Полный текст (363 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
فأعلمت بزل اليعملات مهنئاً ... بما قد حباك الله من تالد المجد
وأنهي إليك الحال مذغبت غالنا ... بغيبتك الدهر العبوس على عمد
حوادث جاءتنا بكل ملمة ... وأيسرها يلهي الولود عن الولد
جلاء وتنكيد وغرم وذلة ... ولا ناصر للحق ذو نجدة يجدي
وقد أوحشت منا الديار ونالنا ... من البؤس مالا يلتقي اللحم بالجلد
وحسبك ما نلقاه من ألم الأذى ... مفارقة الأوطان والأهل عن قصد
وأرجو بك الرحمن يبدل ما مضى ... بحال يريح القلب من وصمة الكد
فيعلن بالأفراح كل موحد ... وتزهوبك الأيام يا خير مستهد
وهاك إمام العصر مني فريدة ... يفوح لها عطر الثناء بما تبدي
إلى مثلها يرتاح كل معظم ... ويصبو إلى إنشادها كل ذي مجد
دعاني إلى ما قلت صدق مودة ... فرحت أجيد المدح منتظم العقد
ولا زلت يا عين الزمان موفقاً ... لكل مساعي الخير مستوجب الحمد
تروق بك الدنيا وتثمر بالصفا ... وتكبوبك الأعداء عن منهج الرشد
معانا مطاع الأمر ما لاح بارق ... وما جلبت الوسمي ميادة الرند
وله ﵀ كتاب كتبه سنة ١٢٤٨ للأمام تركي بن عبد الله السعود رحمه الله تعالى وهو هذا
بسم الله الرحمن الرحيم "إن أطرب ما سفرت به وجوه الصحائف وأطيب ما شنفت به الأسماع من لطائف الطرائف بعج حمد الله الذي توالت آلاؤه وجل سلطانه وكبرياؤه والصلاة والسلام على أحسن العالمين خلقاً وخلقاً وأفصحهم براعة ونطقا سيدنا محمد المبعوث رحمه لجميع الأمم الماحي ظلال الظلام بآيتي السيف والقلم سلام نظمت فرائد عقوده يد الاخلاص وأوثقت عرى عهوده ألسن الاختصاص وثناء يعطر أريج عبيره محافل الأمجاد وتتجلى بمفصلات فرائد يواقيته الأجياد من كل حاضر وباد إلى من بزغت شموس سعوده فأضاءت الآفاق واستمرت نجوم حسوده ملازمة للمحاق الإمام الذي جادت ليالي أياديه بوابل معروفه فأزهرت رياض محبيه بأنواع إحسانه وصنوفه وأرهقت شبا عزماته فانفصمت عرى مكائد عداته والهمام الذي أعد لكل أمر هو رائمه أناة فإن لم تغن عقبها بوعيداته فإن لم تغن أغنت عزائمه الذي نشر جناح الرفق على أرجاء البسيطة فغدت مودته بدوائر القلوب محيطة وقبض جناح الاعتساف ببسطة العدل والمنن وطوى بنشر الصفح جرائر الإجن ذي الآراء التي تفتح مغلقات الأمور ويستضيء بها من فوادح الخطوب كل ديجور الإمام تركي بن عبد الله السعود أدام الله أيام سعوده وأعلى منار وليه وأخبى نجم حسوده آمين.
أحرزت بالهمة العلياء منفرداً ... ما يعجز الجحفل الجرار مجتمعا
ونلت بالحزم ما لم يجر في خلد ... وان يمد إليه طالب طمعا
وأتاعب الناس من جلت مطالبه ... وجهده قاصر عن درك ما اتعبا
صبرت محتسباً تحت المكاره لا ... من مسعد منجد إن تدعه سمعا
في قفرة ليس فيها للطريد حمى ... ولم تجد موئلاً مهما تكن فزعا
ولست تصحب إلا صارما ذكراً ... يجري الفرند به كالماء إذ نبعا
لم يثنكَ الهول عما رمت غايته ... ولم تكن في الذي كابدته جزعا
حتى امتطيت ذرى العلياء لا أشراً ... ولا فخوراً ولا مستكبراً قذعا
ومن أناط الرجا بالله عن ثقة ... وصدق عزم ينله ما إليه سعى
فأصبحت ولله الحمد، وأنت الذي أعاد به ما الله عفى من معالم الدين، ولم به شتلت شعث المسلمين، وجبر به قلوباً أناخ عليها الانكسار، وأنست به ديار، بعد طول وحشة الانتقال من دار إلى دار، ثبت الله دعام الإسلام بنافع وجودك، وأشرق في الآفاق طوالع سعودك، وأنالك من الخير غاية سؤالك ومقصودك، ثم ذكر الكتاب بطوله واثنى على الإمام تركي ﵀ بما يطيب نشره أضربت عن نقله طلباً للاختصار فمن أراد الوقوف عليه فعليه بديوانه وذكر جامع ديوانه أن أمير الأحساء أحمد بن محمد السديري كتب إلى السيد كتاباً وصدره بهذه الأبيات:
سلام عليكم والديار بعيدة ... سلام محب أتعبته المفاوز
عزمت على المسرى لنحو جنابكم ... وإني عن المسرى إليكم لعاجز
فهذا كتابي نائباً عن زيارتي ... فإن حل في ساحاتكم فهو فائز
فأرسلته لما عجزت مبلغاً ... وفي عدم الماء لتيمم جائز
стр. 282
فأجابه السيد ﵀ بقوله:
بحمد إله يجمع الشمل عطفه ... وأيدي النوى عما يرام تحاجز
أتاني سلام ضاع بالند نشره ... وفاحت به عطراً إلينا المفاوز
به رد لي عهد الشبيبة والهوى ... وما الشيب لي عن ذلك العهد حاجز
سلام كعقد الدر في جيد غادة ... بضمن كتاب أبدعته الغرائز
كتاب به سر البلاغة واضح ... وكل بليغ عنمجاريه عاجز
غدت نبلاء العصر مذعنة له ... وما كل مقدام جريء يبارز
ولله طرس قد أعاد لي الهوى ... وأبدى من الأشواق ما أنا كانز
فشوقي حكى شوق المتيم خانه ... سلو وصبر والمحجب ناشز
كتاب حبيب حالف الجود كفه ... وها هو في نوع المروءة فائز
همام كريم الذات والأصل ماجد ... له في أثيل المجد قدماً مراكز
فريد المزايا أحمد الذكر باسل ... نجيب لغايات الثنا متجاوز
أبي يفي طبعاً عهود إخائه ... ولكن به يشقي العدو المبارز
له خلق كالروض كلله الندى ... سحيراً وغاداه النسيم المجاوز
بودي لكم أبدي القريض مهذباً ... وليس كمدح زخرفته الجوائز
يرى النزر من شعري كأنفس حلية ... وبالطل عن وبل تسد العوائز
فلما وصلت الأبيات إلى الأمير أحمد بن محمد السديري اقترح على الشيخ حمد بن علي آل مشرف أن ينظم جوابها للسيد عبد الجليل فأجابه إلى ذلك بقوله:
أنظم بديع هذبته الغرائز ... أم الدر من أصداف بحرك بارز
أم الروض حاكت أدمع المزن وشيه ... فعطر من ذاك النسيم المجاوز
أم أبكار فكر قد نظن لآلئاً ... من القول لا ما نظمته العجائز
نعم در ألفاظ القريض أتى بها ... بليغ لأنواع الفصاحة حائز
إلى العلويين الكرام قد انتمى ... ففي هاشم أعراقه والمراكز
أجال بميدان البلاغة خيلهُ ... فصار بها يدعى الكمي المناجز
لقد أحجمت فرسانها عن لقائه ... فكل بليغ عن مراميه عاجز
وأصبح في علم ابن حجة ... ومن ذاله في كل فن يبارز
تجاوز حد الشعر حتى كأنما ... قصائده للمنكرين معاجز
إذا قال قول أنشد الناس شعره ... وغنى به حاد وباد وراجز
وما أنشدت يوماً عرائس شعره ... على مقعد إلا مشى وهو ناشذ
ودبت به روح الصبابة واستوى ... ولو كان محمولا حوته الجنائز
لئن بلغتنا عنك يا ابن طباطبا ... نسيم الصبا شوقاً لحد يجاوز
فإن بنا من لاعج الشوق فوق ما ... بثثت وأضعاف الذي أنت كانز
فإن حكمت أيدي النوى بافترقنا ... وصار لنا من شقة البين حاجز
فإن لأرواح المحبين مجمعاً ... وإن بعدت بين الجسوم المفاوز
ودونك من جهد المقل خريدة ... من الشعر أهدتها إليك الغرائز
أتتك من الأحساء تطلب كفأها ... وما مهرها إلا الرضى والتجاوز
عليك بحسن المدح اثنت مودة ... وما قصد كل الوافدين الجوائز
وخير ختام أن أصلي مسلماً ... على المصطفى من أيدته المعاجز
وأصحابه والآل ما هزت القنا ... وما حركت للدارعين الهزاهز
له رحمة الله قصيدة سماها هداية الأكارم إلى سبيل المكارم ينبغي لكل أديب أريب أن يعتني بحفظها وتأمل معانيها وحسن مبانيها لأنها مما يبعث على مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم لاشتمالها على نصائح وآداب وحكم وهذه هي
أحسن جنى الحمد تغنم لذة العمر ... وذاك في باهر الأخلاق والسير
هم الفتى الماجد الغطريف مكرمة ... يضوع نادي الملا من نشرها العطر
وحيلة المرء في كسب المحامد لا ... في نظم عقد من العقيان والدرر
تكسو المحامد وجه المرء بهجتها ... كما اكتسى الزهر زهر الروض بالمطر
يخلد الذكر حمد طاب منشأَهُ ... وليس يمحو المزايا سالف العصر
تميز الناس بالفضل المبين كما ... تميزوا بينهم في خلقه الصور
بقدر معرفة الإنسان قيمته ... وبالفضائل كان الفرق في البشر
وما الفضل في لذة تزهو برونقها ... وأي فضل لأبريز على مدر
زإنما الفضل في علم وفي أدب ... وفي مكارم تجلو صدق مفتخر
стр. 283
فلا تساوي بأخلاق مهذبة ... أخلاق سوء أتت من سارح البقر
وخذ بمنهج من يعصي هواه وقد ... أطاع أهل الحجا في كل مؤتمر
إن الهوى يفسد العقل السليم ومن ... يعصي الهوى عاش في أمن من الضرر
وجاهد النفس في غي يلم بها ... كيلا تماثل نذلاً غير معتبر
وفي معاشرة الأنذال منقصة ... بها يعم الصدا مرآة ذي فكر
وليس يبلغ كنه المجد غبر فتى ... يرى اكتساب المعالي خير متجر
أن الكريم يرى حمل المشقة في ... نيل العلى من لذيذ العيش فاصطبر
فالصبر عون الفتى فيما تجشمه ... إن السيدة نهج واضح الوعر
وأفضل الصبر صبر عن مهيأَة ... من المعاصي لخوف الله فازدجر
واصبر على نصب الطاعات تحظ بما ... أملته من عظيم الصفح مغتفر
نيف وسبعون من آي الكتاب أتت ... في الصبر فاعمل بها طوبى لمصطبر
وعش محلىً بأخلاق محاسنها ... تجلى على أوجه الأيام كالغرر
دين به عصمة من كل فاحشة ... وكلما استطعت من بر فلا تذر
إن العفاف حمى للنسل صنهُ به ... إذا أضعت الحمى يرعاه كل جري
قد جاء عفوّا تعفّن النساء وفي ... مثقال خير فشر أوضح النذر
من جمال الفتى صدق العفاف فكن ... به محلىً خليقاً منتهى العمر
والزم فوائد تقوى الله تعل بها ... إني سأوردها عن محكم الزبر
فبالتقى مخرجٌ من كل حادثة ... والحفظ من صولة الأعدا مع الظفر
والرزق في دعة بالحل مقترن ... وحسن عاقبة في خير مدخر
وجاء نور به تمشي ومغفرة ... من الذنوب ومنجاة من الحذر
به البشارة في الدنيا وضرتها ... به النجاة من الأهوال والشرر
ورحمة الله تغشى المتقي ولهُ ... قبوله وله الإِكرام فاعتبر
وبالتقى تغنم الإصلاح في عمل ... وتستفيد به علماً بلا سهر
ونفع ذلك لا يحصى له عدد ... ونص ذلك في أي الكتاب قري
وخير ما يقتني الإِنسان إِن كرمت ... أخلاقه واستفادة رقة السحر
ومن مكارمها عشر عليك بها ... فإنها حكم تروى عن الأثر
صدق الحديث فلا تعدل به خلقاً ... تبلغ من المجد بهى باذخ السرر
وكن خليقاً بصدق البأس يوم وغى ... فشر عيب الفتى بالجبن والخور
أجب منادي العلى في خوض غمرتها ... فالعز تحت ظلال البيض والسمر
بالصبر يكتسب المقدام نصرته ... ويلبس الضد منه ثوب منذعر
ولا يدني لك الإقدام من أجل ... يكفي حراسته مسأَخر القدر
واحرص على عمل المعروف مجتهداً ... فإن ذلك أَرجى كل منتظر
وليس من حالة تبقى كهيئتها ... فاغنم زمان الصفا خوفاً من الكدر
ولا يضيع وإن طال الزمان به ... معروف مستبصر أنثى أو الذكر
إِن لم تصادف له أهلاً فأنت إذاً ... كن أهله واصطنعه غير مقتصر
أَغث بإِمكانك الملهوف حيث أتى ... بالكسر فالله يرعى حال منكسر
وكافئن ذوي المعروف ما صنعوا ... إن الصنائع بالأحرار كالمطر
ولا تكن سبخاً لم يجد ماطره ... وكن كروض أتى والثمر
واذكر صنيعة حر حاز عنك غنى ... وقد تقاضيته في زي مفتقر
واحفظ ذمام صديق كنت تألفه ... وذمة الجار صنها عن يد الغير
وصل أخا رحم تكسب مودته ... وفي الخطوب تراه خير منتصر
ووصله قد يجر الوصل في عقب ... وقد يزاد به في مدة العمر
وجد على سائل وافى بذلته ... ولو بشيء قليل النفع محتقر
واحفظ أمانة من أبدى سريرته ... مالاً وحالاً لحسن الظن والنظر
واقر الضيوف وكن عبداً لخدمتهم ... وهش بش ولا تسأل عن السفر
وبادرن إليهم بالذي اقترحوا ... عن طيب نفس بلا من ولا كدر
وخض بهم في فنون يأنسون بها ... من كل ما طاب للأَسماع في السمر
لكل قوم مقام في الخطاب فلا ... تجعل محاثة الأعراب كالحضر
واعرف حقوق ذوي الهيئات إذ وردوا ... وللصعاليك فاحذر حالة الضجر
والزم لدى الأكل آداباً سأوردها ... تعش حميد المساعي عند كل سري
كن أنت أول بادٍ بامتداد يد ... إلى الطعام وسم الله وابتدر
стр. 284
واشرع بأصفى حديث ذي مناسبة ... بالزاد انساً وترغيباً بلا هذر
لا تؤثرن بشيء لذ مطعمه ... نفساً ولا ولداً فالضيف فيه حري
وكن إذا قام كل القوم آخرهم ... وغض عن مد أيدي القوم بالبصر
ومن أقامك أهلاً للضيافة قم ... بشكره واستزد انعام مقتدر
ورأس ما قد ذكرناه الحياء فكن ... من الحياء بأوفى باهر الحبر
لا دين إلا لمن كان الحياء له ... إلفاً قريناً فيسمو كل مستتر
فاستحي من خالق يرعاك في ملا ... وفي خلاءٍ وكن منه على خدر
والعاقل الشهم من يأبى الرذائل بل ... يختار من كل شيء أطيب الخير
بالعقل تدرك غايات الكمال كما ... به تميز بين النفع والضرر
لولاه لم نعرف الله الكريم ولا ... نمتاز يوماً عن الأنعام في الفطر
فاستعمل العقل في كل الأمور ولا ... تكن كحاطب ليل أعمش البصر
دليل عقل الفتى بادي مروءته ... فمن تجنبها فالعقل منه بري
عاري المروءة نكس لا خلاق له ... وذو المروءة محبوب لدى البشر
أخو المروءة يأبى أن يرد ذوي ... الآمال عن فضله في حال منكسر
والجود أشرف ما تسمو الرجال به ... وقد ينال به مستجمع الفخر
وبالسخاء لحفظ النعمة اعتمدوا ... يا حبذا عمل بالحفظ صار حري
لا يصلح الدين إلا بالسخاء أتى ... إن السخاء من الإِيمان فاعتبر
والجود من شجر الجنات فاحظى به ... وخذ بغصن أتى من ذلك الشجر
يحب مولاك حسن الخلق مقترناً ... بالجود لم يبقيا للذنب من أثر
إن السخي حبيب للإله له ... قرب من الله هذا جاء في الخبر
ولا ترح بلئيم سرح عارضة ... ترد في ظمأً من حافة النهر
ولا تغرنك منه طول مكنته ... حلفاء عار بلا ظل ولا ثمر
بذل النفيس على نفس الخسيس عناً ... فعل الجميل لديه موجب الضرر
ومن يؤم لئيماً عند حاجته ... يعض كفيه كالكسعي وسط قري
واسلك سبيل كرام أصفياء مضوا ... بكل حمد على الآفاق منتشر
واحذر طبائع أهل اللؤم إن لهم ... ذماً يدور مع الآصال والبكر
واغنم مكارم تبقيها مخلدة ... في ألسن الناس من بدو ومن حضر
فخير فعل الفتى فعل يبلغه ... من المحامد ما يبقى على الأثر
فالمرء يفنى ويبقى الذكر من حسن ... ومن قبيح فخذ ما شئته وذر
وهذه حكم بالنصح كافلة ... بالنقل جاءت وعن مصقولة الفكر
حررتها لي وللأولاد منبئة ... بكل وصف حميد الذكر مدخر
خذها إليك ولا تنظر إلى عملي ... إني سأكشف عني وجه معتذر
بالله أحلف لا أخشى به حرجاً ... ومن تألى بغير الله في خطر
بأن لي نفس جحجاح تطالبني ... سبقاً إلى شرف عال بلا أشر
وهمتي في المعالي فوق مقدرتي ... ولا أبالي بكون الباع في قصر
وإن أَصعب ما يشقى الكرام به ... جهد المقل أتى في عزم مقتدر
والدهر في كل حر ذو مغايرة ... بالطل يقنعه عن واكف المطر
ما كنت ممن يراعي في العلى نشباً ... ولست أخشى بمجد حال مفتقر
ولا اكتسبت من الدنيا لقصد غنى ... أسمو به لا ولا عن باعث المطر
وإنما جل قصدي أن أقيم بها ... من المكارم ما يخفي سنا القمر
ورثت ذلك عن صيد غطارفة ... آباء صدق كرام الورد والصدر
من كل ندب جواد فاضل يقظ ... حليف جود بعز واضح الغرر
فسل ربيعة سل كعباً ومنتفقاً ... عنهم تجد فضلهم يسمو على الدهر
توارثوا المجد عن طه الرسول وعن ... أبي تراب وعن فهر وعن مضر
وإن لي أملاً بالله عن ثقة ... أن يسبل الستر فينا مدة العمر
وخير ما يتحف المهدي لسيدنا ... أزكى الورى صادق الإِسرا وخير سري
جرثومة المجد ينبوع الفضائل من ... إليه كل فخار غير منحصر
محمد سيد الرسل الكرام ومن ... يتلى له المدح في الآيات والسور
أزكى صلاة وتسليم لنشرهما ... يفوح عرف ختام المندل العطر
والآل والصحب ما جاءت مكارمهم ... تفوت عد الحيا والرمل والمدر
стр. 285
ما حن مشتاق مجد أو عشيق منى ... لربع جود بأهل الفضل معتمر
وما تألق برق في الحمى وهمى ... ودقٌ على حاجر من كل منهمر
مما قال في ذم الغضب أعاذنا الله منه:
للغيظ آفات يضيق بها الفتى ... فإذا استطعت له دفاعاً فاجهد
منها حجاب الذهن عن إدراكه ... أمر تحاوله كأن لم يعهد
وبه الحليم إلى الجهالة صائر ... ويهد عنهُ به منار السؤدد
وبه يغيب الرشد عنه فلا يرى ... إلا سلوك سبيل غير المهتدي
وبه تسيء لدى الورى أخلاقه ... حتى يقال له لئيم المحتد
لا يرعوي لصحيح قول نصيحه ... ويرى النصوح كعائب ومفند
وبذمه الشرع الشريف قضى كذا ... ك النهي جاء عن الرسول محمد
إذ قال لا تغضب وقال إلهنا ... والكاظمين الغيظ فاتبع تهتد
هذا الخطاب لكل عبد مؤمن ... والنصيح يجدي بالكريم السيد
من حب طب بما تناول علمه ... وأخو النباهة يقتدي بالمرشد
ومما قال مجاوباً للشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عثمان الأحسائي ومحمد بن علي البغلي عن مناظيم وردت عليه منهما فأرسل لكل واحد منهما نسخة من القصيدة وأتبعها برسالة تخصه وقد أجاد في الرسالتين ولم أنقلهما لأجل الاختصار وهذه هي القصيدة
إلى طيب ملهى بالعذارى وملعب ... يحن فؤاد المستهام المعذب
وأصبو إلى عصر تقضي على الصفا ... وبرق الأملني والرضا غير خلب
أطيع الهوى فيما يشاء صبابة ... وأعصي نصيحي في الهوى ومؤنبي
لعز الهوى أذللت جامحة الصبى ... كما ارتاض بالألجام صهوة أصعب
وما زال لي في الحب أبعد مطمع ... تقصر عن أدناه أطماع أشعب
ليالي لا واش أُحاذر بغيه ... ولا أتقي عين الرقيب المرتب
أسير الهوى طاق العنان خليعه ... أسير به في كل وجه ومذهب
ليالي الصبى مرت علينا كأنها ... خيال الكرى أو خلسة المتريب
تواصلني فيها الرباب وزينب ... ويا طيب عيشي بالرباب وزينب
ليالي إذ أدت عزيزة بيننا ... رسائل شوق هيجت كل مختبي
وإذ أَنشقتني من عصابة منيتي ... شذى المسك يغذى بالصديع المعقرب
وأملت أحاديث المنى دونها الصبا ... سحيراً وقد مرت بأزهار معشب
فأسكرني ذاك الحديث وطيبه ... وتذكاره لليوم أسكر مطرب
وموقف ذل قد لنظرة ... أسارقها من ذات حسن محجب
فابلغ طوراً ما أردت وتارة ... أرى دونها حد الحسام المشطب
ولست بناس إذا مررت فأومأت ... إلي بأطراف البنان المخضب
علقت هواها وهي طفل غريرة ... وكنت وإياها بأنزه مكتب
تصد وتبدي لي أَسيلاً كأنه ... صبيحة بدر ضاء في جنح غيهب
ويا ليتنا لليوم في المكتب الذي ... حوانا ولم نحدث دواعي التجنب
لقد صرمت أَيدي النوى سبب اللقا ... وطار تلاقينا بعنقاء مغرب
وما زال بي من حبها كل لاعج ... يزيد وقود الوجد أي تلهب
إذا خطرت في القلب هام صبابة ... وناديت واشوقاه يا أخت جندب
ولست بساليها ولست بناقض ... عهود الهوى ما دام أركان كبكب
ورب الهوى العذري لم يدر سلوة ... وأن كان مغموراً بحيلة أشيب
رعى الله أوقاتاً نعمنا بطيبها ... وغادى ربوع الأنس من كل صيب
وأروى عراص الروضتين التي بها ... تغازلني ألحاظ ريم وربرب
مغاني الغواني المائسات ومن حلا ... لها التيه عن لطف الدلال المحبب
وحيا ربوعاً حول ساحة جسرها ... بها نلت أمالي وغايات مطلبي
ونادمت فيها كل ثقف عطود ... حميد المساعي ماجد الخال والأب
تدار كؤوس الفضل فينا فنحتسي ... شراب طلا الآداب أعذب مشرب
فمن مبحث في العلم طاب اجتذابه ... ومن شاهد رقت معانيه أعذب
ونادرة تستنشق الروح عطرها ... يشنف منها سمع كل مهذب
مغاني كرام ليس يخذل جارهم ... ولا مجتدي إحسانهم بالمخيب
يصادف منهم ضيفهم كل بغيه ... ببشر وتوقير وأهل ومرحب
ويرجع منهم والهاً مغرماً بهم ... لحسن مواساة وإن كان أَجنبي
هم بهجة النادي نجوم سماءه ... مكارمهم تنسيك آل المهلب
стр. 286
أولئك أخداني وقومي وجيرتي ... فمن مثلهم من منجب وابن منجب
عليهم قضت أيدي الرزايا فلم تزل ... تساقط منهم كوكباً إِثر كوكب
وأضحت مغانيهم قفاراً من الدمى ... ومن كل غطريف جواد مدرب
كأن لم يكن فيها أنيس مسامر ... ولا حل فيها للقرى بعض لغب
وبعدهم أقوت معاهد جودهم ... فيا ضيف خذ في حفظ زادك واعزب
فيالك من دهر تحكم ريبه ... وأودى بأقيال لهم نخوة الأب
ولا عوض عنهم يزاح به الأَسى ... وفاقدهم أضحى كأجذم أَغضب
وهل ساغ أن يعتاض عنهم بجاهل ... من النوك أو فدم عديم التأدب
عري من الآداب والفضل باقل ... تراه إذا صارحته يشبه الصبي
ألذ وأحلى كل شيء لديه ما ... إذا شام برقاًلاح في أفق مكسب
إذا دار في النادي لطيف نوادر ... وشعر يرى للثقل كالمتجنب
ولم ألف ذا فهم ونفس شريفة ... فيرتاح للآداب عن طيب مشرب
ولم يبقى مما يستطاب به سوى الذي ... تضمنه الأسفار من كل معرب
وما راق تنشيه القرائح حادثاً ... طرياً أتي من نحو شرق ومغرب
كمثل نظام جاءني فاق نشره ... على الروض جادته الغوادي بصيب
به يتحلى جيد هيفاء غادة ... فيدرك منها الحسن أبعد مطلب
تنظمه عقداً أنامل ماجد ... له في مقام الفضل أرفع منصب
نبيه نبيل ذي صفات حميدة ... تميزه بالنبل في كل موكب
حريص على كسب الفضائل مذ نشا ... وقد يسبق الأقران فضل التكسب
لقد عرفت منه الظرافة شيمة ... ورب ظريف للقلوب محبب
كريم إِخاء جامع حسن عشرة ... تقيم بعيداً كالحميم المقرب
سيلقي منظوم ونثر كأَنه ... كفاه سليم الطبع عن نحو قطرب
هو الشيخ عبد الله نجل محمد ... سليل كرام كل أنجب أغلب
جهابذة علماً فحلوه بالتقى ... إلى ورع صافي الموارد أعذب
وبالفرض حازوا العلم لا عن كلالة ... فمن كابر عن كابر كالتعصب
تقصد عبد الله قصد سبيلهم ... ففاز بفضل نابه الذكر معجب
ففاق بنظم لا يباريه شاعر ... سوى ما أتى من نظم واف مهذب
كسمط من العقيان والدر فصلت ... فرائده من أَغلى مثقب
نظام فريد في القريض مبرز ... فلم يرض من بكر المعاني بثيب
وثيق عهود الود مذ كان يافعاً ... وما زال حليفاً للإِخاء المحبب
ذكي به علم العقاقير نير ... فأصبح جالينوس في جنبه غبي
هو ابن علي ذو الوفاء محمد ... محب لآل المرتضى عترة النبي
غدا نظمه وشي الربيع وكافلا ... بصدق وداد بالولاء مطنب
فقابله مني القبول مع الرضى ... وأعددته للأنس ألطف مطرب
فيا من أنافا في القريض تسامياً ... إلى كاهل الإحسان بالحسن قدحبي
خذا لكما مني جواباً منقحاً ... يفوق على أشعار بكر وتغلب
أتيت به والفكر مرتهن الصدا ... وقرضابه قد كل عن كل مضرب
ولست إلى نهج البلاغة ناظراً ... يحجبها عني شواغل حدن بي
ولو لم أحاذر نسبة الكبر لم أفه ... بما قلت كالعشواء تخبط محتبي
ولا زلتما في نعمة وميسرة ... دواماً وعيش بالمعافاة طيب
سعيدين ما لاحت بوارق مزنة ... وما فاح مسك الختام المطيب
قد اقترح عليه حسن بن عبد الله بن أحمد آل خليفة تشطير أبيات ستة امتدح بها أمية بن أبي الصلت في الجاهلية ابن جدعان القرشي المشهور بالكرم وضمن التشطير في قصيدة طنانة وامتزجت الأبيات بالقصيدة حيث لا يتميز بينهما بل ربما كان كلامه يفوق الأبيات الستة فقال
ليالي الوصل حق بها الهنا ... وتلك مع الشباب هي المناء
تسامرني بها غنجاء رود ... كعاب للدلال بها ازدهاء
برشق لحاظها داء المعنى ... وفي ترشاف مبسمها الدواء
ومن سود الذوائب جن ليل ... ولي من نور غرتها ضياء
إذا ما الحلي زين به العذارى ... فحليتها الملاحة والبهاء
إذا سقط النصيف لمنكبيها ... تلقته وواراها الحياء
لهوت بها على حذر ورقبى ... خليعا بالملاح لي اعتناء
فأرشف من ثناياها عقاراً ... بها سكري وراق بها الصفاء
стр. 287
نعمت بها على رغم الليالي ... وزال بوصلها عني الشقاء
ويعجبها اكتسابي للمعالي ... ولي في فضل آبائي اقتداء
يروضها الصبا لي والتصابي ... وتجذبها النضارة والرواء
ومذ لاح المشيب ولان عودي ... لغامزه وبان به انحناء
نأت عني وقد صرمت حبالي ... كأن لم يجر وصل أو لقاء
ودأب الغانيات جحود ود ... فلا عهد لهن ولا وفاء
لعمرك ما الليالي صادقات ... بما عهدت إليك ولا النساء
إليك فدع مطارحة الغواني ... ففي تطلابهن لك العناء
تذارف أدمع وسهاد عين ... وذل وانزعاج وابتلاء
مواقف ريبة تسم الدنايا ... وليس لعرض آتيها وقاء
أيختار الكريم أخو المعالي ... مقام الذل يعقبه ازدراء
إذا سمح الفتى بالعرض يوماً ... فذلك والبهيمة قل سواء
وبئس العيش عيش فتى ذميم ... عليه من الخنا الداجي رداء
وأشرف ما اقتناه الحر ذكر ... تقاصر دون رياه الكباء
عفاف غيرة صدق وفاء ... رعاية منصب حزم إباء
وإقدام وجود صدق وعد ... وعهد ليس يخفره البلاء
ومن عشق الثنا هجر الدنايا ... ولم يلمم بساحته البذاء
تطلع للعلى والمجد دأباً ... وفي سبق الكرام له اعتناء
إذا الكرام الصيد ناد ... يضيء له على العز اعتلاء
كما ضاءت فعال ذوي المعالي ... هم القادات غر اتقياء
لآل خليفة شيم تعالت ... عن الحق النيء فهم براء
وبالمعروف امارون حقاً ... وجاني المنكرات بهم هباء
أولو همم نوازع للتسامي ... على زحل يلوح لها علاء
سراع الغوث إن يدعوا لعز ... وإن يدعوا لمنقصة بطاء
أكفهم لدى الجدباء غيث ... وكم رويت بها الأسل الظماء
لهم يوم الوغى وثبات أسد ... إذا أودى بأشبلها العياء
يخوضون الكريهة لم يبالوا ... أحان الحين أم نزل القضاء
لقد سادوا وشادوا كل عز ... وطال بعزهم ذاك البناء
بهاليل وتقوى الله ركن ... به اعتصموا وبالتقوى وقاء
لهم حسن الجوار فلا الرزايا ... تصيب الجار فيهم والاذاء
تفرغ منهم ندب جواد ... كريم الطبع ديدنه العطاء
له خلق كزهر الروض يزهو ... عليه من الندى سحراً رداء
فيا ذا الفضل يا حسن السجايا ... كذا اسماً حيث حليتك العلاء
رأيتك للتنا تهتز طبعاً ... فجئت بما يقل له الجزاء
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حباؤك أن شيمتك الحباء
بلى حسبي لآمالي شفيعاً ... عن الإفصاح حدسك والذكاء
وعلمك بالحقوق وأنت فرع ... لدوحة من بهم عرف الوفاء
وعن طرق الخنا واللؤم يأبى ... لك الحسب المهذب والسناء
خليل لا يغيره صباح ... يضيء به وصال أو جفاء
وليس يحول ما كرت غداة ... عن الخلق الجميل ولا مساء
وأرضك كل مكرمة نمتها ... فعالك حيث ينقطع الرجاء
أتدرك شأو قومك في التسامي ... بنو تيم وأنت لها سماء
إذا أثنى عليك المرء يوما ... تصدقه المروءة والسخاء
وراجي فضلك الداني جفاه ... كفاه من تعرضه الثناء
تباري الريح مكرمة ومجداً ... فتسبقها ولاح لك العلاء
ترى طلق المحيا ذا ازدهاء ... بها يحلو التغني والحداء
نظمت بسلكها ما قيل قدماً ... فهل فرق بها أم ذا سواء
فسل من جاء من شرق وغرب ... أتأتي مثل نظمي الأذكياء
يحوز لي القوافي الغر فكري ... فأقطف من جناها ما أشاء
فسرح طرف طرفك في رباها ... تجد روضاً تغاديه السماء
أصون حماه من فدم دني ... لديه المدح ساواه الهجاء
ودم في نعمة ورغيد عيش ... تلازمك المسرة والغناء
معانا ما حدا حاد بقولي ... ليالي الوصل حق بها الهناء
وكتب إلى السيد الشيخ محمد الشيبي كتاباًوفيه هذه الأبيات والسيد إذ ذاك بالطائف سنة ١٢٤٩ وهي:
يا سادة بعدوا عني فما برحت ... أحشاء مضناكم بالنار تلتهب
ما كان ظني بأن الدهر يبعدني ... عن أنجم بضياء الشمس تحتجب
стр. 288
فجددوا العهد كيما تشتفي كبدي ... وحققوا حالكم فالقلب مضطرب
باللحظ الود بالتفاح من رشأٍ ... سهامه في فؤاد الواله الهدب
هل من ضمان لصب باع مهجته ... بلا جزاء عليكم فالجزا يجب
لا تخرجوا رقكم عن طيب خاطركم ... بقؤبكم تكرم الأعاجم والعرب
أجابه السيد ﵀:
أحبتي لاعداكم صوب غادية ... باليسر واليمن والخيرات تنسكب
فإن نأت داركم عني فمنزلكم ... في القلب والطرف يوما ليس يحتجب
أنتم منائي وأنتم منتهى أملي ... وليس لي بسواكم سادتي أرب
أعض من ندم كفي على زمن ... مضى ومالي بكم وصل ولا سبب
إِني أسير هواكم مغرم بكم ... إِني أسير ومالي عنكم منقلب
أقول للمدعي في حبكم شبهي ... لقد حكيت ولكن فاتك الثنب
كلا ولم يلهني خل أسامره ... ولا نديم ولا أهل ولا نشب
أنا الوفي بعهد الود من قدم ... فليس قلبي عن الأحباب ينقلب
أنفقت شرخ شبابي في الهوى يقظاً ... فكدت أعلم ما يؤتى ويجتنب
أقمت مني لكم حكم الصبي ... أهليه يا سادتي من بعض ما يجب
دمتم بعز ونعمى لا تبيد ولا ... يفوت ربعكم الأفراح والطرب
ما حن صب إلى أحبابه ولهاً ... ففاز إذا انعشته منهم الكتب
قال مجاوباً أيضاً لمحمد الشيبي عن كتاب وأبيات وردت عليه فقال مجاوباله ومادحاً:
خطرت بقد البانة المياس ... ورنت بطرف الجوء ذر النعاس
غيداء يلعب بالعقول حديثها ... فعل الشمول حكت صفاءِ الكاس
تصمي الحشا بنبال مقلتها وما ... للسيع غقرب صدغها من آس
ما للذوائب كالأفاعي أرسلت ... فوق الكثيب فضيعت أحساسي
بالغنج يسلب ذا الوقار وقاره ... ودلالها يقضي بنقض مراسي
لألاء غرتها وداجي فرعها ... بدر يلوح خلال غيم راسي
زارت فما أدري أكانت يقظة ... أو من طروق الطيف أو وسواسي
حتى تعطرتِ الربوع بعرفها ... ونضا محياها دجى الإِغلاس
فدهشت لما أن أمطت خمارها ... واستقبلتني زرقة الألعاس
ونشقت منها الطيب ظناً أنه مسك وذلك عاطر الأنفاس
فطفقت أقطف ورد وجنتها وأر ... شف من ثنتياها طلى الشماس
وغدا على قلبي الخفوق كقرطها ... فرحاً بطيب الوصل بعد الياس
فحظيت منها بالمنى متدرعاً ... برد الصيانة والغرام لباسي
يا حبذا زمن الوصال يمده ... زهو الشباب الغض باستئناس
واليوم مالي والتغزل بالدمى ... من بعد ما نزل المشيب براسي
فذر الهوى وفنونه واهرع إلى ... إطراء ندب طيب الأغراس
الماجد الأنف الأبي الباسل ... القرم السري أخي الندى والباس
زاكي النجار عفيف منعقد الإزا ... رقرير عين الجار بالإيناس
يرعى ذمام ذوي الإخاء تكرماً ... بالبشر يلقاهم بغير شماس
هذا هو الشيبي ذا أسمى فتى ... في دارة البطحاء كالنبراس
من آل عبد الدار أكرم معشر ... حازوا مناقب كالنجوم رواسي
منها حجابة بيت رب العرش قد ... خلدت لهم وبنيهم الأكياس
لله منصب سؤدد ذي حلة ... خير الأنام لهم بتلك الكاسي
وسواه من كل المناصب جاء عن ... ملك وتغليب وشورى الناس
أمحمد يا فرع كل معظم ... در الندى منه بلا إبساس
وافى كتابك والغرام بحاله ... أين الهوى وزخارف الأطراس
إني أحن إلى اللقاء وهاج بي ... شوق يرق له الفؤاد القاسي
جمع اصطباري فلّلكن الرجا ... قهرت دواعيه دعاة الياس
فيه التعلل والرجاء تعلة ... وكذا المنى تغني ذوي الإفلاس
فعسى الإله يبت اسباب النوى ... عنا فنلبس حلة الجلاس
وإِليك من أبكار فكري بضة ... صينت معاطفها عن الأَدناس
حسنا الشمائل من ذؤابه هاشم ... بصميمها من كا أغلب آسي
لا زلت يا رب الكمال برتبة ... قعسا وعز محكم الآساس
ما أضحك الروض المرنح في ربى ... مزن يسح بواكف رجاس
ومن قوله:
لا تتخذ بالشيب عذراً للذي ... ترجو على طول الحياة وصاله
стр. 289
إن اعتذارك بالمشيب يجره ... للصد أو يدني إليك ملاله
إِذ أن ذلك لا يزال ملازماً ... لو زاد فالوعد ارتكبي مطاله
والعذر أحسنه الذي قد زال عن ... ك وقد حمدت وقوعهُ ومثاله
وفي سنة ١٢٦٤ بلغ السيد عبد الجليل أن داود باشا أرسل القصيدة الخالية إلى أدباء بغداد ليجاروها ونسبها لبعض شعراء النصارى وهو بطرس كرامة الشامي وهو غلط أو دعوى وإنما هي لبعض أهل جبل عاملة من قرى الشام وهي متقدمة على عصره كما وجدت في بعض المجاميع وعند وصولها بغداد تجاذبها الأدباء وأرادوا مجاراتها ولما علم السيد أنها صادرة من الباشا أحب أن يذيلها ويجعل ذيلها مدحاً فيه فيصير غزلها للعاملي ومديحها له وآخر خالية العاملي قوله:
لكل جماح إن تمادى شكيمة ... ولكن جماح الدهر ليس له خال
وأول قول السيد:
نعم خاله تقوى الإله فإنها ... ستكسوك ثوب العز إن أعوز الخال
وهذه خالية العاملي:
أمن خدها الوردي أفتنك الخال ... فسح من الأجفان مدمعك الخال
السحاب
وأومض برق من المحيا جمالها ... لعينك أم من ثغرها أومض الخال
البرق
رعى الله ذياك القوم وإن يكن ... تلاعب في أعطافه التيه والخال
الكبر
ولله هاتيك الجفون فإنها ... على الفتك يهواها أخو العشق والخال
الخلي من العشق
مهاة بأمي أفتديها ووالدي ... وإن لام عمي الطيب الأصل والخال
أخو الأم
ولما تولى طرفها كل مهجة ... على قدرها من فرعها عقد الخال
اللواء
إذا افتكت أهل الجمال فإنما ... لهن على أهل الهوى الملك والخال
الخلافة
وليس الهوى إلا المروءة والوفا ... وليس له إلا امرؤ ما جد خال
السمح الكريم
وكم يدعي بالحب من ليس أهله ... وهيهات أين الحب والأَحمق الخال
الضعيف القلب والجسم
معذبتي لا تجحدي الحب بيننا ... لما اتهم الواشي فإني الفتى الخال
البريء من التهمة
ولي شيمة طابت ثناء وعفة ... تصاحبني حتى يصاحبني الخال
الكفن
سلي عن غرامي كل من يعرف الهوى ... تري أنني رب الصبابة والخال
الصاحب
لا تسمعي قول الحسود فإنه ... لقد ساء فينا ظنه السوء والخال
التوهم
سعي بيننا سعي الحسود فليته ... أشل وفي رجليه أوثقه الخال
الظلع من الدابة والعرج
وظبية حسن مذ رأيت ابتسامها ... عشقت ولم تخط الفراسة والخال
المخيلة
توسم طرفي في محاسن وجهها ... فلاح له في بدر سيمائها الخال
التوسم بالخير
إلى مثلها يرنو الحليم صبابة ... ويعشقها سامي النباهة والخال
الرجل حسن المخياة والفراسة
أيا راكبا يفري الفلاة بجسرة ... يباع بها النهد المطهم والخال
البعير الضخم
بعيشك إن جئت الشآم فعج إلى ... مهب الصبا الغربي يعن لك الخال
جبل بعينه
فإن ناشدتك الغيد عني فقل على ... عهود الهوى فهو المحافظ والخال
الملازم
فسلم بأشواقي على مربع عفا ... كأن رباه بعدنا الأقفر الخال
موضع لا أنيس فيه
فإن قيل هل سام التبصر بعدنا ... فقل صبره ولى وفرط الجوى خال
ثابت
لكل جماح إن تمادى شكيمة ... ولكن جماح الدهر ليس له خال
اللجام انتهى كلام العاملي وهذا تذييل السيد رحمه الله تعالى بقوله:
نعم خاله تقوى الإِله فإنها ... ستكسوك ثوب العز إن إعوز الخال
الثوب الناعم
وقل لعفاة ساءهم سوء حالهم ... وامطرهم عن واكف السحب الخال
السراب
هلموا سراعا واهرعوا نحو ماجد ... سري فما كل الفحول هو الخال
الرجل السمح
ولا تكنوا إلا لمن كسبه الثنا ... ولم يك في حسن السجايا الفتى الخال
المتكبر
إِذا استبق الأقران في حلبة العلى ... فكل كريم رام سبقاً هو الخال
الحرون
فليس لدواد الهمام مزاحم ... بعلم وحلم لا يوازنه خال
جبل
وفياض جود عاض عن صيب الحيا ... وعم به حتى ارتوى الوهد والخال
الاكم
ومن مثله والعلم والفهم حليه ... وهل يتسامى شامخ الطود والخال
المنخفض
стр. 290
له زاخر الفهم الذي فاض حكمة ... ومن علمه للناس في فضله خال
ترسم الخير
مليك كسى القطر العراقي بهجة ... بعدل وأمن شاد ركنيهما الخال
السيف
غدا عصمة اللاجي إذا راعه العدى ... وكعبة جود طالما أَمهُ الخال
المحتاج
إليك أمير المكرمات فريدة ... أتتك من الفيحاء يعنو لها الخال
نيت مزهر
تجوب من البيداء كل تنوفة ... بها للوجى تدمى النجائب والخال
الفحل الأسود من الابل
معارضة للعاملي بنسخة ... وعند رواة العصر إتيانها خال
وهم
لقد مدح الوزير وقد أتى ... تغزلها قلب في الهوى خال
فارغ القلب
ولا زلت يا عين الزمان ممتعا ... بعز وذكر عنده يقدم الخال
الجبان
معاناً سعيد الجد متصل الهنا ... أخا نعمة تزهو وأنت بها الخال
المختار ثم إن داود باشا أرسلها أيضاً إلى صالح التميمي طالباً منه مجاراتها فاعتذر وقال:
عهدناك تعفو عن المسيء تعذرا ... ألا فاعفنا عن رد شعر تنصرا
دع الشانىء المخصوص بالنص إننا ... نراه بميدان البلاغة أَبترا
به سمةٌ من صبغة الخال سودت ... بصيرته لا كان ممن تبصرا
عداه شبيث والأحص وفاته ... من الرند والقيصوم ما كان مزهرا
أما وعلوم ضمها صدرك الذي ... براه إله العرش للعلم إذ برا
وفيض أيادي حكمة في رقابنا ... مكارم كالأَطواق محكمة العرى
لجم غفير صير الخال قبله ... مكان القوافي بالقوافي مكررا
وما الشعر إِلا ما أبانت صدوره ... قوافيه لا ما السمع فيه تحيرا
وغنى به الساقي على الكأس آخذاً ... عليك وإن لم تشرب الكأس أسكرا
لعمرك ما كعب ولا الشيخ قبله ... زهير بتكرار القوافي تصدرا
وإني أرى المصنوع منه تأمراً ... بما لا أرى المطبوع إلا تأمرا
فدع ذا ولكن اسأل الله بالذي ... دنا فتدلى ثم بالوحي أخبرا
بشيراً يوافي باللقاء وطالما ... يوافي رسولاً بعد يأس مبشرا
لداود والأيدي الجسام صنائع ... لنا يسرت أمراً لنا ما تيسرا
رؤوف بنا عطوف ولم يكن ... تغير لو أن الزمان تغيرا
على البعد شاهدنا له كم عناية ... تشكر والإِحسان بالحر اثرا
ومذ وصلت هذه الأبيات إلى داود من صالح التميمي عرضها على بطرس كرامة فأجابه بقوله:
لكل امرىء شأن تبارك من برى ... وخص بما شاء كلاً من الورى
ولو شاء كان الناس أمة واحد ... ولم تلق يوماً بينهم قط منكرا
ولا يفتخر مرءٌ بجد يناله ... تراثاً إذا عن طارف الفخر قصرا
ولا يحتقر در يجيءُ به فتى ... يخالف جنساً أو يرى غير ما يرى
إذا ضاع قدر الدر من حلي بائع ... فذلك جهل باللآلي بلا مرا
كما عاب شعري قائل في قريضه ... ألا فاعفنا عن رد شعر تنصرا
عداني شبيث والأحص وإنما ... رشفت من الآداب سهداً وكوثرا
ولي سمة من صبغة الخال قد سمت ... وقد سودتني بالبلاغة منبرا
عجبت له من أنه نعم فاضل ... فكيف تغاضى عن أخي الفضل وازدرى
نعم إنني من أمة عيسوية ... وأهل كتاب لن يشان وينكرا
وأقرب من كل الأنام مودة ... إليه كما قد جاء بالذكر مخبرا
وما أنا ممن آمنوا بنبيهم ... وقد أنكروا صحب الرسول المطهرا
ولو أنه يتلو وقل لا تجادلوا ... لكان أتى بالحق حكما وما افترى
لعمرك ما داعي الفصاحة ملة ... ولا نسب حتى ألام واهجرا
فذلك فضل الله يؤته من يشا ... ولن ينتهي فضل الإِله ويحصرا
فقس مسيحي والسموأل موسوي ... وغيرهما ممن تقدم أعصرا
كذا ابن سهل وابن صاعدة الذي ... ببغداد أهدته المنية للثرى
كذا الصابيء المشهور من شاع ذكره ... ومن فضله أملى ابن خاقان دفترا
كفاني فخراً أن شعري لم يعب ... بوزن ولا لحن ولم يحو ممقرا
وما الورد إلا ريحاً ومنظراً ... وإن يكن الرومي هجا الورد وافترى
ولا يسلب الحسناء قول ضرائر ... صباح جمال عنده يحمد السرى
ولا يحسبني أعجمياً فإن لي ... من العلم والآداب قوماً ومعشرا
стр. 291
من العرب مطبوع الفصاحة والندى ... وغنى بشعري أهل فضل فأسكرا
فأطرب ذا علم ورنح ضيغماً ... وهز أخا شوق وأرقص جؤذرا
وإِني لمنسوب لآل كرامة ... وحاشاه أن يأَبى الكرامة مدبرا
ففي حلب والشام رنت قصائدي ... وشعري في روض الكنانة أزهرا
وما كان منه ذاك إلا ليبتلي ... ويعلم آدابي فيغدوا مخبرا
وأحسبها منه يدا قد أراد أن ... أكون شهيراً بالعراق وأُذكرا
ولما وقف السيد ﵀ على قصيدتيهما أحب أن يحكم بينهم فيما تشاجرا فيه.
فقال:
حكمت وحكم الحق ناء عن المرا ... بأن التميمي الأديب تعثرا
بذم قواف في تمام جناسها ... وذلك نوع في البديع تقررا
وعند اتحاد الجنس فالنوع سائغ ... تعدده بل كم أفاد تخيرا
وليس مرادا دين من رق طبعه ... أكان حنيفاً مسلماً أو تنصرا
وحسبك منه ما يفصل عقده ... من النظم والمنثور دراً وجوهرا
وكم مسلم منه اللسان وقلبه ... على غير دين فضله قد تصدرا
وظلم ذوي الآداب والفضل عيبهم ... بما صنعوا من رقة الشعر في الورى
وما كل وراد المناهل مفلق ... ولا رعيه الحوذان كان المؤثرا
وأكثر كتاب البلاغة لم يرد ... شبيثاً ولامس الخزامى المنورا
ولم يك للأديان في الشعر مدخل ... وكل قديم الشعر كان المصدرا
وقادتهُ الأعلون في جاهلية ... وشرك وهل كالشرك تلقى مكفرا
وقد قام من أهل الكتابين زمرة ... جنوا من رياض الشعر ما كان مزهرا
فمن كابن عباد يجاري مهلهلا ... وكان مسيحياً تقدم يشكرا
وكالأخطل المعروف شاعر تغلب ... يسوق به القسيس في الدير كالفرا
وكعب هو ابن الأشرف القرظي من ... بأَشعاره وصف الخراعب أسفرا
وقس مضى طول الحياة موحداً ... وما نقل التثليث عند ولا اجترا
كذلك عابوا للتميمي قوله ... ألا فاعفنا عن رد شعر تنصرا
إِذا منه عجز عن مجاراة خاله ... فمال إلى الأديان عمدا تهورا
ولو أنه يدري بقولي لقال لي ... عهدناك تعفو عن مجيب تعذرا
وأي مقال قد خلا من معارض ... فلو عابه بالانتحال لما افترى
إذا صح عنه الادعاء لنظم ما ... بها الخال قد عم القوافي مكررا
فمن سرقات الشعر ما كان حده ... يقام على الجاني فيصبح أبترا
ويبعد عن هذا الظريف ادعاؤها ... لشهرتها بين الرواة ومن درى
ونسبتها للعاملي قديمة ... وخمسها منهم نبيه فحررا
وعارضها ذاك المخمس فانثنى ... بمدح جواد ضمنه أسد الشرى
وتخميسها عندي وما عورضت به ... وأخرى بكسر اللام يعرب من قرا
على أنني ذيلتها بمديح من ... يقرر فضل النظم والنثر إذ طرا
ولازمت خالاً فوق وجنتها هوى ... لأرشف من تلك الثنايا المكررا
وجاء له لحن ولكن مخففا ... برائية فيها الجواب تقررا
فقال مسيحي ثم في البيت موسوي ... بتسكين ياء النسبة القول يزدرى
وذلك لحن في قواعد معرب ... كما جاء هذا للنحاة مسطرا
وكل انتقاد الشعر دون انتحاله ... وذلك عيب ضمنه وصمة افترا
بدت لأبي سلمى زهير عناية ... بتهذيب حولياته قبل أن ترى
بها بلغ الغايات في حسن شعره ... وفي بيته فالشعر يروى محررا
كما شاع حر الشعر في بيت بطرس ... وفي نجله بين المدائن والقرى
فصيح رقى أوج البلاغة يافعاً ... فأَشعاره حلى بها ربع قيصرا
لأَفكار غر القوافي قريبة ... وعن غيره بعد الثريا عن الثرى
أتى منه نظم هد حجة صالح ... وإن كان في المنظوم قدماً تصدرا
فأيدت ذاك الرد إذ كان صالحاً ... وزدت له بالاحتجاج ليشكرا
وما قلته بين الفريقين واضح ... فأمعن لهذا القول في الحكم منظرا
وكن منصفاً فيما ترجح بعدما ... تدير الحجا فيما تراه لتعذرا
لكل تراني قد قضيت بحقه ... وأسال هادينا الهدى والتصبرا
وقد كان لي من صالح خير صحبة ... وعند اتباع الحق ما زلت أجدرا
وقد مر لي بالشعر بعض علاقة ... وحكمي ماض فيه أنفذه الورى
стр. 292
بعصر تقضت فيه أيام صبوتي ... أطارح فيه من أشاء بلا ازدرا
ويسعدني فيما أردت شبيبتي ... وعهد الصبا ادعى لثائرة المرا
ليالي إذا قاد الهوى لي صبابة ... فأثني بها ألمي المراشف جؤذرا
وإني وإن فارقت أيام صبوتي ... فبالفكر أرعاها عياناً تحسرا
ومن خلقي تذكار عهد شبيبتي ... وبعض وفاء الحب أن اتذكرا
لعمرك فاتتني سريعاً حسبتها ... كزورة جاف مر في سنة الكرى
وسائل صب شاب للغيد قد وهت ... كاعزل لاقى في الهياج غضنفرا
ويا طيب عصر صالح لي بصالح ... بصحبته كان الوداد مقررا
بمنعرج الفيحاء مر اجتماعنا ... وكان به ليل المسرة مقمرا
قضيت به للأنس كل لبانة ... فإن شئت سل عما جرى حينئذ جرى
فيا طال ما حلى القريظ بنظمهِ ... وفاح به النادي لذلك عنبرا
وكم نكت أبدى لنا من فنونه ... طرائف منها يرشف السمع كوثرا
سوى أنه في الارتجال لراجل ... اذا أبصر الأعيان في الربع حضرا
حياء وإن ضم اليراع بنانه ... أجاد أعاريض القريض مفكرا
عسى مالك الغفران يقبل عذره ... ويمحو له ما ظل فيه مقصرا
ودونك إِبراهيم هيفاء كاعباً ... أحاديثها تغني عن الراح مسكرا
وترفل تيهاً في مطارف حسنها ... وبالغنج تجلو عن نديم مكدرا
أتتك من الفيحاء تطوي سباسباً ... قفاراً بها الخريب صاح تحيرا
فلا منهجاً دلت ولا منهلاً درت ... ولا سمة تهدابها يحمد السرى
وغاية ما في النفس علم ورودها ... إليك بها يسعى البريد محررا
ولا زلت تجلو كل خالية بها ... تسامر مصقول الترائب أحورا
وعش فارها ما جاد بالوصل نازح ... على واله بالقرب وافى مبشرا
وقال مشطرا بيتي جرير في الغزل فقال:
"إِن العيون التي في طرفها حور" ... هن الشقاء لقلب بالهوى دانا
تلك الصحاح المراض الفاتنات لقد ... "قتلننا ثم لم يحيين قتلانا"
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... بنظرة تدع الخريب حيرانا
ياللرجال يقدن الأسد راغمة ... "وهن أضعف خلق الله أركانا"
واقترح على السيد رحمه الله تعالى بعض أصحابه تشطير بيتين فاسعفه بمراده فقال:
"عداي لهم فضل علي ومنة" ... فقد أرهفوا مني شبا العزم ماضيا
بهم شدت أركان الفضائل جاهداً ... فلا أبعد الرحمن مني الأعاديا
هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها ... ورب لبيب يطرق الأمر ساهيا
ومالي لا أكسوهم حال الثنا ... "وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا"
ولما شطرهما راق له تخميسهما فقال:
مجازاة ذي الإِحسان والعرف سنة ... وكل كريم للوفاء مظنة
وإِني أرى والعقل للمرء جنة ... عداي لهم فضل علي ومنة
فلا أبعد الرحمن مني الأعاديا ... أما إِنهم أبدوا أموراً حذرتخا
وما رابني منها انبعثت أبتها ... ومذ زاحموني في المكارم حزتها
هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها ... وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا
ومن قوله والتزم في آخر كل بيت كلمة حكمة:
عشقت فريداً في الجمال محبباً ... إلى كل قلب والجميل حبيب
خلائقه الحسنى تريك نجابة ... إلى ظرف والحسن فيه ضروب
لقد رمت منه الوصل ظناً بأنه ... قريب وما كل الظنون تصيب
فعاملني بالعطف من غير ريبة ... وكل أَريب لن تراه يريب
وقال السيد ﵀: مادحاً الإِمام المقدم الملك المفخم قائد المنصورة والأولوية المجاهد في الله حق جهاده المتمسك باتباع الشريعة في إِصداره وإِيراده سعود بن عبد العزيز أسعده الله برضوانه وأسكنه أعلى فسيح جنانه آمين وذلك في سنة ١٢٢٤أربع وعشرين بعد المائتين والألف وذلك بعد استيلاء الجيش الذي أرسله سعود بقيادة سليمان بن سيف بن طوق إلى بلد الزبارة شمالي قطر وقد أثنى فيها على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعلى الإِمام عبد العزيز والد سعود رحمهم الله تعالى قال:
تباركت يا مولى الملوك الأعاظم ... وعزيت يا مبدي الجميل وراحمي
لك الحمد إذ واليتنا منك أنعما ... يضيق لها ذرعاً يراع لراقم
стр. 293
وأتحفتنا بالدين دين محمد ... عليه صلاة مع سلام ملازم
فأضحت به منا القلوب منيرة ... وتزهو كما تزهو الربا بالسواجم
فأعظم بها من نعمة حق شكرها ... علينا وشكر الله آكد لازم
جزى الله رب العرش بالصفح والرضى ... وبالخير من قد كان أصدق قائم
بنصرة دين المصطفى وظهيره ... هو الحبر ذو الإفضال حاوي المكارم
هو الورع الأواه شيخي محمد ... هو القانت السجاد في جنح فاحم
لقد قام يدعو للمهيمن وحده ... فريداً طريداً ما له من مسالم
وجاهد في الرحمن حق جهاده ... وفي اله لم تأخذه لومة لائم
همام بدا والناس إلا أقلهم ... على محض شرك في العبادة لاجم
يعدون للضراء قبة ميت ... كما طلبوا منها نتاج العقائم
فهم بين موم بالركوع لسيد ... وآخر يعنو وجهه للبهائم
ومن بين داع هاتف باسم شيخه ... يروم به نفعاً ودفع العظائم
يقرب للمقبور قربان ربنا ... ويجهد في تسليم نذر الكراثم
ويدفع عين الحاسدين بأعظم ... ويرجو لدى الحمى عقود التمائم
وقد طمست أعلام سنة أحمد ... وقد زاد سلطان الهوى والمآثم
وقد طم أكناف البلاد وعمها ... فسوق وعصيان وهتك المحارم
عقوق وشرب واللواط مع الزنا ... وزور وقذف المحصنات النواعم
ولم تلق عن بادي المناكر ناهياً ... ولا آمراً بالعرف بين العوالم
فجرد عضب العزم إذ أوضح الهدى ... بآيات حق للضلال صوارم
وقدَّ بها الغواية فانمحت ... قواعد زيغ محكمات الدعائم
سقى الله قبراً ضم أعظمه الذي=حوى شرفاً من هاميات الغمائم
هتوناً برضوان وعفو ورحمة ... وأسكنه في الفردوس يا خير راحم
وأولِ الرضى عبد العزيز الذي احتمت ... به بيضة الإسلام من كل ظالم
إمام كسا ظهر البسيطة عدله ... مطارف أمن شاملات المعالم
فلو ضاع حلس في الفلا من سمالم ... أتاه به من غاب ضاري الضراغم
فيرحل من أقصى تهامة راكب ... إلى الخط لا يخشى مكائد غاشم
عزيز جوار لم ينل جاره الردى ... وفي العهد تلقى خير واف ملازم
حليف التقى والعلم والفضل والندى=ويأبى المعالي بالقنا والصوارم
وتساوى لديه ذو الغنى وابن فاقة ... لدى الحق أو حال المليك وخادم
غناءً أتى للمعتفين وكافلاً ... لذي اليتم أو للمرملات وآيم
يغار على الإسلام عن أن يصيبه ... طوارق شر فهو أمنه عاصم
لياليه بالبر العميم بواسم ... وأيامُه بالخير حيرُ مواسم
ففازت رعاياه بكل مسرة ... وعيش رغيد مترع بالغنائم
يحب أخا التقوى ويرفع شأنه ... ويبغض ذا الفحشاء ورب الجرائم
إذا رمت أن تحظى لديه برفعة ... تقرب إليه بالتقى والمكارم
لقد عمر الدنيا وآثر غيرها ... ففاز بكلتا الضرتين البواسم
حريص على إعلاء أمر إلهنا ... بإظهار دين الأبطحي ابن هاشم
فأسرج للأعداء كل طمرة ... من الضمّر القلب العتاق العدائم
ورب جيوش كالسيول يقودها ... لها لجب كالرعد إثر الغمائم
وألبس أهل الشرك أثواب ذلة ... بأسر وقتل واكتساب الغنائم
إلى أن أباد الله كل معاند ... ومزق شمل الباطل المتراكم
وقد عاين الكفار نصر إلهنا ... وفتحاً به قد جاءنا خير عالم
ورد جموع المشركين بغيظهم ... وما قط نالوا غير شر الهزائم
فآبوا لدين الله من بعد ما آبوا ... ودانوا به من بعد كفر مفاقم
وأعلن بالتوحيد كل موحد ... وطأطأ له رأس الكفور المراغم
بعون إله العرش جل ثناؤه ... وتأييده تاج الملوك القماقم
سعود أدام الله أيام سعده ... وكان له الإقبال خير ملازم
إمام الهدى بحر الندى من سقى العدى ... كؤوس الردى حتى اهتدى كل راغم
أخو همة يستصغر الخطب عندها ... وتعلو على هام السهى والنعائم
إذا نزل الأمر الفظيع رأيته ... نهوضاً بأعباه بهمة حازم
لقد علم الأعداء شدة بأسه ... وكيف أذيقوا منه طعم العلاقم
стр. 294
فكم غادر الأعداء في كل منهل ... معاش وحوش أو خماص الحوائم
وقد قذف الرحمن منه مهابة ... بكل فؤاد من عدو مخاصم
يبيت المعادي منه يحرس نفسه ... ولو لم يكن في قربه من مراوم
له عزمات تتقي الأسد بأسها ... بها الله عنا زال هول العظائم
وذو خلق يتعبد الحر حسنه ... لطافته فاقت لطيف النسائم
إمام حوى مجداً وغر مناقب ... فليس له في فضله من مزاحم
إذا رمت علماً فهو في العلم لجة ... تدفق بالدر النفيس لناظم
وان رمت جوداً فهو كالغيث للورى ... إذا اختلفت أيدي السحاب الرواكم
ورأي سديد يستضاء بنوره ... إذا عم أمر المعضلات الكوالم
وحلم رزين لا يجارى ببعضه ... أليس محاكي الراسيات بواهم
صفوح عن الزلات مع فرط قدرة ... وخذ صدق ما قد قلت عن خير عالم
ألست ترى ما كان من سوء فعلنا ... من الصد والإعراض عن خير حالك
وتفضيل أمر قد جنيناه واضح ... شهير فأغنى عن إعادة ناظم
فأرسل جيشاً سابق الرعب أهله ... وقد أمهُ الفتح المبين لشائم
وقواده من كل أروع باسل ... سري كريم الأصل ماضي العزائم
ومذ نزلوا حلوان والسعد أمهم ... أقاموا حدود الله من كل ثالم
وقد حكوا في الناس شرع نبيهم ... وقد طهروا البلدان من كل آثم
وألقى إليهم أمره ابن خليفة ... وعض لأمر غره كف نادم
فأولاه غفراناً وصفحاً إمامنا ... وناصحه في أخذه للكرائم
وعم على كل الرعية أمنهُ ... وعاملهم بالرفق في كل لازم
فيا ملكاً دانت لدولته الورى ... وقيدت له غلب الأسود الضراغم
وطاع له عرب القبائل كلها ... وإنا لنرجو الله طوع الأعاجم
هنيئاً لك الملك الذي أنت أهله ... ومانعه من سوء باغ وظالم
أعز بك الله الحنيفي دينه ... وأنت لشمل الدين أحسن ناظم
فشكراً لمولى قد حباك بفضله ... وخولك الحسنى برغم الخياشم
فأول رعاياك الضعاف رعاية ... وكن مانعاً عنهم مريد المظالم
وكف أكف الظالمين وكن بنا ... رفيقاً تنل أجراً بيوم التخاصم
وكنت سعيداً ما هما ودق مزنة ... وإياك وفقنا لحسن الخواتم
وهاك إمام المسلمين خريدة ... أتت من محب للإخاء ملازم
قوافٍ بديعات المعاني يزينها ... أنيق بيان كالرياض البواسم
على صفحات الدهر يبقى ثناؤها ... عليك وأنت الكفؤ يا ابن الأكارم
دعاني إلى ما قلت فيك مودة ... وصدق ولاء جاء من فرع هاشم
وما أملي إلا قبول فريدتي ... وإتحافها بالسمع عن قصد رائم
فلست أخا شعر أريد تكسباً ... بشعري فأحوي فيه نقد الدراهم
ولا زلت يا عين الزمان موفقاً ... لأمرك منقاداً جميع العوالم
وعشت طويلاً في سرورٍ ونعمةٍ ... وعزٍ وإقبالٍ ونصرٍ مداوم
شعر
الشيخ أحمد بن مشرف هو الشيخ أحمد بن علي بن مشرف التميمي نسباً والأحسائي وطناً، المالكي مذهباً، والسلفي معتقداً. كان ﵀ عالماً محدثاً فقيهاً ورعاً ناطقاً بالحق قوالاً بالصدق، لا يخاف لومة لائم. وكان قاضي الأحساء في مدة ولاية الإمام فيصل بن تركي السعود، وأول ولاية ابنه الإمام عبد الله رحمهما الله تعالى. وكان غاية في علم الأصول، وصنف نسخاً عديدة، ورسائل مفيدة، ورد على من خالف معتقد السلف ردوداً شافية نظماً ونثراً. وأما الشعر فقد أجاد في جميع فنونه وأتى فيه من الغزل الرائق، والمدح الفائق، والفخر والحماسة، بما يرتاح إلى سماعه ذوو الأذواق السليمة، والنفوس الكريمة. أذكر إن شاء الله منها جملة، تنبيك عن رسوخ قدمه في العلم والأدب، وبالله التوفيق. فمن ذلك ما مدح به الإمام فيصل بن تركي بن عبد الله السعود منهضاً له على جهاد الأعراب المفسدين وذلك في سنة ١٢٧٥ ألف ومائتين وخمس وسبعين وهي قوله:
أشمس تجلت من خلال السحائب ... أم البدر جلى حالكات الغياهب
أم انجابت الظلماء عن لمع بارق ... تلألأ من ثغرٍ لإحدى الكواعب
نعم أقبلت سلمى فأِرق وجهها ... بصبح جمال تحت ليل الذوائب
стр. 295
فتاة تفق الغانيات بحسنها ... كما فاق بدر التم زهر الكواكب
فما للمعنى لا يهيم بذكرها ... وقد كان ذا جسم من الوجد شاحب
تناءت فزارت سحرة بعد هجعة ... وقد نام عنها كل واش مراقب
تنم برياها الصبا حين أقبلت ... تميس كغصن البان أو مثل شارب
فحيت بتسليم فأحسنت رده ... وقلت لها قول المحب المعاتب
صليت بنار الهجر أحشاء مولع ... فلم تطفها ماء العيون السواكب
فقالت ألم تعذر فكم حال بيننا ... من المهمه الزيزي وبعد السباسب
أنا في ربى نجد وأنت ببلدة ... أحاطت بها الأعداء من كل جانب
يغيرون في أطرافها وسروحها ... جهاراً ولا يخشون سوطاً لضارب
فكم قعدوا للمسلمين بمرصد ... وكم أفسدوا في سبلها بالنهائب
يقولون سيروا إن ظفرتم بنهبة ... على رسلكم لا تحذروا درك طالب
وان تسفكوا فيها الدماء فإنها ... لكم هدر لا تحذروا من معاقب
فياليت شعري هل سراة حماتها ... نيام فهم من بين لاه ولاعب
أم الحد منهم كل أم زندهم كبا ... أم القوم غروا بالأماني الكواذب
لقد كان تخشى بأسهم أسد الشرى ... فصارت بهم تعدو صغار الثعالب
وإن يحوط الملك إلا سميذع ... يخوض لظى الهيجاء ليس بهائب
له غيرة تحمي الرعايا كأنها ... حمية ضرغام جسور موائب
فلا دين إلا بالجهاد قوامه ... ولا أمن إلا بعد سل القواضب
ولا ملك حتى تخضب البيض بالدما ... من الهام في أطرافها والجوانب
فسر لإمام المسلمين وقل له ... بنفسك أو بلغه مع كل راكب
وانشده إن أحسست منه تثاقلاً ... "إذا لم يسالمك الزمان فحارب"
ولا تحقر الخصم الضعيف لضعفه ... فكم خرب الجرذي في سد مأرب
فقم واستعن بالله وانهض إلى العلى ... فكسب الثنا والأجر خير المكاسب
فكيف تنام العين منك على العدى ... وقد أوقدوا للحرب نار الحباحب
ولا ترض إلا مقعد العز مقعداً ... على ظهر مهر للعنان مجاذب
ولا تستطب ظلاً سوى ظل قسطل ... وظل القنا الخطي بين الكتائب
وشن على الأعراب غارات محنق ... وأنهلهم صاب الردى بالمصائب
ومزق جماعات الضلال وحزبه ... بريح سموم من لظى الحرب حاصب
وجر عليهم جحفلاً بعد جحفلٍ ... وضيق عليهم أرضهم بالمقانب
جيوشاً تريهم ظلمة الليل بالضحى ... ولمع المواضي كالنجوم الثواقب
إلى أن يكون الدين لله كله ... وينقاد للإسلام كل محارب
ومن كان معوجاً فقومه بالظبى ... إذا لم يفد بذل الحبا والمواهب
فبالبيض مع سمر القنا تدرك المنى ... وبالجود والإقدام نيل المطالب
بذلك تعطيك المعالي زمانها ... وتسمو على أعلى الذرى والمراتب
وان كره الناس الجهاد بداية ... فآثاره محمودة في العواقب
وإثماره نصر وأجر ومفخر ... وإن عميت عنه عيون الغياهب
فشمر بعزم للجهاد ولا تهن ... فتدعو إلى سلم العدو المجانب
فان أنت سالمت العدو مخافة ... فأيسر ما تلقاه بول الثعالب
ولازم تقى الرحمن واسأل نصرة ... يمددك من إسعافه العجائب
فإن التقى حصن حصين لأهله ... ودرع يقي من حادثات النوائب
ودونك نظم ينهض الشهم للعلى ... ويدعو إلى حسن الثنا والمناقب
بدا من أديب كالجمان قريضه ... طبيب زمان عارف بالتجارب
إذا قال قولاً أنشد الدهر شعره ... وغنى به أهل الحجا والمناصب
وصلى إله العالمين مسلماً ... على خاتم الرسل الكرام الأطايب
محمد الهادي إلى خير شرعة ... به شرفت ابنا لؤي بن غالب
كذا الآل والأصحاب ما اهتزت القنا ... وما انتدب الفرسان بين الكتائب
стр. 296
وفي سنة ١٢٥٠ ألف ومائتين وخمسين، كان بين الإمام تركي، وبين آل خليفة حكام البحرين محاربة، وأرسل جيشاً بقيادة ابنه فيصل، ونزل القطيف. فقدر الله أن مشاري بن عبد الرحمن آل سعود أزه الشيطان على قتل خاله الإمام تركي المذكور بغياً وعدواناً، فلما بلغه الخبر كر راجعاً إلى بلد الأحساء وبايعه أهل الأحساء وعامة الجند والبادية، وسار إلى بلد الرياض ومشاري بها، فحاصره عدة أيام ثم ظفر به وقتله ومن معه. فقال الشيخ معزياً للإمام فيصل ﵀ مادحاً وناصحاً:
شكرت يديك يد المقل الأرمل ... لنوالها الجم الغفير الأجزل
ولبست من تقوى الإله ملابساً ... والدين أفضل حلية المتجمل
منن رقيت بها إلى فلك العلى ... حتى قعدت على السماك الأعزل
وفتحت للدين الحنيفي أعيناً ... وكفت سحائبها بدمع مسبل
ضحكت نواجذه وأصبح وجهه ... بعد التعبس مشرقاً بتهلل
لما أقمت فروضه وحدوده ... بحدود مرهفة وسمر ذبل
حللت أخلاط الردى فسما الهدى ... وحللت عقدة كل خطب مشكل
ودعائماً أرسيتها بدعائم ... للملك بعد تحرك وتزلزل
ما راعك الخطب الذي قد شابهت ... أيامه ظلمات ليل أليل
لكن جليت ظلامه بلوامع ... وبسهم عزم كالشهاب المرسل
سيان حالك في المسرة والأسى ... جلداً وذا شأن اللبيب الأكمل
ما جاش جأشك في الحوادث إذ وهت ... في فتنة نغلي كغلي المرجل
أذكى الجهول ضرامها لسفاهة ... كي يستضيء بنورها فيها صلي
قطع الذي أمر الإله بوصله ... فلأجل ذا أسبابه لو توصل
وجنى على الإسلام شر جناية ... وأقر عين أخي النفاق المبطل
فأحل منتهكاً لحرمة مسلم ... ملك فعوقب بالعقاب الأعجل
طلب العلو ببغيه وبظلمه ... جهلاً فرد إلى الحضيض الأسفل
ولأجل نصرة نفسه بذل القوى ... لكن من خذل المهيمن يخذل
حتى إذا ملك الخزائن واستوى ... جهراً على القصر المشيد الأطول
ملأ الإله فؤاده وصحابه=رعباً وصاح به القضاء ألا انزل
لا تحسب الملك القصور وما حوت ... من آلة للحرب أو لتمول
بل مالك الملك الإله وإنه ... جعل الخلافة في الإمام الأعدل
جمع الإله له القلوب فأجمعت ... كل النفوس على إمامة فيصل
وانقاد كل المسلمين لأمره ... طوعاً وتلك مواهب المتفضل
حتى إذا حدق الخميس بمن بغى ... حنقاً وجدّ به الذي لم يهزل
عضّ على طرف البنان وقال من ... فرط الأسى يا ليتني لم أفعل
فهناك أيقن أن أنجم سعده ... أفلت وطالع نحسه لم يأفل
وهناك أسلمه الرجيم إلى البلى ... لما طغى وأطاع كل مضلل
في الظلم والعدوان والفعل الذي ... أضحى عن الشرع الشريف بمعزل
ودهاه ما صنع الإله لعبده ... من ذلك الفتح المبين الأعجل
ورأى التحصن مانعاً هيهات أن ... تغني الحصون عن القضاء المنزل
فأتاه بأس الله داخل حصنه ... مع ناصريه فم يروا من موئل
فغدوا حصيداً للسيوف وللقنا ... صرعاء بين مجرح ومجندل
وسقي بما أسٍقت يداه حميمه ... كأساً أمر مذاقه من حنظل
واهاً لها من وقعة أبقت لنا ... عبراً لكل مفكر متأمل
تنبيك أن الظلم أشأم طائر ... والبغي أسرع صارع ومخذل
وتريك شؤم قطيعة القربى فمن ... يقطع حبال قريبه لم يمهل
فلقد بلغت من العدا يا فيصل ... أقصى مناك ونلت كل مؤمل
فاحمد إلهك إذ أنالك ملكه ... وحباك بالنصر العزيز الأجزل
وسقاك صفو الملك بعد كدوره ... فنهلتنا من عذب ذاك المنهل
فاحفظ فواضله بواجب شكره ... إن الشكور لفي مزيد تفضل
وارع الرعية ما وليت أمورها ... بإقامة العدل السوي الأمثل
فالعدل تحكيم الشريعة في الورى ... حقاً فما عن عدلها من معدل
وسياسة الشرع الشريف هي التي ... جمعت لكل طريق عدل أسهل
فأقم بها عوج الأمور معالجاً ... فهي الدواء لكل داء معضل
واجعل بطانتك الخيار ذوي النهى ... واحذر مخالطة السفيه الأرذل
стр. 297
كم دولة فسدت بآراء العدى ... إذ لاطفوا قاداتها بتحيل
فلرب ذي نصح يضن بنصحه ... ولرب آخر ناصح لم يعقل
فإذا هما اجتمعا لشخص واحد ... فاقبل جميع مقاله لا تهمل
وأسئ ظنونك بالزمان فإنه ... من فطنة اليقظ النبيه الأنبل
ما حسن ظن في الزمان وأهله ... والصدق كالعنقاء غير محصل
وتوكلن على الإله فإنه ... نعم الوكيل لعبده المتوكل
هذي نفائس فكرة قد صغتها ... ببديع نظم كالزلال السلسل
هجرية زفت إليك فعطرت ... نجداً بنفحة عنبر وقرنفل
لا زلت كهفاً للعفاة ومربعاً ... للوافدين وللضيوف النزل
فاجعل جوائزها التجاوز والرضا ... صفحاً وقابلها بحسن تقبل
ثم الصلاة على النبي محمد ... والآل مع صحب هداة كمل
وقال مادحاً للإمام فيصل أيضاً:
على الدوح ما غنى الحمام وغردا ... فجاوبه السدم المعنى وأسعدا
وهيج أشجاناً تقادم عصرها ... وجدد منها دارساً فتجددا
وذكرني داراً لمية قد نأت ... فبت لذكراها بليلة أرمدا
فتاة كأن الشمس غرة وجهها ... ومن شعرها يبدو لك الليل أسودا
ويفضح غصن البان في الميد قدها ... ويحكي لك اللحظ الحسام المهندا
فكم قتلت من عاشقيها بحده ... وكم قد حمت من سلسل الثغر موردا
ولو أنها كانت بأرض قريبة ... لآب إليها صبها وتوددا
ولكنها بالصد والبعد قد نأت ... فلله ما أقصى المزار وأبعدا
فمن مسعدي من مبلغي لوصالها ... سوى ماجد قد حاز فخراً وسؤددا
أخو همة في سالف العز قد علت ... فمن مثله في الفضل والبأس والندى؟
أبو المجد وابن المجد والمجد أصله ... حليف العلى من كان في الفضل أوحدا
إمام همام باسل باذخ العلى ... له بسطة فضل وفضل على العدى
فأكرم به فرعاً سلالة مقرن ... وآباؤه الغر الكرام أولو الهدى
لقد نصروا دين الإله وقوموا ... من السنة الغراء ما قد تأودا
هو الأسد الضرغام والضيغم الذي ... إذا ريم خسفاً وجهه ظل أربدا
لقد أمن الله البلاد وأهلها ... بوطأته الأعداء من كل ملحدا
وأصبح بالمعروف بأمر أهلها ... وينهاهم عن سائر الظلم والردى
وأنصف للمظلوم من كل ظالم ... وللحق أضحى ناصراً ومؤيدا
أيا ملكاً تاج الملوك حذاؤه ... وهمته في الدهر تحكي مهندا
عليك بتقوى الله سراً وجهرة ... ففيها جميع الخير حقاً تأكدا
وخذ بيد المظلوم قد حق نصره ... ولا تترك الباغي معيثاً ومفسدا
وكن حافظاً لله فيما رعيته ... وناصحهم بالفعل والقول جاهدا
لتجزى من الله الكريم بفضله ... بمقعد صدق في الجنان مخلدا
كما حزت في الدنيا جميع فخارها ... فحز فضل أُخراها لتبقى مؤيدا
فتلك جميع المكرمات حويتها ... فقدمت فخراً في المعالي مقلدا
وحق لمن حاز المروءة والسخا ... وفي الحلم أَضحى فائقاً أن يسودا
إذا نظر الراجي سجاياه قال ذا ... أبو دلف قد كان بالجود أجودا
فيا من سما هام المكارم والعلى ... وأتهم في نيل العلى وأنجدا
تعودت بسط الكف طوعاً وإنما ... "لكل امرئ من دهره ما تعودا"
لقد أوجفت قصداً إليك مطيتي ... واعملت نص اليعملات جواهدا
لأبلغ من جدواك م قد رجوته ... كما كنت للعافين مأوى وموردا
فكم كف عني فيصل الجود من أذى ... وكم نالني من فيض معروفه ندى
جزاه إله العرش عني بفضله ... وبوأه في جنة الخلد مقعدا
وأنت ابن تركي كنت ظلاً وملجأً ... وغيثاً عميقاً في الشدائد مرفدا
فلا زلت ألطاف الإله محفة ... بطلعتك الغرا ولا زلت منجدا
وصلى إله العالمين مسلماً ... على خير مبعوث إلى الخلق بالهدى
محمد الهادي الشفيع وآله ... كذا الصحب ما غنى الحمام وغردا
وقد وردت من الأمير عائض، صاحب عسير قصيدة تتضمن البشارة للإمام فيصل بانتصاره على العسكر المصري. وذكر فيها قائلها عدة وقائع بينهم وبين الجند المصري وأولها:
стр. 298
أيا أم عبد مالك والتشرد ... ومسراك في الليل البهيم لتبعدي
إلى أن قال:
فقل لمعد لا تغر بسرحها ... فتلقى كماة الحي جنباً بموعد
بسمر العوالي والمواضي ودونها ... ومبيض موضون الحديد المسرد
وأما إجازتك الدخول فحوملاً ... فصبحا فرضا فالسراديح فاعتدي
وسقها إلى نجد يؤمك ليلها ... بنات لنعش والضحى فيه تهتدي
وإن خلأت يوماً لشحط مزارها ... فأبدل بها عيناً بذات التعرد
ودعها من التهجير حتى إذا رأت ... وروداً بماء من صفار فأورد
وأشرف على وادي اليمامة قائلاً ... ودمعك سفاح على الخد والثدي
سلام على عبد العزيز وشيخه ... وتابع رشد للإمام المجدد
دعا الناس دهراً للهدى فأجابه ... فآم فمنهم عالمون ومقتد
وقفا هما حذواً سعود بسيفه ... يميز مجوّد النقود من الردي
وعرج بها ذات اليمين وقد هوت ... على عرصات للرياض بمقصد
وناد بأعلى الصوت بشرى لفيصل ... ومن نسل سادات الملوك مسدد
إليك نظاماً نشره في وقائع ... على جحفل المصري قد شد باليد
فعشرون ألفاً من قضى الله منهم ... فما بين مقتول وعار مجرد
ولم ينج منهم غير قواد قومهم ... على صافنات في قليل معود
كأن أنين المومقين ومن به ... جوارح رمي قاصفات لأغمد
أنين معيز زارها داؤها الذي ... بأكبادها أضنى عليها ليعتدي
أو الساكني الأمصار قد حل فيهم ... عقاص فأصماهم على كل مرقد
أتاهم بها إذ غاب نجم مشعشع ... من الجو في مغرابه نحس أسعد
فكل الذي لاقوه يحسب دون ما ... تعكس من حزم الهمام المعمد
فقل لدليل القوم هلا أفاده ... من العلم أن البغي قتال معتد
ومهما أعادته الأماني لحربنا ... نصبنا لهم أمثالها بالتجدد
ويا قافلاً إما ثنيت زمامها ... وأقبلت ما استدبرته للتعود
فسلم على الأحباب تسليم موجد ... ولا تنس البحتري بالحد
وآخر قولي وابتدائي فيهم ... صلاة وتسليم على خير مرشد
وآل وصحب كلما قال منشد ... أيا أم عبد مالك والتشرد
فلما وصلت إلى بلد الرياض، طلب الإمام فيصل ﵀ من الشيخ أحمد بن مشرف الإجابة عليها فقال
بشير سعاد جاء نحوك فاسعد ... وقد وعدت وصلاً فأوفت بموعد
لقد عرفت وقت المزار فأقبلت ... إليك وقد نامت عيونٌ لحسد
فجاءت تجر الذيل خشية قائف ... لمعرفة الآثار بالحدس يهتدي
يؤرخ ترب الأرض عرف عبيرها ... وتهدي لسمع الصب وسواس عسجد
أتتك سحيراً والنجوم كأنها ... درارٍ ترى في قبة من زبرجد
فلما حوتها عرصة الدار سلمت ... سلام حبيب زائر ذي تودد
فقر بليل الوصل عيناً فطالما ... تبيت لذكراها بليلة أرمد
فتاة يريك الصبح غرة وجهها ... ويبدو الدجى من شعرها المتجعد
ويخجل غصن البان إن هبت الصبا ... له سحراً من قدها المتميد
يريك ابتساماً لامع البرق ثغرها ... ويسفر عن شهد ودر منضد
وقد جمعت كل المحاسن جملة ... فلم يستطيع تفصيلها من معدد
وفاقت جمالاً كل هيفاء كاعب ... إذا ما مشت ما بين غيد وخرد
فعاصٍ جميع العاذلين ولا تطع ... بها كل واش لائم أو مفند
فلو برزت يوماً لغيلان لم يهم ... بمي ولم يبد القريض لمنشد
ولو لمحت بالطرف طرفة ما بكي ... "لخولة أطلال ببرقة ثهمد"
لقد أصبحت في الغابات فريدة ... كما انفرد الوالي بحزم وسؤدد
حليف المعالي فيصل ناصر الهدى ... مذيق العدى كأس الردى بالمهند
ترى الوفد والأضياف من حول قصره ... عكوفاً كوردِ حومٍ حول مورد
فيصدر كل مدرك ما يرومه ... من الفضل والجدوى ومن كل مقصد
يقضي ببذل المكرمات نهاره ... سماحاً ويحيي ليلهُ بالتجهد
لقد ساد أبناء الزمان وفاقهم ... بعفو وإقدام وكف له ندي
وميراث مجد ناله عن أئمة ... سمواً للعلى حتى استووا فوق فرقد
حنيفة في دينها حنيفة ... فأنسابهم تعزى لأفخر محتد
стр. 299
هم نصروا التوحيد بالبيض والقنا ... فنال المنى بالنصر كل موحد
وآووا إماماً قام الله داعياً ... يسمى بشيخ المسلمين محمد
لقد أوضح الإسلام عند اغترابه ... وقد جد في إخفائه كل ملحد
وجدد منهاج الشريعة إذ عفت ... فأكرم به من عالم ومجدد
وأحيا بدرس العلم دارس رسمها ... كما قد أمات الشرك بالقول واليد
وكم شبهة للمشركين أزاحها ... بكل دليل كاشف للتردد
وألف في التوحيد أوجز نبذة ... بها قد هدى الرحمن للحق من هدي
نصوصاً من القرآن تهدي من العمى ... وكل حديث للأئمة مسند
فوازره عبد العزيز ورهطه ... على قلة منهم وعيش منكد
فما خاف في الرحمن لومة لائم ... ولم يثنه صولات باغ ومعتدي
وقفى سعود أثره طول عمره ... إلى حين ووري في الصفيح الملحد
وقد جاهدوا في الله أعداء دينه ... فما وهنوا للحرب أو لتهدد
وكم غارة شعواء شنوا على العدى ... وكم طارف منهم حووه ومتلد
وكم سنة أحيوا وكم بدعة نفوا ... وكم هدموا بنيان شرك مشيد
وقائعهم لا يحصر النظم عدها ... وإن تسأل السمار عن ذاك ترشد
وكم لهم من وقعة شاع صيتها ... بها أيد الرحمن سنة أحمد
وكم فتحوا من قرية ومدينة ... ودانت لهم بدو وسكان أبلد
كم ملكوا ما بين ينبع بالقنا ... ومن بين جعلان إلى جنب مزبد
ومن عدن حتى تنيخ بأيلة ... قلوصك من مبدى سهيل إلى الجدي
وقد طهروا تلك الديار وطردوا ... ذوي الشرك والإفساد كل مطرد
بأمر بمعروف ونهي عن الردى ... وبالصلوات الخمس للمتعبد
وقد هدموا الأوثان في كل قرية ... كما عمرت أيديهم كل مسجد
فكن ذاكراً فوق المنابر فخرهم ... وناد ل ناد ومشهد
تغمدهم رب العباد برحمة ... وأسكنهم روض النعيم المخلد
ولا تنس ذا الحي اليماني إنه ... لشيعة أهل الحق بالحق مقتد
قبائل من همدان أو من شنوءة ... من الأزد إتباع الرئيس المسود
هم قد حموا للدين إذ فل عضده ... وبدد منه الشمل كل مبدد
فهم فئة للمسلمين ومعقل ... وكهف منيع للشريد المطرد
سما للعلى حقاً علي ولم يزل ... يروح بأسباب الجهاد ويغتدي
وكم عسكر للمسرفين أباده ... بحد الظبي والسمهري المسدد
وصيركم صنفين ما بين هالك ... وبين أسير في الحديد مصفد
ومازال يغزوهم ويرمي ديارهم ... بفرسان حرب في الدلاص المسرد
وفتح المخا بالسيف للدين آية ... وزجر وإنذار لأهل التمرد
فلما تولى عاضنا الله عائضاً ... إماماً هماماً كالحسام المجرد
ومازال يحمي بالسيوف حمى الهدى ... ويردي العدى في كل جمع ومحشد
ويهزم منهم عسكراً بعد عسكر ... ويضرب من هاماتهم كل قمحد
فلما أتى الأحزاب منهم وألبوا ... شفى النفس من أعداء دين محمد
فلا زال تأييد الإله يمده ... بنصر وإسعاف على كل مفسد
ودونكها بكراً عروساً زففتها ... إليك تهادي في حرير وعسجد
تجشمت الأخطار شوقاً ولم تهب ... وطيس هجير أو وغى ذي توقد
إليك من الأحساء زمت ركابها ... فكم جاوزت من فدفد بعد فدفد
فأحسن قراها بالقبول وبالرضى ... ودع أم عبد عنك ذات التشرد
وأحسن ما يحلو به الختم أننا ... نصلي دوماً في الرواح وفي الغد
على المصطفى والآل ما هبت الصبا ... وما أطرب السمار صوت المغرد
وقال أيضاً يمدح الإمام فيصل ﵀ في سنة ١٢٨٠:
قل للمليحة في القميص الأحمر ... ماذا فعلت بعابد مستبصر
مازال يدأب في العبادة طالباً ... للعلم غير مفرط ومقصر
ترك الصبابة للصبا متسلياً ... عن ذكر كل غزالة أو جؤذر
حتى وضعتي عن محياك الغطا ... فانجاب عن بدر منير مقمر
فدهشت من ذاك الجمال وحسنه ... ووقفت وقفة والع متحير
حسن به شغف الفؤاد وهاج لي ... شجناً فقل تجلدي وتصبري
سقتي إلى الجسم السقام وراءه ... من ذلك الطرف السقيم الأحور
стр. 300
سبحان من وهب المحاسن من يشا ... سبحانه من خالق ومصور
يا كاعباً تحمي بصارم أنفها ... من كل صاد ورد ماء الكوثر
شهد الرضاب وفيه خمر مسكر ... فالثم ولا حرج بذاك المسكر
كلمتها من بعد تكليم الحشا ... يا هند إن لم تسمحي لم أصبر
لا تتلفي بالصد مهجة مغرم ... فيصيب قومك سطوة من قسور
من فيصل ملك الجزيرة من سما ... للمجد حتى حل فوق المشتري
نصر الهدى وحوى الشجاعة والندى ... ليث وغيث للمقل المعسر
أضحى بخير أرومة لو رامها ... ذو همة بتطاول لم يقدر
كفاه كف قد كفت أعداءه ... والراحة الأخرى كمزن ممطر
أعراقه طابت فطاب فروعها ... تعزى إذا نسيت لأطيب عنصر
من عصبة صبروا على نصر الهدى ... وأذى العدى أكرم بهم من معشر
آووا إمام المسلمين محمداً ... لما جفاه رئيس آل معمر
فدعا إلى التوحيد ضلال الورى ... جهراً ولولا منعهم لم يجهر
وحموه من أعدائه بسيوفهم ... مع ضعفهم وكفى بها من مفخر
ما هالهم جمع الخوالد إذ اتى ... بمدافع في فيلق مع عرعر
بل صابروه بنية وبحسبة ... حتى تولى كالجهام المدبر
وكذاك ما بالوا بتهديد أتى ... من صاحب الحرم الشريف الحيدري
قاموا وما بالوا بلومة لائم ... من مرجف ومخوف ومحذر
بل هدموا أوثان شرك عظمت ... ونهو عن الأمر الشنيع المنكر
شنوا على أهل القرى غاراتهم ... وعلى البوادي في الخلاء المقفر
حتى صفت لهم الجزيرة واجتنبوا ... للعز من ورق الحديد الأخضر
وبنوا مفاخر جمة مشهورة ... شهد العدو بها ولما تنكر
ولقد حظي هذا الإمام ونسله ... من ذاك بالحظ الوفي الأوفر
مازال يقفو الأثر من أسلافه ... بالنصر للشرع الأعز الأطهر
أفلا ترى أعلامه مشهورة ... للغزو بين سرية أو عسكر
فيغير في غور البلاد ونجدها ... فوق النجائب والجياد الضمر
حتى أعز به المهيمن دينه ... وأذل كل معاند متجبر
وانقادت الأعراب بعد عتوها ... بالسمر والبيض الخفاف البتر
لازال محفوظ الجناب مؤيدا ... بالنصر والفتح المبين الأكبر
وعلى النبي وآله وصحابه ... أزكى صلاة مثل نفح العنبر
تترى مدى الأيام ما هب الصبا ... سحراً على الروض الأنيق المزهر
وقال رحمه الله تعالى مهنئاً للإمام بظفره بوقعة الطبعة على العجمان وذلك في سنة ١٢٧٧:
لك الحمد اللهم يا خير ناصر ... لدين الهدى ما لاح نجم لناظر
وما انفلق الإصباح من مطلع الصبا ... فجلى وجلى حالكات الدياجر
لك الحمد ما هب النسيم من الصبا ... وما انهل ودق المعصرات المواطر
على الفتح والنصر العزيز الذي سما ... فقرت به منا جميع النواظر
وإظهار دين قد وعدت ظهوره ... على الدين طراً في جميع الجزائر
وعدت فأنجزت الوعود ولم تزل ... معزاً لأرباب التقى والبصائر
لك الحمد مولانا على نصر حزبنا ... على كل باغ في البلاد وفاجر
ومن بعد حمد الله جل ثناؤه ... على نعم لم يحصها عد حاصر
نقول لأعداء بنا قد تربصوا ... عليكم أديرت سيئات الدوائر
ألم تنظروا ما أوقع الله بنا ... بعجمانكم أهل الجدود العواثر
بأول هذا العام ثم بعجزه ... بأيام شهر الصوم إحدى الفواقر
هم بدلوا النعماء كفراً وجاهروا ... بظلم وعدوان وفعل الكبائر
فكم نعمة نالوا وعز ورفعة ... على كل باد في الفلاة وحاضر
إذا وردوا الإحساء يرعون خصبها ... وفي برها نبت الرياض الزواهر
وكم أحسن الوالي إليهم ببذله ... وبالصفح عنهم في السنين الغوابر
وكم نعمة أسدى لهم بعد نعمة ... ولكنه أسدى إلى غير شاكر
"ومن يصنع المعروف في غير أهله ... يلاقي كما لاقى مجير أم عامر"
لقد بطروا بالمال والعز فاجتروا ... على حرمة الوالي بفعل المناكر
فمدوا يد الآمال للملك واقتفوا ... لكل خبيث ناكث العهد غادر
стр. 301
وأبدوا لأهل الضغن ما في نفوسهم ... من الحقد والبغضا وخبث السرائر
هموا حاولوا الأحسا ومن دون نيلها ... زوال الطلى ضرباً وقطع الحناجر
فعاجلهم عزم الإمام بفيلق ... رماهم به مثل الليوث الخوادر
وقدم فيهم نجله يخفق اللوا ... عليه وفي يمناه أيمن طائر
فأقبل من نجد بخيل سوابق ... ترى الأكم منها سجداً للحوافر
فوافق في الوفرى جموعاً توافرت ... من البدو أمثال البحار الزواخر
سبيعاً وجيشاً من مطير عرمرماً ... ومن آل قحطان جموع الهواجر
ولا تنس جمع الخالدين فإنهم ... قبائل شتى من عقيل وعامر
فسار بموار من الجيش أظلمت ... له الأفق من نقع هنالك ثائر
فصبح أصحاب المفاسد جهرة ... بسمر القنا والمرهقات البواتر
بكاظمة حيث التقى جيش خالد ... بهرمز نقلٌ جاءنا بالتواتر
فلما أتى الجهراء ضاقت بجيشه ... وجالت بها الفرسان بين العساكر
فولى العدى الأدبار إذ عاينوا الردى ... بطعن وضرب بالظبي والخناجر
فما اعتصموا إلا بلجة مزبد ... من البحر يعلو موجه غير جازر
فغادرهم في البحر للحوت طعماً ... وقتلى لسرحان ونمر وطائر
تفاءلت بالجبران والعز إذ أتى ... بشيراً لنا عبد العزيز بن جابر
فواهاً لها من وقعة عبقرية ... تشيب لرؤياها نواصي الأصاغر
بها يسمر الساري إذا جد في السرى ... ويخطب من يعلو رؤوس المنابر
نفوه بمدح الإمام ونجله ... ومعشره أهل العلى والمفاخر
كفاه من المجد المؤثل ما انتمى ... إليه من العليا وطيب العناصر
فشكراً إمام المسلمين لما جرى ... وهل تثبت النعماء إلا لشاكر
فهنيت بالعبدين بالفتح قبله ... وعيد كمال الصوم إحدى الشعائر
وشكر الأيادي بالتواصي وبالتقى ... بترك المناهي وامتثال الأوامر
صبرت فنلت النصر بالصبر والمنى ... "وما انقادت الآمال إلا لصابر"
فدونك من أصداف بحري لآلئاً ... إلى نظمها لا يهتدي كل شاعر
وبكراً عروساً أبرزت من خبائها ... شبيهة غزلان اللواء النوافر
إلى حسنها يصبو وينشد ذو الحجا ... لك الخير حدثني بظبية عامر
واختم نظمي بالصلاة مسلماً ... على من إليه الحكم عند التشاجر
محمد المختار والآل بعده ... وأصحابه الغز الكرام الأكابر
مدى الدهر والأزمان ما قال قائل ... لك الحمد اللهم يا خير ناصر
وقال مادحاً الإمام عبد الله بن فيصل بعد وفاة والده ﵀. وذلك سنة ١٢٨٣:
أتقبل عذر الصب أم أنت عاذله ... بذكر حبيب منه شطت منازله
غزال حوى كل المحاسن وإلبها ... يغازلني بعد العشا وأغازله
غزال كأن الشمس غرة وجهه ... فأنى يبين البدر حين تقابله
نأت فنأى عن صبها كل عاذل ... فيا ليتنا تدنو وتدنو عواذله
فمن لعذول لا يزال بجهله ... يجادلني في حبها وأجادله
وما أنا إلا كالفتى في عقاله ... فلا أثر تبديه فيه عوامله
وقد أصبحت سلمى بأبعد شقة ... يكل بها كوم المطي وهازله
تميمة حلت بتيما ودونها ... من الجبل الطائي قفار وحائله
فعن مثلها فاثن العنان ميمماً ... مليكاً كريماً يخيم قط سائله
إله السما والأرض فاسأله راغباً ... تنل كلما ترجو وما أنت آمله
فنشكوا إلى الله الزمان الذي استوى ... لدى أهله قس الكلام وباقله
به اندرست كل العلوم وأقفرت ... فأنكر فضل العلم بالعلم جاهله
وقائلة أقصر فما بعد فيصل ... لذي أدب حظ فماذا تحاوله؟
أترغب في نظم القريض وجسمهُ ... موارى بقبر غيبته جنادله؟
فقلت دعيني إن يكن مات فيصل ... فخالقهُ حيٌ وما مات نائله
فقد ورث المجد المؤثل والندى ... بنجب زكت أخلاقه وشمائله
أبو النجم عبد الله حامي حمى الهدى ... بغرته بشرى الندى ومخائله
بنجد حثى المال الجزيل تبرعاً ... فعاشت به أيتامه وأرامله
وكم غارة شعواء شنّ على العدى ... وكم فارس منهم نعته حلائله
стр. 302
فأصخن حربا بالحروب فسالمت ... ودانت له نجد وذلت قبائله
ومن دم سراق الحجيج عتيبة ... سقى البيض حتى انهل الرمح حامله
وقائع سل عنها الحجاز وأهله ... ونجداً ومن بالبحر ينبيك ساحله
جهاداً ودرءاُ للفساد ونية ... وسيعاً به يرجو المثوبة فاعله
تولى فلم يرضى المكوس لدينه ... عفافا ومن يعفف تعف عوامله
ولما نمى الركبان أخبار عدله ... إلينا وشاعت في البلاد فضائله
بعثنا له در القريض بمدحه ... وخير الثنا ما لا يكذب قائله
فأبلغه تسليماً إذا فض ختمه ... تأرج من أرض الرياض معاقله
فيا أيها الوالي نصرت على العدى ... وسددت في الأمر الذي أنت فاعله
حنانيك لا تسمع بنا قول كاشح ... ولا حاسد تغلي علينا مراجله
ولا تصغ للنمام سمعك إنما ... يجيء به الإفساد والإثم حاصله
وما هو إلا فاسق أو منافق ... يريك صريح النصح والغش داخله
ولا يدخل النمام في الحشر جنة ... حديثاً عن المختار يرويه ناقله
وأكرم بني شيخ الرئيس الذي نهى ... عن الشرك لما شاع في الأرض باطله
وألف في التوحيد تأليفه الذي ... شجت في قلوب المشركين دلائله
كذا عابد الرحمن أعني حفيده ... بنور الهدى يهدي فمن ذا يعادله
ينافح عن دين الهدى كل مبطل ... فيبطل تمويهاته ويناضله
وعبد اللطيف الحبر لا تنس فضله ... إمام هدى بالعلم تزهو محافله
فمن رام خذلانا لهم وتنقصا ... لقدرهم بالبغي فالله خاذله
ودونك نظماً كالزلال عذوبة ... صفت للعطاش الواردين مناهله
وكل امرئ يهدي على قدر وسعه ... فدونك ما نهدي فهل أنت قابله؟
وختمي صلاة الله ثم سلامه ... على من به الإرسال عمت رسائله
محمد المبعوث من آل هاشم ... كذا الصبح ما غنت بروض بلابله
وقال ﵀ راداً على من يفعل التذكير قبل آذان الصبح، لأن ذلك بدعة لم يرد به الكتاب ولا سنة، ويذكر غربة الدين ويحض على إتباع سنة سيد المرسلين:
أراك بذكر الهجر تهذي وتطنب ... وتبكي على أطلال سلمى وتندب
وتستوقف الركب المجدين في المسرى ... على دارس الأطلال والدمع يسكب
تذكرت لما أن هاج لك الهوى ... دياراً تعفيها جنوب وهيدب
فأضحت رسوماً باليات كأنها ... من الدرس خط في الصحائف يكتب
محا رسمها هوج الرياح وهامع ... من المزن سحاً ودقه يتحلب
فلم يبق إلا موقد النار للقرى ... وموضع أطناب الخبا حين يضرب
كأن لم يكن فيها أنيس ولم تكن ... بها الكاعب الحسناء للذيل تسحب
ولم تسرح الأنعام بين مروجها ... ولم يلتق الحيان بكر وتغلب
تسائل عن ألف نأى كل راكب ... وما صاحب الأشجان إلا معذب
لريح الصبا تصبو وتعروك هزة ... إذا ذكرت سعدى لديك وزينب
وتعجب مني إن عذلتك في الهوى ... وعشقك بعد الشيب في النفس أعجب
لئن كنت في دار عن الإلف نازحاً ... غريباً فدين الله في الأرض أغرب
وإن ذوي الإيمان والعلم والنهي ... هم الغربا طوبى لهم ما تغربوا
وقيل هم النزاع في كل قرية ... على حربهم أهل الضلال تحزبوا
ولكن فيها الظهور على العدى ... وإن كثروا أعداؤهم وتألبوا
وكم أصلحوا ما أفسد الناس بالهوى ... من السنة الغرا فطابوا وطيبوا
وقد حذر المختار من كل بدعة ... وقام بذا فوق المنابر يخطب
فقال عليكم بإتباعي وسنتي ... فعضوا عليها بالنواجذ وارغبوا
وإياكم والابتداع فإنه ... ضلال وفي نار الجحيم يكبكب
فدوموا على منهاج سنة محمد ... لكي تردوا حوض الرسول وتشربوا
فإن له حوضاً هنياً شرابهُ ... من الدر أنقى في البياض وأعذب
له يرد السني من حزب أحمد ... وعنه ينحي محدث ومكذب
وكم حدثت بعد الرسول حوادث ... يكاد لها نور الشريعة يسلب
وكم بدعة شنعاء دان بها الورى ... وكم سنة مهجورة تتجنب
لذا أصبح المعروف في الأرض منكراً ... وذو النكر معروف لديهم محبب
стр. 303
وليس اغتراب الدين إلا كما ترى ... فسل عنه ينبيك الخبير المجرب
وقد صح أن العلم تعفو رسومه=ويفشو الزنا والجهل والخمر يشرب
وتلك إمارات يدل ظهورها ... على أن أهوال القيامة أقرب
فسل فاعل التذكير عند أذانه ... أهذا هدى أم أنت بالدين تلعب
وهل سن هذا المصطفى في زمانه ... أو الخلفا أو بعض من كان يصحب
وهل سنه من كان للصحب تابعاً ... إذا قام للتأذين يوما يثوب؟
وهل قاله النعمان أو قال مالك ... به أو رواه الشافعي وأشهب؟
وهل قاله سفيان أو كان أحمد ... إليه إذا نادى المؤذن يذهب
أقيموا لنا فيه الدليل فإننا ... نميل إلى الإنصاف والحق يطلب
فخير الأمور السالفات على الهدى ... وشر الأمور المحدثات فجنبوا
وما العلم إلا من كتاب وسنة ... وغيرهما جهل صريح مركب
فخذ بهما والعلم فاطلبه منهما ... ودع عنك جهالاً عن الحق أضربوا
خفافيش أعشاها النهار بضوئه ... فوافقها من ظلمة الليل غيهب
فظلت تحاكي الطير في ظلمة الدجى ... وإن لاح ضوء الصبح للعش تهرب
فخذ إن طلبت العلم من كل عالم ... تراه بآداب الهدى يتأدب
لأهل السرى تهدي نجوم علومه ... وترمي العدى من شهبها حين تثقب
فلازمه واستصبح بمصباح علمه ... لتخلص من جسر على النار يضرب
وقاتل بسيف الوحي كل معاند ... فليس له من نبوة حيت تضرب
وإياك والدنيا الدنية إنها ... لغرارة تعطي القليل وتسلب
فذو الجهل مغرور بزوه جمالها ... وذو العلم فيها خائف يترقب
فدعها وسل النفس عنها بجنة ... بها كل ما تهوى النفوس وتطلب
مسكنها صافي اللجين وعسجد ... وتربتها من أذفر المسك أطيب
وكم كاعب حسناء في الخلد نعمت ... يزوجها من كان للأجر يكسب
فسارع لما يرضي الإله بفعله ... ودع كل شيء كان الله يغضب
وما المرء بعد الموت إلا منعم ... بروح وريحان وإلا معذب
ودونك من در القريض قصيدة ... تكاد لها الحذاق بالتبر تكتب
أتتك من الأحساء ترفل في الحلى ... وتختال في برد الشباب وتعجب
بها ينشط الساري إذا جد في السرى ... ويصبو لها الصب المعنى ويطرب
بدت من بصير بالقوافي يصوغها ... وينظم منها درها حين يثقب
تغطى بأثواب الخمول عن الورى ... إلى أن يرى كفئاً له الدر يجلب
وختم نظامي بالصلاة مسلماً ... مدى الدهر ما دمت معد ويعرب
على خاتم الرسل الكرام محمد ... به طاب ختم الأنبياء وطيبوا
كذا الآل والصحب الألى بجهادهم ... أضاء بدين الله شرق ومغرب
وله ﵀ يرثي العلم وأهله، ويحض على طلبه والرحلة له، ويذم الجهل والاتصاف به:
على العلم نبكي إذ قد اندرس العلم ... ولم يبق فينا منه روح ولا جسم
ولكن بقي رسم من العلم داثر ... وعما قليل سوف ينطمس الرسم
فآن لعين أن تفيض دموعها ... وآن لقلب أن يصدعهُ الهم
فإن بفقد العلم شراً وفتنة ... وتضيع دين أمره واجب حتم
وما سائر الأعمال إلا ضلالة ... إذا لم يكن للعالمين بها علم
وما الناس دون العلم إلا بظلمة ... من الجهل لا مصباح فيها ولا نجم
فعار على المرء الذي تم عقله ... وقد أملت فيه المروءة والحزم
إذا قيل ماذا أوجب الله يا فتى ... أجاب بلا أدري وأنى لي العلم؟
وأقبح من ذا لو أجاب سؤاله ... بجهل فأن الجهل مورده وخم
فكيف إذا البحث من بين أهله ... جرى وهو بين القوم ليس له سهم
تدور بهم عيناه ليس بناطق ... فغير حري أن يرى فاضلاً فدم
وما العلم إلا كالحياة إذا سرت ... بجسم حي والموت من فاته العلم
وكم في كتاب الله من مدحة له ... يكاد بها ذو العلم فوق السهى يسمو
وكم خبر في فضله صح مسنداً ... جميعاً وينفي الجهل من قبحه الفدم
كفى شرفاً للعلم دعوى الورى له ... عن المصطفى فاسأل به من له علم
فلست بمحصٍ فضله إن ذكرته ... فقد كل عن إحصائه النثر والنظم
стр. 304
فيا رافع الدنيا على العلم غفلة ... حكمت فلم تنصف ولم يصب الحكم
أترفع دنيا لا تساوي بأَسرها ... جناح بعوض عند ذي العرش يا فدم
وتؤثر أصناف الحطام على الذي ... به العز في الدارين والملك والحكم
وترغب عن إرث النبيين كلهم ... وترغب في ميراث من شأنه الظلم
وتزعم جهلاً أن بيعك رابح ... فهيهات لم تربح ولم يصدق الزعم
ألم تعتبر بالسابقين فحالهم ... تدل على أن الأجل هو العلم
فكم قد مضى من مترف متكبر ... ومن ملك دانت له العرب والعجم
فبادروا فلم تسمع لهم قط ذاكراً ... وإن ذكروا يوماً فذكرهم الذم
وكم عالم ذي فاقة ورثاثة ... ولكنه قد زانه الزهد والعلم
حيا ما حيا في طيب عيش ومذ قضى ... بقي ذكره في الناس إذ فقد الجسم
فكن طالباً للعلم حق طلابه ... مدى العمر لا يوهنك عن ذلك السأم
وهاجر له في أي أرض وإن نأت ... عليك بإعمال المطي له حتم
وأنفق جميع العمر فيه فمن يمت ... له طالبا نال الشهادة لا هضم
فإن نلته فليهنك العلم إنه ... هو الغاية العلياء واللذة الجمعة
فلله كم تفتض من بكر حكمه ... وكم ردة تحظى بها وصفها اليتم
وكم كاعب حسناء تكشف خدرها ... فيسفر عن وجه به يبرأ السقم
فتلك التي تهوى ظفرت وصلها ... وقد طالما في حبها نحت الجسم
فعانق وقبل وارتشف من رضابها ... فعدلك عن ظلم الحبيب هو اللم
فجالس رواة العلم واسمع كلامهم ... فكم كلم منهم به يبرأ الكلم
وإن أمروا فاسمع لهم وأطلع فهم ... أولو الأمر لا من شأنه الفتك والظلم
مجالسهم مثل الرياض أنيقة ... لقد طاب منها الريح واللون والطعم
أتعاض عن تلك الرياض وطيبها ... مجالس دنيا حشوها الزور والإثم
فما هي إلا كالمزابل موضعاً ... لكل أذىً لا يستطاع له شم
فدر حول قال الله قال رسوله ... وأصحابه أيضاً فهذا هو العلم
وما العلم آراء الرجال وظنهم ... ألم تر أن الظن من بعضه الإثم
وكن تابعاً خير القرون وممسكاً ... بآثارهم في الدين هذا هو الحزم
وأفضلهم صحب النبي محمد ... فلولاهم لم يحفظ الدين والعلم
فآمن كإيمان الصحابة وأرضه ... فمنهاجهم فيه السلامة والغنم
وإياك أن تزورّ عنه إلى الهوى ... ومحدث أمر ماله في الهدى سهم
فإيماننا قول وفعل ونية ... فيزداد بالتقوى وينقصه الإثم
فنؤمن أن الله لا رب غيره ... له الملك في الدارين والأمر والحكم
فليس له ولدٌ ولا والدٌ ولا ... شريك ولا يعروه نقص ولا وصم
إلهٌ قديم أولٌ لا بداية ... له وهو الباقي فليس له حسم
سميع بصير قادر متكلم ... مريد وحي لا يموت له العلم
وإيماننا بالاستواء استوائه ... تعالى على عرش السما واجب حتم
فأثبته للرحمن غير مكيف ... له وتعالى أن يحيط به العلم
ومن حرّف النص الصريح مؤولا ... فقد زاغ بل قد فاته الحق والحزم
وما لحزم إلا أن تمر صفاته ... كما ثبتت لا يعتريك بها وهم
قراءتها تفسيراً عند من نجا ... فدع عنك ما قد قاله الجعد والجهم
وإن جنان الخلد تبقى ومن بها ... وليس لما فيها انقطاع ولا حسم
ورؤية سكان الجنان لربهم ... تبارك حق ليس فيها لهم وهم
كرؤيتهم للبدر ليل تمامه ... أو الشمس صحواً لا سحاب ولا قتم
فيا رب فاجعلني لوجهك ناظراً ... غداً فاخراً فيما به ينعم الجسم
وإن ورود الحوض حوض يضاهي بياضه ... وما العسل الصافي مع اللبن الطعم
ولكنه أنقى بياضاً وطعمه ... من الكل أحلى والعبير له ختم
وكيزانه مثل النجوم لنورها ... وكثرتها جداً فهل يحسب النجم
عليه نبي الله يدرأ كل من ... أتى من سوى أتباعه ولهم وسم
فأمته تأتيه كل محجلٌ ... أغر وأما من سواهم فهم دهم
وعنه رجال مسلمون تذودهم ... ملائك لما بدلوا فبدا الجرم
فيا رب هب لي شربةً من زلاله ... ومن يغترف من ذلك الحوض لا يظلم
стр. 305
وإن عذاب النار حق أعاذنا ... إله الورى منها فتعذيبها غرم
أعدت لأهل الكفر دار إقامة ... إذا نضجت أجسادهم بدل الجسم
ولم يبق فيها من توفي موحداً ... بإجرامه حتى ولو عظم الجرم
وإن لخير المرسلين شفاعة ... بها المصطفى من بين أقرانه يسمو
فيشفع فيهم وهو خير مشفع ... فينزل من رب الورى لهم الحكم
فما ظالم إلا ويجزى بظلمه ... وما محسن إلا يوفي ولا هضم
فشفعه اللهم فينا بموتنا ... على ملة الإسلام يا من له الحكم
وصلى إله العالمين مسلماً ... على من به للأنبياء جرى الختم
كذا الآل والأصحاب ما قال قائل ... على العلم نبكي إذ قد اندرس العلم
وقال رحمه الله تعالى لما قضى على أهل الذرعية وذلك سنة ١٢٣٣:
أليل غشى الدنيا أم الأُفق مسود ... أم الفتنة الظلماء قد أقبلت تعدو؟
أم السرج النجدية الزهر أطفئت ... فأظلمت الآفاق إذ أظلمت نجد
نعم كورت شمس الهدى وبدا الردى ... وضعضع ركن للهدى فهو منهد
لدن حل بالسمحاء خطب فأوحشت ... مساكنها وازور عيش بها رغد
تفرق أهلوها وسل على الهدى ... سيوف على هامات أنصاره تشدو
وفل حسام الدين بل ثل عرشه ... لدن غاب عن آفاقه الطالع السعد
بأيدي غواة مفسدين لقد عثوا ... وجالسوا خلال الدار وانتثر العقد
قضاء الرحمن جار بحكمه ... ولله من قبل الأمور ومن بعد
فآه لها من وقعة طار ذكرها ... وكادت تميد الراسيات وتنهد
وفاضت دموع كالعقيق لما جرى ... وكادت لعظم الخطب تنصدع الكبد
وقد أقذع البصري في ذم شيخنا ... وأنصاره تباً لما قاله الوغد
أيهجو إماما هادياً أرشد الورى ... إلى منهج التوحيد فاتضح الرشد
وبصرهم نهج المحجة فاهتدوا ... وآبو إلى الإسلام من بعد أن صدوا
سقى روحه الرحمن وابل رحمة ... وعم هتون العفو من ضمه اللحد
وأبناؤه الغر الكرام قد اقتفوا ... محجته المثلى وفي نصرها جدوا
فكانوا إلى التوحيد يدعون دأبهم ... فكم قد لأفادوا من يروح ومن يغدو
وكم فتنة جلت فجلوا ظلامها ... بنور الهدى حتى استبان لنا الرشد
ومهما ذكرت الحي من آل مقرن ... تهلل وجه الفخر وابتسم المجد
هم نصروا الإسلام بالبيض والقنا ... فهم للعدى حتف وهم للهدى جند
غطارفة ما إن ينال فخارهم ... ومعشر صدق فيهم الجد والجد
وهم أبحر في الجود إن ذكر الندى ... وإن أشعلت نار الوغى فهم الأسد
فكم مسجد قد أسسوه على التقى ... وكم مشهد للشرك بنيانه هدوا
بهم أَمن الله البلاد وأهلها ... فهم دون ما يخشونه الردم والسد
ولما مضت تلك العصابة لم يقم ... بعدلهم من ضمه الشام والهند
ولكن فشى فيها الخنى وبدا الزنا ... فلم تنكر الفحشا ولم يقم الحد
وكم فتنة عمت وكم طل من دم ... حرام وكم ضلت عصائب وارتدوا
وكم قطع السبل البوادي وأفسدوا ... فصاروا مثل الذئاب التي تعدو
فإن كان هذا عنده الدين والهدى ... فقد فتحت للدين أعينه الرمد
فشكراً بني الإسلام قد ردّ ربنا ... لكم كرة من بعد ما يئس اللد
وأقسم قوم أنها دولة مضت ... وليس لما قد فات عود ولا رد
وقلنا لهم نصر الإله لحزبه ... به جاء في القرآن والسنة الوعد
فعادت كما كانت بفيصل رحمة ... من الله مولانا له الشكر والحمد
فهذا إمام المسلمين مؤيدا ... له النصر والإقبال والحلل والعقد
علينا دعاء الله سراً وجهرة ... له وله منا النصيحة والود
وصلى إله الغر الكرام وصحبه ... ومن لم يزل يقفو طريقهم بعد
وقال رحمه الله تعالى سنة١٢٨٢، يرثي إمام المسلمين، وحامي الملة والدين، الملك القمقمام، والبطل المقدام، أبو الأيتام والمساكين، ومن لا تأخذه لومة لائم في رضى رب العالمين. الإمام فيصل بن تركي السعود. تغمده الله برحمته وأدخله فسيح جنته آمين.
على فيصل بحر الندى والمكارم ... بكينا بدمع مثل صوب الغمائم
стр. 306
إمام نفى أهل الضلالة والخنا ... بسمر القنا والمرهفات الصوارم
فكم فل من جمع لهم جاء صائلا ... وأفنى رؤوساً منهم بالملاحم
يجر عليهم جحفلاً بعد جحفل ... ويرميهم في حربه بالقواصم
فما زال هذا دأبه في جهادهم ... تغير بنجد خيله والتهائم
إلى أن أقيم الدين في كل قرية ... وأصبح عرش الملك عالي الدعائم
وأخلى القرى من كل شرك وبدعة ... وما زال ينهي عن ركوب المحارم
مناقب جود قد حواها جبلة ... فخار الثنا من عربها والأعاجم
تغمده المولى الكريم برحمة ... وأسكنه الفردوس مع كل نائم
فلا جزع مما قضى الله فاصطبر ... وإلا ستسلوه سلو البهائم
فلما تولى خلف الله بعده ... لنجل خليق بالإمامة حازم
فقام بعون الله بالأمر سائسا ... رعيته مستيقظاً غير نائم
وشابه في الأخلاق والده الذي ... فشا ذكره بالخير بين العوالم
وقرب أهل الفضل والعلم والنهى ... وجانب أتباع الهوى غير نادم
ومن يستشر في أمره كل ناصح ... لبيب يكن فيما جرى غير نادم
على يده جل الفتوح تتابعت ... حضوراً لدى الطاغون عند التحاكم
وأسلمت الأعراب كرهاً وجانبوا ... حضوراً لدى الطاغوت عند التحاكم
فذكر عبد العزيز وشيخه ... وما كان في تلك الليالي القوادم
فما زال منصور اللواء مؤيداً ... على كل باغ معتد ومخاصم
فدونك أبيات حوت كل مدحة ... فأضحت كمثل الدر في سلك ناظم
ونهدي صلاة الله خالقنا على ... نبي عظيم القدر للرسل خاتم
محمد الهادي وأصحابه الألى ... حموا دينه بالمرهفات الصوارم
كذا آله الأطهار ذي الفضل ما سرى ... نسيم الصبا وانهل صوب الغمائم
وفي سنة أل ومائتين وإحدى وعشرين توفي عثمان بن منصور، وأتوا بكتبه إلى الرياض، فلما وقفوا عليها وجدوا فيها أوراقاً نظماً ونثراً، مضمونها الرد على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وكان في مدة حياته يتهم ذلك بغير تحقيق. فلما وقف المشايخ ﵏ عليها ردوا عليه ردودا شافية.
منهم الشيخ عبد الرحمن بن حسن، وابنه الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، فأجابا بردود شافية أبطلا فيها تمويهاته، وردا شبهاته بدلائل لائحة، وحجج واضحة. ثم إن الشيخ عبد الرحمن بن حسن طلب من الشيخ أحمد بن مشرف ﵀ أن يرد عليه فرد عليه بقوله:
وقفت على نظم لبعض بني العصر ... تضمن أقوالاً بقائلها تزري
دليك قواف صاغها فتكسرت ... وحاصلها كالعجل مستوجب الكسر
تخير حرف الراء عجزاً وإنما ... يعدون حرف الراء عير أولي الشعر
عيوباً كساها زخرف القول خادعاً ... فأصبحت بحمد الله مكشوفة الستر
بها شبهُ للجاهلين مضلة ... أكاذيب لا تخفى على كل ذي حجر
تصدى لها حبر الزمان ونجله ... فردَّا وهدَّا ما بناه من القعر
وقد بينا للناس ما في كلامه ... من الزيف والإفراط والحيف والنكر
بأوضح برهان وأقوم حجة ... لها قرر الشيخان بالنظم والنثر
جزى الله عنا شيخنا في صنيعه ... فكم قد شفى بالرد والسد للثغر
إذا مبطل أَجرى من الجهل جدولاً ... أتاه بتيار من العلم كالبحر
فجلى ظلام الشك والجهل والعمى ... بنور هدى يجلي الغياهب كالفجر
لئن كان أهل العلم كالشهب في السما ... فعالمنا ين الكواكب كالبدر
فما لابن منصور رأي هجو قومه ... صواباً فأزرى بالقريب وبالصهر
وأثنى على قوم طغام بكونهم ... بنوا في القرى تلك المساجد للذكر
كأن لم تكن تتلى عليه براءة ... ولم يتل فيها قد شيدوها على قبر
وطافوا عليها خاضعين تقريباً ... إلى المقبور بالذبح والنذر
وكم سألوا الأموات كشف كروبهم ... ولا سيما في الفلك في لحج البحر
فزادوا على شرك الأوائل إذ دعوا ... سوى الله في حال الرخاء وفي العسر
وتخريجه للمسلمين مشبها ... لهم بالحروريين بالبغي والفجر
فيا ليت شعري هل تجاهل أو غوى ... فشتان ما بين الهداية والكفر
стр. 307
ولكنه أبدى موافقة العدى ... ليثني عليه الخصم في ذلك القطر
فهبة كمن أغوى الشياطين في الفلا ... فأصبح حيراناً بمهمته قفر
وأصحابه يدعونه للهدى أئتنا ... ولا داء أدعى للعناد من السكر
فسبحان من أعمى عيوناً عن الهدى ... وقد أبصرت والسمع ما فيه من وقر
ومن ينكر الشمس المنيرة في الضحى ... إذا لم يكن غيم وفي ساعة الظهر
ورب فتى مستصرخ صاح نادباً ... لنا فأجبنا الصوت بشراك بالنصر
أتتك لنصر الدين منا كتائب ... تجر العوالي في المهندة البتر
وكم طاعن في ديننا ومثلب ... رميناه إذ هاجى بقاصمه الظهر
نسل المواضي في الحروب على العدي ... ونضرب من يهجو بصمصامة الشعر
فدونك نظماً كالزلال عذوبة ... يجر ذيول العز للدين والفخر
بدا من أديب لم يقل متغزلا ... (عيون المها بين الرصافة والجسر)
وأزكى صلاة الله ثم سلامه ... على المصطفى ماحي الضلالة والكفر
كذا الآل والأصحاب ما هبت الصبا ... وما لاح في الآفاق من وكب دري
وما أنهل في القفز الغمام وما بكى ... فأضحك دمع المزن مبتسم الزهر
ثم استزاده الشيخ عبد الرحمن حسن ﵀ فقال:
يا ظبية البان بل يا ظبية الدور ... هل أنت من نسل حوا أو من الحور؟
الصبح من وجهك الأسنى السني بدا ... والفرع داج بظلماء وديجور
مددت للصب طرفاً فاقصرا فلذا ... قد هام بين ممدود ومقصور؟
لا عيب منها سوى إخلاف موعدها ... أو أنها لم تجد يوماً بميسور
كم واعدت بمزار غير موفية ... والخلف للوعد معدود من الزور
فقلت وجداً بها إن كنت كاذبة ... عليك آثام عثمان بن منصور
غدا يهاجي أولي التوحيد مشتغلاً ... بمدح قوم خبيث خاسر بور
قد خالفوا السنة الغراء وابتدعوا ... والشرك جاءوا بحظ منه موفور
لم يسلكوا منهج التوحيد بل فتنوا ... بكل ذي جدث في الترب مقبور
هذا يطوف وهذا في تقربه ... يأتي إليه بمنذور ومنحور
وذا به مستغيثاً في شدائده ... يرجو الإجابة في تيسير معسور
فقل جزى الله شيخ المسلمين بما ... أبدى فجلى ظلام الشرك بالنور
بالعلم بصر قوماًَ قد عموا فهدا ... وأنقذ الله منهم كل مغرور
ليس العيون التي للحق مبصرة ... كالأعين الرمد أو كالأعين العور
أدلة جامع التوحيد أودعها ... من كل نص قراني ومأثور
لا يستطيع لها رداً مخاصمه ... ولا يحرفها تأويل ذي زور
غزا بها عصباً للشرك قد نصروا ... فأصبحوا بين مقتول ومأسور
فكم جلا بضياء العلم من شبه ... بها أضل النصارى حزب نسطور
وأخلص الشيخ للرحمن دعوته ... لا للعلو ولا أخذ الدنانير
حتى غدت سبل التوحيد عامرة ... وكل مشهد شرك غير معمور
فقام أبناؤه من بعده فدعوا ... إلى الهدى ونهوا من كل محذور
فمن هاجم بإفك غير ضائرهم ... لا ترهب الأسد نح الكلب في الدور
وهاك نظماً بديعاً فائقاً حسناً ... والحمد لله حمداً غير محور
ثم الصلاة وتسليم الإله على ... من قد وعى قوله موسى على الطور
محمد خير مبعوث وشيعته ... وصحبه الغر حتى النفخ في الصور
وقال ﵀ لما أوقع الإمام فيصل بن تركي ببني خالد ومن معهم يالسبية في سنة١٢٤٠:
أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالاً ... ولا تطع في سبيل الجود عذالا
فالمنفقون لهم من ربهم خلف ... ورب شح إلى الإتلاف قد آلا
من جاد جاد عليه الله واستترت ... عيوبهُ وكفى بالجود سربالا
من جاد ساد ومن شحت أناملهُ ... بالبذل أمست له الأعوان خذالا
ثنتان كلتاهما للود حالبة ... صبر جميل وكف يبذل المالا
لا تحسب المجد سهلاً في تناوله ... لولا المشقة كل للعلى نالا
مما أضر بأهل الملك أن خزنوا ... للنائبات من النقدين أموالا
وضيعوا الجند في وقت الرخاء وما ... خافوا الخطوب ولم يلقوا لها بالا
حتى إذا قام للهيجاء قائمها ... وأشعل الحرب مذكي الحرب إشعالا
стр. 308
قاموا يريدون تأليف الجنود بما ... حازوا فلم يدركوا بالمال آمالا
كذا من ضيع الأحرار محتقراً ... واختار غمراً وأوباشاً وأنذالا
والحزم لو شكروا النعماء وادخروا ... للحرب خيلاً وفرساناً وأبطالاً
من يحفظ الجند بالإحسان يلقهم ... إن يدعهم في لوغى يأتوه أرسالا
فاجعل عطاك لأحرار الوغى ثمناً ... تملك به مهجاً منهم وأوصالا
لا ملك يثبت إلا بالرجال ولا ... يقني الرجال سوى من كان بذالا
والمال يربو لمن ربى رعيته ... بعدله ونفى للظلم أغلالا
والطرق أمنها بالعدل فامتلأت ... أنسا فلا يرهب السلاك مغتالا
يا فيصل المجد يا من للفخار حوى ... فاستوجب المدح تفصيلاً وإجمالا
أوضحت للسنة الغرا رسوم هدى ... عفت فأحييت للإسلام أطلالا
أتى بك الله من مصر لملتنا ... نصرا وقهرا لمن عادى وإذلالا
فأنت طالع سعد حينما طلعت ... نجومه زدتنا حظاً وإقبالا
نازلت آل حميد في سبيتهم ... تكاد ترجف منه الأرض زلزالا
جاءوك بالجد في خيل وفي خيلا ... تكاد تجف منه الأرض زلزالا
كانوا جراء عليكم من سفاهتهم ... حتى سبيت لهم عزاً وأموالا
أقريتهم عاجلا لما بكم نزلوا ... كالمستضيفين صمصاما وعسالا
ومن حياض المنايا بعد أن طمعوا ... أرويتهم عللاً منها وانهالا
فدبروا هربا ذعراً وما صبروا ... لما رأوا الصبر بين الأسل قتالا
ولوا سراعاً ولم يلووا على أحد ... وأصبحوا في بقاع الأرض فلالا
وخلفوا خلفهم رغما عقائلهم ... مع البنين وأغناما وآبالا
فأصبحت مغنماً للمسلمين وفي ... يديك تقسمها في الناس أنفالا
واها لها وقعة من أفقها طلعت ... شمس الهدى فمحت للشرك أطلالا
فتح به فتحت للدين أعينهُ ... وأبصرت بعد دمع طالما سالا
فتح به فتح الرحمن أفئدة ... غلفا أدار عليها الرين أقفالا
فتح به استبشرت هجر وقد فخرت ... لما ملكت لها مدنا وأعمالا
أثواب عدلك قد ألبستها جددا ... من بعد أن خلعت للظلم أسمالا
فيها بثثت أمور العدل فانتشرت ... وحكم الشرع أقوالا وأفعالا
فأصبحت بك هجر كالعروس زهت ... بحلية لم تذر شنفا وخلخالا
ماست من التيه واختالت وحق لها ... بزينة العدل أن تزهو وتختالا
(تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا)
فاحمد إلهك إذ أولاك أنعمة ... واشكره ما دمت تعظيما وإجلالا
وهاك مني قريضاً قد حوى دررا ... ما أن ترى مثلها في الحسن أمثالا
جهل المقل وقد أهداه معتذرا ... (لا خيل عندي أهديها ولا مالا)
ثم الصلاة على الهادي وعترته ... ورحمة تشمل الأصحاب والآلا
ما لاح برق وما غنى الحمام وما ... سح الغمام بجود الودق هطالا
ثم الاختيار من شعر أحمد بن مشرف ويليه الاختيار من شعر الأديب ابن عثيمين النجدي.
شعر
ابن عثيمين النجدي هو الأديب الأريب ذي الأدب الفائق، والنظم الرائق، محمد ابن عبد الله بن عثيمين النجدي أصلاً ووطناً، والحنبلي مذهبا والسلفي معتقدا، وكان حفظه الله ممن عاصر العلماء الكبار من علماء نجد، سمع منهم، وله معرفة وفهم في الأصول والفروع. وكان حسن السيرة، مأمون السريرة مقبلاً على شأنه حافظاً لزمانه محبباً إلى قربائه، ذا سمت ودين وعقل رصين. وأما الشعر فقد أخذ من الإجادة فيه بأوفر نصيب، لا يبارى في براعة اللسان، ولا يجارى في ميدان الإحسان. له الأشعار الرائقة، والمعاني الفائقة، وسأذكر إن شاء الله منها في هذا المجموع ما يدل على تقدمه في عالم الأدب، ورقة وجزالة المعاني والألفاظ في نظم الشعر. فمن ذلك ما مدح به الملك المعظم، والإمام المقدم، إمام الإسلام والمسلمين، وحامي حوزة الدنيا والدين، عبد العزيز بن الإمام عبد الرحمن بن الإمام تركي آل سعود، أدام سعوده وخذل مبغضه وحسوده، ولا زال النصر محالفاً لراياته والتوفيق مساعداً له في جميع أوقاته آمين قال:
عج بي على الربع حيث الرند والبان ... وإن خلت منه أحباب وجيران
стр. 309
فللمنازل في شرع الهوى سنن ... يدري بها من له في الحب عمران
وقل ذاك لمغنى قد سحبن به ... ذيل التصابي برسم الشجو غزلان
القاتلات بلا عقل ولا قود ... سلطانهن على الأملاك سلطان
لله أحور ساجي الطرف مقتبل ... عذب اللمى لؤلؤي الثغر فتان
عبل الروادف يندى جسمه ترفا ... ضافي الوشاح لطيف الروح جذلان
يهتز مثل اهتزاز الغصن رنحهُ ... سكر الصبا فهو صاحي القلب نشوان
كأنما البدر في لألاءِ غرته ... يا ليت يسحب ذاك الحسن إحسان
لو كان يمكن قلنا اليوم أبرزه ... لينظر الناس كنه الحسن رضوان
في ذمة الله جيران متى ذكروا ... هاجمت لذكراهم في القلب أحزان
فارقتهم أمتري أخلاف سائمة ... يسوقها واسع المعروف منان
لعل نفخة جود من مواهبه ... يروي بها صدى الإقتار عطشان
أريش منه جناحاً حصهُ قدر ... شكى تساقطهُ صحب واخوان
وفي اضطراب الفتى نجح لبغيته ... وللمقادير إسعاد وخذلان
فاربأ بنفسك عن دار تذل بها ... لو أن حصباءها در ومرجان
طفت المعاهد من شام إلى يمن ... ومن عراق ولبتني خرسان
فما لقيت ولن ألقى ولو بلغت ... بي منتهى السد همات ووجدان
مثل الجحاجحة الغر الذين سموا ... مجداً تقاصر عن علياه كيوان
الضارب الكبش هبراً والضنا قصداً ... والتاركي الليث يمشي وهو مذعان
والفارجي غمم اللاجي إذا صفرت ... أو طابه واقتضاه الروح ديان
والصابئين عن الفحشا نفوسهم ... والمرخصيها فذا الخطي أثمان
خضل المواهب أمجاد غطارفة ... بيض الوجوه على الأيام أعوان
غر مكارمهم حر صوارمهم ... خضر مراتعهم للفضل تيجان
لكن أوراهم زنداً وأسمحهم ... كفاً وأشجعهم إن جال أقران
عبد العزيز الذي نالت به شرفاً ... بنو نزار وعزت فيه قحطان
مقدم في المعالي ذكره أبداً ... كما يقدم بسم الله عنوان
ملك تجسد في أثناء بردته ... ليث وغيث وإعطاء وحرمان
خبيئة الله في ذا الوقت أظهرها ... وللمهيمن في تأخيرها شان
ودعوة وجبت للمسلمين به ... أما ترى عمهم أمن أيمان
حاط الرعية من بصرى إلى عدن ... ومن تهامة حتى ارتاح جعلان
فجددوا الشكر للمولى وكلهم ... يدعو له بما بقي في الأرض إنسان
ورب مستكبر شوس خلائقه ... صعب الشكيمة قد أعماه طغيان
تركته وحده يمشي وفي يده ... بعد المهند عكاز ومحجان
وعازب رشد إذا حان مصرعه ... بخمرة الجهل والإعجاب سكران
أمطرته عزمات لو قذفت بها ... صم الشوامخ أضحت هي كثبان
عصائب من بني الإسلام يقدمهم ... من جدك المعتلي بالرعب فرسان
ويل أمه لو آتاه البحر متلطماً ... أذية الأسد والآجام فرسان
لأصبح الغمر لا ويل ولا أثر ... لو شاغبته قبيل الصبح جنان
ومشهد لك في الإسلام سوف ترى ... يوفي به لك يوم الحشر ميزان
نحرت هديك فيه الناكثين ضحى ... فافخر ففخر سواك المعز والضان
أرضيت آباءك الغر الكرام بما ... جددت من مجدهم من بعد ما بانوا
نبهت ذكراً توارى منه حين علا ... للمارقين ضباب فيه دخان
فجئت بالسيوف والقرآن معتزما ... تمضي بسيفك ما أمضاه قرآن
حتى انجلى الظلم والإظلام وارتفعت ... للدين في الأرض أعلام وأركان
دين ودنيا وبأس في الوغى وندى ... يفيض عن كفه للجود خلجان
هذي المكارم ى ما قيل من هرم ... ولا الذي قيل عمن ضم غمدان
أقول للعيس إذ تلوي زفاريها ... لإلفها ولها في الدّو تحنان
ردي بحاراً من المعروف طامية ... نباتها التبر ى شيح وسعدان
تدوم ما دامت الدنيا بشاشتها ... فأسلم فأنت لهذا الخلق عمران
ثم الصلاة على الهادي الذي خمدت ... في يوم مولده للفرس نيران
والآل والصحب ما ناحت مطوقة ... خضباً يميد بها في الدوح أغصان
وقال أيضاً مادحاً صاحب الجلالة الملك عبد العزيز في سنة ١٣٥١إحدى وخمسين بعد الثلاث مئة والألف:
стр. 310
في الربوع فحي عرصة الدار ... وقف بها واسقها من دمعك الجاري
معاهدي وليالي العمر مقمرة ... قضيت فيها لباناتي وأوطاري
بكت عليها غوادي المزن باكرة ... وجرت الريح فيها زيل معطار
فجر أذيال غضات الصبا خرد ... حور المدامع م الأدناس أطهار
للسمع ملهى وللعين الطموح هوىً ... فمن لذة أسماع وأبصار
كأنما أفرغت من ماء لؤلؤة ... نور تجسد في أرواح أبشار
إذا هززن الناعمات القدود ترى ... أغصان بان تشنت تحت أقمار
تشكو معاطفها لعباً روادفها ... يا للعجائب ذا كاس وذا عاري
فكم صرعن بسهم اللحظ من بطل ... عمداً فعلن وما طولبن بالثار
يصبو إليهن مخلوع وذو رشد ... وليس يدنين من أثم ولا عار
تلك العهود التي ما زلت أذكرها ... فكيف ى والذي أهواه سماري
استغفر الله لكن النسيب حلى ... يكسى به الشعر في باد وحضار
فقد أنشد المصطفى حسان شاعره ... قولا تغلغل في نجد وأغوار
غراء واضحة الخدين خرعبة ... ليست بهوجى ولا في خمس أشبار
كان ريقتها من بعد رقدتها ... مسك يداف بما في دن خمار
أقول للركب لما قربوا سحراً ... للسير كل آمون عبر أسفار
عيس كأَن نعام الدو ساهمها ... ريش الجناح فزفت بعد إحضار
حثوا المطي فغب الجد مشربهم ... من بحر جود خضم الماء زخار
يروي عطاش الأماني فيض نائله ... فذا تشكى صدى عدم وإقتار
ملك تجملت الدنيا بطلعته ... أسفر الكون عنه أي إسفار
ملك تفرغ من جرثومة بسقت ... في باذخ المجد عصراً بعد إعصار
هم جددوا الدين إذ خفت معالمه ... وقللوا حد كسرى في يوم ذي قار
هم المصيبون إن قالوا وإن حكموا ... والطيبون ثنى مجد وأخبار
والباذلون نهار الروع أنفسهم ... والصائنون عن الفحشاء والعار
مجد تأثل في نجد وسار إلى ... مبدى سهيل وأقصى أرض بلغار
محامد في سماء المجد مشرقة ... "مثل النجوم التي يهدي بها الساري"
لكن تاج ملوك الأرض إذا ذكروا ... يوماً وارجح في فضل ومقدار
عبد العزيز الذي كانت خلافته ... من رحمة الله للبادي وللقاري
أعطاهم الله أمناً بعد خوفهم ... لما تولى ويسراً بعد إعسار
أشم أروع مضروب سرادقه ... على فتى الحزم نفاع وضرار
مظفر العزم شهم غير مؤتشب ... مسدد الرأي في ورد وإصدار
ما نال ما نال إلا بعد م سفحت ... سم العوالي دماً من كل جبار
وجرها شزباً تدمى سنابكها ... تشكو الوجى بين إقبال وإدبار
تعدوا بأسد إذا لاقوا نظائرهم ... باعوا النفوس ولكن القنا الشاري
يحكي اشتعال المواضي في اكفهم ... تألق البرق في وطفاء مدرار
وكم مواقف صدق في مجال وغىً ... حكمت فيها أسنان الصعدة الواري
وكم على طلقتها نفس عاشقها ... من خوف باسك لا تطليق مختار
قهراً أبحت حماهم بالقنا وهم ... أسد ولكن آتاهم ضيغم ضاري
سربلت قوماًً سرابيل الندى فبغوا ... فسمتهم حد ماضي الغرب بتار
نسخت آيات مجد الآكرمين وما ... يبني المعالي سوى سيف ودينار
ذا للمقيم على النهج القويم وذا ... لكل باغ بعد بعهد الله غدار
فدم شجاً في حلوق المعتدين هدى ... للمهتدين غنى للجار والطاري
وهاك مني مديحاً قد سمعت له ... نظائراً قبل من عون وإبكار
غرائباً طوف الآفاق شاردها ... تبقى على الدهر طوراً بعد أطوار
لولاك ما كنت بالشعار ذا كلف ... ولا شربت بها معروف أحرار
وموقف الهون لا يرضى به رجل ... لو أنه بين جنات وأنهار
لكن طوقتني نعمى فخرت بها ... بين البرية من بدو حضار
لأحمدن زماناً كان منقلبي ... فيه غلكم وفيكم صغت أشعاري
فإن شكرت فنعماك التي نطقت ... تشني عليك بإعلاني وإسراري
وصل ربي على الهادي وشيعته ... وصحبه وارضى عن ثانيه في الغار
ومن قوله مادحاً للأمام عبد العزيز أيضاً أعزه الله تعال سنة ١٣٤٦:
стр. 311
قفوا بي على الربع المحيل أسائله ... وإن كان أقوى بعد ما خف أهله
وما في سؤال الدار إطفاء غلة ... لقلب من التذكار جم بلابله
تعلل مشتاق ولوعة ذاكر ... لعهد سرور غاب عنه عوازله
فإن أسل ولا أسلو هواهم تجلداً ... ولكن يأساً أخلفتني أوائله
خليلي لو أبصرتما يوم حاجر ... مقامي وكفي فوق قلبي أبادله
عشية لا صبري يثيب ولا الهوى ... قريب ولا دمعي تفيض جداوله
ليقتما أن الأسى يغلب الغرا ... وأن غرامي لا غلام يماثله
فلله قلبي ما أشد احتماله ... ويا ويح صبري كيف هدت معاقله
نظرت إلى الأظعان يوم تحملوا ... فاشرقني طل الدموع ووابله
مضوا ببدور في بروج أكلة ... بهن حليم القلب يصبو وجاهله
وفيهن مقلاق الوشاح إذا مشى ... تملك حبات القلوب تمايله
يلوث على مثل الكثيب إزاره ... وأعلاه بدر قد تناهى تكامله
وزعت التصابي إذ على الشيب مفرقي ... وودعته توديع من لا يجامله
وفؤت إلى رشدي وأعطيت مقودي ... نصيحي فمهما قاله أنا قائله
ومن صحب الأيام رنقن عيشه ... وألبسنه بردا سحيقاً خمائله
وليل غدافي الإهاب تسربلت ... كواكبه خال ترن صواهله
يمد على الأفاق سجف حنادس ... مخوف رداه موحشات مجاهله
هتكنا بأيدي الناعجات سدوله ... إلى ملك يخشى وترجى نوافله
إلى ملك لو كان في عهد حاتم ... لقال كذا فليبذل المال باذله
إمام الهدى عبد العزيز بن فيصل ... به انهد ركن الشرك وانحط باطله
سمى لمعالي وهو في سن يافع ... فأدرك أعلاها وما شق بازله
بطلعته زان الوجود وأشرقت ... على الأرض أنوار الهدى ورسائله
فلو نشرت الأيام كسرى وتبع ... وأيام هارون الرشيد ونائله
لقال بحق ليت أيامنا الأُلى ... تعاد لنا كي يدرك السؤال آمله
ولا غر وأن يشتاقه عصر من مضى ... قد نسخت مجد الملوك شمائله
رعى الدين والدنيا رعاية محسن ... وقام بأعباء الإمامة كاهله
وأرضى بني الإسلام قولاً وسيرة ... فذو الظلم أرداه وذو اليتم كافله
وجدد منهاج الهدى بعد ما عفا ... وعز به الشرع الشريف وحامله
قصارى بني الدنيا دوام حياته ... عسى الله يبقيه تعلو منازله
فكم كنز معروف أثار ومفخراً ... أشاد ومجداً ليس تحصى فضائله
قليل التشكي والتمني وإنما ... إذا هم لم تسدد عليه مداخله
خفي مدب الكيد يقظان لم تكن ... لم تكن به غفلة لكن عمداً تغافله
ولا طاب أمراً سوى ما أفاده ... به سيفه أو عزمه أو عوامله
فقل للذي قد غره منه حلمه ... متى كافأ الذئب الهزير ينازله
ألم تر أن البحر يسلك ساكناً ... وإن حركته الريح جاشت زلازله
فلا تخرجوه عن سجية حلمه ... فتكثر من الساعي بذاك ثواكله
ولا تستطيبوا مركب البغي إنه ... إذا ما امتطاه المرء الله خاذله
ضمنت لباغي فضله أن يناله ... ومن يطلب اللأوا تئيم حلائله
ما نال هذا الملك حتى تقصدت ... صدور عواليه وفلت مناصله
وانعل أيدي الجرد هام عداته ... وزلزلت الأرض البعيد قنابله
وما زاده تيه الإمامة قسوة ... نعم زاد عفواً حين زاد تطاوله
من الوقت بسامين والوقت أكدر ... من النقع وهابين والجدب شامله
علينا لك الرحمن أوجب طاعة ... لذي أمركم لوشط في الحكم عامله
إليكم بني الإسلام شرقاً ومغرباً ... نصيحة من تهدي إليكم رسائله
هلموا إلى داعي الهدى وتعاونوا ... على البر والتقوى فأنتم أمثاله
وقوموا فرادى ثم مثنى وفكروا ... تروا أن نصيحي لا اغتشاش يداخله
بأن إمام المسلمين ابن فيصل ... هو القائم الهادي بما هو فاصله
به الله أعطانا حياة جديدة ... رفهنا بها عن مضنك بؤس نصاوله
فقد كان في نجد قبيل ظهوره ... من الهرج ما يبكي العيون تفاصله
تهارش هذا الناس في كل بلدة ... ومن يتعد السور فالذئب أكله
فمن بين مسلوب ومن بين سالب ... وآخر مقتول وهذاك قاتله
стр. 312
فابدلكم ربي من الخوف دولة ... وبالذل عزاً بر خصما ًيناضله
بيمن إمام أنتم في ظلاله ... يدافع عنكم ورأيه وذوا بله
إليك إمام المسلمين زجرتها ... ترامى بها بعد السهوب جراوله
إذا ما ونت عن الرديف لذكرها ... فزفت زفيف الرأل فاجاه خاتله
وما زلت أدعو الله يبقيك سالماً ... وإن بعادي عنك تطوى مراحله
وأنشد بيتاً قاله بعض من مضى ... وليس يموت الشعر ولو مات مائله
"إذا ظفرت منك العيون بنظرة ... أثاب لها معيي المطي ورزامه"
وقال مادحاً للإمام أيضاً في سنة ١٣٣٩
أرقت البرق ناصب يتألق ... ما هفا أمسيت بالدمع أشرق
إذا فاض لم أملك سوابق عبرة ... تحم لها الأحشاء والقلب يخفق
أمد له طرفي ومن دون ومضه ... خبوت وأقحاف وبيداء سملق
ومجهلة للجن في عرصاتها ... عزيف يراع الذئب منه ويفرق
أرجم فيه الظن أين مصابه ... عسى في رياض المجد يهمي ويغدق
منابع أنوار الهدى عف عراصها ... لباغي الهدى والفضل هدي ومرفق
وموطن أملاك غطارف سادة ... لهم عنصر في باذخ المجد معرق
إذا نازلوا كانوا ليوثاً عوابساً ... وإن نزلوا كانوا بحورا تدفق
أجل من يكن عبد العزيز فخاره=فلا غرو لو فوق الكواكب يعنق
هو النعمة الكبرى من الله للورى ... ورحمته والله جل الموفق
به الله أعطاهم حياة جديدة ... وهم قبله أيدي سبا قد تمزقوا
قوام لهم في دينهم ومعاشهم ... إلى الحق يهديهم وبالحق ينطق
فمن يعتصم منه بحبل وذمة ... وإلا من الدين الحنيفي يمرق
أليس أتى في محكم الذكر أمرنا ... بطاعته حقاً ولا نفترق
فقالوا أطيعوا الله ثم رسوله ... كذلك ولي الأمر نص محقق
فقل لأناس بالكويت وحائل ... يقولون إنا بالكتاب نصدق
أهذا كتاب الله أم قول غيره ... أم الحكم منسوخ أفيدوا وحققوا
أفي الغرب أم في الشرق فيما علمتم ... أم اليمن الأقصى وما ضم جلق
إمام على نهج الشريعة سائر ... نبايعه نحن وأنتم ونصدق
وهل في عد آبائكم وجدودكم ... خليفة عدل أو إمام موفق
فأنتم على أثاره تقتفونه ... أبينوا لنا أم ذا هوى وتحمق؟
وإلا فما يمنعكم أن تبايعوا=على ما يقضي به الكتاب المصدق
إمام هدى للرشد يهدي ويهتدي ... مقيم سواء بالرعية يرفق
فمن بات ليلاً خالعاً بيعة الذي ... به لُمَّ شمل المسلمين المفرق
فإن مات كانت ميتة جاهلية ... وإن عاش فهو المارق المتزندق
كما جاء في الأخبار نصاً مؤكداً ... فلسنا بأدنى شبهة نتعلق
أما المسلمون الآن من جذم ريدة ... إلى الشام قول محكم لا ملفق
ومن منتهى الريعان حتى تنيخها ... بأقصى عمان كلهم قد تحققوا
بأن له في عنق كل موحد ... من الله عهد بالإمامة موثق
فيا ليت شعري أين ضلت حلومكم ... وغركم الغرار والحظ
فهلا اتقيتم وثبة مقرنيه ... كان لديها الاجدل الحرخرنق
فلا تخرجوه عن سجية حلمه ... فما هو إلا الليث إن هم يصدق
فكم عف عمن لو جزاه بذنبه ... لطارت به العنقاء حيث تحلق
أرايتكم لو جر من قد ذكرته ... عليكم يسوق الفيلق الجم فيلق
أهل كنتم إلا لقيمة آكل ... لهم قبل ما قرن الغزالة يشرق
جحافل فيها من سلالة ناهس ... اسود على أعدا الشريعة حنق
سراع إلى الهيجا عطاش إلى الوغى ... إذا ما حياض الموت بالموت تدهق
وفيها ليوث من صميم هو زان ... أولئك أدرى بالطعان واحذق
طوال الخطى في معرك الطعن للعدى ... ثقال إذا ما مأزق الحرب ضيق
وفيها بنو قحطان قوم سما بهم ... مع العزم آباء إلى المجد سبق
هم هاجروا لله ثمة جاهدوا ... فبشراهم للرشد والخير وفقوا
ومن شمر فيها وحرب وغيرهم ... قبائل للدنيا الدنية طلقوا
وهم نصروا الدين القويم وأصبحت ... لهم راية بالعز والنصر تخفق
وفيها سراة من سبيع وعامر ... لهام العدى بالمشرفي تفلق
стр. 313
وفيها بنو الإسلام أعلوا مناره ... ليالي وجه الأرض بالشرك مغسق
أولئك أهل المدن من كل باسل ... إلى الطعن في يوم اللقا يتدلق
بيمن إمام المسلمين تألفت ... قلوب وأهواء شقاها التفرق
إذا صلحت في داخل الجسم مضغة ... فإن صلاح الجسم فيها معلق
لقد كان هذا الدين ينهد قبله ... وسيم بنوره الخسف جوراً وأرهقوا
فجاء رب العباد بلطفه ... غياثاً لهم والله بالخلق أرفق
(فتى دهره شطران بأَساً ونائلاً) ... به الله في الدنيا يهين ويرزق
فتى طلبات ليس يغضي على القذى ... ويقرع باب الخطب والخطب مغلق
إذا هم لم يردد عزيمة همه ... مقال مشير أو عذول يعوق
ولكنه يمضي وللحرب غلية ... تجيش لها نفس الكمي وتزهق
يفيت ملوك الأرض ما يطلبونه ... لديه وإن يطلبهم فهو يلحق
إذا لاح أعشى الناظرين مهابة ... فهم نكس الأذقان والطرف يرمق
مهابة ملك لكن الدين تاجها ... ومن يعر من ثوب التقى فهو أخرق
وكالبحر في حال الرضى فيض كفه ... وكالبحر قل ما شئت إن جاش يغرق
محامد شتى لكن الشخص واحد ... وربك مختار وما شاء يخلق
ولا كابن عجل في سفاهة رأيه ... وتسويله للقوم حتى توهقوا
قبائل شتى من أضاميم شمر ... على خير ما يرضى الإله تحزقوا
فصبحهم جند الإله وحزبه ... بملومة فيها الصفائح تبرق
فأدموا في العض على الأصابع ندما ... فلم يغنهم طول الأسى والتحرق
وذي عادة المولى الكريم بمن غدا ... ينادي بني الإسلام لا بد يمحق
فيا معشر الإخوان دعوة صارخ ... لكم ناصح بالطبع لا متخلق
يود لكم ما يمتنيه لنفسه ... ويعلم أن الحب في الله أوثق
تحاموا على دين الهدى مع أمامكم ... وكونوا له بالسمع جندا توفقوا
وإياكم والافتراق فإنه ... هو الهلك في الدنيا والدين يوبق
فو الله ثم الله لا رب غيره ... يمين امرئ لا مفتر يتملق
ولا قاصداً يوماً بقولي مكانه ... ولا عاجلاً للدين والسمت يعرق
لما علمت نفسي على الأرض مثله ... إماماً على الإسلام والحق يشفق
عسا أن نراها سيرة عمرية ... يدين لها غرب البلاد ومشرق
ففيه ولا نعدمه تبدو مخائل ... بها العز للإسلام والملك يورق
وصلى إله العالمين على الذي ... بأنواره الأكوان تزهو وتشرق
كذا الآل والصحاب ما لاح بارق ... وما ناح في الدوح الحمام المطوق
وقال لما فتح الإمام عبد العزيز بلد حائل في ربيع الأول سنة١٣٣٤هـ ويذكر ما من الله تعالى على هذا الإمام بالعفو عند المقدرة وما خصه به من إقالة العثرة:
تهلل وجه الدين وابتسم النصر ... فمنكان ذا نذر وفقد وجب النذر
وأوفى خطيب العز في منبر العلى ... ينادي ألا الله في صنعه الشكر
وأنا على وعد من الله صادق ... وتأخيره آباه كي يعظم الأجر
والله في طي الحوادث حكمة ... يحار بها عقل ويعيا بها فكر
يمحص أقواماً لهم عند الرضى ... ويمحق أقواما لهم عنده التبر
إذا خط ذو العرش الشقاء على امرئ ... فلن تغنه الآيات تتلى ولا النذر
وإلا ففيما جرى أهل حائل ... عليكم لكم من غيكم والهوى زجر
وقدما إمام المسلمين دعاكم ... إلى رشدكم لكن بآذانكم وقر
تدارككم حلم الإمام وعفوه ... وقد بلغ السيل الزبا وطما البحر
فأصبحتموا منه بمنجاة منعم ... عليكم فهل يلفى لديكم له الشكر
فلا تفكروها نعمة مقرنية ... فإن كفرت كانت هي الغل والأصر
فكم خول النعماء قوماً تربصوا ... فأرادهم خبث الطوية والغدر
فلولا التقى والصفح عنكم لاصبحت ... منازلكم يشتو بها الربد والعفر
هو امللك الوهاب والضيغم الذي ... له المغرمات الشم والفتكة البكر
هو الملك السامي الذي سطوته ... تبيح حمى من في خده صغر
بجيش يغيب الشمس عثير خيله ... ويحمده بعد اللقا الذئب والنسر
كان اشتعال البيض في جنباته ... سنا البرق والرعد الهماهم والزجر
стр. 314
وصادق عزم إن طما ليل فتنة ... تبلج منه حنادسه فجر
ركوب لما يخشى من الخطب عالم ... بأَن المعالي دونها الخطر الوعر
مغازٍ لها في الغرب والشرق رجفة ... وفي أفق العليا هي الأنجم الزهر
مشاهد فيها عزز الدين واعتلى ... وادحض فيها الجو وانمحق الكفر
وفيما مضى للشاهد اليوم عبرة ... ولكن قلوب حشوها الغل والوغر
ومن كلن عما قلته متجاهلاً ... ستصدقه قولي المهندة البتر
فقل لحسين دام فيي النفوس منزع ... ألا ترعوي من قبل أن يقصم الظهر
زجرت طيور النحس تحسب أنها ... سعودفلا طرق أفاد ولا زجر
أماني مخدوع يعلل نفسه ... من دون هاتيك المنى المشرب المر
وضرب كأفواه المخاض مجاجة ... دم تمتريه البيض واللدنة السمر
ترقب لها ملمومة تملأ الفضا ... يسوق إليك الوحش من لغطها الذعر
تظل عليها سغب الطير عكفاً ... معودة أن القبيل لها جزر
يدبرها عزما ًورأيا ومنفصلا ... مدير رحاها لا كهام ولا غمر
إمام الهدى عبد العزيز الذي رنت ... إليهالمعالي قبل أن تكمل العشر
أتانا به الله الكريم بلطفه ... على حينماج الناس واستفحل الشر
وشعبت الأهواء دين محمد ... ولم يك نهي عن فساد ولا أمر
وولي أمر الناس من لا يسوسهم ... بشرع وخاف الفاجر المؤمن البر
فأسفر صبح المسلمين وأشرقت ... بطلعته أنوارهم وانتفى العسر
وأعطوا بعيد الذل عزاً وبدلوا ... من الخوف أمناً والشقا بعده اليسر
أليس من قاد المناقب شزبا ... إلى كل جبار دخائله المكر
فلم يغنه طول الدفاع وحصنه ... ولن يؤوه لوفر بّر ولا بحر
مفيد ومتلاف إذا جاد أو سطا ... فما الأسد الضاري وما الوابل الغمر
طلوب لأقصى غاية المجد كلما ... رقى رتبة منها يقل فوقها القدر
إليك إمام المسلمين تطلعت ... تراعي بينها الشام وانتصرت مضر
وناداك ملتف الحطيم ويثرب ... ولولا احترام البيت قد قضي الأمر
وأي امرئٍِ لم يعتقدك أميره ... فأيمانك لغوٌ وعرفانه نكر
وهل مؤمن إلا يرى فرض نصحكم ... وطاعتكم حقاً كما وجب الذكر
ومن شذ عن رأي الجماعة حظه ... وإن صام أو صلى من العمر الوزر
ودونكها ولاجة كل مسمع ... يقال إذ تتلى كذا تحسن الشعر
وصلى غله العالمين على الذي ... له الحوض والزلفى إذا ضمنا الحشر
محمد الهادي الأمين وآله ... وأصحابه ما هز نبت الربى قطر
شعر سلمان بن سمحان
ومن قول الشيخ سليمان بن سمحان يسلي الإمام عبد العزيز, بعد الهزيمة التي أجراها الله عليه في يوم جراب سنة ١٣٣٣:
أمور القضا ليست بحكم العوالم ... ولكن إلى رب حكيم وعالم
قضاها إله العرش ﷻ ... وقدرها من قبل خلق العوالم
بخمسين ألفاً قدرت من سنيننا ... فليس لأمر حمه من مقاوم
فلو أن لو تجدي وتنفع قائلاً ... لأصبح مفتوناً بها كل لائم
يلوم على ما قدر الله وانقضى ... فتباً له ماذا جنى من مآثم
وما كان هذا الأمر بدعاً فقد جرى ... لأفضل خلق الله صفوة هاشم
محمد الهادي إلى الرشد والهدى ... وأصحابه أهل النهى والمكارم
لئن كان قد أضنى بنا ما أمضنا ... بشؤم الذنوب المعضلات العظائم
من القرح ما نرجه من فضل ربنا ... وإحسانه محواً لتلك الجرائم
فقد مسّهم من ذلك القرح فادح ... فكانوا طعاماً للنسور الحوائم
بأيدي رجال من ذوي الصدق في اللقا ... حماة كماة الأسود الضراغم
يسومون الهيجا نفوساً عزيزة ... وترخص منهم في حضور المواسم
وقد غادروا أبناء حائل في الوغى ... جثاثاً ركاماً كالهشيم لشائع
وقد منّ مولانا بطلعتك التي ... أضاءت بها شمس العلى في العوالم
فأصبح هذا الناس في ظل مجدكم ... بأمن وفي رغد من العيش ناعم
وجاء بك المولى معافى مسلماً ... وأعداك في كبت وذل ملازم
لتنصر دين المصطفى وتقيمه ... وتنكأ من أعدائنا كل غاشم
стр. 315
وتعلي من الإسلام أعلام مجده ... وتحميه من كيد العدو المراغم
فكن ناصراً للدين معتصماً به ... فليسوا على شيء من الدين عاصم
وجرد بعزم نصل سيفك ناهضاً ... بهمتك العليا لنيل المكارم
وجر عليهم جحفلاً بعد جحفل ... وأثخنهمُ بالمرهفات الصوارم
واعمل هديت اليعملات بغزوهم ... وأرهبهمُ بالصافنات الصلادم
واعدد لهم منها كميناً فإنه ... يكون لكم ظهراً وردماً لرادم
وشن عليهم غارة بعد غارة ... على غرة منهم وذا فعل حازم
ولا سيما الأعراب منهم فانهم ... هم الرد للأعدا بتلك الملاحم
أولئك هم أوباش جند ذوي الردى ... وهم قوة الباغين أهل المآثم
فمزقتهم أيدي سبا وأذقتهم ... كؤوس الردى بالمرهفات الصوارم
وأنت بما قلناه أدرى وعلمكم ... بكل الأمور الساميات المعالم
أحق وأعلى منظراً ومقامكم ... أجل لدى أهل النهى والمكارم
لأنك محمود المآثر في العلى ... ومجدك سام فوق هام النعائم
بك الله يا عبد العزيز أعزنا ... وأنقذنا من رق باغ وظالم
فلا زلت في عز أكيد مؤيد ... ولا زلت منصوراً على كل غاشم
يسعافك الإقبال والعز والهنا ... على كل من ناواك يا ابن المكارم
وأزكى صلاة الله ثم سلامه ... على المصطفى المعصوم صفوة آدم
وأصحابه والآل مع كل تابع ... وتابعهم ما انهل ودق الغمائم
وقال الشيخ سليمان بن سحمان ﵀ أيضاً مهنئاً للإمام عبد العزيز لما فتح الله على يده بلد الأحساء والقطيف سنة ١٣٣١ هـ،:
بهجر أضاء الفجر واستعلن الرشد ... وناء على آطامها الطالع السعد
وقد كان أهلوها بأسوأ حالة ... وقد فتحت للكفر أعينه الرمد
وكانت قضاة السوء تصرخ جهرة ... بتمجيد عباد القبور وهم ضد
وتمجيد ضباط لهم وعساكر ... فبعداً لهم بعداً وسحقاً لمن ودوا
وقد صارحونا بالعداة والأذى ... فهم للهدى ضد وللأشقيا جند
وقد أظهر الأرفاض فيها شعارهم ... ومدوا يداً نحو العلى وبها امتدوا
وفيها الخنا والخمر والزمر ظاهر ... وما ليس محصوراً وليس له عد
وقد كان فيها للضلالة والردى ... مقر وفيها للهوى صادح يشدو
وقد كان فيها للملاهي ملاعب ... وحادٍ على أعقاب أربابها يحدو
وأحكام أهل الكفر تجرب بسفحها ... وقانونهم يعلو بها ظاهراً يبدو
فناء بها سعد السعود فأسفرت ... بآل سعود هجر وافتخرت نجد
وأقلع عن هجر دياجي ما سجى ... من البغي والأرفاض حل بها النكد
وأصبح من فيها نحباً وناصحاً ... ينادي ألا أهلاً بكم أيها الجند
فقدماً لقد كنا بأيدي عداتنا ... أذلاء والأعداء يسمو لهم جتد
وهم قد أخافوانا بها وتغلبوا ... يسوموننا خسفاً ويعلو بها الضد
فقوض عنا الغي والبغي والأسى ... وأهل الردى والفحش واستعلن الرشد
وزال قتام الكفر عنا وأشرقت ... شموس الهدى والحق في الخلق ممتد
وأضحت بهجر شرعة الحق تجتلي ... وقانون أهل الكفر حل به النكد
وقد أشرقت فيها شموس ذوي الهدى ... وحالت بحمد الله أحوالها الكمد
فيا من بها من عصبة الدين والهدى ... ليهنكم الإقبال والعز والمجد
فشكراً بني الإسلام قد رجعت لكم ... بناكرة من بعد ما يئس اللد
وقد ظن قوم أنها دولة مضت ... وليس لما قد فات عود ولا رد
فقد عاد ما قد مات غضا فات غضا كما بدا ... فلله مولانا على ذلك الحمد
وذلك من فضل الإله ومده ... فمن جوده الحسنى ومن فضله المد
وقد كان ما أجراه فضلاً ونعمة ... ولله من قبل الأمور ومن بعد
بمهد هزبر المعي مهذب ... يقود أسوداً في الحروب بها حرد
وغيظ على أعداء دين محمد ... وأحزابهم ممن عن الدين قد ندوا
أتاهم بها إذ غاب نجم مشعشع ... وقائده الإقبال والعز والسعد
لسبع من الساعات في غسق الدجى ... وقد هجع الحراس والترك والجند
فما راعهم إلا وآساد جنده ... قد اقتحموا فيها وما مسهم نكد
стр. 316
وصاحوا بها من كل قطر وجانب ... شعارهم التهليل والذكر والحمد
وقد ملكوا أبوابها وبروجها ... ومن كل نهج نحو أعدائها تعدو
يقودهم ليث همام سميدع ... أبيٌّ وفيٌّ فاتكٌ إن عثا الضد
يخوض عباب الموت والموت ناقع ... إذا استعرت نار لها في الوغى وقد
ويركب هول الخطب والخطب معضل ... وقد هابه الأبطال رعباً وقد ندوا
هو الملك السامي إلى منتهى العلى ... وقد أمه في نيلها الطالع السعد
إمام الهدى عبد العزيز الذي به ... تضعضعت الأملاك واستعلن الرشد
لقد فاق أبناء الزمان وفاتهم ... بعفو وإقدام وساعده الجد
فيا أيها الغادي على ظهر حرة ... عرندسة ما مسها دهرها الجهد
تجوب فيافي البيد وخداً ومسأداً ... وما نقبت أخفاقها عندما تخدو
تحمل هداك الله مني هدية ... هدية مشتاق أمض به الوجد
وأروى به من لاحج الشوق جذوة ... ولكنه قد عاقه النأي والبعد
وخامره من نشأة البشر نشوة ... وفي قلبه سكر من البشر ممتد
إلى الملك الشهم الغيور أخي الندى ... مذيق العدى كأس الردى عندما يعدو
ومن أصله المجد المؤثل والعلى ... ومن جوده الجدوى لمن مسه الجهد
فأبلغه تسليماً كأن أريجه ... شذى المسك لما ضاع من نشره الند
ونادى بأعلى الصوت عند لقائه ... بمجلسه الأسنى الذي حفه السعد
ليهنك يا شمس البلاد وبدرها ... بلوغ المنى لما تسامى بك المجد
ونال بك الإسلام فخراً ورفعةً ... وعزت بك الأحساء واستعلن الرشد
وذلك بك الأعداء من كل فاجر ... وكل خبيث دينه الكفر والجحد
فصار الاعادي والبوادي ومن بهم ... نفاق أذلاءً وألوانهم كمد
فيالك من فتح وعز مؤثل ... أطيد ومجد قد تسامت به نجد
فروح بالأفراح أرواح عصبة ... وريح أعطافاً وأودها المجد
وأكمد أكباداً وأورى بجذرها ... سواعرهم قد أمش بها الوقد
فلله ربي الحمد والشكر والثنا ... فمن جوده الحسنى ومن فضله المد
فلا زلت يا حامي حمى الدين والهدى ... لك النقض والإبرام والحل والعقد
ولا زلت في عزٍ من الله دائماً ... يساعدك الإسعاف والنصر والسعد
وأعداك في كمد وكبت وذلة ... وفي قلة يعلوهم الحد والجهد
فيا من سما مجداً وجوداً وسؤدداً ... وأم إلى هاماتها إذ هي القصد
ملكت فاسجع وابذل العفو والندى ... لتنجو في يوم اللقا حينما نغدو
إلى الله في حشر ونشر وموقف ... حفاة عراة ما لنا منهما بد
وعامل عباد الله باللطف وارعهم ... بعدل وإحسان ليصفو لك الود
من كان ذا ود وقد كان محسناً ... فعامله بالحسنى لينمو لك الحمد
ومن كان قدماً قد أساء فأسقه ... زعافاً لكي يدري وينزجر اللد
وينحسم الداء العضال وينتهي ... ذوو الغي إن راموا فساداً أو ارتدوا
وخذ من تقى الرحمن درعاً وجنة ... تقيك إذا ما شدة للورى تبدو
وبالله فاستعصم وكن متوكلاً ... عليه يقيك الله أشرار من صدوا
وندوا عن الإسلام والدين والهدى ... وأشرار من كانوا بغاة وقد ندوا
ولا تستشر إلا صديقاً مجرباً ... سريرته التقوى وغايته الود
ولا تصغ للنمام سمعك إنما ... بزور أتى المأفون والكاشح الوغد
وأحسن فبالإحسان تستعبد الورى ... وتملكهم والحر يملكه الرفد
ولا يملك الأعراب ذاك لأنهم ... كما قيل أصنام لها الكسر والهد
فخفهم وجانبهم ولا تأمننهم ... وألف بني الأحرار إذ هم لك الجند
ولا شك أن البذل والجود والندى ... بها يملك العاصي ويستألف الضد
لكنه في حالةٍ دون حالةٍ ... وذلك لا يخفى على من له نقد
وأنت بهذا كله ذو فطانة ... وأدرى به منا ولكنما القصد
بهذا هو التنبيه والنصح والوفا ... بحقك بل هذا علينا من العهد
أدام لنا ربي بك العز والهنا ... وأولاك مجداً دائماً ما له حد
وعزاً وتمكيناً وفخراً ورفعة ... يقصر عن إدراكها الحصر والعد
стр. 317
ودونك من أبكار فكري قلائداً ... يجل سناها أن يماثلها عقد
إليك طوت بيد الساسب والفلا ... تؤمك من نجد وأنت لها القصد
لتنشر من أعلام مجدك ما سمت ... بأنواره الأحساء وافتخرت نجد
وأزكى صلاة الله ما انهل وابل ... وما هبت النكبا وما قهقه الرعد
وما طلعت شمس وما جن غاسق ... وما لاح في الآفاق من كوكب يبدو
وما حج بيت الله من كل راكب ... على ضامر يهوي إلى بيته تخدو
على السيد المعصوم والآل كلهم ... وأًحابه والتابعي نهجهم بعد
وقال يمدح الإمام عبد العزيز أعزه الله، ويذكر فيها ما من الله به عليه من النصر والتأييد على ابن لاشيد ومن معه من العساكر، وانهزامهم ورجوعهم خائبين سنة ١٣٢٢ هـ:
أهاجك أم أشجاك رسم المعاهد ... معاهد أنس بالحسان الخرائد
أتذكر عهداً بالأوانس رافها ... وتعقيد وصل حافد المقاصد
لغيداء يحكي البدر ضوء جبينها ... منعمة مهضومة الكشح ناهد
كأن وميض البرق في غسق الدجى ... رفيف ثناياها العذاب النضائد
كأن أريج المسك نكهة ثغرها ... إذا هي ناجت وامقاً ذا توجد
لها مقل دعج وكف مخضب ... رخيص كأعناب بغصن العناقد
وفرع أثيث سابغ متجعد ... كديجور ليل حالك اللون حاشد
وقدّ قويم ناعم متأود ... كغصن من البان المذلل مائد
برهرهة كالشمس في يوم صحوها ... تفوق جميع الغانيات الخرائد
فلو كلمت شيخاً بطاعة ربه ... مديباً عليها دائباً غير حائد
لأصبح مفتوناً بها ومولعاً ... وخال رشاداً أن تفي بالمواعد
فضلت على تلك الديار وأهلها ... كمثل سليم شاجن القلب ساهد
فدع ذكر عهد قد تقدم عصره ... وتذكار وصل للحسان الخرائد
ولكن أزح عنك الهموم وسلها ... بعوجاء من قود الهجان الحرافد
وجب للمطاويح المفارز قاصداً ... ولا تخش من فتك اللصوص الرواصد
لشمس تبدي ضوؤها هو ساطع ... وطالع سعد مشرق بالمحامد
رأى ضوءه من بالوهاد ومن على ... رعان اليفاع الشامخات الفدافد
فثاب في ظل المحاسن وارعوى ... إلى ظل أفياء لها كل شارد
لقد بلغت شرق البلاد وغربها ... فكالشمس حلت في السعود الصواعد
تسامى بها شمس البلاد وبدرها ... وجماع شذاذ المعالي الشوارد
هو الملك الشهم أخو الندى ... مذيق العدى كاسات سم الأساود
إمام الهدى عبد العزيز الذي له ... محامد في الإسلام أي محامد
أزاح جموع الترك عنا بهمة ... تسامى بها فوق السهى والفراقد
ومزقهم أيدي سبا وتمزقوا ... فما بين مقتول مصاب وشارد
وما بين محمول إلى عقر داره ... كسيراً حسراً خاسئاً غير فاقد
بكره وإجبار وعنف توعد ... فعادوا وقد باؤوا بخيبة عائد
فهذا هو المجد الأثيل وإنما ... حوى ذاك من قوم كرا أماجد
وميراث آباء له ومآثر ... تأثلها عنهم بحسن المقاصد
لعمري لقد أضحى بها متسامياً ... على كل أملاك البلاد الأماجد
فتى حسنت أخلاقه فتألقت ... وغنت بها الركبان فوق الجلاعد
فتى دمث سهل الجناب مهذب ... ولكنه صعب المقاد لكائد
أذاق الأعادي والبوادي جميعها ... كؤوس حتوف من سمام الأساود
فكم جر من جيش لها عرمرم ... يغادي به شوس الملوك السوامد
له رأي حزم كالحسام مجرداً ... ولهذم عزم نافذ للمعاند
ووثبة ضرغام أبي غضنفر ... إذا الحرب ألقت بالدواهي الشدائد
وبذل نوال كانسجام هوامع ... تعودها طبعاً لعارف وقاصد
فيا من سمت أخلاقه وتألقت ... محامده نحو السهى والفراقد
عليك بتقوى لله جل ثناؤه ... وإصلاح ما يدعو لعضل المفاسد
وبالعفو والإحسان والصدق والوفا ... فإن بها تسمو لشأو المحامد
وراع جناب الحق والصدق راجياً ... جزيل ثواب الله يا ابن الأماجد
وإياك أن تصغي لمن جاء واشياً ... يرى أنه بالنصح أعظم وافد
وما قصده إلا ليحظى لديكم ... بما قال من زور وبهتان حاقد
стр. 318
وكن باذلاً للجد والجهد قائماً ... بنصرة دين الله من كل كائد
فهذا الذي كنا نحب ونرتضي ... لمن يتولى الأمر من كل قائد
وكان على دين النبي محمد ... ويا حبذا الدين القويم لسائد
ونصح ولاة الأمر قد جاء ذكره ... عن السيد المعصوم أرشد راشد
أبي وفي لا يخيس بعهده ... ولكنه لا يرتضي بالمفاسد
وليس له قصد بأخذ تراثهم ... وما جمعوا من طارف بعد تالد
ولكن ببذل المكرمات وفعلها ... يجود وهذا قيد شبه الأوابد
وقال الشيخ سليمان أيضاً ﵀، رداً على رجل من أهل العراق، يقال له: جميل أفندي الزهازي، لنظمه قصيدة في مدح ابن متعب، ويشكره في جره الترك على أهل نجد، ويشجعه على حربهم، فقال الشيخ ﵀ مجيباً ومادحاً الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل أعزه الله بقوله:
ألا بلغا عني جميلاً رسالة ... فقد جاءنا بالترهات الكواذب
وفاه بقول لا حقيقة تحته ... وليس مقام الفديم يوماً بصائب
تهور فيما قاله حيث لم يكن ... خبيراً بأحوال الورى والنوائب
فتعساً له من مارق تحذلق ... وخب لئيم معرق في المعاثب
يرى سفها أن البسالة كلها ... لمن جاء بالأتراك من كل ناكب
ورام بهم إعلاء أعلام شركهم ... وإعدام أعلام الهداة الأطايب
ومحو لآثار الهدى بذوي الردى ... فتباً له من جعظري مشاغب
فدع قوله في المعتدين ومدحه ... وناد بما قلنا بكل المقانب
لقد من مولانا وأفضل وارتضى ... لنا ملكاً سامي الذرى والمناقب
فشام المعالي وارتضاها وأمها ... بهمته العليا وجرد شواذب
وبيض قواض يختلي الهام حدها ... ونص الهجان اليعملات النجائب
فتى همه العليا وشأو مرامها ... فأم إلى هاماتها والغوارب
فتى ليس يثني همه ومرامه ... طوال العوالي أو طوال السباسب
يخوض عباب الموت والموت ناقع ... إذا استعرت نار الوغى بالكتائب
ويركب هول الخطب والخطب معضل ... وقد هابه شوس الملوك الأصاعب
يرد لهام الجيش وهو عرمرم ... ويحطمه بالمرهفات السوالب
لقد فات أبناء الزمان وفاقهم ... بنيل المعالي الساميات المراتب
وجود وإقدام إذا استعر الوغى ... وضاق مجال الصافنات السلاهب
وأحجم أهلوها بيوم عصبصب ... به النقع يسمو كارتكام السحائب
هنالك لا تلقاه إلا كضيغم ... هزبر أبي شبلين حجن المخالب
ترى جثث الأبطال صرعى بغابة ... تراوحها الأشبال من كل شاغب
كذا الملك الشهم الهمام فإنما ... كماة العدى جزر له بالقواضب
ترى عافيات الطير يعصبن فوقه ... لتحظى بأشلاء العدو المشاغب
وتتبعه غرث السباع لعلها ... تروح بطانا من لحوم المحارب
وقد وثقت أن لا تعود خوامصاً ... وأن لها جزر كماة الكتائب
فلله من ندب همام مهذب ... أغاظ العدى من عجمها والأعارب
فنلنا المنى من بعد أن كادت العدى ... تحيط بنا من كل قطر وجانب
بعبد العزيز ابن الإمام ابن فيصل ... حليف العلى نسل الكرام الأطايب
ومن ألمعي أحوذي ومصقع ... بليغ بما قد شاءه في المقانب
يقود أسوداً في الحروب ضياغماً ... تغير على الأعدى كأسد شواغب
حنيفية في دينها حنيفة ... وليس لهم إلا العلى من مآرب
سما بهم نحو المعالي سميدع ... أبي وفي فاضل ذو مناقب
إذا هو أعظى ذمة لم يخس بها ... وما كان ذا غدر وليس بكاذب
فان رمت أخباراً له ووقائعاً ... فسل شمراً عنه بصدق المضارب
وحرباً وسل عنه مطيراً وغيرهم ... من العجم والأعراب من كل ناكب
فمزقهم أيدي سبا فتفرقوا ... فما بين مقتول وما بين هارب
وما بين منكوب وقد خال أنه ... بقوته قد حاز كل المآرب
بلطف من المولى له وأعانه ... على كثرة الأعدى له والمحارب
إذا أم أمراً واعتلى متسامياً ... تمزقت الأعداء من كل جانب
وما ذاك إلا أنه لا ترده ... طوال العوالي أو طوال السباسب
стр. 319
ولا غرو من هذا ولا بدع إنما ... حواها من الشوس الكرام الأطايب
ومن والد سامي الذرى ذي مآثر ... حسان وأخلاق يفاع المراتب
له فتكات بالأعادي شهيرة ... يقصر عن إدراكها كل كاتب
أدام لنا ربي بهم كل بهجة ... على السنن الحاوي لكل المطالب
وأزكى صلاة الله ثم سلامه ... بعيد وميض البرق جنح الغياهب
على المصطفى الهادي الشفيع وآله ... وأصحابه ما انهل وبل السحائب
شعر
أحمد الغزاوي
ومما مدح به الملك عبد العزيز أعزه الله، وخذل من ناوأه، آمين! القصيدة الغراء التي ألقاها الأديب الأريب، أحمد إبراهيم الغزاوي بين يدي جلالته في منى سنة ١٣٥٤ هـ:
هنيئاً بك العيد الذي أنت ناظره ... وفي الله تقواه وفيك بشائره
تلألأ وضاحاً كوجهك مشرقاً ... تداعبه شمس الضحى وتزاوره
وتدنو إليه كل عين قريرة ... تمثل في أسراره ما تبادره
ترى بين عطفيك الإمامة مثلما ... تقمصها الفاروق طهراً مآزره
وتهفو قلوب نحو عرشك لم تزل ... لها أمل يزهو بيمنك ناظره
قد ابتهجت تبغي إلى الله زلفة ... لدن موقف بالله عجت مشاعره
وتلتمس الغفران من متطول ... وترتع في أمن بك الله ناشره
وتصبو إلى مجد قديم تزينت ... به صحف التاريخ واجتيح عاثره
إلى ذكريات الفتح والعرب أمة ... سريعة مفدى العزم فيما تخاطره
يقحمها عصم المعاقل بأسها ... وتأمن بالإخلاص مما تحاذره
ويمضي بها أيمانها وثباتها ... على كسف الطغيان سود دياجره
فتلك وقد أوضحت بتاجك وحده ... تطلع للتاريخ تتلى مفاخره
تطلع للتاريخ حرى حرية ... على درك الماضي الذي آن حاضره
تناجيه من أعماقها وشعافها ... كذى ظمأ أوفى على الماء حاذره
ويعشق الطرف اللموح طموحها ... إلى المثل الأعلى الذي أنت سائره
أبت وهي أنقاض الصروف شتاتها ... وحنت إلى التوحيد تسطو بواتره
أبت وهي من آباء صدق توحشت ... بهم مدن الإسلام واعتز سامره
أبت وهي تتلو كل حين كتابها ... فتحفزها نحو الحياة مناذره
أبت وهي تستوحي تراث جدودها ... وتصعقها صيحاته وزواجره
أبت وهي آساد العرين حماسة ... وأحفاد شعب سودته مرائره
أبت أن ينال الضيم منها فجاهدت ... وصدع سمع الأرض صوت تجاهره
وليس بحمد الله تخشى هزيمة ... وأنت لها الجيش المواضي عرائره
لها في حجا عبد العزيز وعزمه ... ضحى تترجى أن تعم مظاهره
لها اعتقدت بالبعث لو هي أغضبت ... وأغضبت على خسف تعرت معاذره
كأنك منها كل قلب مشيع ... تدفق إرسالاً إليك مخامره
فمن حيث دين الله أهبط وحيه ... وحيث سبيل النصر سالت معابره
وحيث المصاليت المغاوير أوصلوا ... إلى المجد حتى أسلمته قياصره
رفعت لواء كان لولاك مثله ... أقر له بالفضل من كان ناكره
نحلت به أم العواصم واهتدى ... على ضوئه الساري ونهنه حائره
فيا رجل الدنيا وواحد أهلها ... ومن هو للدين المنزل ناصره
إليك أفاض الحج يزجي ثناءه ... عليك وتقوى بالوفود أواصره
وقد راقهم ما أنت تدأب دونه ... سريعاً وتستأني له وتحاوره
تخذت لهم من ذات نفسك داعياً ... إلى الله حتى استبين الرشد هاجره
وأنت ظهير المسلمين بموسم ... تقربهم يوم التناد ذخائره
توافوا إلى باب مهيب حجابه ... بك ائتلقت أبياته ومقاصره
إلى خاشع سمح رضي محبب ... إلى ملك صلت عليه منابره
أضاءت به الأحساب ليلاً كأنها ... شموس وحتى نظم الجزع شاذره
وقامت حفافيه الجنود كثيفة ... تسبق في تنفيذ ما هو آمره
وحلق في آفاقه العز والتقى ... وطنب في أفيائه من يوازره
تراءى به نسج الحديد وشائجاً ... وغصت بأبناء النضال مواتره
كما اصطخب الآذي بالموج رهبة ... لو اصطخبت في البحر قرت زماجره
تهلل من بين السماطين ربه ... وسحت أياديه وفاضت مواطره
له خلق مستمرئ من يقينه ... يكاد من الإيمان يسطع ثائره
стр. 320
تجاوب أًداء القرون بصدره ... ولله أبقى للذي هو ذاخره
مليك حكاه المزن بشرى ونقمة ... عزيز على كر الدهور نظائره
ولا غرو فهو التالد الطارف الذي ... غذته نمير المجد طفلاً حرائره
تجشم ما لم يحتمله مملك ... وشب وشابت بالكفاح غدائره
وأصبح موفور الجلال معظماً ... ترجى جوازيه وتخشى بوادره
إذا ارتجلت فصل الخطاب شباته ... حسبت ارتجاس الرعد ما هو ثائره
بهت إذاً لو كنت شاهد عبرة ... تحدرها خوف الإله محاجره
حمته عن الأدناس والرجس والخنا ... خلائق تقواه وطابت عناصره
له فطر ضن الزمان بمثلها ... فجاءت كإعجاز به جل فاطره
يباهي بها في الله دون تكبر ... ويصلى بها ذات الوقود مكابره
فلله عيناً من رآه فشاقه ... ورح سليباً نستبيه معاشره
تشع به آفاقنا وقلوبنا ... سروراً ويغدو بالسعادة طائره
يصافحه الغرب المدل مقدراً ... وتغبطه أحزابه وأباطره
وترقب فيه الشمس مطلع شمسه ... إذا اتخذت أشياعه ومصادره
وما الشمس هذا الضوء إلا تواضع ... ولكنه العز المخلد قاهره
بعيد مناط الهم تندق دونه ... رقاب أعاديه وتقسو جرائره
وقور حليم فاتك متعبد ... موارده محمودة ومصادره
وتزداد إيماناً وحباً وطاعة ... إذا ابتعثته للحديث خواطره
تألى يميناً في الجزيرة برة ... فوفى بها والبر أوشك سائره
لتغدو على رغم العوائق وحدة ... بحول الذي أصفاه ما هو قادره
ولن يخلف الله المهيمن وعده ... لمستخلق نارت لديه بصائره
ومها أطلت الوصف فيه فإنني ... على العجز مضطر وإن هو غافره
فهل من عذير حين يرتج مقولي ... قصوراً ولما يبلغ الشوط شاكره
أجل إِن ملكاً ذلكم بعض شأنه ... لأجدر أن لا يلح بالعجز شاعره
فلا زال للإسلام سعد سعوده ... وتسمو به أرجاؤه وعشائره
وأضفى عليه الله سابغ نصره ... ومكنه فيما تكن سرائره
وأبقاه ذخراً للعروبة كافلا ... وأبناءه ما طاف بالبيت زائره
شعر
محمد رضى الخطيب
ومما مدح به الملك عبد العزيز أيده بنصره قصيدة ألقاها الشاعر العراقي محمد رضى الخطيب أمام جلالته في منى سنة ١٣٥٤هـ:
أرى العرب قد ألقت إليك قيادها ... وأعطتك عفواً قلبها وفؤادها
بمغناك في الدنيا يطيب معاشها ... وباسمك في الأخرى تلاقي معادها
رأت فيك من يستدفع الضيم باسمه ... وتعطى بحمد الله فيك مرادها
فتحمي نواحيها وتجمع شملها ... وتمنع عنها بالأذى من أرادها
لقد وجدت فيك الجزيرة سيداً ... علاها على رغم الأُنوف وسادها
وكانت مواتاً قبل ذاك وإنما ... أَبو فيصل نحو الحياة أعادها
ليجعل فيها الأمن والعدل ظاهراً ... ويمحو بآيات الصلاح فسادها
أخو همة لم يبق في الناس بدعة ... تخافه إلا إلى الدين قادها
أتى للورى نوراً من الحق مشرقاً ... لتبصر من بعد الضلال رشادها
لئن أجدبت فالكف منه كفيلة ... تقوم مقام الغيث إن هو جادها
لقد محض الإِسلام نية ناصح ... كما محضته كل نفس ودادها
دعوت فلباك الحجيج ملبياً ... من الأرض يطوي بحرها ووهادها
ولو لم تكن أرض الحجاز منيعة ... بحكمك ما استرعيت منها بلادها
قطعت إِليك الفج والشوق رائدي ... ونار الجوى أورت بقلبي زنادها
ولما بدت من أرض نجد نفودها ... وقد قاربت نفس المشوق نفادها
تعللت في لقياك عن كل مأرب ... ونفسي من ذكراك صيرت زادها
وحين تراءت للحجاز هضابه ... وقد سلب الشوق العيون رقادها
فقلت لهل قري فقد قرب الحمى ... وقاربت مولى يعرب وجوادها
وباتت تناجي الفرقدين مناعة ... مبانٍ لك الرحمن بالعز شادها
تسير وما زلت بك الرجل مرة ... وأوتيت في كل الأمور سدادها
عقدت على الشبل الكريم ولاية ... لعقدك قد شاء الإِله انعقادها
ولاية حق عزز الله قدرها ... وشد على حقو السعود نجادها
следующие страницы →