وهاتان الآيتان -وأشباههما- تنطبقان على مسلمين معاصرين، حرَّفوا مفاهيم القرآن، وقسَّموه إلى أقسام، آمنوا ببعضها وكفروا ببعض، وقرطسوا القرآن، فأخفوا بعض موضوعاته التي لا تُرضي الظالمين والمعتدين، وأظهروا بعضها مما يوافق هواهم ومزاجهم.
لا يريد هؤلاء المحرِّفون -ولا أسيادهم من الظالمين- بيان مدلولات الآيات ذات الأبعاد السياسية والاجتماعية أو الاقتصادية، تلك التي تتحدث عن الجهاد، وتحدِّد الصلة بالأعداء، وتتكلم عن السلم والحرب، والعزة والذلة، والحكم والتشريع، والألوهية والحاكمية.
لا مانع عند هؤلاء -وأسيادهم من الظالمين- سماع وإسماع وتفسير الآيات، التي تتحدث عن الثواب والعقاب والجنة والنار، والصلاة والزكاة، والذكر والصوم والحج.
قرطسوا القرآن، فأظهروا بعضه، وأخفوا الكثير من معانيه. وجزَّءوا القرآن، فآمنوا ببعضه، وكفروا بالكثير من معانيه.
وطُمِس على قلوب هؤلاء وبصائرهم، ووصلت الفتن إلى قلوبهم وسيطرت عليها، وأصبحوا يتحركون بقلوب مفتوفة، لا تعرف معروفاً ولا تنكر منكراً، إلا ما يوافق مزاجها وهواها وشهواتها.
أصبح الواحد من هؤلاء، كما قال رسول الله ﷺ ، فيما رواه عنه حذيفة بن اليمان ﵁: " لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً، إلا ما أُشْرب من هواه " (١).
...
стр. 72
نماذج لآيات حرَّفوا معناها: تصويبات في مفاهيم
لقد ساءنا تحريف المحرِّفين لمعاني كلام رب العالمين، وللنتائج الخاطئة التي خرجوا بها منها، والأحكام الباطلة التي بنوها عليها، كما أزعجنا ازدياد نسبة هذه التحريفات في هذا الزمان، وشمولها لآيات ذات أبعاد شتى، سياسية واجتماعية واقتصادية وعلمية.
وقد قرأنا عن مفاهيم لبعضهم زعموها قرآنية مستمدة من القرآن، كما سمعنا كلاماً كثيراً أورد فيه أصحابه مفاهيم ومعاني زعموها قرآنية، مستمدَّة من آيات معينة، وقَبِل بعض الناس بهذا التحريف، وهذه النتائج والمفاهيم.
وحرصاً منّا على بقاء مفاهيم القرآن كما هي في كتاب الله، وعلى الفهم الصحيح لآيات القرآن، وقياماً منّا بواجب الحراسة على حسن الفهم للقرآن، وواجب الدعوة إلى الله والنصح للمسلمين، وواجب تقديم العلم الذي نراه نافعاً للآخرين، فإننا سنورد نماذج حرَّفوها، واستنبطوا منها أحكاماً ومفاهيم زعموها قرآنية.
سنورد الآية، ثم نذكر ما استنبطه منها هؤلاء، ووجه استدلالهم بها، حتى نقرر حجتهم ونورد شواهدهم -من باب العلمية والمنهجية والموضوعية- ثم نبين المعنى الصحيح الذي تدل عليه الآية، كما هو مستمدّ منها نفسها، ومن السياق الذي وردت فيه، ومن بيان القرآن لحقائقها في
стр. 73
الآيات الأخرى، ومن فهم الرسول ﵊ والصحابة لها -إن صح النقل عنهم في ذلك-.
ومن الله نستمدّ العون والتوفيق والفهم والسداد، وإليه وحده نتوجه بهذا العمل، راجين مرضاته وثوابه:
***
стр. 74
﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
هذه آيةٌ كريمةٌ، اعتمد عليها الكسالى والقاعدون والمقصرون والجبناء في عدم القيام بواجب الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. واعتبروها تقدم لهم عذراً في القعود، ورخصةً في عدم القيام بالواجب، و" فتوى " قرآنية تبرِّر لهم ما هم فيه!
معنى الآية عند هؤلاء المحرِّفين: إنها تجيز لكل مسلم أن يعود إلى نفسه وأن يلزمها بالطاعة والعبادة والذكر. وأن يبتعد هو عن المحرمات والمعاصي.
فإذا فعل هذا فقد أدّى الواجب الذي يريده الله منه. ولا يجب عليه -بل غير مطلوب منه- أن يدعو الآخرين إلى الله، وأن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر. إن الآية تقول لكل مسلم: عليك نفسك، أصلحها وأبعدها عن المعاصي، ودع غيرك ولا تَدْعُه إلى الله، وهو لا يضرك، ولا يؤثر عليك بضلاله، ألستَ عابداً؟ ألست تاركاً للمعاصي؟ إذن أنت مهتد، ولو لم تخاطب الآخرين.
стр. 75
هذا فهم خاطئ لمعنى الآية، بل قَلْبٌ له، وإتيانٌ بعكسه. وفي هذه المناسبة نقول:
قد يقعد بعض المسلمين عن أداء الواجب، وقد يفرِّطون في بعض الأوامر، وقد يرتكبون بعض المحظورات، وهذا حرام، وفيه إثمٌ ووعيدٌ بالعذاب. لكن الذي يكون إثمه مضاعفاً، وجريمته مزدوجة، وعذابه شديداً أليماً يوم القيامة، هو ذلك الذي يفلسف قعوده عن أداء الواجب، ويبرر مخالفته للأوامر، ويتبجح في ارتكاب الحرام، و " يتعالم " على الإِسلام والقرآن، ويسند مخالفته بآياتٍ من القرآن يحرف معناها، ويلوي أعناقها. إنه يجمع بين الجريمتين: جريمة المخالفة وجريمة التحريف، ويجني إثمين: إثم الخطأ وإثم الافتراء.
ونقدم فيما يلي طائفة من أقوال السلف الصالح في معنى الآية، ونُتْبع ذلك بنظراتٍ لنا فيها بعون الله.
أخرج أصحاب السنن عن قيس بن أبي حازم قال: صعد أبو بكر منبر رسول الله ﷺ ، فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: أيها الناس: إنكم تقرأون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. وإنكم تضعونها على غير موضعها. وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الناس إذا رأوا المنكر، ولم يغيِّروه أوشك أن يعمَّهم الله بعقاب ".
وفي روايةٍ أخرى أخرجها ابن جرير الطبري، عن خطبة أبي بكر قال: أيها الناس: إنكم لتتلون آية من كتاب الله، وتَعُدّونها رخصة، واللهِ ما أنزل الله في كتابه أشدّ منها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. والله لتأمُرنَّ بالمعروف ولتنهَونَّ عن المنكر أو ليعمَّنَكم الله منه بعقاب.
стр. 76
وأخرج الترمذي وابن ماجه عن أبي أمية الشَّعباني قال: أتيت أبا ثعلبة
الخشني ﵁ فقلت له: ما تصنع في هذه الآية؟ قال: أية آية؟ قال:
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، قال: أما والله لقد سألتَ عنها خبيراً. لقد سالتُ عنها رسول الله
ﷺ فقال: " بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوىً متبعاً، ودنيا مُؤثَرَة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العوام، فإن مِنْ ورائكم أيام الصبر، الصابر فيهن مثلُ القابض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً، يعملون مثل عملكم ".
وأخرج أحمد عن أبي عامر الأشعري أنه كان فيهم شيء، فاحتبس على رسول الله صلى الله وسلم، ثم أتاه .. فقال: ما حبسك؟ قال: يا رسول الله: قرأتُ هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، فقال له النبي ﷺ : " أين ذهبتم؟ إنما هي لا يضركم من ضل من الكفار إذا اهتديتم ".
وأخرج ابن جرير وآخرون عن أبي العالية: قال: كانوا عند عبد الله بن مسعود، فوقع بين رجلين ما يكون بين الناس، حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه، فقال رجل من جلساء عبد الله: أَلا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر؟، فقال آخر إلى جانبه: عليك نفسك، فإن الله تعالى يقول: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، فسمعها ابن مسعود فقال: مَهْ! لم يجئ تأويل هذه الآية بعد. إن القرآن أُنزل حيث أُنزل، ومنه آيٌ يقع تأويلهن عند الساعة، ما ذُكر من أمر الساعة، ومنه آيٌ يقع تأويلهن عند الحساب، ما ذُكر من أمر الحساب والجنة والنار، فما دامت قلوبكم واحدة، وأهواؤكم واحدة، ولم تُلْبَسوا شيعاً، فلم يذق بعضكم بأس بعض، فمُروا وانهوا، فإذا اختلفت القلوب والأهواء،
стр. 77
وأُلْبستم شيعاً، وذاق بعضكم بأس بعض، فكل امرئ ونفسَه، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية.
وأخرج ابن جرير عن جبير بن نفير قال: كنت في حلقة فيها أصحاب النبي ﷺ ، وإني لأصغر القوم، فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقلت: أليس الله يقول: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، فأقبلوا عليَّ بلسانٍ واحدٍ، فقالوا: أتنزع آية من كتاب الله لا تعرفها ولا تدري ما تأويلها؟ حتى تمنيت أني لم أكن تكلمت، ثم أقبلوا يتحدثون. فلما حضر قيامهم قالوا: إنك غلام حَدَث السن، وإنك نزعت آية لا تدري ما هي. وعسى أن تدرك ذلك الزمان: إذا رأيت شحاً ومطاعاً، وهوًى متبعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، لا يضرك من ضلَّ إذا اهتديت.
وأخرج ابن مردويه عن أبي بكر الصدّيق قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما ترك قؤمٌ الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بذل، ولا أقرَّ قوم المنكر بين أظهرهم إلا عمَّهم الله بعقاب، وما بينكم وبين أن يعمكم الله بعقاب من عنده، إلا أن تَأَوّلوا هذه الآية، على غير أمر بمعروف ولا نهي عن منكر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾.
وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل أنه قال:
يا رسول الله: أخبرني عن قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، قال: يا معاذ: " مروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، فإذا رأيتم شحاً مطاعاً، وهوًى متبعاً، وإعجاب كل امرئ برأيه، فعَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يضركم ضلالة غيركم، فإن من ورائكم أيام صبر، المتمسك فيها بدينه مثل القابض على الجمر، للعامل منهم يومئذ
стр. 78
مثل عمل أحدكم اليوم، كأجر خمسين منكم ". قلت: يا رسول الله: خمسين منهم؟ قال: " بل خمسين منكم أنتم ".
وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: ذكرتُ هذه الآية عند رسول الله ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، فقال نبي الله ﷺ : " لم يجئ تأويلها، لا يجيء تأويلها حتى يهبط عيسى ابن مريم ﵇ ".
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، يقول: إذا ما أطاعني فيما أمرته من الحلال والحرام، فلا يضره من ضل بعده، إذا عمل بما أمرته به.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير أنه سئل عن هذه الآية فقال: نزلت في أهل الكتاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾ من أهل الكتاب ﴿إِذا اهْتَدَيْتُمْ﴾.
وأخرج ابن جرير عن حذيفة بن اليمان في قوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ إذا أَمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، قال: إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، لا يضرك من
ضلَّ إذا اهتديت.
وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه تلا هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، فقال: الحمد لله بها، والحمد لله عليها، ما كان مؤمن فيما مضى، ولا مؤمن فيما بقي، إلا وإلى جانبه منافق يكره عمله.
стр. 79
وقد عقب الإمام ابن جرير الطبري على الأقوال التي أوردها في معنى الآية تعقيباً لطيفاً، ورجَّح منها القول الذي قال به الصحابة والتابعون وجمهور العلماء.
قال: وأوْلى هذه الأقوال وأصحّ التأويلات عندنا، ما رُوي عن أبي بكر الصديق، وكأنه يقول: إنه لا يضركم ضلال من ضل، إذا أنتم لزمتم العمل بطاعة الله، وأدَّيتم فيمن ضل من الناس ما ألزمكم الله به فيه، من فرض الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر الذي يركبه أو يحاول ركوبه، والأخذ على يديه إذا رام ظلماً لمسلم أو معاهد ومنعه منه، فأبى النزوع عن ذلك، ولا ضير عليكم في تماديه في غيِّه وضلاله.
وإنما كان هذا أوْلى التأويلات بالصواب: لأن الله أمر المؤمنين أن يقوموا بالقسط، ويتعاونوا على البرّ والتقوى. ومن القيام بالقسط الأخذُ على يدي الظالم. ومن التعاون على البرّ والتقوى الأمر بالمعروف. وهذا مع ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ ، من أمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو كان للناس تَرْكُ ذلك لم يكن للأمر به معنى.
وعلى هذا يدخل في معنى الآية ما قاله حذيفة وسعيد بن المسيب: إذا اهتديتم: إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر. ومعنى ما رواه أبو ثعلبة الخشني عن رسول الله ﷺ .
أما الإمام فخر الدين الرازي، فقد ردَّ ما قد يفهمه البعض من الآية، أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير واجبين، وأنها تقدِّم رخصة للناس في تركهما:
стр. 80
١ - إن الآية لا تدل على ذلك، بل إنّ المطيع لربِّه لا يكون مؤاخَذاً بذنوب العاصي، أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فثابت بالروايات في تفسير الآية.
٢ - قال الإمام عبد الله بن المبارك: هذه أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه قال: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ: يعني عليكم أهل دينكم. ولا يضركم من ضل من الكفار. وهذا كقوله: ﴿فاقتلوا أنفسكم﴾، يعنى أهل دينكم. فقوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، يعني بأن يعظ بعضكم بعضاً، ويرغِّب بعضكم بعضاً في الخيرات، وينفره عن القبائح والسيئات. والذي يؤكد ذلك ما بينّا أنّ قوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ معناه: احفظوا أنفسكم، فكان ذلك أمراً بأن نحفظ أنفسنا، فإن لم يكن ذلك الحفظ إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كان ذلك واجباً.
٣ - ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾: من أداء الواجبات التي من جملتها الأمر بالمعروف عند القدرة، فإن لم يقبلوا ذلك فلا ينبغي أن تستوحشوا، فإنكم خرجتم من عهدة تكليفكم، فلا يضركم ضلال غيركم.
٤ - أنه تعالى قال لرسوله: ﴿فَقاتِلْ في سَبيلِ اللهِ لاتكَلَّفُ إِلا نَفْسَك﴾، وذلك لا يدل على سقوط الأمر بالمعروف عن الرسول ﷺ ، فكذا ههنا.
من هذه الروايات التي نقلناها، والأقوال التي أوردناها في معنى الآية، يتبين لنا أنها لا تقدم رخصةً في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما هي تدل على وجوبه على المسلمين. هذا ما وضَّحه الرسول ﷺ -
стр. 81
وسلم من معناها، وهذا ما وضَّحه الصحابة والتابعون والعلماء، وصحَّحوا للمسلمين الخطأ الذي وقعوا فيه حولها، وصوَّبوا لهم فهمهم لها.
وإذا كان مسلمون من أهل هذا الزمان، يعتبرون هذه الآية رخصةً لهم في القعود عن الواجب، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله، فإننا نقدم هذه الروايات عن السابقين، والتصويبات التي قدَّموها للآخرين في فهمها، هديةً لهؤلاء، ليعرفوا كيف يفهمون القرآن ويتدبَّرون
آياته.
إن هذه الآية أشد آيةٍ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -كما نقلنا قول أبي بكر الصديق ﵁ وإنها أوكد آية في هذا الموضوع، كما نقلنا قول عبد الله بن المبارك ﵁.
١ - نفهم من الآية، أنها تطالبنا العمل في مجالين، وتطلب أن يكون هذا العمل على مرحلتين.
تأمرنا بالعمل في المجال الخاص: وهو الإقبال على النفس بالتربية والإصلاح، لتستقيم على الطاعة وتبتعد عن المعصية.
ثم تأمرنا بالعمل في المجال العام، وهو الإقبال على الآخرين، ووعظهم ونصحهم وتذكيرهم بالله، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.
وتجعل من كل مجال منهما مرحلة: المرحلة الأولى هي العمل في المجال الخاص، مجال التربية والإعداد والتكوين، وأخْذ النفوس بهذا الدين، وإلزامها بتوجيهاته كاملة.
والمرحلة الثانيةُ: هي المبنية على الأولى والمكملة لها: وهي العمل في المجال العام والتوجه إلى الناس، ودعوتهم إلى الله، والقيام بواجب الأمر والنهي بينهم.
стр. 82
إنه لا بد من أداء الواجب في المجالين، وتحقيق كل من المرحلتين.
٢ - وتقرر الآية أن ضلال الآخرين لن يضرنا إذا اهتدينا، ولكن الاهتداء لن يتحقق إلا إذا حملنا الإسلام كاملاً وطبقنا أوامره وتوجيهاته، ومن ضمنها الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا لم يتحقق هذا عملياً، فإن الاهتداء لن يتحقق. كما قرر حذيفة وسعيد بن المسيب وغيرهما.
٣ - وحتى لو كانت الآية تدل على الإِقبال على نفوسنا بالتربية والطاعة والعبادة، فإنها لا تعني ترك الآخرين وإهمالهم. لأننا نفهم من قرآننا وإسلامنا أن إصلاح النفس وتهذيبها وتربيتها، لا يتحقق إلا من خلال فى عوة الآخرين ونصحهم. لأن الإنسان لا يعيش معتزلاً في رأس جبل، وإنما هو في مجتمع الآخرين، فإذا ترك الآخرين ومعاصيهم وانحرافاتهم، فإنهم -هم وذنوبهم- سيؤثرون عليه، وعلى خطته التربوية وأسرته وأولاده. ولهذا يكون من لوازم التربية الفردية في قوله ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ لاتصال بالآخرين وتربيتهم ليتحقق المراد.
٤ - ويعجبني قول ابن المبارك في معنى ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني عليكم أهل دينكم، فلا يضركم كفر الكافرين، طالما أنتم أمة مسلمة على طاعة الله، ولن يتحقق هذا إلا بالأمر والنهي والدعوة.
***
стр. 83
﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾
قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
يعتمد بعض المسلمين على مقطع من هذه الآية يبرِّرون به قعودهم عن أداء الواجب. ألا هو: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
هذه العبارة القرآنية رخصةٌ لهؤلاء -في زعمهم- في تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورخصةٌ في عدم الجهر بالحق، والصدع بالأمر، وتبليغ الدعوة. تبرر لهم قعودهم وكسلهم، وجبنهم وذلهم، وخوفهم وخشيتهم. إنهم عندما يتعاملون معها هكذا يرتكبون خطيئتين، ويحصلون على إثمين. إنهم يجبنون عن قول كلمة الحق، ويخشون الناس، ويقصرون في أداء الواجب، وهذا خطأ يقود للإثم والعذاب.
ثم يبررون أمراضهم هذه، ويفلسفون مواقفهم هذه، ويلجأون إلى هذه العبارة القرآنية، يحرِّفون معناها، ويشوِّهون دلالتها، وهذا إثمه أعظم.
ثم ينتقلون إلى مرحلةٍ أشدّ خطورة، وجريمةٍ أعظم ضرراً، حيث يتوجهون إلى الدعاة المخلصين، ينتقدون عليهم دعوتهم، ويعيبون عليهم
стр. 84
جرأتهم وشجاعتهم، ويواجهونهم بهذه الآية، ويجعلونهم ممن يخالفون معناها، إنهم بإقدامهم وصدعهم وجرأتهم يلقون بأيديهم إلى التهلكة. وكأنهم يريدون أن يقولوا لهم: نحن القاعدون ملتزمون بمعنى الآية، ولهذا فنحن على حق ومثابون عند الله. أما أنتم فمتهوِّرون مخالفون للآية، ولهذا فأنتم على خطأ، وآثمون عند الله.
عند هؤلاء المحرفين القاعدين الساكتين:
كل من يكون رجلاً عزيزاً أبيّاً كريماً، لا يقبل الضيم، ولا يسكت على أذى، ولا يرضى بالذل والهوان، ويقف مواقف الرجال في حياته، فهو متهور يلقي بنفسه إلى التهلكة.
وكل من يصدع بالحق ويجهر بالرأي، وينقد الخطأ، ويهاجم الباطل وأهله، فهو متهور يلقي بنفسه إلى التهلكة.
وكل من يرفض النفاق، والمدح والثناء على من لا يستحقون، فهو متهور يلقي بنفسه إلى التهلكة، وكل من يكون جريئاً واضحاً فصيحاً شجاعاً بليغاً داعيةً متكلماً محاضراً آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر مصلحاً، فهو متهور يلقي بنفسه إلى التهلكة.
أما من كان عكس هؤلاء: يسكت على الذل، ويقبل بالهوان، ويتعايش مع كل وضعٍ وظرف، يتجرَّع كؤوس الإذلال والقهر، ويحرص على وظيفته ودخله وأمواله وأعماله، يجبن عن الكلام، ويخاف من التصريح بالرأي، ويخشى الإفصاح عن المبدأ، ويرفض أن يَنقُد أو يصحح أو يواجه أو يبيّن أو يدعو أو يتكلم. هذا رجلٌ عاقلٌ فطنٌ ذكي، وهو في هذا لا يلقي بنفسه إلى التهلكة، بل هو ملتزمٌ بمعناها، مطبِّقٌ لدلالتها.
فهل الآية لهؤلاء؟ وهل هي " تبرير " لمواقفهم، و " فتوى " لهم في جواز أعمالهم؟.
стр. 85
أخرج أبو داود والترمذي والنسائي وآخرون عن أسلم أبي عمران قال: كنا بالقسطنطينية، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد، فخرج صفٌّ عظيمٌ من الروم، فصففنا لهم، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم. فصاح الناس وقالوا: سبحان الله! يلقي بيديه إلى التهلكة.
فقام أبو أيوب الأنصاري -صاحب رسول الله ﷺ فقال: يا أيها الناس: إنكم تتأوَّلون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار. إنا لما أعز الله دينه، وكثُر ناصروه، قال بعضنا لبعضٍ سراً دون رسول الله ﷺ : إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله أعز الإسلام، وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها. فأنزل الله على نبيه يرد علينا: ﴿وَأَنْفِقوا في سَبيلِ اللهِ وَلا تُلْقوا بِأَيْديكُمْ إلى التَهْلُكَة﴾ فكانت التهلكة الإقامة في الأموال، وإصلاحها وترْكنا الغزو. فما زال أبو أيوب غازياً في سبيل الله حتى توفّاه الله. ودفن بالقسطنطينية.
وأخرج ابن جرير عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾: هو ترك النفقة في سبيل الله، مخافة العَيْلَة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﵄ في الآية قال: ليس التهلكة أن يُقْتل الرجل في سبيل الله، ولكنها الإمساك عن النفقة في سبيل الله.
وأخرج البيهقي عن الحسن قال: التهلكة هي البخل.
وأخرج ابن جرير عن البراء بن عازب أنه قيل له: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، هو الرجل يلقى العدو فيقاتل حتى يُقتل؟ قال: لا، ولكن هو الرجل يذنب فيلقي بيديه فيقول: لا يغفر الله لي أبداً.
стр. 86
وأخرج ابن جرير عن أبي إسحاق قال: قلت للبراء بن عازب: يا أبا عمارة: الرجل يلقى ألفاً من العدو فيحمل عليهم، وإنما هو وحده، أيكون ممن قال الله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾؟ فقال: لا. ليقاتل حتى يُقتل: قال الله لنبيه ﷺ : ﴿فَقاتِلْ في سَبيلِ اللهِ لا تكَلَّفُ إلا نَفْسَك﴾.
وقد جعل الإمام الطبري الإِلقاء بالنفس إلى التهلكة شاملاً للمعاني الثلاثة التي ذكرها السلف: وهي ترك النفقة في سبيل الله، وترك الجهاد في سبيل الله، واليأس من رحمة الله عند الذنب.
قال: فإذا كانت هذه المعاني كلها يحتملها قوله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، ولم يكن الله خصَّ منها شيئاً دون شيء. فالصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله " نهى عن الإلقاء بأيدينا لما فيه هلاكنا، والاستسلام للهلكة -وهي العذاب- بترك ما لزمنا من فرائضه. فغير جائزٍ لأحدٍ منّا الدخول في شيءٍ يكرهه الله منا، مما نستوجب بدخولنا فيه عذابه.
ونحن مع الصحابة والتابعين في معنى الآية، حيث يتبيَّن لنا -من الروايات التي أوردناها- أنها تأمر بالإنفاق في سبيل الله، وتعتبر التهلكة ترك الإقدامِ والجهادِ في سبيل الله، وترك النفقة في سبيل الله، أما النفقة فليست تهلكة، وأما الإقدام والجهاد فليس تهلكة ولو أدَّى إلى الاستشهاد.
ونستطيع -من خلال إمعان النظر في الآية، واستصحاب بيان الصحابة والتابعين لمعناها، وتصويبهم للانحراف في فهمها- أن نستخلص منها بعض حقائقها ومفاهيمها.
стр. 87
١ - إنها تأمر المسلمين بالإنفاق في سبيل الله، ونفهم من الإنفاق شموله لكل صوره ونماذجه وأفراده، فهو يشمل إنفاق المال في سبيل الله، وفي الدعوة إلى الله، والجهاد في سبيل الله، وتجهيز الغزاة والمجاهدين، وإعداد العدَّة، وحشد الإمكانيات.
كما أنه يشمل إنفاق النفس في سبيل الله، بأن يوقِفَ نفسه على الدعوة الى الله، والجهاد في سبيله، ونصرة دينه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهر بالحق والصدع بالأمر بجرأة وشجاعة وثبات. ولا يبخل عن أن يبذل نفسه في سبيل ربِّه ونصرة لدينه، ولو أوصله إلى الموت والاستشهاد في سبيل الله:
تَهونُ عَلَيْنا في المَعالي نُفوسُنا ... وَمَنْ يَطْلبِ الحَسْناءَ لَمْ يُغْلِهِ المَهْرُ
إنه يطلب الجنة، ويخطب الحور العين فيها، وإن هذا المهر يتمثل في إنفاق النفس والمال في سبيل الله، فيبذلهما راضياً، ويدفع المهر للحصول على المراد.
والإنفاق يشمل إنفاق الأوقات كلها في سبيل الله، فيوظِّف عمره بسنواته وشهوره وأيامه وساعاته ولحظاته، لنصرة دينه والدعوة إليه، فلا يبخل بوقته، ولا يَضِنَّ بساعاته.
كذلك ينفق الأفكار والمشاعر في سبيل الله، فيوظِّف فكره وخياله وشعوره وأحاسيسه وخطراته وتأملاته، في فتح مجالاتٍ جديدةٍ للدعوة، وتقديم الحق للناس.
وينفق أهدافه وآماله ومخطَّطاته ومشاريعه في سبيل الله، فيجعلها " وقفاً " على دعوته، يعيش بها ولها، ويتحرك من خلالها.
٢ - وجوب توفر الإخلاص والنية الصادقة وابتغاء وجه الله، في كل ما ينفقه من مال أو جهد أو وقت أو فكر أو نفس، حتى ينال القبول عند الله، وحتى يحقق الأثر المرجو في واقع الحياة.
стр. 88
٣ - إن قيام هذا المسلم بواجبه، وإنفاقه كل ما يقدر عليه في سبيل الله، وثباته على الحق واستعلاءه بالإيمان، وجهره بالرأي، وقيامه بالدعوة، بجرأة وشجاعة وإقدام، وصدق والتزام، وتقبله كل ما ينتج عن ذلك من الآخرين، واحتسابه كل هذا عند ربِّه الكريم، وبقاءه على هذه الخطة والطريقة حتى يلقى الله. إن هذا كله واجب عيني عليه، لا يسقط عنه. ولا يمكن أن يسمى هذا تطرفاً أو تعصباً أو تهوراً أو تعنتاً. ولا يعتبر هذا تهلكة، أو إلقاء بنفسه إلى التهلكة.
٤ - إن التهلكة التي تنهانا الآية عن أن نلقي أنفسنا فيها وإليها، وكما فهمها الصحابة والتابعون والعلماء العاملون، هي ضدّ ما ذكر سابقاً وعكسه ونقيضه، إنها تتمثل في ضَنِّه بنفسه أو ماله عن الإنفاق في سبيل الله، وقعوده عن القيام بالواجب، وجبنه عن قول كلمة الحق، ورضاه بالذل والهوان، وإيثاره السلامة الذليلة والحياة الرخيصة، ورفضه دفع واجب الدعوة، وتكاليف العمل، وضريبة الحياة ولوازم الرجولة.
٥ - إن المسلم مطالب بالإحسان في أداء ما طلبه الله منه، ودفع ما أوجبه عليه، الإحسان في الإنفاق، والإحسان في الجهاد، والإحسان في الدعوة، والإحسان في العمل، والإحسان في الالتزام والاستقامة والثبات والجرأة والشجاعة والإقدام.
الإحسان الذي يجعله يبتغي بهذا كله وجه الله، والإحسان الذي يدفعه إلى تقديم أفضل وأطيب وأزكى وأنفع ما لديه منه، والإحسان الذي يحثّه على أن يدفع ويبذل ويقدِّم باستمرار، بدون مللٍ أو كللٍ أو ضنّ أو يأسٍ أو زهدٍ أو استكثار، حتى يلقى الله.
ومن أجل أن يرسخ هذا المعنى عند المسلمين، ويزول ما قد يعلق في أذهان بعضهم من المعنى الآخر غير المراد، نقدِّم بعض الآيات والأحاديث،
стр. 89
التي تبيَّن وجوب القيام بالواجب، والدعوة والجهاد تحت كل الظروف، وفي كل الأحوال:
قال الله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾.
وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾.
وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وروى أبو داود والنسائي عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: " جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم ".
стр. 90
وروى أبو داود والنسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من النفاق ".
وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " مِن خير معاش الناس لهم: رجلٌ ممسكٌ بعِنان فرسه في سبيل الله، يطير على متْنه (يعني على ظهره) كلما سمع هَيْعَة -يعني الصوت بالغارة- أو فَزْعَة، طار على متنه يبتغي القتل أو الموت مظانّه ".
وروى مسلم والترمذي عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري ﵄ قال: سمعت أبي وهو بحضرة العدو يقول: قال رسول الله ﷺ : " إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف "، فقام رجل رثُّ الهيئة، فقال: يا أبا موسى: أنت سمعتَ رسول الله ﷺ يقول هذا؟ قال: نعم. فرجع إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام، ثم كسر جفن سيفه فألقاها، ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به، حتى قُتِل.
***
стр. 91
﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾
قال تعالى:
﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
قد يُقصِّر بعض المسلمين في بعض الواجبات، وقد يرتكبون بعض المحظورات، وقد يترخصون أمام بعض الأحكام، وقد يتفلتون أمام بعض التكاليف، وقد لا يحققون التقوى التي طالبهم الله بها. وهذه الأمور كلها مخالفات قد يترتب عليها عذاب يوم القيامة.
ولكن بعض هؤلاء لا يكتفون بما وقع منهم، بل يضيفون إليه جريمة أشد، قد يترتب عليها عذاب أكثر إيلاماً. إنهم يلجأون إلى هذه الآية، ويحاولون أن يجدوا فيها دليلاً لهم وإعذاراً، ورخصةً وقبولاً لأعمالهم:
َاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ:
إنها تأمر المسلم بتقوى الله على قدر استطاعته -كما يقولون- ولهذا يبذل قدر استطاعته في الالتزام بالواجبات وترك المحظورات، وهذا ما طلبه الله منه. أما إذا ترك بعد ذلك بعض الواجبات فلا شيء عليه ولا حرج
стр. 92
ولا إثم، وإذا فعل بعض المحرمات والمحظورات فلا ضير ولا إثم كذلك، لأن الآية تعذره، وتقدم له رخصةً ومخرجاً.
ويترتب على هذا الفهم الخاطئ لمعنى الآية، أن يتفاوت التزام المسلمين بالإِسلام أداءً لواجباته، واجتناباً لمحرماته. بحيث يختلف الالتزام بالإِسلام وتطبيقه من شخص إلى آخر حسب استطاعته، فكلٌ منهم يقدم صورةً خاصةً عمليةً عن أحكام الإِسلام، تختلف عن الصور التي يقدمها الآخرون، ويتحول الإِسلام -عملياً- إلى إسلامات. ويتحول تطبيقه إلى عدة تطبيقات. وتضيع مبادئ الإِسلام وأحكامه وسط هذه النماذج والعينات، التي يزعم كلٌ منهم أنه هو على الحق، وأن هذا هو الدين الذي يريده الله. وابحث عن الإِسلام الرباني وسط هذه التطبيقات المتفاوتة، التي تعتمد على " الهمَّة " الميتة، والقدرة العاجزة، والاستطاعة المريضة.
وحتى يكون فهمنا لمعنى الآية صحيحاً، وتصوُّرنا لقيد الاستطاعة فيها صوابا، لا بد أن نقرن معها آية أخرى، وهي قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
تأمرنا هاتان الآيتان بتقوى الله، وكل واحدةٍ منهما توضح المراد من الأخرى:
فآية آل عمران تأمر بأن نتَّقي الله حقَّ تقاته. ومعنى حق تقاته: تقوى حقة صادقة مخلصة جادة، بأن نبذل غاية وسعنا، وأقصى استطاعتنا، في تحقيقها وتحصيلها، وأن نبقى على هذه التقوى طيلة حياتنا، بحيث لا يموت الإنسان منّا إلا وهو مسلم.
стр. 93
تقوى الله حق تقاته في آل عمران معناها، بذل الوسع والجهد والاستطاعة في تحصيلها، كما طلبت آية التغابن.
وآية التغابن تأمرنا بتقوى الله بمقدار الوسمع والاستطاعة: ﴿فَاتَّقوا اللهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾، ويوضح المراد بقوله: ﴿ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ قولُه في آل عمران: ﴿حَقَّ تُقاتِه﴾، فلا يحقق المسلم التقوى بقدر الاستطاعة، إلا إذا كانت هذه التقوى حق التقوى. فكل من الآيتين توضح الثانية وتفسر معناها، وهما متلازمتان متكاملتان، لابد أن تُقرءا معاً، وتُفهما سوياً، وتُؤخذ دلالتهما مجتمعتين، حتى يكون المعنى صحيحاً مقبولاً.
ومما يوضح المراد من الآيتين حديث رسول الله ﷺ . حيث روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " دعوني ما تركتكم، إنما هلك مَن كان قبلكم بسؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم. فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ".
يدل هذا الحديث على موقف المسلم من الأوامر والأحكام الشرعية، فما نُهي عنه يجتنبه، لأن الحرام لا يجوز ارتكابه إلا عند الضرورة للمضطر، والضرورة تقدر بقدرها، ويحددها الشرع، وليس الشخص نفسه.
وأما ما أُمر به فإنه ينفذ منه ما يستطيع. والاستطاعة كذلك يحددها الشرع من خلال الرخص الشرعية، وليس الشخص نفسه.
وقد يقول قائل: ها هو الحديث الصحيح يطلب منّا أن نتناول الواجبات بقدر استطاعتنا، وهو ما نقوله نحن في التقوى والتطبيق.
نقول: إنه يجعل تطبيقنا للأوامر بقدر الاستطاعة. لكن مَنْ هو الذي
стр. 94
يحدد الاستطاعة ومقدارها؟ ومن هو الذي يصدر الرخصة في ترك أو تغيير صورة بعض الواجبات؟.
إنه ليس الشخص، ليس هو الذي يحدد مقدار استطاعته، ولا هو الذي يحدد صورة الواجب بالنسبة له، ولكنه الشرع. إن الله هو الذي يعلم مقدار الطاقة البشرية وحدود الاستطاعة فيها، ولذلك جاءت الرخص في الدين في بعض الحالات ولبعض الأشخاص، مراعاة لبعض الأعذار والأحوال. فالاستطاعة يحددها الشرع، وحالة الاستطاعة يفضِّلها الشرع، وصورة الواجب الجديدة يوضحها الشرع.
إن الحديث الصحيح الذي أوردناه، هو الذي يدل على ما قلناه ويوحي به، وبخاصة عند ملاحظة سبب وروده.
فقد روى مسلم والنسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: خطبَنا رسول الله ﷺ فقال: " أيها الناس قد فُرض عليكم الحج فحجّوا، فقال رجل: أفي كل عام يارسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً. ثم قال: ذروني ما تركتكم، ولو قلت: نعم، لوجبت، ولما استطعتم، وإنما أهلك من كان قبلكم كثرُة سؤالهم واختلافُهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء، فأتوا ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء، فاجتنبوه ".
إن الحديث في شأن الحج، وورد ردّاً على سؤالٍ لا معنى له لأحدهم: أفي كل عام يا رسول الله؟ فجاء الجواب: " لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم. ثم قال: ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم ".
إنها استطاعة بخصوص الحج، الذي نصَّ القرآن على وجوبه على المستطيع: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾.
стр. 95
ويمكن أن نعمِّمها على الواجبات الأخرى، التي رخص الشرع فيها لغير المستطيع، مثل إفطار المريض والمسافر، ومثل قصر الصلاة للمسافر، وسقوط الزكاة عن غير القادر، وغير ذلك.
﴿اتقُوا اللهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾: يفسرها قوله: ﴿اتَقُوا اللًهَ حَقً تُقاتِه﴾، و ﴿اتقوا اللهَ حَق تُقاتِه﴾: وضَّح معناها سلفنا الصالح.
روى ابن جرير عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ﴿اتقوا اللهَ حَق تُقاتِه﴾، أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر.
وروى ابن جرير عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿اتَّقوا اللهَ حَق تُقاتِه﴾: لم تُنسخ. ولكن حق تقاته: أن يجاهدوا في الله حق جهاده، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط، ولو على أنفسهم وآبائهم وأمهاتهم.
ومما تجدر ملاحظته في الآية أنها تركت " التقوى " مبهمةً مطلقةً: ﴿اتَقوا اللهَ حَق تُقاتِه﴾، وإبهامها وإطلاقها ليبقى المؤمن مستمراً في تحقيقها والتلبس فيها، وليبقى يتدرَّج في منازلها، ويترقّى في مدارجها، ويتنقَّل في آفاقها.
وليتمّ التفاوت بين المتقين، بمقدار ما يبذلونه من جهد في تحقيقها، والحياة بها، واستمرار التلبس بها.
كذلك يواجهنا تعقيب الآية: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمون﴾، حيث تأمر المسلم أن لا يموت إلا وهو مسلم. فكيف يفعل هذا، والموت قادم، يأتيه فجاة بدون سابق إنذارٍ أو وعدٍ أو تهيئة؟!. إن معنى هذا أن يبقى متلبساً بحالة التقوى الحقة، ملتزماً بالطاعة والعبادة، متجافياً عن المعاصي، تاركاً للذنوب. لا يخرج عن هذه الحالة الإيمانية العالية لحظةً من حياته، لأنه
стр. 96
يخشى أن يحين أجله في هذه اللحظة، ويفارق دنياه فيها على غير طاعة، فيحبط عمله، وُيختم له بسوء.
اتقوا الله حق تقاته: ليس معناه اتقوه تقوى تليق بجلاله وعظمته
سبحانه، -فإن هذا مستحيل- ولكن معناها: اتقوه تقوى حقة، صادقةً جادَّةً دائمة.
***
стр. 97
﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾
قال تعالى:
﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا﴾.
وهذه آيةٌ أخرى يعتمد عليها بعض المسلمين، ويجعلونها حجةً ودليلاً ومستنداً لهم، على تقصيرهم في أداء الواجبات والتزام الأوامر وترك المحظورات. إذ أنها تبيح لهم ذلك. وتجعلهم في منأى عن المسؤولية والعقاب جزاء هذا التقصير والتفريط.
إن معناها عند هؤلاء: إن الإنسان ليس مكلفاً بالإسلام كله، والشريعة كاملة، وليس مطالَباً بأن يلتزم بالواجبات كلها، ويترك المحظورات جميعها.
ولكن الآية تبيح له -بل تَشْرع وتُجَوِّز- أن يأخذ من الإسلام والشريعة ما يدخل ضمن وسعه وطوقه وقدرته. مهما كانت درجة الوسع والطوق والقدرة، حتى لو كانت في أدنى مستوياتها وأضعف حالاتها.
الواجبات التي أمرنا الله بها يتناولها هؤلاء على هذا الأساس، ويتعاملون معها على هذه القاعدهّ. فما كان يقدر عليه منها يفعله، وما ضعفت همَّته وإرادته ونفسه عنه تركه، و ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
وهذه الواجبات ليس مطالَباً بها دائماً، بل يختلف هذا باختلاف ظرفه
стр. 98
وهمته وطاقته ووسعه. فما كان واجباً عليه من قبل أصبح غير مطالب به الآن، و ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
بعض الواجبات يخاطَب بها غيره، أما هو فإنه مُعفىً منها، و ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
والمحظورات في هذا الدين، لا يطالَب بتركها جميعها، بل يَنظر لها من زاوية " الوسع "، ولهذا لو فعل بعضها فلا شيء عليه، و ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
وهكذا تتم تجزئة الإسلام وتقسيم الأوامر، ليتناول كل مسلم منها ما يدخل ضمن وسعه، وُيعفى من ما يظنه فوق طاقته. وابحث بعد ذلك عن الواجبات في واقع التطبيق، وعن المحظورات من حيث الاجتناب والترك!.
وحتى نصوِّب هذا الفهم الخاطئ، وحتى نقدم المعنى الصحيح والفهم الصائب - إن شاء الله - لهذه الآية. فلا بد أن نعرف السياق الذي وردت فيه أولاً، ثم مناسبة نزولها ثانياً، لأن الاطلاع على هذين الأمرين -سياق الآية، وسبب نزولها- ضروري لفهمٍ أدق، واستنتاجٍ أصوب.
هذه الآية الأخيرة من سورة البقرة، وردت ضمن هذه الآيات: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤) آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا
стр. 99
وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
أما سبب نزول هذه الآيات، فهو ما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ : ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، فأتوا رسول الله ﷺ . ثم بركوا على الركب فقالوا: أي رسول الله كُلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أُنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. قال رسول الله ﷺ : أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابيْن من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير. قالوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير.
فلما اقْتَرأها القوم ذلَّت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾.
فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل الله : ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا (قال: نعم) رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا (قال: نعم) رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ (قال: نعم) وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (قال: نعم)﴾.
стр. 100
وفي روايةٍ أخرى أوردها الإمام مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾، دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء. فقال النبي ﷺ : " قولوا: سمعنا وأطعنا وسلَّمنا "، فألقى الله الإِيمان في قلوبهم، فأنزل الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا. (قال: قد فعلت) رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا (قال: قد فعلت) رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. (قال: قد فعلت)﴾.
وكم تعجبني فطنة ودقة وذكاء الإمام مسلم، عندما أورد الحديثين ضمن باب جعل عنوانه: " بيان أنه لم يكلف إلا ما يطاق ".
بعد هذا البيان نستطيع أن نقول: إن هذه الآية نسخت حكماً شاقاً جداً، تلقاه صحابة رسول الله ﷺ بالسمع والطاعة والقبول -رغم مشقته- حيث قررت الآية الأولى في هذه المجموعة: أن كل ما يعمله الإِنسان محاسبٌ به، سواءٌ كان هذا قولاً، أو فعلاً، أو فكرةً وهاجساً في الضمير، سواءٌ كان ظاهراً في الخارج بصورة عملٍ أو كلام، أو كان مخفياً في النفس في صورة خاطرٍ أو وسواسٍ أو هاجس.
وإذا كان المسلم بمقدوره أن يتحكم في قوله أو عمله، بحيث يكون موافقاً للشرع، فإنه يكاد يكون مستحيلاً عليه أن يتحكم في مشاعره وأفكاره وخطراته ووساوسه، فقد يخرج في واحدة من هذه المسائل عن توجيهات الشرع، فإذا حاسبه الله على هذه الأمور اللاإرادية، فقد يكون هذا تكليفاً بما لا يطاق، وتكليفاً بالمحال.
стр. 101
ولذلك شق معنى هذه الآية على الصحابة، وتكلموا في شأنه مع الرسول ﷺ ، فطلب منهم السمع والطاعة والاستسلام ولو كان الحكم شاقاً يكاد لا يطاق، ففعلوا. ولما علم الله ذلك منهم، أنعم عليهم بنسخ هذا الحكم الشاق، وجاء هذا النسخ في كلام واضح صريح: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ إذن ناسخة لمحاسبة العبد على وساوسه وخطراته وخيالاته، لأن ذلك ليس في وسع العبد وقدرته وطاقته، فهذه الآية خاصةٌ في معناها، وهذا الخصوص مأخوذٌ من سياقها ومن الإِلمام بملابسة نزولها. وطالما أن ذلك الحكم منسوخٌ فإن الله لم يكلفنا به، أما إذا كلفنا الله بحكمٍ شرعيٍّ، ولم ينسخه، فإن هذا الحكم في وسعنا وطاقتنا، وإن الله يعلم أن بمقدورنا القيام به، ولذلك لم ينسخه.
إذن هذه الآية لا يجوز أن نطلقها على الأحكام الشرعية التي كلَّفنا الله بها ولم ينسخ هذا التكليف، ولا يجوز أن نعطِّل بها هذه الأحكام ونلغيها، ونجعل الالتزام بها خاضعاً للطاقة الضعيفة، والهمَّة المريضة، والوسع الكسول.
﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، معناها من خلال المفهوم القرآني: إن الله سبحانه عادلٌ في أحكامه في عباده، وإنه لا يكلِّفهم بما لا يطيقون، ولا يطالبهم بالمستحيل، ولا يريد من التشريعات إرهاق عباده، أو إيقاعهم في العسر والحرج والإثم والتقصير، فإن الله سبحانه ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾، و ﴿يُريدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُريدُ بِكُمُ العُسْر﴾، وإن الله عليمٌ حكيم، لطيف خبير، يعلم طاقة النفس الإنسانية ومقدار تحملها
стр. 102
ووسعها: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَق وَهُوَ اللطيفُ الخَبير﴾. ولذلك أوجب عليها التكاليف الشرعية، وهو يعلم أنه بمقدور هذه النفس الالتزام بها، وهو يعلم أنها كلها ضمن " وسعها " وطاقتها.
﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ تطالب جميع المسلمين الالتزام بكافة التكاليف الشرعية، وتُعلمهم أنه في وسعهم وطوقهم أن يقوموا بهذا الالتزام، لأن الله هو الذي يعلم مقدار تحملهم وطاقة قدرتهم، ولذلك ألزمهم بها.
ونفهم من هذه الآية أنها تقرر حقيقةً هامةً في قواعد التشريع الإسلامي، وهي أن هذا التشريع بكافة جوانبه ومجالاته يُراعى فيه الطاقة والوسع، ويراد منه التطبيق العملي والتنفيذ الواقعي.
كما أن هذا التشريع يتَّصف بالسماحة واليسر، فلا عسر فيه ولا حرج، ولا خيالية فيه ولا استحالة. وهذا كله من مظاهر فضل الله على المسلمين، وإرادته اليسر والرحمة والخير بهم، عندما كلفهم بكل ما كلفهم به.
على أنه من الواجب أن نشير هنا إلى أن التشريع الرباني الحكيم، كان يراعي الحالات الاستثنائية الخاصة، وكان يلاحظ النفس الإنسانية في ظروفها وأحوالها، ولذلك كانت فيه بعض الاستثناءات المتمثلة في " الرخص " الشرعية، والتخفيف في بعض الأحكام التكليفية.
فالمسافر يرخَّص له في الإفطار، ويقصر ويجمع الصلاة، والمريض يفطر ويقضي أو يفدي، والحائض والنفساء يجب عليهما الفطر وترك الصلاة، وتقضيان الصوم ولا تقضيان الصلاة، والحج واجب على المستطيع، ولا زكاة لمن لم يملك النصاب، وأكل الميتة مباحٌ للمضطر، ويباح للمكره أن ينطق
стр. 103
بكلمة الكفر مع اطمئنان قلبه بالإيمان. و " إن الله يحب أن تُؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ".
على أن تقدير هذه الرخص وتشريعاتها ليس متروكاً للناس، وإنما هو من صلاحيات الحاكم والمشرع في الإسلام، ولهذا بُيِّن هذا وفُصل وحُدد بدقة، بحيث لم يترك لأحدٍ من البشر الزيادة عليه أو الإنقاص منه.
﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وإذا علم الله أن النفس المسلمة في بعض حالاتها تعجز عن أداء بعض التكاليف، فقد أسعفها بالرخص والاستثناءات، المهم أن الترخص والاستثناء والإعفاء إنما هو من الله، وليس من عند البشر وفق ميولهم وأمزجتهم وأهوائهم.
وقد يقول قائل: إنني أجد نفسي عاجزاً أمام بعض التكاليف، ولهذا أعتقد أن هذا التكليف ليس في وسعي، فأترخص فيه وأتركه.
فنقول له: طالما لم ينص الشرع على الترخص في هذه الحالة، ولم يقدم للإنسان إعفاءً واستثناءً، فإن الله يعلم -وهو الحكيم الخبير- أن الالتزام به يدخل ضمن " الوسع "، وكل ما في الأمر أن هذا الإنسان لم يبذل غاية وسعه وجهده وطاقته، وإنما تعامل معه بهمَّةٍ ساقطة، وعزيمةٍ مريضة، ووسعٍ ضعيف، وطاقةٍ متكاسلة. ولهذا نطالبه بأن يضاعف جهده، ويقوي عزيمته، ويشد نفسه، ويمتِّن وسعه، ويقبل على التكليف بعد ذلك، عندها يعلم أنه ضمن وسعه وفي حدود طاقته. وعندها يفهم معنى قوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ فهماً صحيحاً صائباً مقبولاً.
﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، إنما هي حشدٌ للطاقات، وتقويةٌ للهمم والعزائم، وتنشيطٌ للوسع والاحتمال، وليس إضعافاً لهذه القدرات.
﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، تدعو إلى مضاعفة العمل الصالح،
стр. 104
وتوثيق الالتزام بالتكاليف. وليس إلى التلّفت منها، والترخص في أحكامها.
﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، عملٌ لا كسل، والتزامٌ لا تفلُّت، ووفاءٌ لا ترخُص، وإحسانٌ لا تَسيُّب.
***
стр. 105
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾
قال تعالى:
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
يحارب بعض المسلمين الدعاة إلى الله بهذه الآية، وينتقدون أساليب هؤلاء الدعاة، ويرفضون دعوتهم، ويخطِّئونهم في مواجهة الناس ونصحهم وتذكيرهم، ويأخذون عليهم صراحتهم وجرأتهم وجهرهم بالحق!.
يلومونهم في كل هذا لأنهم يخالفون هذه الآية، ولا يلتزمون بتوجيهها في الدعوة إلى الله، ولا في المنهج الذي ترسمه في إيصال الدعوة للآخرين!.
لكن ما معنى الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن عند هؤلاء؟ إنهم لا يكادون يبيِّنون في هذا بياناً شافياً، كل ما في الأمر أن كل داعيةٍ صريحٍ جريءٍ، لا يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا يجادل بالتي هي أحسن، وإنما هو متعصبٌ متطرفٌ قاسِ حادٌ منفرٌ مخالفٌ للسبيل القويم!.
الحكمة والموعظة الحسنة كأنها تعني عند هؤلاء: أن يتغاضى الداعية
стр. 106
عن المنكرات والمفاسد والمعاصي التي تشوِّه وجه المجتمع، فإذا التفت إليها وأنكرها ونصح أصحابها، فإنه تارك للحكمة والموعظة الحسنة.
الحكمة والموعظة الحسنة عندهم: هي أن يُدعى الداعية إلى حفلةٍ أو مجلسٍ يُعصى فيه الله، أو تُرتكب فيه الفواحش، وتُفعل فيه المنكرات، فيجلس راضياً ساكتاً متفاعلاً مع الحضور، يتصرَّف معهم على أسس البروتوكول و " الإتكيت "، ويفعل معهم المنكرات. فإذا تكلم في المجلس وانتصر لدينه ونصح القوم -ولو بألين الكلام وأكثره هدوءاً- فإنه مخالف للحكمة والموعظة الحسنة.
الحكمة والموعظة الحنسة عندهم: أن يرضى الدّنية في دينه، ومواقف الذل في حياته، ويشارك باللقاءات والجلسات المشبوهة مع أعداء لهذا الدين، ملحدين أو مستعمرين أو يهود أو نصارى، ويقدم لهم الإسلام كما يريدونه باسم المرونة والتطور، وباسم الحكمة والموعظة الحسنة.
كم سمعنا كلاماً في تفسير هذه الآية يصدر على صورة نصيحةٍ أو تذكير من بعض الذين يشْغلون مراكز إسلاميةً رسميةً عليا، يطلبون من الدعاة إلى الله -وعاظاً أو أئمةً أو خطباء أو محاضرين أو كاتبين- أن يقدِّموا الإسلام للناس كما يريد الناس، ووفق أمزجتهم وشهواتهم وأهوائهم، وأن لا يكونوا صريحين في نصحهم جريئين في الجهر بالحق، ويعتمدون في كلامهم على هذه الآية: ﴿بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَة﴾. فإذا لم يفعلوا ذلك كانوا مخالفين لتوجيهاتها.
عجيبٌ أن تصدر هذه التفسيرات الخاطئة لهذه الآية من هؤلاء المسلمين، وعجيبٌ أن تُوَظَّفَ هذه الآية عندهم في منع قول كلمة الحق، والجرأة في النصح، وإبداء الرأي، والرجولة في إنكار المنكر والأمر بالمعروف، هذا عجيبٌ. ولكن الأعجب والأغرب أن يشارك في هذا
стр. 107
التحريف لمعنى الآية، حملةٌ للعلم الشرعي والشهادات الشرعية، يشغلون وظائف إسلامية رسمية.
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، تدلُّنا هذه الآية على كيفية الدعوة إلى الله، وتُعرِّفنا على الوسائل التي نقدم الدعوة إلى الناس من خلالها.
بالحكمة والموعظة الحسنة: الباء باء الاستعانة، أي نستعين بهاتين الوسيلتين في تقديم الدعوة، ونستخدمها في توصيلها للناس. إنهما: الحكمة والموعظة الحسنة.
والحكمة: " هي إصابة الحق بالعلم والعقل ".
فالحكمة من الله تعالى معرفة الأشياء، وإيجادها على غاية الإحكام.
ومن الإنسان معرفة الموجودات وفعل الخيرات.
والموعظة مأخوذة من الوعظ. والوعظ: " زجرٌ مقترنٌ بتخويف ". قال الخليل: هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب.
على الداعية أن يدعو بالحكمة. بمعنى أن يقدم دعوته للناس، ويصيب في هذا التقديم الحق بالعلم والعقل، وُيعرف السامعين على الحق الذي معه، ليقبلوا عليه ويلتزموا به.
الحكمة هي: القول المناسب، في الوقت المناسب، بالقدر المناسب، والأسلوب المناسب.
وتستوقفنا هاتين الوسيلتين في الدعوة إلى الله: الحكمة والموعظة
стр. 108
الحسنة، إنه لا بد من استخدامهما في كل دعوة لأي إنسان كان، إذ استخدام واحدة دون الأخرى لا يحقق الغاية ولا يوصل الدعوة.
الحكمة: هي الدعوة الفكرية: بأن يعرض فكرته على المدعو بهدف إقناعه بها، وأن يخاطب في هذا العرض عقله وفكره. لأن الحكمة: إصابة الحق بالعلم والعقل. فيستخدم الداعية العلم والعقل في عرض الدعوة، ويؤثر في هذا على الناحية العلمية والعقلية عند المدعو. وعندما ينجح في هذا الأمر يكون قد أوجد عند المدعو قناعةً عقلية، وقبولاً نظرياً. فإذا اكتفى بهذه الخطوة فلن يحصل على ثمرةٍ عملية، ولا يحقق هدفاً عملياً من دعوته، لأن المدعو يبقى في دائرة الاقتناع النظري.
الموعظة الحسنة: وهي المرحلة الثانية في الدعوة، ولا بد أن يقوم بها كل داعية يحترم نفسه ودعوته، ويريد إيجاد الأهداف العملية الواقعية. والموعظة هي التذكير بالخير فيما يرق له القلب. يعني أن يخاطب قلب المدعو بما رقَّ ولَطُفَ وحَسُن، يعني أن يوصل المعلومات التي ألقاها في عقل المدعو إلى قلبه، يعني أن يشارك قلبُ المدعو عقلَه الاقتناعَ والرضا والقبول للدعوة. فإذا تمت هذه المشاركة، أثَّر القلب على باقي الكيان، فقام المدعو بخطوة عملية خارجية وهي أن يدخل في الدعوة ويلتزم بها.
قال الزمخشري في تفسير الآية: ﴿اُدْعُ إِلى سَبيلِ رَبِّك﴾ -أي الإسلام- ﴿بالحكمة﴾ بالمقالة المحكمة الصحيحة، وهي الدليل الموضح للحق المزيل للشبهة.
والموعظة الحسنة: وهي التي لا يخفى عليهم أنك تناصحهم فيها، وتقصد ما ينفعهم فيها.
ويجوز أن يريد القرآن: أي اُدعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة
стр. 109
حسنة. وجادلهمْ بالتي هي أحسن: بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة، من الرفق واللين من غير فظاظةٍ ولا تعنيف.
وسائل الدعوة إلى الله في هذه الآية اثنتان فقط: الحكمة والموعظة الحسنة. أما الجدال بالتي هي أحسن فليس من وسائل الدعوة، ولا يقصد منه عرض الدعوة على الذي يجادله، غاية الجدال هي إقناع المعاندين بترك العناد، وبالبحث العلمي المنهجي، والهدف منه هو أن يزحزح هؤلاء عن مواقعهم عن طريق الجدال، لينتقلوا بعد ذلك إلى موقعٍ آخر، يكونون قريبين فيه من الدعوة، مستعدين لقبولها. عندها يستخدم معهم وسيلتي الدعوة: الحكمة والموعظة الحسنة، ليحقق الغاية، ويلتزموا بالدعوة. فالجدال إنما هو تقريبٌ للخصوم إلى باب الدعوة، وليس عرضها عليهم.
نأخذ هذا من صياغة الآية: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
فالموعظة معطوفةٌ على الحكمة، وهما متعلقتان بفعل الأمر " أُدْعُ " وباء الاستعانة. أما "جادلهم" فإنها معطوفة على " ادع " - لأنهما فعلا أمر. أي اُدع وجادل. ولو كان الجدال من أساليب الدعوة لقال: ادع بالحكمة والموعظة والمجادلة بالتي هي أحسن.
وفي هذا يقول الإمام الرازي: ومن لطائف هذه الآية أنه قال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾، فقصر الدعوة على هذين
القسمين. لأن الدعوة إن كانت بالدلائل القطعية فهي الحكمة، وإن كانت بالدلائل الظنية فهي الموعظة الحسنة. أما الجدال فليس من باب الدعوة، بل المقصود منه غرضٌ آخر، مغايرٌ للدعوة، وهو الإلزام والإفحام. فلهذا السبب
стр. 110
لم يقل: اُدْعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل الأحسن، بل قطع الجدل عن باب الدعوة، تنبيهاً على أنه لا يُحصِّل الدعوة، وإنما الغرض منه شيء آخر. والله أعلم.
***