← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 5377

تصويبات في فهم بعض الآيات

صلاح الخالدي

Полный текст (247 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

عن المنكرات والمفاسد والمعاصي التي تشوِّه وجه المجتمع، فإذا التفت إليها وأنكرها ونصح أصحابها، فإنه تارك للحكمة والموعظة الحسنة. الحكمة والموعظة الحسنة عندهم: هي أن يُدعى الداعية إلى حفلةٍ أو مجلسٍ يُعصى فيه الله، أو تُرتكب فيه الفواحش، وتُفعل فيه المنكرات، فيجلس راضياً ساكتاً متفاعلاً مع الحضور، يتصرَّف معهم على أسس البروتوكول و " الإتكيت "، ويفعل معهم المنكرات. فإذا تكلم في المجلس وانتصر لدينه ونصح القوم -ولو بألين الكلام وأكثره هدوءاً- فإنه مخالف للحكمة والموعظة الحسنة. الحكمة والموعظة الحنسة عندهم: أن يرضى الدّنية في دينه، ومواقف الذل في حياته، ويشارك باللقاءات والجلسات المشبوهة مع أعداء لهذا الدين، ملحدين أو مستعمرين أو يهود أو نصارى، ويقدم لهم الإسلام كما يريدونه باسم المرونة والتطور، وباسم الحكمة والموعظة الحسنة. كم سمعنا كلاماً في تفسير هذه الآية يصدر على صورة نصيحةٍ أو تذكير من بعض الذين يشْغلون مراكز إسلاميةً رسميةً عليا، يطلبون من الدعاة إلى الله -وعاظاً أو أئمةً أو خطباء أو محاضرين أو كاتبين- أن يقدِّموا الإسلام للناس كما يريد الناس، ووفق أمزجتهم وشهواتهم وأهوائهم، وأن لا يكونوا صريحين في نصحهم جريئين في الجهر بالحق، ويعتمدون في كلامهم على هذه الآية: ﴿بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَة﴾. فإذا لم يفعلوا ذلك كانوا مخالفين لتوجيهاتها. عجيبٌ أن تصدر هذه التفسيرات الخاطئة لهذه الآية من هؤلاء المسلمين، وعجيبٌ أن تُوَظَّفَ هذه الآية عندهم في منع قول كلمة الحق، والجرأة في النصح، وإبداء الرأي، والرجولة في إنكار المنكر والأمر بالمعروف، هذا عجيبٌ. ولكن الأعجب والأغرب أن يشارك في هذا

стр. 107

التحريف لمعنى الآية، حملةٌ للعلم الشرعي والشهادات الشرعية، يشغلون وظائف إسلامية رسمية. ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، تدلُّنا هذه الآية على كيفية الدعوة إلى الله، وتُعرِّفنا على الوسائل التي نقدم الدعوة إلى الناس من خلالها. بالحكمة والموعظة الحسنة: الباء باء الاستعانة، أي نستعين بهاتين الوسيلتين في تقديم الدعوة، ونستخدمها في توصيلها للناس. إنهما: الحكمة والموعظة الحسنة. والحكمة: " هي إصابة الحق بالعلم والعقل ". فالحكمة من الله تعالى معرفة الأشياء، وإيجادها على غاية الإحكام. ومن الإنسان معرفة الموجودات وفعل الخيرات. والموعظة مأخوذة من الوعظ. والوعظ: " زجرٌ مقترنٌ بتخويف ". قال الخليل: هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب. على الداعية أن يدعو بالحكمة. بمعنى أن يقدم دعوته للناس، ويصيب في هذا التقديم الحق بالعلم والعقل، وُيعرف السامعين على الحق الذي معه، ليقبلوا عليه ويلتزموا به. الحكمة هي: القول المناسب، في الوقت المناسب، بالقدر المناسب، والأسلوب المناسب. وتستوقفنا هاتين الوسيلتين في الدعوة إلى الله: الحكمة والموعظة

стр. 108

الحسنة، إنه لا بد من استخدامهما في كل دعوة لأي إنسان كان، إذ استخدام واحدة دون الأخرى لا يحقق الغاية ولا يوصل الدعوة. الحكمة: هي الدعوة الفكرية: بأن يعرض فكرته على المدعو بهدف إقناعه بها، وأن يخاطب في هذا العرض عقله وفكره. لأن الحكمة: إصابة الحق بالعلم والعقل. فيستخدم الداعية العلم والعقل في عرض الدعوة، ويؤثر في هذا على الناحية العلمية والعقلية عند المدعو. وعندما ينجح في هذا الأمر يكون قد أوجد عند المدعو قناعةً عقلية، وقبولاً نظرياً. فإذا اكتفى بهذه الخطوة فلن يحصل على ثمرةٍ عملية، ولا يحقق هدفاً عملياً من دعوته، لأن المدعو يبقى في دائرة الاقتناع النظري. الموعظة الحسنة: وهي المرحلة الثانية في الدعوة، ولا بد أن يقوم بها كل داعية يحترم نفسه ودعوته، ويريد إيجاد الأهداف العملية الواقعية. والموعظة هي التذكير بالخير فيما يرق له القلب. يعني أن يخاطب قلب المدعو بما رقَّ ولَطُفَ وحَسُن، يعني أن يوصل المعلومات التي ألقاها في عقل المدعو إلى قلبه، يعني أن يشارك قلبُ المدعو عقلَه الاقتناعَ والرضا والقبول للدعوة. فإذا تمت هذه المشاركة، أثَّر القلب على باقي الكيان، فقام المدعو بخطوة عملية خارجية وهي أن يدخل في الدعوة ويلتزم بها. قال الزمخشري في تفسير الآية: ﴿اُدْعُ إِلى سَبيلِ رَبِّك﴾ -أي الإسلام- ﴿بالحكمة﴾ بالمقالة المحكمة الصحيحة، وهي الدليل الموضح للحق المزيل للشبهة. والموعظة الحسنة: وهي التي لا يخفى عليهم أنك تناصحهم فيها، وتقصد ما ينفعهم فيها. ويجوز أن يريد القرآن: أي اُدعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة

стр. 109

حسنة. وجادلهمْ بالتي هي أحسن: بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة، من الرفق واللين من غير فظاظةٍ ولا تعنيف. وسائل الدعوة إلى الله في هذه الآية اثنتان فقط: الحكمة والموعظة الحسنة. أما الجدال بالتي هي أحسن فليس من وسائل الدعوة، ولا يقصد منه عرض الدعوة على الذي يجادله، غاية الجدال هي إقناع المعاندين بترك العناد، وبالبحث العلمي المنهجي، والهدف منه هو أن يزحزح هؤلاء عن مواقعهم عن طريق الجدال، لينتقلوا بعد ذلك إلى موقعٍ آخر، يكونون قريبين فيه من الدعوة، مستعدين لقبولها. عندها يستخدم معهم وسيلتي الدعوة: الحكمة والموعظة الحسنة، ليحقق الغاية، ويلتزموا بالدعوة. فالجدال إنما هو تقريبٌ للخصوم إلى باب الدعوة، وليس عرضها عليهم. نأخذ هذا من صياغة الآية: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. فالموعظة معطوفةٌ على الحكمة، وهما متعلقتان بفعل الأمر " أُدْعُ " وباء الاستعانة. أما "جادلهم" فإنها معطوفة على " ادع " - لأنهما فعلا أمر. أي اُدع وجادل. ولو كان الجدال من أساليب الدعوة لقال: ادع بالحكمة والموعظة والمجادلة بالتي هي أحسن. وفي هذا يقول الإمام الرازي: ومن لطائف هذه الآية أنه قال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾، فقصر الدعوة على هذين القسمين. لأن الدعوة إن كانت بالدلائل القطعية فهي الحكمة، وإن كانت بالدلائل الظنية فهي الموعظة الحسنة. أما الجدال فليس من باب الدعوة، بل المقصود منه غرضٌ آخر، مغايرٌ للدعوة، وهو الإلزام والإفحام. فلهذا السبب

стр. 110

لم يقل: اُدْعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل الأحسن، بل قطع الجدل عن باب الدعوة، تنبيهاً على أنه لا يُحصِّل الدعوة، وإنما الغرض منه شيء آخر. والله أعلم. ***

стр. 111

﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا﴾ قال تعالى لموسى وأخيه هارون ﵉ عندما وجّههما إلى فرعون: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. كلَّفهما الله سبحانه الذهاب إلى فرعون، وزوَّدهما بالزاد الذي يمكِّنهما من أداء الواجب والقيام بالتكليف " ولا تَنِيَا في ذِكري "، أي لا تُقصرا في ذكري، ولا تفتُرا عنه -لأن الونى هو الفتور والتقصير- فذكْر الله العظيم الجبار يزيل أي خوف من فرعون الطاغية المتجبِّر. وأمرهما الله أن يقولا له: ﴿قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. ويقف بعض المسلمين في هذا الزمان أمام هذا الأمر الإلهي، فلا يفهمونه حق فهمه، بل يحرفون معناه، ويجعلونه وثيقة إدانة ضد الدعاة الجريئين، والخطباء الصريحين، والعاملين الصادقين، الذين يجهرون بالحق أمام المسؤولين، فينصحون ويذكِّرون وينكرون. إنهم يتَّهمون هؤلاء بمخالفة هذا الأمر، وأنهم لا يقولون للمسؤولين قولاً ليناً، بل قولاً عنيفاً شديداً قاسياً منفراً، ينفرهم من الطاعة بدل أن يقربهم منها.

стр. 112

ويقدم هؤلاء الناصحون النصائح للدعاة، بوجوب مراعاة القول الليِّن في خطاب المسؤولين، ويفسرون لهم القول اللين تفسيراً خاصاً خاطئاً: إن القول اللين يتمثل في السكوت عن مخالفات المسؤولين ومنكراتهم ومفاسدهم، وغض النظر عن الممارسات والسلوكيات الخاطئة التي يقومون بها. القول اللين يعني: إذا شاركهم في مجلس أو حفلة أو لقاء أو اجتماع، وجرت فيه منهم مخالفات ومنكرات، أن يصمت الدعاة، وكأنهم لم يروا ولم يسمعوا ولم يلاحظوا. القول اللين يعني: إذا فكر هؤلاء في الكلام والتذكير، فليكن بأخفض صوت وألينه وأضعفه، وبلهجة بسيطة ذليلة، تُخرج النصيحة الخافتة والتذكير الميت، بسيل من الثناء والمدح والإشادة. أما إذا وقف الداعية أمام المسؤول برجولةٍ وثبات، وأنكر عليه مخالفاته ومنكراته بوضوحٍ وتحديد، وقال كلمة الحق بجهرٍ وجرأةٍ وشجاعة، وذكّره بالواجب بإقدامٍ وثبات، إذا فعل هذا فقد خالف الأمر الوارد في الآية، وما قال لهذا المسؤول قولاً ليناً. ويورد هؤلاء الناصحون مثالاً على هذا الفهم بما جرى أمام الخليفة العباسي المأمون: حيث يروون أنه قدم أحد العلماء الدعاة الرجال على المأمون، فذكَّره بالله ووعظه ونصحه، وأنكر عليه مخالفات قام بها، بجرأة وشجاعة وثبات. فقال له المأمون: يا هذا إنك خالفت أوامر الله، إن الله أرسل من هو خير منك إلى من هو شرٌّ مني. أرسل موسى إلى فرعون، فقال له: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا﴾. فما هو القول اللين؟ وكيف قدمه موسى ﵇ لفرعون؟ وماذا فهم الدعاة السابقون؟ وماذا نستفيد نحن من ذلك؟ علَّلت الآية الحكمة من القول اللين لفرعون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾، فالقول اللين يرقق القلوب، ويزيل ما فيها من جفوةٍ

стр. 113

وإنكار، ويحطم الحاجز النفسي بين الداعية والمدعو، فيقترب المدعو كثيراً، ويستعدّ لقبول دعوته ونصائحه وتذكيره. لعله يتذكر أو يخشى. ولقد أمر الله موسى ﵇ في موطن آخر يقوله: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾. هل لك: بهذا الحث والتحضيض والترغيب، بهذا الأسلوب اللين المؤثر. هل لك في التزكية والطهارة والخير والفضيلة والسعادة والحياة. ولقد نفَّذ موسى ﵇ أمر الله، وقال لفرعون قولاً ليناً، ورغَّبه في الإِيمان والتزكية، وعرَّفه على الله سبحانه. ولكن فرعون رفض الدعوة وهدَّد موسى ﵇، وتحدَّاه بالسحرة، واتَّهمه بالباطل. وموسى ﵇ جريء صريح، ويقول له القول اللين. قال موسى ﵇ لفرعون قولاً ليِّناً عندما قال له: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾. ولم يخرج موسى ﵇ عن القول اللين، وهو يحاور فرعون هذا الحوار الدعوي، ويقدم له نفسه بشجاعة وجرأة وصراحة، ويقدم له دعوته بصفاء وبيان وتحديد: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١)

стр. 114

وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾. هل تريد بياناً للدعوة أوضح من هذا البيان؟ وهل تريد جرأةً وشجاعةً وثباتاً أصدق من هذا؟ وهل تريد قولاً ألين من هذا القول؟ ولكنه لينٌ مع الوضوح والحسم والجزم والتحديد، وهل تريد لهجةً أصدق وأثبت من هذه اللهجة؟. هكذا يكون القول اللين. ويا ليت الناصحين يوضحون هذا للآخرين. وما زلنا مع موسى الكريم ﵇ لنتعلم منه كيفية القول اللين. ففي موقفٍ من مواقف مواجهته لفرعون، وكلامه معه بالقول اللين، آذاه فرعون بالكلام وتوقَّح عليه، ووجه له ما يشبه الشتم والإهانة. فماذا فعل موسى ﵇؟؟.

стр. 115

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الأرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾. كان من القول اللين: أن يكشف موسى ﵇ لفرعون مغالطاته، وأن يبين له علمه بأن الآلهة المزيَّفة لا تملك شيئاً، ومعرفته بأنه لا إله إلا ربّ العالمين، لكنه يغالط في هذا، ويزعم إنكار الألوهية لله رب العالمين. قال فرعون: إني لأظنك يا موسى مسحوراً. أجابه موسى ﵇ برجولة وجرأة وتحديد وصراحة: إني لأظنك يا فرعون مثبوراً -والمبثور هو الهالك الخاسر-. والسؤال الذي نوجهه للناصحين المنظِّرين: هل كان موسى ﵇ مخالفاً للقول اللين عندما قال لفرعون: إني لأظنك يا فرعون مثبورا؟. والتساؤل الذي نطرحه: لو كان موسى ﵇ يعيش في زماننا هذا، وقال الكلام هذا. فبماذا يصفه الواصفون؟ ومع من يصنِّفونه؟ أقلُّ ما يقولونه عنه: إنه متعصبٌ متزمتٌ متشددٌ غليظٌ عنيفٌ قاسٍ منفر. بهذا التفسير الواضح من موسى ﵇، يجب أن نفهم المراد بالقول اللين وكيفية ومجال قوله، ويجب أن نعرف كيف قال موسى هذا القول اللين لفرعون، من خلال الاطلاع على مشاهد المواجهة بينهما التي أشار إليها القرآن الكريم، والتي تعتبر هي التفسير العملي للأمر الرباني بالقول اللين.

стр. 116

بعد هذا نقول: إن القول اللين هو في أسلوب مخاطبة المدعوين -ومنهم المسؤولون- وفي ألوان هذا الخطاب، وفي درجته ومستواه، وفي القالب الذي تُقدَّم فيه الحقائق، والصورة التي تُعرض فيها، والإطار الذي تكون ضمنه، وفي اختيار الألفاظ والمفردات والتراكيب والعبارات، التي تدل على الموضوع. ولا يمكن أن يكون القول اللين في الموضوع والمضمون، والحقائق والمقررات، والمعالم واليقينيات، والخطة والمنهج. لأن هذه الأمور لا تقبل المساومة ولا المفاوضة، ولا المداهنة ولا التنازل، ولا تأجيلها ولا إخفاءها. القول اللين في أسلوب الخطاب لا مضمونه، القول اللين في عرض الحقيقة لا في جوهرها وكنهها. يريد ناصحون من الدعاة أن يتنازلوا عن المضمون والجوهر باسم القول اللين، وأن يُخفوا الحقائق والمقررات باسم القول اللين، وأن يباركوا الفساد والانحراف والمنكر باسم القول اللين، وأن يتخاذلوا ويجبنوا ويذلوا أمام المسؤولين باسم القول اللين. وهم ظالمون لأنفسهم ولإِخوانهم ولدينهم وإسلامهم. هم ظالمون لمفهوم ومعنى القول اللين، ظالمون لموسى في فهمهم عنه التزام القول اللين. القول اللين: هو ما سبق أن أوردناه من بيان موسى ﵇ دعوتَه ورسالتَه، وتقديمه نفسه لفرعون كما بيَّن القرآن. ونأخذ معنى القول اللين وطريقة تنفيذه، من أوامر الله لمحمد ﵇، التي بلَّغها بطريقة القول اللين: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ

стр. 117

رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. ونأخذ القول اللين من ذلك المسلم الذي قال لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ اتق الله. فقال له أحدهم: أتقول هذا لأمير المؤمنين؟ فأجابه عمر: لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولاخير فينا إن لم نسمعها. ونأخذ القول اللين من الإمام سفيان الثوري ﵁ حيث بحث عنه الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور حتى لقيه في موسم الحج فقال له: لأي شيء لا تأتينا، فنستشيرك في أمرنا، فما أمرتَنا من شيء صِرنا إليه، وما نهيتنا عن شيء انتهينا عنه. فقلت له: كم أنفقت في سفرك هذا؟. قال: لا أدري، لي أمناء ووكلاء. قلت: فما عذرك غداً إذا وقفت بين يدي الله تعالى، فسألك عن ذلك؟ لكن عمر بن الخطاب ﵁ لما حج، قال لغلامه: كم

стр. 118

أنفقتَ في سفرك هذا؟ قال -: يا أمير المؤمنين ثمانية عشر ديناراً، فقال: ويحك، أجحفنا بيت مال المسلمين. ثم قال الثوري للمنصور: قال رسول الله صلى الله عليه وصلم: رُبَّ مُتَخَوِّضٍ في مال الله ومال رسول الله فيما شاءت نفسه، له النار غداً. فقال أبو عبيد الكاتب -أحد متزلفي الحاشية-: أمير المؤمنين يُستقبل بمثل هذا؟. فأجابه سفيان: اسكت. فإنما أهلك فرعونَ هامانُ، وهامانَ فرعونُ. ونأخذ القول اللين من الإمام عبد القادر الجيلاني ﵁ حيث وقف على منبر مسجده محاسباً الخليفة المقتفي لأمر الله، ومنكِراً عليه تولية يحيي بن سعيد المشهور بابن المزاحمِ الظالمِ، القضاء. فقال الجيلاني للخليفة: وَلَّيْتَ على المسلمين أظلم الظالمين، فما جوابك غداً عند رب العالمين، أرحم الراحمين، فارتعد الخليفة وعزل المذكور. ***

стр. 119

﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. قد يتوجه أحدنا إلى أحد الأشخاص يدعوه إلى الله، وُيرغبه في الإسلام، ويواصل نصحه وتذكيره ووعظه، ويحرص على هدايته واستقامته وصلاحه، ولكن هذا الشخص يقابل كل ذلك بالصد والرفض والإعراض، فيصاب الداعية بالهمّ والحزن لخسارة الشخص المدعو. وقد يَعْرض للداعية أحدهم في هذا الجو، ويعذله ويلومه -بل ويُخطئه- لما قام به، ويبين له عبث جهوده في الدعوة وضياعها، ويستشهد على كلامه بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. ومعنى هذه الآية -على حسب فهم الناصح العاذل- أنه لا فائدة من الدعوة والنصح والتذكير والبيان، وأن الناس لن يستجيبوا لذلك، لأن الله لا يريد أن يهديهم، فلماذا يُتعب الداعية نفسه معهم؟.

стр. 120

إذا ما قمت تدعو شخصاً إلى الله، يقف أمامك أحدهم ويقول لك: دَعْه، لا تَدْعُهُ، فإنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء. وقد تجلس في مجلس، وتذكر أحد العصاة المذنبين، وتعلن عن رغبتك في دعوته ونصحه وتذكيره، فيقطع عليك أحدهم رغبتك، لأنك لا تهدي من أحببت. وقد ترى أحد العصاة فتدعوه إلى الله، فيقول لك: دَعْني يا أخي ولا تَدْعُني، إنك لا تهديني، لأن هدايتي ليست بيدك بل بيد الله، والله لا يريد أن يهديني، ويحتج عليك بالآية: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾. كل هؤلاء يجعلون هذه الآية مانعةً من الدعوة إلى الله، وأمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وتقديم الهداية لهم، ويجعلونها داعية إلى القعود واعتزال الناس. وهذه أفهام خاطئة للآية، ومحرِّفة لمعناها. وحتى نعرف معنى الآية ونقوم بالفهم الصائب لها، لابد من معرفة سبب نزولها: روى مسلم في صحيحه عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرتْ أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله ﷺ ، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله ﷺ : يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله. فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب: أترغب عن ملة عبد المطلب. فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه، ويعيد له تلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملَّة عبد المطلب. وأبى أن يقول لا إله إلا الله. فقال رسول الله ﷺ : أما والله لأستغفرنَّ لك ما لم أُنْهَ

стр. 121

عنك. فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. وأنزل الله في أبي طالب، فقال لرسول الله ﷺ : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. من سبب النزول نعرف الهداية التي نفت الآية أن تكون بيد الرسول ﵇ -والدعاة من بعده- إنها هداية التوفيق للإيمان وقذفه في القلوب، وهذه لن تكون بيد البشر، بل بيد الله وحده سبحانه. أما هداية الدعوة والتبليغ، ونشر الإسلام بين الناس ونصحهم ووعظهم، فهذه بيد البشر، واجبةٌ على كل مسلم حتى قيام الساعة. وكم يعجبني كلامٌ رائعٌ للإمام الراغب الأصفهاني في كتابه الرائع: " المفردات في غريب القرآن " عن الهداية وأنواعها، وما كان منها بيد البشر وما لم يكن قال: " الهداية دلالة بلطف، ومنه الهدية ". وهداية الله تعالى للإنسان على أربعة أوجه: الأول: هداية الفطرة: وهي الهداية التي عمّ بجنسها كل مكلف، من العقل والفطنة والمعارف الضرورية. كما قال تعالى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. الثاني: هداية الدعوة: وهي التي جعلها الله عن طريق دعوتهم إليه،

стр. 122

على لسان الأنبياء والدعاة والمصلحين. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدون بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَروا وَكانوا بِآياتِنا يوقِنون﴾. الثالث: هداية التوفيق والتثبيت، التي يمنحها الله لمن اهتدى إليه، وسار في طريق الهدى، من المؤمنين الصالحين. قال تعالى: ﴿وَالذينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُم﴾. الرابع: الهداية إلى الجنة: حيث يهدي الله المؤمنين يوم القيامة، إلى منازلهم في الجنة. وهناك عندما يصلونها ويتنعَّمون فيها، يشكرون الله أن هداهم لها. ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ﴾. وهذه الهدايات الأربع مترتبة على بعضها البعض: فإن من لم تحصل له الأولى -وهي هداية الفطرة والعقل- لا تحصل له الثانية، بل لا يصحّ تكليفه. ومن لم تحصل له الثانية -هداية الدعوة- لا تحصل له الثالثة ولا الرابعة. ومن حصلت له الرابعة حصلت له الثلاث التي قبلها. ومن حصلت له الثالثة فقد حصلت له الاثنتان اللتان قبلها. وقد تنعكس. فالإنسان قد تحصل له الأولى ولا تحصل له الثانية ولا الثالثة ولا الرابعة.

стр. 123

والإنسان لا يقدر أن يهدي أحداً إلا بالدعاء وتعريف الطرق -يعني الهداية الثانية وهي هداية الدعوة- دون سائر أنواع الهدايات. وإلى هذا أشار بقوله تعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدي إِلى صِراطٍ مُسْتَقيم﴾. يعني تدعو. وقوله تعالى: ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنا﴾، يعني يدعون بأمرنا. وقوله تعالى: ﴿وَلكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾. يعني لكل قومٍ داعٍ يدعوهم إلى الله. وكل هداية ذكر الله أنه منع الظالمين والكافرين منها، فهي الهداية الثالثة، وهي التوفيق الذي يختصّ به المهتدون، والرابعة وهي الثواب في الآخرة وإدخال الجنة. وعلى هذا يُحمل قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. وكل هداية نفاها الله عن النبي ﷺ وعن البشر، وذكر أنهم غير قادرين عليها ما عدا الهداية الثانية وهي الدعوة. فالهدايات المنفيَّة عن البشر الدعاة هي الأولى -العقل والفطرة-، والثالثة -التوفيق-، والرابعة -إدخال الجنة-. فالدعاة عاجزون عن منح العقل للناس، وعاجزون عن منح التوفيق والثبات للناس، وعاجزون عن منح الجنة للناس.

стр. 124

ولكن الدعاة مطالبون بتقديم الدعوة للناس - وهي الهداية الثانية. وإلى الهدايات الثلاث المنفية عن البشر أشارت آيات من القرآن. قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلى الهُدى﴾. وقال تعالى: ﴿وَما أَنْتَ بِهادِ العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. هذه خلاصة كلام الإمام الراغب عن الهدى والهداية، أوردناه بتصرف واختصار، وهو كما نرى رائع ودقيق وصائب. بعد هذا الكلام نقرر أن الداعية لا يملك أن يمنح الإيمان للمدعوّين، أو أن يقذفه في قلوبهم، لأن هذا مما اختصَّ به الله سبحانه. وعلى هذا تحمل هذه الآية: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.

стр. 125

وكأن الله يقول للرسول ﵇ -ولكل داعيةٍ من بعده- إنك لا تستطيع أن تجعل من أحببت من البشر مؤمناً، ولا أن تُدخل الإيمان في قلبه. إن هذا الأمر بيد الله، فهو الذي يهدي للإيمان من يشاء، بمعنى أنه هو الذي يقذف الإيمان في قلب من يشاء -وفق السنن الربانية الدائمة في الهداية والإضلال، التي تقرر للإنسان الإرادة والاختيار لطريق الهدى أو طريق الضلال، وكوْن هذا الاختيار الإنساني لأحد الطريقين، موافقٌ لما في علم الله الأزلي، ومحقق لإرادة الله ومشيئته-. ولذلك فإن قلوب البشر جميعاً بيد الله، والدعاة لا يملكون أن يُكرهوا واحداً منها على الإيمان. ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾. وقال: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾. وإذا كان الدعاة لا يملكون هذا النوع من الهداية -الذي نفته عنهم آية القصص موضوع البحث- فلا يعني هذا أن يقعد الدعاة عن الدعوة، وأن يتوقفوا عن البيان والنصح والتذكير، وأن يتركوا الناس لأنهم لا يملكون هدايتهم -كما قد يفهم بعضهم خطأ- فإن البيان والنصح والتذكير واجبٌ على كل مسلم، وقد مكَّنه الله منه، وجعله في وسعه، وضمن إمكاناته واختصاصاته. وقد كثرت الآيات الصريحة التي تجعل هذا في يد الداعية. نختار منها ما يلي:

стр. 126

قال إبراهيم ﵇ لوالده: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾. وقال موسى ﵇ لفرعون: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾. وقال مؤمن آل فرعون مخاطباً فرعون وقومه: ﴿يا قَوْمِ اتَّبِعونِ أَهْدِكُمْ سَبيلَ الرشاد﴾. وقال الله لمحمد ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾. وقال تعالى عن الدّعاة الصالحين من بني إسرائيل: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾. وجعل هذا الأمر في يد كل الدّعاة الصالحين: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾. وهذا القرآن العظيم الحبيب هادٍ يهدي الآخرين. ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.

стр. 127

هذه الهداية التي جعلتها الآيات السابقة بيد الدعاة هي هداية الدعوة إلى الله، والتذكير بالحق، والدلالة على الخير، والإرشاد إلى الصواب. وهم مأجورون عندما يقومون بها، ولو لم يستجب المدعوون لهم. وهم آثمون معذَّبون إن تخلّوا عنها، بحجة أن المدعوين لم يستجيبوا لهم. أجر الدعاة على هذه الهداية، متحقق عند القيام بها، وأدائها -بصدق وإخلاص وهمة وجدِّية- وهذا الأجر معلَّق على قبول المدعوين واستجابتهم لهم. على المدعوين القيام بالخطوة التالية، وهي أن يستجيبوا للدعاة، وأن يقبلوا منهم هديتهم الدعوية لهم، وأن يهتدوا بالهدى الذي دلّوهم عليه وأرشدوهم إليه. عليهم أن يفعلوا ذلك ليكونوا من المهتدين النّاجين الفائزين. وهذا الاهتداء الذي يقومون به إنما هو لأنفسهم ولمصلحتهم. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾. بهذا البيان نقوم بالجمع والتوفيق بين الآيات المتقابلة -والتي تبدو متعارضة لذوي النظرة العجلى- وبهذا نفهم أنواع الهداية في القرآن، وما جعله في مقدور البشر منها، وما نفاه عنهم منها. وبهذا نعلم أن آية القصص -موضوع البحث- من النوع الثاني، وأن هناك آيات كثيرة من النوع الأول. ***

стр. 128

﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ أخبر الله بني إسرائيل -الذين آمنوا بموسى ﵇ على لسان نبيهم موسى أن الله قد فضَّلهم على العالمين. وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى في أكثر من آية. منها قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. ولما خرج بهم موسى ﵇ من مصر، وأنجاهم الله من فرعون، وأتوا على قوم يعكفون على أصنامٍ لهم، وطلبوا منه أن يجعل لهم صنماً كأصنام القوم، عنَّفهم موسى على ذَلك الطلب المرذول، وقال لهم -من جملة ما قال-: ﴿أَغَيْرَ اللهِ أَبْغيكمْ وَهوَ فَضلَكمْ عَلى العالَمين﴾. وقال الله تعالى عن أولئك اليهود الذين آمنوا بموسى ﵇: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾.

стр. 129

وقال عن أولئك الصالحين أيضاً: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. وقد حرَّف اليهود -كعادتهم في التحريف- معاني هذه الآيات، واعتبروها شاهدةً لنظرتهم العنصرية المتعالية، وزعموا للشعوب الأخرى أن القرآن الكريم يقرر تفضيل اليهود على العالمين، وأنهم -من ثَمَّ- شعب الله المختار، الذي سخَّر له كل الأقوام والشعوب الأخرى. وإذا جادلهم مسلمٌ، وأراد إبطال مزاعمهم وافتراءاتهم، واجهوه بهذه الآيات. وقد يُفحمون بهذه الآيات بعض المسلمين، الذين لا يعرفون معناها، ولا يفهمونها حق فهمها. بنو إسرائيل فضَّلهم الله على العالمين، نعم. هذه حقيقة لا ينكرها مسلمٌ مؤمن، لأنها وردت في صريح القرآن .. لكن أيُّ بني إسرائيل نالوا هذا التفضيل؟ وأيُّ العالمين الذين فضَّلهم الله عليهم؟ وما هي مظاهر هذا التفضيل وأسبابه؟ وما هو زمانه؟ وهل هو موقوت بزمانٍ معين، أو دائمٌ حتى قيام الساعة؟. عندما نعرف الإِجابة على هذه الأسئلة نعرف معنى تفضيلهم على العالمين. التفضيل ليس لبني إسرائيل كلهم، ليس لهم باعتبار الجنس، لأن لا محاباة عند الله، ولم يفضل الله قوماً باعتبار جنسهم وأصلهم، بل باعتبار أعمالهم وتقواهم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

стр. 130

وقد أخبر الله إبراهيم الخليل ﵇ -الذي يزعم اليهود الانتساب إليه- بهذا: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. وطالما أن الله لم يفضل قوماً لأصلهم وجنسهم، فإن الله فضل بني إسرائيل بسبب إيمانهم بالله، واتباعهم لرسله، وعملهم الصالحات. وقد وردت آياتٌ تقرر هذا المعنى: قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. ثم إن تفضيل بني إسرائيل كان على عالمي زمانهم، وهم الأقباط والفراعنة المصريون، والكنعانيون وغيرهم من سكان فلسطين. وهؤلاؤ كان كافرين وثنيين، بينما كان بنو إسرائيل موحِّدين، ومن الطبيعي أن يفضل الله المؤمن الموحد على الكافر الوثني. ولهذا أنجاهم الله من الفراعنة، وأغرق الله فرعون وقومه، ونصرهم على القبائل الكافرة في بلاد الشام. ماذا فعل اليهود بعد ذلك؟ كفروا بالله، وعصوا رسله، وقتلوا أنبياءه، وحرفوا كتبه، ونقضوا عهدهم معه، فبدل الله تفضيله لهم إلى غضبه عليهم، وأحل بهم سخطه ولعنته.

стр. 131

قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرْضِ أُمَمًا﴾. وقال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ﴾. هذه هي الآيات التي تنطبق على اليهود في هذا الزمان. إنهم كافرون، معتدون بغاةٌ، ظالمون، وكيف يُفضل الله من هذه صفاتهم على العالمين؟. وحتى يكون كلامنا صحيحاً مقبولاً، وحتى يكون متوافقاً مع توجيهات آيات القرآن نورد هاتين الآيتين من سورة المائدة: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾. فضَّلهم الله على العالمين بشرط أن يكونوا مؤمنين صالحين، والله معهم

стр. 132

بشرط أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويؤمنوا برسل الله وينصروهم، ويقرضوا الله قرضاً حسناً. فإذا أخلُّوا بهذه الشروط أزال الله عنهم تفضيله لهم، وهذا ما حصل عملياً منهم. ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾. إن اليهود الآن غيرُ مفضّلين على العالمين، وليسوا شعب الله المختار، وإنما هم محل غضب الله ولعنته وسخطه وعذابه، أوقع بهم الذلة والتشريد، وقطعهم في الأرض أمماً، وتأذّن ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب، وألقى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، هؤلاء هم يهود، وهذا رصيدهم في الحياة، وهذه منزلتهم عند الله. ***

стр. 133

﴿الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ أمر موسى ﵇ قومه بدخول الأرض المقدسة بقوله: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. ولكنهم جبنوا عن الجهاد، وعجزوا عن دخولها، وأخبروا نبيهم أنهم لن يدخلوها ما دام القوم الجبارون فيها، وطلبوا منه أن يذهب هو وربه يقاتلان الأعداء، فإذا حرَّراها دخلوها. فقدَّر الله عليهم أن يتيهوا في الصحراء أربعين سنة. والمراد بالأرض المقدسة فلسطين وما جاورها، أو بلاد الشام على الأصح، وأقام بنو إسرائيل في فلسطين ما شاء الله لهم أن يقيموا، ثم ارتكبوا من الجرائم والقبائح ما ارتكبوا، وأحلّ الله عليهم لعنته وسخطه وغضبه، وكتب عليهم الذلة والمسكنة والتشريد في بقاع الأرض، وسلّط عليهم الآخرين، الذين أخرجوهم من الأرض المقدسة وشتّتوهم في العالم. وبقي اليهود في " أرض الشتات " ينظرون إلى الأرض المقدسة التي سموها: " أرض الميعاد "، ويحنّون إليها، ويتطلعون إلى العودة إليها، ويعدّون العدّة لاحتلالها والإقامة فيها.

стр. 134

ونجحوا -في هذا العصر- في تحقيق ذلك، في غفلة من المسلمين الذين تركوا دين الله، فاستحقوا سخطه وغضبه، وهزمهم اليهود في الحروب، وأقاموا كيانهم في الأرض المقدسة. وصاروا يقنعون الآخرين على أنهم أصحاب حق في البلاد، وأنهم ينفِّذون الوعد الذي أعطاه الله لهم، وأن الله كتب هذه الأرض المقدسة لهم، وقرر أن تبقى لهم إلى قيام الساعة. وأوردوا هذه الآية دليلاً على ما يقولون، وجعلوها شاهدة على ما يزعمون، إنها تقرر أن الله كتب لهم الأرض المقدسة، فلماذا يحال بينهم وبينها؟. وقد يُخدع بعضهم بكلام اليهود، ويصدقون تفسيرهم لهذه الآية، ويسلمون لهم بالحق المطلق في الأرض المقدّسة!!. فما معنى الآية؟ وما هو الفهم السليم لها؟. نقول إن الله قد كتب لهم الأرض المقدسة، هذا صحيح. لكنها ليست كتابةً دائمة حتى قيام الساعة، وإنما هي كتابة موقوتة. كتبها لهم عندما كانوا مؤمنين موحدين صالحين، وكان الآخرون الذين فيها كافرين وثنيين، إن المؤمنين أوْلى من الكافرين بتملُّك البلاد والإقامة فيها، فكيف الأرض المقدسة فلسطين؟. وحقق الله لليهود هذا الوعد. ودخلوا الأرض المقدسة بقيادة العبد الصالح " يوشع بن نون "، وأقاموا فيها دولةً إسلاميةً إيمانيةً مزدهرة، بلغت أوْج تقدمها أثناء حكم داود وابنه سليمان ﵉ .. ثم خرجت يهود عن الشرع الرباني، وارتكبت من المعاصي والجرائم ما ارتكبت، واستجلبت بذلك غضب الله وسخطه ولعنته وعذابه، وفقدت

стр. 135

بذلك حق تملك الأرض المقدّسة والإقامة فيها، فكتب الله عليها الذل والضياع والتشريد في الأرض. إذن كتب الله ليهود الأرض المقدسة كتابةً خاصةً بشروط، فلما فقدوا الشروط فقدوا كحق فيها، وكانت كتابةً موقوتةً بزمان، حيث كانوا مؤمنين وسط أقوام من الكافرين، لكنهم بعد ذلك أصبحوا كافرين بجانب قوم مؤمنين، حيث أخرج الله للناس الأمة الإسلامية، أمة الخلافة والوراثة، وأورث الله هذه الأمة الجديدة الأرض، وجعلها هي صاحبة الحق في الأرض المقدسة. لهذا نقرر أنه منذ فتوح المسلمين لبلاد الشام وحكمها بالإسلام، أصبحوا هم أصحاب الحق في الأرض المقدسة، وفَقَدَ اليهود أيّ حقٍ فيها لأنهم كفروا وطغوا وبغوا. وقد وردت آياتٌ صريحةٌ في القرآن، تقرر هذه الحقيقة: إن القوم يستحقون الأرض ويرثونها ما داموا مؤمنين، فإذا كفروا فقدوا الحق فيها، حيث يورثها الله لمؤمنين آخرين. فالوراثة -وراثة الأرض والدين- تقوم على الدين والإيمان، وليس على التاريخ والنسب والإقامة. وقد وضَّح موسى ﵇ هذه الحقيقة لقومه عندما كانوا مضطَّهَدين معذَّبين عند فرعون: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. ولهذا عندما كانوا مؤمنين صالحين أراد الله أن يجعلهم وارثين للآخرين. قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ

стр. 136

وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ في الْأرْضِ﴾. ولهذا أغرق الله فرعون، وأورث بني إسرائيل -المؤمنين الصالحين- الأرض: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. بهذه الشروط ورث اليهود البلاد، ولهذه الأسباب كتب الله لهم الأرض المقدسة، وقد وردت آية تشير إلى سنة ربانية لا تتخلف في موضوع الأرض ووراثتها. وقد أبلغ الله بني إسرائيل هذه السنّة، على لسان نبيهم داود ﵇. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾. أخبر الله اليهود بهذه السنة الربانية حول الأرض ووراثتها، في أوج قوة دولتهم، وقمة تقدمهم وتممكينهم في الأرض المقدسة. إن الأرض -ومنها الأرض المقدّسة- لكم إذا كنتم صالحين عابدين لله، فإذا خالفتم هذا العهد فلا حقَّ لكم فيها، وسوف يأتي الله بقومٍ عابدين صالحين، ليورثهم إياها. وجاء الله بقومٍ عابدين صالحين هم المسلمون، وأورثهم ما كان يملكه اليهود، سواءٌ في المدينة وما حولها، أو بلاد الشام ومدنها. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ

стр. 137

وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾. بعد هذا البيان القرآني نخرج بنتيجة: وراثة الأرض على أساسٍ إيمانيٍّ إسلامي، فالأرض المقدسة كانت لليهود، فلما كفروا فقدوا أيَّ حقٍّ لهم فيها، وأورثها الله للمسلمين، وجعلها لهم حتى قيام الساعة. ***

стр. 138

﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا ... ﴾ قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. تشير هذه الآية إلى شدة عداوة اليهود للذين آمنوا، وتقرنهم في هذه العداوة مع المشركين. كما تشير إلى فئة من النصارى هي أقرب الفئات للمؤمنين، وأن هذه الفئة منها القسيسين والرهبان. لكن مَنْ هي هذه الفئة التي مدحتها الآية؟ وعلى من تنطبق؟. يتدخل هنا النصارى -وبخاصة قساوستهم ورهبانهم- ليموِّهوا على المسلمين ويخدعوهم، ويقدموا لهم فهماً محرَّفاً مغلوطاً للآية، فيزعمون أنها تعنيهم وتشير إليهم وتنطبق عليهم. كم سمع المسلمون -أو قرأوا- لراهبٍ أو خوري أو نصراني عادي، وهو يقدم التفسير المشوه المحرف للآية، عندما يطبقها على نصارى هذا الزمان.

стр. 139

النصارى العرب الذين يزعمون أنهم يكنون للمسلمين العرب كل المودة والرحمة والبر والإحسان. والعجيب هو أن يسمع المسلمون -أو يقرأوا- هذا الكلام الخاطئ والتفسير المغلوط من مسلمٍ يزعم أنه يخدم دينه وأمته. ويزداد هذا العجب إذا صدر هذا الكلام عن بعض حملة العلم من المسلمين، ممن يحملون شهاداتٍ علمية عليا، ويتزيَّوْن بأزياء العلماء التقليدية، ويشغلون مراكز إسلامية رسمية حكومية رفيعة. لكن ماذا نقول لعصر التزوير والتحريف والتبديل والتغيير الذي نعيش فيه؟ والذي عدا على هذا الدين فيه، كل عدوٍ أو حاقدٍ أو جاهلٍ أو مغرضٍ، أو تاجرٍ بدينه، متقربٍ للظالمين والكافرين، وتوجّه هؤلاء للقرآن والإسلام محرفين مزورين. إن الآية تقرر أن هناك فئةً من النصارى هي أقرب الناس مودة للذين آمنوا. وهذه الفئة لها ملامح وسماتٌ خاصة، ذكرتْها آياتٌ أخرى بعدها. فلا بد من قراءة الآيات مجتمعة، والخروج بفهمٍ دقيقٍ لها. وحتى يكون الفهم صائباً لا بد من الوقوف على سبب نزول تلك الآيات. نورد أولاً الآيات الأخرى المكملة لملامح النصارى الممدوحين فيها: قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤)

стр. 140

فَأَثَابَهُمُ اللهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. إن النّصارى الذين تُثني عليهم الآيات هم الذين قالوا إنا نصارى، وهم القساوسة والرهبان، الذين لا يستكبرون، الذين يفتحون آذانهم لسماع القرآن، الذي نزل على رسول الله ﷺ ، وعندما يسمعون القرآن يعرفون أنه الحق من الله، ونتيجةً لهذا نرى أعينهم تفيض من الدمع. وهم يختمون هذه الخطوات بالخطوة الأخيرة ويحققون الثمرة الطبيعية، والنتيجة المنطقية لما سبق، فيستسلمون لربّ العالمين استسلاماً عملياً، ويدخلون في الإسلام، ويقولون: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾. إنهم يصبحون مسلمين، متبعين للرسول محمد ﷺ ، وبهذا يأخذون نصيبهم من رحمة الله ونعيمه وثوابه: ﴿اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾. فهل النصارى الذين يستشهدون بهذه الآيات -على أنها تمدحهم وتُثني عليهم، وتعتبرهم من أقرب الناس مودةً للمؤمنين- يحققون في حياتهم شروطها، ويتصفون بالصفات التي تقررها؟. لا بد أن يفعلوا ما توضحه الآيات، وأن يخطوا كل ما تحدِّده من خطوات: ١ - أن يكونوا متواضعين غير مستكبرين.

стр. 141

٢ - أن يحرصوا على الاستماع إلى القرآن النازل على رسول الله ﷺ . ٣ - أن يعرفوا أنه الحق، وأن يوقنوا بأنه من عند الله. ٤ - أن تفيض أعينهم من الدمع تأثراً وخشوعاً. ٥ - أن يدخلوا في الإسلام قائلين: ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين. فإذا لم يقوموا بهذه الخطوات -وبخاصة الخطوة الخامسة والأخيرة منها- فلا يجوز لهم التحريف والتغيير لمعاني الآيات، ولا التلاعب فيها والتمويه على المسلمين. وقد أجمع العلماء على أن الآيات نزلت بشأن مجموعةٍ معينةٍ من النصارى، اتبعوا رسول الله ﷺ ، ودخلوا في دين الإسلام. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في هجرة الصحابة إلى الحبشة بقيادة جعفر بن أبي طالب ﵁ وبعث قريش وفداً إلى النجاشي ليستعدوه على المهاجرين ويعيدوهم إلى مكة، وطلب النجاشي للمسلمين المقابلة: فلما دخلوا عليه سلّموا، فقال الرهط من المشركين: ألم تر أيها الملك، إنا صَدَقناك، إنهم لم يحيوك بتحيتك التي تُحَيِّي بها؟ فقال لهم: ما يمنعكم أن تحيوني بتحيتي؟ قالوا: إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة، فقال لهم: ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه؟ قالوا: يقول: عبد الله ورسوله، وكلمةٌ من الله، وروحٌ منه، ألقاها إلى مريم. ويقول في مريم: إنها العذراء الطيبة البتول. فأخذ عوداً من الأرض فقال: ما زاد عيسى على ما قال صاحبكم هذا العود. فكره المشركون قوله، وتغيَّر لون وجوههم. فقال: هل تقرأون شيئاً مما أُنزل عليكم؟ قالوا: نعم. قال: فاقرأوا. وحوله القسيسون والرهبان وسائر النصارى. فجعلت طائفة منهم كلما قرأوا آية

стр. 142

انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق. فأنزل الله هذه الآيات .. وأخرج النسائي وابن جرير عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه. وقال عطاء: هم ناس من الحبشة، آمنوا إذ جاءهم المهاجرون. وقال سعيد بن جبير: هم رسل النجاشي، الذين أرسلهم إلى رسول الله ﷺ ، بخبر إسلامه وإسلام قومه. وقال قتادة: هم أناس من أهل الكتاب، كانوا على شريعةٍ من الحق مما جاء به عيسى ﵇، يؤمنون به وينتهون إليه. فلما بعث الله محمداً ﷺ صدّقوه وآمنوا به، وعرفوا ما جاء به من الحق أنه من عند الله، فأثنى عليهم بما تسمعون. وحول حقيقة هؤلاء النصارى الصالحين، نورد مقتطفاتٍ من كلامٍ رائعٍ للإمام الشهيد سيد قطب في الظلال: ومع أن متابعة مجموع الآيات، لا تدع مجالاً للشك في أنها تصور حالةً معينةً، هي التي ينطبق عليها هذا التقرير المعين. فإن الكثيرين يخطئون فهم مدلولها، ويجعلون منها مادةً للتميع المؤذي، في تقدير المسلمين لموقفهم من المعسكرات المختلفة، وموقف هذه المعسكرات منهم. وبعد أن يبين ملامح النصارى المعنيين بالآيات يقول: وليس كل من قالوا: إنهم نصارى إذن داخلين في ذلك الحكم ﴿وَلَتَجِدَنً أَقْرَبَهُمْ مَوَدًةً لِلذينَ آمَنوا﴾ كما يحاول أن يقول من يقتطعون آيات القرآن دون تمامها. إنما هذا الحكم مقصورٌ على حالةٍ معينة، لم يَدع السياق القرآني أمرها

стр. 143

غامضاً، ولا ملامحها مجهولة، ولا موقفها متلبساً بموقف سواها في كثير ولا قليل. ثم يقول: هذا ما ينبغي أن يعيه الواعون اليوم وغداً. فلا ينساقوا وراء حركات التمييع الخادعة أو المخدوعة، التي تنظر إلى أوائل مثل هذا النص القرآني، دون متابعةٍ لبقيّته، ودون متابعةٍ لسياق السورة كله، ودون متابعةٍ لتقريرات القرآن عامة، ودون متابعةٍ للواقع التاريخي الذي يصدِّق ذلك كله. ***

стр. 144

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾ وردت آياتٌ من القرآن ذكرت أصحاب الديانات السماويّة السابقة، وقرنتهم مع المسلمين. ومن هذه الآيات: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. وقد احتجَّ أصحاب الديانات السابقة بهذه الآيات على أنهم على حق، وأنهم مقبولون عند الله، وأنهم في الجنة مع المسلمين. وحجّتهم على ذلك

стр. 145

هي، ذكرُهم مع المؤمنين، والثناءُ عليهم بأنهم آمنوا بالله واليوم الآخر، وتقرير أن لهم أجرهم عند ربهم، وأنهم لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون. وهذا الفهم خاطئٌ ومغلوط بلا شك، ويتعارض مع آياتٍ أخرى، صريحة في عدم قبول دينهم منهم، وكونهم كافرين خالدين في النار. كما أن هذه الآيات لا تدل على هذا الفهم، ولا توحي به. إن اليهود والنصارى عندما يستخرجون من الآيات هذا المعنى الباطل، إنما يقومون بعملية خبيثة، من الخداع والتزوير والتحريف والتمويه والتمييع. إن الآيات السابقة لا تعني قبول أديان أصحاب الديانات السابقة -اليهود والنصارى والصابئة- بعد مجيء الإسلام، لأنها منسوخة بالإسلام، ولا تعني قبول تديُّن وعبادة وعمل السابقين -بعد مجيء الإسلام- لأنهم يعبدون الله على دين منسوخ. وإنما تعني قبول هؤلاء، واعتبارهم ناجين من أهل الجنة وفق شروط لابد من توفرها: إنهم لا بد أن يؤمنوا بالله واليوم الآخر حق الإيمان، ومن لوازم الإيمان بالله، الإيمان بكل كتب الله -ومنها القرآن- والإيمان بكل رسل الله -ومنهم محمد ﵊ فكل من لم يؤمن بالقرآن على أنه كلام الله لم يؤمن باللهِ حق الإيمان، وكل من لم يؤمن بأن محمداً رسول الله لم يؤمن باللهِ حق الإيمان. فهل اليهود والنصارى الآن يؤمنون بالقرآن وبمحمد ﵊؟؟. ثم اشترطت الآيات أن يكون العمل صالحاً، حتى يكون مقبولاً عند الله، ولن يكون العمل صالحاً إلا إذا كان كما يريد الله، ووفق ما بيَّنه في الدين الأخير والشريعة الخاتمة، أما من عمل عملاً وفق دين سابقٍ منسوخ، فلن يكون صالحاً ولا مقبولاً منه. إن اليهود والنصارى الآن لا يؤمنون بالله كما يريد الله، ولا يعملون العمل الصالح كما بيَّنه الله، ولذلك لا تعنيهم هذه الآيات.
следующие страницы →