Полный текст (363 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
سافر تجد عوضاً مما تصاحبه ... والضب فإن لذيذ العيش في النصب
إني رأيت وقوف الماء يفسده ... فإن جرى طاب وإن لم يجري لم يطب
والأسد لولا راق الغاب ما قنصت ... والسهم لولا فراق القوس لم يصب
والبدر لولا أفول منه ما نظرت ... إليه في كل حين عين مرتقب
والتبر كالتراب ملتقى في أماكنه ... والعود في أرضه نوعاً من الحطب
فإن تغرب هذا عز مطالبه ... وإن أقام فلا يعلى على رتب
وللحريري صاحب المقامات المولود سنة ٤٤١ المتوفي سنة ٥١٦:
أسمع أخي وصية من ناصح ... ما شاب محض النصح منه بغشه
لا تعجلن بقضية مبتوتتة ... في مدح من تبله أو خدشه
وقف القضية فيه حتى تجتلي ... وصفيه في حال رضاه بطشه
فهنام أن تر ما يشين فواره ... كرماً وإن تر ما يزين فأفشه
واعلم بأن التبر في عرق الثرى ... خاف إلى أن يستثار بنبشه
وفضيلة الدنيا يظهر سرها ... مكن حكة لا من ملاحة نقشه
ومن الفباوة أن تعظم جاهلاً ... لصقال ملبسه رونق رقشه
أو أن تهين مهذباً في نفسه ... لدروس بزته ورثة فرشه
وله أيضاً من مقامه له:
لا تقعدن على ضر ومسغبة ... لكي يقال عزيز النفس مصطبر
وانظر بعينيك هل ارض معطلة ... من النبات كأرض حفها الشجر
فعد عما تقول الأغبياء به ... فأي فضل لعود ما له ثمر
وارحل ركابك عن ربع ظمئت به ... إلى الجناب الذي يهمي به المطر
واستنزل الري من در السحاب فإنه ... بلت يداك به فليهنك الظفر
غيره:
وما طلب المعيشة بالتمني ... ولكن ألق دلوك في الدلا
يجيء بملئها طوراً وطوراً ... تجيء بحمأة وقليل ماء
ولا تقعد على كسل التمني ... تحيل على المقدر والقضاء
فإن مقادر الرحمن تجري ... بأرزاق العباد من السماء
مقدر بقبض أو ببسط ... وعجز المرء أسباب البلاء
? مدح الوفاء
قال بعضهم:
أجل للمرء من مجد الغنى شرفاً ... مجد الوفاء وتقوى الله والكرم
وأرفع الناس عند الله منزلة ... من لم يكن لحقوق الناس يهتضم
غيره:
إذا قلت في الشيء نعم فأتمه ... فإن نعم الدين على الحر واجب
وإلا فقل لا واسترح وأرح بها ... لئلا يقول الناس أنك كاذب
غيره:
لئن جمع الآفات فالبخل شرها ... وشر من البخل المواعيد والمطل
ولا خير في وعد إذا كان كاذباً ... ولا خير في قول إذا لم يكن فعل
غيره:
تعجب وأعدل المرء أكرومة ... تنشر عنه أطيب الذكر
والحر لا يمطل معروفه ... ولا يليق المطل بالحر
غيره:
ولقد وعدت وأنت أكرم واعد ... لا خير في وعد لغير تمام
أنعم علي بما وعدت تكرما ... فالمطل يذهب بهجة الأنعام
غيره:
إن الصديق والمقيم على الوفا ... في وقت ضنك العيش لا في رغد
أهل الصداقة في النحوس قلائل ... والكل أصحاب الفتى في سعده
ذم القدر
قال بعضهم:
لا أشتكي زمني هذا فأظلمه ... وإنما أشتكي من أهل ذا الزمن
هم الذئاب التي تحت الثياب فلا ... تكن إلى أحد منهم بمؤتمن
قد كان لي كنز صبر فافترقت إليك ... إنفاقه في مدارتي لهم ففني
غيره:
وإني بلوت الناس أطلب منهم ... أخا ثقة عند اعتراض الشدائد
فلم أر فيما ساءني من غير شامت ... ولم أر فيما سرني غير حاسد
غيره:
إلا إن أخواني الذين عاهدتهم ... أفاعي رمال لا تقصر في اللسع?
ظننت بهم خيراً فلما بلوتهم ... نزلت بواد منهم غير ذي زرع
? (ذم الغيبة) قال بعضهم:
?من نم في الناس لم تؤمن عقاربه ... على الصديق ولم تؤمن أفاعيه
كالسيل باليل لا يدري لي أحد ... من أين جاء ولا من أن يأتيه
الويل للعهد منه كيف ينقضه ... والويل للود منه كيف يفنيه
غيره:
يسعى إليك كما يسعى عليك فلا ... تأمن غوائل ذي وجهين كياد
غيره:
من يخبرك بشتم عن أخ ... فهو الشاتم لا من شتمك
стр. 247
ذاك شيء لم يواجهك به ... إنما اللوم على من أعلمك
غيره:
أن يعلموا الخير يخفوه ولو علموا ... شراً أذاعوا وإن لم يعلموا كذبوا
غيره:
قل للذي لست أدري من تلونه ... أناصح أم على غش يناجيني؟
إني لأكثر مما سمتني عجباً ... تسح وأخرى منك تأسيني
تغتابني عند أقوام وتمدحني ... في أخرين وكل عنك يأتيني
هذان شيئان قد نافيت بينهما ... فكفف لسانك عن شتمي وتزيني
غيره:
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحاً ... مني وما سمعوا من صالح دفنوا
صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
غيره:
وذو الوجهين يلقاني طليقاً ... وليس إذا تولى يأتليني
بصرت بعينه فصفحت عنه ... محافظة على عرضي وديني
غيره:
أنست بوحدتي ولزمت داريفطاب الأنس لي وصفا السرور
وأدبني الزمان فلا أباليهجرت فلا أزار ولا أزور
ولست بسائل ما دمت حياًأسار الجيش أم ركب الأمير؟
غيره:
نعيب زماننا والعيب فينا ... وما لزماننا عيب سوانا
ونهجو ذا الزمان بغير ذنب ... ولو نطق الزمان بنا هجانا
وليس الذئب يأكل لحم ذئب ... ويأكل بعضنا بعضاً عيانا
غيره:
سلامة الإنسان في وحدة ... وأنسه فيها وفي حرفته
غيره:
لقاء الناس ليس يفيد شيئاً ... سوى الهذيان من قيل وقال
فأقلل من لقاء الناس إلا ... لأخذ العلم أو لصلاح حال
غيره:
عاشر من الناس من تبقى مودته ... فأكثر الناس جمع غير مؤتلف
منهم صديق بلا قاف ومعرفة ... بغير فاءِ وإخوان بلا ألف
لبعضهم:
أرحت روحي من الإيناس بالناس ... لما غنيت عن الأَكياس بالياس
وصرت في البيت وحدي لا أرى أَحداً ... بنات فكري وكتبي هن جلاسي
مدح المداراة
قال بعضهم:
ودارهم ما دمت في دارهم ... وأرضهم ما دمت في أرضهم
غيره:
لا تعاد الناس في أوطانهم ... قلما يرعى غريب الوطن
وإذا ما شئت عيشاً بينهم ... خالق الناس بخلق حسن
غيره:
سليم العرض من حضر الجوابا ... ومن دارى الرجال فقد أصابا
ومن هاب الرجال تهيبوه ... ومن حقر الرجال فلن يهابا
غيره:
قلما تنفع المداراة إلا ... عند أهل الحفاظ والأحساب
من يدار اللئيم فهو كمن ... يستعمل الدر في نحور الكلاب
غيره:
تجنب عشير السوء وأصرم حباله ... فإن لم تجد منه محيصاً فداره
فلله في عرض السماوات جنة ... ولكنها محفوفةٌ بالمكاره
مدح المشاورة
شاور سواك إذا نابتك نائبة ... يوماً وإن كنت من أهل المشورات
فالعين تنظر منها مادنا ونأى ... ولا ترى نفسها إلا بمرآة
غيره:
خصائص من تشاوره ثلاث ... فخذ منها جميعاً بالوثيقة
وداد خالص ووفور عقل ... ومعرفة بحالك والحقيقة
فمن حصلت له هذي المعاني ... فتابع رأيه والزم طريقه
غيره: لا تستشر غير ندب حازم فطن=قد استوى منه إسرار وإعلان
فللتدابير فرسان إذا ركضوا ... فيها يرون كما للحرب فرسان
غيره: تأَن وشاور فإن الأمور=منها جلي ومستغمض
فرأيان أفضل من واحد ... ورأي الثلاثة لا ينقص
ذم السؤال
قال بعضهم:
ذل السؤال وذل الفقر ما اجتمعا ... إلا أضرا بماءِ الوحه والبدن
غيره:
بخلت وليس البخل مني سجية ... ولكن رأيت الفقر شر سبيل
لموت الفتى خير من الفقر للفتى ... وللموت خير من سؤال بخيل
فلا تسأَلن من كان يسأَل مرة ... فللموت خير من سؤال سؤول
غيره:
لنقل الصخر من قلل الجبال ... أحب إلي من منن الرجال
بلوت الناس قرناً بعد قرن ... فلم أر غير مختال بمال
وذقت مرارة الأشياءِ طراً ... فما طعم أمر من السؤال
ولم أر في الخطوب أشد هولاً ... وأصعب من معاداة الرجال
غيره:
لا تحسبن الموت موت البلى ... لكنما الموت سؤال الرجال
كلاهما موت ولكن ذا ... أشر من ذاك لذل السؤال
غيره:
стр. 248
النار أهون من ركوب العار ... والعار يدخل أهله في النار
والعار في رجل يبيت وجاره ... طاوي الحشا متمزق الأطمار
والعار في هضم الضعيف وظلمه ... وإمارة الأشرار في الأخيار
جاهد على طلب الحلال ولاتكن ... تفنيه بالإسراف والتبذار
إلا لأهلك أو لضيفك أو لمن ... يشكو إليك مضاضة الإعسار
غيره:
إذا أعوزتك أكف اللئام ... كفتك القناعة شبعاً وريا
فكن رجلاً رجله في الثرى ... وهامة همته في الثريا
فإن إراقة ماء الحياة ... دون إراقة ماء المحيا
الفخر بالأنساب والأحساب
قال أبو تمام:
نسبٌ كأن عليه من شمس الضحى ... نوراً ومن فلق الصباح عمودا
البحتري:
نسبٌ كما اطردت كعوب مثقف ... لدن يزيدك بسطه في الطول
الرضي:
لهم نسبٌ كاشتباك النجوم ... يرى للمناقب فيه ازدحاما
مهيار:
أعجب بي بين نادي قومها ... أم سعد فمضت تسأل بي
سرها ما علمت من خلقي ... فأرادت علمها ما حسبي
لا تخالي نسباً يخفضني ... أنا من يرضيك عند النسب
قومي استولو على الدهر فتىً ... ومضوا فوق رؤوس الحقب
عمموا بالشمس هاماتهم ... وبنوا أبياتهم في الشهب
وأبي كسرى على إيوانه ... أين في الناس أب مثل أبي؟
سودة الملك القدامى وعلى ... شرف الإسلام لي والأدب
قد قبست المجد من خير أب ... وقبست الدين من خر نبي
وضممت الفخر من أطراه ... سؤدد الفرس ودين العرب
وللسلامي في الشريف الرضي:
متناسبين وأنت كنت مرادهم ... ترددين إليك في الأصلاب
حتى ولدت فأغفلوا أنسابهم ... وغدا وجودك أشرف الأنساب
غيره:
حسب لو لبست شمس الضحى ... نوره ما لبست ثوب الغروب
برد فخر وعلى خير الورى ... بيد السؤدد مزرور الجيوب
والحسب: هو ما يعد من مفاخر الآباء والمال والدين والكرم أو الشرف في الفعل، والشرف الثابت في الآباء، وقد يكون احسب والكرم لمن لا آباء له شرفاً بخلاف المجد، والذي أراه أنه لا يكمل للمرء فخره بحسبه إلا إذا كان له من المآثر ما كان لآبائه.
وإلى ذلك يشير قول الشاعر:
إنا وإن أحسابنا كرمت ... لسنا على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا
أخذ قول الشاعر (أضاءت لهم أحسابهم إلى آخره) أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن المعروف بالحصري القيرواني، فنقله من الافتخار إلى الغزل فقال:
حتى إذا طاح منها المرط من دهش ... وأنحل بالضم نظم العقد في الظلم
تبسمت فأضاء الليل فالتقطت ... حبات منتثر في ضوء منتظم
قال أفلاطون الحكيم: من جمع إلى شرف أصله شرف نفسه، فقد قضى الحق الذي عليه، واستدعى التفضيل بالحجة، ومن أغفل نفسه واعتمد على شرف آبائه، فقد عقهم، واستحق بأن لا يقدم بهم على غيره، كما أن من كان له سلف في الشجاعة والسخاء لا يستحق أن يكرم لسلفه إذا كان جباناً بخيلا، وكذلك أنواع الشرف لا يستحق من انتس إليها التقديم إلا إذا حوى ما يذكر به اسلافه. وقال أيضاً: السعيد من تمت به رياسة آبائه، والشقي منهم من انقطعت عنده. قال بعض الحكماء: المرء بحسبه أكمل في الفخر إذا زاد بشرف نفسه ذكر آبائه نباهة، وقد أحسن مهيار في زيادة الابن على آبائه شرفاً، فقال:
وجئت بمعنى زائد فكأنهم ... وما صروا عن غاية المجد قصروا.
وقوله:
وجئت بمعنى زائد فكأنهم ... وما قصروا عن غاية المجد قصروا
وقوله:
زيدهم شرفا وبعضهم ... لأبيه مثل الواو في عمرو
وقوله أيضاً وهو من بدائعه ونوادره، وهو بالسحر أشبه بالشعر وذلك حيث يقول:
أن كنت ممن طواه الدهر ممترياً ... منهم فعندك من منشورهم خبر
هذا الحسين حياة خلدت لهم ... ما هم أول موتى بابنهم نثروا
صلى فزادت على الساق حلبته ... محلق العرف جار خطوه حضر
كالسهم أحرز ذكراً يوم ترسله ... لم يعطه أبوه القوس والوتر
صارة فضلت في الطيب طينتها ... والخمر أطيب شيء منه يعتصر
стр. 249
ولما وفد أبو نواس على الخطيب بمصر سأله عن نسبه، فقال له أغناني أدبي عن نسبي. وللمتنبي:
لا بقومي شرفت بل شرفوا بي ... وبمجدي فخرت لا بجدودي
وبهم فخر كل من نطق الضاد ... وعوذ الجاني وغوث الطريد
ولبعضهم:
وإني وإن كنت ابن سيد عامر ... وفارسها المشهور في كل موكب
فما سودتني عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسموا بأم ولا أب
ولكنني أحمي حماها وأتقي ... أذاها وأرمي من رماها بمنكبي
ويقال لمن يفخر بنفسه: هو عصامي، إشارة إلى قول النابغة في عصام حاجب النعمان:
نفس عصام سودت عصاما ... وعلمته الكر والإحجاما
وصيرته ملكاً هماما ويقال لمن يفخر بآبائه عظامي، إشارة إلى فخره بالأموات من آبائه ورهطه قال الشاعر:
إذا ما الحي عاش لعظم ميت ... فذاك العظم حي وهو ميت
ودخل عبد الله بن زياد التيمي على أبيه، وهو يجود بنفسه، فقال: ألا أوصي بك الأمير، فقال: يا أبتي إذا لم كن للحي إلا وصية الميت، فالميت هو الحي. ويقال: إن عطاء بن سفيان قال ليزيد بن معاوية: أغنني عن غيرك، قال حسبك ما أغناك به معاوية، قال: فهو إذاً الحي، وأنت الميت. ومن قول علي ﵁: من أبطأ به علمه لم ينفعه حسب آبائه. قال الشاعر:
لئن فخرت بآباء ذوي حسب ... قلنا صدقت ولكن بئس ما ولدوا
وكان يقال: أجهل الناس من افتخر بالعظام البالية، وتبجح بالقرون الماضية، واتكل على الأم الخالية. وكان جعفر بن يحيى يقول: ليس من الكرام من افتخر بالعظام. وقال الفضل بن الربيع: كفى بالمرء عاراً أن يفتخر بغيره، وقال: من افتخر بآبائه فقد نادى على نفسه بالعجز، وأقر على نفسه بالدناءة.
وقيل لشريف ناقص الأدب: إن شرفك بأبيك لغيرك، وشرفك لك فافرق بين مالك وما لغيرك، ولا تفرح بشرف النسب، فإنه دون شرف الأدب. قال بعضهم:
وما فخري بمجد قام غيري ... إليه وقد رقدت الليل عنه
إلى حسب الفتى في نفسه انظر ... ولا ينظر هديت إلى ابن من هو
غيره:
إذا افتخرت بآبائي وأجدادي ... فقد حكمت على نفسي لأضدادي
هل نافعي إن سعى جدي لمكرمة ... ونمت عن أختها في جانب الوادي
وقد أجاد الافتخار الفرزدق حيث يقول:
إن الذي سمك السما بنى لنا ... بيتاً دعائمه أعز وأطول
بيتاً زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل
حدث سلمة بن عياض مولى بني عامر بن لؤي قال: دخلت على الفرق في السجن، وهو محبوس، وقد قال قصيدته التي منها:
إن الذي رفع السماء بنى لنا ... بيتاً دعائمه أعز وأطول
بيتاً بناه لنا المليك وما بنى ... ملك السماء فإنه لا ينقل
وقد أفحم، فقلت: ألا أرفدك فقال: وهل عندك ذاك؟ فقلت: نعم، ثم قلت:
بيتاً رزارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل
فاستجاد البيت، وغاظه قولي فقال لي: ممن أنت؟ فقلت: من قريش، قال: من أيها؟ قلت: من بني عامر بن لؤي، فقال: لئام والله وضيعة جاورتهم بالمدينة، فما حمدتهم، فقلت: الأم والله منهم وأوضع قومك جاءك رسول مالك بن المنذر، وأنت سيدهم وشاعرهم فأخذ بأذنك يقودك حتى حبسك، فما اعترضه أحد ولا نصرك، فقال: قاتلك الله ما أكرمك. وأخذ البيت وأدخله في القصيدة.
وحدث أبو مالك الراوية، فقال: قال: سمعت الفرزدق يقول: أبق غلامان منا يقال له النضر، فحدثني قال: خرجت في طلبها وأنا على ناقة عيساء كوماء أريد اليمامة، فلما رأت إلى ماء لبني حنيفة، يقال له الصرصران ارتفعت سحابة، فأرعدت، وأبرقت وأرخت عزاليها، فعدلت إلى بعض ديارهم، وسألت القرى فأجابوا، فأدخلت داراً لهم، وأنخت راحلتي، وجلست تحت ظلة لهم من جريد النخل، وفي الدار لهم جويرية سوداء، إذ دخلت علي جارية كأنها سبيكة فضة، و: كأن عينيها كوكبان دريان، فسألت الجارية لمن هذه العيساء؟ تعني: ناقتي، فقيل لضيفكم هذا، فعدلت إلي وسلمت علي، فرددت ﵍، فقالت: ممن الرجل؟ فقلت: من بني حنظلة، فقالت من أيهم؟ فقلت: من بني نهشل، فتبسمت وقالت: أنت إذن ممن عناه الفرزدق بقوله وذكرت الأبيات السابقة. قال: إن ابن: الخطفى قد هدم عليكم بيتكم تعني جريرا وذلك حيث يقول:
стр. 250
أخزى الذي رفع السماء مجاشعاً ... وبنى بناء بالحضيض الأسفل
بيتاً يحمحم قينكم بفنائه ... دنساً مقاعده خبيث المدخل
قال: فوجمت، فلما رأت ذلك في وجهي قالت: لا بأس عليك إن الناس يقال فيهم ويقولون، ثم ساقت معه حديث اليمامة، وقصة ابن عمها كعب بن عمرو بن محرق بن النعمان بن المنذر بن ماء السماء.
مدح الكرم وذم البخل
قال علي بن أبي طالب ﵁: الكريم لا يلين على قسر، ولا يقسو على يسر، وقال ﵁: من قبل عطاءك فقد أعانك على الكرم. وقال: من لا يقبل الجود لم يكن ممن يجود. وقال: من انتجعك مؤملاً فقد أسلفك حسن الظن، ومن قوله: أحب الناس إليك من كثرت عندك أياديه، وإن لم يكن، فمن كثرت عنده أياديك. ومن قوله: الرغبة إلى الكريم تحركه على البذل، وإلى الخسيس تغره المنع. وقال جعفر بن محمد: إن الحاجة لتعرض للرجل عندي فأبادر بها خوفاً أن يستغني عنها أو تأتيه، وقد استبطأها فلا يكون لها عنده موقع. وكانت أمّ البنين تقول: أف للبخل والله لو كان ثوباً ما لبسته، ولو كان طريقاً ما سلكته. وقال المأمون: لأن أخطئ باذلاً أحب إلي من أن أصيب مانعاً. وقال محد بن السماك: أهنأ المعروف ما لا مطل في أوله ولا من في آخره. ومدح نصيب الشاعر عبد الله بن جعفر، فجزل عطيته فقيل له: أتصنع هذا بهذا العبد الأسود؟ فقال: إن كان اسود، فإن ثناه أبيض يقق، وشكره عربي ذو رونق، ولقد استحق بما قال أكثر مما نال، وهل هي إلا رواحل تنضى، وثياب تبلى، ومال يفنى، واستعضنا عنه مديحاً يروى، وثناء يبقى.
كتب رجل من البخلاء إلى رجل من الأسخياء يأمره بالإبقاء على نفسه، ويخوفه الفقر، فرد عليه (الشيطان يعدكم ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً والله واسع عليم) وإني أكره أمراً قد وقع لأمر لعله يقع، وقيل لابن عباس ﵄: من أكرم الناس فقال: أما في الدنيا فلأسخياء وأما في الآخرة فالأَتقياء. وسئل شعيب ما الجود؟ فقال: أن لا تضن بمالك على من هو للعطية أهل.
ومن أمثالهم ((البخيل يهدم مباني الكرم)) وذم رجل رجلاً، فقال: ما تبل إحدى يديه الأخرى.
وقال آخر في بخيل: يملأ بطنه وجاره جائع، ويحفظ ماله وعرضه ضائع.
وقال معاوية ﵁ لعمرو بن العاص ﵁: ما السخاء يا أبا عبد الله عند العرب؟ قال: جهد المقل. ينظر فيه إلى قول رسول الله ﷺ (جهد المقل أكثر من عفو المكثر) وكان يقال: ما عزة أثبتت أركانها، ولا ألزم بنيانا من بث المكارم واكتساب المحامد.
ومن مختار قول الحكماء في الكرماء واللؤماء قولهم: الكرام في اللئام كالغرة في وجه الفرس. ومن مختار القول الثعالبي في ذلك: الكريم إذا سئل ارتاح، واللئيم إذا سئل ارتاع.
ومما يباهي بحسنه قول أبي الحسن مهيار:
تعطي حياء مطرقاً مثلما ... وقد وهبت مسنياً ومجزلا
ويسفر الناس على بخلهم ... لأنهم لا يعرفون الخجلا
وقول أبي عبادة البحتري:
يعطي عطاء المحسن الخضل الندى ... عفواً ويعتذر اعتذار المذنب
وله أيضاً:
دع المطي مناخات بأرحلها ... لم ينض عنهن تصدير ولا حقب
فما تزيد على إلمامه خلس ... بأحمد بن علي ثم تنقلب
وقال أبو نصر عبد العزيز:
قد جدت لي باللهى حتى ضجرت بها ... وكدت من ضجري أثني على البخل
لم يبق جودك لي شيئاً أؤمله ... تركني أصحب الدنيا بلا أمل
وقال البحتري:
إني هجرتك إذ هجرتك وحشة ... لا العود يذهبها ولا الابداد
أحشمتني بندى يديك فسودت ... ما بيننا تلك اليد البيضاء
وقطعتنمي بالجود حتى إنني ... متخوف أن لا يكون لقاء
صلة غدت بالناس وهي قطيعة ... عجباً وبر راح وهو جفاء
وقد أطنت الشعراء، وملأوا الدفاتر بمدح الكرم، وذم البخل، فلا حاجة إلى الإطالة لاشتهار ذلك في أشعارهم، ولكن يعجبني قول البحتري في المعنى:
له ضجكة عند النوال كأنها ... تباشير بق بعد من العهد
كأن نعم في فيهِ حين يقولها ... مجاجة مسك خيض في ذائب الشهد
وقول الشاشب:
ما قال مذ حلت تمائمهُ ... بخلا ًبها فوجدنا الجود في البخل
وقول أبي محمد الخازن في مدح الصاحب بن عباد:
стр. 251
نعم تجنب لا يوم العطاء كما ... تجنب ابن عطاء لثغة الراء
وهو من قول الفرزدق في علي بن الحسين ﵄:
ما قال لاقط إلا في تشهده ... لولا التشهد كانت لاءه نعم
ومثله ما قيل في قثم بن العباس:
أعفيت من حل ومن رحلة ... يا ناق إن أدنيتني من ثم
إنك إن أدنيتنيهِ غداً ... حالفني اليسر ومات العدم
في وجه نور وفي باعه ... طول وفي العرين منه شمم
أصم عن قيل الخنا سمعه ... وما عن الخير به من صمم
لم يدر ما (لا) (وبلى) قد درى ... فعافها واعتاض عنها (نعم)
ومنه قول الآخر:
أبي جوده (لا) البخل واستعجلت به ... (نعم) من فتى لا يمنع الجود قائله
وقال الآخر:
بدأت بمعروف وثنيت بالرضى ... وثلثت بالحسنى وربعت بالكرم
وباشرت أمري واعتنيت بحاجتي ... وأخرت (لا) عني وقدمت لي (نعم)
وصدقت لي ظني وأنجزت موعدي ... وطبت به نفساً ولم تتبع الندم
فإن نحن وافينا بشكر فواجب ... وإن نحن قصرنا فما الود متهم
حسن البشر وكرم الأخلاق
قال النبي ﷺ (إن لم تسعوا الناس بأموالكم فليسعهم منكم بسط الوجوه، وحسن الأخلاق) وحسبك مدحاً لحسن الخلق قوله تعالى لنبيه (وإنك لعلى خلق عظيم) قالت عائشة ﵂: كان خلقه القرآن يغضب لغضبه، ويرضى لرضاه، وقال علي بن أب طالب ﵁: رب عزيز أذله خرقه، وذليل أعزه خلقه.
وقال: من لم تصلح أخلاقه لم ينفع الناس تأديبه، وكان يقال: ألق صاحب الحاجة بالبشر فإن عدمت شكره لم تعدم عذره، ووصف أعرابي رجلاً بحسن الشرف، فقال: لا تراه الدهر إلا كأنه لا غناء به عنك، وإذا أذنبت غفر، وكأنه المذنب، وإن أحسن اعتذر، وكأنه المسيء، وروي عن النبي ﷺ ، (مكارم الأخلاق عشرة، تكون في الرجل، ولا تكون في ابنه، وتكون في الابن، ولا تكون في أبيه، وتكون في العبد، ولا تكون في سيده قيل يا رسول الله ما هن؟ قال: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وصدق البأس، وإعطاء السائل، والمكافأة بالصنائع، وصلة الرحم، والتذمم للجار والصاحب، والحلم في القدرة، والمواساة في الشدة، وقرى الضيف، ورأسهن الحياء) قال عصام بن الصطلق: دخلت المدينة فرأيت الحسن بن علي ﵄، فأعجبني سمته ورواؤه، فأثار مني الحسد ما أجنه صدري من البغض لأبيه، فقلت له: أنت ابن علي بن أبي طالب؟ قال: نعم فبالغت في شتمه وشتم أبيه، فنظر إلي نظرة عاطف رؤوف، ثم قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين) (وأما ينزغنك من الشيطان نزع فاستبعد بالله إنه سميع عليم) (إن الذين اتقوا إذا مهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرين) .
ثم قال لي: خفض عليك استغفر اله ولك لو استعنتنا أعناك، ولو استرفدتنا رفدناك، ولو استرشدتنا أرشدناك. قال عصام: فتوسم في الندم على ما أفرط مني فقال: (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) أمن أهل الشام أنت؟ فقلت: نعم، فقال: شنشنة أعرفها من أخزم، حياك الله وبياك، انبسط إلينا في حوائجك، وما يعرض لك تجدنا عند أفضل ظنك إن شاء الله، قال عصام: فضاقت علي الأرض بما أحب إلي منه ومن أبيه.
ما جاء في الاستعطاف والتنقل فيه بالمعاني اللطيفة والمقاصد الظريفة، فمن ذلك، وهو من أبلغ تلطفات الشعراء في التوصل إلى استعطاف الملوك والأمراء قول أبي سعيد الستمي يخاطب زوجته في أول قصيدة مدح بها الصاحب بن العباد وهي من غرر القصائد وهي:
أمنجزتي وعدي فقد رحل الركب ... ولم تتأن العيس أم تقف الصحب
خليلي لا تستنكرا طول عتبها ... علي فإن الحب أكثره عتب
بنفسي بيضاء العوارض أعرضت ... بوجه كأن الشرق من حسنه غرب
وبين الإزار المرتوي حقف رملة ... وبين الوشاح الملتوي غصن رطب
وتحت لثام الخز أنفاسها الضنى ... وفوق رداء الكبر أدمعها سكب
تبدت مع الأتراب تدعو على النوى ... وإن لم يكن في الغانيات لها ترب
تسيل على الخد الأسيل دموعها ... وصب دموع العين يروى به الصب
وقد وكلت إحدى يديها بقلبها ... مخافة أن برفض من صرها القلب
стр. 252
فلما أجزنا الجسر قمن وراءه ... كسرب من الغزلان ليس لها سرب
وعضت بدر الثغر فضة معصم ... يكاد يثنيه من الذهب القلب
فكادت تحط الرحل لولا عزيمتي ... وجيهية قبٌ ومهرية نجب
وقائلة أذرت مع الكحل دمعتها ... ففاض فلم يملك لسانه غرب
إلى أي أرض ترحل العيس ظاعناً ... وخلفك أفراخ بها ظمأ زغب؟
تق الله فينا لا تزدنا صبابة ... ببعد فما نلقاه من كثب حسب
فقلت ثقي بالله يا أم معمر ... فبعض الصدى ري وبعض النوى قرب
إذا ما أنخت العيس بالري سالماً ... فمشرعنا عذب ومرنقنا خصب
دعيني وطيي نحوها البيد بالسرى ... يقع طائرنا حيث يلتقط الحب
ألم تعلمي أن السما من جنابها ... تصوب عزاليه علينا فينصب
فقالت وجالت في نواحي ردائها ... دموع لها في كل ناحية غرب
فتى رستم لا تذكر البين باسمه ... فديناك إن البين أيسره صعب
إلى أن قال يعرض بذكر أولاده وأمه ويخاطب ممدوحه:
إذا سار مشتاق إليك فإنني ... برأسي أخطو بل على هامتي أحبو
وما عاقني إ بنون كأنهم ... فروخ الدبا في الجو حدثان ما دبوا
وقائلة من بعد سبعين حجة ... شفيعي إليك الضعف والسن والرب
أتترك أماً هامة اليوم أو غداً ... يضيق بها من بعدك البلد الرحب
ومنها:
سأثني بما أوليتني من صنيعة ... عليك كما يثني على المطر الشعب
وأدررت لي أضعاف ما قد مريته ... بشعري من نعماك فامتلأ القعب
وعاد إنائي من نوالك فهقاً ... يبل الثرى رشحاً وما انقطع الشخب
وأسكر أشعاري نداك فرنحت ... بشكرك في الدنيا كما رنح الشرب
ومنها:
وعم جهات الأرض فيض نواله ... فلم يخل واد من نداه ولا شعب
جواد له في كل أفق غمامة ... وفي كل أرض للندى مشرب عذب
إذا عد كعب في السماح أبت له ... يمين لها في كلّ أنملة كعب
وهي طويلة وكل أبياتها فرائد غرر رائقة، ومما يشبهها من القصائد قصيدة أبي محمد الخازن التي أولها:
بين المجرة والثريا موقفي ... فتأملي ثم اعذري أو عنفي
هو موقف حفرته أطراف القنا ... وحمته أشفار الحسام المرهف
واصطفت الأمراء حول سريره ... مثل الأهلة والنجوم الوقف
وتلألأت شرفاته عن طلعة ... يرتد عنها الطرف إن لم يخطف
ما قيل إجلالاً وتعظيماً له ... كالبدر أو كالشمس أو كالمكتفي
نمت ملوك بني بويه لتاجه ... خرزات ملكهم الأَغر الأشرف
وبنوا له صعداء مجد طنبت ... بشبا المهند والسنان المرهف
رمقت جبابرة الملوك يفاعها ... بنواظر من خوفه لم تطرف
من كل وضاح الجبين متوج ... علق بلثم بساطه متشرف
غت بهم عرصاته فكأنما ... غصت بهم عرصات يوم الموقف
ومنها في خطاب محبوبته وهو المعنى الذي أوردنا هذا الشعر من أجله وهو قوله:
يا هذه لو شمت برقك لم يكن ... هذا المقام محبي ومعرفي
ولقد سبقت الدهر فيه منشدا ... وكذا الجواد يبذ شأو المقرف
لم تثن عبرتك التي غيضتها ... عزمي ولا نغمات قولك لي قف
هيهات لم ينقص زماعي لؤلؤ ... أذراه نرجس طرفك المستعطف
من مبلغ سكني بنجد أنني ... قد ضقت ذرعاً بالخليل المنصف
وبلوت أطواد الزمان فلم أجد ... إلا الحسام المنتضى خلاً يفي
عرضت لألثمها بخد وردهُ ... بصفر أحمر إذا لم يقطف
فنبا مناط وشاحها عن مخطف ... طاو ومهوى قرطها عن نفنف
واستحجبت أترابها ثم انثت ... ترنو بطرف كالغزال الأهيف
فرشن عرض طريقها بغدائر ... تنجاب بين مخلق ومصفف
ورمقن من سيبي ولولا نوره ... لضللت في ظلم السباب المسدف
سيب يناسبه الربيع منوراً ... بنهاره وبهار المستظرف
لولا بياض النور لم تكن الربى ... وتلاعها إلا كقاع صفصف
كم منة مشكورة ومبرة ... عند الحدائق للغمام الأوطف
لو لم يحلّ بصوبه عطل الربى ... ما اهتز بين مدبح ومفوف
كم دوحة لفاء بين حديقة ... غناء في ظل الغمام المغدف
حتى انتهى إلى قوله:
стр. 253
وتلثمت شمس النهار ببرقع ... من طرتيه والسما بمطرف
والأقحوان الغض يجلو مبسماً ... لولا مغزلة الحيا لم يشف
إلى أن قال:
في سدة للمك مد رواقها ... علياء فخر الدولة العدل الوفي
ملك حوى الدنيا بأس عابس ... وتبسم باد وتدبير خفي
فمحى قواصيها بعزم ثاقب ... ولوى نواصيها برأي محصف
ومن أحسن الاستعطاف ما رواه الرياشي عن الأصمعي قال: تصدى رجل من بني أمية للرشيد فانشده:
يا أمين الله إني قائل ... قول ذي علم وفهم وأدب
عبد شمس كان يتلو هاشماً ... وهما بعد لأم ولأَب
فاحفظ الأرحام فينا إنما ... عد شمس عم عبد المطلب
لكم الفضل علينا ولنا ... بكم الفضل على كل العب
فأحسن جائزته ووصله.
نادرة عن الأصمعي
ذكر السيد المرتضى في الدر قال: إن الأصمعي قال: نزلت ذات ليلة في واد لبني العنبر، وإذا فتية يريدون البصرة، فأحببت صحبهم، فأقمت ليلتي تلك فيهم. وإني لو صب محموم أخاف أن لا أستمسك على راحلتي، فلما قاموا ليرحلوا أيقظوني فلما رأوا حالتي رحلوا لي، وحملوني وركب أحدهم ورائي يمسكني، فلما أمعن السير تنادوا ألا فتى يحدو بنا وينشدنا، فإذا منشد في سواد الليل بصوت ند يتغنى بهذه الأبيات:
لعمرك إني يوم بانوا فلم أمت ... خفاتاً على آثارهم لصبور
غداة المنقا إذا رميت بنظرة ... ونحن على متن الطريق نسير
فقلت لقلبي حين خف به الهوى ... وكاد من الوجد المبر يطير
فهذا ولم تمض للبين ليلةٌ ... فكيف إذا مرت عليه شهور
وأصبح أعلام الأحبة دونها ... من الأرض غول نازح ومسير
وأصبحت نجدي الهوى متهم النوى ... أزيد اشتياقاً أن يحن بعير
عسى الله بعد النأي أن يسعف النوى ... ويجمع شمل بعدها وسرور
قال: فسكنت والله الحمى عني حتى ما أحس بها، فقلت لرديفي: انزل رحمك الله إلى راحلتك، فإني متماسك وجزاك الله عن الصحبة خيراً: وما الطف قول البحتري وأرشقه:
ولم انس إذ راحوا مطيعين للنوى ... وقد وقفت ذات الوشاحين والوقف
ثنت طرفها دون المشيب ومن يشب ... فكل الغواني عنه مثنية الطرف
وجن الهوى فيها عشية أعرضت ... بناظرتي ريم وسالفتي خشف
وأفلج براق يلوح رضا به ... حراماً على التقبيل بسلا على ارشف
(ما قيل في وصف العشق في قول بعضهم، وذكر بعض من عشق مات)
قال بعضهم: هو طمع يتولد في قلب العاشق، وكلما قوي زاد الحرص على طلبه، واللجاج في محبته حتى يؤديه ذلك إلى الغم المغلق، وينشأ من ذلك فساد الفكر، ومعه يكون زوال العقل، ورجاء ما لا يكون، وتمني ما لا يتم حتى يؤديه إلى الجنون، فربما قتل نفسه، وربما مات غماً، ورما رأى محبوبته فمات من الفرح. وأعلم أن الهوى والعشق والحب، وإن كان موردها واحداً، فقد فرق بينهما عمرو بن بحر الجاحظ، فقال: كل عشق يسمى حباً، وليس كل حب يسمى عشقاً، لأن العشق اسم لما فضل من الاقتصاد في الحب، كما أن السف اسم جاوز الجود، والبخل اسم لما قصر عن الاقتصاد، والهوى يتفرع عن الحب، والحب هو المتولد من أول نظرة، قال بعضهم في ذلك:
الحب أوله تهيم به ... نفس المحب فيلقى الموت كاللعب
يكون مبدؤه من نظرة عرضت ... وخطرة قدحت في القلب كاللهب
كالنار مبدؤها من قدحه فإذا ... تأججت أحرقت مستجمع الحطب
وقال الآخر:
الحب من سمعٍ ومن لحظةٍ ... وفيه إحلاء وإمرار
رأيت نار الحب بين الحشا ... تفعل مالا تفعل النار
إن لم تكلم في الهوى ألسن ... تكلمت باللحظ أبصار
والحب داء ماله حيلة ... وليس فيه للفتى عار
وقيل: إن الحب هو الميل الدائم بالقلب للحبيب، ومصاحبته على الدوام كما قيل:
ومن عجب أني أحن إليهم ... وأسأل شوقاً عنهم وهم معي
وتطلبهم عيني وهم في سوادها ... ويشتاق قلبي وهم بين أضلعي
وقول آخر:
خيالك في عيني وذكرك في فمي ... ومثواك في قلبي فأين تغيب
стр. 254
والحب: هو المحبة، وأحسن الأقوال فيه أنه مشتق من القلب وهي سويداه، كما قيل مثل ذلك في الشغف، والحب يسمى شغفاً إذا بلغ شغاف القلب، فأما كون الحب هو المتولد من أول نظرة، فلم يبعد من قال ذلك كما قيل:
كل الحوادث مبداها من نظرة ... ومعظم النار من مستصغر الشرر
كم نظرة بلغت في القلب صاحبها ... كمبلغ السهم بين القوس والوتر
والمرء ما دام ذا طرف يقلبه ... في أعين العين موقوف على الخطر
يسر مقتله ما ضر مهجته ... لا مرحباً بسرور عاد بالضرر
وقد أجمعوا على أن العشق هو الداء العياء، وماله إلا وصل الحبيب دواء كما قال مهيار:
أشكيكم وإلى من أشتكي ... أنتم الداء فمن يشفي السقام
ومما ورد في العق، ورواه الهيثم بن عدي قال: أصبت صخرة مكتوب عليها العشق ملك غشوم، مسلط ظلوم دانت له القلوب، وانقادت له الألباب وخضعت له النفوس، فالعقل أسيره، والنظر رسوله، واللحظ لفظه يشهد بذلك ما قاله البحتري وذلك أن السيد المرتضى روى في الدرر عن يزيد المبرد، فقال لي البحتري: إني انصرفت يوماً من مجلس أبي العباس محمد بن يزيد المبرد، فقال لي البحتري: ما الذي افدت يومك هذا من أبي العباس؟ قلت: أملي علي أخباراً وأنشدني أبياتاً للحسين بن الضحاك، قال: أنشدني الأبيات فأنشدته:
كأني إذا فارقت شخصك ساعة ... لفقدك بين العالمين غريب
أغرك صفحي عن ذنوب كثيرة ... وعضي على أشياء منك تريب
وقد رمت أسباب السلو فخانني ... ضمير عليه من هواك رقيب
كأن لم يكن في الناس قلبي متيم ... ولم يكن في الدنيا سواك حبيب
إلى الله أشكو إن شكوت فلم يكن ... لشكواي من عطف الحبيب نصيب
فقال: هذا من أحسن الكلام يا بني، ثم أنشدني البحتري لنفسه:
حبيبي حبيب يكتم الناس أنهُ ... لنا حين تلقاه العيون حبيب
يباعدني في الملتقى وفؤاده ... وإن هو أبدى البعاد قريب
ويعرض عني والهوى منه مقبل ... إذا خاف عيناً أو أشار رقيب
فتنطق منا أعين حين نلتقي ... وتخرس منا ألسن وقلوب
ثم قال: أرو يا بني هذا، فإنه من أحسن الشعر وظريفه. وقال بعضهم وقد جعل الدمع كتابه تخاطبه:
ومراعة للبين تحسب أنها ... قمر على غصن تغيب وتطلع
كتبت إليك على شقائق خدها ... سطراً من العبرات ماذا أصنع
فأجبتها بلسان حال معرب ... ما في الحياة مع التفرق مطمع
وما أحسن قول بعضهم في إخفاء المحبة وإظهار الصد:
وخبرك الواشون أن لا أحبكم ... بلى وستور الله ذات المحارم
أصد وما الصد الذي تعلمينهُ ... عزاء بنا إلا اجتراع العلاقم
حياء وتقياً أن تشيع نميمة ... بنا وبكم أفٍ لأهل النمائم
وإن دماً لو تعلمين جنيته ... على الحي جاني مثله غير سالم
أما إنه لو كان غيرك أرقلت ... صعاد القنا بالراعفات اللهاذم
ولكنه والله ما طل مسلماً ... كبيض الثنايا واضحات الملاغم
رمين فاقصدن القلوب فلا ترى ... دماً مائراً إلا جوى في الحيازم
إذا هن ساقطن الحديث حسبته ... سقوط حصى المرجان من كف ناظم
قال الطغرائي: وقد أبدع غاية الإبداع بنظم يستوقف حسنه العيون والأسماع:
خبرها أني مرضت فقالت ... مرضاً طارفاً شكى أم تليدا؟
وأشار بأن تعود وسايدي ... فأبت وهي تشتهي أن تعودا
وأتتني في خفية تتشكي ... ألم الوجد والمزار البعيدا
ورأتني كذا فلم تتمالك ... فأمالت علي عطفاً وجيدا
стр. 255
روي أن المأمون قال للقاضي يحيى بن أكثم ما العشق؟ فقال يحيى: سوانح تسنح للمرء، فيهيم بها قلبه، وتتواتر بها نفسه. فقال له: ثمامة: أمسك أيها القاضي رحمك الله إنما عليك أن تجيب في مسألة طلاق، أو محرم صاد صيدا، وأما هذا فمن مسائلنا نحن فقال المأمون: قل يا ثمامة، فقال: العشق جليس ممتع، وأليف مؤنس، وصاحب مالك، ومالك قاهر، مسالكه لطيفة، ومذاهبه متضادة، وأحكامه جائرة، مالك الأبدان وأرواحها، والقلوب وخواطرها، والعيون ونواظرها، والنفوس وآراءها وأعطي زمام طاعتها وقياد مملكتها توارى عن الأبصار مدخله، وغميض عن القلوب مسلكه. قال المأمون: أحسنت يا ثمامة. وأمر له بألف دينار.
قال الأصمعي: سئلت أعرابية عن العشق، فقالت: جل والله أن يرى، وخفي عن عيون الورى، فهو في الصدور كامن كمون النار في الحجر، إن قدحته أورى، أو تركته توارى.
وقيل لأبي زهير المدني: ما العشق؟ فقال: الجنون داء أهل الذل، وهو داء أهل الظرف. وقال بعض الأطباء في صفة الحب: امتزاج الروح بالروح، ولو امتزج الماء بالماء لامتنع تخليص بعضه من بعض فكيف والروح ألطف امتزاجاً، وأرق مسلكاً. وسئل أعرابي عن الهوى، فقال: هو أغمض مسلكا في القلب من الروح في الجسد، وأملك من النفس بالنفس، بطن وظهر، لطف وكثف، فامتنع عن وصفه المسلك والكمون. وروى أهل السير أن الذين علق الحب قلوبهم فماتوا، أو جنوا هم الذين لا يزيل صاحبه أبداً حتى يموت، أو يهم على وجهه، ويشهد بذلك قول المجنون:
وعلقت ليلى وهي ذات موصد ... ولم يبد للأتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا ... صغيران لم نكبر ولم يكبر البهم
ومنه قول جميل:
علقت الهوى منها وليداً ولم يزل ... إلى الآن ينمو حبها ويزيد
وأفنيت عمري في انتظار نواله ... وأفنيت بذاك العمر وهو جديد
وروى سهل بن سعد، قال: كنت بمصر، وخرجت لحاجة، فلقيني صديق لي في بعض الطرق، فقال لي: هل لك أن تعدل إلى عيادة جميل، فقد ثقل مرضه؟ قلت: نعم، فدخلنا عليه وهو يجود بنفسه، فنظر إلي، فقال: يا ابن سعد ما تقول في رجل لم يزن قط، ولم يشرب مداماً، ولم يسفك دماً حراماً، قد أتت عليه خمسون سنة يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً سول الله؟ فقلت: من هذا؟ فإني أظنه ناجياً من عذاب النار إن شاء الله قال: أنا ذلك. قلت سبحان الله! ما رأيت كاليوم أعجب من هذا، وما أحسبك تسلم، وأنت تشبب ببثينة من عشرين سنة، فقال: إني في آخر يوم الدنيا، وأول يوم من الآخرة، فلا نالتني شفاعة رسول الله ﷺ إن وضعت يدي عليها لريبة، وإنما أكثر ما يكون مني إليها أني آخذ يدها فأضعها على قلبي، فأستريح إليها، ثم أغمي عليه فأفاق وأنشد:
صرخ النعي وما كنى بجميل ... وثوى بمصر ثواء غير قفول
ولقد أجر الذيل في وادي القرى ... نشوان بين مزارع ونخيل
قومي بثينة فاندبي بعويل ... وأبكي خليلك دون كل خليل
ثم غمي عليه فمات ﵀.
стр. 256
وروي عن الأصمعي أنه قال لأعرابية: ما تعدون العشق فيكم؟ قالت: العناق والضمة والمحادثة والغمزة، ثم قالت: يا حضري كيف هو عندكم؟ فقلت: يقعد الرجل بين رجليها، ثم يجهدها، فقالت: يا ابن أخي ما هذا عشقاً، هذا طلب الولد. وسئل أعرابي عن العشق، فقال: هو اللحظة والنظرة، والأخذ من لطائف الحديث بنصيب، فكيف هو عندكم يا حضري؟ فقال: العض الشديد والجمع بين الركبة والوريد، فقال: والله ما يفعل هذا العدو بعدوه، فكيف الحبيب بحبيبه. وقيل لآخر: ما كنت صانعاً بمن أحببت لو ظفرت به؟ فقال أحل الخمار، واحرم ما وراء الأزرار، واطهر الحب ما يرضى الرب. وقيل لآخر: ما كنت صانعاً لو ظفرت بمحبوبك، فقال: أضمها وألثمها، وأعصي الشيطان في إثمها، ولا أفسد عشق عشرين سنة بلذة ساعة، تفنى لذتها، ويبقى عقابها، إني إن فعلت ذلك للئيم، ولم يلدني الكريم بين العرب، وصاروا يضرب بهم المثل في العشق بكثرة من قتل منهم. قال محمد بن جعفر: سمعت رجلاً من عذرة يتحدث عند عروة، فقال له عروة: يزعم الناس أنكم أرق الناس قلوباً. قال: نعم، والله لقد تركت في الحي ثلاثين شاباً خامرهم الموت ليس لهم داء إلا الحب. وعن سعد بن عتبه أنه حضر في مجلسه رجل، فاستغربه، فقال ممن أنت؟ قال: من قوم إذا عشقوا ماتوا، فقال: عذري ورب الكعبة، ثم قال: لم كان بكم هذا الداء الذي أهلككم؟ فقال: لأن في رجالنا صباحة، وفي نسائنا عفة. وقيل لرجل منهم: إنكم لتعدون موتكم في الحب فضيلة ومزية، وإنما ذلك من ضعف البنية، ووهن العقيدة، وسوء الروية، فقال العذري: أما أنك لو رأيتم المحاجر البلج، ترشق بالأعين العج، من فوقها الحواجب الزنج، من تحتها المباسم الفلج، تفتر عن الثنايا الغر، كأنها البرد والدر، لجعلتموها اللات والعزى.
نبذة مما وقع للشعراء في الشيب والشباب. قال بعض شعراء أهل العراق، وهو السيد حيدر الحلي المتوفي سنة ١٣٠٤
رأت الشيب بعارضيك فغاظها ... وثنت بذات البان عنك لحاظها
ريم لآلي نحرها يحكي لآلي ... ثغرها اللائي حكت ألفاظها
هيفاء لو بزت لنساك الورى ... يوماً لأصبى دلها وعاظها
قد كان شملك بالكواعب جامعاً ... أيام سوق صباك كان عكاظها
فتنبهت عين الزمان ففرقت ... بالسيب شملك لا رأت إيقاظها
رقت إليك قلوبهن مع الصبا ... وأعادهن لك المشيب غلاظها
فدع الغواني القاتلات بقدها ... كم فتنة غنج الحسان أفاظها
ولمهيار:
ما أنكرت إلا البياض فصدت ... وهي التي جنت المشيب هي التي
غراء يشفع قلبها في نحرها ... وجبينها ما ساءها في لمتي
أأنست إذ ليل الشباب مصاحبي ... ونفرت إن طلعت عليك أهلتي
وقول البحتري:
ولم أنس إذ راحوا مطيعين للهوى ... وقد وقفت ذات الوشاحين والوقف
ثنت طرفها دون المشيب ومن يشب ... فكل الغواني عنه مثنية الطرف
ومن طريف ما قيل في الشيب قول بعضهم وهو من الهزل المراد به الجد:
تبسم الشيب بذقن الفتى ... يوجب سفح الدمع من جفنه
حسب الفتى بعد الصبا ذلة ... أن يضحك الشيب على ذقنه
وذم الشباب بعضهم بقوله:
لم أقل للشباب في دعة الله ... ولا حفظه غداة استقلا
زائر زارنا أقام قليلاً ... سود الصحف بالذنوب وولى
نبذة غزلية مما تمناه الشعراء في عذب من شعرهم فمن ذلك قول بعضهم:
لقد كنت جلداً قبل أن توقدا النوى ... على كبدي ناراً بطيء خمودها
ولو تركت نار الهوى لتصرمت ... ولكن شوقاً كل يوم يزيدها
وقد كنت أرجو أن تذوب صبابتي ... إذا قدمت أيامها وعهودها
فقد جعلت في حبة القلب والحشا ... عهاد الهوى تولى بشوق يعيدها
بمرتجة الأرداف هيف خصورها ... عذاب ثناياها عجاف قيودها
مخصرة الأوساط زانت عقودها ... بأحسن مما زينته عقودها
وصفر تراقيها وحمر اكفها ... وسود نواصيها وبيض خدودها
يمنيننا حتى ترف قلوبنا ... رفيف الخزامي بات طل يجودها
ويروي منها:
وكنت أذود العين أن ترد البكا ... فقد وردت ما كنت عنه أذودها
أخلي ما بالعيش عيب لو أننا ... وجدنا لأيام الصبا من يعيدها
ويروي منها:
стр. 257
ولي نظرة بعد الصدود من الجوى ... كنظرة ثكلى قد أصيب وليدها
هل الله عاف عن ذنوب تسلفت ... أم الله لم يعف عنها معيدها؟
ولبعضهم:
ومستخفيات ليس يخفين زرننا ... يسحبن أذيال الصبابة والشكل
جمعن الهوى حتى إذا ما ملكنه ... نزعن وقد أكثرن فينا من القتل
موارق من ختل المحب عوارف ... بختل أولى الألباب بالجد والهزل
مريضات رجع القول خرس عن الخنا ... تألفن أهواء القلوب بلا بذل
ولآخر:
بيض حرائر ما هممن بريبة ... كظباء مكة صيدهن حرام
يحسبن من لين الكلام زوانياً ... ويصيدهن عن الخنا الإسلام
ومن قول حيدر الحلي: ذكرت بذات الأثل مضى لنا=زمن به ظل الشبيبة سابغ كواعب ترمي عن قسي حواجب=بأسهم لحظ لا تقيها السوابغ
تدب على الورد الندي بخدها ... عقارب من أصداغهن لوادغ
لوادغ أحشاء يبيت سليمها ... ودرياقه عذب من الريق سائغ
لهوت بها حيناً أطيع بها الهوى ... غراماً وشيطان الصبابة نازغ
إلى أن رأت عيني يد الشيب ناصلاً ... بها من كلا فؤادي ما الله صايغ
فأصبحت لا قلبي من الغيد فارغ ... بلى قلبها مني غدا وهو فارغ
وأمسيت في ليل من الغم تحته ... فؤاد له ضرس من الهم ماضغ
إلى أن جلا عني الهموم بأسرها ... هلال علافي مطلع السعد بازغ
هلال علا تجلوه طوقاً لنحرها ... لهُ ربهُ من جوهر المجد صائغ
فتىً لم تكن أهل المساعي جميعها ... لتبلغ من علياه ما هو بالغ
يقصر كعب عن نداه وحاتم ... ويقصر حتى جرول والنوابغ
وله من صدر أخرى:
ألفتك نافرة الظباء الهيف ... واستوطنت في ربعك المألوف
فأنعم بناعمة الشبيبة غضة ... بيضاء ضامية الوشاح رشوف
أبداً يروق العين في وجناتها ... ورد ولكن ليس بالمقطوف
هي قبلة صلى لها غزلي كما ... صلى ثناي لقبلة المعروف
وأجاد في مديحها ومن قوله أيضاً في صدر قصيدة:
حيتك من وجناتها بشقيقها ... وجلت عليك مدامة من ريقها
وتبسمت لك عن ثنايا لم تشم ... عين كبارقها ولا كعقيقها
وحبتك من رشفاتها بسلافة ... ما فض مرتشف ختام رحيقها
وتعطفت لك بانة غير الصبا ... لم يحظ قلبك بانعطاف رشيقها
ورنت بأجفان إليك فواتر ... بأخي الهوى الدنيا تضيق لضيقها
يا أهل رامة ما الجمال وما الهوى ... إلا لشائق ريمكم ومشوقها
نفحتكم بعبيرها ريح الصبا ... ونحتكم ديم الحيا ببروقها
فسقت ملاعبكم بأوطف تردهي ... منهُ يزهر رياضها وأَنيقها
ومن قوله في صدر أخرى مدح بها محمداً الصالح:
وصلت وريعان الشبيبة مونق ... وجفت وقد لبس المشيب المفرق
والغيد طوع نسيم ريعان الصبا ... يهتز غصن شبابهن المورق
والشيب إن حطت عقاب نهاره ... فغراب ليلة وصلهن محلق
أدارت فتاة الحي أني مذ نأت ... قلبي أسير هوى ودمعي مطلق
أنا والجوى والدمع وهي ومهجتي ... طوع البعاد مغرب ومشرق
عافت أخا دمعي العقيق وثغرها ... أمسى يضيء به أخوه الأبرق
لله موقفنا صبيحة أجمعت ... بيناً له جزعاً بريقي أشرق
ومسكت قلبي كي يقر وإنه ... ليكاد يلفظه الزفير فيخفق
وكظمت أنفاسي الغداة وفوقها ... كادت مجامع أضلعي تتفرق
جاذبتها فضل الرداء فأقبلت ... بالعنف تجمع ما جذبت وأرفق
ومذ استقلت بها الفراق دعوتها ... بالدمع إذ هو من لساني أطلق
الله يا ذات النطاق بواجم ... لسن المدامع عن جواه تنطق
وتذكري عهد المودة بيننا ... أيام أوقاتي بلهوك تنفق
متآلفين بحيث لا ظل الهوى ... ضاح ولا صفو الوداد مرنق
في روضة غناء لم يبرح بها ... يمري مذانبه الغمام المغدق
يسري النسيم عليلةٌ أنفاسهُ ... فيها بنشر من عبيرك يعبق
وعيون نرجسها المندى غازلت ... منك المحيا وهو شمس تشرق
فكأن في أجفانهن الطل من ... أنوار وجهك ادمع تترقرق
ولهوت منك بذات خدر زانها ... ثوب الشباب الغض لا الاستبرق
стр. 258
طوراً تعاطيني الحديث وتارة ... راحاً بها شمل الهموم يفرق
قالت وقد عاقرتها من كفها ... صرفاً لها نور يروق ورونق
أَلها نظير؟ قلت: خلق محمد ... في لطفه منها أرق وأروق
خلق لأَبلج غير معقود الندى ... ديم الغمام به غدت تتخلق
ويود أن بكل منبت شعر ة ... منه بقول نعم لسان ينطق
وأجاد في مديحها ولولا مراعاة الاختصار لذاكرتها وفيما ذكرت منها كفاية.
ولغيره:
حي عني بالحمى عهداً قديماً ... وتعهد لي به الظبي الرخيما
رشأٌ بالنبل من ألحاظه ... غادر القلب على عمد كليما
إن أقل ريم صريم نافر ... فلكم أخجل بالعينين ريما
لا ومن أرشق قلبي لحظه ... أنا لا أعرف لولاه الصريما
أبلج الخدين ما ألطفه ... قامة هيفاء أو كشحاً هضميا
راع بالرقة من وجنته ... رائق الورد وبالطبع النسيما
خلته لما بدت غرته ... شمس أفق زاحمت ليلاً بهيما
ولغيره:
ما لقلبي تهزه الأشواق ... خبرينا أهكذا العشاق؟
كل يوم لنا فؤاد مذاب ... ودموع على الطول تراق
عجباً كيف تدعي الورق وجدي ... ولدمعي بجيدها أطواق
كم لنا بالحمى معاهد أنس ... والصبا يانع الجنى رقراق
عهدُ لهو به الليالي ترامت ... ماله عرست به الأحداق
يالظعن به النياق تهادى ... نهنهي السير ساعة يانياق
فبأحداجك استقلت ظباء ... آنسات بيض الخدود رقاق
وارحمي يا أميم لوعة صب ... شفهُ يوم ذي الأثيل الفراق
كاد يقضي من الصبابة لولا ... أن تحاماه في الوداع العناق
شعر
ابن نباتة المصري وقد يسر الله لي في هذه الأيام ديوان العلامة جمال الدين محمد بن نباتة المصري، فراقني شعره، فأحببت أن أنقل ما أستجيده من القصائد، وليس هذا موضع ذكره، لكن عدم الظفر بديوانه قبلُ أوجب ذلك.
هو الإمام العلامة جمال الدين محمد بن محمد بن محمد بن حسن بن أبي الحسن، صالح بن يحيى بن طاهر بن محمد الخطيب بن نباتة المصري ولد بمصر سنة ٦٨٦ وتوفي سنة ٧٦٨ رحمه الله تعالى قال يمدح المؤيد:
أودت فعالك يا أسما بأحشائي ... واحيرتي بين أفعال وأسماء
إن كان قلبك صخراً من قساوته ... فإن طرفي المعنى طرف خنساء
ويح المعنى الذي أضرمت باطنه ... ماذا يكابد من أهوال أهواء
قامت قيامة قلبي في هواك فإن ... أسكت فقد سهدت بالقسم أعضائي
وقد بكى لي حتى الروض فاعتبروا ... كم مقلة لشقيق الغصن رمداء
وأمرضتني جفون منك قد مرضت ... فكان أطيب من نجح الدوا دائي
يا صاحبي أقلا من ملامكما ... ولا تزيدا بهذا اللوم إغرائي
هذي الرياض عن الأزهار باسمة ... كما تبسم عجباً ثغر لمياء
والأرض ناطقة عن صنع بارئها ... إلى الورى وعجيب نطق خرساء
فما يصدكما والحال داعية ... عن شرب فاقعة للهم صفراء
راحاً غريت برياها ومشربها ... حتى انتصبت إليها نصب إغراء
من الكميت التي تجري بصاحبها ... جري الرهان إلي غايات سراء
سكراً أحيطت أباريق المدام به ... فرجعت صوم تمتام وفأفاء
من كف أغيد يجسوها مقهقهة ... كما تأود غصن تحت ورقاء
حسبى من الله غفر للذنوب ومن ... جدوى المؤيد تجديد لنعمائي
ملك تطوق بالإحسان وفد رجا ... وبالظبي والعوالي وفد هيجاء
ذا بالنضار وهذا بالحديد فما ... ينفك آسر أحباب وأعداء
داع لجود يد بيضاء ما برحت ... تقضي على كل صفراء وبيضاء
يدافع النكبات الموعدات لنا ... حتى الرياح فما تسري بنكباء
ويوقد الله نوراً من سعادته ... فكيف يطمع حساد بإطفاء
لو جاورت آل ذبيان حماه لما ... ذموا العواقب من حالات غبراء
إلى أن قال:
ما زال يرفع اسماعيل بيت على ... حتى استوت غايتا نسل وآباء
مصرف الفكر في حب العلوم فما ... يشفى بسعدى ولا يروى بظمياء
له بدائع لفظ صاحبت كرماً ... كأنهن نجوم ذات أنواء
وأنمل في الوغى والسلم كاتبة ... إنما بأسمر نضو أو بسمراء
стр. 259
تكلفت كل عام سحب راحته ... عن البرية إشباعي وإروائي
فما أبالي إذا استكثرت عائلة ... فقد كفى هم وإصباحي وإمسائي
نظمت ديوان شعر فيه واتخذت ... علي كتابهُ ديوان إعطاء
وعاد قول البرايا عبد دولته ... أشهى وأشهر ألقابي وأسمائي
محرر اللفظ لكن غر أنعمه ... قد صيرتني من بعض الأرقاء
أعطي الزكاة وقدماً كنت آخذها ... يا قرب ما بين إقتاري وإثرائي
شكراً لوجناء سارت بي إلى ملك ... لولاه لم يطو نظمي سمعة الطائي
عال عن الوصف إلا أن أنعمه ... لجبر قلبي تلقاني بإصغاء
يا جابر القلب خذها مدحة سلمت ... فبيت حاسدها أولى بإقواء
مشت على مستحب الهمز مصمية ... نبالها كل هماز ومشاء
بيوت نظم لهم هي الجنات معجبة ... كأن في كل بيت وجه حوراء
وقال يمدح جمال الدين شهاب محمود:
وعدت بطيف خيالها هيفاء ... إن كان يمكن مقلتي إغفاء
يا من يوفر طيفها سهري لقد ... (أمن ازديادك في الدجى الرقباء)
يا من يطيل أخو الهوى لقوامها ... شكواه وهي الصعدة السمراء
أفديك شمس ضحي دموعي نثرة ... لما تغيب وعاذلي عواء
وعزيزة هي للنواظر جنة ... تجلى ولكن للقلوب شقاء
خضبت بأحمر كالنضار معصماً ... كالماء فيها رونق وصفاء
واهاً لهن معاصماً مخضوبة ... سال النضار بها وقام الماء
أصبو إلى البرحاء أعلم أنه ... يرضيك أن تعتادني البرحاء
ويبث ما يلقاه من ألم الجوى ... قلبي وأنت الصخرة الصماء
كم من جمال عنده ضر الفتى ... ولكم جمال عنده السراء
كجمال دين الله وابن شهابه ... لا الظلم حيث يرى ولا الظلماء
الماجد الراقي مراتب سؤدد ... قد رصعت بجوار الجوزاء
ذاك الذي أمسى السها جاراً له ... لكن حاسد مجده العواء
عمت مكارمه وسار حديثهُ ... فبكل أرض نعمة وثناء
وحمى العواصم رأيه ولطالما ... قعد الحسام وقامت الآراء
عجباً لنار ذكائه مشبوبة ... وبظله تتفيأ الأفياء
وللفظه يزداد رأي مريده وحجاه وهو القهوة الصهباء
غنى اليراع به وأظهر طرسه ... وكذا تكون الروضة الغناء
يا راكب العزمات غايات المنى ... مغنى شهاب الدين والشهباء
ذي المجدلافي ساعديه عن العلى ... قصر ولا في عزمه إعياء
والعدل يردع قادراً عن عاجز ... فالذئب هاجعة لديه الشاء
والحلم يروي جابراً عن فضله ... والفضل يروي عن يديه عطاء
يا أكمل الرؤساء لا مستثنياً ... أحداً إذا ما عدت الرؤساء
يا من مللت من المعاد له وما ... ملت لدي معادها النعماء
إن لم تقم بحقوق ما أوليتني ... مدحي فأرجو أن يقوم دعاء
شهدت معاليك الرفيعة والندى ... إن الورى أرض وأنت سماء
وقال يمدح مؤيد الدين بن أيوب:
بالغت في شجني وفي تعذيبي ... ومع الأذى أفديك من محبوب
يا قاسياً هلا تعلم قلبهُ ... لين الصبا من جسمه المشروب
آهاً لورد فوق خدك أحمر ... لو أن ذاك الورد كان نصيبي
ولواحظ ترث الملاحة في الظبا ... إرث السماحة في بني أيوب
فتحت بنو أيوب أبواب الرجا ... وأتت بحارهم بكل عجيب
وبملكهم رفع الهدى أعلامه ... وحمى سرادق بيته المنصوب
وإلى عمادهم انتهت علياهم ... وإلى العلاء قد انتهت لنجيب
ملك بأدنى سطوه ونواله ... أنسى ندى (هرم) وبأس شيب
الجود ملء مطامع والعلم مل ... ء مسامع والعز ملء قلوب
ألفت بأنبوب اليراعة والقنا ... يمناه يوم ندى ويوم حروب
فإذا نظرت وجدت أرزاق الورى ... ودم العداة يفيض من أنبوب
كم مدحة لي صغتها وأثابها ... فزهت على التفضيض والتذهيب
وتعودت في كل مصر عنده ... مرعى يقابل جدبها بخصيب
يارب بشر منه طائي الندى ... يلقى مدائحنا لقاه حبيب
وقال يمدحه:
ما ضر من لم يجد في الحب تعذيبي ... لو كان يحمل عني بعض تأنيبي
أشكو إلى الله عذالاً أكابدهم ... وما يزيدون قلبي غير تشبيب
стр. 260
وخاطر خنث الأشواق تعجبه ... سوالف الترك في عطف الأعاريب
كأنني لوجوه الغيد معتكف ... ما بين أصداغ شعر كالمحاريب
كأنني الشمع لما بات مشتعل الفؤاد قال لأحشائي ألا ذوبي
لا يقرب الصبر قلبي أو يفارقه ... كأنه المال في كف ابن أيوب
لولا ابن أيوب ما سرنا لمغترب ... في المكرمات ولا فزنا بمرغوب
دعا المؤيد بالترغيب قاصده ... فلو تأخر لاستدعي بترهيب
ملك إذا مر يوم لا عفاة بهِ ... فليس ذلك من عمر بمحسوب
للجود والعلم أقلام براحته ... تجري المقاصد منها تحت مكتوب
مجموعة فيه أوصاف الألى سلفوا ... كما تترجم أخبار بتبويب
إذا تسابق للعلياء ذو خطر ... سعى فأدرك تبعيداً بتقريب
وإن المال إلى الهيجاء سمر قنا ... أجرى دماء الأعادي بالأنابيب
قد أقسم الجود لا ينفك عن يده ... إلا لعافيه أو للنسر والذيب
أما حماه فقد أضحى بدولته ... ملاذ كل قصي الدار محروب
غريبة الباب تقري من ألم بها ... فخل بغداد واترك بابها النوبي
وانعم بوعد الأماني عند رؤيته ... فإن ذلك وعد غير مكذب
وأعجب لأيدي جواد قط ما سئمت ... إن البحار لآباءُ الأعاجيب
كل العفاة عبي في صنائعه ... ودار كل عدو دار ملحوب
يامانحي منناً من بعدها منن ... كالماء يتبع مسكوباً بمسكوب
من كان يلزم ممدوحاً على غرر ... فما لزمتك إلا بعد تجريب
أنت الذي نبهت فكري مدائحه ... ودربتني والأشيا بتدريب
حتى أقمت قرير العين في دعة ... وذكر مدحك في الآفاق يسري بي
مدح يغار لمسود المداد به ... (حمر الحلى والمطايا والجلابيب)
وقال يمدحه:
عوض بكأسك ما أتلفت من نشب ... فالكأس من فضة والراح من ذهب
وأخطب إلى الشرب أم الدهر إن نسبت ... أخت المسرة واللهو ابنة العنب
غراء حالية الأعطاف تخطر في ... ثوب من النور أو عقد من الحبب
عذراء تنجز ميعاد السرور فما ... تومي إليك بكف غير مختضب
مصونة تجعل الأستار ظاهرة ... وجنة تتلقى العين باللهب
لو لم يكن من لقاها غير راحتنا ... من حرفة المتعبين العقل والأدب
فهات واشرب إلى أن لا يبين لنا ... أنحن في صعد نستن أم صبب
خفت فلو لم تدرها كف حاملها ... دارت بلا حامل في مجلس الطرب
يا حبذا الراح للأرواح سارية ... تقضي بسعد سراها أنجم الحبب
من كف أغيد تروي عن شمائله ... عن خده المشتهى عن ثغره الشنب
حمالة الحلي والديباج قامته ... تبت غصون الربى حمالة الحطب
يا تالي العذل كتباً في لواحظه ... (السيف أصدق أنباء من الكتب)
كم رمت كتم الهوى فيه فنمّ به ... إلى الوشاة لسان المدمع السرب
جادت جفوني بمحمر الدموع له ... جود المؤيد للعافين بالذهب
شادت عزائم اسماعيل فاتصلت ... قواعد البيت ذي العلياء والرتب
ملك تدلك في الجدوى شمائله ... على شمائل آباء له نجب
محجب العز عن خلق تحاوله ... وجود كفيه باد غير محتحب
قد أتعب السيف من طول القراع به ... فالسيف في راحة منه وفي تعب
تلقاه للحلم معنى في خلائقه ... لا تستطيل إليه سورة الغضب
يغضي عن السبب المردي بصاحبه ... عفواً ويعطي العطا جماً بلا سبب
ويحفظ الدين بالعلم الذي اتضحت ألفاظه فيه حفظ الأفق بالشهب
يمم حماه تجد عفواً لمقترف ... مالاً لمفتقر، جاهاً لمقترب
ولا تطع في السرى والسير ذا عذل ... واعكف بذلك الثرى الملثوم واقترب
وعذ من الخوف والبؤسى بذي همم ... مدائح فيه عند الله كالقرب
نوع من الصدق مرفوع المنار غدا ... في الصالحات من الأعمال في الكتب
وواهب لو غفلنا عن تطلبه ... لجاءنا جوده الفياض في الطلب
أسدى الرغائب حتى ما يشاركه ... في لفظها غير هذا العشر من رجب
واعتاد أن يهب الآلاف عاجلة ... وإن سرى لالوف الجيش لم يهب
كم غارة عن حمى الإسلام كفكفها ... بالضرب والطعن أو بالرعب والرهب
стр. 261
وغاية جازفي آفاقها صعداً ... كأنما هو والإصراع في صبب
ومرمل ينظر الدنيا على ظمأ ... منها ويطوي الحشا ليلاً على سغب
نادته أوصافه اللاتي قد اشتهرت ... لم القعود على غير الغنى فثب
فقام يعمل بين الكثب ناجية ... كأنما احتملت شيئاً من الكتب
حتى أناخت بمغناه فقال لها ... يا وصلة الرزق هذي فرقة التعب
لا عيب في ذلك المغنى سوى كرم ... يسلو عن الأهل فيه كل مغترب
كم ليلة قال لي فيها ندى يده ... يا أشعر العرب أمدح أكرم العرب
فصحبته قوافي التي بهرت ... بخرد مثل أسراب المها عرب
ألبسته وشيها الحالي وألبسني ... نواله وشي أثواب الغنى القشب
فرحت افخر في أهل القريض به ... وراح يفخر في أهل السيادة بي
يا ابن الملوك الألى لولا مهابتهم ... وجودهم لم يطمع دهر ولم يطلب
الجائدين بما نالت عزائمهم ... والطاعنين الأعادي بالقنا السلب
والشائدين على كيوان بيت على ... تغيب زهر الدراري وهو لم يغب
بيت من الفخر شادوه على عمد ... وبالمجرة مدوه على طنب
لله أنت فما تصغي إلى عذل بها ... يوم النوال ولا تلوي على نشب
أنشأت للشعر أسباباً يقال ... وهل تنظم أشعار بلا سبب
أنت الذي أنقذتني من يدي زمني ... يداه من بعد إشرافي على العطب
أجابني قبل أن ناديت جوادك إذ ... ناديت جود بني الدنيا فلم يجب
فإن يكن بعض أمداح الورى كذباً ... فإن مدحك تكفير من الكذب
وقال يمدح العلاء بن الفضل:
عطفت كأمثال القسي حواجباً ... فرمت غداة البين قلباً واجبا
بلواحظ يرفعن جفناً كاسراً ... فتثير في الأحشاء هما ناصبا
ومعاطف كالماء تحت ذوائب ... فاعجب لهن جوامدا وذوائبا
سود الغدائر قد تعقرب بعضها ... ومن الأقارب مايكون عقاربا
من كل ماردة الهوى مصرية ... لم تخشن من شهب الدموع ثواقبا
لم يكف أن شرعت رماح قدودها ... حتى عقدن على الرماح عصائبا
أفدي قضيب معاطف ميادة ... تجلو علي من اللواحظ قاضبا
كانت تساعدني عليه شبيبتي ... حتى نأت فنأى وأعرض جانبا
وإذا الفتى قطع السنين عديدة ... شاب الحياة فظل يدعى شائبا
ياأخت أقمار السماء محاسنا ... والشمس نورا والنجوم مناسبا
إن كابدت كبدي عليك مهالكا ... فلقد فتحت من الدموع مطالبا
كالتبر سيالا فلا أدري به ... جفني المسهد سابكا أم ساكبا
كاتمت أشجاني وحسبي بالبكا ... في صفح خدي للعواذل كاتبا
دمعي مجيب حالتي مستخبرا ... لله دمعا سائلا ومجاوبا
وعواذلي عابوا عليك صبابتي ... وكفاهم جهل الصبابة عائيا
ما حسن يوسف عنك بالنائي ولا ... دم مهجتي بمقيص خدك كاذباً
بأبي الخدود الغارات من البكا ... اللابسات من الحرير جلاببا
النابتات بأرض مصر زواهراً ... والزاهرات بأرض مصر كواكبا
آها لمصر وأين مصر وكيف لي ... بديار مصر مراتعاً وملاعباً
حيث الشبيبة والحبيبة والوفا ... في الأعربين مشارباً وأصحاباً
والطرف يركع في مشاهد أوجه عقدت بها طرر الشعور محارباً
والدهر سلم كيف ما حاولته ... لا مثل دهري في دمشق محارباً
هيهات يقربني الزمان أذى وقد ... بلغت شكابتي العلاء الصاحبا
أعلى الورى همماً واعدل سيرة ... وأعز منتصراً وأمنع جانباً
مرآة فضل الله والقوم الألى ... ملؤوا الزمان محامداًَ ومناقباً
الحافظين ممالكاً وشرائعاً ... والشارعين مهابة ومواهباً
لا يأتي منهم إمام سيادة ... من أن يبذ النيرات مراتباً
إما بخطي اليراع إذ الفتى ... في السلم أو في الحرب يغدو كاتبا
فإذا سخا ملأ الديار عوارفاً ... وإذا غزا ملآ القفار كتائباً
فإذا استهل بنفسه وبقومه ... عد المفاخر وارثاً أو كاسباً
ابقوا علي وقضوا فحسبتهم ... وحسبته سيلاً طماً وسحائباً
ذو الفخر قد دعيت رواة فخاره ... في الخافقين دعاءها المتناسبا
стр. 262
والبيت يدعى عامراً والمجد يدعى ... ثابتاً والمال يدعى السائبا
ما رحبته القائلون مدائحاً ... إلا وقد شمل الأكف رغائبا
نعم المجدد في الهدى أقلامه ... أيام ذو الأقلام يدعى حاطبا
تخذ المكارم مذهباً لما رأى ... للناس فيما يعشقون مذاهبا
وحياطة الملك العقيم وظيفة ... ومطالع الشرف المؤيد راتبا
والعدل حكماً كاد أن لا يغتدي ... زيد النحاة به لعمرو ضاربا
والفضل لو سكت الورى لاستنطقت ... غرر الثنا حقباً به وحقائب
واللفظ بين اناءة وإفادة ... قسم الزمان فليس يعدم طالبا
وعرائس الأقلام واطربي بها ... سود المحابر للقلوب سوالبا
(والمنبهات عيوننا وعقولنا ... وجناتهن الناهبات الناهبا)
سحارة تحكي كعوب الرمح في ... روع وتحكي في السرور كواعبا
لا تسألن عن طبها متأملاً ... وأسأل به دون الملوك تجاربا
يا حافظاً ملك الهدى كتابه ... سرت صحائفها المليك الكاتبا
يا سابقاً لمدى العلى بعزائم ... تسري الصبا من خلفهن جنائبا
يا فاتحاً لي في الورى من عطفه ... باباً فما آسى على إغلاق با
يا من تملكني الخمول فرده ... بسلاح أحرفهِ فولى هارباً
يا معتقاً رقي وباعث كتبه ... لله درك معتقاً ومكاتبا
يا غارساً مني نبات مدائح ... من مثله يجني الثمار غرائبا
إن ناسبت مدحي معاليك التي ... شرفت فإن لكل سوق جالبا
أهدي المديح على الحقيقة كاملاً ... لكم وأهدي للورى متقاربا
وله من صدر قصيدة:
أذكى سنا البرق في أحشائه لهبا ... وجاذبته يد الأشواق فانجذبا
واستخرج الحب كنزاً من محاجره ... فقام يبكي على أحبابه ذهبا
صب يرى شرعة في الحب واضحة ... فما يبالي إذا قال الوشاة صبا
نحا الهوى فكره العالي فصيره ... بعامل القد لا ينفك منتصبا
مقسم الدمع والأهواء تحسبه ... بين الصدود وبين النأي منتهبا
ذو وجنة بمجاري الدمع قد قرحت ... وخاطر بجناح الشوق قد وجبا
كأن مهجته ملته فاتخذت ... سبيلها عنهُ في بحر البكا سربا
يا ساري البرق في آفاق مصر لقد ... أذكرتني من زمان النيل ما عذبا
حدث عن البحر أود معي ولا حرج ... وانقل عن النار أو قلبي ولا كذبا
واندب على الهرم الغربي لي عمراً ... فحبذا هرم فارقته وصبا
وقبل الأرض في باب العلاء فقد ... حكيت من أجل هذا الثغر والشنبا
واهتف بشكواي في ناديه إن به ... في المكرمات غريباً يرحم الغربا
إلى آخرها وله من أبيات:
سلام على عهد الصبابة والصبا ... سلام بعيد الدار لا غرو أن صبا
مفارق أوطان له وشبيبة ... إذا شرقت أهل التواصل غربا
يعاود أحشاه من الشوق فاطر ... ويتلو عليه آخر الآي من سبا
وما زال صبا بالأحبة والهاً ... إلى أن حكاه دمعه منتصبا
وقال يمدح المؤيد:
لولا معاني السحر في لحظاتها ... ما طال تردادي على أبياتها
ولما وقفت على الديار مناديا ... قلبي المتيم من ورا حجراتها
دار عرفت الوجد منذ أتيتها ... زمن الوصال فليتني لم آتها
حيث الظبا وكواعب وحدائق ... أنى التفت رتعت في وجناتها
والراح هادية السرور إلى الحشا ... مثل الكواكب في أكف سقاتها
لا أنظم الأحزان في أيامها ... أو ما ترى كسرى على كاساتها
كم ليلة عاطيت صورته طلاً ... كادت تحرك معطفيه بذاتها
فلئن بكيت فإِن هذا الدمع من ... ذاك الحباب يفيض من جنباتها
مالي وما للهو مفارق ... نفرت غربانها ببزاتها
والشيب في فودي يخط أهلة ... معنى المنون يلوح من نوناتها
سقياً لروضات الشباب وإن جنت ... هذي الشجون على قلوب جناتها
ولدولة الملك المؤيد إنها ... جمعت فنون المدح بعد شتاتها
ملك لنعماه عوائد أنعم ... ألفت نحاة الجود فيض صلاتها
شدت لساحته الرحال ففعلها ... يقضي بنصر الحرف نحو جهاتها
стр. 263
أكرم بساحته التي لا صدح من ... ورق الثنا إلا على روضاتها
غذى الرجا نباتها فانظر لما ... وشاه من مدح فم ابن نباتها
واهرع إلى الشخص الذي قد ألفت ... كل القلوب له على رغباتها
وإذا الفتى اجتذب القلوب سعت إلى ... دينار راحته خطا حبّاتها
وإذا حلى الملك المؤيد أشرقت ... فاخشع لما تمليه من آياتها
شرف مثال النجم دون مثاله ... ولهاً يضيع الغيث في قطراتها
لم يكف أن جلى الخطوب عن الورى ... حتى جلا بعلومه ظلماتها
لله فيه سريرة مكنونة ... فصفاتها الإعياء دون صفاتها
لا تطلبن من القرائح حصرما ... أفضى إليه وعد عن أعناتها
ركعت لذكراه الحروف فلم تكد ... تتبين الألفات من دالاتها
وتقشعت أنواء كل غمامة ... وهباته تجري على عاداتها
يا ابن الملوك الناشرين لبيتهم ... سيراً تبيض من وجوه رواتها
متَّ الفقير إلى يديك بمنة ... إذا كان صنع الجود من لذاتها
وصبت إلى لقياك غير ملومة ... نفس رأت جدواك أصل حياتها
لا نعتب الأيام كيف تقلبت ... بالقاطنين وأنت من حسناتها
وله في مدح كمال الدين الزملكاني: وهي قصيدة طويلة أجاد فيها كل الإجادة فاختصرت منها أكثر لشهرة ديوانه، فمن أراد الوقوف عليها فليراجعها في الديوان وأولها قوله:
قضى وما قضيت منكم لبانات ... متيم عبثت فيه الصبابات
ما فاض من جفنه يوم الرحيل دم ... إلا وفي قلبه منكم جراحات
غبتم فغاضت مسرات القلوب فلا ... أنتم بزعمي ولا تلك المسرات
أحبابنا كل عضو في محبتكم ... كليم وجد فهل للوصل ميقات
يا حبذا في الصبا عن حيكم خبر ... وفي بروق الغضا منكم إشارات
وحبذا زمن اللهو الذي انقرضت ... أوقاته الغر والأعمال نيات
حيث المنازل روضات مديحة ... وحيث جاراتها غيث سحابات
أيام ما شعر البين المشت بنا ... ولا خلت من مغاني الأنس أبيات
حيث الشباب قضاياه منفذة ... وحيث لي في الذي أهوى ولايات
وحيث أسعى لأوطان الصبا مرحاً ... ولي على حكم أيامي ولايات
إلى أن قال في مديحها:
حبر رأينا يقين الجود من يده ... وأكثر الجود في الدنيا حكايات
محجب العز في أيام سؤدده ... للعز محو وللأمداح إثبات
سما على الخلق فاستسقوا مواهبهُ ... لا غرو أن تسقي الأرض السموات
واستشرق العلم مصقولا سوالفه ... بدهره وزهت لليمن جنات
واستأنف الناس للأيام طيب ثنا ... من بعد ما كثرت فيها الشكايات
لا يختشي موت نعمى كفه بشر ... كأن أنعمه للخلق أقوات
ولا تزحزح عن فضل شمائله ... كأنها لبدور الفضل هالات
يا شاكي الدهر يممه وقد غفرت ... من حول أبوابه للدهر زلات
ويا أخا الذنب قابل عفوه أمماً ... أيام لا ملجأ أو لا مغارات
ولا يغرنك غفران فتغمره ... فللعقار على لين شرارات
ويا فتى العلم إن أعيتك مشكلة ... هذا حماه المرجى والهدايات
ويا أخا السعي في علم وفي كرم ... هذي الهدايا وهاتيك الهدايا
لا تطلبن من الأيام مشبهه ... ففي طلابك للأيام إعنات
ولا تصخ لأحاديث الذين مضوا ... ألوى العنان بما تملي الروايات
طالع فتاويه واستنزل فتوته ... تلق الإفادات تتلوها الإفادات
وحبر الوصف في فضل بأيسره ... تكاد تنطق بالوصف الجمادات
فتى تناول صحف المجد أجمعها ... من قبل ما رقمت في الخلد خطات
حامي الديار بأقلام مسددة ... تأخر الشك عنها والغوايات
حامي الذمار بأقلام لها مدد ... من الهوى واسمه في الطرس مدات
قويمة تمنع الإسلام من خطر ... فأعجب لها ألفات وهي لامات
تعلمت بأس آساد وصوب حياً ... منذ اغتدت وهي للآساد غابات
وعودت قتل ذي زيغ وذي خطل ... كأنها من كسير الحظ فضلات
وجاورت يد ذاك البحر فابتسمت ... هنالك الكلمات الجوهريات
لفظ تشف عن المعنى لطاقته ... كما تشف عن الراح الزجاجات
стр. 264
عوذ بياسين أطراساً براحته ... فيها من الزخرف المشهود آيات
إلى آخرها، وقال يمدح تاج الدين ابن الزين خضر:
نجوم تراعيها جفون سوافح ... ولا طيفكم دان ولا الليل نازح
أبا خلة عني بطيف خيالها ... عسى ولعل الدهر فيك يسامح
وتاركة قلبي كليماً وناظري ... ذبيحاً ولا في العيش بعدك
لمحتك للبين المصادف لمحة ... فطاحت بأحشائي إليك الطوائح
جوارح ينمو شجوها وسقامها ... (علي ودوني جندل وصفائح)
وقلب عصى نصحي عليك وسلوتي ... فأبعد شيء صبره والنصائح
وقلت جبين المالكية عذره ... فقال الورى عذر لعمرك واضح
ولم أنس يوم البين إيماء طرفها ... وعيس المطايا للفلاة جوانح
فليت الردى أجرى دم العيس ناحراً ... (فسالت بأعناق المطي الأباطح)
ومما شجاني في الضحى صوت ساجع ... كأني له بعد الحبيب أطارح
يساعدني نوحاً يكاد يجيبنا ... بأمثاله بان الحمى المتناوح
فليت حمام الأيك يوماً أعارني ... جناحاً إلى الركب الذي هو نازح
وليت النجوم الزهر تدنو قوافيا ... لنا فتنقى في ابن خضر المدائح
رئيس تجلى بشره ونواله ... فلا الأفق مغبر ولا العام كالح
على المزن من تلك البنان تشابه ... وفي البدر من ذاك الجبين ملامح
وفي الروض من أخلاقه وثنائه ... سمات فنعم المزهرات الفواتح
ولله أقلام الحماسة والندى ... على يده حيث السطا والمنائح
حمين الحمى لما فتحن بلاده ... وقد أقصرت عنها القنا والصفائح
فهن على اللائي فتحن مغالق ... وهن على اللائي غلقن مفاتح
وطوقنا أطواق جود فكلنا ... على شبه الأغصان بالحمد صادح
وروض أقطار الشآم بأحرف ... سقى أصلها طام من النيل طافح
وصدر لما يلقى من السر لائق ... وكوكب فضل في سما الملك لائح
علي المدى لا بالملمة جازع ... ولا بالتي يثنى لها العطف فارح
وزاكي النهى إما لمعنى سيادة ... وإما لأكباد المعادين شارح
بليغ إذا نص المقال وبالغ ... مدى الرأي حيث النيرات الطوامع
وأبيض وجه العرض والوجه والتقى ... إذا لفحت سفع الوجوه اللوافح
على دولة الأملاك كل فصوله ... ربيع وفي الأعدا سعود ذوابح
وللطالبي النعمى غمام كأنه ... لما جد في جود وحاشاه مازح
إلى عدله يشكو الزمان وإنه ... ليمٌّ يغادي أمره ويراوح
تعودت أن تسري إليه ركائبي ... فترجع وهي المثقلات الروانح
وآخذ من قبل المديح جوائزا ... تقصر عن أدنى مداها المدائح
فلا غرو أن آتي بهن مضيئة ... كأن المعاني في البيوت مصابيح
أمولاي إن يسكت لساني صبراً ... فإن لسان الحال مني صادح
وقال يمدح الملك المنصور:
أهواه فتان اللواحظ أغيدا ... ترك الغزال من الحياء مشردا
ولأجله الأغصان مالت من صبا ... والبدر طول الليل بات مسهدا
وأغن أقسم لاعصيت عصابة ... تدعو إليه ولا أطعت مفندا
نشوان من رأى ناراً على وجناته ... تذكو فآنس من جوانبها هدى
أبداً أميل إلى لقاه وإن جفا ... وتحن أحشائي له وإن اعتدى
وأطول أشجاني بطرف فاتر ... ترك الفؤاد بناره متوقدا
ومورد الوجنات لولا حسنه ... لم يجر دمعي في هواه موردا
وبليت منه بدور عشق دائم ... مثل الهلال إذا استسر تجددا
قد أقسمت أحشاي لا تدع الأسى ... كأنامل المنصور لا تدع الندى
أبهى الورى خلقاً وأبهر منظراً ... وأجل آلاء وأكرم مولدا
ملك يغار البدر لما يجتلى ... ويذوب قلب الغيث لما يجتدى
في وجهه للملك نور سعادة ... تعشو له الآمال واجدة هدى
قرع يخير عن ميادي أصله ... ياحبذا خبر لديه ومبتدا
طالت يداه إلى مآثر بيته ... فحبت مكارمه بكل يديدا
ذو همة في الفصل يحكم يومها ... وبريك أحكم من فواضلها غدا
وشجاعة تنضي السيوف صقيلة ... وإلى المعامع ربها يشكوا الصدا
يزداد معنى بيته حسناً به ... فكأنه بي القريض مولدا
стр. 265
ويشم ما سن أبوه من العلى ... لا قاصر عنه ولا متبلدا
ما شاد اسماعيل بيت فخاره ... إلا ليستدعي إليه محمداً
سار على منهاجه فإذا رأت ... عيناك منصوراً رأيت مؤيداً
يا ابن الذي ملأ الوجود مواهباً ... والأفق ذكراً والصحائف سؤدداً
شرفت شعري ذاكرته وأنرته ... حتى كأن بكل حرف فرقدا
فلأهدين فريدة لممدح ... أضحى بنيل نداه شعري مفرداً
حسب ابن شاد أن يراني للثنا ... عبداً وحسبي أن أراه سيدا
وقال يمدح الأفضل:
صدودك باللمياء عني ولا البعد ... إذا لم يكن من واحد منهما بد
بروحي من لمياء عطف إذا زها ... على الغصن قال الغصن ما أنا والقد
وعنق قد استحسنت دمعي لأجلها ... وفي عنق الحسناء يستحسن العقد
من العرب إلا أن بين جفونها ... أحد شبا مما يجرده الهند
على مثلها يعصى العذول وإنما ... يطاع على أمثالها الشوق والوجد
عزيز على العذال مني صرفها ... وللقلب في دينار وجنتها نقد
أعذالنا مهلا فقد بان حمقكم ... وقد زاد حتى ما لحمقكم حد
وقلتم قبيح عندنا العشق بالفتى ومن أنتم حتى يكون لكم عند؟
سمحت بروحي للحسان فمالكم ومالي وما هذا التعسف والجهد
وثغر يتيم الدر سلم مهجتي ... فأتلفها من قبل ما ثبت الرشد
هو البرد الأشهى لغلة هائم ... أو الطلع أو نور الأقاحي أو الشهد
ومرشفه المن الذي لا يشوبه ... سلوي أو الراح المشمول أو النهد
عهدت الليالي حلوة بارتشافه ... وهن الليالي لا يدوم لها عهد
فملا ابتسم البرق الذي كان بالحمى ... غداة تفرقنا ولا قهقه الرعد
تولت شموس الحي عنه ففي العلى ... سناها وفي أكباد عشاقها الوقد
وكم ذابح للصب يوم تحملوا ... بأخبية غنى بها للسرى سعد
فيا قلب جهداً في التحرق ... وهذا لعمري جهد من لا له جهد
ويا دمع فض وجداً بذكر خدودهم ... فإنك ماء الورد إن ذهب الورد
رعى الله دهراً كنت فارس لهوه أروح إلى وصل الأحبة وأدو
جوادي من الكاسات في حلبة الهنا ... كميت والإ من صدور المها نهد
وفي عضدي بدر الجمال موسد ... وقد قدحت المراح في خده زند
وعيشي مأمون الطباق الذي أرى ... فلا الشعر مبيض ملا الحال مسود
زمان ولى بالشبيبة وانقضى ... وفي في طعم من مجاحته بعد
يزول وما زالت مذاقته الصبا ... ويبلى وما تبلى روائحه البرد
له أبداً مني التذكر والأسى ... وللأفضل الملك القصائد والقصد
بكم آل ايوب غنينا عن الورى والأسى ... فلم نجد الأمداح فيهم ولم يجدوا
أتينا لمغناكم تجاراً وإنما ... بضائع الآمال تعرض والحمد
فنفقتم سوق الثنا بضائع ... معجلة للوفد من سبقها وفد
ورشتم جناح الآملين وطوقت ... رقاب بنعماكم فلاغرو أن تشدو
سقى تربة الملك المؤيد وابل ... وفي على عهد المعالي له عهد
لقد صدقتنا في الزمان وعوده وشيمة اسماعيل أن يصدق الوعد
وولى وقد أوصى بنا الملك الذي ... أبر على جمع العلى شخصه الفرد
فما لبنى أيوب ند من الورى ... وما في بني أيوب عندي له ند
مليك له في الملك أصل ومكسب=وحظ فنعم الجد والجد والجد
حوته العلى قبل الحجور وهزه حديث الثنا من قبل المهد
وغذته للعلياء قبل لبانه ... لباناً لها من مثله مخض الزبد
فجاء كما ترضى السيادة والعلى ... وحيداً على أبوابه للورى حشد
رعى خلق رب العباد وخلقه ... فحسن ما يخفى لديه وما يبدر
ألم ترني يممت كعبة بيته ... لحج ولائي لاسواع ولاود
عقلت بحبل من جبال محمد ... أمنت به طارق الدهر أن يعدو
ويممت مغناه بركب مدائح يسيل بها غور ويطفو بها نجد
من اللاء كثرها تكاثرت ... لدي بها الأتباع والأصل والولد
وأعجبني المرعى الخصيب ببابه ... فحالي به الأهنى وعيشي به الرغد
أَيا ملكا لولا حماه وجوده ... لما ملح المرعى ولا عذب الورد
стр. 266
تجمع في علياك كل تفرق ... من الوصف حتى الضد يظهره الضد
فقربك والعليا وحلمك والسطا ... وحزمك والجدوى وملكك والزهد
وعنك استفاد الناس مدحاً بمثله ... على الشب يشدو أو على الركب إذا يحدو
فدونكما مني على البعد غادة ... يظل عبيداً وهو من خلفهما عبد
على أيها تحتك منك بناقد ... يرجى له نقد ويخشى له نقد
عريق العلى ألفاظه كدروعه ... غدا والوغى والسلم يحكمه سرد
حمى الله ريب الحوادث ملكه ... ولازال للأقدار من حوله جند
هو الكافل الدنيا بأنعمه فما ... يحس لمفقود بأيامه فقد
وإني وأن أخرت سعياً لأرتجي ... عوائد من نعماه تسعى بها البرد
إذا المرء لم يشدد إلى الغيث رحله ... أَتى نحو مغناه حيا الغيث يشتد
وما أنا إلا العبد ما في رجائه ... ولا ظنه عيب ولا يمكن الرد
وقال يرثي شهاب الدين محمود:
واوحشتي لمقام منك محمود ... واحسرتي لوداد فيك معهود
لو شام طرفك ما أَلقاه من حرب ... لم تدر من هو منا الهالك المودي
إنا إلى الله من رزء دنا فرمى ... دمعي وشجوي بإطلاق وتقييد
يا معرضاً عن لقاء الصحف منقطعاً ... وكان أكرم مصحوب ومودود
بالرغم أن أنشد الألفاظ عاطلة ... من حلي مدحك أثناء الأناشيد
أو أن أعوض منثور المدامع عن ... سماع در من الأقوال منضود
لم يبق ببعدك ذو سجع أعارضة ... إلا الحمائم في نوح وتعديد
من للدواوين يقضي بالتآمل في ... مخرج من معانيها ومردرد
كنا نعدك فرداً في موازنها ... رزئنا بموزون ومعدود
من للرسائل في لامات أحرفها ... تغزو رزئنا بموزون ومعدود
من للرسائل في لامات أحرفها ... العداة بألفاظ صناديد
سقيا لعيدك منم سحاب ذيل تقى ... مضى وليس الآذى منه بمعهود
عصب إذا رمت زهداً أو حذرت وغى ... أرضاك في ذا وفي هذا بتحرير
هي المنية لا تنقل صائدة ... نفوسنا بين مسموع ومشهود
أين الملوك الألى كانت منازلهم ... تراحم البجر في عز وتسييد
لم يحمهم سرد داود الذي ملكوا ... من المنون ولا جند ابن داود
إيها سقاك شهاب الدين صوب حيا ... يكاد يعشب أطراف الجلاميد
لو لم تكن بوفاء القصد تسعفنا ... كانت بنوك وفاً عن كل مقصود
في كل معنى أرى حسناك واضحة ... فحسرتي كل وقت ذات تجديد
وقال يمدح مؤيد الدين ويهنئه بعيد الفطر وقد أجاد في وصف الهلال:
يا شاهر الطرف حي فيك مشهور ... وكاسر الطرف قلبي منك مكسور
امرت لحظك ان يسطو على كبدي ... يا صدق من قال إن السيف مأَمور
وجاوب الدمع ثغراً منك متسقاًً ... فبيننا الدر منظوم ومنثور
لا تجعل اسمي للعذال منتصباً ... فما لتعريف وجدي فيك تنكير
ولا توال أذى قلبي لتهدمهُ ... فإنه منزل بالود معمور
هل عند منظرك الشفاف جوهره ... إني إليه فقير اللحظ مضرور
أو عند مبسمك الفرار بارقة ... اني بموع صبري فيه مغرور
لقد ثنى من يدي صبري عزائمه ... قلب بطرفك أمسى وهو مسحور
وقد تغير عهد الحال من جسدي ... وما لحال عهودي فيك تغيير
حبي ومدح ابن شاه شاه من قدم ... كلاهما في حديث الدهر مأَثور
أنشا المؤيد ألفاظي وأنشرها ... فحبذا منشأ منها ومنشور
ملك إذا شمت برقاً من أسرته ... علمت أن مراد القصد ممطور
مكمل الذات زاكي الأَصل طاهره ... فعنده الفضل مسموح ومنظور
أقام للملك آراء معظمة ... لشهبها في بروج اليمين تسيير
وقام عنه لسان الجود ينشدنا ... زوروا فما الظن فيه كالورى زور
هذا الذي للثنا من نحو دولته ... وللجوائز مرفوع ومجرور
وللعلوم تصانيف بدت فغدت ... نعم السوار على الإسلام والسور
في كفه حمر أقلام وبيض ظبي ... كأَنها لبرود المدح تشهير
قد أثرت ما يسر الدين أحرفها ... وللحروف كما قد قيل تأثير
стр. 267
لله من قلم صان الحمى وله ... مال على صفحات الحمد منثور
وصارم في ظلام النقع تحسبه ... برقاً يشق به في الأَفق ديجور
تفدي البرية إن قلوا وإن كثروا ... أبا الوفاء فثم الفضل والخير
مدت إلى مجده الامداح واقتصرت ... فاعجب لممدود شيئ وهو مقصور
وسرها من أب وابن قد اجتمعا ... مؤيد يتلقاها ومنصور
يا مالكاً أشرقت أيامهُ وزهت ... رياضها فتجلى النور والنور
هنئت عيداً له منك اعتياد هنا ... فالصبح مبتهج والليل مسرود
فطرت فيه الورى واللفظ متفق ... للوفد فطر وللحساد تفطير
كأَن شكل هلال العيد في يده ... قوس على مهج الأضداد موتور
أو مخلب مده نسر السماء لهم ... فكل طائر قلب منه مذعور
أو منجل بحصاد القوم منعطف ... أو خنجر مرهف النصلين مطرود
أو نعل تبر أجادت في هديته ... إلى جواد ابن أيوب المقادير
أو راكع الظهر شكراً في الظلام على ... من فضله في السماء والأرض مشكور
أو حاجب أشمط ينبي بأن له ... عمراً له في ظلال الملك تعمير
أو زورق جاء فيه العيد منحدراً ... حيث الدجى كعباب البحر مسجور
أو لا فقل شفة للكأس مائلة ... تذكر العيش إن العيش مذكور
أو لا فتصف سوار قام يطرحه ... كف الدجى حين عمته التباشير
أو لا فقطة قيد فك عن بشر ... أخنى الصيام عليه وهو مأسور
أو لا فمن رمضان النون قد سقطت ... لكما مضى وهو من شوال محصور
فانعم به وبأمداح مشعشعة ... مديرها في صباح الفطر مبرور
نفاحة المسك من مسود أحرفها ... ما كان يبلغها في مصر كافور
قالت وما كذبت رؤيا محاسنها ... قبول غيري على الأملاك محظور
بعض الورى شاعر فاسمع مدائحه ... وبعضهم مثل ما قد قيل شعرور
وقال يمدح الناصر بن محمد:
بدت في رداء الشعر باسمة الثغر ... فعوذتها بالشمس والليل والفجر
ولو شتت قاسمت الذوائب مقسماً ... بطيب ليال من ذوائبها عشر
وقبلتها مصرية حلوة اللمى ... أكرر في تقبيلها السكر المصري
ويعذلني من ليس يدري صبابتي ... فأصرفه من حيث يدري ولا يدري
ومن أعجب الأشياء حلو ممنع ... أصبر عنه وهو حلو مع الصبر
وكم لائم في حب خنساء أعرضت ... وعنف حتى جانس الهجر بالهجر
وشيب رأسي خدها ومعنفي ... وهذا رماد الشيب من ذلك الجمر
فيا قلب خنساء القوي وأدمعي ... على مثلك العينان تجري على صخر
ويا قلب صبراً في عطاها ومنعها ... فلا بد من يسر ملا بد من عسر
أرى الشمس منها في العشاء منيرة ... ومن صدها عني أرى النجم في الظهر
يذكرني في عهد الهوى ما نسيته ... ولكنه تجديد ذكر على ذكر
زمان الصبا والقرب لا نحذر النوى ... ولكن نقضي الحال أحلى من التمر
وأما وقد ضاء المشيب بمفرقي ... فبالشيب لا بالطلوع صرنا إلى الهجر
وفارقت حد الغانيات وجفنها ... فجرحاً على جرحٍ وكسر على كسر
وإني لمشتاق إلى ظل روضة ... على النيل أروي العيش منها على النضر
لئن حثني باب البريد إلى مصر ... لقد حثني باب الزيادة في النزر
إلى مصر يحلو نيلها مخضب الثرى ... فيغني الورى في الحالتين عن القطر
وتقبيل حلو الغزو للمحل قاتل ... حلاوته سكب وجنديه بحري
ويجري بإسعاد العباد فحبذا ... بسعدك يا سلطانها ساعياً يجري
لسلطان مصر الناصر بن محمد ... على كل مصر طاعة البحر والبر
تجمعت الأمصار في مصر طاعة ... وهل تجمع الأمصار إلا على مصر
سلام على إسكندر الوقت إن يفح ... شذى الذكر عنه فالسلام على الخضر
سلام ثغور الأرض تنقش في الثرى ... بأفواهها حتماً على أنفس الذخر
على باب سلطان العباد كأنها ... لنظم ثناياها عقود من الدر
مليك روت أعماله سير التقى ... عن الملك المصري عن الحسن البصري
له منزل جيش وتحت مقامه ... بهذا وذا في القلب حب وفي الصدر
стр. 268
إيالة ملك لا فلان ولا فل ... ونحو على لا نحو زيد ولا عمرو
فملك بلا جور وحكم بلا هوى ... وأزر بلا وزر وعز بلا كبر
قضى عمر في حكم عثمان جامعاً ... لبأس علي في سماح أبي بكر
مضى الشفع من مرأى أبيه وجده ... وجاء فلا زالت له دولة الوتر
إلى ناصر من ناصر وكذا على ... مدى جده المنصور مسترسل النصر
أجل بيوت الملك بيت قلاون ... وأنت أجل البيت يا وارث الدهر
فملكك حق واضح الصبح أِرقت ... سعادته كالظهر يا واحد العصر
بصوتك أركان الشريعة شيدت ... وصيغت ثغور كلها باسم الثغر
وخاض بها قوم تعدوا فقوبلوا ... بما كل إنسان لديه من الخسر
وليس الذي خاض الشريعة سالماً ... من الأسد الحامي حماها من الكر
لك الله إما كسب حظ من الثنا ... يجوز وإما كسب حظ من الأجر
ليهنك ما تجنيه من جنة غداً ... بإبطال ما تجني الجنايات من وزر
ليهنك ما عمرته من معالم ... سيثني على عمارهن أبو ذر
ويمدحكم حسانها اليوم أو غداً ... بدار البقا بعد الطويل من العمر
وأيامك الأعياد عائدة لمن ... رجاك ومن عاداك بالفطر والنحر
وكفاك للمداح أيام عشرها ... وليلة من تسعى لها ليلة القدر
ودولتك الزهراء للجود والسطا ... فبالفلك السعدي والفلك البشري
ونصر على الأعداء يبادر رعبهُ ... فيسبق مجرى الخيل بالعسكر المجر
ويعرض عن كيد العدى لاحتقارهم ... بلا قاصد ماش ولا حائم صقر
فأعداك هذا مس في النوم رأسه ... وآخر قبل السيف مات من الذعر
وكم لك في داني الديار ونازح ... غيوث عطايا تخلط السهل بالوعر
يضن بأحمال من التين معشر ... إذا اتصلت أحمال جودك من تبر
مليك التقى والبأس والعلم والندى ... فمدح على مدح وشكر على شكر
تهن فكل الناس عافية روت ... حديث التهاني عن بشير وعن بشر
بها حملت عنك السقام بمصرها ... عيون المهابين الجزيرة والنصر
فأحسن بها للملك في كل حالة ... بشائر عند السيف والعز والجسر
وأحسن بها حيث السخاء مسطر ... صحائفها من كاتب السر والجهر
عوافي إلا أنها قاهرية ... حكت حالتاها في المسرة والقهر
فعافية الأجساد عند ذوي الهدى ... وعافية الأطلال عند ذوي الكفر
هنيئاً لسلطان البرية سيرة ... مزهرة الأوراق بالأنجم الزهر
هنيئاً لجلاب المدائح والرجا ... لقد أصبحت تجري إلى ملك تجري
يبيع ولكن بالكلام نفائساً ... من المال تلقاها غداً جمة الوفر
ويبتاع لكن بالنفائس غالياً ... من الحمد إلا أنه عاطر النشر
غنياً من السبع التجار بأنمل ... أفيضت كما يغني عن السبع بالعشر
فأحييت للآداب علماً ومعلماً ... بنعماء تقرى بالفوائد أو تقري
وجوه دنانير سبقن بمعجز ... ترينا وجوه التم في أول الشهر
سبقن إلى من يشتكي الفقر بالغنى ... وقابلن من لم يشتك الكسر بالجبر
كذلك أذهان الملوك نقية ... ترى في مرآة العقل أيان تستقري
تأملت ما تعطي الملوك من النهى ... فعوذت فرداً بالثلاث من الحجر
أحقاً أراني في ثرى عتباته ... نباتاً يحيي واكف المزن بالزهر
وأنشدت أمداحاً تقول لمن أتت ... مدحتك بالشعرى وغيرك بالشعر
وقال في قاضي القضاة جلال الدين:
سقى حماك من الوسمي باكره ... حتى تبسم من عجب أزاهره
يا دار لهوي لا واش أكاتمه ... ولا رقيب بمغناه أحاذره
حيث الشبيبة تصبى كل ذي حور ... سيان أسود مرآها وناظره
من كل محتكم الأجفان يخرجنا ... من أرض سلوتنا في الحب ساحره
ظبي إذا شمت خديه ومقلته ... أذاب لاهبه قلبي وفاتره
يأوي إلى بيت قلب مخترب ... فأعجب لمخرب بيت وهو عامره
كأنه بيت شعر في عروض جوى ... دارت عليه بلا ذنب دوائره
ليعن من بات مسروراً بمهجته ... إني عليه قريح الطرف ساهره
تجري الدموع على أطراف تألفها ... فاستسهلت لمجاريها محاجره
стр. 269
كم ليلة بت أشكو من تطاولها ... علي والأفق داجي القلب كافره
وأرقب الشهب فيه وهي ثابتة ... كأنما سمرت منها مسامره
حتى بدا الصبح يحكي وجه سيدنا ... قاضي القضاة إذا استجداه زائره
له صبح تجلى للشريعة عن ... ذاك الجلال وقد جلت مآثره
أفدي البريد وللتقليد في يده ... (مخلق تملأ الدنيا بشائره)
يكاد يلمع مطوي السطور به ... حتى ينم على فحواي ظاهره
مسرة كان طرف الشرع يرقبها ... ومطلب كانت العليا تجاوره
قاضي القضاة جلال الدين قد وضحت ... سبل القريض وصاغ القول ماهره
هذي كؤوس الثنا والحمد مترعة ... (باكر صبوحك أهنى العيش باكره)
واسمع مدائح قد فاه الجماد بها ... (وقد ترنم فوق الأيك طائره)
ما أحسن الدين والدنيا يسوسهما ... والطيلسان فلا تخفى مفاخره
كأن أبيض هذا تلو أسود ذا ... عين الزمان الذي ما زاغ باصره
حيث المقاصد في أبوابه زمراً ... فليس للدهر ذنب وهو غافره
فاستجل طلعة ذي بشر وذي كرم ... كالغيث بارقه الساري وماطره
تصبو لحبر فتأويه لواحظنا ... فما عيون المها إلا محابره
وينفذ الأمر كالسهم القويم فما ... تحيد عن غرض التقوى أوامره
لا شيء أحسن من مرآه مقتبلاً ... إلا محاسن ما ضمت سرائره
تجلو المهابة في ناديه رونقها ... فما تكاد بنجوانا نجاهره
ويفهم السر من حاجات أنفسنا ... فما نطيق على أمر نساتره
يا حاكماً صان سوح الدين عاضده ... ففاز بالشرف المأثور ظافره
انظر لحال غريب الدار مفتقر ... طال الزمان وما سدت مفاقره
نعم الفتى أنت قد برت أوائله ... في المكرمات وقد أربت أواخره
يممته دلفي الأصل منتسباً ... تأبى معاليه أن تخفى عناصره
لا يستقر بكفيه الثراء فما ... تلك الخطوط بها إلا معابره
زكا وأمكنه فعل الجميل فما ... في الناس لو قصرت جدواه عاذره
ما بعد علياه ركن أستجير به ... من الخطوب ولا بحر أجاوره
لئن تفرد بالعلياء سؤدده ... لقد تفرد بالآداب شاعره
وقال يمدح المؤيد لدين الله بن أيوب:
أهلاً بطيف على الجرعاء مختلس ... والفجر في سحر كالثغر في لعس
والنجم في الأفق الغربي منحدر ... كشعلة سقطت من كف مقتبس
يا حبذا زمن الجرعاء من زمن ... كل الليالي فيه ليلة العرس
وحبذا العيش مع هيفاء لو برزت ... للبدر لم يزه أو للغصن لم يمس
خود لها مثل ما في الظبي من ملح ... وليس للظبي ما فيها من الأنس
محروسة بشعاع البيض ملتمعاً ... ونور ذاك المحيا آية الحرس
يسعى ورا لحظها قلبي ومن عجب ... سعي الطريدة في آثار مفترس
ليت العذول على مرأى محاسنها ... لو كان ثنى عمى عينيه بالخرس
إني وإن علقت بالقلب صبوتها ... لمحوج العيس طي الضوء والغلس
سفينة ليستجري بي لذي بخل ... إن السفينة لا تجري على اليبس
تؤم باب ابن أيوب إذا اعتكرت ... سود الخطوب كما يؤتم بالقبس
المانح الرفد إفناناً مهدلة ... فما يرد جناها كف ملتمس
والرافع البخل في الدنيا وساكنها ... بجود كفيه رفع الماء للنجس
محا المؤيد بأس المقترين فما ... تكاد تظفر جدواه بمبتئس
واستأنس الناس جدوى كفه فرووا ... عن مالك خبر العليا وعن أنس
ملك يقاس مجاريه بسؤدده ... إذا تقاس عير الدار بالفرس
وينتهي لضحى بشر مؤمله ... إذا انتهى من بني الدنيا إلى عبس
مظفر الجد مشاء على جدد ... من حلمه اللدن أو من حربه الشرس
يخفى اللها ودنانير الضلات بها ... تكاد تطرب للأسماع بالجرس
وينشر العلم لا قول بمختلف ... إذا رواه ولا معنى بملتبس
ويشبع الأمر آراء مسددة ... تمضي وتدفع صدر الحادث الشكس
تكون كالعضب أحياناً وآونة ... تكون من وقعات العضب كالترس
لو باشر الأفق يوماً بين طلعته ... لما سمعت بنجم ثم منتحس
стр. 270
ولو تولت حزون الأرض راحته ... لم يبق في الأرض صلد غير منبجس
من مبلغ قومي الزاكي نجارهم ... أني اعتزيت إلى جم العلى ندس
مجدداً لي في أمداحه نسباً ... أبر من نسب في الترب مندرس
ما زلت أخبر ممدوحاًُ فأهجره ... حتى اعتلقت بحبل محصد المرس
وطاهر الخيم لا تثنى خلائقه ... على الملال ولا تطوى على الدنس
ما شمت بارق جدواه فأخلفني ... ولا عهدت إلى معروفه فنسي
تلك العلى لابن حمدان على حلب ... ولابن عمار شأو في طرابلس
يا ابن الملوك الألى خذها عروس ثناً ... مصرية المنتمى عربية النفس
الله أكبر صاغ الحق مادحكم ... كأنه ناطق من حضرة القدس
وقال في جمال الدين بن حجلة عند قدومه من الحج:
تذكر جرعاء الحمى فتجرعا ... كؤوس الأسى بالدمع راحاً مشعشعاً
وفارق جيران الغضا غير أنه ... به أودع القلب الشجي وودعا
يكرر لثم الترب حتى كأنه ... يحاول ختماً للذي فيه أودعا
فأدمعه قد صرن ألفاظ شجوة ... وألفاظه من رقة صرن أدمعا
أقول وقد راجعت بالشام ذكرهم ... ألا قاتل الله الحمام المرجعا
يذكرني عهد العقيق كأنه ... بلؤلؤ دمعي صار عقداً مرصعا
عسى كل عام زورة لمفارق ... فيا حبذا من أجل لمياء كل عا
إمام الهدى والعلم هنيت مقصداً ... سعيداً وعوداً بالقبول ومرجعا
يطوف ويسعى للاما الذي سعى ... وطاف بذياك الحمى وتمتعا
تكاد ستور البيت تجذب برده ... لعرفان محمود الشمائل أروعا
فإن ملأ الاحسان كم مجاور ... فقد ملأ الحجر المحامد والدعا
وهنئ أفق الشام رجعة نير ... مليء بإسعاد الرعية والرعا
تحييه أغصان البلاد كأنما ... هوت سجدت نحو الإمام وركعا
وتلثم حتى مبسم الغيث في الثرى ... بدور لآثار الركائب مطلعا
لك الله ما أتقى وأنقى سريرة ... وأرفع قدراً في الأنام وأنفعا
وأكرم في الأنساب والفضل جمة ... وأشرف في الدنيا وفي الدين موضعا
وأندى يداً لو أورقت عود منبر ... لما عجب الرائي وإن قيل أينعا
كرامات من مدت يداً دعواته ... ظلالاً إلبى أن عمت الناس أجمعا
إليك خطيب الشام لابن خطيبها ... براعة مدح كان برك أبرعا
مديحك فرض لازم لي فطالما ... بدأت فأسديت الجميل تطوعا
ومن مقاطعاته قوله:
حلفت لها بالعاديات دموعي ... وبالموريات النار وهي ضلوعي
لئن كان من قد لامني غير مبصر ... محاسنها إني لغير سميع
محجبة تفتر عن مبسم كما ... ينظم في أزكى الأنام بديعي
فريد العلى والعلم والحلم والتقى ... فيا لفريد حائز لجميع
يضوع قريضي في الورى بامتداحه ... وما جوده لي في الورى بمضيع
أصوغ بسيطاً في الثناء وكاملاً ... على وافر من جوده وسريع
ولا عيب في إحسانه غير أنني ... شرهت فما لي اليوم وصف قنوع
بشهر ربيع قد أتيت مهنئاً ... وكل زماني منه شهر ربيع
فلا زال من خدام مديحي لفضله ... صوابي ونجحي مقبلاً وشفيعي
ومنها قوله:
لله طرف غداة البين ما هجعا ... وحملته الليالي فوق ما وسعا
بين السهاد وبين الدمع مقتسم ... فيكم فما جف من شوق ولا هجعا
يخادع الشوق طرفي عن مدامعه ... إن الكريم إذا خادعته انخدعا
ويقتضي الهم تسهيدي فيا حرباً ... من قاتلين على إنساني اجتمعا
سحقاً ليوم النوى ماذا رمى بصري ... حتى استهل وماذا بالحشا صنعا؟
وقائل ما الذي أبكاك قلت له ... شخص رمى بالنوى طرفي فقد دمعا
وقال يمدح المؤيد لدين الله:
سرى طيفها حيث العواذل هجع ... فنم علينا نشره المتضرع
وبات يعاطينا الأحاديث في دجى ... كأن الثريا فيه كأس مرصع
أَجيراننا حيى الربيع دياركم ... وإن لم يكن فيها لطرفي مربع
شكوت إلى سفح النقا طول نأيكم ... وسفح النقا بالنأي مثلي مروع
ولابد من شكوى إلى ذي مروءة ... يواسيك أو يسليك أو يتوجع
стр. 271
فديت حبيباً قد خلى عنه ناظري ... ولم يخل منه في فؤادي موضع
مقيم بأكناف الغضا وهي مهجة ... وإلا بوادي المنحنى وهو أضلع
أطال حجاز الصد بيني وبينه ... فمقلته الحورا ودمعي ينبع
لئن عرضت من دون رؤيته الفلا ... فيا رب روض ضمنا فيه مجمع
محلٌ يرى فيه جوامع لذة ... بها تخطب الأطيار والقضب تركع
قرأنا به نحو الهنا فملابس ... تجر وأيد بالمدامة ترفع
وقد أمنتنا دولة شادوية ... فما نختشي اللأوا ولا نتخشع
مدائحها تمحو الأثلام ورفدها ... يعوض من وفر الغنى ما نضيع
رعى الله أيام المؤيد إننا ... وجدنا بها أهل المقاصد قد رعوا
مليك له في الجود صنع تأنقت ... معاينه حتى خلته يتصنع
وعلياء لو أنا وضعنا حديثها ... وجدنا سناها فوق ما كان يوضع
مذال الغنى لو حاولت يد سارق ... خزائنه ما كان في الشرع يقطع
أرانا طباق المال والمجد في الورى ... فذلك مبذول وهذا ممنع
وجانس ما بين القراءة والقرى ... فللجود منه والإجادة موضع
توقد ذهناً واستفاض مكارماً ... فاعلم أن الشهب بالغيب تهمع
وصان فجاج الملك عدلا وهيبة ... فلا جانب إلا من الروض مرتع
عزائم وضاح المحامد أروع ... إذا قيل وضاح المحامد أروع
تفرق أحمال النضار يمينه ... لما راح بالسمر الطوال يجمع
ولا عيب في أخلاقه غير أنه ... إذا عذلوه في الندى ليس يسمع
له كل يوم في السيادة والعلى ... أحاديث تملي المحادين فتبدع
إذا دعت الحرب العوان حسامهُ ... جلا أفقها والرمح للسن يقرع
وإن مشت الآمال نحو جنابه ... رأت جود كفه لها كيف يهرع
فلا تفتخر من نيل مصر أصابع ... فما النيل إلا من يمينك إصبع
أيا ملكا لما دعته ضراعتي ... تيقنت أن الدهر لي سوف يضرع
قصدتك ظمآناً فجدت بزاخر ... أشق كما قد قيل فيه وأذرع
وفي بعض ما أسديت قنع وإنما ... فتى كنت مرمى ظنه ليس يقنع
لك الله ما أزكى وأشرف همة ... وأحسن في العلياء ما تتنوع
مديحك فرض لازم لي دينه ... ومدح بني العليا سواك تطوع
يقول جامع هذا المجموع: لقد خرجت عن الاختصار في شعر هذا الرجل، لغرابة أسلوبه ورقة ألفاظه، ولولا خوف الاطالة لأثبت له أكثر من ذلك. فلله دره! ما أرق معانيه. وأثبت مبانيه، وأبين فصوله. هو والله السهل الممتنع، والعذب الزلال والسحر الحلال.
شعر
السيد عبد الغفار الأخرس
هو السيد عبد الغفار بن السيد الواحد بن السيد وهب ولد بالموصل سنة ١٢٢٠ وتوفي سنة ١٢٩٠ ألف ومائتين وتعسين بالبصرة ﵀ وشعره في غاية الرقة والانسجام، حسن الديباجة بديع النظام، ترتاح الأرواح لسماع رقائق شعره وتحسد اللالي جواهر نثره وكان حسن العقيدة سلفي الأثر علوي النسب المفتخر.
فمن قوله يمدح صاحب المجد الأثيل والجاه العرض الطويل عبد الغني أفندي جميل:
ألا من لأجفان أرقن رواء ... وحر القلوب يا هذيم ظماء
صواد إلى برد الثغور التي بها ... إذا كان دائي كان ثم دوائي
وصحب أحالوا الوصل هجراً وأعقبوا ... تدانيهم في صدهم بجفاء
نأوا فحنيني لا يزال إليهم ... ويا ويح دان لا يحن لناء
أجيراننا لما جفوتم وبنتم ... ولم تمنحونا مرة بلقاء
عرفت بعهد الود في الحب غدركم ... وأنتم عرفتم في الغرام وفائي
وجدت بروحي ذمة وبخلتم ... كذلك إشفاقي وحسن بلائي
وفيكم ومنكم قبلها وعليكم ... نبذت كلام العلذلين ورائي
حلال لكم دم مني طله الهوى ... ولا صانه قومي إذاً بفدائي
أعيدوا علينا ساعة الوصل إنها ... لأقصى مرامي منكم ومنائي
صدودكم أوهى قواي وهجركم ... فجودوا على مضناكم بشفاء
فإن لم تعودوني ولو بخيالكم ... فلا تطمعوا من بعدها ببقائي
أحبتنا لم تنصفونا بحبكم ... وما هكذا لو تنصفون جزائي
ذكرناكم والدمع ماء نريقه ... فشبناه في ذكراكم بدماء
стр. 272
فمن لوعة يصلى بنيرانها الحشا ... ومهجة قلب آذنت بفناء
توالى عليها حرقة الوجد والأسى ... فلم يبق منها الحب غير ذماء
ويا سعد ل تلحا أخاك وقد مضى ... به سهم راميه اشد مضاء
صريع العيون النجل ما إن رمينه ... صريع الهوى والوجد والبرحاء
قتيل الهوى العذري قد فتكت به ... قدود غصون أو لحاظ ظباء
كأني به يستيقظ الحتف راقداً ... إذا شام برقاً لاح بعد خفاء
ولم يبتسم ذلك البرق منهم ... لعمرك إلا جالباً لبكائي
فما لك تلحوني على ما أصابني ... من الداء جهلاً لا بليت بدائي
دعوتك تستمري الدموع لما أرى ... فلم تستجب يوم الغميم دعائي
وهذا هذيم كلما كر طرفه ... إلى مربع بالرقمتين خلاء
تذكر أياماً بهن قصيرة ... يطول عليها شقوتي وعنائي
فأرسلها مهراقة وهي عبرة ... ترقرق يرقيها بفضل رداء
خليلي إن لم تسعداني على الهوى ... فأين ودادي منكما وإخائي؟
فيا سعد إني قد منيت وراعني ... نوى يوم جد البين من خلطائي
فما للمطايا بين وجد ولوعة ... وبين حنين مزعج ورغاء
بربك حثحثها وخذ بزمامها ... وسر سير لا وان ولا ببطاء
إلى نزل لا يعرف الضيم أهله ... ولا خاب من وافاهم برجائي
يحل به عبد الغني فلا الغنى ... إذا مادنا الأخلاق منك بناء
ربيع الندى لا يبرح الفضل فضله ... يطيب مصيفي عنده وشتائي
ألا لا سقتني غير راحته الحيا ... فتورث صوب المزن فرط حياء
صفا العيش لي منها وطاب ولم يزل ... يروق ولم يكدر علي صفائي
ولم إلا عنه دام علاؤه ... رواية مج باذخ وعلاء
مناقب تزهو بالمكارم كلها ... وتشرق من أنواره بوضاء
ولا كرياض الحزن وهي أنيقة ... وتفضلها في بهجة وبهاء
تأرج أنفاس النسيم بطيبها ... كما نسمت ريح الصبا بكباء
أخو العزمات الماضيات فما دجا ... دجى الخطب إلا جاء بابن ذكاء
طربنا وأطربنا الأنام بمدحه ... فهل ديرت الصهباء للندماء
ورحنا نجر الذيل بالفخر كلما ... ذكرناه في الأشراف والعلماء
غذاء لروحي مدحه وثناؤه ... وإن أحاديث الغرام غذائي
له الله موقى من يلوذ بعزه ... به من صروف النائبات وقائي
فمن شدة فيه ومن لين جانب ... ومن كرم في طبعه وسخاء
وما خفيت تلك المزايا وإنما ... تلوح كما لاح الصباح لراء
مواهب أعطى الله ذاتك ذاتها ... وحسبك من معط لها وعطاء
بها رحت أجني العز من ثمراته ... ويخفق بين الأنجبين لوائي
عليك إذا أثنيت بالخير كله ... تقبل أَبا محمود حسن ثنائي
رأيت القوافي فيك تزداد رونقاً ... ولو أنها كانت نجوم سماء
ولم أر مثل الشعر أصدق لهجة ... إذا قال فيك القول غير مراء
غني عن الدنيا جميعاً وأهلها ... سواك وفيه ثروتي وغنائي
فقير إلى جدواك في كل حالة ... وإنك تدري عفتي وإبائي
وقال يمدحه:
عاد المتيم في غرامك داؤه ... أهل السليم تعوده آناؤه؟
فتأججت زفراته وتلهبت ... جمراته تقدت رمضاؤه
حسب المتيم جده غرامه ... وكفاه ما فعلت به برجاؤه
بالله أيتها الحمائم غردي ... لطالما أشجى المشق غناؤه
نوحي تجاوبك الجوانح أنة ... وتظل تندب خاطري رقاؤه
هيهات ما صدق الغرام على امرئ ... حتى تذوب من الجوى أحشاؤه
إن كان يبكي الصب لا من لوعة ... أخذت بمهجته فمم بكاؤه؟
بترقرق العبرات وهي مذلة ... سر يضر بحاله إفشاؤه
يا قلب كي علت في إشراكهم ... أو ما نهاك عن الهوى نصحاؤه
لا تذهبن بك المذاهب غرة ... آرام ذياك الحمى وظباؤه
وبمهجتي من لحظ أحور فاتن ... مرض يعز على الطبيب شفاؤه
هل يهتدي هذا الطبيب لعلتي ... إن الغرام كثيرة أدواؤه
والليل يعلم ما أجن ضميره ... من لوعتي وتضمنت أرجاؤه
ما زلت أكتحل السهاد بهجركم ... أرقا ويطرف ناظري أقذاؤه
стр. 273
حتى يشق الصبح أردية الدجى ... وتحيل صبغة ليله ظلماؤه
زعم العذول بأن همي همه ... ومن البلية همه وعناؤه
يدعو الفؤاد إلى السلو ودونه ... الشوق داع لا يرد دعاؤه
لا يطمعن في العذول فما له ... مني سوى ما خاب فيه رجاؤه
حكم الغرام على ذويه بما قضى ... ومضى عليهم حكمه وقضاؤه
يا رحمة للمغرمين وإن تكن ... قتلي هواك فإنهم شهداؤه
ما كان داء الحب إلا نظرة ... هي في الصبابة داؤه ودواؤه
في الحي بعد الظاعنين لما به ... ميت بكته لرحمته أحياؤه
حفظ الوداد فما لكم ضيعتم ... ووفى بعهدكم فدام وفاؤه
وجزيتموه على الوصال قطيعة ... أكذا من الإنصاف كان جزاؤه
ما شرع دين الحب شرعة هاجر ... صدق الخلوص لوده شحناؤه
خاصمت أيامي بكم فرغمتها ... والحر أوغاد الورى خصماؤه
سفها لرأي الدهر يحسب أنن ... ممن يراع إذا دهت دهياؤه
ألقى طوب خطوبه متبسماً ... وسواي يهب في الخطوب لقاؤه
إني ليعجبني ترفع همتي ... ويروق وجهي صونه وحياؤه
لا تعجبن من الزمان وأهله ... هذا الزمان وهذه اأبناؤه
ليس المهذب من تطيش بلبه ... نعماؤه يوماً ولا بأساؤه
لا بد من يوم يسر به الفتى ... وتزول عن ذي غمة عماؤه
ولربما صدئ الحسام وناله ... قين فعاد مضاؤه وجلاؤه
أو ما تراني كيف كنت وكان لي ... من كان أفخر حليتي نعماؤه
عبد الغني أبو جميل وابنه ... وكذا بنوه وهكذا آباؤه
نب أضاء به الوجوه وأشرقت ... في مشمخر علائه ضوضاؤه
هذا القريب من العفاة عطاؤه ... هذا الرحيب بمن ألم فناؤه
ضربت على قلل الفخار قبابه ... وبدا لمشتط الديار سناؤه
إن كان يعرف نائل فنواله ... أو كان يعلم باذخ فعلاؤه
شيخ إذا الملهوف أم بحاجة ... في بابه نشطت لها أعضاؤه
يفدي النزيل بماله وبنفسه ... نفسي ونفس العلمين فداؤه
متنمر إن سيم ضيماً أدميت ... منه البراثن واستشاط إباؤه
فيه من الضرغام شدة بطشه ... ومن المهند بأسه ومضاؤه
رفعت له فوق الكواكب عمة ... وأحاط بالبحر المحيط رداؤه
حدث ولا حرج ولست ببالغ ... ما تستحق لهابه آلاؤه
بهر العقول جميلة وجماله ... وجلاله وكماله وبهاؤه
هذي معاليه فما نظراؤه ... غير النجوم علىً ولا أكفاؤه
تالله لم تظفر يداه بثروة ... إلا ليفتك جوده وسخاؤه
راحت ذوو الحاجات يقتسمونها ... فكأنهم في ماله شركاؤه
وجدانه فقد الثراء لنفسه ... ولغيره أبداً يكون ثراؤه
يمسي ويصبح بالجميل ولم يزل ... يثني عليه صبحه ومساؤه
لله منبلج السنا عن غرة ... لا الصبح منبلجاً ولا أضواؤه
لو تنزل الآيات في أيامه ... أثنى عليه الله جل ثناؤه
ما في الزمان وأهله مثلاً له ... إذ لم تكن كرماءه لؤماؤه
وقف على الصنع الجميل جنابه ... فكأنما هو لو نظرت غذاؤه
وطعامه وشرابه وسماعه ... ومرامه ورجاؤه وصفاؤه
ولربما لمعت بوارق غيثه ... فانهل عارضه وأهرق ماؤه
ولقد تجود بكل نوءٍ مزنة ... جود السحاب تتابعت أنواؤه
إني أؤمل أن أكون بفضله ... ممن يؤمل فضله وعطاؤه
بيت المروءة والأبوة والندى ... ومحله ومكانه ووعاؤه
سبحان من خلق المكارم كلها ... في ذلك البيت الرفيع بناؤه
أصبحت روض الحزن من سقيا الحيا ... راقت محاسنه ورق هواؤه
يسري إليه نسيم أرواح الصبا ... فتصوع في نفحاتها أرجاؤه
يمري عليها الري كل عشية ... وتجودها من صيب أنداؤه
عهد الربيع بفصله وبفصله ... أبداً يمر خريفه وشتاؤه
ما زال يوليني الجميل تكرماً ... مولى علي من الفروض ولاؤه
وكأنما أصطبح المدامة شاعر ... بمديحه فقريضة صهباؤه
فالله يبقي المكرمات وهاهما ... متلازمان بقاؤها وبقاؤه
وله:
أرى هذي النياق لها حنين ... إلى إلف لها ولها رغاء
стр. 274
وأجفان بعبرتها رواءٌ ... وأحشاء بزفرتها ظمآء
وإن بها من الأشجان داء ... وعندك يا هذيم لها دواء
حدا منها بها للشوق حاد ... وفاز بها التوقص والنجاء
أراها والغرام قد ابتلاها ... بلى إن الغرام هو البلاء
أراع فؤادها بينٌ وإلا ... فما هذا التلهف والبكاء
وهل أودى بها يوماً وقوف ... على رسم ومرتع خلاء
فذرها والصبابة حيث شاءت ... أليس الوجد بفعل ما شاء
نحن إلى منازلها بسلع ... عفتها الهوج والريح الرخاء
وقوم أحسنوا الحسنى إليها ... ولكن بعد ذلك قد أساؤوا
نأوا عنها فكان لها التفات ... إليهم تارة ولها انثناء
وظنت أنهم يدنون منها ... فخاب الظن وانقطع الرجاء
وقال يمدح السيد النقيب علي القادري:
أعادك يا سعد عيد الهوى ... وأنت ملم بدار اللوى
فأصبحت تنحر فيها الجفون ... كما تنحر البدن يوم القرى
فمن حق طرفي هذي الدموع ... ومن شأن قلبي هذا الجوى
فما غير قلبي يصلي الغضا ... ولا غير طرفي يفيض الدما
وكيف وقفت على أربع ... عفت قبل هذا بأيدي البلى
أتدفع فيها بها ما ترى ... فكيف تداوي الأسى بالأسى
ولمْ لا اتبعت كلام النصوح ... وكفكفت دمعك لما جرى
إلى أن تحققت أن الغرام ... يعيد القوى ضعيف القوى
وحتى أطلعت الهوى والشجي ... يعاصي الملام لطوع الهوى
فإن تلحني بعدها مرة ... جزيتك يا سعد بئس الجزا
ولمتك في عبرات تفيض ... وجد يقطع منك الحشا
وقلت تسل عن الظاعنين ... فإن السلو بأمر الفتى
ألم تك من قبلها لمتني ... فماذا الوقوف وماذا البكا
وقد كنت مثلك بين الطلول ... أساجل بالدمع وبل الحيا
أروي الديار بماء الجفون ... فلم يرق دمعي وفيها ظما
وما برحت عبراتي بها ... تبل الغليل وتروي الصدا
وأذكر فيها على صبوتي ... زمان التصابي وعهد الصبا
قضيت لديه بما اشتهى ... ولكنه قد مضى وانقضى
أغزل غزلانه للوصال ... وأشرب للهو كأس الطلا
وأسمع من نغمات القيان ... كلام يعشقني بالدمى
يحض على ما يسر النفوس ... ويدعو إلى ما هو المشتهى
ينادمني كل عذب الكلام ... يشابه بالحسن بدر الدجى
وألقى الزمان بهم باسماً ... كوجه الكريم وزهر الربى
فإن ترنى بعدهم راضياً ... ولو بالخيال فما عن رضى
ولكنها زفرات تهيج ... فأذكر يا سعد ما قد مضى
وإن جاشت النفس من وجدها ... فتعليلها بحديث المنى
ففي مدحه ما يزيل الهموم ... وفي شكره يستفاض الندى
فلا بعده للعلى منتهى ... ولا غيره للعلى مرتقى
تواضع وهو علي الجناب ... رفيع المحل وسامي الذرى
بآثاره أبدا يقتفى ... وأقواله أبداً يقتدى
ملاذ الجميع لمن قد دنا ... من العالمين ومن قد نأى
أعاد مناقب آبائه ... حياة العفاة وحتف العدى
ويرتاح للبذل يوم العطا ... فينفق أنفس ما قد غلا
فإما سألت ندى كفه ... فسل ما تشاء وثق بالغنى
وأعجب ما فيه يعطي الجزيل ... ويلحق ذاك الجدا بالجدا
ففيه مع الجود هذا الحياءُ ... وفيه مع البأس هذا التقى
أليس من القوم سادوا الأنام ... فهم سادة لجميع الورى
عليهم تنزيل وحي الإله ... ومنهم تبلج صح الهدى
وكيف يفاخرهم غيرهم ... إذا كان جدهم المصطفى
يلوذ بحضرتهم من يخاف ... خطوب الليالي ويخشى الأذى
حماة بهم يأمن الخائفون ... نوائب من شدة تتقى
لهم عند ضيق مجال الرجال ... عزائم ليست لبعض الظبى
أكارم لا نارهم في الظلام ... توارى ولا جارهم في عنا
مضوا وأتى بعدهم فرعهم ... ومن قد مضى مثل من قد أتى
مهاب إذا أنت أبصرته ... فتحسبه من أسود الثرى
يجيب إذا ما دعاه الصريخ ... همام يلبي إذا ما دعا
صفا من يديه نمير النوال ... لمن يحتديه فخذ ما صفا
стр. 275
أؤمل منه بعيد المرام ... كمن شرب الراح حتى انتشى
ولا زال في كل عيد يعود ... بأرفع مجد وأعلى بنا
ومن قوله مادحاً شهاب الدين السيد محمود الألوسي ويهنئه ببعض ال'ياد: سكب الدمع لها فانسكبا=وقضى من حقها ما وجبا
أربع لولا تباريح الهوى ... ما جرى دمعك فيها صببا
وجدت فيها السوافي ملعباً ... للنوى فاتخذتها معلبا
ما لقينا بوقوف الراكب في ... ساحة النعمان إلا نصبا
ذكر الصب وهل ينسى بها ... زمن اللهو وأيام الصبا
يا رعى الله بها لي قمراً ... مشرق الطلعة لكن غربا
أمنى للنفس في أهل منى ... وقباب الحي وادي قبا
فلقد كنت وكانت فتية ... أنجم الأفق وأزهار الربى
ذهب الدهر بهم فامتزجت ... فضة الأدمع فيهم ذهبا
يا خليلي وهلا شمتما ... بارقاً لاح لعيني وخبا
فتورى كفؤادي لهباً ... ثم أورى زنده والتهبا
لعب الشوق بأحشائي وما ... جدَّ جد الوجد حتى لعبا
فانشدا لي في الحمى قلباً فقد ... ضاع مني في الحمى أو غصبا
نظرت عيني أسراب المها ... نظرة كانت لحيني سببا
يوم أصبتنا إلى دين الهوى ... فتعللنا بأرواح الصبا
وعدونا زورة الطيف أما ... آن ميعادهم واقتربا
أرب النفس وحاجات امرئ ... ما قضى منكم لعمري أربا
قضت الأيام فيما بيننا ... أننا لم نلق يوماً طربا
وهب الدهر لنا لذتهُ ... واسترد الدهر ما قد وهبا
ومنعنا من أفاويق الطلا ... منهلاً كان لنا مستعذبا
فحدا الحادي لسقيا عهدكم ... عارضا إن ساقه البرق كبا
مقلة الوالع يذرى دمعها ... وبكى القطر لها وانتبا
أمر القلب بصبر فعصى ... ودعى الصبر إليها فأبى
قلما يدعى فيقضي حاجة ... وإذا ما انتدبوه انتدبا
والليالي فلك ما أطلعت ... كل يوم عجباً مستغربا
وكآفاق العلى ما أطلعت ... كشهاب الدين فينا كوكبا
فتأمل في معاني ذاته ... وتفكر فتحدث عجبا
هيبة لله في مطلعه ... ملأت قلب الأعادي رعبا
يرتجي جوداً ويخشى سطوة ... رغباً يرجى ويخشى رهبا
عالم الدنيا وناهيك به ... لا يشوب العلم إلا أدبا
معرب عن فكره الثاقب إن ... زف أبكار المعاني عربا
كم تجلت فجلت أفكاره ... من سنى كل عويص غيهبا
فأرتنا الحق يبدو واضحاً ... بعد ما قارب أن يحتجبا
بلسان يفصل الأمر به ... كسبا الصمام أو أمضى سبا
فخذ اللؤلؤ من ألفاظه ... واجتن إن شئت منها ضربا
وفكاهات إذا أوردتها ... نظمت فوق المحيا حببا
وكمالات له معجزة ... وأحاديث رواها نخبا
أين من راق في السمع كما ... قد يروق العين فيما كتبا
وكلام راق في السمع كما ... قد يروق العين فيما كتبا
علوي من أعالي هاشم ... هاشم الجود ويكفي نسبا
صاغه الله لقوم أربا ... ولقوم حسدوه عطبا
لا يزال الدهر يعلو جده ... مرتقيها في المعالي رتبا
فإذا بوحث في الجد علا ... وإذا غولب فيه غلبا
أبلج تحسبه بدر دجى ... أو بأضواء الصباح انتقبا
ديمة منهلة ما شمت في ... بارق الآمال منها خلبا
ولئن أصبح روضي ممحلاً ... فكم أخضر به واعشوشبا
يهنك العيد فخذ من لائذ ... بك ما كنت له مستوجبا
شاكراً منك على العيد يداً ... لم أفاخر بسواها السحبا
فتفضل يا ابن بنت المصطفى ... أشرف العالم أماً وأبا
وله فيه رحمه الله تعالى:
أبو الثناء شهاب الدين ما بلغت ... عقائل المال إلا من مواهبه
قضى على المال بالإنفاق نائله ... فقلت يا فوز راجيه وطالبه
وكلما رحت أستسقى سحائبه ... سقيت عذباً نميراً من سحائبه
مستعذب الجود يحني الشهد سائله ... كما يسوغ ويستحلى لشاربه
سيف الشريعة ماضي الحد منصلت ... فهل فرت بأمضى من مضاربه
وهل سمعت بفضل عد في زمن ... ولم يكن آخذاً منه بغاربه
стр. 276
يا در در زمان من غرائبه ... إن كان أغرب شيء في غرائبه
قد عز جانبه العالي وبز على ... فالعز أجمع والعليا بجانبه
ولاح للفلك العلي مناقبه ... فعهدها وهي أبهى من كواكبه
يا من يحدث عنه العلم يسنده ... حدث عن البحر وارو من عجائبه
وقال يمدح النقيب السيد علي أفندي القادري:
ما غاب بدر دجى منكم ولا غربا ... إلا وأشرق بدر كان محتجبا
لا ينزع ظلام الخطب ما برحوا ... بيض الوجوه فإن صالوا فبيض ظبى
من كل أبلج يزهو بهجة وسنى ... تخاله ببياض الصبح منتقبا
قد أنفقوا في سبيل الله ما ملكوا ... واستسهلوا في طلاب العز ما صعبا
هم الجبال اشمخرت رتبة وعلا ... هم الجبال وأما غيرهم فربى
أبناء جد فما تدنو نفوسهم ... إلى الدنية لا جداً ولا لعبا
عارون من كل ما يزري ملابسه ... يكسوهم امجد أبراداً لهم فشبا
ومنية قد بعثناها فتحسبها ... نجائباً لا وجى فيها ولا لغبا
إلى علي علي القدر مرجعه ... نقيب أشراف غر السادة النجبا
الواهب المال حماً غير مكترث ... والمستقل مع الإكثار ما وهبا
يريك وفر العطايا من مكارمه ... يوم النوال وإن عاديته العطبا
قد شرف الله فرعا للنبي سما ... إلى السماء إلى أن طاول الشهبا
لِم لَم يشرف على الدنيا بأجمعها ... من كان أشرف هذي الكائنات أبا
هذا هو المجد مجد غير مكتسب ... وإنما هو ميراث أباً فأبا
من راح يحكيهم بين الورى نشباً ... فليس يحكيهم بين الورى نسا
أنتم رؤوس بني الدنيا وسادتها ... إن عد رأس سواكم لاغتدى ذنبا
لكم خوارق عادات متى ظهرت ... على العوالم كادت تخرق الحجبا
رقت شمائلك اللاتي ترق لنا ... حتى كأنك مخلوق نسيم صبا
وفيك والدهر يخشى من حوادثه ... ويرتجى رغباً إذ ذاك أو رهبا
صلابة قط ما لانت لحادثة ... وقد تلين خطوب الدهر من صلبا
وعزمة مثل واري الزند لو لمست ... موجاً من اليم أضحى موجه لهبا
تجنب البخل بالطبع الكريم كما ... تجنب الهجر والفحشاء واجتنبا
فنال ما نال آباء له سلفت ... ندب إلى الشرف الأعلى قد انتدبا
إن كان آباؤه بالجود قد ذهبوا ... فقد أعاد بهذا العصر ما ذهبا
فانظر لأيديه إن جادت أنامله ... بالصيب الهامل الهامي ترى العجبا
أين الكواكب من تلك المناقب إذ ... تزهو كما قد زهت بالقطر زهر ربى
تلك المزايا كنظم العقد لو تليت ... على الرواسي لهزت عطفها طربا
يرضى العلاء متى يرضى على أحد ... ويغضب الدهر أحيانا إذا غضبا
قد بلغت نعم العافي أنعمه ... فلم تدع لهم في غيره أربا
يقول نائله الوافي لوافده ... قد فاز جالب آمالي بما جلبا
أكرم بسيد قوم لا يزال له ... مكارم تركت ما حاز منتهبا
الكاسب الحمد في جود وبذل ندى ... يرى لكل امرئ في الدهر ما كسبا
نهز غصنا رطيبا كل آونة ... يساقط الذهب الإبريز لا الرطبا
فما وجدت إلى امتداحه سبباً ... إلا وجدت إلى نيل الغنى سببا
وحبذا القرم في أيام دولته ... حلبت ضرع مرام قط ما حلبا
بمثله كانت الآمال توعدنا ... فحان ميعاد ذاك الوعد واقتربا
حتى أجابته إذ نادى مآربه ... بمنصب لو دعاه غيره لأبى
موفق للمعالي اابتغى طلباً ... إلا وأدرك بالتوفيق ما طلبا
سباق غايات قوم لا لحاق له ... وكم جرى إثره من سابق فكبا
مذ كنت أنت نقيباً سيداً سنداً ... أوضحت آثار تلك السادة النقبا
أضحكت بعد بكاء المجد طلعته ... فقد تبسم مجد بعد ما انتحبا
أحييت ما فات من فضل ومن أدب ... فلتفخر في معاني مدحك الأدبا
يا آل بيت رسول الله إن لكم ... علي فضلاً حباني الجاه والنشبا
وأيديا أوجبت شكري لأنعمها ... فاليوم أقضي لكم بالمدح ما وجبا
ومن قوله مادحاً عبد الغني أفندي جميل، ومعرضاً بشكوى زمانه وتغير خلطائه وأخدانه:
стр. 277
سؤالك هذا الربع أين جوابهُ ... ومن لا يعي للقول كيف خطابهُ
وقفت وما يغنيك في الدار وقفة ... سقى الدار غيث مستهل سحابه
غناؤك في تلك المنازل ناظر ... بدمع توالى غربه وانسكابه
إلى طلل أقوى فلم بعدها ... بمغنيك شيئاً قربه واجتنابه
ذكرت كأيام الشبيبة عهده ... وهل راجع بعد المشيب شبابه
وقد كان ذاك العيش والغصن ناعم ... يروق ويصفو كالرحيق شرابه
وجدت لقلبي غير ما تجدينه ... أسى في فؤادي قد أناخ ركابه
يفيض ختام الدمع يا ميّ حسرة ... ذهاب شباب لا يرجى إيابه
ودهر أعاني كل يوم خطوبه ... وذلك دأبي يا أميم ودأبه
مسوق إلى ذي اللب في الناس رزؤه ... ووقف على الحر الكريم مصابه
وحسبك مني صر أروع ماجد ... بمستوطن ضاقت عليه رحابه
يبيت نجي الهم في كل ليلة ... يطول مع الأيام فيها عتابه
قضى عجباً منه الزمان تجلداً ... وما ينقضي هذا الزمان عجابه
تذاد عن الماء النمير أسوده ... وفد تلغ العذب الفرات كلابه
ألم يحزن الآبي رؤوس يطامنت ... وفاخر رأس القوم فيها ذنابه
وأعظم بها دهياء وهي عظيمة ... إذا اكتنف الضرغام بالذل غابه
متى ينجلي هذا الظلام الذي أرى ... ويكشف عن وعد الرجاء كذابه
وتلمع بعد اليأس بارقة المنى ... تفل مواضيه وينبو حرابه
عقور على شلوي يعض بنابه ... وتعدو علينا بالعوادي ذئابه
رمته الروامي بالسباب مذمة ... وما ضر في عرض اللئيم سبابه
تفحصت إخواني فلم أر فيهم ... قويماً على نهج الوفاء اصطحابه
أفي الناس لا والله من في إخائه ... تشد علي العظم المهيض عصابه
يساورني كأس الهموم كأنما ... يمج بها السم الذعاف لعابه
وأبعد ما حاولت حراً دنوه ... دونك مما يرتضي واقترابه
يصيبك منه شهده دون صابه ... إذا كان ممزوجاً مع الشهد صابه
يريك الرضى والدهر غضبان معرض ... وترجوه للأمر الذي قد تهابه
لك الله ليست في المشارع شرعة ... ولا منهل عذب يسوغ شرابه
وما الناس إلا مثل ما أنت عارف ... فلا تطلبن الشيء عز طلابه
بلوت بهم حلو الزمان ومره ... فسيان عندي عذبه وعذابه
كأني أرى (عبد الغني) بأهله ... غريباً من الأشراف طال اغترابه
يميزه عنهم سجايا منوطة ... بأروع من زهر النجوم سخابه
ثمين لآلي العقد حالية به ... من الفضل أعناق الحجى ورقابه
إذا ناب عن صوب الغمام فإنه ... إذا لم يصب صوب الغمام منابه
تألق فانهلت عزاليه وارتوى ... به ربع راجيه وسالت شعابه
أتعرف إلا ذلك القرم آبيا ... على الدهر يقسو أو تلين صلابه
تسربل فضفاض الأبوة كلها ... وزرت على الليث الهصور ثيابه
ولم ينزل الأرض التي قد تطامنت ... ولو أن ذاك الربع مسكا ترابه
لقد ضربت فوق الرواسي وطنبت ... على قلل المجد الأثيل قبابه
فأصبحت الشم العرانين دونه ... وحلق في جو الفخار قبابه
أبى الله والنفس الأبية أن يرى ... بغير المعالي همهُ واكتئابه
فدانت له الأخطار بعد عتوها ... وذلت له من كل خطب صعابه
ومجتهد في كل علم أبية ... فلا يتعداها لعمري صوابه
بفكر يرى مالا يرى فكر غيره ... يشق جلابيب الظلام شهابه
مقيم على أن لا يزال قطاره ... يصوب وهذا صوبه وانصبابه
وناهيك بالندب الذي إن ندبته ... كفاك مهمات الأمور انتدابه
ذباب حسام البأس جوهر عضبه ... وما الصارم الهندي لولا ذبابه
عليم بما يقني الثناء وعامل ... وداع إلى الخير العظيم مجابه
إذا انتسب الفعل الجميل فإنما ... يكون إلى رب الجميل انتسابه
وإني متى اخليت من ثروة الغنى ... وأغلق من دون المطامع بابه
بدا لي أن أعشو إلى ضوء ناره ... وأصبو إلى ذاك المريع جنابه
فأصدرني عنه مصادر وارد ... من اليم زخار النوال عبابه
فاصبح مرموق السعادة بعدما ... خلت ثم لا زالت ملاءً وطابه
стр. 278
إذا ذهب المعرزف في كل مذهب ... إليك برغم الحادثات مآبه
فلست تراني ما حييت مؤملاً ... سواك ولم يعلق بي النذل عابه
ولا مستثيباً من دني مثوبة ... حرام على الحر الأبي ثوابه
وغيرك لم أدفع إلى شيم برقه ... ولا غرني في الظامئين سرابه
وقال يمدح علامة العلماء مفتي الزوراء وقدوة الفضلاء صاحب تفسير روح المعاني ومن ليس له قي فضله ثاني السيد محمود أفندي الآلوسي رحمه الله تعالى:
سقاها الهوى من راحة الوجد صرخدا ... وشوقها حادي الظغائن إذا حدا
فظلت ترامي بين رامة والحمى ... وتطوي فيافيها حزوناً وفدفدا
ونشقها ريح الصبا رند حاجر ... فكادت لفرط الوجد أن تتوقدا
ولما بدت أعلام دار بذي الغضا ... أعاد لها الشوق القديم كما بدا
فلا تأمن الأشجار يجذبن قلبها ... متى أتهم البرق اليماني وأنجدا
ويا سعد خذ بالجزع من أيمن الحمى ... لعلي أرى فيها على الحب مسمدا
وذرها تروي بالدموع غليلها ... وأني يبل الدمع من مغرم صدى
تعالج بالتعذيب قلباً معذباً ... وتدمي بوبل الدمع طرفاً مسهداً
وتنضب مثل السيل في كل مهمة ... فتحسبها من شدة العزم جلمدا
وبي من هوى مي وإن شط دارها ... هوى يمنع المشتاق أن يتجلدا
ولمياء لم تنجز بوعد لمغرم ... وهل أنجزت ذات الوشاحين موعدا
إذا ما رنت ظمياء من سرب لعلع ... أرتنا الردى من مقلة الريم أسودا
ألذ بها وصلاً وأشقى بهجرها ... ومن عاش بالهجران عاش منكدا
فيا عصر ذاك الهوى هل أنت عائد ... ويا ريم ذاك الربع روحي لك الفدى
تركت بقلبي من هواك لواعجاً ... عصيت بها ذاك العزول المفندا
لحى الله من يلحى محباً على الهوى ... ولا راح إلا بالملام ولا اغتدى
يلوم ويغري بالهوى من يلومه ... وكم جاهل رام الصلاح فأفسدا
أخذت نصيبي من نعيم ولذة ... وصادمت آساداً ولاعبت خردا
فطوراً أراني في المشارق متهماً ... وطوراً أراني في المغارب منجدا
ولا بت أشكو والخطوب تنوشني ... زماناً لأهل الفضل من جملة العدى
ولولا شهاب الدين ما اعتز فاضل ... ولا نال إلا فيه عزاً وسؤددا
فتى المجد يفني بالمكارم ماله ... ويبقى له الذكر الجميل مخلدا
إذا فاض منه صدره ويمينه ... فخذ من كلا البحرين دراً منضدا
وما زال يسمو رفعة وتفضلا ... ويجمع شمل الفضل حتى تفردا
رأيت محياه البهي ومجده ... فشاهدت أبهى ما رأيت وأمجدا
فمن ذا يهني الوافدين لبابه ... بأكرم من أعطى وأرشد من هدى
وافتر عن در الثنايا تبسماً ... من البشر حتى أمطر الكف عسجدا
ومن يك أزكى صفوة الله جده ... فلا غرو أن يزكو نجاراً ومحتدا
فيا بحر فضل ما رأيناك مزبداً ... ويا مزن جد ما رأيناك مرعدا
أيطلب إلا من مفاخرك العلى ... ويسأل ألا من أناملك الندى
لقد جئت هذا العصر للناس رحمة ... فأصبح ركن الدين فيك مشيدا
وأحييت من أرض العراق علومه ... ولولاك كان الأمر يا سيدي سدى
أرى كل من يروي ثناءً ومدحةً ... فعنك روى حسن السجايا وأسندا
لك العز حار الواصفون بوصفه ... وجلت معاني ذاتها أن تحددا
إذا ما تجلت منك أدنى بلاغة ... تخر الأقلام في الطرس سجدا
وفيك الندى والفضل قرت عيونه ... ولم يكتحل إلا بخطك أثمدا
تفقدت أرباب الكمال جميعهم ... ومن عادة السادات أن تتفقدا
وكم نعمة أسديتها فبذلتها ... وصيرت أحرار البرية أعبدا
ولولاك لم أظفر بعز ولا منى ... ولا نلت إلا من معاليك مقصدا
أسود إذ ما كنت مولاي في الورى ... ومن كنت مولاه فلا زال سيدا
وما زلت كهفاً يستظل بظله ... كما لم تزل أيديك للناس موردا
ولا زلت ماكر الجديدان سالماً ... بجدواك يستغنى وفتواك يقتدى
ومن غزلياته الفائقة قوله
نسيم الصبا أهدى إلى القلب ما أهدى ... وقد حملت أرواحها الشيح والرندا
стр. 279
ولي كبد حرى لعلي أرى لها ... بريا نسيم مرّبي سحراً بردا
فأصبحت أذري الدمع فذاً وتوأما ... تخد على خدي حينئذ خدا
كأني اعتصر المعصرات بأعين ... نثؤن غداة البين من لؤلؤ عقدا
فما بل ذاك الدمع مني حشاشة ... أبى الله إلا أن تضرم بي وقدا
ولام أُصيحابي فؤاداً متيماً فما ... نفع اللوم الفؤاد ولا أجدى
ذكرتكم والدمع يجري فلم أكن ... ملكت لذاك الدمع يوم جرى ردا
وبت أداري مهجة لم أجد لها ... خلاصاً من الأشجان يوماً ولا بدا
وقلت لسعدك دع ملامك في الهوى ... فمن زادني لوماً فقد زادني وجدا
يهيج وجدي وهو غير مساعدي ... وما أنا لاق منه إن لامني سعدا
يقول اصطبر عمن تحب إونني ... يريني الهوى من دون ما قاله سدا
ولا تشم البرق اليماني فإنه ... متى لاح أورى في حشاشتك الزند
وإيام إياك الصريم وأهله ... فإن الظباء العفر تقتنص الأسدا
وهل نافع ما قاله من بعد ما رمى ... بعينيه ريم الجزع سهم الردى عمدا
بنفسي الغزال القانصي بلواحظ ... من السحر مرضى تمنع الأسد الوردا
إذا ما رمين القلب سهماً أصبنه ... كأن قصدت في قتل عاشقها قصدا
به أربي هل ترى هذه النوى ... تبدلنا بالقرب من بعدها بعدا
أرى النفس لا تهوى سوى توده ... ولم تتكلف مهجة الوامق الودا
وقال من صدر قصيدة:
لمن أنيق يا سعد ترقل أو تخدي ... تغور في غور وتنجد في نجد
حوان كأمثال القسي سوامها ... أعاريب ترمي بالسرى غرض القصد
لهم فتكات البيض والبيض شرع ... بأغبر من وقع الحوادث مسود
صواد 'لى ورد المنون وما لهم ... من العز إلا كل صافية الورد
جحاجحة شم العرانين هتف ... بكل بعيد الفور ملتهب الزند
على مثل معوج الحنايا ضوامر ... طوين الفيافي كيفما شئن بالأيدي
أقول لحاديها رويدك إنها ... بقايا عظام قد تعقفن بالجلد
زجرت المطايا غير وأن فسر بها ... على ضعفها لا بالذميل ولا الوخد
ألست تراني في رسوم دوارس ... لها وقفة المأسور قيد في قيد
وما ذاك إلا من غرام تجنه ... وما كان أن يخفى عليك بما تبدي
وإلا فما بال المطي يروعها ... رسيس جوى يعدو وداء هوى يعدي
وشامت وميض البرق ليلا فراعها ... سنا البارق النجدي وقداً على وقد
وعاودها ذكر الغميم فاصبحت ... تلوذ بماء الدمع من حرقة الوجد
فسيق إليها الوجد من كل وجهة ... وليس لها في ذلك الشوق من بد
وقد فارقت من بعد لمياء أوجها ... يسيل لها دمع العيون على الخد
وساء زمان بعد أن سرها بهم ... فماذا يلاقي الحر في الزمن الوغد
ويوشك أن تقضي أسى وتلهفاً ... على فائت لا يستمال إلى الرد
سقى الله من عيني أكناف حاجر ... إذا هي تستجدي السحاب فما يجدي
ورعياً لأيام مضت في عراصها ... تؤلف بين الظبي والأسد الورد
قضينا بها اللذات حتى تصرمت ... وكنا ولا نظم الجمان من العقد
سلام إلى تلك الديار وإن عفت ... منازل أحبابي وعهد بني ودي
فمن مبلغ عني الأحبة أنني ... حليف الهوى فيهم على القرب والبعد
ذكرتهم والوجد في القلب كامن ... عليهم كمون النار في الحجر الصلد
فهل ذكروا عهد الهوى يوم قوضوا ... وهل علموا أني مقيم على العهد
وما اكتحلت عيناي بالغمض بعدهم ... كما اكتحلت بالغمض أعينهم بعدي
وما رحت أشكو لو حظيت بقربهم ... زماناً بالقطيعة والصد
تم الاختيار من شعر عبد الغفار الأخرس ويليه الاختيار من شعر السيد عبد الجليل
شعر
عبد الجليل البصري هو السيد عبد الجليل بن ياسين البصري بن السيد إبراهيم بن طه بن السيد خليل بن السيد محمد صفي الدين المتصل نسبه إلي السيد إِبراهيم الملقب بطباطبا بن السيد إِسماعيل الملقب بالديباج بن السيد إِبراهيم القمر بن الحسن السبط بن علي بن ابي طالب رضوان الله عليهم أجمعين.
стр. 280
ولد بالبصرة سنة ١١٩٠ثم ارتحل من البصرة إلى الزبارة البلد العروف بساحل قطر الشمالي ثم ارتحل منها إلى البحرين وسكن بها إلى سنة ١٢٥٩ ثم ارتحل إلى الكويت وتوفي بها سنة ١٢٧٠ رحمه الله تعالى وكان فريد عصره في الحلم والأدب والكرم والشعر وديوان شعره يشهد له بذلك وكفى به شاهدا.
قال ﵀ مادحاً الإمام فيصل بن تركي آل سعود وذلك بعد رجوع الإمام فيصل من الاعتقال بمصر سنة ١٢٥٩ وفد بها إليه:
لرب العلى أهل الثنا وافر الحمد ... على نعم جلت عن الحصر والعد
أقامت بنا طيب البشارة بهجة ... وبشرى وأفراحاً تنيف على الحد
ونلنا المنى من بعدمشكلة العنا ... وأحلى وصال ما أتى عقب الصد
نهني بما أولى الإله نفوسنا ... فيا طالما باتت على الغبن والكد
فنشكر مولى أبدل الكد راحة ... وبالخوف أمناً شامل الربع والوهد
وحف الهنا بالملك من كل جانب ... وأشرق وجه الكون عن طالع السعد
بعزة من يشتاقه كل مؤمن ... كما اشتاق ظام في الهجير إلى الورد
إمام أتانا بالمسرة والهنا ... وبالعز والعدل العميم وبالرشد
به شد أزر الدين واسوثقت به ... عراه وقام الحق في شدة العضد
وعادت قضايا الشرع مخضرة الربى ... معاهدها مأهولة في حمى صهد
هو النور بين الرشد والغي فيصل ... بهدي ابن تركي ذي الأعاريب تستهدي
به الجار من كل الحوادث آمن ... قرين سرور القلب والعيش في رغد
بآرائه سود الفوادح تنجلي ... وبالرأي إدراك الفتى قبل ذي الجد
أخو همة تدني له كل شاسع ... ويرتاض من أعمالها كل مشتد
يهاب ويرجى حارباً ومسالماً ... وفي الحرب يسطو سطوة الأسد الورد
وفي السلم بر أريحي مهذب ... وأخلاقه الأزهار مطلولة البرد
له راحة في الجود تغني عن الحيا ... إذا تجلت أيدي الكرام عن الرفد
نفي العدم عن سوح الموالين بذله ... فما حل في أرجائهم عارض الجهد
معودة بسطا سوى قبضها على ... أعنة قب الأعوجيات والجرد
كذا قبضها يوما بقائم عضبه ... إذا أسود ليل النقع وابيض ذو حد
يكربه يوم الوغى كر عاشق ... وقد بات من وصل الغواني على وعد
له حملات والظبى تقطر الدما ... فما رده دون الطلى قط في غمد
صبور على الأواء غير مؤفف ... ولاجازع إن قيل يا أزمة اشتدي
يقارع خطب الدهر عن بأس ماجد ... فيرخص غالي الروح في طلب الحمد
فسل مصر هل عنه أت غير حاوم ... أبي على حمل العنا صابر جلد
اتاها وفي إتيانها غير راغب ... ولا متوق ناب مفترس الأسد
وأسلمه من عمهم بنواله ... وعاملهم بالرفق في كلما يبدي
ففوض لله المهيمن أمره ... وعاذ برب العرش من شر ذي حقد
فأغناه لطف الله عن حزبه الذي ... يواسيه من كل الأقارب والجند
أعد التقى حصناص فرد به العدى ... وحسن طويات الفتى خير معتد
وعاد بحمد الله غير مدافع ... عن الأمر ميمون النقيبة والقصد
ودان له من شط عنه ومن دنا ... على بالماجد الحازم الفرد
فعاملهم بالصفح عن كل مجرم ... وعاد إلى إحسانه الوافر المد
وأدى لشكر الله فيما أنالهُ ... من العز والتمكين بالملك والضد
وبرهان عقل المرء إعلان شكره ... يصون به النعماء عن طارق يردي
فيا ملكا بالأرث ساد وبالتقى ... وبالحكم بالشرع الشريف عن المهدي
وبالعدل والإحسان والفتك بالعدى ... وبالسمهري اللدن والصارم الهندي
وبالجود ما كعب بن مامة حازه ... وبالصدق في الأقوال والعهد والوعد
لقد طابت البشرى بمقدمك الذي ... به زانت الدنيا لكل أخي ود
وعمت به الأفراح من قد رعيته ... ومن لم يكن يدري بنائلك العد
وقام بنا داعي المسرة والهنا ... على كل ناد بالثنا الفاتح الند
وخفت لدى نطق البشير مقالتي ... سلام على نجد ومن حل في نجد
ولذ لنا طي الدجنة بالسرى ... وقطع الفيافي بالرسيم وبالوخد
لأحظى بتبليغ السلام مشافهاً ... وأدفع ما بي من ولوع ومن وجد
стр. 281
فأعلمت بزل اليعملات مهنئاً ... بما قد حباك الله من تالد المجد
وأنهي إليك الحال مذغبت غالنا ... بغيبتك الدهر العبوس على عمد
حوادث جاءتنا بكل ملمة ... وأيسرها يلهي الولود عن الولد
جلاء وتنكيد وغرم وذلة ... ولا ناصر للحق ذو نجدة يجدي
وقد أوحشت منا الديار ونالنا ... من البؤس مالا يلتقي اللحم بالجلد
وحسبك ما نلقاه من ألم الأذى ... مفارقة الأوطان والأهل عن قصد
وأرجو بك الرحمن يبدل ما مضى ... بحال يريح القلب من وصمة الكد
فيعلن بالأفراح كل موحد ... وتزهوبك الأيام يا خير مستهد
وهاك إمام العصر مني فريدة ... يفوح لها عطر الثناء بما تبدي
إلى مثلها يرتاح كل معظم ... ويصبو إلى إنشادها كل ذي مجد
دعاني إلى ما قلت صدق مودة ... فرحت أجيد المدح منتظم العقد
ولا زلت يا عين الزمان موفقاً ... لكل مساعي الخير مستوجب الحمد
تروق بك الدنيا وتثمر بالصفا ... وتكبوبك الأعداء عن منهج الرشد
معانا مطاع الأمر ما لاح بارق ... وما جلبت الوسمي ميادة الرند
وله ﵀ كتاب كتبه سنة ١٢٤٨ للأمام تركي بن عبد الله السعود رحمه الله تعالى وهو هذا
بسم الله الرحمن الرحيم "إن أطرب ما سفرت به وجوه الصحائف وأطيب ما شنفت به الأسماع من لطائف الطرائف بعج حمد الله الذي توالت آلاؤه وجل سلطانه وكبرياؤه والصلاة والسلام على أحسن العالمين خلقاً وخلقاً وأفصحهم براعة ونطقا سيدنا محمد المبعوث رحمه لجميع الأمم الماحي ظلال الظلام بآيتي السيف والقلم سلام نظمت فرائد عقوده يد الاخلاص وأوثقت عرى عهوده ألسن الاختصاص وثناء يعطر أريج عبيره محافل الأمجاد وتتجلى بمفصلات فرائد يواقيته الأجياد من كل حاضر وباد إلى من بزغت شموس سعوده فأضاءت الآفاق واستمرت نجوم حسوده ملازمة للمحاق الإمام الذي جادت ليالي أياديه بوابل معروفه فأزهرت رياض محبيه بأنواع إحسانه وصنوفه وأرهقت شبا عزماته فانفصمت عرى مكائد عداته والهمام الذي أعد لكل أمر هو رائمه أناة فإن لم تغن عقبها بوعيداته فإن لم تغن أغنت عزائمه الذي نشر جناح الرفق على أرجاء البسيطة فغدت مودته بدوائر القلوب محيطة وقبض جناح الاعتساف ببسطة العدل والمنن وطوى بنشر الصفح جرائر الإجن ذي الآراء التي تفتح مغلقات الأمور ويستضيء بها من فوادح الخطوب كل ديجور الإمام تركي بن عبد الله السعود أدام الله أيام سعوده وأعلى منار وليه وأخبى نجم حسوده آمين.
أحرزت بالهمة العلياء منفرداً ... ما يعجز الجحفل الجرار مجتمعا
ونلت بالحزم ما لم يجر في خلد ... وان يمد إليه طالب طمعا
وأتاعب الناس من جلت مطالبه ... وجهده قاصر عن درك ما اتعبا
صبرت محتسباً تحت المكاره لا ... من مسعد منجد إن تدعه سمعا
في قفرة ليس فيها للطريد حمى ... ولم تجد موئلاً مهما تكن فزعا
ولست تصحب إلا صارما ذكراً ... يجري الفرند به كالماء إذ نبعا
لم يثنكَ الهول عما رمت غايته ... ولم تكن في الذي كابدته جزعا
حتى امتطيت ذرى العلياء لا أشراً ... ولا فخوراً ولا مستكبراً قذعا
ومن أناط الرجا بالله عن ثقة ... وصدق عزم ينله ما إليه سعى
فأصبحت ولله الحمد، وأنت الذي أعاد به ما الله عفى من معالم الدين، ولم به شتلت شعث المسلمين، وجبر به قلوباً أناخ عليها الانكسار، وأنست به ديار، بعد طول وحشة الانتقال من دار إلى دار، ثبت الله دعام الإسلام بنافع وجودك، وأشرق في الآفاق طوالع سعودك، وأنالك من الخير غاية سؤالك ومقصودك، ثم ذكر الكتاب بطوله واثنى على الإمام تركي ﵀ بما يطيب نشره أضربت عن نقله طلباً للاختصار فمن أراد الوقوف عليه فعليه بديوانه وذكر جامع ديوانه أن أمير الأحساء أحمد بن محمد السديري كتب إلى السيد كتاباً وصدره بهذه الأبيات:
سلام عليكم والديار بعيدة ... سلام محب أتعبته المفاوز
عزمت على المسرى لنحو جنابكم ... وإني عن المسرى إليكم لعاجز
فهذا كتابي نائباً عن زيارتي ... فإن حل في ساحاتكم فهو فائز
فأرسلته لما عجزت مبلغاً ... وفي عدم الماء لتيمم جائز
стр. 282
فأجابه السيد ﵀ بقوله:
بحمد إله يجمع الشمل عطفه ... وأيدي النوى عما يرام تحاجز
أتاني سلام ضاع بالند نشره ... وفاحت به عطراً إلينا المفاوز
به رد لي عهد الشبيبة والهوى ... وما الشيب لي عن ذلك العهد حاجز
سلام كعقد الدر في جيد غادة ... بضمن كتاب أبدعته الغرائز
كتاب به سر البلاغة واضح ... وكل بليغ عنمجاريه عاجز
غدت نبلاء العصر مذعنة له ... وما كل مقدام جريء يبارز
ولله طرس قد أعاد لي الهوى ... وأبدى من الأشواق ما أنا كانز
فشوقي حكى شوق المتيم خانه ... سلو وصبر والمحجب ناشز
كتاب حبيب حالف الجود كفه ... وها هو في نوع المروءة فائز
همام كريم الذات والأصل ماجد ... له في أثيل المجد قدماً مراكز
فريد المزايا أحمد الذكر باسل ... نجيب لغايات الثنا متجاوز
أبي يفي طبعاً عهود إخائه ... ولكن به يشقي العدو المبارز
له خلق كالروض كلله الندى ... سحيراً وغاداه النسيم المجاوز
بودي لكم أبدي القريض مهذباً ... وليس كمدح زخرفته الجوائز
يرى النزر من شعري كأنفس حلية ... وبالطل عن وبل تسد العوائز
فلما وصلت الأبيات إلى الأمير أحمد بن محمد السديري اقترح على الشيخ حمد بن علي آل مشرف أن ينظم جوابها للسيد عبد الجليل فأجابه إلى ذلك بقوله:
أنظم بديع هذبته الغرائز ... أم الدر من أصداف بحرك بارز
أم الروض حاكت أدمع المزن وشيه ... فعطر من ذاك النسيم المجاوز
أم أبكار فكر قد نظن لآلئاً ... من القول لا ما نظمته العجائز
نعم در ألفاظ القريض أتى بها ... بليغ لأنواع الفصاحة حائز
إلى العلويين الكرام قد انتمى ... ففي هاشم أعراقه والمراكز
أجال بميدان البلاغة خيلهُ ... فصار بها يدعى الكمي المناجز
لقد أحجمت فرسانها عن لقائه ... فكل بليغ عن مراميه عاجز
وأصبح في علم ابن حجة ... ومن ذاله في كل فن يبارز
تجاوز حد الشعر حتى كأنما ... قصائده للمنكرين معاجز
إذا قال قول أنشد الناس شعره ... وغنى به حاد وباد وراجز
وما أنشدت يوماً عرائس شعره ... على مقعد إلا مشى وهو ناشذ
ودبت به روح الصبابة واستوى ... ولو كان محمولا حوته الجنائز
لئن بلغتنا عنك يا ابن طباطبا ... نسيم الصبا شوقاً لحد يجاوز
فإن بنا من لاعج الشوق فوق ما ... بثثت وأضعاف الذي أنت كانز
فإن حكمت أيدي النوى بافترقنا ... وصار لنا من شقة البين حاجز
فإن لأرواح المحبين مجمعاً ... وإن بعدت بين الجسوم المفاوز
ودونك من جهد المقل خريدة ... من الشعر أهدتها إليك الغرائز
أتتك من الأحساء تطلب كفأها ... وما مهرها إلا الرضى والتجاوز
عليك بحسن المدح اثنت مودة ... وما قصد كل الوافدين الجوائز
وخير ختام أن أصلي مسلماً ... على المصطفى من أيدته المعاجز
وأصحابه والآل ما هزت القنا ... وما حركت للدارعين الهزاهز
له رحمة الله قصيدة سماها هداية الأكارم إلى سبيل المكارم ينبغي لكل أديب أريب أن يعتني بحفظها وتأمل معانيها وحسن مبانيها لأنها مما يبعث على مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم لاشتمالها على نصائح وآداب وحكم وهذه هي
أحسن جنى الحمد تغنم لذة العمر ... وذاك في باهر الأخلاق والسير
هم الفتى الماجد الغطريف مكرمة ... يضوع نادي الملا من نشرها العطر
وحيلة المرء في كسب المحامد لا ... في نظم عقد من العقيان والدرر
تكسو المحامد وجه المرء بهجتها ... كما اكتسى الزهر زهر الروض بالمطر
يخلد الذكر حمد طاب منشأَهُ ... وليس يمحو المزايا سالف العصر
تميز الناس بالفضل المبين كما ... تميزوا بينهم في خلقه الصور
بقدر معرفة الإنسان قيمته ... وبالفضائل كان الفرق في البشر
وما الفضل في لذة تزهو برونقها ... وأي فضل لأبريز على مدر
زإنما الفضل في علم وفي أدب ... وفي مكارم تجلو صدق مفتخر
стр. 283
فلا تساوي بأخلاق مهذبة ... أخلاق سوء أتت من سارح البقر
وخذ بمنهج من يعصي هواه وقد ... أطاع أهل الحجا في كل مؤتمر
إن الهوى يفسد العقل السليم ومن ... يعصي الهوى عاش في أمن من الضرر
وجاهد النفس في غي يلم بها ... كيلا تماثل نذلاً غير معتبر
وفي معاشرة الأنذال منقصة ... بها يعم الصدا مرآة ذي فكر
وليس يبلغ كنه المجد غبر فتى ... يرى اكتساب المعالي خير متجر
أن الكريم يرى حمل المشقة في ... نيل العلى من لذيذ العيش فاصطبر
فالصبر عون الفتى فيما تجشمه ... إن السيدة نهج واضح الوعر
وأفضل الصبر صبر عن مهيأَة ... من المعاصي لخوف الله فازدجر
واصبر على نصب الطاعات تحظ بما ... أملته من عظيم الصفح مغتفر
نيف وسبعون من آي الكتاب أتت ... في الصبر فاعمل بها طوبى لمصطبر
وعش محلىً بأخلاق محاسنها ... تجلى على أوجه الأيام كالغرر
دين به عصمة من كل فاحشة ... وكلما استطعت من بر فلا تذر
إن العفاف حمى للنسل صنهُ به ... إذا أضعت الحمى يرعاه كل جري
قد جاء عفوّا تعفّن النساء وفي ... مثقال خير فشر أوضح النذر
من جمال الفتى صدق العفاف فكن ... به محلىً خليقاً منتهى العمر
والزم فوائد تقوى الله تعل بها ... إني سأوردها عن محكم الزبر
فبالتقى مخرجٌ من كل حادثة ... والحفظ من صولة الأعدا مع الظفر
والرزق في دعة بالحل مقترن ... وحسن عاقبة في خير مدخر
وجاء نور به تمشي ومغفرة ... من الذنوب ومنجاة من الحذر
به البشارة في الدنيا وضرتها ... به النجاة من الأهوال والشرر
ورحمة الله تغشى المتقي ولهُ ... قبوله وله الإِكرام فاعتبر
وبالتقى تغنم الإصلاح في عمل ... وتستفيد به علماً بلا سهر
ونفع ذلك لا يحصى له عدد ... ونص ذلك في أي الكتاب قري
وخير ما يقتني الإِنسان إِن كرمت ... أخلاقه واستفادة رقة السحر
ومن مكارمها عشر عليك بها ... فإنها حكم تروى عن الأثر
صدق الحديث فلا تعدل به خلقاً ... تبلغ من المجد بهى باذخ السرر
وكن خليقاً بصدق البأس يوم وغى ... فشر عيب الفتى بالجبن والخور
أجب منادي العلى في خوض غمرتها ... فالعز تحت ظلال البيض والسمر
بالصبر يكتسب المقدام نصرته ... ويلبس الضد منه ثوب منذعر
ولا يدني لك الإقدام من أجل ... يكفي حراسته مسأَخر القدر
واحرص على عمل المعروف مجتهداً ... فإن ذلك أَرجى كل منتظر
وليس من حالة تبقى كهيئتها ... فاغنم زمان الصفا خوفاً من الكدر
ولا يضيع وإن طال الزمان به ... معروف مستبصر أنثى أو الذكر
إِن لم تصادف له أهلاً فأنت إذاً ... كن أهله واصطنعه غير مقتصر
أَغث بإِمكانك الملهوف حيث أتى ... بالكسر فالله يرعى حال منكسر
وكافئن ذوي المعروف ما صنعوا ... إن الصنائع بالأحرار كالمطر
ولا تكن سبخاً لم يجد ماطره ... وكن كروض أتى والثمر
واذكر صنيعة حر حاز عنك غنى ... وقد تقاضيته في زي مفتقر
واحفظ ذمام صديق كنت تألفه ... وذمة الجار صنها عن يد الغير
وصل أخا رحم تكسب مودته ... وفي الخطوب تراه خير منتصر
ووصله قد يجر الوصل في عقب ... وقد يزاد به في مدة العمر
وجد على سائل وافى بذلته ... ولو بشيء قليل النفع محتقر
واحفظ أمانة من أبدى سريرته ... مالاً وحالاً لحسن الظن والنظر
واقر الضيوف وكن عبداً لخدمتهم ... وهش بش ولا تسأل عن السفر
وبادرن إليهم بالذي اقترحوا ... عن طيب نفس بلا من ولا كدر
وخض بهم في فنون يأنسون بها ... من كل ما طاب للأَسماع في السمر
لكل قوم مقام في الخطاب فلا ... تجعل محاثة الأعراب كالحضر
واعرف حقوق ذوي الهيئات إذ وردوا ... وللصعاليك فاحذر حالة الضجر
والزم لدى الأكل آداباً سأوردها ... تعش حميد المساعي عند كل سري
كن أنت أول بادٍ بامتداد يد ... إلى الطعام وسم الله وابتدر
стр. 284
واشرع بأصفى حديث ذي مناسبة ... بالزاد انساً وترغيباً بلا هذر
لا تؤثرن بشيء لذ مطعمه ... نفساً ولا ولداً فالضيف فيه حري
وكن إذا قام كل القوم آخرهم ... وغض عن مد أيدي القوم بالبصر
ومن أقامك أهلاً للضيافة قم ... بشكره واستزد انعام مقتدر
ورأس ما قد ذكرناه الحياء فكن ... من الحياء بأوفى باهر الحبر
لا دين إلا لمن كان الحياء له ... إلفاً قريناً فيسمو كل مستتر
فاستحي من خالق يرعاك في ملا ... وفي خلاءٍ وكن منه على خدر
والعاقل الشهم من يأبى الرذائل بل ... يختار من كل شيء أطيب الخير
بالعقل تدرك غايات الكمال كما ... به تميز بين النفع والضرر
لولاه لم نعرف الله الكريم ولا ... نمتاز يوماً عن الأنعام في الفطر
فاستعمل العقل في كل الأمور ولا ... تكن كحاطب ليل أعمش البصر
دليل عقل الفتى بادي مروءته ... فمن تجنبها فالعقل منه بري
عاري المروءة نكس لا خلاق له ... وذو المروءة محبوب لدى البشر
أخو المروءة يأبى أن يرد ذوي ... الآمال عن فضله في حال منكسر
والجود أشرف ما تسمو الرجال به ... وقد ينال به مستجمع الفخر
وبالسخاء لحفظ النعمة اعتمدوا ... يا حبذا عمل بالحفظ صار حري
لا يصلح الدين إلا بالسخاء أتى ... إن السخاء من الإِيمان فاعتبر
والجود من شجر الجنات فاحظى به ... وخذ بغصن أتى من ذلك الشجر
يحب مولاك حسن الخلق مقترناً ... بالجود لم يبقيا للذنب من أثر
إن السخي حبيب للإله له ... قرب من الله هذا جاء في الخبر
ولا ترح بلئيم سرح عارضة ... ترد في ظمأً من حافة النهر
ولا تغرنك منه طول مكنته ... حلفاء عار بلا ظل ولا ثمر
بذل النفيس على نفس الخسيس عناً ... فعل الجميل لديه موجب الضرر
ومن يؤم لئيماً عند حاجته ... يعض كفيه كالكسعي وسط قري
واسلك سبيل كرام أصفياء مضوا ... بكل حمد على الآفاق منتشر
واحذر طبائع أهل اللؤم إن لهم ... ذماً يدور مع الآصال والبكر
واغنم مكارم تبقيها مخلدة ... في ألسن الناس من بدو ومن حضر
فخير فعل الفتى فعل يبلغه ... من المحامد ما يبقى على الأثر
فالمرء يفنى ويبقى الذكر من حسن ... ومن قبيح فخذ ما شئته وذر
وهذه حكم بالنصح كافلة ... بالنقل جاءت وعن مصقولة الفكر
حررتها لي وللأولاد منبئة ... بكل وصف حميد الذكر مدخر
خذها إليك ولا تنظر إلى عملي ... إني سأكشف عني وجه معتذر
بالله أحلف لا أخشى به حرجاً ... ومن تألى بغير الله في خطر
بأن لي نفس جحجاح تطالبني ... سبقاً إلى شرف عال بلا أشر
وهمتي في المعالي فوق مقدرتي ... ولا أبالي بكون الباع في قصر
وإن أَصعب ما يشقى الكرام به ... جهد المقل أتى في عزم مقتدر
والدهر في كل حر ذو مغايرة ... بالطل يقنعه عن واكف المطر
ما كنت ممن يراعي في العلى نشباً ... ولست أخشى بمجد حال مفتقر
ولا اكتسبت من الدنيا لقصد غنى ... أسمو به لا ولا عن باعث المطر
وإنما جل قصدي أن أقيم بها ... من المكارم ما يخفي سنا القمر
ورثت ذلك عن صيد غطارفة ... آباء صدق كرام الورد والصدر
من كل ندب جواد فاضل يقظ ... حليف جود بعز واضح الغرر
فسل ربيعة سل كعباً ومنتفقاً ... عنهم تجد فضلهم يسمو على الدهر
توارثوا المجد عن طه الرسول وعن ... أبي تراب وعن فهر وعن مضر
وإن لي أملاً بالله عن ثقة ... أن يسبل الستر فينا مدة العمر
وخير ما يتحف المهدي لسيدنا ... أزكى الورى صادق الإِسرا وخير سري
جرثومة المجد ينبوع الفضائل من ... إليه كل فخار غير منحصر
محمد سيد الرسل الكرام ومن ... يتلى له المدح في الآيات والسور
أزكى صلاة وتسليم لنشرهما ... يفوح عرف ختام المندل العطر
والآل والصحب ما جاءت مكارمهم ... تفوت عد الحيا والرمل والمدر
стр. 285
ما حن مشتاق مجد أو عشيق منى ... لربع جود بأهل الفضل معتمر
وما تألق برق في الحمى وهمى ... ودقٌ على حاجر من كل منهمر
مما قال في ذم الغضب أعاذنا الله منه:
للغيظ آفات يضيق بها الفتى ... فإذا استطعت له دفاعاً فاجهد
منها حجاب الذهن عن إدراكه ... أمر تحاوله كأن لم يعهد
وبه الحليم إلى الجهالة صائر ... ويهد عنهُ به منار السؤدد
وبه يغيب الرشد عنه فلا يرى ... إلا سلوك سبيل غير المهتدي
وبه تسيء لدى الورى أخلاقه ... حتى يقال له لئيم المحتد
لا يرعوي لصحيح قول نصيحه ... ويرى النصوح كعائب ومفند
وبذمه الشرع الشريف قضى كذا ... ك النهي جاء عن الرسول محمد
إذ قال لا تغضب وقال إلهنا ... والكاظمين الغيظ فاتبع تهتد
هذا الخطاب لكل عبد مؤمن ... والنصيح يجدي بالكريم السيد
من حب طب بما تناول علمه ... وأخو النباهة يقتدي بالمرشد
ومما قال مجاوباً للشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عثمان الأحسائي ومحمد بن علي البغلي عن مناظيم وردت عليه منهما فأرسل لكل واحد منهما نسخة من القصيدة وأتبعها برسالة تخصه وقد أجاد في الرسالتين ولم أنقلهما لأجل الاختصار وهذه هي القصيدة
إلى طيب ملهى بالعذارى وملعب ... يحن فؤاد المستهام المعذب
وأصبو إلى عصر تقضي على الصفا ... وبرق الأملني والرضا غير خلب
أطيع الهوى فيما يشاء صبابة ... وأعصي نصيحي في الهوى ومؤنبي
لعز الهوى أذللت جامحة الصبى ... كما ارتاض بالألجام صهوة أصعب
وما زال لي في الحب أبعد مطمع ... تقصر عن أدناه أطماع أشعب
ليالي لا واش أُحاذر بغيه ... ولا أتقي عين الرقيب المرتب
أسير الهوى طاق العنان خليعه ... أسير به في كل وجه ومذهب
ليالي الصبى مرت علينا كأنها ... خيال الكرى أو خلسة المتريب
تواصلني فيها الرباب وزينب ... ويا طيب عيشي بالرباب وزينب
ليالي إذ أدت عزيزة بيننا ... رسائل شوق هيجت كل مختبي
وإذ أَنشقتني من عصابة منيتي ... شذى المسك يغذى بالصديع المعقرب
وأملت أحاديث المنى دونها الصبا ... سحيراً وقد مرت بأزهار معشب
فأسكرني ذاك الحديث وطيبه ... وتذكاره لليوم أسكر مطرب
وموقف ذل قد لنظرة ... أسارقها من ذات حسن محجب
فابلغ طوراً ما أردت وتارة ... أرى دونها حد الحسام المشطب
ولست بناس إذا مررت فأومأت ... إلي بأطراف البنان المخضب
علقت هواها وهي طفل غريرة ... وكنت وإياها بأنزه مكتب
تصد وتبدي لي أَسيلاً كأنه ... صبيحة بدر ضاء في جنح غيهب
ويا ليتنا لليوم في المكتب الذي ... حوانا ولم نحدث دواعي التجنب
لقد صرمت أَيدي النوى سبب اللقا ... وطار تلاقينا بعنقاء مغرب
وما زال بي من حبها كل لاعج ... يزيد وقود الوجد أي تلهب
إذا خطرت في القلب هام صبابة ... وناديت واشوقاه يا أخت جندب
ولست بساليها ولست بناقض ... عهود الهوى ما دام أركان كبكب
ورب الهوى العذري لم يدر سلوة ... وأن كان مغموراً بحيلة أشيب
رعى الله أوقاتاً نعمنا بطيبها ... وغادى ربوع الأنس من كل صيب
وأروى عراص الروضتين التي بها ... تغازلني ألحاظ ريم وربرب
مغاني الغواني المائسات ومن حلا ... لها التيه عن لطف الدلال المحبب
وحيا ربوعاً حول ساحة جسرها ... بها نلت أمالي وغايات مطلبي
ونادمت فيها كل ثقف عطود ... حميد المساعي ماجد الخال والأب
تدار كؤوس الفضل فينا فنحتسي ... شراب طلا الآداب أعذب مشرب
فمن مبحث في العلم طاب اجتذابه ... ومن شاهد رقت معانيه أعذب
ونادرة تستنشق الروح عطرها ... يشنف منها سمع كل مهذب
مغاني كرام ليس يخذل جارهم ... ولا مجتدي إحسانهم بالمخيب
يصادف منهم ضيفهم كل بغيه ... ببشر وتوقير وأهل ومرحب
ويرجع منهم والهاً مغرماً بهم ... لحسن مواساة وإن كان أَجنبي
هم بهجة النادي نجوم سماءه ... مكارمهم تنسيك آل المهلب
следующие страницы →