بسهره، وتسكن بسكونه، وترضعه تارةً وتفطمه أخرى، وتفرح بعافيته، وتغتنم شكايته. والإمام العادل يا أمير المؤمنين وصي اليتامى. وخازن المساكين، يربي صغيرهم، ويمون كبيرهم. والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوانح، تصلح الجوارح بصلاحة، وتفسد بفساده. والإمام العادل يا أمير المؤمنين هو القائم بين الله وبين عباده، يسمع كلام الله ويسمعهم، وينظر على الله ويريهم، وينقاد إلى الله. فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله كعبد أأتمنه سيده، واستحفظه ماله وعياله، فبدد ماله وشرد العيال، فأفقر أهله، وفرق ماله. واعلم يا أمير المؤمنين إن الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفوائش، فكيف إذا أتاه من يليها؟ وإن الله أنزل القصائص حياة لعباده، فكيف إذا قتلهم من يقتص منهم. وأذكر يا أمير المؤمنين. الموت وما بعده، وقله أشياعك عنده وأنصارك عليه، فتزود له ولما بعده من الفزع الأكبر، واعلم يا أمير المؤمنين إن لك منزلاً غير منزلك الذي أنت فيه يطول فيه ثوابك، ويفرق أحبائك، ويسلمونك في قعره وحيداً فريداً، فتزود له ما يصلحك (يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه) ، وأذكر يا أمير المؤمنين (إذا بعثر ما في القبور، وأحصل ما في الصدور) ، فالأسرار ظاهرةً، والكتاب (لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) . فالآن يا أمير المؤمنين وأنت في مهل قبل حلول الآجل وانقطاع الأمل، لا تحكم يا أمير المؤمنين في عباد الله في حكم الجاهلين ولا تسلك سبيل الظالمين، ولا تسلط المستكبرين على المستضعفين فإن (لا يرقبون في مؤمن إلا ولا زمة) فتبوء بأوزارك وأوزار مع أوزارك، وتحمل أثقالك وأثقال فوق أثقالك ولا يغرنك الذين يتنعمون بما فيه بؤسك، ويأكلون الطيبات في دنياهم بذهاب طيباتك في آخرتك، ولا تنظر إلى قدرتك اليوم، ولكن أنظر إلى قدرتك غداً وأنت مأسور في حبائل الموت، والموت موقوف بين يد الله، في مجمع ملائكته والنبيين والمرسلين، وقد عنت الوجوه بالحي القيوم. إني يا أمير المؤمنين إن لم أبلغ بعظمة ما بلغ أو لو النهى من قبلي فلم آلك شفقة ونصحاً فأنزل كتابي إليك كمداوي حبيبه ويسقيه الأدوية الكريهة لما يرجوه من ذلك في العافية والصحة.
والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
ولما ذكرت هذه النصيحة للحسن ﵀ أحببت أن أذكر ترجمة ونموذجاً من كلامه.
стр. 236
هو أبو سعيد الحسن أبي حسن البصري من التابعين، ولد بالمدينة، لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن أبي الخطاب ﵁، وأمه اسمها خيرة، وكانت موالاة لأم سلمى زوج النبي ﷺ ، فكانت تعطيه ثديها إذا اشتغلت أمه عنه، فدر ثديها له باللبن، فأظهر الله تعالى بركة ذلك اللبن عليه، وأبوه مولى لامرأة من الأنصار. وكان أحسن الناس لفظاً، وأبلغهم عظاً، وكان زاهداً عالماً مقدماً في العلم والدين وعلى نظرائه من التابعين، وكان الحجاج له معظماًُ ومتعجباً من فصاحته، ولم ينفك عن مجلسي وعظ، وتدريس علم أن مات رحمة الله تعالى.
قال أبو عمر وبن العلا: وما رأيت قط أو عظ ولا افصح من الحسن البصري.
قال أبو أيوب السختياني: ما سمع أحد كلام الحسن إلا ثقل عليه كلام الرجل. وقال الشعبي: ما رأيت مثل الحسن بين العلماء إلا مثل الفرس العربي بين المقارف، وما شهدما مشهداً إلا برز علينا بعلمه وفضله.
وقال الله، وقلنا موافقة للموالاة.
وكان يقول: جدود هذه النفوس، فإنها سريعة الدثور، واقرعوها فأنها طامحا، وإنكم إن لم تقرعوها تنزع بكم إلى شر غاية. قال الشعبي: قدمنا إلى الحجاج في البصرة في جماعة من قراء الشام والعراق، في يوم طائف شديد الحر، وهو في أخر ثلاث أبيات، وقد أرسل فيه الثلج، والحجاج قاعد على سريره، وعنبسة بن سعيد إلى جنبه، ودخل الحسن أخر من دخل فقال الحجاج: مرحباً بأبي سعيد، وطاطاً له رأسه وإعظاماً وتلطفاً به. حتى جلس وجاءت جارية بدهن ما شممت مثل رائحته، فوضعته على رأس الحسن وحده فقال له الحجاج: يا أبا سعيد، مالي أراك منهوك الجسم؟ لعل ذلك من قال نفقة أو سوء ولاية، ألا نأمر لك بنفقة توسع بها على نفسك، وخادم لطيف يخدمك فقال الحسن: أني من الله لفي سعة ونعمة وعافية ولكن الكبر والحر، فأقبل الحجاج على عنبسه فقال: لا والله بل العلم بالله والزهد في ما نحن فيه. فلم يسمعها الحسن وسمعتها أنا القربي بن عنبسة، وجعل الحجاج يسأله حتى ذكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، فنال منه الحجاج، ونلنا منه مرضاة له وفرقاً من شره، والحسن عاض على إبهامه فقال الحجاج: مالي أراك ساكتاً يا أبا سعيد فقاتل: وما عسى أن أقول. قال: أخبرنا برأيك في أبي تراب قال: إن سمعت اله يقول: (وما جعلنا القبلة التي أنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبته وإن كانت الكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم) .
فعلي ممن هدى الله، ومن أهل الأيمان، وأبن عمي النبي ﷺ وختنه على ابنته، أحب الناس إليه، وصاحب سوابق مباركات، لا تستطيع أنت ولا من حضر أن يحظرها عليه، ولا يحول بيني وبينا فتغير وجه الحجاج وقال منغضباً على سريره ودخل بيتاً خلفه، وخرجنا فأخذت بيد الحسن فقلت: يا أبا سعيد، أغضبت الأمير وأوغرت صدره فقال: إليك عني يا عامر، ألست شيطاناً من الشياطين إذا توافقه على رأيه؟ ألا صدقت إذاً سئلت، أو سكت فسلمت. فقلت: قلتها والله وأنا أعلم بما فيه. قال الحسن: ذلك أشد في الحجة عليك، وأعظم للتبعة. فلم نمكث إلا قليل حتى خرجت التحف والطرف من الحجاج للحسن، واستخف بنا الحجاج، فكان أهلاً لما اتى إليه، وكنا أهلاً لما أتى إلينا. توفي ﵀ سنة عشر ومائة، وله تسعون سنة مات في رجب ليلة الجمعة قال عبد لواحد بن زايد: رأيت ليلة مات الحسن ﵀ في المنام، كأن أبواب السماء مفتحة، كأن الملائكة صفوف، فقلت: إن هذا الأمر عظيم فقال لي قائلاً: إن الحسن البصري قد قدم على الله وهو عنه راضي، وسمع بعض أصحابه في منامه ليلة مات كأنه منادياً ينادي في السماء يقول (إن الله اصطفى أدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) واصطفى الحسن على أهل زمانه ﵀ ورضي الله عنه وأرضاه.
ترجمة الشعبي .
стр. 237
حيث ذكرت ترجمة الحسن ﵀ بدا لي أن أذكر ترجمة الشعبي رحمه الله تعالى. هو عامر بن عبد الله بن شراحيل بن عبيد بن شعب همدان من حمير، فمن كان منهم باليمن فهو حميري، يقال: شعباني، ومن كان في العراق فهو همداني ويقال له: شعبي. ولد ﵀ لست سنين من خلافة عمر بن الخطاب ﵁. سمع علي بن أبي طالب ﵁ والحسن والحسين وجماعة من صحابة رضوان الله عليهم أجمعين. وهو كوفي وبه يضرب المثل في حفظ، ويقال: أحفظ من شعبي، قال الزهري ﵀: العلماء أربع: سعيد بن المسيب بالمدينة، وعامر الشعبي بالكوفة، والحسن البصري في البصرة، ومكحول بالشام.
قال أبن شبرمة: سمعت الشعبي يقول: ما كتبت سوداء في بيضاء. إلى يومي هذا، ول حدثني رجل قط حديثاً إلا حفظته، ولا أحببت أن يعيده علي. قال الشعبي لأصحابه: ما أروي أقل من الشعر، ولو شئت لأنشدتكم شهراً لا أعيد.
وكان ﵀ فقيهاً عالماً أديباً، وكتب عبد الملك إلى الحجاج: إن بعث لي رجل يصلح للدين والدنيا أتخذه سميراً وجليساً وبعث غليه بالشعبي، فلما دخل عليه وجده مغتماً فقال له: ما بال أمير المؤمنين قال: ذكرت قول زهير:
كأني وقد جاوزت تسعين حجة ... خلعت بها عني عذار لجامي.
رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى ... فكيف بمن يرمي وليس برامي.
فلو أنني أرمي بنيل رميتها ... لكنني أرمي بغير سهام.
على الراحتين تاراً وعلى العصا ... أنوء ثلاثاً بعهدهن قيامي.
قال الشعبي أليس كذلك يا أمير المؤمنين، ولكن كما قال لبيد بن ربيعة ﵁: كأني قدجاوزت سبعين حجة=خلعت بها عن منكبي ردائياً.
فلما بلغ سبعاً وسبعين قال:
باتت تبكي إلى موتي مجهشة ... وقد حملتك سبعاً بعد سبعيناً.
فإن تراخت ثلاثاً تبلغي أملي ... وفي الثلاث وفاء للثمانينا. ً
فلما بلغ التسعين قال:
ولقد سئمت من الحياة طولها ... وسؤال هذا الناس كيف لبيد.
وعنيت ستاً قبل مجرى داحس ... لو كان للنفس اللجوج جلود.
فلما بلغ عشرين ومئة قال:
أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا تحني عليها الأصابع.
أخبر أخبار القرون التي مضت ... أقوم كأني كلما قمت راكعاً.
فلما بلغ الثلاثين ومئة حضرته الوفاة فقال:
تمنى أبنتاي أن يعيش أبوهما ... وهل أنا لا من ربيعة أو مضر.
وقولاً هو المرء بالذي أنا أهله ... ولا تخمشا خداً ولا تحلقا شعر.
وقولاً هو المرء الذي لا يصدقه ... أضاع ولا دخان الخليل ولا غدر.
إلى الحول ثم أسم السلام عليكما ... ومن يبك حولاً كاملاً فقد أعتذر.
قال الشعبي: فلقد رأيت السرور في وجه عبد الملك طمعاً أن يعيشها، ووجهه عبد الملك إلى مالك الروم في بعض الأمور، فلما قدم عليه وروى وذكائه وجودة ذهنه أستكبره وجل في عينه فقال له: من بيت أهل الملك أنت، قال: لا فلما أراد الرجوع إلى عبد الملك أعطاه رقعة لطيفة وقال له: إذا بلغت صاحبك جميع ما يحتاج إلى معرفته من ناحيتنا فادفع إليه هذه الرقعة، فلما رجع إلى عبد الملك ذكر له ما أحتاج إلى ذكره ونهض، فلما خرج ذكر الرقعة فرجع فقال: يا أمير المؤمنين أنه حلمي إليك رقعة أنسيتها، ثم دفعها إليه، فلما قرأها أمر برده فقال: أعلنت ما في الرقعة؟ قال: لا. قال: إن فيها: عجبت من العرب كيف ملكوا غير هذا. أفتدري لما كتب إلي بهذه قال: حسدني إليك فأراد أن يغريني بقتلك. قال الشعبي: لو رآك يا أمير المؤمنين ما استكبرني، فبلغ ذلك أمير الروم فقال: لله أبوك ولله ما أردت إلا ذلك.
وكان الشعبي قد خرج مع عبد الرحمن الأشعث، فلما قتل أبن الأشعث أتي به الحجاج أسيراً فقال له: وأنت يا شعبي ممن خرج علينا، فقال: أصلح الله الأمير، أحزن بنا المنزل، وأجدب بنا الجناب، واستحلسنا الخوف، وضاق المسلك، وخبتطنا فتنة لم نكن فيها بررة أولياء، ولا فجرة أقوياء، فقال الحجاج: لله أبوك صدقت، والله ما برمتم بخروجكم علينا ولا قويتم، خلو سبيله.
ودخل الشعبي الحمام فرأى داود الأودي بلا أزار فغمض عينيه فقال له داود: متى ذهب بصرك يا أبا عمرو؟ فقال مذهتك الله سترك. ومات رحمه سنة ١٠٤ أربع ومئة وهو أبن اثنين وثمانين سنة رحمه الله تعالى.
стр. 238
وقد وافقت على أبيات رائقة في مداح مطالعة في كتب العلم والأدب، فأحببت إثباتها هنا. فمنها قول بعضهم وهي من املح ما أنشد في هذا المعنى.
إذا ما خلوت من المؤنسين ... جعلت المؤانس لي دفتيري.
فلما أخل من الشعر محسن ... ومن عالم صالح منذر.
ومن حكم بين أثائها ... فؤاد للناظر المفكر.
وإن ضاق صدري بأسراره ... وأودعته السر لم يظهر.
وإن صرح الشعر باسم الحبيب ... لم أحتشمهُ ولم أحصر.
وإن عدت من ضجر بالهجا ... وسب الخليفة لم أحذر.
ونادمت غيه كريم المغيب ... لندمانه طيب المحضر.
فلست أرى مؤنساً ما حييت ... عليه نديماً إلى المحشر.
أبيات رائقة.
ولبعضهم في المعنى:
وإذا ما خلا الناس في دورهم ... بخمر سلاف وخود كعاب.
وآنسهم في ظلام الليالي ... لغير الندامى وروه السحاب.
خلوت وصحبي كتبت العلوم ... وبيت العروس ببيت الكتاب.
ودرس العلوم شراب العقول ... فدوروا علي بذاك الشراب.
وما يجمع المرء في دهره ... سوى العلم يجمعه للتراب.
ولعلي بن الجهم في المعنى:
سمير إذا جالسته كان مسلياً ... فؤادك فما فيه من ألم الوجد.
يفيدك علماً أو يزيدك حكمة ... وغير حسود أو مصر على حقد.
ويحفظ ما استودعته غير غافل ... ولا خائن عهد على قدم عهد.
زمان ربيع في الزمان بأسره ... يبيحك روضاً غير ذاو ولا جعد.
ينور أحياناً بورد بدائع ... أخص وأولي بالنفوس من الورد.
ولبعضهم أيضاً في المعنى ذكرها ياقوت الحموي في رسالته:
إذا الليل ما بيتني بجيش ... طليعته اغتنام واغتراب.
شننت عليه من جهتي كميناً ... أميره الزبالة والكتاب.
وبت أنص من شيم الليالي ... عجائب من حقائقها ارتياب.
بها أجلوا همومي مستريحاً ... إذا جلى همومهم الشراب.
ولبعضهم في المعنى وأحسن:
لنا جلساء لا نملُّ حديثهم ... ألباءُ محمودون غيب ومشهد.
يفيدوننا من علمهم علم ما مضى ... ورأياً وآدباً وعقلاً مسددا.
فلا فتنة نخشى ولا سوء عشرة ... ولا نتقي منهم لساناً ولا يدا.
فإن قلت: أموات فما أنت كاذب ... وإن قلت: أحياء فلست منفدا.
ولقد أحسن شاعر نجد وأديبها في هذا العصر، وهو محمد ابن عبد الله عثيمين حفظه الله بقوله في المعنى: وهي من جملة قصيدة أذكرها إن شاء الله في هذا الجلد في اختيار من شعره:
جعلت سميري حين عز مسامري ... دفاتر أملتها القرون السوالف.
فطوراً أناجي كل حبر موفق ... إذا ما دعا لبت نداه المعارف.
وطوراً كأني مع زهير وجرول ... وطوراً تناجيني ملوك غطارف.
قال الطرطوشي في (سراج الملوك) : وإن كان الناطقون قد وصفوا فجودوا وقالوا فابلغوا، فقلد قصروا، كيف لا والكتاب نعم الجليس في ساعة الوحدة، ونعم المعرفة في بلاد الغربة، ونعم القرين والدخيل، ونعم الوزير والنزيل، وعاء مليء علماً، وظرف حشا ظرفاً، وحبذا بستان يحمل في ردن وروضة تتقلب في حجرة، هل سمعت بشجر تؤتي أكلها كل ساعة بألوان مختلفة وطعوم متباينة؟ وهل سمعت بشجرة لا تذوى وزهر لا يتوى، وثمر لا يفنى؟ ومن جليس يفيدك الشيء وخلافه، والجنس ضده، ينطق عن الموتى، ويترجم عن الأحياء وأكتم من الأرض، وأنم من الريح وألهى من الهوى، وأخدع من المنى، وأمتع من الضحى، وأنطق من سبحان وائل، وأعيا من باقل، يزيدك ولا يستزيدك، إن جد فيسر، وإن مزح فنزهه، قيد العلوم، وينبوع الحكمة، وسلوى الكرام ومؤنس لا ينام، يفيدك علم الأولين، ويخبرك عن الكثير من أنباء الآخرين، لا يرزاك شيئاً من دنياك، نعم العون والعدة، جليس لا يضرك، ورفيق لا يملك، يطيعك بالليل طاعته بالنهار، ويطيعك في السفر طاعته في الحضر، إن أدمت النظر إليه أطال إمتاعك، وشحذ طباعك، وبسط لسانك وفخم ألفاظك، إن ألفته خلد على الأيام ذكراك، وأن درسته رفع في الخلق قدرك، وإن حملته نوع عندهم باسمك، يقعد العبيد مقاعد السادة، ويجلس السوقة مجالس الملوك، فأكرم به من صاحب وأعزز بع من مرافق.
وأنشد أبن حزم لبعض الأدباء:
стр. 239
إن صحبنا الملوك تاهو علينا ... واستبدوا بالرأي دون الجليس.
أو صحبنا التجار عدنا إلى الفقر ... وصرنا إلى حساب الفلوس.
فلزمنا البيوت نتخذ الحبر ... ونملأ به وجوه الطروس.
لو تركنا وذاك كنا ظفرنا ... من أمانينا بعلق نفيس.
غير أن الزمان أعني بنيته ... حسدونا على حياة النفوس.
وأنشد غيره:
أنست إلى التفرد طول عمري ... فمالي بالبرية من أنيس.
جعلت محادثي ونديمي نفسي ... وأنسي دفتري بدل العروس.
قد استغنيت عن فرسي برجلي ... إذا سافرت أو نعل كبوس.
ولي عرس جديد كل يوم ... بطرح الهم في أمر العروس.
فبطني سفرتي والخرج جسمي ... وهمياني فمي أبداً وكيسي.
وبيتي حيث يدركني مسائي ... وأهلي كل ذي عقل نفيس.
وأذكر إن شاء الله في هذا الفصل نبذا مستظرفة، تشتمل على آداب ومكارم الأخلاق، فمن ذلك: ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: ثلاث لا يعرفون إلا في ثلاث، لا يعرف الشجاع إلا في الحرب، ولا الحليم إلا عند الغضب، ولا الصديق إلا عند الحاجة.
قال عبد الله بن معاوية:
أنى أن يمون أخاً أو ذا محافظة ... من كنت في غيبه مستشعراً وجلا.
إذا تعيبت لم يبرح تظن به ... سوءاً وتسأل عم قال أو فعلا.
لغيره:
سأشكر عمرواً إذا ما تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن أن هي جلت.
ففي غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر شكوى إذا النعل زلت.
رأى خلتي من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلت.
وللأبيرد الرياحي:
فتى لا يعدل المال ربا ولا ترى ... به جفوة إن نال مالاً ولا كبر.
فتى كان يعطي السيف بالحرب حقه ... إذا ثوب الداعي وتشقى به الجزر.
وهون وجدي إني سوف أغتدي ... على إثره يوماً وإن نفس العمر.
فلا يبعدك الله أما تركتنا ... حميداً وأودى بعدك المجد والفخر.
وقال رجل من بني أسد بن خزيمة يمدح يحيى بن حيان:
ألا جعل الله اليمانين كلهم ... فدى لفتى الفتيان يحيى بن حيان.
ولا عريق في من عصبته ... لقلت وألفت من معد بن عدنان.
ولكن نفسي لم تطلب بعشرتي ... وطابت له نفسي بأبناء قحطان.
ولأبن أبي عينية المهلبي:
سيكون ما هو كائن في وقتهلما رأيت قاعداً مستثقلاً ... أيقنت أنك للهموم قرين.
فارفض لها وتعر من أثوابها ... إن كان عندك للقضاء يقين.
مالاً يكون فلا يكون بحيلة ... أبداً وما هو كائن سيكون.
سيكون ما هو كائن في وقته ... وأخو الجهالة متعب محزون.
ولمحمود الوراق:
يا ناظراً يرنو يعيني راقد ... ومشاهداً للأمر غير شاهد.
منتك نفسك ضلة وأبحتها ... طرق الرجاء وهن غير قواصد.
تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي ... درك الجنان بها وفوز عابد.
ونسيت أن الله أخرج آدما ... منها إلى الدنيا بذنب واحد.
قال ابو العباس المبرد ﵀: حدثني العباس بن الفرج قال: كان عمرو بن العاص ﵁ يركب بغلة قد شمط وجهها من الهرم، فقيل له: أتركب هذه وأنت على أكبر باخرة بمصر.
فقال: لا ملك عندي لدابتي، ما حملت رحلي ولا لامرأتي ما أحسنت عشرتي، ولا لصديق ما حفظ سري، إن الملل من كواذب الأخلاق (قوله: أرم ناخرة يعني أكرم فرس) .
كتاب .
من عبد الملك لأبن الأشعث.
قال أبو العباس: كتب صاحب اليمن إلى عبد الملك بن مروان في وقت محاربته لأبن الأشعث: إني قد وجهت لأمير المؤمنين بجارية قد اشتريتها بمال عظيم، ولم يرى مثلها، فلما وصلت إليه وأدخلت عليه، رأى وجهها جميلاً، وخلقها نبيلاً، فألقى إليها قضيباً كان في يده، فنكست لتأخذه، فرأى منها جسماً بهره، فلما هم بها أعلمه الآذن أن رسول الحجاج بالباب، فأذن له ونحى الجارية، فأعطاه كتاباً من عبد الحمن بن الأشعث فيه سطور أربعة:
سائل مجاور جرم هل جنيت لها ... حرباً تزيل بين الجيرة الخلط.
وهل سموت بجواد له لجب ... جم الصواهل بين الجم والفرط.
وهل تركت نساء الحي ضاحية ... في ساحة الدار يستوقدون بالغبط.
стр. 240
قتل الملوك وسار تحت لوائه ... شجر العرى وعراعر الأقوام.
قال: وكتب عبد الملك كتاباً، وجعل في طيه جواباً لأبن الأشعث يقول فيه:
فما بال من أسعى لأجبر عظمه ... حفاظاً وينوي خمن سفاهته كسري.
أظن خطوب الدهر بيني وبينهم ... ستحملها مني على مركب وعر.
وإني وإياهم كمن نبه القطا ... ولو لم تنبه بات الطير لا تسري.
أناة وحلماً وانتظارا بهم غدا ... فما أنا بالواني ولا الضرع الغمر.
ثم بات يقلب كف الجارية ويقول: ما أفدت فائدة أحب إلي منك قالت: فما بالك يا أمير المؤمنين، وما يمنعك؟ قال: ما قاله عدو الله الأخطل. لأني إن جزت منه كنا ألأم العرب:
قوم إذا حاربوا شدوا مأزرهم ... عن النساء لو باتت بأطهار.
فما إليك سبيل. أو يحكم الله بيني وبين أبن الأشعث. فلم يقربها حتى قتل أبن الأشعث.
قال أبو العباس: لما قتل عبد الرحمن أبن الأشعث، وجهة الحجاج برأسه إلى عبد الملك بن مروان مع عرار بن شاس الأسدي، وكان أسود دميما، فلما ورد به عليه جعل عبد الملك لا يسأله عن شيء إلا أنبأه به عرار فأفصح لفظ وأشبع قول وأجزل اختصار فأشفته من الخبر، وعبد الملك لا يعرفه، وقد اقتحمته عينه حين رآه.
فقال عبد الملك متماثلاً:
أرادت عراراً بالهوان ومن يرد ... عراراً لعمري بالهوان فقد ظلم.
وإن عراراً أن يكن غير واضح ... فإني أحب الجون ذا المنكب العمم.
فقال عراراً: أتعرفني يا أمير المؤمنين قال: أنا والله عرار. فسر بذلك عبد الملك وأجزل جائزته.
فصل في العفو عن الإخوان، والأعضاء عن هفواتهم .
قال الحسن بن وهب: من حقوق ة المودة أخذ عفو الإخوان، الأعضاء عن تقصير أن كان، وقيل: خير الإخوان من إذا نسيت ذنبك لم يقرعك به، ومن معروفه عندك لم يمن به عليك.
وأشد الربيعي للشافعي ﵀:
أحب إلى الإخوان كل مواتي ... وكل غضيض الطرف عن هفواتي.
يوافقني في كل أمر أريده ... ويحفظني حياً وبعد مماتي.
فمن لي بهذا ليت أني وجدته ... فقاسمته مالي من الحسنات.
تصفحت إخواني فكان أقلهم ... على كثرة الإخوان أقل ثقاتي.
وحكى الأصمعي عن بعض الأعراب أنه قال: تناسى مساوئ الإخوان يدم لك ودمهم، وأوصى بعض الأدباء أخا له، فقال: كن للود حافظاً، لان لم تجد حافظاً، وللخل واصلاً إن لم تجد مواصلاً.
وقال رجل من أياد يخاطب يزيد بن المهلب:
إذا لم تجاوز عن أخ عند زلة ... فلست غداً عند زلتي متجاوزا.
وكيف يرجيك البعيد لنفعه ... إذا كان عن مولاك خير عاجزا.
ظلمت أخاً كلفته فوق وسعه ... وهل كانت الأخلاق إلا غرائز.
وحكي أن أبنة عبد الله بن مطيع كانت عند طلحة بن عبد الرحمن الزهري وكان أجود قريش في زمانه فقالت له ذات يوم: ما رأيت ألأم من أصحابك، قال: ولمه؟ قلت: أراهم إذ أيسرت لزموك، وإذا أعسرت تركوك، قال: هذا والله من كرمهم، يأتوننا في حال القوة بنا عليهم، ويتركوننا في حال الضعف بنا عنهم. فانظر كيف تأول بكرمه حتى جعل قبح فعلهم حسنا، وظاهر غدرهم وفاء، وهذا محض الكرام، ولباب الفضل، وبمثل هذا يلزم أهل الفضل أن يتأولوا الهفوات من إخوانهم وأنشد ثعلب:
إذا أنت لم تستقبل الأمر لم تجد ... بكفيك من أدباره متعلقا.
وإن أنت لم تترك أخاك وزلة ... إذا زلها أوشكتما أن تفرقا.
وقال الآخر:
إذا ما بدا من صاحب لك زلة ... فكن أنت محتالاً لزلته عذرا.
أحب الفتى ينهي الفواحش سمعه ... كأن به عن كل فاحشة وقرا.
سليم دواعي الصبر لا باسطاً أذى ... ولا مانعاً خيراً ولا قائلاً هجرا.
ولأبن الرومي:
فاكثر من الإخوان ما استطعت إنهم ... بطون إذا استنجدتهم وظهور.
وليس كثير ألف خل وصاحب ... وإن عدواً واحداً لكثير.
وللشافعي:
لما عفوت ولم أحقد على أحد ... أرحت نفسي من هم العداوات.
إني أحي عدوي عند رؤيته ... لأقطع الشر عني بالتحيات.
وأظهر البشر للإنسان فابغضه ... كأنه قد حشا قلبي مسرات.
وللتنوخي:
ألقى العدو بوجه لا قطوب به ... يكاد يقطر من ماء البشاشات.
стр. 241
فأحزم الناس من يلقى أعاديه ... في جسم حقد وثوب من مودات.
الرفق يمن وخير القول أصدقه ... وكثرة المزح مفتاح العداوات.
قال شبيب بن شبة الأديب: العاقل هو الفطن المتغافل.
قال ابن مسعود: كنافي مجلس الرضي شكا رجل من أخ له فأنشد الرضي:
أعذر أخاك على ذنوبه ... واستر وغط على عيوبه.
وأصبر على بهت السفيه ... وللزمان على خطوبه.
ودع الجواب تفضلاً ... وكل الظلوم إلى حسيبه.
واعلم بأن الحلم عند ... الغيظ أحسن من ركوبه.
ومن قول الخليل بن أحمد ﵀:
سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب ... إن كثرت إلي منه الجرائم.
فما الناس إلا واحد من ثلاثة ... شريف ومشروف ومثل مقام.
فأما الذي فوقي فأعرف قدره ... واتبع فيه الحق والحق لازم.
وأما الذي دوني فأحلم دائماً ... أصون به عرضي وإن لام لائم.
وأما الذي مثلي فإن زل أو هفا ... تفضلت إن الفضل بالفخر حاكم.
فصل في الصبر والتأني .
قال بعضهم:
تصبر ففي اللأواء قد يحمد الصبر ... ولو صورف الدهر لم يعرف الحر.
وإن الذي أبلى هو العون فانتدب ... جيل الرضى يبقى لك الذكر والأجر.
وثق بالذي اعطى ولا تك جازعاً ... فليس بحزم أن يروعك الضر.
فلا نعم تبقى ولا نقم ولا ... يدم كلا الحالين عسر ولا يسر.
تقلب هذا الأمر ليس بدائم ... لديه منم الأيام حلو ولا مر.
غيره:
إصبر على مضض الادلاج في السحر ... وفي الرواح إلى الطاعات والبكر.
إني رأيت وفي الأيام تجربة ... للصبر علقبة محمودة الأثر.
وقل من جد في أمر يحاولهُ ... واستصحب الظفر إلا فاز بالظفر.
غيره:
إن الأمور إذا اشتدت مسالكها ... فالصبر يفتح كل باب مرتجا.
لا تيأسن وإن طالت مطالبه ... إذا استعنت بصبر إن ترى فرجا.
غيره:
عليك بإظهار التجلد للعدى ... ولا تظهرن الذبول فتحقرا.
ألم تنظر الريحان يشمم ناضراً ... ويطرح في البيدا إذا ما تغيرا.
غيره: صبراً على نوب الزمان=وإن ابى القلب الجريح.
فكل شيء أخر ... إما جميل أو قبيح.
غيره:
الدهر أدبني والصبر رباني ... والقوت اقنعني واليأس أغناني.
وحنكتي من الأيام تجربة ... حتى نهيت الذي قد كان ينهاني.
غيره:
إذا ما أتاك الدهر يوماً بنكبة ... فأفرغ لها صبراً وأوسع لها صدراً.
فإن تصاريف الزمان عجيبة ... فيرماً ترى يسراً ويوماً يرى عسرا.
غيره:
ما أحسن الصبر في الدنيا وأجمله ... عند الاله وأنجاه من الجزع.
من شد بالصبر كفاً عند مؤلمة ... ألوت يداه بحبل غير منقطع.
غيره:
على قدر فضل المرء تأتي خطوبه ... ويحمد منه الصبر مما يصيبه.
فمن قل فيما يتقيه اصطباره ... فقد قل فيما يرتجيه نصيبه.
غيره:
ترد رداء الصبر عند النوائب ... تنل من جميل الصبر حسن العواقب.
وكن حافظاً للوالدين وناصراً ... لجارك ذي التقوى وأهل الأقارب.
اصبر قليل فبعد العسر تيسير ... وكل وقت له أمر وتدبير.
وللمهيمن في أحوالنا نظر ... وفوق تدبيرنا لله تدبير.
غيره:
أصبر ففي الصبر خير لو علمت به ... لكنت باركت شكراً صاحب النعم.
واعلم بأنك إن لم تصطبر كرماً ... صبرت قهراً على ما حط بالقلم.
غيره:
كن حليماً بليت بغيظ ... وصبوراً إذا أتتك مصيبة.
فالليالي من الزمان حبالي ... مثقلات يلدن كل عجيبه.
غيره:
تصبر أيها العبد اللبيب ... لعلك بعد صبرك ما تخيب
وكل الحادثات إذا تناهت ... يكون ورائها فرج قريب
غيره:
أيا صاحبي إن رمت أن تكسب العلى ... وترقى على العلياء غير مذاح
عليك بحسن الصبر في كل حالة ... فما صابر فيما يروم بنادم
غيره:
بنا الله للأخير بيتاً سماؤه ... هموم وأحزان وحيطانه الضر
وأدخلهم فيه وأغلق بابه ... وقال لهم مفتاح بابكم الصبر
غيره:
стр. 242
إصبر قليلاً وكن بالله معتصماً ... لا تعجلن فإن العجز بالعجل
الصبر مثل أسمه في كل نائبة ... لكن عواقبه أحلى من العسل
غيره:
شكى ألم الفراق الناس قبلي ... وروع بالنوى حي وميت
فإما مثل ما ضمت ضلوعي ... فإني ما سمعت ولا رأيت
وما أشكو تلون أهل ودي ... ولو أجدت شكيتهم شكوت
مللت عتابهم يئست منهم ... فما أرجوهم فيمن رجوت
إذا أدمت قوارضهم فؤادي ... صبرت على أذاهم وانطويت
ورحت إليهم طلق المحيا ... كأني ما سمعت وما رأيت
ولا والله ما أضمرت غدراً ... كما قد أظهروه وما نويت
ويوم الحشر موعدنا وتبدوا ... صحيفة ما جنوه وما جنيت
ويروى أن أبا عمرو بن العلاء، كان يقرأ قوله تعالى: (إلا من أغترف غرفة بيده) بالفتح فأحضره الحجاج، وقال: ما حجتك في قراءتها بالفتح؟ قال: أمهلني أيها الأمير. قال: أمهلتك شهراً، فإن لم تأتني بحجة ضربت عنقك، فوكل من به يسير معه في أحياء العرب فلم يجد حجة إلا أن كمل الشهر، فرده الموكلون به على الحجاج، فلما كان في أثناء الطريق إذ إعرابي يسوق إبلاً له وينشد:
صبر النفس عند كل ملم ... إن في الصبر حيلة المحتال
لا تضيقن بالأمور فقد تكشف ... غماؤها بغير احتيال
ربما تجزع النفوس من الأمر ... له فرجة كحل العقال
فقال له أبو عمرو: ما وجه الفتح في فرجة؟ فقال: كلما أتى على وزن فعلة فلنا فيه ثلاث لغات، ففرح أبو عمرو بوجود الحجة لقراءته ثم قال للإعرابي: ما سبب إنشادك هذه الأبيات؟ قال: أنه قد بلغنا نعي الحجاج، وكنا متخوفين منه، فقال أبو عمرو: والله ما أدري بأيتهما أفرح، بموت الحجاج، أم بوجود الحجة على قراءتي ومذهبي؟!
فصل في فضل العلم .
قال بعضهم:
العلم أشرف شيء ناله رجل ... من لم يكن فيه علماً لم يكن رجلاً
تعلم العلم وأعمل يا أخي به ... فالعلم زين لمن بالعلم قد عملا
غيره:
العلم مبلغ قوم ذروة الشرف ... وصاحب العلم محظوظ من التلف
يا صاحب العلم مهلاً لا تدنسه ... بالموبقات فما للعلم من خلف
العلم يرفع بيتاً لا عماد له ... والجهل يهدم بيت العز والشرف
غيره:
لو كان نور العلم يدرك بالمنى ... منا كان يبقى في البرية جاهلا
أجهد ولا تكسل ولا تك غافلا ... فندامة العقبى لمن يتكاسل
غيره:
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... وأجسادهم قبل القبور قبور
وإن إمرءاً لم يحيى بالعلم قلبه ... فليس له حتى النشور نشور
غيره:
يا ساعي وطلاب المال همته ... إني أراك ضعيف العقل والدين
عليك بالعلم لا تطلب له بدلاً ... وأعلم بأنك في غيره مغبون
العلم يجدي ويبقى للفتى أبدا ... والمال يفنى وإن أجدى على حين
هذاك ذل وذا عز لصاحبه ... ما زال بالبعد بين العز والهول
الحض على العلم
غيره:
العلم يغرس كل فضل فاجتهد ... أن لا يفوتك من فضل ذلك المغرس
وأعلم بأن العلم ليس يناله ... من همه في مطعم أو ملبس
إلا أخو العلم الذي يزهو به ... في حالتيه عارياً أو مكتسي
فاجعل لنفسك منه حظاً وافرا ... واهجر له طيب الرقاد وعبس
فلعل يوماً إن حضرت بمجلس ... كنت الرئيس فخر ذلك المجلس
فصل في الأدب والعلم والحض على الاتصاف به:
كن أبن من شئت واكتسب أدباً ... يغنيك محموده عن النسب
إن الفتى من يقول ها أنا ذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي
غيره:
لكل شيء زينة في الورى ... وزينة المرء تمام الأدب
قد يشرف المرء بأدبه ... فينا وإن كان وضيع النسب
غيره:
أعود بنيك على الأدب في الصغر ... كيما تقر بهم عيناك في الكبر
فإنما مثل الأدب تجمعها ... في عنفوان الصبا كالنقش في الحجر
هي الكنوز التي تنمو ذخائرها ... ولا يخاف عليها حادث الغير
إن الأديب إذا زلت به قدم ... يهوى على فرش الديباج والسرر
ولبعضهم:
لا يعجبنك أثواب على رجل ... دع عنك أثوابه وأنظر على الأدب
стр. 243
فالعود لو لم تفح منه روائحه ... لم يفرق بين العود والحطب
غيره:
قد ينفع الأدب الأحداث من صغر ... وليس ينفع بعد الشيبة الأدب
إن الغصون إذ قومتها اعتدلت ... ولن يلين إذا قومته الخشب
ذم الكذب وقبحه:
عليك بالصدق ولو أنه ... أحرق الصدق بنار الوعيد
ص٧٥٣ غيره:
عليك بالصدق في كل الأمور ولا ... تكذب فأقبح ما يذري بك الكذب
غيره:
ما أحسن الصدق ي الدنيا لقائله ... وأقبح الكذب عند الله والناس
غيره:
لي حيلة فيمن ين ... م وليس في الكذب حيلة
من يخلق مل يقو ... ل فحيلتي فيه قليل
غيره:
نعم نعم إن النمام ذو ضرر ... لكنما الكاذب الجاني أشد ضرر
أخو النميمة إن يسمع ينم ومن ... يكذب يقل ما يشاء قولاً بغير أثر
لذاك لي حيلة فيمن ينم وما ... لي حيلة في كذوب ملء فيه شرر
غيره:
لي حيلة فيمن ينم لأنني ... أطوي حديثي دونه وخطابي
لكنما الكذاب يخلق قوله ... ما حيلتي في المفتري الكذاب
غيره:
لا يكذب المرء إلا من مهانته ... أو فعلة السوء أو من قلة الأدب
لبعض جيفة كلب خير رائحة ... من كذبة المرء في جد وفي لعب
غيره:
إذ عرف الإنسان بالكذب لم يزل ... لدى الناس كذاباً وإن كان صادقاً
فإن قال لم تصغ له جلساؤه ... ولم يسمعوا منه وإن كان ناطقاً
مدح التواضع في قول بعضهم:
تواضع لرب العرش علك ترفع ... فما خاب عبد للمهيمن يضع
وداو بذكر الله قلبك أنه ... لأشفى إلى داء القلوب وأنفع
غيره:
تواضع تكن كالنجم لاح لناظر ... على صفحات الماء وهو رفيع
ولا تك كالدخان يرفع نفسه ... إلى طبقات الجو وهو وضيع
غيره:
إن شئت أن تزداد قدراً ورفعة ... فلن وتواضع واترك الكبر والعجبا
غيره:
تواضع إذا ما نلت من الناس رفعة ... فإن رفيع القوم من يتواضع
غيره:
تواضع إذا ما كان قدرك عالياً ... فإن أتضاع المرء من شيم العقل
الحض على حفظ السر في قول بعضهم:
ولست بمبدل للرجال سريرتي ... وما أنا عن أسرارهم بسؤال
ولا أنا يوماً للحديث سمعته ... إلى ههنا من ههنا بنقول
لبعضهم:
لا يكتم السر إلا ذي ثقة ... والسر عند خيار الناس مكتوم
فالسر عندي في بيت له غلق ... ضاعت مفاتيحه والباب مختوم
غيره:
صن السر عن كل مستخبر ... وحاذر فما الحزم إلا الحذر
أسيرك سرك إن صنته ... وأنت أسير له إن ظهر
غيره:
كل علم ليس في القرطاس ضاع ... لك سر جاوز الاثنين شاع
غيره:
إذا لم يكن في الورى صاحب ... وفيه ثلاث صال حميدة
وفاء وسر وحفظ الولي ... فصحبته قط ليست مفيدة
غيره:
عليك بكتم السر في كل حالة ... فقد جاء في الأخبار ألف حجة
إذا دخل اثنان الحديث فسره ... يشيع وصمت المرء أعظم حكمة
ومن قول بعضهم في حفظ اللسان والتزام الصمت:
لا يعجبنك من خطيب خطبة ... حتى يكون مع الكلام أصيلاً
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا
غيره:
يصاب الفتى من عثرة في لسانه ... وليس يصاب المرء من عثرة الرجل
فعثرته في القول تذهب برأسه ... وعثرته بالرجل تبري على مهل
غيره:
أحفظ لسانك أيها الإنسان ... لا يلدغنك أنه ثعبان
في كم المقابر من قتيل لسانه ... كانت تهاب لقاءه الشجعان
غيره:
الصمت زينةُ والسكوت لامة ... فإذا نطقت فلا تكون مكثارا
فإذا ندمت على سكوتك مرة ... فلتندمن على الكلام مرار
غيره:
إن القليل من الكلام بأهله ... حسن وإن كثيره ممقوت
مازل ذو صكت وما من مكثر ... إلا يزل وما يعاب صموت
إن كان ينطق ناطق من فضة ... فالصمت در زانه الياقوت
غيره:
أحفظ لسانك واستعذ من شره ... إن اللسان هو العدو الكاشح
وزن الكلام إذا نطقت بمجلس ... فإذا استواك فهناك حلمك راحج
стр. 244
فالصمت من سعد السعود بمطلع ... تحيا به والنطق سعد ذابح
غيره:
عود لسانك قول الخير تنج به ... من زلة اللفظ لا من زلة القدم
واحفظ لسانك من خل تنادمه ... إن النديم لمشتق من ندم
وزن الكلام إذا نطقت بمجلس ... فإذا استوى فهناك حلمك راجح
فالصمت من سعد السعود بمطلع ... تحيا به والنطق سعد ذابح
غيره:
عود لسانك قول الخير تنج به ... من زلة اللفظ لا من زلة القدم
واحفظ لسانك من خل تنادمه ... إن النديم لمشتق من الندم
غيره:
سجن اللسان هو السلامة للفتى ... من كل نازلة لها استئصال
إن اللسان إذا حللت عقاله ... ألقاك في شنعاء ليس تقال
ومن قول بعضهم في المعاشرة واختيار الصاحب: قال الشافعي محمد بن إدريس الإمام المولود سنة ١٥٠ المتوفى سنة ٢٠٤ رحمه الله تعالى:
إذا الخل لم يرعاك إلا تكلفا ... فدعه ولا تكثر عليه التأسفا
ففي الناس إبدال وفي الترك راحة ... وفي القلب صبر للحبيب إذا جفا
فما كل من تهواه يهواك قلبه ... ولاكل من صافيته لك قد صفا
إذا لم يكن صفو الوداد طبيعة ... فلا خير في ود يحي متكلفا
ولا خير في خل يخون خليله ... ويلقاه من بعد المودة بالجفا
وينكر عيشاً قد تقدم عيشه ... ويظهر سراً كان بالأمس قد خفى
سلام عبى الدنيا إذا لم يكن بها ... صديق صدوق صادق الوعد منصفا
غيره:
صاف الكرام فخير من صافيته ... من كان ذا أدب وكان ظريفا
واحذر مؤاخاة الئيم فإنه ... يبدي القبيح وينكر المعروفا
إن الكريم وإن تضعضع حاله ... فالخلق منه لا يزال شريفاً
والناس مثل دراهم قلبتها ... فأصبحت منها فضة وزيوفا
غيره:
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه ... فاصبر بعين منك أمراً فيعتمد
ولن يصحب الانسان إلا نظيره ... وإن لم يكونا من قبيل ولا بلد
وما الغني إلا أن تصاحب غاوياً ... وما الرشد إلا أن تصاحب مرتشد
غيره:
أخو الفسق لا يغرك منه تودد ... فكل حبال الفاسقين مهين
وصاحب إذا ما كنت يوماً مصاحب ... أخا ثقة بالغيب منك أمين
غيره:
اجعل قرينك من رضيت فعاله ... واحذر مقارنة الئيم الشائن
كم من قرين شائن لقرينه ... ومهجن منه لكل محاسن
غيره:
وعينك إن أبدت إليك مساوياً ... من الناس قل ياعين للناس أعين
وعاسر بمعروف وكن متودداً ... ولا تلق إلا بالتي هي أحسن
مدح القناعة والاستغناء عن الناس
لبعضهم:
وأكل كسيرة في كسر بيتي ... أخب إلي من أكل الرغيف
ولبس عباء وتقر عيني ... أحب إلي من لبس الشفوف
غيره:
هي القناعة فالزمها تعش ملكا ... لو لم يكن منك إلا راحة البدن
وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها ... هل راح منها بغير القطن والكفن؟
غيره:
قنعت بالقوت من زماني ... وصنت نفسي عن الهوان
خوفاًمن الناس أن يقولوا ... فضل فلان على فلان
من كنت عن ماله غنياً ... فلا أبالي إذا جفاني
ومن رآني بعين نقص ... رأيته بالذي يراني
ومن رآني بعين تمٍ=رأيته كامل المعاني غيره:
إذا المرء عوفي في جسمه ... وملكه الله قلباً قنوعا
وألقى المطامع عن نفسه ... فذاك الغني ولو مات جوعا
أبيات في مدح القناعة
النفس تجزع أن تكون فقيرة ... والفقر خير من غنىً يطغيها
وغنى النفوس هو الكف فإن أبت ... فجميع ما في الأرض لا يكفيها
وذو القناعة راض من معيشته ... وصاحب الحرص ان أثرى فغضبان
كفى من العيش ما سد من رمق ... ففيه للحر ان حققت غنيان
ان القنوع نفيس النفس راشدها ... وهو الغني الذي يحيى بلا نصب
وذو المطامع مغموم ومفتقر ... ولو حوى الملك سلطان وعلم نبي
أفادتني القناعة كل عز ... وهل عز أعزمن القناعة
ولقد طلبت رضى البرية جاهداً ... فإذا رضاهم غاية لا تدرك
وأرى القناعة كنزاًله ... والبر أفضل ما به يتمسك
ذم الحسد
قال بعضهم:
стр. 245
تخلق الناس بالأدناس واعتمدوا ... من الصفات الدها والمكر والحسدا
كرهت منظرهم من سوء مخبرهم ... فقد تعاميت حتى لا أرى أحدا
وللمتنبي:
وأظلم أهل الظلم من بات حاسداً ... لمن بات في نعمائه يتقلب
وغيره:
اصبرعلى كيدالحسود ... فإن صبرك قاتله
كالنار تأكل نفسها ... إن لم تجد ما تأكله
وغيره:
دع الحسود وما يلقاه من كمد ... يكفيك منه لهيب النار في كبده
إن لمت ذا حسد نفست كربته ... وإن سكت فقد عذبته بيده
وغيره:
أيا حاسداً لي على نعمة ... أتدري على نمن اسأت الأدب
نقمت على الله في حكمه ... لأنك لم ترض ي ما وهب
وغيره:
يا طالب العيش في أمن وفي دعة ... رغداً بلا قتر صفواً بلا رنق
خلص فؤادك من غل ومن حسد ... فالغلّفي القلب مثل الغل في العنق
وغيره:
إن شئت قتل الحاسدين تعمداً ... من غير مادية عليك ولا قود
وبغير سم قاتل وصوارم ... وعقاب رب ليس يغفل عن أحد
عظم تجاه عيونهم محسودهم ... فتراهم موتى النفوس مع الجسد
ذوب المعادن باللظى لكنما ... ذوب الحسود بحر نيران الحسد
لم يبلغ الحساد أجالا لهم ... إذ أنهم سماهم موت الكمد
حد الزناة من الشريعة مدة ... وترى الحود بدائه أبدا يحد
غيره:
كفى الحسود عقاباً عن جريمه ... ما في جوارحه من جذوة الحسد
لا غر أن ذاب منه جسمه حسداً ... فإن ذا الداء يوهي صحة الجسد
مدح الحلم والتأني
قال بعضهم:
ألا أن حلم المرء أكرم نسبة ... تسامى بها عند الفخار حليم
فيارب هب لي منك حلماً فإنني ... أرى الحلم لم يندم عليه كريم
وغيره:
أحب مكارم الأخلاق جهدي ... وأكره أن أعيب وأن أعاب
واصفح عن سباب الناس حلماً ... وشر الناس من يهوى السبابا
ومن هاب الرجل تهيبوه ... ومن حقر الرجل فلن يهابا
وغيره:
لا خير في حلم إذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدر
ولا خير في الجهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدر
وغيره:
إن كنت محتاجاً إلى الحلم إنني ... إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج
ولي فرس للحلم بالحلم ملجم ... ولي فرس للجهل بالجهل مسرج
فمن شاء تقويمي فإني مقوم ... ومن شاء تعويجي فإني معوج
وما كنت أرضى الجهل خدناً وصاحباً ... ولكنني أرضى به حين أحرج
غيره:
إذا كنت بين الحلم والجهل ناشئاً ... وخيرت إن شئت فالحلم أفضل
ولكن إذا أنصف من ليس منصفاً ... ولم يرضى منك النصف فالجهل أمثل
إذا جاءني من يطلب الجهل عامداً ... فإني سأعطيه الذي جاء يسأل
ولم أعطيه إياه إلا لأنه ... وإن كان مكروهاً من الذل أجمل
مدح التغرب وذم القيام في الوطن على الذل
إذا البلاد تغيرت عن حالها ... فدع المقام وبادر التحويلا
ليس المقام عليك فرضاً واجباً ... في بلد تدع العزيز ذليلاً
غيره:
تنقل فلذات الهوى في التنقل ... ورد كل صاف لا تقف عند منهل
ولا تسمع قول امرء القيس إنه ... مضل ومن ذا يهتدي بمضل
ففي الأرض أحباب وفيها مناهل ... فلا تبكي ذكرى حبيب ومنزل
غيره:
تغرب عن الأوطان في طلب العلى ... وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفرج هم واكتساب معيشة ... وعلم وآداب وصحبة ماجد
وإن قيل في الأسفار ذل ومحنة ... وقطع الفيافي وارتكاب الشدائد
فموت الفتى خير له من حياته ... بدار هوان بين واشي وحاسد
ولبعضهم:
أرحل بنفسك عن الأرض تضام بها ... ولا تكن لفراق الأهل في حرق
من ذل بين أهاليه ببلدته ... فالاغتراب له من أحسن الخلق
الكحل نوعاً من الأحجار منطرحاً ... في أرضه كالثرى يرمي على الطرق
لما تغرب نال العز أجمعه ... وصار يحمل بين الجفن والحقد
وللإمام الشافعي ﵀:
ما في المقام لذي علم وذي أدب ... من راحة فدع الأوطان واغترب
стр. 246
سافر تجد عوضاً مما تصاحبه ... والضب فإن لذيذ العيش في النصب
إني رأيت وقوف الماء يفسده ... فإن جرى طاب وإن لم يجري لم يطب
والأسد لولا راق الغاب ما قنصت ... والسهم لولا فراق القوس لم يصب
والبدر لولا أفول منه ما نظرت ... إليه في كل حين عين مرتقب
والتبر كالتراب ملتقى في أماكنه ... والعود في أرضه نوعاً من الحطب
فإن تغرب هذا عز مطالبه ... وإن أقام فلا يعلى على رتب
وللحريري صاحب المقامات المولود سنة ٤٤١ المتوفي سنة ٥١٦:
أسمع أخي وصية من ناصح ... ما شاب محض النصح منه بغشه
لا تعجلن بقضية مبتوتتة ... في مدح من تبله أو خدشه
وقف القضية فيه حتى تجتلي ... وصفيه في حال رضاه بطشه
فهنام أن تر ما يشين فواره ... كرماً وإن تر ما يزين فأفشه
واعلم بأن التبر في عرق الثرى ... خاف إلى أن يستثار بنبشه
وفضيلة الدنيا يظهر سرها ... مكن حكة لا من ملاحة نقشه
ومن الفباوة أن تعظم جاهلاً ... لصقال ملبسه رونق رقشه
أو أن تهين مهذباً في نفسه ... لدروس بزته ورثة فرشه
وله أيضاً من مقامه له:
لا تقعدن على ضر ومسغبة ... لكي يقال عزيز النفس مصطبر
وانظر بعينيك هل ارض معطلة ... من النبات كأرض حفها الشجر
فعد عما تقول الأغبياء به ... فأي فضل لعود ما له ثمر
وارحل ركابك عن ربع ظمئت به ... إلى الجناب الذي يهمي به المطر
واستنزل الري من در السحاب فإنه ... بلت يداك به فليهنك الظفر
غيره:
وما طلب المعيشة بالتمني ... ولكن ألق دلوك في الدلا
يجيء بملئها طوراً وطوراً ... تجيء بحمأة وقليل ماء
ولا تقعد على كسل التمني ... تحيل على المقدر والقضاء
فإن مقادر الرحمن تجري ... بأرزاق العباد من السماء
مقدر بقبض أو ببسط ... وعجز المرء أسباب البلاء
? مدح الوفاء
قال بعضهم:
أجل للمرء من مجد الغنى شرفاً ... مجد الوفاء وتقوى الله والكرم
وأرفع الناس عند الله منزلة ... من لم يكن لحقوق الناس يهتضم
غيره:
إذا قلت في الشيء نعم فأتمه ... فإن نعم الدين على الحر واجب
وإلا فقل لا واسترح وأرح بها ... لئلا يقول الناس أنك كاذب
غيره:
لئن جمع الآفات فالبخل شرها ... وشر من البخل المواعيد والمطل
ولا خير في وعد إذا كان كاذباً ... ولا خير في قول إذا لم يكن فعل
غيره:
تعجب وأعدل المرء أكرومة ... تنشر عنه أطيب الذكر
والحر لا يمطل معروفه ... ولا يليق المطل بالحر
غيره:
ولقد وعدت وأنت أكرم واعد ... لا خير في وعد لغير تمام
أنعم علي بما وعدت تكرما ... فالمطل يذهب بهجة الأنعام
غيره:
إن الصديق والمقيم على الوفا ... في وقت ضنك العيش لا في رغد
أهل الصداقة في النحوس قلائل ... والكل أصحاب الفتى في سعده
ذم القدر
قال بعضهم:
لا أشتكي زمني هذا فأظلمه ... وإنما أشتكي من أهل ذا الزمن
هم الذئاب التي تحت الثياب فلا ... تكن إلى أحد منهم بمؤتمن
قد كان لي كنز صبر فافترقت إليك ... إنفاقه في مدارتي لهم ففني
غيره:
وإني بلوت الناس أطلب منهم ... أخا ثقة عند اعتراض الشدائد
فلم أر فيما ساءني من غير شامت ... ولم أر فيما سرني غير حاسد
غيره:
إلا إن أخواني الذين عاهدتهم ... أفاعي رمال لا تقصر في اللسع?
ظننت بهم خيراً فلما بلوتهم ... نزلت بواد منهم غير ذي زرع
? (ذم الغيبة) قال بعضهم:
?من نم في الناس لم تؤمن عقاربه ... على الصديق ولم تؤمن أفاعيه
كالسيل باليل لا يدري لي أحد ... من أين جاء ولا من أن يأتيه
الويل للعهد منه كيف ينقضه ... والويل للود منه كيف يفنيه
غيره:
يسعى إليك كما يسعى عليك فلا ... تأمن غوائل ذي وجهين كياد
غيره:
من يخبرك بشتم عن أخ ... فهو الشاتم لا من شتمك
стр. 247
ذاك شيء لم يواجهك به ... إنما اللوم على من أعلمك
غيره:
أن يعلموا الخير يخفوه ولو علموا ... شراً أذاعوا وإن لم يعلموا كذبوا
غيره:
قل للذي لست أدري من تلونه ... أناصح أم على غش يناجيني؟
إني لأكثر مما سمتني عجباً ... تسح وأخرى منك تأسيني
تغتابني عند أقوام وتمدحني ... في أخرين وكل عنك يأتيني
هذان شيئان قد نافيت بينهما ... فكفف لسانك عن شتمي وتزيني
غيره:
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحاً ... مني وما سمعوا من صالح دفنوا
صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
غيره:
وذو الوجهين يلقاني طليقاً ... وليس إذا تولى يأتليني
بصرت بعينه فصفحت عنه ... محافظة على عرضي وديني
غيره:
أنست بوحدتي ولزمت داريفطاب الأنس لي وصفا السرور
وأدبني الزمان فلا أباليهجرت فلا أزار ولا أزور
ولست بسائل ما دمت حياًأسار الجيش أم ركب الأمير؟
غيره:
نعيب زماننا والعيب فينا ... وما لزماننا عيب سوانا
ونهجو ذا الزمان بغير ذنب ... ولو نطق الزمان بنا هجانا
وليس الذئب يأكل لحم ذئب ... ويأكل بعضنا بعضاً عيانا
غيره:
سلامة الإنسان في وحدة ... وأنسه فيها وفي حرفته
غيره:
لقاء الناس ليس يفيد شيئاً ... سوى الهذيان من قيل وقال
فأقلل من لقاء الناس إلا ... لأخذ العلم أو لصلاح حال
غيره:
عاشر من الناس من تبقى مودته ... فأكثر الناس جمع غير مؤتلف
منهم صديق بلا قاف ومعرفة ... بغير فاءِ وإخوان بلا ألف
لبعضهم:
أرحت روحي من الإيناس بالناس ... لما غنيت عن الأَكياس بالياس
وصرت في البيت وحدي لا أرى أَحداً ... بنات فكري وكتبي هن جلاسي
مدح المداراة
قال بعضهم:
ودارهم ما دمت في دارهم ... وأرضهم ما دمت في أرضهم
غيره:
لا تعاد الناس في أوطانهم ... قلما يرعى غريب الوطن
وإذا ما شئت عيشاً بينهم ... خالق الناس بخلق حسن
غيره:
سليم العرض من حضر الجوابا ... ومن دارى الرجال فقد أصابا
ومن هاب الرجال تهيبوه ... ومن حقر الرجال فلن يهابا
غيره:
قلما تنفع المداراة إلا ... عند أهل الحفاظ والأحساب
من يدار اللئيم فهو كمن ... يستعمل الدر في نحور الكلاب
غيره:
تجنب عشير السوء وأصرم حباله ... فإن لم تجد منه محيصاً فداره
فلله في عرض السماوات جنة ... ولكنها محفوفةٌ بالمكاره
مدح المشاورة
شاور سواك إذا نابتك نائبة ... يوماً وإن كنت من أهل المشورات
فالعين تنظر منها مادنا ونأى ... ولا ترى نفسها إلا بمرآة
غيره:
خصائص من تشاوره ثلاث ... فخذ منها جميعاً بالوثيقة
وداد خالص ووفور عقل ... ومعرفة بحالك والحقيقة
فمن حصلت له هذي المعاني ... فتابع رأيه والزم طريقه
غيره: لا تستشر غير ندب حازم فطن=قد استوى منه إسرار وإعلان
فللتدابير فرسان إذا ركضوا ... فيها يرون كما للحرب فرسان
غيره: تأَن وشاور فإن الأمور=منها جلي ومستغمض
فرأيان أفضل من واحد ... ورأي الثلاثة لا ينقص
ذم السؤال
قال بعضهم:
ذل السؤال وذل الفقر ما اجتمعا ... إلا أضرا بماءِ الوحه والبدن
غيره:
بخلت وليس البخل مني سجية ... ولكن رأيت الفقر شر سبيل
لموت الفتى خير من الفقر للفتى ... وللموت خير من سؤال بخيل
فلا تسأَلن من كان يسأَل مرة ... فللموت خير من سؤال سؤول
غيره:
لنقل الصخر من قلل الجبال ... أحب إلي من منن الرجال
بلوت الناس قرناً بعد قرن ... فلم أر غير مختال بمال
وذقت مرارة الأشياءِ طراً ... فما طعم أمر من السؤال
ولم أر في الخطوب أشد هولاً ... وأصعب من معاداة الرجال
غيره:
لا تحسبن الموت موت البلى ... لكنما الموت سؤال الرجال
كلاهما موت ولكن ذا ... أشر من ذاك لذل السؤال
غيره:
стр. 248
النار أهون من ركوب العار ... والعار يدخل أهله في النار
والعار في رجل يبيت وجاره ... طاوي الحشا متمزق الأطمار
والعار في هضم الضعيف وظلمه ... وإمارة الأشرار في الأخيار
جاهد على طلب الحلال ولاتكن ... تفنيه بالإسراف والتبذار
إلا لأهلك أو لضيفك أو لمن ... يشكو إليك مضاضة الإعسار
غيره:
إذا أعوزتك أكف اللئام ... كفتك القناعة شبعاً وريا
فكن رجلاً رجله في الثرى ... وهامة همته في الثريا
فإن إراقة ماء الحياة ... دون إراقة ماء المحيا
الفخر بالأنساب والأحساب
قال أبو تمام:
نسبٌ كأن عليه من شمس الضحى ... نوراً ومن فلق الصباح عمودا
البحتري:
نسبٌ كما اطردت كعوب مثقف ... لدن يزيدك بسطه في الطول
الرضي:
لهم نسبٌ كاشتباك النجوم ... يرى للمناقب فيه ازدحاما
مهيار:
أعجب بي بين نادي قومها ... أم سعد فمضت تسأل بي
سرها ما علمت من خلقي ... فأرادت علمها ما حسبي
لا تخالي نسباً يخفضني ... أنا من يرضيك عند النسب
قومي استولو على الدهر فتىً ... ومضوا فوق رؤوس الحقب
عمموا بالشمس هاماتهم ... وبنوا أبياتهم في الشهب
وأبي كسرى على إيوانه ... أين في الناس أب مثل أبي؟
سودة الملك القدامى وعلى ... شرف الإسلام لي والأدب
قد قبست المجد من خير أب ... وقبست الدين من خر نبي
وضممت الفخر من أطراه ... سؤدد الفرس ودين العرب
وللسلامي في الشريف الرضي:
متناسبين وأنت كنت مرادهم ... ترددين إليك في الأصلاب
حتى ولدت فأغفلوا أنسابهم ... وغدا وجودك أشرف الأنساب
غيره:
حسب لو لبست شمس الضحى ... نوره ما لبست ثوب الغروب
برد فخر وعلى خير الورى ... بيد السؤدد مزرور الجيوب
والحسب: هو ما يعد من مفاخر الآباء والمال والدين والكرم أو الشرف في الفعل، والشرف الثابت في الآباء، وقد يكون احسب والكرم لمن لا آباء له شرفاً بخلاف المجد، والذي أراه أنه لا يكمل للمرء فخره بحسبه إلا إذا كان له من المآثر ما كان لآبائه.
وإلى ذلك يشير قول الشاعر:
إنا وإن أحسابنا كرمت ... لسنا على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا
أخذ قول الشاعر (أضاءت لهم أحسابهم إلى آخره) أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن المعروف بالحصري القيرواني، فنقله من الافتخار إلى الغزل فقال:
حتى إذا طاح منها المرط من دهش ... وأنحل بالضم نظم العقد في الظلم
تبسمت فأضاء الليل فالتقطت ... حبات منتثر في ضوء منتظم
قال أفلاطون الحكيم: من جمع إلى شرف أصله شرف نفسه، فقد قضى الحق الذي عليه، واستدعى التفضيل بالحجة، ومن أغفل نفسه واعتمد على شرف آبائه، فقد عقهم، واستحق بأن لا يقدم بهم على غيره، كما أن من كان له سلف في الشجاعة والسخاء لا يستحق أن يكرم لسلفه إذا كان جباناً بخيلا، وكذلك أنواع الشرف لا يستحق من انتس إليها التقديم إلا إذا حوى ما يذكر به اسلافه. وقال أيضاً: السعيد من تمت به رياسة آبائه، والشقي منهم من انقطعت عنده. قال بعض الحكماء: المرء بحسبه أكمل في الفخر إذا زاد بشرف نفسه ذكر آبائه نباهة، وقد أحسن مهيار في زيادة الابن على آبائه شرفاً، فقال:
وجئت بمعنى زائد فكأنهم ... وما صروا عن غاية المجد قصروا.
وقوله:
وجئت بمعنى زائد فكأنهم ... وما قصروا عن غاية المجد قصروا
وقوله:
زيدهم شرفا وبعضهم ... لأبيه مثل الواو في عمرو
وقوله أيضاً وهو من بدائعه ونوادره، وهو بالسحر أشبه بالشعر وذلك حيث يقول:
أن كنت ممن طواه الدهر ممترياً ... منهم فعندك من منشورهم خبر
هذا الحسين حياة خلدت لهم ... ما هم أول موتى بابنهم نثروا
صلى فزادت على الساق حلبته ... محلق العرف جار خطوه حضر
كالسهم أحرز ذكراً يوم ترسله ... لم يعطه أبوه القوس والوتر
صارة فضلت في الطيب طينتها ... والخمر أطيب شيء منه يعتصر
стр. 249
ولما وفد أبو نواس على الخطيب بمصر سأله عن نسبه، فقال له أغناني أدبي عن نسبي. وللمتنبي:
لا بقومي شرفت بل شرفوا بي ... وبمجدي فخرت لا بجدودي
وبهم فخر كل من نطق الضاد ... وعوذ الجاني وغوث الطريد
ولبعضهم:
وإني وإن كنت ابن سيد عامر ... وفارسها المشهور في كل موكب
فما سودتني عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسموا بأم ولا أب
ولكنني أحمي حماها وأتقي ... أذاها وأرمي من رماها بمنكبي
ويقال لمن يفخر بنفسه: هو عصامي، إشارة إلى قول النابغة في عصام حاجب النعمان:
نفس عصام سودت عصاما ... وعلمته الكر والإحجاما
وصيرته ملكاً هماما ويقال لمن يفخر بآبائه عظامي، إشارة إلى فخره بالأموات من آبائه ورهطه قال الشاعر:
إذا ما الحي عاش لعظم ميت ... فذاك العظم حي وهو ميت
ودخل عبد الله بن زياد التيمي على أبيه، وهو يجود بنفسه، فقال: ألا أوصي بك الأمير، فقال: يا أبتي إذا لم كن للحي إلا وصية الميت، فالميت هو الحي. ويقال: إن عطاء بن سفيان قال ليزيد بن معاوية: أغنني عن غيرك، قال حسبك ما أغناك به معاوية، قال: فهو إذاً الحي، وأنت الميت. ومن قول علي ﵁: من أبطأ به علمه لم ينفعه حسب آبائه. قال الشاعر:
لئن فخرت بآباء ذوي حسب ... قلنا صدقت ولكن بئس ما ولدوا
وكان يقال: أجهل الناس من افتخر بالعظام البالية، وتبجح بالقرون الماضية، واتكل على الأم الخالية. وكان جعفر بن يحيى يقول: ليس من الكرام من افتخر بالعظام. وقال الفضل بن الربيع: كفى بالمرء عاراً أن يفتخر بغيره، وقال: من افتخر بآبائه فقد نادى على نفسه بالعجز، وأقر على نفسه بالدناءة.
وقيل لشريف ناقص الأدب: إن شرفك بأبيك لغيرك، وشرفك لك فافرق بين مالك وما لغيرك، ولا تفرح بشرف النسب، فإنه دون شرف الأدب. قال بعضهم:
وما فخري بمجد قام غيري ... إليه وقد رقدت الليل عنه
إلى حسب الفتى في نفسه انظر ... ولا ينظر هديت إلى ابن من هو
غيره:
إذا افتخرت بآبائي وأجدادي ... فقد حكمت على نفسي لأضدادي
هل نافعي إن سعى جدي لمكرمة ... ونمت عن أختها في جانب الوادي
وقد أجاد الافتخار الفرزدق حيث يقول:
إن الذي سمك السما بنى لنا ... بيتاً دعائمه أعز وأطول
بيتاً زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل
حدث سلمة بن عياض مولى بني عامر بن لؤي قال: دخلت على الفرق في السجن، وهو محبوس، وقد قال قصيدته التي منها:
إن الذي رفع السماء بنى لنا ... بيتاً دعائمه أعز وأطول
بيتاً بناه لنا المليك وما بنى ... ملك السماء فإنه لا ينقل
وقد أفحم، فقلت: ألا أرفدك فقال: وهل عندك ذاك؟ فقلت: نعم، ثم قلت:
بيتاً رزارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل
فاستجاد البيت، وغاظه قولي فقال لي: ممن أنت؟ فقلت: من قريش، قال: من أيها؟ قلت: من بني عامر بن لؤي، فقال: لئام والله وضيعة جاورتهم بالمدينة، فما حمدتهم، فقلت: الأم والله منهم وأوضع قومك جاءك رسول مالك بن المنذر، وأنت سيدهم وشاعرهم فأخذ بأذنك يقودك حتى حبسك، فما اعترضه أحد ولا نصرك، فقال: قاتلك الله ما أكرمك. وأخذ البيت وأدخله في القصيدة.
وحدث أبو مالك الراوية، فقال: قال: سمعت الفرزدق يقول: أبق غلامان منا يقال له النضر، فحدثني قال: خرجت في طلبها وأنا على ناقة عيساء كوماء أريد اليمامة، فلما رأت إلى ماء لبني حنيفة، يقال له الصرصران ارتفعت سحابة، فأرعدت، وأبرقت وأرخت عزاليها، فعدلت إلى بعض ديارهم، وسألت القرى فأجابوا، فأدخلت داراً لهم، وأنخت راحلتي، وجلست تحت ظلة لهم من جريد النخل، وفي الدار لهم جويرية سوداء، إذ دخلت علي جارية كأنها سبيكة فضة، و: كأن عينيها كوكبان دريان، فسألت الجارية لمن هذه العيساء؟ تعني: ناقتي، فقيل لضيفكم هذا، فعدلت إلي وسلمت علي، فرددت ﵍، فقالت: ممن الرجل؟ فقلت: من بني حنظلة، فقالت من أيهم؟ فقلت: من بني نهشل، فتبسمت وقالت: أنت إذن ممن عناه الفرزدق بقوله وذكرت الأبيات السابقة. قال: إن ابن: الخطفى قد هدم عليكم بيتكم تعني جريرا وذلك حيث يقول:
стр. 250
أخزى الذي رفع السماء مجاشعاً ... وبنى بناء بالحضيض الأسفل
بيتاً يحمحم قينكم بفنائه ... دنساً مقاعده خبيث المدخل
قال: فوجمت، فلما رأت ذلك في وجهي قالت: لا بأس عليك إن الناس يقال فيهم ويقولون، ثم ساقت معه حديث اليمامة، وقصة ابن عمها كعب بن عمرو بن محرق بن النعمان بن المنذر بن ماء السماء.
مدح الكرم وذم البخل
قال علي بن أبي طالب ﵁: الكريم لا يلين على قسر، ولا يقسو على يسر، وقال ﵁: من قبل عطاءك فقد أعانك على الكرم. وقال: من لا يقبل الجود لم يكن ممن يجود. وقال: من انتجعك مؤملاً فقد أسلفك حسن الظن، ومن قوله: أحب الناس إليك من كثرت عندك أياديه، وإن لم يكن، فمن كثرت عنده أياديك. ومن قوله: الرغبة إلى الكريم تحركه على البذل، وإلى الخسيس تغره المنع. وقال جعفر بن محمد: إن الحاجة لتعرض للرجل عندي فأبادر بها خوفاً أن يستغني عنها أو تأتيه، وقد استبطأها فلا يكون لها عنده موقع. وكانت أمّ البنين تقول: أف للبخل والله لو كان ثوباً ما لبسته، ولو كان طريقاً ما سلكته. وقال المأمون: لأن أخطئ باذلاً أحب إلي من أن أصيب مانعاً. وقال محد بن السماك: أهنأ المعروف ما لا مطل في أوله ولا من في آخره. ومدح نصيب الشاعر عبد الله بن جعفر، فجزل عطيته فقيل له: أتصنع هذا بهذا العبد الأسود؟ فقال: إن كان اسود، فإن ثناه أبيض يقق، وشكره عربي ذو رونق، ولقد استحق بما قال أكثر مما نال، وهل هي إلا رواحل تنضى، وثياب تبلى، ومال يفنى، واستعضنا عنه مديحاً يروى، وثناء يبقى.
كتب رجل من البخلاء إلى رجل من الأسخياء يأمره بالإبقاء على نفسه، ويخوفه الفقر، فرد عليه (الشيطان يعدكم ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً والله واسع عليم) وإني أكره أمراً قد وقع لأمر لعله يقع، وقيل لابن عباس ﵄: من أكرم الناس فقال: أما في الدنيا فلأسخياء وأما في الآخرة فالأَتقياء. وسئل شعيب ما الجود؟ فقال: أن لا تضن بمالك على من هو للعطية أهل.
ومن أمثالهم ((البخيل يهدم مباني الكرم)) وذم رجل رجلاً، فقال: ما تبل إحدى يديه الأخرى.
وقال آخر في بخيل: يملأ بطنه وجاره جائع، ويحفظ ماله وعرضه ضائع.
وقال معاوية ﵁ لعمرو بن العاص ﵁: ما السخاء يا أبا عبد الله عند العرب؟ قال: جهد المقل. ينظر فيه إلى قول رسول الله ﷺ (جهد المقل أكثر من عفو المكثر) وكان يقال: ما عزة أثبتت أركانها، ولا ألزم بنيانا من بث المكارم واكتساب المحامد.
ومن مختار قول الحكماء في الكرماء واللؤماء قولهم: الكرام في اللئام كالغرة في وجه الفرس. ومن مختار القول الثعالبي في ذلك: الكريم إذا سئل ارتاح، واللئيم إذا سئل ارتاع.
ومما يباهي بحسنه قول أبي الحسن مهيار:
تعطي حياء مطرقاً مثلما ... وقد وهبت مسنياً ومجزلا
ويسفر الناس على بخلهم ... لأنهم لا يعرفون الخجلا
وقول أبي عبادة البحتري:
يعطي عطاء المحسن الخضل الندى ... عفواً ويعتذر اعتذار المذنب
وله أيضاً:
دع المطي مناخات بأرحلها ... لم ينض عنهن تصدير ولا حقب
فما تزيد على إلمامه خلس ... بأحمد بن علي ثم تنقلب
وقال أبو نصر عبد العزيز:
قد جدت لي باللهى حتى ضجرت بها ... وكدت من ضجري أثني على البخل
لم يبق جودك لي شيئاً أؤمله ... تركني أصحب الدنيا بلا أمل
وقال البحتري:
إني هجرتك إذ هجرتك وحشة ... لا العود يذهبها ولا الابداد
أحشمتني بندى يديك فسودت ... ما بيننا تلك اليد البيضاء
وقطعتنمي بالجود حتى إنني ... متخوف أن لا يكون لقاء
صلة غدت بالناس وهي قطيعة ... عجباً وبر راح وهو جفاء
وقد أطنت الشعراء، وملأوا الدفاتر بمدح الكرم، وذم البخل، فلا حاجة إلى الإطالة لاشتهار ذلك في أشعارهم، ولكن يعجبني قول البحتري في المعنى:
له ضجكة عند النوال كأنها ... تباشير بق بعد من العهد
كأن نعم في فيهِ حين يقولها ... مجاجة مسك خيض في ذائب الشهد
وقول الشاشب:
ما قال مذ حلت تمائمهُ ... بخلا ًبها فوجدنا الجود في البخل
وقول أبي محمد الخازن في مدح الصاحب بن عباد:
следующие страницы →