← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 5377

تصويبات في فهم بعض الآيات

صلاح الخالدي

Полный текст (247 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

٢ - أن يحرصوا على الاستماع إلى القرآن النازل على رسول الله ﷺ . ٣ - أن يعرفوا أنه الحق، وأن يوقنوا بأنه من عند الله. ٤ - أن تفيض أعينهم من الدمع تأثراً وخشوعاً. ٥ - أن يدخلوا في الإسلام قائلين: ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين. فإذا لم يقوموا بهذه الخطوات -وبخاصة الخطوة الخامسة والأخيرة منها- فلا يجوز لهم التحريف والتغيير لمعاني الآيات، ولا التلاعب فيها والتمويه على المسلمين. وقد أجمع العلماء على أن الآيات نزلت بشأن مجموعةٍ معينةٍ من النصارى، اتبعوا رسول الله ﷺ ، ودخلوا في دين الإسلام. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في هجرة الصحابة إلى الحبشة بقيادة جعفر بن أبي طالب ﵁ وبعث قريش وفداً إلى النجاشي ليستعدوه على المهاجرين ويعيدوهم إلى مكة، وطلب النجاشي للمسلمين المقابلة: فلما دخلوا عليه سلّموا، فقال الرهط من المشركين: ألم تر أيها الملك، إنا صَدَقناك، إنهم لم يحيوك بتحيتك التي تُحَيِّي بها؟ فقال لهم: ما يمنعكم أن تحيوني بتحيتي؟ قالوا: إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة، فقال لهم: ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه؟ قالوا: يقول: عبد الله ورسوله، وكلمةٌ من الله، وروحٌ منه، ألقاها إلى مريم. ويقول في مريم: إنها العذراء الطيبة البتول. فأخذ عوداً من الأرض فقال: ما زاد عيسى على ما قال صاحبكم هذا العود. فكره المشركون قوله، وتغيَّر لون وجوههم. فقال: هل تقرأون شيئاً مما أُنزل عليكم؟ قالوا: نعم. قال: فاقرأوا. وحوله القسيسون والرهبان وسائر النصارى. فجعلت طائفة منهم كلما قرأوا آية

стр. 142

انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق. فأنزل الله هذه الآيات .. وأخرج النسائي وابن جرير عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه. وقال عطاء: هم ناس من الحبشة، آمنوا إذ جاءهم المهاجرون. وقال سعيد بن جبير: هم رسل النجاشي، الذين أرسلهم إلى رسول الله ﷺ ، بخبر إسلامه وإسلام قومه. وقال قتادة: هم أناس من أهل الكتاب، كانوا على شريعةٍ من الحق مما جاء به عيسى ﵇، يؤمنون به وينتهون إليه. فلما بعث الله محمداً ﷺ صدّقوه وآمنوا به، وعرفوا ما جاء به من الحق أنه من عند الله، فأثنى عليهم بما تسمعون. وحول حقيقة هؤلاء النصارى الصالحين، نورد مقتطفاتٍ من كلامٍ رائعٍ للإمام الشهيد سيد قطب في الظلال: ومع أن متابعة مجموع الآيات، لا تدع مجالاً للشك في أنها تصور حالةً معينةً، هي التي ينطبق عليها هذا التقرير المعين. فإن الكثيرين يخطئون فهم مدلولها، ويجعلون منها مادةً للتميع المؤذي، في تقدير المسلمين لموقفهم من المعسكرات المختلفة، وموقف هذه المعسكرات منهم. وبعد أن يبين ملامح النصارى المعنيين بالآيات يقول: وليس كل من قالوا: إنهم نصارى إذن داخلين في ذلك الحكم ﴿وَلَتَجِدَنً أَقْرَبَهُمْ مَوَدًةً لِلذينَ آمَنوا﴾ كما يحاول أن يقول من يقتطعون آيات القرآن دون تمامها. إنما هذا الحكم مقصورٌ على حالةٍ معينة، لم يَدع السياق القرآني أمرها

стр. 143

غامضاً، ولا ملامحها مجهولة، ولا موقفها متلبساً بموقف سواها في كثير ولا قليل. ثم يقول: هذا ما ينبغي أن يعيه الواعون اليوم وغداً. فلا ينساقوا وراء حركات التمييع الخادعة أو المخدوعة، التي تنظر إلى أوائل مثل هذا النص القرآني، دون متابعةٍ لبقيّته، ودون متابعةٍ لسياق السورة كله، ودون متابعةٍ لتقريرات القرآن عامة، ودون متابعةٍ للواقع التاريخي الذي يصدِّق ذلك كله. ***

стр. 144

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾ وردت آياتٌ من القرآن ذكرت أصحاب الديانات السماويّة السابقة، وقرنتهم مع المسلمين. ومن هذه الآيات: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. وقد احتجَّ أصحاب الديانات السابقة بهذه الآيات على أنهم على حق، وأنهم مقبولون عند الله، وأنهم في الجنة مع المسلمين. وحجّتهم على ذلك

стр. 145

هي، ذكرُهم مع المؤمنين، والثناءُ عليهم بأنهم آمنوا بالله واليوم الآخر، وتقرير أن لهم أجرهم عند ربهم، وأنهم لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون. وهذا الفهم خاطئٌ ومغلوط بلا شك، ويتعارض مع آياتٍ أخرى، صريحة في عدم قبول دينهم منهم، وكونهم كافرين خالدين في النار. كما أن هذه الآيات لا تدل على هذا الفهم، ولا توحي به. إن اليهود والنصارى عندما يستخرجون من الآيات هذا المعنى الباطل، إنما يقومون بعملية خبيثة، من الخداع والتزوير والتحريف والتمويه والتمييع. إن الآيات السابقة لا تعني قبول أديان أصحاب الديانات السابقة -اليهود والنصارى والصابئة- بعد مجيء الإسلام، لأنها منسوخة بالإسلام، ولا تعني قبول تديُّن وعبادة وعمل السابقين -بعد مجيء الإسلام- لأنهم يعبدون الله على دين منسوخ. وإنما تعني قبول هؤلاء، واعتبارهم ناجين من أهل الجنة وفق شروط لابد من توفرها: إنهم لا بد أن يؤمنوا بالله واليوم الآخر حق الإيمان، ومن لوازم الإيمان بالله، الإيمان بكل كتب الله -ومنها القرآن- والإيمان بكل رسل الله -ومنهم محمد ﵊ فكل من لم يؤمن بالقرآن على أنه كلام الله لم يؤمن باللهِ حق الإيمان، وكل من لم يؤمن بأن محمداً رسول الله لم يؤمن باللهِ حق الإيمان. فهل اليهود والنصارى الآن يؤمنون بالقرآن وبمحمد ﵊؟؟. ثم اشترطت الآيات أن يكون العمل صالحاً، حتى يكون مقبولاً عند الله، ولن يكون العمل صالحاً إلا إذا كان كما يريد الله، ووفق ما بيَّنه في الدين الأخير والشريعة الخاتمة، أما من عمل عملاً وفق دين سابقٍ منسوخ، فلن يكون صالحاً ولا مقبولاً منه. إن اليهود والنصارى الآن لا يؤمنون بالله كما يريد الله، ولا يعملون العمل الصالح كما بيَّنه الله، ولذلك لا تعنيهم هذه الآيات.

стр. 146

إن الآيات تنطبق على أولئك الصابئين -وهم أتباع دين إبراهيم ﵇ على أرجح الأقوال- الذين آمنوا بالأنبياء اللاحقين، والذين دخلوا في دين الإسلام، واتبعوا محمداً ﵊. وإنها تنطبق على اليهود الذين أدركوا عيسى ﵇ فآمنوا به واتبعوه. وعلى اليهود الذين أدركوا محمداً ﵇ فآمنوا به واتبعوه، ودخلوا في دينه. وإنما تنطبق على النصارى الذين أدركوا محمداً ﵇ فآمنوا به واتبعوه ودخلوا في دينه، وكانوا مسلمين. يجب أن نقرأ الآيات السابقة مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. ومع قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. إنه خيرٌ للذين يحرّفون معاني كلام الله، حتى يحسبوا أنهم مقبولون عند الله، أن يعرفوا ماذا يريد الله منهم، وأن يبحثوا عن الحق جادين، وأن يكونوا من أهله المؤمنين المقبولين، وأن يجمعوا آيات القرآن حول الموضوع الواحد، ويستخرجوا منها دلالتها مجتمعة. ***

стр. 147

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. تقرر هاتان الآيتان حقيقةً أساسيةً من حقائق التصوّر الإسلامي الثابتة، وقاعدةً من قواعده الطردة، وأساساً هاماً في مبدأ الثواب والعقاب. إن الثواب والعقاب على الأعمال التي يعملها الإنسان، فمن عمل خيراً جُوزِي به ثواباً، ومن عمل شراً عرَّض نفسه للعقاب. وهذا المبدأ الرباني الثابت بشأن الثواب والعقاب، مظهرٌ من مظاهر عدل الله المطلق، الذي لا يظلم أحداً، والذي يرتب النتيجة على المقدمة، ويجعل الجزاء من جنس العمل. واعمل ما شئت، كما تَدين تُدان. وهذا المبدأ من مظاهر علم الله الشامل لكل ما يعمله الإنسان، حيث لا يغيب عن الله شيء، وما يعمله الإنسان مثبّتٌ ومسجّلٌ ومحفوظٌ في سجل أعماله، ويوم القيامة يُحضَر هذا السجل للحساب، ويوضع في الميزان الحساس الدقيق الذي لا يلغي مثقال ذرة، ولا يضيعها.

стр. 148

من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، مهما كان انتماؤه ودينه، حتى لو كان كافراً. ومن يعمل مثقال ذرّة شراً يره، مهما كانت عبادته، حتى لو كان وليّاً. وقد يأتي أحد الكافرين -وبخاصة اليهود النصارى- فيتوكأ -لهدفٍ خاصٍّ في نفسه- على هذه الآية، ويجعلها شاهدةً على قبول أعماله الحسنة التي يقوم بها، وعلى إثابته عليها عند الله يوم القيامة، وعلى كونه بسببها من أهل الجنة. فيقول هذا اليهودي أو النصراني للمسلمين: إن قرآنكم يدل على أن أعمالنا الخيّرة مقبولةٌ عند الله، ولهذا نحن نقدم أموالاً طائلةً للمدارس والمشروعات الخيرية، وها هم أحبارنا ورهباننا يُكثرون من الذكر والصلاة والصيام والقيام -على الطريقة اليهودية أو النصرانية طبعاً- وقرآنكم يشهد على قبول أعمالهم: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾، وفهم هؤلاء مغلوطٌ خاطئ، وكلامهم تحريف لمعنى الآية. والمثير للعجب والدهشة والاستغراب هو أن يفهم هذا الفهم المغلوط بعض المسلمين، وأن يردد هذا الكلام بعض حملة العلم من المسلمين. نقل سيد قطب عبارةً عجيبةً للشيخ محمد عبده بهذا الخصوص. قال: جاء في تفسير الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾: وما نقله بعضهم من الإجماع على أن الكافر لا تنفعه في الآخرة حسنة، ولا يخفف عنه عذاب سيئة ما، لا أصل له. لا بد من قرْن هاتين الآيتين بآياتٍ أخرى صريحة، تحدد مبدأ قبول الأعمال عند الله، وتشترط الإِيمان والدخول في الإِسلام لقبول أعماله، ونجاته من العذاب يوم القيامة.

стр. 149

قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثوراً﴾. نقرر هذه الآيات الثلاث حقيقةً قرآنيةً قاطعة، تُعتبر أساساً من أسس التصور الإسلامي في قبول الأعمال. إن الإيمان بالله، والتصديق بكتب الله، واتِّباع رسل الله، والدخول في دين الإسلام -الذي هو الدين عند الله، ولن يقبل الله ديناً غيره يوم القيامة- إن هذا كله شرطٌ لقبول الأعمال عند الله، ومنح الثواب لأصحابها يوم القيامة، وإدخالهم جنّة الله سبحانه. ومن هذا نفهم أن أعمال الكافرين الصالحة غير مقبولةٍ منهم يوم القيامة، وأن الخيرات التي يقوم بها اليهود والنصارى لا يثابون عليها يوم القيامة. وأنه لا يجوز لأحد هؤلاء الكافرين أن يُحرّف معاني الآيات، كما لا يجوز لمسلم أن يخالف مقرراتٍ أساسيةً لنصوص القرآن الصريحة. بعد هذا البيان قد يتساءل أحدهم: إن الكافر قد يعمل أعمالاً حسنة،

стр. 150

وقد يقوم ببعض الأمور الخيرية، وُيقدم أموالاً لمشاريع خيرية. وطالما أن القرآن يقرر عدم قبولها يوم القيامة فماذا يأخذ صاحبها عليها؟ هل تُلغى في الدنيا كذلك؟ وهل يخرج منها صفر اليدين؟ إن هذا لا يتفق مع عدل الله الذي لا يضيع شيئاً!. نقول: لا يعني هذا عدم قبولها منهم في الدنيا، بمعنى أن الله لا يحاسبهم عليها في الدنيا. إن الله يحاسب هؤلاء على أعمالهم في الدنيا، ويثيبهم عليها في الدنيا، ويكون هذا من باب تعجيل حسناتهم لهم في الدنيا، لأنها غير مقبولة يوم القيامة. ويكون هذا الثواب في صورة تيسير سبل الحياة التي يعيشونها، كأنْ يوسِّع لهم في الرزق، ويمتّعهم بصحة الأبدان، والتوسع في العمران، وكثرة الأموال والثمرات. فإذا بقي لأحد هؤلاء الكافرين عند ربه حسنات، سهَّل الله عليه الموت، حتى يموت وليس له عند الله حسنة واحدة. لأنه سيذهب إلى نار جهنم يوم القيامة. بينما المسلم إذا أذنب ذنوباً، عاجله الله بالعقوبة في الدنيا -إن أراد العفو يوم القيامة- فضيَّق عليه في رزقه وحياته، وابتلاه بالأمراض والغمّ والهمّ والحزن والألم، فإذا بقي عليه سيئاتٍ، شدّد الله عليه الموت، بحيث يموت نظيفاً وليس عليه سيئة واحدة. ***

стр. 151

﴿وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ قال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾. تسجل هذه الآية حجة العصاة والمذنبين في الدفاع عن أنفسهم وهم يرتكبون الفواحش، وتبرير ارتكابهم لها. إذا فعلوا فاحشةً قالوا: وجدنا عليها آباءنا، أي أن هؤلاء مقلِّدين للآباء والأجداد، أسرى للعادات والتقاليد، مقيَّدين بالواقع الذي وجدوه وعاشوه، فكلما وجدوه أمامهم فهو مقبول، أليس آباؤهم الذين يقدِّرونهم فعلوه؟. وهذا التحريف المفضوح والتبرير المرذول، يهون أمام ما يقولونه بعد ذلك: "وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا! ". الله أمرنا بهذه المعصية وهذه الفاحشة، الله قدَّرها علينا، والله كتبها علينا، والله طلبها منا، وأزادها منّا. أليس الله على كل شيءٍ قدير؟ فإذا كان لا يريد هذه المعصية، فلماذا لم يَحُل بيننا وبين فعلها؟ ولماذا لم يمنعنا منها؟ أليس كل ما نفعله بقدر، والله الخالق لكل شيء؟ إذن الله هو الذي قدَّر فعل الفاحشة علينا. أليس كل ما يحدث في الكون إنما هو بإذن الله

стр. 152

وإرادته ومشيئته؟ ووفق أمره؟ إذن الله هو الذي أمرنا بفعل هذه المعاصي والفواحش، أمرنا بالكفر والشرك والضلال! وقد أشار القرآن في موطنٍ آخر إلى كلام الكافرين والمشركين، في تبرير ذلك منهم، وإحالة ذلك على إرادة الله ورضاه وأمره وقدره. ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾. هذه هي سمة المشركين والكافرين وطبيعتهم، إنهم يُسندون كفرهم وشركهم وضلالهم إلى أمر الله ورضاه ومشيئته، في أي زمان ومكان، حتى لو كانوا في القرن العشرين. وهذه هي سمة العصاة والمذنبين وطبيعتهم، إنهم يُسندون الإذن بالمعاصي والفواحش إلى الله، ويزعمون أنه هو الذي أمرهم بها، وطلبها منهم، ورضيها لهم. والعصاة والمذنبون في هذا الزمان يقومون بهذا الزعم والمغالطة والتحريف والتبرير. وإن الإنسان المسلم البصير ليتساءل بعجب واستغراب: ما بال الكافرين ورب العالمين؟ وطالما أنهم كفروا بالله، فلماذا يتحجّجون بإرادته وقدره ومشيئته؟ .. وإن هذا المسلم البصير يتساءل بعجب واستغراب: ما بال العصاة ورب العالمين؟ ولماذا يلجأ هؤلاء في تبرير معاصيهم وفواحشهم وانحلالهم إلى مشيئة الله وقدَره ورضاه؟ أليسوا قد تجرَّأوا على الله واستهانوا بأوامره وأحكامه؟ أليسوا قد ارتكبوا ما نهاهم عنه؟ وأي تعظيمٍ لله بقي عندهم؟ وأي شعور بخشية الله والحياء منه بقي في قلوبهم -إن كانت لهم قلوب-؟

стр. 153

وهل يريد هؤلاء أن يضيفوا إلى هذه الفواحش والذنوب والكبائر، ذنوباً وفواحش وكبائر جديدة -لعلّها أشدّ فُحشاً من تلك-؟ هل يريدون أن يضيفوا إلى قلّة الحياء وموت القلوب، الافتراء على الله والتحريف لكلامه؟ أم أن الأمرين متلازمان؟ فكل من تجرّأ على مقام ربه استهان بكلامه وافترى عليه؟؟. المهم أن نلجأ نحن إلى القرآن، في ردّه على تحريف هؤلاء لكلام الله، وافترائهم على الله، وإسنادهم ارتكابهم المعاصي إلى رضى الله!. قال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. وبإمعان النظر في الآيات، واستخلاص طريقتها في إبطال مزاعم العصاة، نجد ما يلي: ١ - إن الله لا يأمر بالفحشاء. إن زَعْمَ هؤلاء كذبٌ على الله وافتراء عليه، وإنه لا يتفق مع صفات الله وأسمائه، ولا مع فعله وأمره. ٢ - إنهم كاذبون على الله، مفترون عليه، لأن الله قد أبطل كلامهم ورده، وأكذبهم فيه. ٣ - إنهم لا يتصفون بعلم، فهم يقولون على الله ما لا يعلمون. وكلامهم السابق يصنَّف ضمن هذا، إنه ناتج عن عدم علمهم باللهِ وصفاته

стр. 154

وأفعاله، ولذلك فهو جهلٌ محضٌ، وخطأٌ ظاهر، لا يملكون حجةً ولا برهاناً ولا دليلاً. ٤ - فإذا كان قد أكذبهم، وأبطل زعمهم، وبيَّن أنه لا يأمر بالفحشاء أبداً. فما هو الذي يأمر الله به ويريده، ويطلبه من المخلوقين؟ إنه القسط والعدل والحق والصواب، ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالقِسْط﴾. إنها العبادة والطاعة والإخلاص والتضرع إلى الله ﴿وَأَقيموا وَجوهَكُمْ عِنْدَ كُلً مَسْجِد وَادْعوُه مُخْلِصينَ لَهُ الدّين﴾. ٥ - إن هؤلاء العصاة والكافرين متبعون للشيطان لا للرحمن، منفذون الشيطان وتعاليمه، إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله، ويحسبون أنهم مهتدون. إن الشيطان هو الذي أمرهم بالفواحش والمعاصي والكفر والضلال، فلماذا يُسندون هذا الأمر إلى الله الذي لا يأمر بالفحشاء؟. وكيف عرفوا أن الله أمرهم بالفحشاء؟ هل اطَّلعوا على الغيب؟ هل قرأوا ما في علم الله وقدره ومشيئته؟ هل وقفوا على ما قدَره الله عليهم في اللوح المحفوظ؟ إن هذا كله مستحيل. وقد أبطل القرآن مزاعم هؤلاء في موضع آخر: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.

стр. 155

١ - إنهم كاذبون في هذا القول. ٢ - إنهم تابعون للكاذبين من قبلهم. فالذين من قبلهم من الكافرين زعموا هذا الزعم، وافتروا هذا الافتراء. ٣ - إن الله ما أراد منهم الكفر، ولا رضي لهم الشرك، لا هم ولا الذين من قبلهم. ٤ - والدليل على أن الله ما رضي لهم ولا لمن قبلهم الكفر والشرك، أن الله قد عذّب السابقين الكافرين، وأوقع بهم بأسه وانتقامه، وحصل لهم بسبب كفرهم وشركهم التدمير والهلاك. وأنَّ الله سبحانه عادلٌ في أفعاله وقضائه، فلو رضي منهم الكفر وأراد لهم الشرك، لما عذّبهم ودمّرهم. وطالما علمنا علم اليقين أنهم قد عُذِّبوا ودُمَّروا وأهلكوا، وعلمنا علم اليقين أنه بسبب كفرهم وشركهم وضلالهم، علمنا علم اليقين أن الله ما رضي منهم الكفر والشرك والضلال، ولا طلبه منهم، ولا أمرهم به. ٥ - إنهم في كلامهم السابق لا يصدرون عن علم، ولا يملكون عليه حجةً ولادليلاً ولا برهاناً، فإذا كان كذلك فكيف يقبلون هذا الكلام؟ ويصدِّقون أنفسهم فيه؟. ٦ - إنهم في هذا الزعم الباطل متبعون للظن الخادع، والتخريص الواهمٍ، والحدس المضلّل، والتخمين المشكّك، فكيف يجعلون هذا علماً وحجة، ويزعمون بها النجاة يوم القيامة. قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.

стр. 156

وهذه الآية هي بيانٌ لما يرضاه الله ومايامر به. وتقريرٌ لما يليق به سبحانه في هذا الموضوع -ارتكاب المحرمات والمعاصي والذنوب-. إن الإِنسان هو الفاعل لما يختار. فهو الذي قد يقوم بالكفر والمعصية والفاحشة -ونلاحظ الفاعل في فعل " تكفروا "- فإذا فعل ذلك، فإنه لن يضر الله بجريمته، لأن الله غنيٌّ عنه، وسبحان من لا تضرّه معصية!. ثم إن الله لا يقبل من هذا كفره وفجوره ومعصيته، ولا يرضاه -ونلاحظ الفاعل في فعل " لا يرضى لعباده "- فالإنسان هو الذي يختار الكفر، والله هو الذي لا يرضاه له. أما إذا اختار الإنسان الإيمان والطاعة، وقام بالشكر لربه -فهو فاعل " تشكروا "- فإنه ينال بذلك رضوان الله، لأن الله هو الذي يرتب عليه الرضى -فهو فاعل " يرضه " والمفعول به هو الشكر- ويحقق له القبول، ويفيض على عبده الشاكر ما يفيض من رضوانه وتوفيقه وإنعامه. إن الله خلق الإنسان مزدوج الاستعداد، عنده استعدادٌ للسير في طريق الخير، واستعدادٌ للسير في طريق الشر. ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السبيل إِمّا شاكِراً وَإِمْا كَفوراً﴾، وإن الله جعل فيه القدرة على اختيار أي الطريقين، ومتابعة السير فيها. ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ -وَنَدعو إلى إمعان النظر في الأفعال الستة، وملاحظة الفاعل في كل فعل منها، وتوظيف هذا في استخلاص لفتات إيمانية عقيدية في موضوع الهدى والضلال-. وهذا الإنسان في اختياره لجانب الهدى أو الضلال، لن يخرج عن مشيئة الله سبحانه وعلمه، فإن الله هو الذي شاء له ذلك، وعلم ما سيقوم به:

стр. 157

﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. إنه لن يخرج عن مشيئة الله، لأنه لا يقع في الكون شيء إلا بعلم الله ومشيئته سبحانه -وإلا ما كان إلهاً- فهو الخالق لكل شيء: ﴿إِنّا كل شَيْء خَلَقْناه بِقَدَر﴾. ولهذا: فهو شاء كُفْر هؤلاء وشركهم، بمعنى أنهم لم يفعلوه رغماً عنه -سبحانه- ولا أنه لم يكن عالماً بما سيختارونه - سبحانه -: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾. كل شيء يحدث -ومنه كفر الكافرين ومعصية العصاة- فبمشيئة الله سبحانه الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. ولكن مشيئة الله لها مظهران وجانبان: ١ - مشيئة العلم: بمعنى علم الله بما سيكون، وما سيفعله هذا الإِنسان من خير أو شرّ، قبل أن يفعله هذا الإِنسان، وكون هذا الفعل في مشيئة الله وعلمه وتقديره قبل أن يخلق الكون وما فيه ومن فيه. وعلى هذا نحمل هذه النصوص: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.

стр. 158

٢ - مشيئة الرضا: بمعنى رضى الله عن ما يفعله الإنسان وقبوله له، وأمره به وطلبه منه، فهذه لا تكون للكافرين والعصاة وأصحاب الذنوب والفواحش، بل تكون للمؤمنين الشاكرين العابدين ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾. ***

стр. 159

﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾. الحديث في هذه الآية عن جهنم، حيث يجعل ورودها لجميع الناس. فما من إنسانٍ إلا سيرد جهنم، مسلماً كان أو كافرا. وقد فهم بعض الناس أن الورود في الآية معناه الدخول في جهنم. فقالوا: ما من إنسان -مسلماً كان أو كافراً- إلا سيدخله الله جهنم ويعذبه فيها. وينتقل هؤلاء من هذا الفهم المغلوط لمعنى الورود ولمعنى الآية، إلى تشكيك الصالحين بجدوى وفائدة وثمرة صلاحهم وعبادتهم وطاعتهم، ويزعمون لهم أنها لا تنفعهم يوم القيامة، بل يكونون معهم في نار حهنم. فالكل معذّب، صالحٌ وطالح، مطيعٌ ومذنبٌ، فلماذا يُتعبون أنفسهم في الدنيا بالعبادة والمجاهدة والتقوى؟، ولماذا لا يكونون مثل العصاة والمذنبين طالما سيكونون معهم في نفس المصير؟. إن هذا فهمٌ مغلوطٌ، وتحريفٌ لمعناها، ودليل الجهل المرذول الذي وقع به هؤلاء: قول الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾.

стр. 160

فعند قراءة الآية الثانية -التي تقرر معنى الآية الأولى، وتبين المراد منها- نعلم أن المتَّقين ناجون، وأنهم غير معذبين، وغير داخلين في جهنم. بل المعذَّبون هم الظالمون الذين يتركهم الله في جهنم " جِثِيّا ". هذا أمرٌ. وأمرٌ آخر: إن الورود ليس معناه دخول جهنم، بل معناه المرور عليها. المرور على الصِّراط المستقيم الذي يُنصب على شفيرها. فيجتاز المسلمون الناجون هذا الصّراط إلى جنة الله، بينما يمرّ عليه الكافرون والعصاة فيهوون عنه إلى جهنم -والعياذ باللهِ-. روى مسلم في صحيحه عن أم مبشر الأنصارية ﵂: أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: لا يدخل النار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة أحد -الذين بايعوا تحتها- قالت: بلى يا رسول الله. فانتهرها. فقالت حفصة: ﴿وَإنْ مِنْكُمْ إِلّا وارِدُها﴾، فقال النبي ﷺ : قد قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾. وروى الترمذي عن السدي قال: سألتُ مُرَّةَ الهمداني عن قول الله تعالى: ﴿وَإنْ مِنْكُمْ إِلّا وارِدُها﴾، فحدَّثني أن عبد الله بن مسعود حدّثهم قال: قال رسول الله ﷺ : " يَرِدُ الناس، ثم يصدرون عنها بأعمالهم، فأولهم كلمح البرق، ثم كالريح، ثم كحُضر الفَرَس، ثم كالراكب في رحله، ثم كشَدِّ الرجُل، ثم كمشيه ". وروى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ " ثم يُضْرب الجسر على جهنم. وتحِل الشفاعة. ويقولون: اللهم سلِّم، سلِّم. قيل: يا رسول الله. وما الجسر؟

стр. 161

قال: دَحْضٌ مُزِلّة، فيه خطاطيف وكلاليبٌ وحَسَك، تكون بنجدٍ فيها شُويكة، يقال لها " السَّعْدان " غير أنه لا يعلم ما قدْر عِظَمِها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم الموبَق بعمله، ومنهم المُجازَى حتى ينجو. فيمرّ المؤمنون كطَرْف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب. فناجٍ مُسَلَّم، ومخدوشٌ مرسل، ومكدوسٌ في نار جهنم ". قال الإمام النووي في شرح هذا الحديث، والأقسام الثلاثة هنا: " إنهم ثلاثة أقسام: قسم يَسْلم فلا يناله شيء أصلاً. وقسم يُخدش ثم يُرسل فيُخلص، وقسم يُكردس وُيلقى فيسقط في نار جهنم ". وقال الإمام النووي في موضعٍ آخر، من شرحه على صحيح الإمام مسلم: " اعلم أن مذهب أهل السنّة، وما عليه أهل الحق من السلف والخلف، أن من مات موحداً، دخل الجنة قطعاً على كل حال. فإن كان سالماً من المعاصي، كالصغير والمجنون والذي اتصل جنونه بالبلوغ، والتائب توبةً صحيحةً من الشرك أو غيره من المعاصي، إذا لم يُحدث معصية بعد توبته، والموفّق الذي لم يُبتل بمعصيةٍ أصلاً. فكل هذا الصنف يدخلون الجنة، ولا يدخلون النار أصلاً. لكنهم يَردونها على الخلاف المعروف في الورود. والصحيح أن المراد به المرور على الصراط، وهو منصوبٌ على ظهر جهنم، أعاذنا الله منها ومن سائر المكروه ". ***

стр. 162

﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْ﴾ قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾. تبين الآية الكريمة أن كل مجموعة من مجموعات المخلوقات الحيّة -سواء كانت دواباً في الأرض أو طيوراً في الفضاء- تعتبر أمةً مخصوصةً مستقلة، لها نظامها وكيانها وحياتها الخاصة، أمة مثل أمة الناس. وتقرر الآية أن كل أمةٍ من هذه الأمم، ومجموعةٍ من هذه الخلائق، هي في كتاب الله وعلمه. وأن ذلك الكتاب لم يفرط شيئاً منها، مهما دقّ وصغر وقلّ. ثم تعود هذه الأمم والخلائق إلى ربها، وتُحشر إليه يوم القيامة. فالمراد بالكتاب في الآية هو الكتاب الأزلي الذي أثبت الله فيه كل ما سيكون في السموات والأرض. لكن بعض المفسِّرين والناظرين في القرآن لم يَحملوا الكتاب على هذا المعنى، بل قالوا: المراد بالكتاب في الآية هو: القرآن الكريم. ويقول هؤلاء: إن القرآن الكريم حوى كل شيء في حياة الناس والكون، وإن الله لم يُفرط فيه شيئاً، ولم يُسقط منه شيئاً. أورد الإمام الرازي في تفسير الآية القولين في المراد بالكتاب. ورجح القول الثاني الذي قال فيه:

стр. 163

" القول الثاني: أن المراد منه القرآن. وهذا أظهر. لأن الألف واللام إذا دخلا على الاسم المفرد، انصرف إلى المعهود السابق. والمعهود السابق من الكتاب عند المسلمين هو القرآن، فوجب أن يكون المراد من الكتاب في هذه الآية القرآن ". وقد حمل كثير من الناظرين في القرآن في هذا العصر، الكتاب على القرآن الكريم، واعتبروا الآية دليلاً على الإعجاز العلمي في القرآن -كما يقولون- وأن القرآن فيه مختلف أنواع العلوم والمعارف والنظم والمناهج والتشريعات. فكم استشهد بالآية على هذا المعنى، خطباء ومحاضرون وكُتّاب ومتكلِّمون. ونرى أن فهم هؤلاء للآية غير دقيق، واستشهادهم بها على ما يريدون غير صائب، وحملهم الكتاب فيها على القرآن غير سليم. ونرى بأنهم جميعاً يخالفون السياق الذي وردت فيه الآية، والمعنى العام لها. لا يمكن أن يُراد بالكتاب في الآية القرآن الكريم، بل المراد به " اللوح المحفوظ " و " أم الكتاب " و " الكتاب المبين " الذي حوى كل ما سيكون في السموات والأرض، من الأمور الصغيرة والكبيرة، والدقيقة والجليلة، في الكون وحياة الإنسان والحيوان. ودليلنا على هذا الفهم -الذي نراه صواباً إن شاء الله- عدة أمور: الأول: الموضوع العام للآية: حيث تقرر أن كل دواب الأرض، وكل حيواناتها، وكل حشراتها، وكل طيورها، وكل أناسيِّيِّها، أممٌ مستقلة منتظمة، فعالم النحل أمة، وعالم النمل أمة، وعالم الأسود أمة، وعالم النسور أمة، وهكذا.

стр. 164

وهذه الأمم الكثيرة التي لا تُحصى، سواء كانت في البر أو البحر أو الجو، كلها في كتاب الله وعلمه وتقديره وتدبيره، كلها في اللوح المحفوظ، الذي حوى أجناس تلك الأمم وأفرادها وحركاتها وأعمارها وأرزاقها. ولم يهمل هذا اللوح -أو الكتاب- شيئاً من ذلك، وما فرط الله فيه شيئاً من ذلك. وإن هذه الأمم التي لا تُحصى سوف يحشرها الله إليه. وتخيل يوم الحشر، حيث حُشرت فيه كل هذه الأمم، من الإنس والجنّ والطير والدّواب والحيوانات والحشرات، وتمَّ الحساب أمام هذه الخلائق المجموعة. ولا يمكن أن يُراد بالكتاب في الآية القرآن، إذ يستحيل أن تكون كل هذه الأمم -التي لا تُحصى- موجودة في القرآن، بأجناسها وأسمائها وأفرادها وأعمارها وحركاتها وأرزاقها. الثاني: وردت آية أخرى تتحدث عن نفس الموضوع، وكان المراد بكلمة " كتاب " فيها علم الله باتفاق العلماء. وهي قول الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. فرزق كل الدّواب ومكان استقرارها ونومها وحركتها: في كتابٍ مبين وهو علم الله الشامل. ونحن عندما نريد أن نتدبَّر القرآن، ونفهم آياته، ملزمون بتفسير القرآن بالقرآن، بمعنى أن نجمع الآيات ذات الموضوع الواحد، وننظر فيها معاً، ونستخرج دلالاتها مجتمعة. فهاتان آيتان تتحدثان عن الأمم والدّواب والمخلوقات، وأنها كلها في كتابٍ مبين. والكتاب في آية سورة هود هو علم الله الأزلي باتفاق العلماء.

стр. 165

والكتاب في آية الأنعام يمكن أن يراد به علم الله الأزلي، ويمكن أن يراد به القرآن. لهذا وجب حمل آية الأنعام على آية هود، والقول بأن المراد بالكتاب في الآيتين هو علم الله الأزلي، نظراً لوحدة موضوع الآيتين. الثالث: وردت كلمة " الكتاب " بمعنى علم الله الأزلي في غير الآيتين السابقتين، كما في قول الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾. وكما في قول الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. وهذا لا ينفي ورود كلمة " الكتاب " بمعنى القرآن الكريم، حيث وردت آياتٌ كثيرة بذلك. منها قوله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾. ومنها قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾. الرابع: نفي التفريط عن الله في الكتاب، في قوله: ﴿ما فَرطْنا في الكِتابِ مِنْ شَيْء﴾ يدل على أن المراد به علم الله الأزلي. قال الإمام الراغب في المفردات: " فرّط: إذا تقدم تقدماً بالقصد. والإفراط أن يُسرف في التقدم. والتفريط أن يُقصر في الفَرَط وهو التقدم. يقال: ما فرّطت في كذا: أي ما قصّرت ".

стр. 166

ولذلك يقال: خذ الأمر بدون إفراطٍ ولا تفريط. أي بدون مبالغةٍ في التقدم، ولا مبالغة في التقصير والتأخر. وينفي الله سبحانه -في الآية موضوع البحث- عن نفسه التقصير والتفريط في علمه بالأمم المختلفة، من الإنس والجنّ والطير والدّواب والحشرات. إذ أن كل ما يتعلق بها تفصيلياً، مثبتٌ في اللوح المحفوظ. وقد ذهب كثيرٌ من أهل السلف إلى أن المراد بالكتاب في الآية اللوح المحفوظ، وعلم الله الأزلي الذي أحاط بكل ما هو كائن. حيث أورد إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري، طائفةً من أقوالهم في ذلك: فعن ابن عباس ﵄: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، ما تركنا شيئاً إلا قد كتبناه في أم الكتاب. وعن الإمام ابن زيد قال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾. كلهم مكتوب في أم الكتاب. وأورد السيوطي في " الدر المنثور " طائفةً أخرى من أقوالهم: فعن قتادة قال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾: من الكتاب الذي عنده. وعن ابن زيد في قوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾. قال: لم نغفل الكتاب. ما من شيء إلا وهو في ذلك الكتاب. وعن عبد الله بن زيادة البكري قال: " دخلتُ على ابنيْ بشر المازنيَّيْن -صاحبيْ رسول الله ﷺ فقلتُ: يرحمكما الله، الرجل منا يركب الدّابة، فيضربها بالسوط أو يكبحها باللجام، فهل سمعتما من رسول الله

стр. 167

صلى الله عليه وسلم في ذلك شيئاً؟ فقالا: لا. فنادتني امرأة من الداخل فقالت: يا هذا، إنَّ الله يقول في كتابه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ ". فقالا: هذه أختنا، وهي أكبر منّا. وقد أدركت رسول الله ﷺ . ونورد -من باب استكمال الفائدة- آياتٍ من القرآن تدل على شمول القرآن للأحكام والتشريعات، وتقدم الشهادة بصورة لا مطعن فيها ولا رفض ولا ردّ، لأن معناها وموضوعها وسياقها يوحي بذلك: من هذه الآيات قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً﴾. وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾. ***

стр. 168

﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. ما أكثرَ ما يساءُ فهم هذه الآية في هذا الزمان، وما أكثر ما يساء الاستشهاد بها، وما أكثر ما يحرَّف معناها. إننا نرى ونسمع كثيرين -ممن ركنوا إلى الظالمين وباعوا أنفسهم لهم- يريدون أن يبرروا لأسيادهم أعمالهم ومواقفهم، فيتوجهون إلى الآية، ويوظفونها لهذه الغاية. يريد حاكمون أن يهادنوا أعداءهم من اليهود، ويختارون أن يفاوضوهم ويسالموهم ويصالحوهم، ويرفضون قتالهم وجهادهم، ويلغون الحل الجهادي والخيار العسكري القتالي، ويفتحون أبواب الحل السلمي والمفاوضات والمهادنة، ويرغبون في الصلح مع الأعداء، والتنازل لهم عن جزء من الأراضي المحتلة. ويَظْهرون على شعوبهم بهذا الاختيار، ويدعونهم كي يكونوا معهم فيه. ويلجأ أناس ممن ركنوا إلى هؤلاء الحكام، وارتبطوا بهم، وباعوا أنفسهم ودينهم لهم -من حملة الشهادات الشرعية وأصحاب الوظائف

стр. 169

الإسلامية الرسمية- إلى القرآن الكريم، يبحثون فيه، ويقلِّبون في سوره وآياته، لعلهم يجدون آيةً يحرِّفون معناها لخدمة أسيادهم، ويوظفونها شاهدةً على صواب أعمالهم. وفي موضوع المصالحة للأعداء ومفاوضتهم ومهادنتهم يقولون: لقد وجدناها: إن هذه الآية -كما يزعمون- تدل على جواز الحل السلمي، وإلغاء الحل العسكري الجهادي، وتُبارك مفاوضة الأعداء اليهود، ومهادنتهم، والتنازل لهم عن بعض الأراضي. وهذا تحريفٌ لمعنى الآية، وتأويلٌ مرفوضٌ لمفاهيمها، وتفسيرٌ باطلٌ لها. ننظر أولاً في السياق الذي وردت فيه الآية. قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (٥٩) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٦٠) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾.

стр. 170

لا يجوز فصلُْ الآية عن سياقها، حتى لا نخطئ في فهمها وتفسيرها، لأن النظر في السياق شرطٌ لصحة تفسيرها، وواجبٌ على من أراد حسن فهمها. إنها آيةٌ ضمن مجموعةٍ من الآيات عن موضوع الحرب والجهاد، والعلاقات بين المسلمين والكفار: الكفار دواب. والكفار ينقضون عهودهم مع المسلمين في كل مرة، ولهذا يجب على المسلمين أن يقاتلوهم بقوةٍ وغلْظة وشجاعة، بحيث يوقِعون الرعب في قلوب الآخرين، ويشردونهم فلا يفكرون في قتال المسلمين. وإذا ما حاول الكفار نقض العهد مع المسلمين، فعلى المسملمين أن يُعلِموهم بإلغاء العهد معهم، وإعلان الحرب عليهم. وإن الكافرين لا يعجزون المسلمين ولا يغلبونهم. وتطالب الآيات المسلمين بإعداد كل ما يقدرون عليه من ألوان القوة، وأساليب الجهاد، وأسلحة القتال، لمواجهة الأعداء، وبث الرعب في نفوسهم. وهذا الإِعداد والاستعداد، وهذا القتال والجهاد، كفيلٌ بأن يجعل الكفار يائسين من الحرب، راغبين في المسالمة والمهادنة، طالبين للحل السلمي مع المسلمين، مظهِرين رغبتهم في مفاوضة المسلمين على إلقاء السلاح وترك القتال، والخضوع للمسلمين في ما يطلبون. إنَّ الكفار لن يصلوا إلى هذا الأمر، إلا إذا قاتلهم المسلمون بغلظة وشجاعة، وحشدوا لهم كلَّ القدرات والطاقات، وأعَدوا لحربهم كل أساليب القوة. فإذا أوصل المسلمون الكافرين إلى هذه النتيجة، ومال هؤلاء الكافرون

стр. 171

للصلح، وجنحوا للسّلم، وتركوا القتال. فعلى المسلمين أن يجنحوا للسّلم، وأن يقبلوا الصلح. لا تجيز الآية للمسلمين أن يبدأوا هم بالجنوح إلى السلم، وطلب الصلح، وإنما تُجيز لهم أن يَقبلوا جنوحَ الكافرين للسلم وطلبهم للصلح. على الكافرين أن يبدأوا بالجنوح ويخطوا الخطوة الأولى، وعلى المسلمين أن يقبلوا ذلك ويخطوا الخطوة الثانية. وهذا ما نأخذه من صياغة الآية: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها﴾، حيث جاءت جملةً شرطية، وجواب الشرط دائماً مترتبٌ على فعل الشرط. ﴿جنحوا للسلم﴾ فعل الشرط، والذين يقومون بالفعل هم الكفار. ﴿فاجنح لها﴾ جواب الشرط، والذين يقدِّمون الجواب هم المسلمون. ولا يمكن أن نأخذ من الآية أن يبدأ المسلمون بطلب الصلح والجنوح للسلم -كما يريد أن يفهم ذلك بعض المحرِّفين لمعاني القرآن-. والجُنوح هو الميل كما قال الراغب: ﴿وَإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها﴾، أي مالوا. من قولهم: جنحت السفينة، أي مالت إلى أحد جانبيها. وهناك لفتةٌ لطيفةٌ في جعل الدعوة إلى الصلح والجنوح إلى السلم، بيد الكفار، وذلك لأن الذي يوجّه هذه الدعوة، ويميل إلى المسالمة، ويعدل عن الجهاد والقتال، يكون -غالباً- في موقف الضعيف العاجز عن القتال والجهاد، وهذا الضعف قد يقود إلى الذلة والهزيمة. كما أن نتيجة مسالمة هذا الجانح للسلم ومفاوضته مع خصومه، تجعله -غالباً- في موقف الخنوع والخضوع، وتوصله -غالباً- إلى الذلة والمهانة، والاستسلام للخصم، والاستجابة لطلباته.

стр. 172

ولأجل هذه المعاني كلها تَنهى الآية المؤمنين عن البدء بالدعوة إلى السلم، والجنوح إليه. أما إذا جنح الكفار لذلك، وعرف المسلمون حالتهم التي أمْلَت عليهم المسالمة، فعلى المسلمين أن يجنحوا لها، وأن يحققوا ما يريدون عن طريق السلم والمفاوضة والمصالحة والمهادنة، لأن الكفار جاؤوا مسالمين مستسلمين خاضعين. وإذا ما نظرنا في ورود هذه الكلمة " السَّلم " في القرآن، فإننا نرى أنها لم ترد إلا في موضعين: الموضع السابق: ﴿وِإنْ جَنَحوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها﴾ حيث تجعل البدء بالدعوة إلى السلم للكفار، لما قلناه. الموضع الثاني: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾. وهذه الآية تنهى المسلمين عن البدء بالدعوة إلى السَّلم، وتجعل هذا نتيجةً للوهن والضعف والهوان، فلا يجوز للمسلمين أن يكونوا كذلك، ولا أن يدعوا إلى المسالمة والمهادنة، يجب أن يكونوا دائماً متفوّقين غالبين، يشعرون بأنهم الأعلون، لأن الله معهم. وبالنظر في الآيتين نخرج بما قلناه: لا يجوز أن يدعو المسلمون إلى السلم والمسالمة، لأنها دليل الضعف والهوان، أما إذا ضعف الكافرون، ودعوا إلى ذلك، فعلى المسلمين الاستجابة، وإملاء شروطٍ على الكافرين، وإخضاعهم لما يريدون. ومن باب الفائدة نقدم هذه اللطيفة من لطائف التعبير القرآني: ورد في القرآن ثلاث كلمات: السِّلْم، السَّلْم، السَّلَم.

стр. 173

السِّلم ورد مرة واحدة. في قوله تعالىِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. فالمراد بالسِّلم الإسلام، حيث تطلب الآية من المؤمنين أن يدخلوا في الإِسلام جميعاً بجميع حياتهم، وأن يلتزموه عملياً وسلوكياً وحياتياً. أما السَّلْم فقد ورد مرتين: ﴿وَإنْ جَنَحوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها﴾ و ﴿فَلا تَهِنوا وَتَدْعوا إلى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأعْلَوْن﴾. والمراد بالسَّلْم هو المسالمة، والخضوع الناتج عن الضعف والذل والجبن والهوان، وهذا لا يجوز أن يقوم به المؤمنون، بل المفروض أن يقوم به الكافرون. وأما السِّلَم: فهو الاستسلام التام الكامل. وفي موضوع المواجهة بين المسلمين والكفار، السَّلَم هو نتيجةٌ طبيعيةٌ للدعوة إلى السَّلْم. فطالما مُنع المسلمون من الدعوة إلى السَّلْم فلا يجوز أن يقعوا في السَّلَم، وطالما هذه الدعوة إلى السَّلْم صادرةٌ عن الكفار، فيجب أن نوصلهم إلى السَّلَم، وأن تكون نتيجة دعوتهم إلى السَّلْم، أن يكونوا مستسلمين لنا استسلاماً تاماً كاملاً. قال تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (٩٠) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.

стр. 174

﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. تقرر هذه الآية حكم المحاربين للخليفة المسلم، الخارجين عليه، الذين يعلنون الحرب على المسلمين، وتبين الحد الذي يوقعه بهم، وهو الذي أسماه الفقهاء والمفسرون " حَدّ الحرابة ". إن الحكم فيهم: أن من ظفر به الإمام منهم فيقتله، أو يصلبه، أو يقطع يديه ورجليه، أو ينفيه من الأرض. وهناك خلاف بين المفسرين في هذه العقوبات وإيقاعها بالمحاربين، وخلاف في معنى " أو ": ١ - قال بعضهم: هي عاطفة، فيوقع بهم الإمام العقوبات مجتمعة، فيقتل ويصلب ويقطع الأيدي والأرجل. ٢ - وقال آخرون: إنها تخييرية، بحيث يكون الإمام مخيراً في العقوبة التي يوقعها بهم، واختيار نوع العقوبة تحدده مصلحة الجماعة المسلمة من جهة، ودرجة خطورة هؤلاء المحاربين من جهة أخرى.

стр. 175

وما نرجحه هو أن هذه العقوبات مرتبة على حسب الجناية. فمن قَتل ولم يأخذ مالاً قُتل، ومن أخذ المال ولم يقتل قُطع، ومن قَتل وأخذ المال قُتل وصُلب، ومن أخاف السبيل ولكنه لم يأخذ مالاً، نُفي من الأرض. وهذا الحكم في المحاربين، يخطئ فيه بعض المعاصرين، حيث يطبقه على الدعاة، وهذه الآية يستشهد بها بعض المعاصرين، على وجوب إيقاع حد الحرابة على هؤلاء الدعاة، ويبيحون لأعدائهم قتلهم وصلبهم وشنقهم وتعذيبهم. لقد كثر في العصر الحاضر المحاربون لله ولرسوله ولدينه -وبخاصة من المتحكمين والمترئسين والمتنفذين في بلدان المسلمين- بحيث أقصوا شرع الله وهجروا دينه، وطبقوا على الناس شرع الجاهلية، فضلوا وأضلوا، وذلوا وأذلوا، وفسدوا وأفسدوا. ويقوم مسلمون عاملون ودعاة مصلحون ينشرون دين الله ويدعون إليه، وينكرون المنكرات وينصحون ويُذكِّرون. فيتعرضون بسبب هذا إلى بطش الحاكمين وظلمهم، وبغيهم وانتقامهم. فيحاربونهم ويعذبونهم، ويطلقون عليهم أشنع النعوت، ويصفونهم بأقبح الصفات، ويثيرون ضدهم أسوأ الإشاعات والدعايات. فيعتبرونهم خارجين على الطاعة والنظام، وهم من ثَمّ مخربون مفسدون مدمرون، إرهابيون ضالون مضلون. محاربون لله ولرسوله، وللإمام ونظامه، فيأخذونهم ويعذبونهم ويقتلونهم ويشنقونهم. وينبري موظفون في الدولة من أصحاب الوظائف الإسلامية الرسمية، فيباركون للحاكمين أفعالهم، ويجعلون لها سنداً شرعياً، ويصدرون لهم فتاوى

стр. 176

إسلامية، يجيزون لهم فيها ما فعلوه ضد الدعاة والمصلحين، ويحرفون الكلم عن مواضعه، ويجعلون الحق باطلاً والباطل حقاً. ويعتمدون على هذه الآية في فتاويهم وتبريراتهم، فيحرفون معناها ودلالتها وحكمها، ويقتلون الدعاة بها، ويدينونهم من خلالها. وهم يعلمون أنهم كاذبون محرِّفون ضالون مضلون، لكنه التلاعب بالدين، والتزلف للسلاطين، والتحريف لكلام رب العالمين، والركون إلى الظالمين. أما الذين تنطبق عليهم الآية، وأما المحاربون الذين تصفهم الآية، والحكام الذين تُحرّم الآية الخروج عليهم، فقد اخترنا -في بيان ذلك- كلاماً للإمام الشهيد سيد قطب، باعتباره ممن عاش هذه المأساة، واصطلى بنار تلك الفتنة، وأصابته الفتاوى الظالمة، والتحريفات الباطلة، وحُكم عليه بالإِعدام، اعتماداً على حكم الآية في المحاربين، حيث اعتبره الضالون من البغاة المحاربين. " وحدود هذه الجريمة التي ورد فيها النص، هي الخروج على الإِمام المسلم، الذي يحكم بشريعة الله، والتجمع في شكل عصابة، خارجة على سلطان هذا الإِمام، تعتدي على أهل الإسلام، وتعتدي على أرواحهم وأموالهم وحرماتهم. وهؤلاء الخارجون على حاكم يحكم بشريعة الله، المعتدون على أهل دار الإسلام المقيمين للشريعة، لا يحاربون الحاكم وحده، ولا يحاربون الناس وحدهم، إنما هم يحاربون الله ورسوله، حينما يحاربون شريعته، ويعتدون على الأمة القائمة على هذه الشريعة، ويهددون دار الإسلام المحكومة بتلك الشريعة. كما أن للنص -في صورته هذه- مفهوماً آخر متعيناً لهذا المفهوم، هو أن السلطان الذي يحق له -بأمر الله- أن يأخذ الخارجين عليه بهذه

стр. 177

العقوبات المقررة لهذه الجريمة، هو السلطان الذي يقوم على شريعة الله ورسوله، في دار الإسلام المحكومة بشريعة الله ورسوله، وليس أي سلطان آخر، لا تتوافر له هذه الصفة، في أية دار أخرى لا يتوافر لها هذا الوصف. نقرر هذا بوضوح، لأن بعض أذناب السلطة في كل مكان، كانوا يُفتون لحكامٍ، لا يستمدون سلطانهم من شريعة الله، ولا يقومون على تنفيذ هذه الشريعة، ولا يحققون وجود دار إسلام في بلادهم، ولو زعموا أنهم مسلمون. كانوا يُفتون لهم بأنْ يأخذوا الخارجين عليهم بهذه العقوبات، باسم شريعة الله، بينما كان هؤلاء الخارجون لا يحاربون الله ورسوله، بل يحاربون سلطةً خارجةً على الله ورسوله. إنه ليس لسلطة لا تقوم على شريعة الله في دار الإسلام، أن تأخذ الخارجين عليها باسم شريعة الله، وما لمثل هذه السلطة وشريعة الله، إنها تغتصب حق الألوهية وتدّعيه، فما لها لا تتملك بقانون الله وتدعيه ".

стр. 178

﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَ﴾ قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾. إذا أراد الله إهلاك قرية من القرى فإنه يقيم عليهم الحجة قبل إهلاكهم، إنه يأمرهم بالطاعة والعبادة وينهاهم عن الفسوق والعصيان. ولكن المترفين في تلك القرية يعصون أمر الله، ويرفضون طاعته، ويختارون الفسوق والعصيان. عندها يحق عليها أمر الله، ويوقع بها عذابه، ويدمرها تدميراً. هذا هو المعنى الصحيح، والفهم المستقيم للآية. لكن بعض المسلمين قد يخطئ النظر فيها، ويخطئ فهم معناها، ويخطئ القول في تفسيرها، فيقول كلاماً، ينسب فيه لله ما لا يليق، ويثير منه إشكالاتٍ وهمية. معنى الآية عند هؤلاء: أنّ الله يأمر المترفين في الآية بالفسق والعصيان، فيفسقون ويعصون، فيدمرهم الله تدميراً. وهذا كلامٌ خاطئٌ، فيه نسبة ما لا يليق إلى الله، وزَعْم أنه سبحانه يأمر بالفسق والعصيان.

стр. 179

والقرآن صريحٌ في نفي هذا عن الله سبحانه بآيات صريحة. من ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾. وقد سبق أن تحدثنا عن هذه الآية، وصحَّحْنا القول فيها، وصوَّبْنا الفهم لها. اتفق المفسرون على أن الأمر في هذه الآية: ﴿أَمَرْنا مُتْرَفيها فَفَسَقوا فيها﴾، ليس من باب الأمر بالفسق والمعصية لأن الله لا يأمر بالفحشاء. ثم اختلفوا في المراد بالأمر. فالإمام الزمخشري يرى أنه أمْرٌ لهم بالفسق مجازاً وليس حقيقة، ووجه المجاز عنده، أنه أنعم عليهم بالمال ليشكروا، فجعلوا هذا المال وسيلةً للفسق والعصيان. قال في الكشاف: " أمرناهم بالفسق ففعلوا. والأمر مجاز، لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم افسقوا، وهذا لا يكون. فبقي أن يكون مجازاً. ووجْه المجاز: أنه صب عليهم النعمة صباً، فجعلوها ذريعةً إلى المعاصي واتباع الشهوات، فكأنهم مأمورون بذلك، لتسبب إيلاء النعمة فيه. وإنما خوَّلهم إياها ليشكروا ويعملوا فيها الخير، ويتمكنوا من الإحسان والبر، كما خلقهم أصحاء أقوياء، وأقدرهم على الخير والشر، وطلب منهم إيثار الطاعة على المعصية. فآثروا الفسوق، فلما فسقوا حق عليهم القول، وهو كلمة العذاب، فدمرهم ".

стр. 180

وكلام الزمخشري هنا لطيفٌ وطيبٌ وحسن. حيث اعتبر نعمة الله على الناس، ذريعةً للطاعة، وسبباً للتقوى، ووسيلة للشكر. وهؤلاء المترفون لم يستخدموا هذه النعمة كما يريد الله، ولم يؤدوا فيها حق الله، بل جعلوها ذريعة للفسق والمعصية، وهم لولا هذه النعمة لما تمكنوا من المعصية، ولولا الترف لما تمكنوا من الفسوق واتباع الشهوات. لقد لاحظ الزمخشري تصرفهم في المال، واستخدامهم للنعمة. وهذا الْتفاتٌ منه إلى أهمية السلوك والتصرف والممارسة العملية، لأن لسان الحال أبلغ من لسان المقال، ومجال العمل أكثر دلالة على حقيقة ما في النفس. وذهب كثيرٌ من المفسرين إلى أن المراد بالأمر في الآية، الأمر بالمعروف الذي هو ضد النهي، وأنه على ظاهره، وأن متعلقه محذوف، وأن فيها تقديراً. ومعنى الآية عند هؤلاء: ﴿أمرنا مترفيها﴾: بطاعة الله وتوحيده، وتصديق رسله، واتباعهم فيما جاءوا به. ﴿ففسقوا﴾: أي خرجوا عن طاعة أمر ربهم، وعصوه وكذبوا رسله. ﴿فحق عليها القول﴾: أي وجب عليها الوعيد. ﴿فدمرناها تدميراً﴾: أي أهلكناها إهلاكاً مستأصلاً، وأكد فعل التدمير بمصدره للمبالغة في شدة الهلاك الواقع بهم. وقد علق الإمام الشنقيطي في أضواء البيان على هذا القول الذي أورده بقوله: " وهذا القول الذي هو الحق في هذه الآية تشهد له آيات كثيرة ". وبقوله: " وهذا القول الصحيح في الآية جارٍ على الأسلوب العربي المألوف، من قولهم: أمرته فعصاني، أي أمرته بالطاعة فعصى، وليس المعنى: أمرته بالعصيان ".
следующие страницы →