← Адаб

Адаб · id 5390

مطالع البدور ومنازل السرور

الغزولي

Полный текст (317 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قال الخوارزمي من روى حوليات زهير واعتذارات النابغة وأهاجي الحطيئة وهاشميات الكميت وقلائص جرير وخمريات أبي نواس وتشبيهات ابن المعتز وزهريات أبي العتاهية ومراثي أبي تمام ومدايح البحتري وروضيات الصنوبري ولطائف كشاجم ولم يخرج إلى الشعر فلا شب الله قرنه. وإذا نثرت منظوما فغير قوافي شعره عن قرائن سجعه وإذا سرقت معنى فغير الوزن والقافية ليخفي ذلك وإذا أخذت شعراً فزد على معناه وانقص من لفظه واحترز مما يطعن به عليك فحينئذ تكون أحق من قائله وأن لا يكاتب العامة بكلام الخاصة ولا بالعكس وأكثر من حفظ النظم والثر فعلي قدر مل يحفظ منه يقوي فيه وأعلم أن الشعر يسخي البخيل ويشجع الجبان ويفرج الهموم ويرضي الغضبان وكذلك قالوا الشعر يعد من السحر وقال النبي ﷺ : "إن من الشعر لحكمة وإن من البيان لسحرا" وقال الشافعي في كتاب الأم: والشعر كلام كالكلام فحسنه كحسنة وقبيحة كقبيحة وفضله على سائر الكلام أنه سائر في الناس يبقى على الزمان فينظر فيه وإن كان حسنا كان كغيره من الكلام الحسن. انتهى. وقال الشيخ برهان الدين القيراطي في خطبة ديوانه ويكفي من تفضيله أن النبي ﷺ استنشد بعض الصحابة من شعر أمية فأنشده مائة قافية، وكانت الصديقة تحفظ للبيد ألف بيت وافية، وكان الشعبي يقول لو شئت أن أملي عليكم من إنشادي شهراً لا أعيد بيتا لفعلت، وكان الأصمعي يحفظ أثني عشر ألف أرجوزة، وما زال السلف يحفظون الشعر قديماً ويتخذونه في الخلوات نديما وينشدونه في مواطن المؤانسة ويوردون دقائقه في ساعات المجالسة، ولو أوردنا ما ورد في فضله من الآثار المسندة والأخبار الممهدة لوقف الناظر منها على حجج قوية ومحجة ضوية، ولقد كان جماعة من العلماء الراسخين والأئمة الورعين لهم في صناعة الشعر الغاية وانتهوا في الإجادة فيه إلى النهاية يعرف ذلك من وقف على تراجمهم وأحصاها وطالع أخبارهم واستقصاها. وحديث "احثوا في وجوه المداحين التراب" فالمراد به الغلو والإطراء واستقباح المدح المفرط كلاماً وشعراً ونظماً ونثراً ولا يختص ذلك بالشعر وحده لما يخشى من افتتان سامعه عنده. وقال أبو بكر الهذلي: قال لي الشعبي أتحب الشعر قلت نعم إنما تحبه فحول الرجال ويكرهه مؤنثوهم ثم إن الناظمين لأرواح الآلية أفراد والظافرين بفرائده ذوو انفراد والسالكين للمناهج الفاصلية أضمرتهم البلاد والمقتفين لمنار السراج والمتحليين بحيلة الجمال قلت منهم الأعداد والمؤلفين لعقودها المتواتر مدحها أجادوا بما أذعانه إغماد وجهال ما لهم بالأشعار إشعار راموا الوصول إلى معانيه اللطيفة بطباع كثيفة وحاولوا أسبابه الخفيفة بنفوس ثقيلة وأسبابه الثقيلة بعقول خفيفة لا يظفر أحد منهم بأبيات أوتاده وإن كان في عتوه ذو الأوتاد ولا يتجملون من ملابسه بما يسترهم وإن تعصبوا أو نقبوا في البلاد ولا يجيبون من ألفاظهم اليابسة إلا بما يقال لهم إذا قطعوه جابوا الصخر بالواد فيقال لمجيدهم إذا أتى بلفظ وزنه وأخلاه من المعاني الحسنة إذا كنت لا تدري سوى الوزن وحده فقل أنا وزان وما أنا شاعر ثم إن منهم من يظفر بمعنى ولكن يقلبه تركيبا ويركبه مقلوبا ويأتي بجمل غير مفيدة وقد قلت في ذلك من قصيدة: وشاعر بالمعاني لا شعور له ... مركب الجهل يبدي سوء تركيب موكل بمعانيه يحرسها ... فما يركب معنى غير مقلوب فما أولاه يركب على نفسه مقلوبا ويضرب بأذنه على سوء الأدب تأديبا. انتهى كلام القاضي برهان الدين. وقال الشيخ والإمام العالم المفنن النحوي العروضي القاضي زين الدين عمر بن الوردي في خطبة الكلام على مائة غلام ولعمري ما أنصفني من سابي الظن أو قال عني كيف رضي مع درجة العلم والفتوى بهذا الفن فالصحابة كانوا ينظمون وينثرون ونعوذ بالله من قوم لا يشعرون.

стр. 107

وقال أبو بكر الخوارزمي في مدحهم ما ظنك بقوم الاقتصاد محمود إلا منهم والكذب مذموم إلا فيهم ذموا أثبتوا وإذا مدحوا سلبوا وإذا رضوا رفعوا الوضيع وإذا غضبوا وضعوا الرفيع وإذا افتروا على أنفسهم بالكبائر لم يلزمهم حد ولم تمتد إليهم يد غنيهم لا يصادر وفقيرهم لا يحقر وشيخهم يوقر وشابهم لا يستصغر وسهامهم تنفذ في الأعراض إذا بثت سهامهم عند الأعراض وشهادتهم مقبولة وإن لم ينطق بها سجل ولم يشهد عليها عدل سرقتهم مغفورة وإن جاوزت ربع دينار وبلغت ألف قنطار إن باعوا المغشوش لم يرد عليهم وإن صادروا الصديق لم يستوحش منهم بل ما ظنك بقوم اسمهم ناطق بالفضل واسم صناعتهم مشتق من العقل هم أمراء الكلام يقصرون طويله ويقصرون مديده ويخففون ثقيله. وقال الحسن بن سهل: لا تكسد صناعة الشعر إلا في شر زمان وأخس سلطان. ومن حيلهم اللطيفة ما ذكره أبو الفتح كشاجم في كتابه المصائد والمطارد وهو إن بعض الملوك كان كثير الاشتغال بالصيد منهمكا فيه وكان بعض الشعراء قصده فتعذر ما أمله وحال بينه وبينه الحجاب لكثرة الفه بالصيد فعمد الشاعر إلى رقاع لطاف وكتب فيها ما قاله من الشعر في مديحه وصاد عنده من الظبا والأرانب والثعالب وشد تلك الرقاع في أذناب بعضها وآذان بعض وراعي خروجه إلى الصيد فلما خرج كمن له في مظانه ثم أطلقها فلما ظفر بها ورأى تلك الرقاع استبشر وزاد في استظراف الرجل واستلطفه وزاد في رعي ذمامه وأمر بطلبه فأحضر ونال منه خيراً كثيراً. وقريب منها: سأل فخر الملك وزير بني بويه حاجة وأمله فلم يعطه شيئاً فمضى الرجل إلى القاضي واستدعى على بن نباتة الشاعر فلما جاءه الرسول قال والله ما لأحد على دين ولا بيني وبين أحد معاملة ولا محاكمة فمن خصمي أحضره حتى أرضيه فلما جاء الرجل قال ما حقك حتى أوفيك قال له أنت قلت في شعرك حيث مدحت فخر الملك بقولك: لكل فتى فرين حين يسمو ... وفخر الملك ليس له قرين أنخ بجنابه وأنزل عليه ... على حكم الرجا وأنا الضمين فأنت قد ضمت لي ونزلت عليه فلم يفعل والضمين غارم فما أعطاني شيئاً فقال أمهلني حتى أصل إليه فلما دخل على فخر الملك أخبره بالقصة فقال له وكم أملت منه فقال مائة دينار فقال ادفعوها إليه ثم قال لابن نباتة إذا مدحتني فلا تضمن عني (توفي ابن نباتة المذكور سنة خمس وأربعمائة، ومولده سنة سبع وعشرين وثلاثمائة) وقال فخر الترك أيضمر المجنوي يمدح السلطان الملك الصالح أيوب ابن السلطان الملك الكامل محمد بن الملك العادل تغمدهم الله برحمته ويذكر بنيانه للجزيرة المسماة بالروضة وجلوسه بالقياس وأولها: الروض مقتبل الشبيبة مؤنق ... خضل يكاد عصاره يتدفق وقد ذكرت أوائلها في باب الروضات والبساتين ثم ذكرت منها الخمريات إلى مبتدأ هذه الأبيات: إيه مديحي لانفصال قصيدة ... يوم الرهان ولا محولك ضيق هذا مقام الملك حيث تقول ما ... تهوي وتطيب كيف شئت فتصدق في حيث لأشرف الصفات بمعوذ ... فيه ولا باب المدايح مغلق ملك يلوذ الدين منه بمعقل ... أسس سطاه سورة والخندق لو أن سر الملك فيه محنف ... قامت شمائله عليه تنطق هدأت بسيرته الرعية واغتدى ... قلب الحسود من المهابة يخفق فالدين بعد تفرق متجمع ... والكفر بعد تجمع متفرق الصالح الملك الذي آياته ... عقد به جيد الزمان مطوق عرق الرعية بمن دولتاه التي ... فيهم تأكد عهدها والموثق جمعت كما اقترح الرجاء إلى الغنى ... أمنا فقد رزقوا الذي لم يرزقوا فالله نحمد ثم أيوب الذي ... أمن الغني به وأثري المملق تظل بهم عداته بسنائه ... عشقا وقد الرمح مما يعشق فبضمه ضم الحبيب قلوبها ... يوم الوغى وهو العدو والأزرق آيات ملكك معجزات كلها ... ومدى اهتمامك غاية لا يلحق شيدت أبنية تركت حديثها ... مثلا يغرب ذكره ويشرق من كل شاهقة تطل تعجبا ... من هول مطلعها الكواكب تسهق ليس الرخام ملونا فكأنه ... روض يفوقه الربيع المغدق واحتال في الذهب الصقيل شغوفه ... فكأنه شفق الأصيل المشرق يا حسنها والنيل مكتنف بها ... كالسطر مشتمل عليه مهرق

стр. 108

فكأنما طرف إليه ناظر ... وكأنه جفن عليه مطبق وافاه مصطفقا عليه موجه ... فكأنما هو للسرور مصفق وتجاذبت أيدي الرياح رداءه ... عنه فظل رداؤه يتمزق وسرى النسيم وراهن برفقه ... فرقي الذي عذب الرياح يمزق تلك المنازل لا حديث يفتري ... عما سمعت ولا العراق وجلق لله يوم كان فضلك باهرا ... فيه ومنك جماله والرونق يوم تحلي الدهر منه برونق ... لما غدا المقياس وهو مخلق هو ثالث العيدين إلا أنه ... للهو ليس على العبادة يطلق جمعت لمشهده خلائق غادرت ... فيه رحيب البر وهو مضيق وعلا عباب البحر من سباحه ... أمم يغص بها الفضاء ويشرق كادت تبين لهم على صفحاته ... طرق ولكن يعيقون وترتق لم يمش مركوب بهم فنفوسهم ... حثوا النحا كما تحث الأنيق حفت جسومهم لفرط صبابة ... هزت إليك فما خشوا أن يغرقوا وفدوا إليك مموهين بأخذ ما ... تعطي وأكثر سؤلهم أن يرمقوا متجردين عن المخيط لأنهم ... حجاج بيتك غير أن لم يحلقو طافوا به سبعا على وجناتهم ... سعيا وأرخي ستره فتعلقوا والناس شاخصة إليك عيونهم ... كل يحدد طرفه ويحدق ظمئت نفوسهم إليك فلم يكن ... صدر يقربه فؤاد شيق متطلعين كما تطلع صائم ... ليرى هلال العيد ليلة يرمق حتى إذا قضيت مناسك كعبة المق ... ياس وهي لكم عوائد سبق وشكرت ربك في الزيادة طامعا ... ولشاكر النعماء المزيد محقق ومددت للتخليق أكرم راحة ... أضحى الخلوف بطيبها يتخلق أقبلت تنظرك العيون فتنثني ... حسرى وتلحظك القلوب فتطرق تمشي الهوينا قد علتك سكينة ... كادت قلوب القوم منها تصفق متتوجًا تاج الجلالة لابسا ... حلل الوقار وأنت فيها أليق وقد امتطى يمني يديك مهندا ... غصنا يروق النصر منه يبرق حتى انتهيت إلى مقر كرامة ... بالنيرات مزخرف ومنمق فجلست حيث جلست منه بزينة ... شرفا وطاف بك الملوك وأحدقوا كل يغض من المهابة طرفه ... فتراه وهو لغير فكر مطرق والنيل مضطرب الغوارب مزبد ... صب إليك فؤاده متشوق لو يستطيع سعى فقيل راحة ... هو في السماح بخلقها يتخلق فرأيت منك ومنه تجري رحمة ... يتبارزان كلاهما يتدفق أطعمتهم لما سقى فعليكما ... رزق العباد كلاكما يسترزق لكن بينكما على ما فيكما ... من نسبة في الجود فرقا يفرق تحصي الأصابع جوده لحسابها ... لكن حساب يداك ليس يحقق ويفيض ذا في كل عام مرة ... وبحار جودك كل حين يدفق ويخص ذا قوما وجودك يستوي ... فيه الأنام مغرب ومشرق ونداك لا منّ يكدره وذا ... يمنن فهو لأجل ذاك مريق لما غدا المقياس مقسم راحة ... يحيي الرعية فيضها المتدفق أكبرت أن تعلو الملابس عطفه ... فكسوته أنوار شمس تشرق إنسانه خلقا جديدا ما رأى ... راء له شبها ولا هو مخلق حرم الخلافة حله من ربه ... ملك بمقلته الخلائق ترمق ذو معنيين فللتمنع معقل ... صعب المرام وللتمتع حوشق أخذ الوقار عن المشيب وربه ... لكن عليه للشبيبة روتق إيوان كسرى حيث شئت رأيته ... منه وأدنى ما هناك خورنق حصن تمرد صنعه لا مارد ... وعلا فعز مثاله لا إلا بلق دغتت به هوج الرياح فما جرت ... في كرة إلا بقلب يخفق وكأنما هو النجوم ملجج ... وكأنما هوة في النجوم محلق هذا الذي أعيا الملوك وجوده ... من بعد ما حاموا عليه وحلقوا أدركت بالتمكين ما لم يدركوا ... ورزقت بالتوفيق ما لم يرزقوا فانقض وواترهم فالقضاء مسدد ... والسعد مكنتف وأنت موفق وقال شرف الدين أبو الطيب أحمد بن محمد بن أبي الوفا الموصلي الشهير بابن الخلاوي (مولده سنة ثلاث وستمائة، ووفاته سنة ست وخمسين وستمائة) يهنئ الملك الرحيم صاحب الموصل بدار بناها: يا دار العلا والجد يأتيك ... حاشاك مما تمنيه أعاديك

стр. 109

عدنا إليك على رغم العداة فكم ... بتنا نحث الأغاني في معانيك وكم جلونا عروس الراح مشرقة ... وكم خلونا بمن نختاره فيك أصبحت بالعين للذات منزلة ... فكل عين لمن عداك تفديك وقال الشيخ جمال الدين محمد بن نباتة يهنئ ببناء دار: ودار علت قدرا على الدور مثلما ... علا ربها بالمكرمات على الورى مطابقة الأوصاف أما نسيمها ... فصح وأما ماؤها فتكسرا تكرر فيها النبت دهنا وروضة ... فالله ما أحلا نباتا مكررا وشيد هارب الفضائل والندى ... فيا حبذا دار القراءة والقرا تذكره دار النعيم بطيبها ... فيسعى لجنات النعيم كما ترى لقد زادها في الحسن يوسف فاغتدت ... تباع بمرآها القلوب وتشترا والمليح في هذا المعنى قول أسجع السلمي: قصر عليه تحية وسلام ... خلعت عليه جمالها الأيام أجرى الإمام عليه نهرا منعما ... أعطى القياد وما عليه زمام ومنها في المديح وأجاد: وعلى عدوك يا بن عم محمد ... رصدان ضوء الصبح والإظلام فإذا تنبه رعته وإذا غفا ... سلت عليه سيوفك الأحلام قلت: الشيء بالشيء يذكر وما أحسن ما ضمن هذه الأبيات الشيخ برهان الدين القيراطي رحمة الله عليه وقال: ومشرف إن زاد تشريفا ... فقد خلعت عليه جمالها الأيام هو جامع للحسن إلا أنه ... قصر عليه تحية وسلام وعلى العدوى من نقشه وطروسه ... رصدان ضوء الصبح والإظلام وقال علي بن الجهم رحمة الله عليه: وفيه ملك كأن النجو ... م يقضي إليها بأسرارها تخر الملوك لها سجدا ... إذا ما تجلت لأبصارها وفوارة نارها في الس? ... ?ماء فليست تقصر عن نارها ترد على المزن ما أنزلت ... على الأرض من صور أمطارها نقلت من كتاب رفع الحجب المنشورة على محاسن المقصورة من الجزء الأول تأليف العلامة قاضي الجماعة بحظيرة غرناطة الشريف المرحوم والخطيب بها أبو القاسم محمد ابن أحمد بن محمد الحسيني رحمه الله تعالى وهذا التأليف من العجائب المخترعة ألفه شرحا لمقصورة الإمام الأوحد أبي الحسن حازم بن محمد بن حسين بن حازم الأنصاري العرطاحي تغمده الله بالرحمة. قلت: ذكر العلامة لسان الدين محمد ين الخطيب في تاريخه المسمى بالإحاطة أن مولد الشريف الحسيني سنة سبع وتسعين وستمائة، ووفاته سنة ستين وسبعمائة. قال الشارح ويتعلق بذكر الهالة ما ذكره أبو عبد الله بكر بن عباس كاتب المنصور وأبي يوسف يعقوب قال كان لأبي بكر بن مجير عادة على المنصور في كل سنة فصادف المنصور في إحدى وفادات فراغه من أحداث المقصورة التي كان أحداثها بجامعه المتصل بقصره في حضرة مراكش وكانت قد وضعت على حركات هندسية ترفع لخروجه وتخفض لدخوله وكان جميع من بباب المنصور يومئذ من الشعراء والأدباء قد نظموا أشعاراً أنشدوه إياه في ذلك فلم يزيدوا على شكره وتجرئته على الخير فيما جدد من معالم الدين وآثاره ولم يكن فيهم من تصدي إلى وصف الحال حتى قام أبو بكر بن مجير فأنشده قصيدته التي أولها: أعلمتني ألقي عصا اليسا ... ر في بلدة ليست بدار قرار واستمر فيها حتى ألم بذكر المقصورة فقال يصفها: طوراً تكون بمن حوته محيطة ... وكأنها سور من الأسوار وتكون طورا عنهم نجية ... فكأنها سر من الأسرار وكأنما علمت مقادير الورى ... فتصرفت لهم على مقدار فإذا أحست بالإمام يزورها ... في قومه قامت إلى الزوار تبدو فتبدو ثم تخفي بعده ... كتكون الهالات بالأقمار فطرب المنصور لسماعها وارتاح لاخترعها. ومن لطيف الشعر بحضرة ملوكهم ما ذكره القاضي شهاب الدين بن فضل الله في كتابه الأبصار في ترجمة مجير الدين ابن تميم. حكى أن الملك المنصور استدعاه في ليلة غفل رقيبها وحضر ربيبها وسحبت من سود الذوائب ظفائرها وسجنت من بيض الأيام ضرائرها إلى مجلس مزخرف وفواكه لم تخرق وأمامه جدول قد خر ماؤه فتكسر وإن عليه كل بارق وتحسر والكئوس دائره والشموس في أيدي البدو سائرة فلما رأى الجدول وقد أصابته من العين نظرة فتعثر وسقط عقد لؤلؤه وتنثر نظر إليه وقال رحمة الله عليه:

стр. 110

يا حسنه من جدول متدفق ... يلهي برونق حسنه من أبصرا ما زلت أبذره عيونا حوله ... خوفا عليه أنت يصاب فيعثرا فأتى وزاد تمادياً في جريه ... حتى هوى من شاهق فتسكرا فسر المنصور بأبياته وأحب استطلاع خباياه وأمره بالجلوس إليه وجعله أرفع القوم لديه ولم يستقر به المكان ولا قعد ولا استكان حتى تحرك المجلس لغلام ورد كأنما يبسم عن برد فقال له المنصور بصوت يخفيه ما تقول فيه فقال: بأبي أهيف تبدي وحي ... بابتسام عدمت منه اصطباري فأراني بوجهه وثنايا ... هـ نجوما طلعن وسط النهار فقال له سرا وقد أسفر وجهه وتسرا إلا أنه شديد النفار من المدام وله قرع بالملام فهل تقدر على استلانته وتسهيل بأسه واستهانته فما قطع المقال حتى التفت إليه ابن تميم وقال: أتهجرها صرفا لأجل خمارها ... وذلك شيء لو جرى غير ضائر فلا تخش من داء الخماري وعاطها ... هنيئا مرياء غير داء مخامر فكاد الغلام يسطو عليه كالعائب وقال له كالعابث ما هذه فقال: صفراء لو لاحت لشمس الضحى ... من قبل أن تطلع لم تطلع أحسن ما في وصفها أنها ... لم تجتمع والهم في موضع فقال بل أشرب خيرا منها وأدع المنهي عنها، ثم إنه أتى بركة فعب من مائها وأرى وجهه خيال قمره في سمائها فقال: أفدي الذي بفيه شاربا ... من بركة طابت وراقت مشرعا أبدت لعيني وجهه وخياله ... فأرتني القمرين في وقت معا ثم لم يزل به حتى شرب ولذ معه ليلة وطرب فلما طلع ابن ذكا وأنار الصبح وأضاء شكر له المنصور حل عقدة الغلام وقال مثلك من سحر بالكلام ثم أحسن له الجائزة وغدا ابن تميم ويده لها جائزة. وحكى عنه أنه استدعاه في صبيحة يوم أبيض ونوبات ياسمينه على الأرض تنغض والثلج قد نثر كافوره والجليد قد كسر بلوره والسحاب قد أصبحت ذيولها مجرورة والبرق قد تلون طول ليلته حتى أخرجها من صورة إلى صورة وأواني الزجاج قد شقت من وراء مدامها والدنان قد فك عنها ختام قدامها ورجال الراح قد زادت في أقدامها والساقي بعذار كأنما كتب بالريحان أو نسج بالزمرد نبت ألحان وتحت عذراه خيلان قد خبأت مسكها فزاد تضوعا وكثر طيبه تنوعا قد تأرج نشرها وفاح وعلم بنقطها في خده بأنه قديم وصف التفاح فلما دخل عليه في بكرة ذلك اليوم الأغر ورأى الدنيا ضاحكة تغتر أنشده: يأيها الملك الذي بسطت له ... بالجود كف دهرها لم تقبض دنياك مذ وعت بأنك لم تزل ... في نعمة وسعادة لا تنقضي كأن الدليل على وفاها أنها ... أضحت تقابلنا بوجه أبيض فأجزل له الصلة ولم تكن عوائده بمنفصله. ذكر ابن ظافر في بدائع البادية أن المعتمد بن عباد كان جالسا فمر عليه بعض خطبائه في غلالة لا يكاد يفرق بينها وبين جسمها فسكب عليها إناء ماء ورد فعجب من حسنها وجمالها فقال: وهويت سالبة النفوس عزيرة ... تختال بين أسنة وبواتر واستجان النحلي وهو على الباب فقال: راقت محاسنها ورق أديمها ... فتكاد تبصر باطنا من ظاهر وتمايلت كالغصن في ورق الندى ... يلتف في ورق الشباب الناضر تبدي بماء الورد عنبر شعرها ... كالطل يسقط من جناح الطائر تزهي برونقها وحسن حديثها ... زهو المؤيد بالثناء العاطر فلما قرأها استحسنها وقال له أو كنت معنا جالسا. وقال محاسن الشورى: وحولك من كماءة الأرض شوش ... غلائلها الجواشن والدروع قد اعتقلوا ذوائب كالأفعى ... إذا اضطربت عواملها تروع تلوك اللجم تحتم جياد ... سلاهب ما بها عطش وجوع صدمت بهم فريق الترك حتى ... تهدم ركن جمعهم المنيع فكروا والصوارم تستضاء ... بأيديهم فعلقها النجيع وقال الصليعي الداعي ﵀: أنكحت بيض الهند سمر رماحهم ... فرءوسهم عوض النثار نثار وكذا العلا لا يستباح نكاحها ... إلا بحيث تطلق الأعمار وقال ابن رشيق الأزدي: لو أورقت من دم الأبطال سمرقنا ... لاورقت عنده سمر القنا الذبل إذا توجه في أولى كتابته ... لم تفرق العين بين السهل والجبل فالجيش ينفض حوليه أسنته ... تقض العقاب جناحيها من البلل

стр. 111

والعلامة ذو الوزارتين لسان الدين اين الخطيب (مولده سنة ثلاثة عشر وسبعمائة وتوفي تقريباً خمس وسبعين وسبعمائة) : لله موقفك الذي وثباته ... وثبابه مثل به يتمثل والخيل خط والمجال صحيفة ... والسمر تنقط والصوارم تشكل والبيض قد كسرت حروف جفونها ... وعوامل الأسل المثقف تعمل لله قومك عند مستجر القنا ... إذ ثوب الداعي المهيب واقبلوا قوم إذا لفح الهجير وجوههم ... حجبوا برايات الجهاد وظللوا وقال السيد الفاضل شمس الدين محمد بن الصاحب موفق الدين الآمدي: وإذا سرى يلقي السنابك ضعف ما ... يراه فوق الطروس من الجفا مزاج كأس الراح من ماء الظبا ... كما أسال من النجيع القرقفا كأس العجاج ترى الكماة شخوصها ... والبيض فوقهم حباب قد طفا خضب النجيع لكل سيف معصما ... ولكل رمح أصبعا قد طرفا وقال عبد العزيز بن نباتة: وولوا عليها يقدمون رماحنا ... وتقدمها أعناقهم والمناكب كتبنا بأطراف القنا لظهورهم ... عيونا لها وقع السيوف حواجب وقال الشهاب محمد يمدح الأشرف خليل بن قلاون: فصبحتها بالجيش كالروض بهجة ... صوارمه أنهاره والقنا الزهر وأبدعت بل كالبحر والبيض موجه ... وحرد المذاكي سفن جودك الدر وأغربت بل كالليل عوج سيوفه ... أهلته والنيل أنجمه الزهر وأخطأت لا بل كالنهار فشمسه ... جيوشك والآصال راياتك الصفر وقال الأسعد بن مماتي يمدح الظاهر غازي: أسكران نديم العدو غاز ... وأسماء الملوك لها حلاها كأن السمر ريشها طوال ... فكم نفس بهن قد استقاها إذا اكتحلت عيون من عداة ... بغير حيلة وجدت عماها وأطمع نفس أسمره وأضحى ... يفتش عن نفوس ما خباها كأنك خلتها سترت كمينا ... فتطعنها لتبصر ما وراها سل البيت المقدس عنه يخ? ... بر بسورة فتحه لما تلاها محا الناقوس والصلبان عنه ... وأثبت هل أتى فيه وطاها وقال التهامي رحمة الله عليه: ودحوا فويق الأرض أرضا من دم ... ثم أثبتوا فثنوا سماء غبار قوم إذا لبسوا الدروع حسبتها ... سحبا مزررة على أقمار وترى سيوف الدارعين كأنها ... لجج تمد بها أكف بحار حثوا الجياد من المطي وراوحوا ... بين السروج هناك والأكوار وكأنما ملئوا عباب دروعهم ... وعمود نصلهم شراب قفار وقال سبط بن الجوزي لما صالح الكامل الفرنج على دمياط وعاينوا الهلاك أرسلوا إليه يطلبون الصلح والرهان ويسلمون دمياط فمن حرص الكامل على خلاص دمياط منهم أجابهم ولو أقاموا يومين أخذوهم برقابهم فبعث إليهم الكامل ابنه الصالح أيوب وابن أخيه شمس الملوك وجاءت ملوكهم إلى الكامل فالتقاهم وأنعم عليهم وضرب لهم الخيام ووصل المعظم والأشراف في تلك الحال إلى المنصورة وذلك في ثالث رجب سنة ثمان عشرة وستمائة فجلس الكامل في خيمة عظيمة كبيرة عالية ومد سماطا وأحضر ملوك الإفرنج والخيالة ووقف في خدمته أخوته المعظم والأشرف وغيرهما وقام شرف الدين راجح الحلي وأنشد: هنيئا فإن السعد راح مخلدا ... وقد أنجز الرحمن بالنصر موعدا حبانا إله الخلق فتحًا بدا لنا ... مبينا وأنعاما وعزا مؤبدا تهلل وجه الأرض بعد قطوبه ... وأصبح وجه الشرك بالظلم أسودا ولما طغى البحر الخضم بأهله ... الطغاة وأضحى بالمراكب من بدا أقام لهذا الدين من سل عزمه ... صقيلا كما سل الحسام مجردا فلم ينج إلا كل سلو مجندل ... ثوى منهم أو من تراه مقيدا ونادى لسان الكفر في الأرض رافعا ... عقيرته في الخافقين ومنشدا أعباد عيسى إن عيسى وحزبه ... وموسى جميعا يخدمون محمدا وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة بلغني أنه وقت الإنشاد أشار عند قوله عيسى إلى المعظم وعند قوله موسى إلى الأشراف وعند قوله محمد إلى الكامل وهذا من أحسن الاتفاق.

стр. 112

وقال الشيخ صلاح الدين الصفدي في شرح لامية العجم أنشدني من لفظه الشيخ الإمام الحافظ العلامة أثير الدين أبو حيان محمد بن يوسف قال أنشدني من لفظه لنفسه بدر الدين أبو المحاسن محمد بن يوسف المهمندار في السلطان الملك الظاهر لما خاض الفرات: لو عاينت عيناك يوم نزالنا ... والخيل تطفح في العجاج الأكدر وسنا الأسنة والضياء من الظبا ... كشفا لاعيننا قتام العثير وقد أطرخم الأمر واحتدم الوغى ... ووهى الجبان وساء ظن المجتر لرأيت سدا من حديد مائد ... فوق الفرات وفوقه نار ترى ظفرت وقد منعه الفوراس ردها ... تجري ولولا خيلنا لم تشكري ورأيت سيل الخيل قد بلغ الربا ... ومن الفوراس أبحرا في أبحر لما سبقنا أسهما طاشت لنا ... منهم إلينا بالخيول الضمر لم يفتحوا للرمي منهم أعينا ... حتى كحلن بكل لدن أسمر فتسابقوا هربا ولكن ردهم ... دون الهزيمة رمح كل غضنفر ما كان أجري خيلنا في أثرهم ... لولا إنها برءوسهم لم تعثر كم قد فلقنا صخرة من صخرة ... ولكم ملأنا محجرا من محجر ملأوا الفضاء فعن قليل لم ندع ... فوق البسيطة منهم من مخبر سدت علينا طرقا قتلاهم ... حتى جنحنا للمكان الأوعر من كل أشهب خاض في بحر الدما ... حتى باد لعيوننا كالأشقر وجرت دماؤهم على وجه الثرى ... حتى جرت منها مجاري الأنهر والظاهر السلطان في آثارهم ... يدوي الرءوس بكل عضب أبتر ذهب العجاج مع النجيع بصقله ... فكأنه في غمده لم يشهر وقال الأديب الفاضل الكامل الترحال جواب الآفاق برهان الدين إبراهيم الساحلي الشهير بالطوبخي المغربي ذكره العلامة لسان الدين ابن الخطيب في الإحاطة وأثني عليه الثناء البالغ وذكر أن وفاته سنة سبعمائة تسعة وثلاثين من قصيدة مطولة مدح بها أحد ملوك اليمن وأولها: خطرت كمباد القنا المتناظر ... ورمت بألحاظ الغزال الأعفر تسجي على الخد النقاب وإنما ... ترخي الغمام على الصباح المسفر فتخال فوق الروض ظل أراكة ... وعلى ثرى الكافور صلة عنبر وبملمع الصدغين مطرز وجنة ... زحفت عليه كتائب ابن المنذر ما أمره زحفوا بعسكر تبع ... وتقلدوا بعزائم الاسكندر السائمين الرمح من خلل الظبا ... والنجم من طرف السنان الأزور والمطعمين الأسد منت أمثالها ... أسلا كل مجندل ومعفر والخالعين على الزمان ملابسا ... نظمت مفاخرهم كنظم الجوهر سلوا أسنته الضحى يوم الوغى ... فيعيدها بالليل أين العثير وجياده بالعاديات وبيضه ... بالقارعات وكفه بالكوثر قابل برعبك جيش صدك تنثني ... وأضرب بعزمك قبل سيفك تنصر فرءوس من عاديت أغماد الظبا ... ودماء من ناويت زي السمهري جرع عدوك فضل كأس قد سقى ... منها أبوه فإن أبي فليجبر أعمد ذؤابته التي لم تستتر ... وحمام مزنته التي لم تمطر أرسل عليه عقاب عزم صادق ... يستاق روح لعامه المستبشر مزق ثياب العز عنه وخل في ... عطفيه حاشية الرداء الأحمر هذي قواعد ملكه مدت إلى ... علياك جيد اللائذ المستنصر ضاقت يداه بها وقل نصيره ... فيها فطلقها طلاق المعسر خذها إليك محاجة من شاعر ... غاصت إليك بأبحر لم تسجر مرضى العيون كليلة أجفانها ... إن لم تنر إنسانها لم تبصر وقف ابن أوس دونها وتخضبت ... في نسج حلتها أكف البحتري وأسحب ذيول العوز في أرض الندى ... وأركب ظهور الشهب يوم المفخر وأضرب رواق العرقي أرض العلي ... وارفع سماك الفخر فوق المشتر وقال القاضي الفاضل تغمده الله برحمته: أهذه سير في المجد أم سور ... وهذه أنجم في السعد أم غرر وأنمل أم بحار والسيوف لها ... موج وافرندها في لجها درر وأنت في الأرض أم فوق السماء ففي ... يمينك البحر أم في وجهك القمر يقبل البدر تربا أنت واطئه ... فللتراب عليه ذلك الأثر نأى به الملك حتى قيل ذا ملك ... دنا به الجود حتى قيل ذا بشر

стр. 113

في كل يوم لنا من مجده عجب ... وكل يوم لنا من ذكره سمر نظرت في نجمه فالسعد طالعة ... لا ينقضي وعلى أمواله سفر أبو الفوارس والأبطال مشفقة ... وهم بنوك فما تبقى ولا تذر يلقى عروس المنايا وهي حاسرة ... وخدها فيه من فيض الدما حفر والضرب بالبيض من آثاره عكن ... والطعن بالسمر من آثاره سعرر ورب ليلة خطب قد سريت بها ... وما سرى كوكب فيها ولا قمر سمت الغويص بعزم ما له ضجر ... ولبعيد بباع ما به قصر وأنت في جيش رأى لا غبار له ... ترمي العداة بقوس ما لها وتر هي الحروب التي لا السيف منثلم ... فيها ولا الذابل اللحظي بمنتظر في كعبة للندى لو حلها ملك ... هب النطق حتى قيل ذا حجر وسائل لي ملا العليا فقلت له ... في فعله الخير أو في قوله الخبر ما أنصفت مجده نظام سيرته ... إن الذي ستروا فوق الذي سطروا نال السما بأطراف القنا فبدت ... من النصول عليها أنجم زهر لا يحدث النصر في أعطافهم مرحا ... حتى كأنهم بالنصر ما شعروا أجروا دماء العدا بين الرماح فما يقال ما عندهم ماء ولا شجر ترى غرائب من أفعال مجدهم ... يردها الفكر لو لم يشهد النظر خلائق في سموات العلا زهر ... منها تنير وفي روض الثنا زهر الناس أضيافكم والأرض دراكم ... فهو المقام قلم قالوا هو السفر ما أنصف الشكر لولا أن تسامحنا ... فأنت تطنب جوداً وهو يختصر الباب الثاني والعشرون في الحذاق المطربين قال أفلاطون من حزن فليسمع الأصوات الطيبة فإن النفس حزنت خمد نورها وإذا سمعت ما يطربها ويسرها اشتعل منها ما خمد، وكان حكماء الهند يسمعون الغناء للمريض ويزعمون أنه يخفف العلة ويقوي الطبيعة والغناء غذاء الرواح كما أن الأطعمة غذاء الأشباح. وقال معاوية وقد سمع عنده مغن فحرك رأسه وصفق بيده ودخلته أريحته ثم لما ثاب رأيه إليه اعتذر منه أن الكريم طروب ولا خير فيمن لا يطرب. وقال أبو الحسن بن مقلة يعجبني من يقول الشعر تأدبا لا تكسبا ويغني تطربا لا تطلبا. الشيء بالشيء يذكر ما ألطف قول الشيخ برهان الدين القيراطي من قصيدة: بابي غنى ملاحة أشكو له ... فقري فيصيح بالغنا يتطرب وكان مروان بن أبي حفصة إذا تغذى عند الموصلي يقول له الغناء غذاء الأرواح كما أن الشراب غذاء الأشباح. يقال السماع كالروح والخمر كالجسد والسرور ولدهما.

стр. 114

أعلم أن بين الخمر والغناء مناسبة في أكثر الأحوال ومضارعة فيما يجمعانه من محمود الخصال لأن فيه ما يصير الجبان إذا سمعه شجاعا ومنه ما يكون للهم دفاعا ونغمه يبعث الشحيح على السخاء ومقابلة سؤال السائل بالعطاء وفيه ما ليس في الخمر من الخصائص العجيبة الأمر ذلك أن الرجل الواحد يغني له في طريقه فيلين خلفه ويغني له في غيرها فتطهر شراسته وترفه وإذا سمع ضربا منه استنفره وإذا عنى بصوت آخر لم يمكن العواصف أن تهزه وفيه ما يبكي سامعه ولممازجة الأصوات الحسنة للأرواح وإهدائها إلى القلوب ظرائف الأفراح كانت البهائم إذا سمعتها تحن إليها والطير يشغف بها ويطرب عليها والإبل يكسبها الحداء مثل ما يكسب الإنسان الغناء والخيل والبغال والحمير تلذ بشرب الماء إذا تواصل من ساقيها الصقر والحمامة المطوقة والشحارير والبلابل والزرازير والهزاردستانات وغيرها من الطيور المستحسنة الأصوات تسمع أصواتها فيبين منها الطرب وذاك داعيها إلى تكريرها ولأجل ذلك يتخذها الملوك في قصورهم ويجعل أماثل الناس كثيراً منها في دورهم وإن كانت أصواتها لا تدل على معنى رائق يعلم ولا تتضمن ما يعرب عنه الكلام الذي يفهم فما ظنك بالألفاظ التي يسمعها السامع فيعيها ويفهم ما يفيده إياه من معانيها إذا أدركها ملحنة ممن خصوا بصفاء الخلق والنغمات المستحسنة ولهذه العلة صار من يسمع غناء المحسن يشرب من النبيذ عليه أزيد مما يحتمله حاله إذا لم يصغ إليه ويستمرئ الكثير منه مع سماعه وإن كان يثقل عليه قليله إذا خلا من استماعه وقد علم أن الصبي الطفل إذا أنزعر خلقه واتصل بكاؤه لوجع يناله أو ضجر يجده وصوتت له دادته بكلام تلحنه وتراجعه سكن قلقه أو سمع من منومته مثل ذلك زال أرقه. وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: عيش الدنيا بعد الصحة والشباب في الطلاء والغناء والنساء والآلات التي اتخذت للغناء بها واستعلمت على ترتيب أمكن معه أن يظهر منها ما يظهر من الحيوان الذي يرجع صوته بألحان فإن الحكمة فيها مطلوبة والمنافع المكتسبة منها جسمية والعود أجلها خطرا وأحسنها في القلوب أثرا وقد كان داود ﵇ أحذق الناس بصوغ الألحان في تسبيحه ويعرف الفاسد من ذلك من صحيحه وبه كان يضرب المثل في حسن إيقاعه في عوده وارتياح القلوب لصوته وتغريده وكان قبل إفضاء الملك إليه واجتماع بني إسرائيل عليه يحضره ملكهم طالوت إذا غلب عليه خلط رديء كان يعتريه فيأمر أن يوقع له بالعود ويسمعه من أصواته ما يستلذه فيفعل فيسكن ما هاج به ولما صار الملك إليه نصب من أعظم الحذاق بتلحين المزامير والتسبيح بها على الميدان والطنابير وغيرها من الدفوف والطبول والصلصل وما يجري مجراها جماعة وكانت العدة التي تحضر من هذه الطائفة عنده أربعة آلاف في كل ليلة ذكر ذلك جميعه الثعالبي في موائد الأفراح وحدود الغناء أربعة لا يستغني عن واحد منها وبها يتم وعليها يبني فأقلها النغم ثم تأليفه ثم قسمته ثم إيقاعه فما اشتمل من الشعر على هذه الحدود فهو غناء وإن نقص منه فليس بغناء وذكر اليونانيون أن الأوتار الأربعة شبهت بالطبائع الأربع وإن البم مشاكل للأرض والسوداء والمثلث بالماء والمبلغم والمثنى بالهواء والدم والزئر بالنار وإن النار لما كانت في الطرف الأعلى في العالم والأرض في الجهة السفلى منه جعل ما بين البم والزئر كذلك وزعمت الأعاجم أنه مشتق من صرير باب الجنة وما قدم أحد من الأمم على العوذ من الملاهي إلا لما جمع من الفضائل التي استبد بها وقصر سواه عن اللحاق فيها والحاذق في الغناء مقدم على كل حاذق. وذكر أن عبد الملك أتى بعود قد أخذ مع شارب بالليل فقال وعنده قوم ما هذا ولاي شيء يصلح هذا وأي شيء يعمل به فسكت جلساؤه فقال عبد الله بن مسعدة القراري هذا عود يؤخذ خشبه فيشق ويرقق ويلصق ثم يعلق عليه هذه الأوتار وتحركها الجارية الحسناء فينطق بأحسن من وقع القطر في البلد القفر وامرأتي طالق إن لم يكن كل من في هذا المجلس يعلم منه مثل ما عملت وأولهم أنت يا أمير المؤمنين قال فضحك عبد الملك.

стр. 115

فصل: وينبغي أن يكون المغني جميل الخلق صافي الخلق له حلاوة وعليه طلاوة مستعذب العبارة نظيف الشارب يحفظ كثراً من الملح والأخبار والنوادر والأشعار وشيئاً صالحاً من علم الإعراب ما يختلط معه بذوي الآداب غير نمام ولا مغتاب ولا فضولي ولا عتاب كامل الظرف بعيدا من الظئر متوقيا للهجن كتوماً للأسرار مرتكبا طريق الأسرار ذو روايح ذكية وبشرة نقية وجوارح سالمة من العيوب وشمائل يخفق بها على القلوب صناعته معجبة وأغانيه مطربة فمن اجتمعت فيه هذه الصفات والمناقب وسلم مما تقدم ذكره من المعائب والمثالب كان حقيقا من الملوك بالاختصاص وخليقا منهم بأن يشرفوه بالاصطناع والاختصاص ومنهم من يكون حاذقاً في صناعته فيبلغ في أحكامه غاية استطاعته واجتمعت فيه الخلال الحميدة وعرف بالأخلاق السديدة غير أنه يرزق صوتا يستعدنه ويحسن ممن يغني له موقعه فتصطفيه الملوك لتعليم العناء ممن يؤهلونه لذلك من الطرائف والإماء وتختلف أحوال الباقين في أخلاقهم وخلقهم والمذهب من كل ذي علم وصناعة قليل وتعديد ما يوجد من أخلاق يطول. وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي شر الغناء والشعر الوسط لأن الأعلى منهما يطرب والرذل يضحك من صاحبه ويلهي به الوسط لا يطرب ولا يضحك. وذكر الشيخ جمال الدين بن نباتة في شرح العيون ما صورته ويقال إن أول من أتخذ العود الملك المتوشلخ على مثال فخذ ابنه الميت وهو قول ضعيف، وقيل بطليموس، وقيل بعض حكماء الفرس وسماه البريط وتفسيره باب النجاة ومعناه أنه مأخوذ من صرير باب الجنة وقد جعلت أوتاره أربعة كما تقدم ذكره. وذكر أن أول من غنى على العود بألحان الفرس النضر بن الحارث بن كلدة وفد على كسرى بالحيرة فتعلم ضرب العود والغناء وقدم مكة أهلها وأول من غنى في الإسلام بألحان الفرس سعيد بن مسحج وقيل طوليس وذلك أن عبد الله بن الزبير لما وهي بناء الكعبة رفعها وجد بناءها فيها صناع الفرس يغنون بألحانهم فوقع عليها ابن مسحج الغناء العربي ثم دخل إلى الشام فأخذ عن ألحان الروم ثم رحل إلى فارس فأخذ الغناء وضرب العود وابتعه من بعده وبدأ هذا العلم ببطليموس وختم بإسحاق بن إبراهيم الموصلي. وذكر القاضي الرشيد بن الزبير في كتابه العجائب والظرف أنه وجد للأسعد المرتضى أحمد بن عبد الواحد لما قبض عليه المستنصر في سنة تسع وخمسين وأربعمائة ما يجوز حد الحصر لكثرته وجلالته وعلو همته وفيما وجد له عدلان كبيران أوتارا برسم عيدان الغناء وعدلا مخزوما مضارب العيدان وثلاثمائة طبل شبري وغير ذلك من سائر أصناف الملاهي ووجد له هاون فضة وزنه سبعون رطلا. فصل: فيما ورد للفضلاء في مدحهم قال الشيخ برهان الدين القيراطي: أقول إذ حبس عود مطرب حسن ... يريك يوسف في أنغام داودو من حسن وجهك تضحى الأرض مشرقة ... من بنانك يجري الماء في العود وقال: أطربنا العود إلى أن غدا ... مقاصنا يرقص مع صحبه فشمعه قام على ساقه ... وكأسه دار على كعبه الشيء بالشيء يذكر: أنشدني من لفظه لنفسه الشيخ تقي الدين بن حجة الحموي فسح الله في أجله من قصيدة حربية: إن حبس عود الضرب مال سامعه ... والخيل يرقصها إن حرس الوترا وقتال الشيخ برهان الدين القراطي: وشذا في أصفها ... ن بالأغاني المطربات مسمع غنا فأغنا ... بصفات الحسن ذات قلت إذ حرك عودا ... عارفا بالنغمات أنت مفتاح سرو ... ري يا سعيد الحركات وقال المرحوم فتح الدين بن الشهيد وقد أحضر له بدر الدين طائراً ينعى العواد بسفارة الحاجب توكل: نهاري ليس كله بمنادم ... على عودة تعرو الحشابا لتفرك وكنت أراه طائرا عز مطلبا ... ولكنني حصلته بتوكل وأنشدني من لفظه لنفسه إجازة سيدنا ومولانا أقضى القضاة بدر الدين محمد المالكي المخزومي الشهير بالدماميني أسبغ الله ظلاله: يا عزولي في مغن مطرب ... حرك الأوتار لما سفرا لم تهز العطف منه طربا ... عندما يسمع منه وترا وقال علاء الدين الوادعي في مغن يدعى الفصيح: وليلة ما لها نظير ... في الطيب لو ساعفت بطول كم نوبة للفصيح فيها ... أطرب من نوبة الخليل

стр. 116

وممن برع في الألحان وعلمها أبو عامر محمد بن الجمارة الغرناطي أشتهر عنه أنه كان يعمد إلى الشعر فيقطع العود بيده ثم يصنع منه عود الغناء وينظم الشعر ويلحنه ويغني به، ومن شعره قوله إذا ظن وكرى مقتلي طائر الكرى ... رأى هدبها فارتاع خوف الحبائل ذكر هذا الأديب نور الدين علي بن سعد في كتابه المعرب في حلي المغرب. وقال سيف الدين المشد: ومطرب قد رأينا في أنامله ... سبابة لسرور النفس أهلها كأنه عاشق وافت حبيبته ... فضمها بيديه ثم قبلها وقال محي الدين بن قرناص: مشبب بجفاه راح يقتلنا ... فإن تداركنا بالنفخ أحيانا هويت تشبيها من قبل رؤيته ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا وقال محي الدين بن عبد الظاهر: وناطقة بالروح عن أمر ربها ... تعبر عما عندنا وتترجم سكتنا وقال للقلوب فأطربت ... فنحن سكوت والهوى يتكلم وقال الشيخ بدر الدين ابن الصاحب: أطربنا مشبب من غير جعل سأله ... بأحسن موصول له لم يفتقر إلى صله وظرف في قوله أيضاً وإن لم يكن في المعنى: يا مهدي الاقصاب من سكر ... صفرا حكى سمر القنا طولها إياك أن تقطعها ساعة ... فأطيب الاقصاب موصولها ومن ذلك قول الشيخ جمال الدين بن نباتة: أصغ لما قال أحور فهنا ... وخل قبل اليوم ما قيلا واسمع مقاطيعا لنا أطربت ... فلا تقل إلا مواصيلا وقال إبراهيم المعمار: مشبب أبدى لنا ... قولا بنغمته الشهيه متعاتم فكأنه ... متكلم بالفارسيه وقال زين الدين بن عبد الله مضمنا: ونائحة صفراء تنطق عن هوى ... فتعرب عما في الضمير وتخبر براها الهوى والوجد حتى أعادها ... أنابيب في أجوافها الريح تصفر وقال صلاح الدين الصفدي: لي مطرب كملت جميع صفاته ... متأدب الحركات والتسكين فإذا دعاه لمجلس حرفاؤه ... يأتي ويجلس فيه بالقانون وقال صلاح الدين بن الشهيد: غنى على القانون حتى غدا ... من طرب يهتز عطف الجليس فحنت الأرواح من شدوه ... إلى أنيس يا له من أنيس داوى قلوبا من غليل الأسى ... وكان فيه حوله رسيس فصاحت الجلاس عجابه ... يا صاحب القانون أنت الرئيس وقال الشيخ صلاح الدين الصفدي أنشدني القاضي جمال الدين عبد القاهرة التبريزي لنفسه ملغزا في الشبابة: وناطقة بأفواه ثمان ... تميل بعقل ذي اللب العفيف لكل فم لسان مستعان ... يخالف بين تقطيع الحروف يخاطبنا بلفظ لا يعيه ... سوى من كان ذا طبع لطيف فصيحة عاشق ونديم راع ... وعزه موكب ومدام صوف وقال الشيخ علاء الدين علي بن أيبك من لفظه لنفسه في مغن معذر (توفي المذكور سنة إحدى وثمان مائة) : منمم العارض غنى لنا ... أشياء بالسمع حلا ذوقها كأنما في فيه قمرية ... تشدو ومن عارضه طوقها نادرة: شهد على امرأة أربعة بالزنا وكان فيهم مغن فقال له الوالي بم تشهد قال أشهد أني رأيته قد رفع رجليها مثل البنجك وبحر حتى كأنه يغني وجعل مضرابه على التم وجعلت أسته ترقص ولا أدري أتم الصوت أم لا. فصل: فيما ورد في ذم الغناء كتب البديع الهمذاني إلى تلميذ له توفي أبوه وخلف له مالاً مولاى ذلك المسموع من العود يسميه الجاهل نقرا ويسميه العاقل فقرا وذلك الخارج من الناي هو في الآذان زمر وغدا في الأبواب سمر والعمر مع هذه الآلات ساعة والقناطر في هذا العمل بضاعة. وطلب بعض المغنيين حائزة من بعض المحصلين فقال له المملوك أعلم أن المال روح والغناء ريح ولست اشتري الريح بالروح. ومما ورد من النظم في ذم المتحلفين من أهلها: حكى بعضهم أن بعض الفلاسفة خرج مع تلميذه فسمع صوت عود فقال لتلميذه امض بنا هذا المغنى لعله يفيدنا صورة شريفة فلما قربا منه سمعا رديئا وتأليفا غير متقن فقال لتلميذه تزعم أهل الكهانة والرجز أن صوت البومة على موت الإنسان فإن كان ذلك حقاً فصوت هذا يدل على موت البومة. ولبعضهم يهجو مغنيا: كنت في مجلس فقال مغن ال? ... قوم كم بيننا وبين الشتاء فشبرت البساط منى إليه ... قلت هذا المقدار قبل الغناء

стр. 117

ولبعضهم يذم صوت مغن: أنك لو أصغيت يوما إلى ... الحانة تلك المقادير لخلت في الحلق أمراء جالسا ... يعرك أذان السنانير ولآخر في المعنى قال: أنك لو تسمع الحانة ... تلك اللواتي ليس يعدوها لخلت من داخل حلقومه ... موسوسا يخنق معتوها ولآخر: ومغن أن تغني ... أوسع الندمان هما أحسن الفتيان حالا ... كل من كان أصما وقال المصيصى الخياط: وإذا تربع لا تربع بعدها ... وغدا يحرك عوده متقاعسا فكأنه جرذان المدينة كلها ... في عوده يقرضن خبزا يابسا وقال آخر وأجاد: قلت إذ غنى عراقا ... ليتنا في أصفهاني وقال آخر: غنى أبو الفضل فقلنا له ... سبحان مخليه من الفضل غناؤه حد على شربه ... فأشرب فأنت اليوم في حل وقال آخر وأجاد: ومغني يتغنى ... أذهب اللذات عنا فسألناه سكوتا ... فأبي ذاك وغنى فشتمناه فغنى ... فاشتقي القواد منا وقال آخر في مغن بالرباب: لا تبعثوا بسوى المهذب جعفر ... فالشيخ في كل الأمور مهذب طورا يغني بالرباب وتارة ... يأتي على يده الرباب وزينب وقال سيف الدين المشد يهجو عوادا: عواد قد طمست عينه ... فصار بالتصحيف قوادا ما كاد إلا لقيادته ... لا لأجل ذا أصبح قوادا قلت: وان كان حصل له عمى فأحسن. وأنشدني المرحوم فخر الدين بن مكانس قال أنشدني من لفظه لنفسه صاحبنا شمس الدين محمد الواسطي يهجو عوادا وزامرا: شبهت ذا العواد والزامر إذ ... ضاقت علينا بهم المناهج يعقوب يضرب وهو ساكت ... وأرقم ينفخ وهو خارج ولا بأس من إيراد نبذة من حكايات الحذاق في الغناء: قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي بعث إلى المأمون يوما وبين يديه ثماني عشرة مغنية تسع عن اليمين وتسع عن شماله وعنده إبراهيم بن المهدي فقال كيف تسمع يا إسحاق فقلت أسمع يا أمير المؤمنين خطأ فقال لإبراهيم ما تقول يا عم فيما قال؟ قال باطل ما ههنا خطأ ولكنه يريد أن يتزيد عندك فقلت له أتأذن لي أن أقفه على الخطأ وأناظره فيه قال نعم قلت على أنه سيدي وأنا عبده أو على الأنصاف قال بل على الأنصاف قلت يؤمرون الجواري أن يغنين الصوت الذي غنينه أولا فغنين ثم قلت له أفهمت الخطأ قال لا قلت فأني ألقي عنك النصف والخطأ في التسع البواقي اللواتي عن الجانب الأيسر قال فتفهم وقال ما أسمع خطأ قلت فأني أخفف عنك أيضاً هؤلاء الأربع الأواخر فاجتهد في التفهم وقال ما ههنا خطأ قلت فإنه في آخر الجواري كلهن فتفهم فلم يقف عليه فقلت للجارية أضربي وحدك وأمسكن البواقي وغنت فقلت ما ترى فقال بل الخطأ ههنا فقال المأمون أحسنت فيهم الخطأ بين أثنين وسبعين وترا ولم تفهمه أنت إلا من أربعة. وقال أحمد بن المرزبان حدثني بعض كتاب السلطان أن الرشيد هب ليلة من نومه فدعا بحمار كان يركبه في القصر أسود فركبه وخرج في دراعة متلمثا بعمامة متلفحا بازار وشى وبين يديه أربعمائة خادم سود سوى الفراشين وكان مسرور العوغاني جريئا عليه لمكانة كانت له عنده فلما خرج من باب القصر قال له أين تريد يا أمير المؤمنين في هذه الساعة قال أردت منزل إبراهيم الموصلي قال مسرور فمضيت معه حتى انتهى إلى منزل الموصلي فخرج فتلقاه وقبل حافر حماره وقال له أمير المؤمنين أفي مثل هذه الساعة تظهر قال نعم شوق طرفك بي ثم نزل في طرف الإيوان وأجلس إبراهيم فقال إبراهيم يا سيدي أنبسط لشيء تأكله قال نعم (حاميرطي) فأتى به كأنما كان عنده معدا له فأصاب منه شيئاً يسيرا ثم دعا بشراب حمل معه فقال الموصلي يا سيدي أغنيك أم تغنيك إماؤك فقال بل الجواري فخرجن جواري إبراهيم فأخذن صدر الإيوان وجانبيه فقال أيضربن كلهن أم واحدة واحدة فقال بل يضربن اثنتان اثنتان وتغني واحدة واحدة ففعل ذلك حتى مر صدر الإيوان وأخذ جانبيه والرشيد يسمع ولا ينصت لشيء من غنائهن إلى أن غنته صبية من حاشية الصفة: يا موري الزند قد أعيت قوادحه ... اقبس إذا شئت من قلبي بمقياس ما أقبح الناس في عيني وأسمجهم ... إذا نظرت فلم أبصرك في الناس

стр. 118

قال فطرب لغنائها واستعاد الصوت مرارا وشرب أرطالاً وسأل الجارية عن صائغه فأمسكت فاستدناها فتقاعست فأمر بها فأقيمت بين يديه فأخبرته بشيء أسرته إليه فدعى بحماره فركبه وانصرف ثم التفت إلى إبراهيم وقال له ما ضرك إلا أن تكون خليقة فكادت نفسه تخرج حتى عاد بعد ذلك وأدناه قال وكان الذي أخبرته أن الصنعة في الصوت لأخته علية وكانت الجارية لها فوجهتها إلى إبراهيم يطارحها عنها لمكانته عندها قال قال لي الرشيد يا إبراهيم بكر حتى نصطبح فقلت أنا والصبح فرسي رهان نستبق إلى حضرتك فبكرت فإذا أنا خال وبين يديه جارية كأنها خوط بان أو جذل عنان حلوة المنظر فغنت في شعر لأبي نواس: توهمه طرفي فأصبح خده ... وفيه مكان الوهم من نظري أثر ومر بفكري خاطر فخرجته ... ولم أر جسما قط يجرحه الفكر وصافحه كفى فا آلم كفه ... فمن غمز كفى أنامله عقر قال إبراهيم فذهبت والله بعقلي حتى كدت أفتضح فقلت من هذه يا أمير المؤمنين قال هذه الذي يقول فيها الشاعر: لها قلبي الغداة وقلبها لي ... فنحن كذاك في جسدين روح ثم قال لها غني فغنت: تقول غداة البين إحدى نسائهم ... لي الكبد الحر فسر ولك الصبر وقد خنقها عبرة فدموعها ... على خدها بيض وفي نحرها صفر قال: فشرب وسقاها وقال غن يا إبراهيم فغنيت حسب ما في قلبي غير متحفظ من شيء: تشرب قلبي حبها ومشى به ... تمشي حمى الكأس في جسم شارب ودب هواها في عظامي فشقها ... كما دب في الملسوع سم العقارب قال ففطن لتعريضي فكانت جهلة مني فأمرني بالانصراف ولم يدع بي شهرا ولا حضرت مجلسه فلما أن مضى شهر دس إليّ خادما معه رقعة مكتوب فيها: قد تخوفت أن أموت من الوج? ... د ولم يدر من هويت بما بي يا كتابي أقرى السلام على من ... لا يسمى وقل له يا كتابي كف صب إليكم كتبتي ... فارحموا كاتبي وردوا جوابي إن كفا إليكم كتبتني ... كفا صب فؤاده في العذاب فأتاني الخادم بالرقعة فقلت ما هذه فقال رقعة الجارية التي غنتك بين يدي أمير المؤمنين فأحسست بالقصة فشتمت الخادم ووثبت عليه وضربته ضرباً شفيت به نفسي وغيظي وركبت إلى الرشيد من فوري فأخبرته بالقصة وأعطيته الرقعة فضحك حتى كاد يستلقي ثم قال على عمد فعلت ذلك بك لامتحن مذهبك وطريقتك ثم دعا بالخادم فلما رآني قال لي قطع الله يديك ورجليك ويلك قتلتني فقلت القتل والله كان بعض حقك ولكني رحمتك وأخبرت أمير المؤمنين حتى يأتي في عقوبتك بما تستحقه فأمر لي بصلة سنية والله يعلم أني ما فعلت ذلك عفافا لكن خوفا. قلت: وقريب من هذه الحكاية ما نقلته من خط الشيخ بدر الدين البشتكي سلمه الله تعالى وهو أن الوزير أبا عامر أحمد بن مروان بن عبد الملك بن عمر بن عيسى بن محمد ابن شهيد كان أهدى له غلاماً من النصارى لا تقع العيون على شبهه فلمحه الناصر فقال أني لك هذا قال هو من عند الله فقال تحفونا بالنجوم وتستأثرون بالقمر فاستعذر واحتفل في هدية بعثها له مع الغلام وقال يا بني كن من جملة ما بعثت به لولا الضرورة ما سمحت بك نفسي وكتب معه: أمولاى هذا البدر صار لافقكم ... وللأفق أولى بالبدور من الأرض أرضيكم بالنفس وهي نفيسة ... ولم أرى قبلي من بمهجته يرض فحسن ذلك عند الملك وأتحفه بمال جزيل وتمكنت عنده مكانته ثم أنه بعد ذلك أهديت ابليه جارية من أجمل نسء الدنيا فخاف أن ينمي ذلك إلى الناصر فيطلبها فتكون قضية الغلام فاحتفل في هدية أعظم من الأولى وبعثها معها أبيه وكتب له: أمولاى هذي الشمس والبدر أولا ... تقدم كيما يلتقي القمران قران لعمري بالسعادة ناطق ... فدم منهما في كوثر وجنان فما لهما والله في الحسن ثالث ... ولا لك ملك البرية ثان

стр. 119

فتضاعفت مكانته عليه ثم أن أحد الوشاة رفع للملك أنه بقى في نفسه من الغلام حرارة وأنه لا يزال يذكره حين تحركه الشمول ويقرع السن على تعذر الوصول فقال للواشي بذلك لا تحرك به لسانك وإلا طار رأسك وأعمل الملك الحيله في أن كتب على لسان الغلام رقعة منها يا مولاي تعلم أنك كنت لي على انفراد ولم أزل معك في نعيم وأنا وأن كنت عند الخليفة مشارك في المنزلة مجاوز ما يبدو من سطوة الملك فتحيل في استدعائي منه وبعثها له مع الغلام صغير السن وأوصاه أن يقول له هي من عند فلان وأن الملك لم يكلمه قط أن سأله عن ذلك فلما وقف أبو عامر على الرسالة واستخبر الخادم فعلم في سؤاله ما كان في نفسه من الغلام وما تكلم به في مجالس المدام وكتب على ظهر الرقعة ولم يزد حرفا: أمن بعد أحكام التجارب ينبغي ... لدىّ سقوط العير في غابة الأسد وما أنا ممن يغلب الحب عقله ... ولا جاهل ما يدعيه أولو الحسد فإن كنت روحي قد وهبتك طائعا ... وكيف ترد الروح أن فارق الجسد فلما وقف الناصر على الجواب تعجب من فطنته ولم يعد إلى استماع واش به ودخل عليه بعد ذلك فقال له كيف خلصت من الشرك قال لأن عقلي بالهوى غير مشترك. عن إسحاق عن أبيه قال استأذنت الرشيد أن يهب لي يوما ما أيام الجمعة لانبعث قيه بجواري وأخواني فأذن لي في يوم السبت وقال يوم أستثقله فأت فيه بما شئت قال فأقمت يوم السبت بمنزلي وتقدمت في إصلاح طعامي وشرابي بما احتجت إليه وأمرت بوابي بإغلاق الأبواب وتقدمت إليه في ألا يأذن لأحد على فبينما أنا في مجلس والحرم قد حففن بي يترددن بين يدي إذا أنا بشيخ ذي هيبة وجمال عليه خفان قصيران وقميصان ناعمان وعلى رأسه قلنسوة لاطية وبيده عكازة مقمعة بفضة وروايح الطيب تفوح منه حتى ملأت الدار والرواق فدخلني لدخوله على مع ما تقدمت به غيظ عظيم وهممت بطرد بوابي ومن يحجبني لأجله فسلم على أحسن سلام فرددت عليه وأمرته بالجلوس فجلس وأخذ بي في أحاديث الناس وأيام العرب وأشعارها حتى سكن ما بي من الغضب وظننت أن غلماني تحروا مسرتي بإدخال مثله لأدبه وظرفه فقلت له هل لك في الطعام فقال لا حاجة لي فيه فقلت هل لك في الشراب قال ذلك إليك فشربت رطلا فسقيته مثله فقال يا أبا إسحاق هل لك أن تغني لنا شيئاً فنسمع من صنعتك ما قد فقت به عند الخاص والعام فغاظني قوله ثم سهلت الأمر على نفسي وأخذت العود فحبسته ثم ضربت وغنيت فقال أحسنت يا إبراهيم فازددت غيظاً وقلت ما رضى بما فعله في دخوله بغير أذن واقتراحه عليّ أغنية حتى سماني ولم يجمل مخاطبتي ثم قال هل لك أن تزيدنا فندمت وأخذت العود وغنيت وتحفظت وقمت بما غنيته قياما تاما لقوله لي أكافئك فطرب وقال أحسنت يا سيدي وأوثق عددي ثم قال أتأذن لعبدك في الغناء فقلت شأنك واستضعفت عقله في أن يغني بحضرتي بعدما سمعه مني فأخذ العود وحبسه فوالله لقد خلت انه ينطق بلسان عربي واندفع يغني: ولي كبد مقروحة من يبيعني ... بها كبدا ليست بذات قروح أراها على الناس لا يشترونها ... ومن يشتري ذا علة بصحيح أئن من الشوق الذي في جوانحي ... أنين غصيص بالشراب جريح قال إبراهيم فوالله لقد ظننت الحيطان والأبواب وكل ما في البيت يجيبه ويغني معه من حسن غنائه حتى خلت والله أني أسمع أعضائي وثيابي تجاوبه وبقيت مبهوتا لا أستطيع الكلام ولا الحركة لما خالط قلبي ثم غنى: ألا يا حمامات اللوى عدن عودة ... فإني إلى أصواتكن حزين فعدن فلما عدن كدن يمتنني ... وكدت بأسرار لهن أبين دعون بترداد الهدير كأنما ... شربن حميا أو بهن جنون فلم ترعيني مثلهن حمائما ... بكين ولم تدمع لهن عيون فكاد عقلي أن يذهب طربا، ثم غنى شعرا ليزيد بن الطثرية ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد ... فقد زادني مسراك وجدا على وجد أئن هتفت ورقاء في رونق الضحى ... على غصن غض النبات من البرد بكيت كما يبكي الحزين صبابة ... وذبت من الحزن المبرح والجهد وقد زعموا أن المحب إذا نأى ... يمل وإن النأي يشفى من الجد

стр. 120

بكل تداوينا فلم يشف ما بنا على أن قرب الدار خير من البعد ثم قال إبراهيم هذا الغناء المأخوري خذه وانح نحوه في غنائك وعلمه جواريك فقلت أعده علىَّ فقال لست تحتاج قد أخذته وفرغت منه ثم غاب من بين عيني فارتعت وقمت إلى السيف فجردته ثم غدوت نحو أبواب الحرم فوجدتها مغلقة فقلت للجواري أي شيء سمعتن عندي فقال، سمعنا أحسن غناء ما سمع بمثله قط فخرجت متحيرا إلى باب ٠الدار فوجته مغلقاً فسألت البواب عن الشيخ فقال أي شيخ والله ما دخل إليك اليوم أحد فرجعت لأتأمل أمري فإذا هو قد هتف من بعض جوانب البيت وقال لابأس عليك يا أبا إسحاق أنا إبليس وأنا كنت نديمك اليوم فلا ترع فركبت إلى الرشيد وأظرفته بالحديث فقال لي ويحك اعتبر الأصوات التي أخذتها فأخذت العود فإذا هي راسخة في صدري فطرب الرشيد عليها وجلس يشرب ولم يكن عزم على الشرب وأمر لي بصلة جزيلة قال وكأن الشيخ أعلم بما قال أنك قد أخذتها وفرغت منها فليته أمتعنا بنفسه يوماً واحداً كما أمتعك قال أبو الفرج الأصفهاني هكذا حدثتا ابن أبي الأزهر لهذا الخبر وما أدرى ما أقول فيهز عن المداينى قال، قال إبراهيم الموصلي قال لي الرشيد يوماً يا إبراهيم قد جعلت غدا للحرم وليلته للشرب مع الرجال واقتصرت من المغنين عليك فلا تشتعل غدا بشيء ولاتشرب نبيذاً وكن بحضرتي في وقت العشاء الآخرة فقلت السمع والطاعة لأامير المؤمنين فقال وحق أبي لئن تأخرت أو اعتللت بشيء لاضربن عنقك قلت نعم يا أمير المؤمنين وخرجت فما جاءني من أحد إلا احتجبت عنه ولاقرأت رقعةً لأحد حتى إذا صليت المغرب ركبت قاصداً إغغليه فلما قربت من داره مررت بفناء قصر وإذا زنبيل كبير مستوثقمنه بحبال وأربع عرى آدم قد دلى من القصر وجارية قائمة تنتظر إتساتاً قد وعد ليجلس فيه فنازعتني نفسي إلى الجلوس فيه ثم قلت هذا خطأ فلعله إن يجري سبب يعوقني عن الخليفة فيكون الهلاك فلم أزل أنازع نفسي حتى غلبتني فجلست في الزنبيل فرفع حتى صار في أعلى القصر ثم خرجت فنزلت فإذا جوار كأنهن أقمار جلوس فضحكن وطربن وقلن يا عدو الله ما أدخلك إغليتا فقلت يا عدوات الله الذي أردتن إدخاله خير مني ولم يزل ذلك دائراً وهن يضحكن وأضحك معهن فقالت إحداهن أما من أردتن فقد فات وما هذا إغغلا ظريف فهلمن نعاشره معاشرةً جميلة فأخرج إلى طعام ولم يكن في فضل إلا أني كرهت أن أنسب إغلى سوء العشرة فأصبت منه ثم جيء بالنبيذ وجعلت أشرب وأخرجن ثلاث جوار لهن فغنين غناءً حسناً فغنت أحداهن صوتاً لمعبدٍ فقالت إحدى الثلاث من وراء الستر أحسن إبراهيم هذا له فقلت كذبت هذا لمعبدٍ فقالت يا فاسق وما يدريك الغناء ما هو ثم غنت الأخرى صوتاً للغريض فقالت تلك أحسن إبراهيم هذا له أيضاً فقلت كذبت يا خبيثة هذا للغريض فقالت اللهم اخزه ويلك ما يدريك ثم غنت الجارية صوتاً لي فقالت تلك هذا لشريح وأحسن فقلت كذبت هذا لإبراهيم وأنت تنسبين غناء الناس إليه وغناؤه إليهم قفالت وما يدريك فقلت أنا إبراهيم فتباشرن بذلك وظهرن كلهن لي وقلن كتمنا نفسك وقد سررنا سروراً عظيماً فقلت أنا الآن أستودعكن الله فقلن وما السبب فأخبرتهن بقصتي مع الرشيد فضحكن وقلن الآن وقد طاب حبسك علينا إن خرجت أسبوعاً فقلت هو والله القتل فقلن إلى لعنة الله فأقمت والله عندهن أسبوعاً لا أزول فلما كان بعد أسبوع ودعنني وقلن لي إن سلمك الله فأنت بعد ثلاث أيام عندنا فقلت نعم فأجلسنني في الزنبيل وسرحت فمضيت لوجهي حتى أتيت دار الرشيد فإذا النداء قد أشيع ببغداد في طلبي وأن من أحضرني قد سوغ مالي وملكي فإستأذنت فتبادر الخدم حتى أدخلوني على الرشيد فلما رآني شتمني وقال: السيف والنطع إنك يا إبراهيم تشاغلت عني وجلست مع السفهاء أشباهك حتى أفسدت عن لذاتي فقلت يا أمير المؤمنين أنا بين يديك وما أمرت به غير فائت ولي حديث عجيب ما سمع بمثله وهو الذي قطعني عنك ضرورة لاختيار ناسمعه فإن كان عذراً فقبله هاته فحدثته فوجم ساعة ثم قال إن هذا لعجيب أفتحضرني معك قلت نعم وأجلسك معهن إن شئت قبلى حتى تحصل عندها وإن شئت فعلى موعد فقال بلى على موعد قلت أأفعل قال انظر قلت ذلك ذاك حاصل فلما أصبحت أمرني بالإنصراف وان أجيئه من عندهن فمضيت إليهن وقت الوعد فوجدت الزنبيل على حاله فجلست فيه ومدت الجواري وصعدت فلما رأينني

стр. 121

تباشرن بي وحمدن الله على سلامتي وأقمت ليلتي فلما أردت الإنصراف قلت إن لي أخاً هو عندي عدل نفسي وقد أحب معاشرتكن ووعدته بذلك فقلت إن كنت ترضاه فمرحباً بذلك فوعدتهن ليلة غد وانصرفت وأتيت الرشيد فأخبرته فلما كان الوقت خرج معي متخفيا وقد كان الله وفقني أن قلت لهن إذا جاء صديقي فاستترن عني وعنه ولم يسمع لكن لفظة وليكن ما تخترنه من الغناء أو تقلنه من قول مراسلة فلم يتعدين ذلك وأقمن على أتم ستر وخفر وشربنا كثيراً وقد كان أمرني ألا أخاطبه بأمير المؤمنين فلما أخذ النبيذ مني قلت سهواً يا أمير المؤمنين فتواثبن من وراء الستارة حتى غابت عنا حركاتهن فقال لي يا إبراهيم قد أفلت من أمر عظيم والله لو برزت لك واحدة منهن لضربت عنقك قم بنا فانصرفنا فإذا هن له وقد كان غضب عليهن فحبسهن في ذلك القصر ثم وجه منغد بخدم فردوهن إلى قصره ووهب له مائة ألف درهم وكانت الهدايا والألطاف تأتيني بعد ذلك منهن حكاية: تناظرت المغنون يوما عند الواثق فذكروا الضراب وحذاقهم فقدم إسحاق ابن إبراهيم الموصلي ربربا على ملاحظ لملاحظ في ذلك الرياسة عليهم كلهم فقال الواثق هذا حيف وتعد منك فقال إسحاق يا أمير المؤمنين اجمع بينهما وامتحنهما فإن الأمر سيكتشف لك فيهما فأمر بهما فأحضر افقال له إسحاق للضرب أصواتاً معروفة فامتحنهما بشيء منها قال افعل فسمى ثلاثة أصوات كان أولها: علق طيبة السكب جهلاً ... فقد أغرى بتعذيبي نمت عليها حين مرت بنا ... محاسن ينفحن بالطيب تصدها عنا عجوز لها ... منكرة ذات أعاجيب الشعر والغناء لإسحاق فضربا عليه نتقدم ربرب وقصر ملاحظ فعجب الواثق من كشفه عما ادعاه في مجلس واحد فقال ملاحظ فما باله يا أمير المؤمنين يحيلك على الناس ولا يضرب هو فقال يا أمير المؤمنين أنه لم يكن في زماني أضرب مني ولكنكم أعفيتموني من الضرب فثقلت على ومع ذلك أن معي بقية لا يتعلق بها أحد من هذه الطبقة ثم قال يا ملاحظ شوش عودك وهاته ففعل ملاحظ ذلك فقال إسحاق يا أمير المؤمنين هذا خلط الأوتار خلط متعنت وهو لا يألو افسادها ثم أخذ العود فحبسه ساعة حتى عرف مواقعه ثم قال يا مخارق عن أي صوت شئت فغنى مخارق صوتاً وضرب عليه إسحاق بذلك العود الفاسد التسوية فلم يخرجه من لحنه في موضع واحد حتى استوفاه عن نقرة واحدة ويده تصعد وتنحدر إلى الساتين فقال له الاثق والله ما رأيت مثلك قط ولا سمعت به الجوارى ولايصلح لهن البتة وإنما بلغني أن الفليهد ضرب بوماً بين يدى كسرى آثر وتر فأحسن فحسده رجل من حذاق أهل صناعته فرقبه حتى قام لبعض شأنه فخالفه إلى عوده فشوش بعض أوتاره فرجع وضرب وهو لا يدري والملوك لاتصلح في مجالسها العيدان فلم يزل يضرب بذلك العودحتى فرغ ثم قام على رجله وأخبر الملك بالقصة فامتحن العود فعرف ما فيه فقال له زهوزه ورهان زه ووصله بالصلة التي كان يصل بها من يخاطبه بهذه المخاطبة فلما تواطأت الروايات بهذا أخذت نفسي به وروتها عليه وقلت لا ينبغي أن يكون الفلهيد أقوى على هذامنى فما زلت أستنبطه بضع عشرة سنة حتى لم يبق في الأوتار موضع على طبقة من الطبقات إلا وأنا أعرف نغمته كيف هي والمواضع التي تخرج النغم كلها من أعاليها إلى أسافلها وكل شيء منها يجانس شيئاً غيره كما أعرف ذلك في مواضيع الدساتين وهذا شيىء لايفي به الجواري فقال له الواثق لعمري لقد ضدقت ولئن مت لتموين هذه الصناعة معك وأمر له بثلاثين ألف درهم.

стр. 122

الباب الثالث والعشرون في الغلمان كان يقال العبد من لا عبد له وقال دعفل السابة في المماليك هم غير مستفاد وغيظ في الأكباد وقال سعيد بن مسلم لابد للعميد من عبيد وقال جعفر بن سليمان العبيد إن أكلوا من مالك زاد في جمالك وقال غيره العيش في سعة الدار والعز في كثرة العبيد وقال آخر عز الملوك في كثرة المماليك وقال آخر رب عبد خير من الولد لأن الولد قي أكثر الأحوال يرى صلاحه في موت ولده والعبد يرى صلاحه بقاء مولاهزكان يحيى بن أكتم يقول قد أكرم الله تعالى أهل جنته بأن أطاف عليهم الغلمان في وقت رضاه عنهم وأفضاله عليهم وبره بهم لفضلهم في الخدمة على الجواري وما الذي يمنعني عاجلاً في طلب هذه المزية المخصوص بها أهل القربة عند الله تعالى والزلفة لديهزوقال مطيع بن إياس لو لم يكن للمرد فضيلة لما كان الله جعل ملائكته مرداً وأهل الجنة مرداً وهذا فيه كفاية وإنما عنى الحديث أهل الجنة جرد مرد مكحلون، وكان وإليه ابن الحباب يقول الغلام هو الرفيق في السفر والصديق في الحضر والمعين على الشغل والنديم عند الشرب وهو سبب الأنس. وقيل لمسلم الأصفري لم فضلت الغلام على الجارية فقال لأنه في السفر صاحب ومع الإخوان نديم وفي الخلوة أهل. ومن رسالة الشيخ جمال الدين بن نباته وكان في فرجة يحدث مرآها الحسن أحاديث جنان أمامه عشرة مماليك من الترك ليس الخبر في محاسنهم المبدعة كالعيدان جلبهم إلى مصر تاجر لحظته السعادة فاستنزلت له البدور من آفاقها وأصحبته الشموس بشرفها وإشراقها فصار إلى مصر بيوسف وبمن سجد له في المنام وأتى بلاد القبلة بجماعة ما منهم إلا من هو في الحسن أمام وما فيهم إلا من هو في الحسن أمام وما فيهم إلا من يقول له المتأمل بلسان الإعتراف يا بشرى هذا سيد وبلسان العرف يا بشرى هذا الغلام قد وشحوا بالدقة خصورهم وحموا بأسياف الجفون كما تحمى الثغور ثغورهم منكل لدن القوام مهفهفة ساجى الطرف أوطفه حلو الجناية والمجانى طيف العين لا يجود على العاني منسوب إلى أرض القان أصله فيا حزيناً خذه القاني قد أفضح البدور في الدياجي ورمى القلوب من حبه ولها بين هاجره وهاجى وعلا بعنق يجلب من أرض الفرات فعطل عنق الغزال بأرض حاجى ونضى من جفن عينيه حساماً وقسم من لحظاتها على القلوب سهاماً وطال قده عن قصر الأغصان ودنا عن الرمح فكان بين ذلك قواماً فسبحت حين رأيت الأقمار واقفة إلى الأرض وتفائلت بوجوه حب التفائل بمثلها كاد يكون من الفرض وقلت: فجئت من الأتراك سرجاً آذر ... يعلم زهاد الورى كيف تعشق لهم منظر في الحسن يفتح خاطراً ... ولكن سهم اللحظ في القلب مغلق دخلت بقلبي في مجال عيونهم ... فأودبه ذاك المجال الضيق وكم قمر في القوس عاينت منهم ... فما لك يا طرفي المسافر تعلق واستقبلنا دمشق على هذا الفأل الجليل وفاصلنا السفرة -بحمدالله - على وجه جميلز فصل: في المنظوم منذلك قول لسان الدين ابن الخطيب في غلام ساقى قال: كيف أمنتماعلى الشرب ساق ... لحظة في القلوب غير أمين راح يسقي فصب في الكأس نزراً ... ثقة منه بالذي في العيون وقال الشيخ شمس الدين الرئيس فيه مدير الكأس حثنا ودعنا ... بعيشك من كئوسك والحثيث وقال صلاح الدين الصفدي في غلامه يشوى أوزا: قلت لما شوى الحبيب أوزا ... واكتسى باللهب ثوب سناء لو يعيش الجزار مات معنى ... في معاني محاسن الشوائي وله أيضا ًفيه: شوى الأوز فأضحت ... في خمرة الخد بسطه فقلت تشوى أوز ... أم كنت تشوى بطه قال الشيخ برهان القيراطي في غلام يلعب بالعود: غنى على العود شاد سهم ناظره ... أضحى به قلبي المضنى على خطر دنا إلى وحست كفه وتراً ... فراحت الروح بين السهم والوتر وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة في ساقى معذر: مبقل الخد أدار الطلا ... فقال لي في حبها عاتبي عن أحمر المشروب ما تنتهى ... قلت ولا عن أاخضر الشارب وقال في غلام تركي أهيف: علقته من بني الأتراك مقترنا ... من خاطري وهو منى غير مقترب حمالة الحلى والدبياج قامته ... تبت غصون الربا حمالة الخطب وقال الشيخ صفى الدين الحلى في راقص: جاء وفي قده اعتدال ... مهفهف ماله عديل

стр. 123

قد خففت عطفه شمال ... وثقلت جفنه شمول ثم انثنى راقصاًبقد ... حف به اللطف والدخول يجول ما بيننا بوجه ... فيه مياه الحيا تجول ورنح الرقص منه عطفاً ... تثنى إلى نحوه العقول فعطف داخل خفيف ... وردفه خارج ثقيل وقال آخر في راقص: وراقص أبصرته مرة ... فلم أزل بالرقص مفتوتاً لو قيل شعر بين كسرى ... أخرجه بالرقص موزوناً وقال ابن خروف النحوي الأندلسي فيه: ومنوع الحركات يلعب بالنهى ... لبس المحاسن عند خلع لباسه متأودا كالغصن بين رياضه ... متلاعباً كالظبى عند كناسه بالعقل يلعب مقبلا أو مدبرا ... كالدهر يلعب كيف شاء بناسه وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة في غلام يرمي في بالقوس: فديتك أيها الرامي بقوس ... ولحظ يا ضنا جسدي عليه لقوسك نحو حاجبك انجذاب ... وشبه الشيىء منجذب إليه وقال محيي الدين بن قرناص في غلام يرمي في الإماج: أتى الماج مائسا والردف قد أقلقه ... يرشق ثم ينثني بالله ما أرشقه وقال بدر الدين حسن العربي في غلام يرمر في الايك: أهواه في الأيك يرمي دائماً ... وسواد قلب الصب من اعراضه أطلقت لحظى نحوه فأصابني ... سهم وما عاينت كشف بياضه قلت ما أحسن قول الشيخ الموصلي من قصيدة: أصاب فؤادي المستهام بعينه ... فكلمه سهم له غير ناطق ولبعضهم في غلام يقوم سهماً: وافى يده سهم يقومه ... يومي إليه بعينه ويرمقه وذاك ابداع سر من لواحظه ... فيه ليزداد فعلاًحين يرشقه نكتة حسنة: عزم الملك المعظم على الصيد فقال له يا مولانا القمر في العقرب والسفر فبينما هو مفكر إذ دخل مملوك له من أحسن خلق الله وجهاً يقال له آي دغدى فوقف قدامه وقد توشح بقوس فقال له بعض الحاضرين يا مولانا بالله اركب الساعة فهذا القمر في القوس حقيقة فقام لوقته وركب استبشاراً وتفاؤلاً بالقول فلم ير من تلك السفرة ولا أكثر من صيدهاز وقال بدر الدين حسن بن حبيب الحلبي في غلام تركي يطلب وردا شعراً: رام ظبي الترك ورداً ... قلت أقصر خاب ضدك عندك الورد المربى ... قال فأنى قلت خذك وقال الشيخ زين الدين العجمي ونقلها من خطه في غلام نثر ورداً من أكمامه: وافى وفى كميه ورد أحمر حيى به مذ بست تحت لثامهه فرشفت صرف الراح من خرطومه ... وجنيت غض الورد من أكمامه وقال شمس الدين بن الصائغ في غلام ذي خال: بروحي أفدي خاله فوق خده ومن أنا في النيا فأفديه بالمال تبارك من أخلى من الشعر خده وأسكن كل الحسن في ذلك الخال وقال شهاب الدين بن أبي حجلة في غلام يدعى مقبل: يا من تحجب عن محب صادق ... ما زال عنه كل يوم يسأل من لي بيوم فيه يسمح باللقا ... ويقال لي هذا حبيبك مقبل وقال برهان الدين القيراطي فيغلام يبكي شعراً: لم يبك حين بكيت من ... هجراتهم متحسراً وقد ذكرتها في باب البركة والشاذروان والفوارة وأنشدني من لفظه لنفسه الشيخ شمس الدين الرئيس في غلام مليح وله لآلاء مضمنا: ومليح لآلاته قد حكاه ... فهو كالبدر في الجى يتلالا قلت قصدي من الأنام مليح ... هكذا هكذا وإلا فلا لا وأنشدني من لفظه لنفسه سيدي وأخي المولى الكامل شمس الدين محمد الشهير بابن الكفتى -أبقاه الله تعالى -لاحبابه حسبما اقترحته في غلام يعتز إلى من يهواه: وارحمتاه لقلبي كان يمنحني ... حبي وصالاً وكان الحب مستتراً وحين باحت بسرى أدمع هملت ... درى بعشقي له فاعتز واقتدرا وقال الشيخ المحدث الفصيح الترحال صلاح الدين خليل الاقفهسي قال أنشدني الشيخ العارف الناسك المحقق الصوفي إبراهيم بن الشيخ أحمد العربي الشهير بابن رقاعة أعاد الله من بركته من لفظه لنفسه في غلام معذر: رسم العذار بعارضيه بنفسجاً ... فوق الخدود فصار كالمرقوم قبلت مرسوم العذار تأدبا ... ومن التأدب قبلة المرسوم وكتب إلى القاهرة المحروسة من بعض متجدداته سيدي الجناب المجدي بن مكانس أبقاه الله تعالى في غلام أبيض:

стр. 124

دعني وحالي في هوى أبيض ... كالبدر أو أحسن من ذلك وعش مغنى في هوى أسمر ... أو مت إذا ما شئت في حالك وقال شمس الدين محمدبن العفيف في غلام جرحت كفه السكين: لم تجرح السكين كف معذبي ... إلا لمعنى في الهوى يتحقق هي مثلما قيل جارحة غدت ... ولكل جارخة إليه تشوق وكتب إلى القاهرة من بعض متجدداته سيدي القاضي شهاب الدين أحمد بن حجر -سلمه الله تعالى -في غلام مر بروضة مزهرة: ولم أنس إذ مر الحبيب بروضة ... فغارت من الحبوب أعينها المرضى ولاحت بخد الورد في الروض حمرة ... حياء وسمت أطرف نرجسه غضبى وقال محيي الدين بن قرناص في غلام شد بوسطه بندا أحمر: من لقبي من جور البند يحكى ... خنصرا فيه خاتم من عقيق وقال ضلاح الديت الصفدي أنشدني من لفظه لنفسه المولى شهاب الدين أحمد بن مهاجر بحلب المحروسة في غلام لابس لامة حرب: ما لاح في درع يصول بسيفه ... والوجه منه يضيىء تحت المغفر إلا حسبت البحر مد بجدول ... والشمس تحت سحائب من عنبر وقال جمال الدين بن نباتة في غلام يدعى خليل مضمنا: يغيب خليل الحسن عني ليلة ... فأسأم من ليل طويل أراقبه وكيف يطيب اليل عندي والكرى ... وليس إلى جنبي خليل ألاعب وأنشدني الشيخ عز الدين الموصلي لنفسه فيه: قال حبى خليلي غيرت ودي ... وتركت الفؤاد منى عليل بعد عشق الملاح صرت تقيا ... ما تراعى من الأنام خليلا وأنشدني سيدنا ومولانا القاضي صدر الدين بن الآدمى حسبما ورد اقتراحه من السادة المخاديم فضلاء الديار المصرية لنفسه: يا متهمي بالقسم كن متحدي ... ولا تطل رفضي فإني عليل أنت خليلي فبحق الهوى كن ... لشجوني راحما ًيا خليل وقال سيدنا القاضي بدر الدين الماميني في غلام يسقي الماء: بروحي ساقهمت إذ طاف بيننا ... بأكوابه اللاتي سقين أناما ورمت ارتشاف البريق منه فلم يجد ... ولكن كسا جسمى ضنا وسقاما ولنختم هذا الباب بحكاية لطيفة ونكتة غريبة ذكرها أبو الفرج المعروف بالببغاء قال تأخرت بدمشق عن سيف الدولة بن حمدان مكرها وقد سار عنها في بعض وقائعه وكان الخطر شديداً غلى من أراد اللحاق به من أصحابه حتى أن ذلك كان مؤديا إلى النهب وطول الإعتقال فاضطرت إلى أعمال الحيلة في التخلص والسلامة بخدمة من بها من الرؤساء والأخدشية وكان سنى وكان انقطاغي منهم إلى ابي بكر إلى بن صالح الروزبادي لتقدمه في الرياسة ومكانته من الفضل والصناعة فأحسنمقيلي وبالغ في الإحسان إلي وفضلت تحت الضرورة في المقام فتتوقف على قصد البقاع الحسنة والمتنزهات المطروقة تسلياً وتعللا فلما كان في بعض الأيام عملت على قصد دير مران وهذا الدير مشهور الموضع في الجلالة وحسن المنظر فاستصبحت من كنت آنس به وأمرت بحمل ما يصلح وتوجهنا نحوه فلما نزلنا أخذنا في شأننا وقد كنت اخترت من رهبانة لعشرتنا من توسمت فيه رقة الطبع وسماحة النفس والخلق حسبما جرى به الرسم في غشيان العمار وطروق اليرة من الطرق بعشرة أهلها والآنسة بسكانها ولم تزل الأقداح دائرة بين مطرب الغناء وزاهر المذاكرة إلى أن فض اللهو ختامه ولوح السكر لصحبي أعلامه وحالت مني نظرة إلى بعض الرهبان فوجدته إلى خطابي متوثبا ولنظري إليه مترقباً. فلما أخذته عيني أكب على يزعجني بخفى الغمز ووحى الإيماء فاستوحشت من ذلك وأنكرته ونهضت عجلاً واستحضرته فأخرج إلى رقعة مختومة وقال +لي قد ألزمك فرض الأمانة فيما تتمنه هذه الرقعة دونى وسقط زمام كتابها في استرهانك عنى ففضضتها قإذا فيها بأحسن خط وأملحه وأقواه وأوضحه: بسم الله الرحمن الرحيم لم أزل فيما تؤديه هذه المخاطبة يا مولاي بين حشم يحث على الإنقباض عنك وحسن ظن يجض على السانح بنفيس الحظ منك إلى أن استنزلتني الرغبة فيك على حكم الثقة بك من غير خبره ورفعت بيني وبينك سحب الحشمة فأطعت بالإنبساط أوامر المؤانسة وانتهزت في التواصل إلى مودتك فأبت الفرصة والمستماح منك جعلني الله فداك زورة ارتجح بها ما اغتصبتنيه الأيام من المسرة مهنأة بالإنفراد إلا من غلامك الذي هو مادة مسرتك وأنشد:

стр. 125

وما ذاك عن خلق يضيق بطارق ... ولكن لآخذ باحتياط على حالي فإن صادف ما خطبته منك أيدك الله قبولاً ولديك نفاقاً فمنية غفل الدهر عنها وإن فارق مذهبه فيما أهداه إلى منها جرى على رسمي في المضايقة فيما أوثره وأهواه وأترقبه من قربك وأتمناه فزمام المرؤءة يلزمك رد هذه الرقعة وسترها وتناسيها وأطرح ذكرها وإذا أنا بأبيات تتلو الخطاب: يا عامر العمر بالفتوة والقصف ... وحث الكئوس والطرب هل لك من صاحب يناسب في الغر ... بة بأخلاقه وبالأدب أوحشه الدهر فاستراح إلى ... قربك متنصرا على النوب فإن تقبلت ما أتاك به فلم ... يشب الظن فيه بالكذب وإن أبى الزهد دون رغبتنا ... تكن كمن لم يقل ولم يجب قال أبو الفرج ورد على ما حيرني واسترد مني ما كان الشراب حاره من تمييزي وحصل لي في الجملة أن أغلب الأوصاف على صاحبها الكتابة خطاً وترسلا ونظما فشاهدته بالفراسة في ألفاظه وحمدت أخلاقه قبل الإختبار من رقعته وقلت للراهب من هذا ويحك وكيف السبيل إلى لقائه فسهل إن شئت قلت دلني قال فكيف تعمل بالغلمان قلت لاأدري قال تظهر فتورا وتنصب عذرا تفارق به أصحابك مصرفا فإذا حصلت بباب الدير عدلت بك إلى باب تدخل منه فرددت الرقعة إليه وقلت أدفعها إليه ليتأكد أنه وسكونه إلي وعرفه أن التوفر على أعمال الحيلة في المبادرة إلى حضرته على ما أوثره من التفرد أولى من التشاغل بإصدار جواب وقطع وقت بمكاتبة ومضى الراهب وعدت أصحابي بغير النشاط الذي ذهبت به فانكروا ذلك فاعتذرت إليهم بشيىء عرض لي واستدعيت ما أركبه وتقدمت إلى من كان معي من الخدم بالتوفر عن خدمتهم وقد كنا عملنا على المبيت فأجمعوا تعجل السكر والغنصراف وخرجت من باب الدير ومعي غلام صبي كنت ىنس به وبخدمته وتقدمت إلى الشاكرى برد الدابة وستر خبري ومباركتي فتلقاني الراهب وعدل بي إلى طريق مضيق وأدخلني إلى الدير من باب غامض وصار بي إلى باب قلاية متميز عما جاوره من الأبواب نظافة وحسنا فقرعه بحركات مختلفة كالعلامة فابتدرنا منه غلام كأن البدر ركب على أزراره مهفهف الكشح مخطفه معتدل القوام أهيفه تخال الشمس برقعت غرته والليل ناسب أصداغه وطرته في غلالة تنم على ما يستره وتجفو مع رقتها عما يظهره وعلى رأسه مجلستيه بصمت فبهر عقلي حسنا فاستوقفت نظري ثم جفل كالظبى المذعور فتلوته والراهب إلى صحن القلاية فإذا أنا ببيت فضى الحيطان رخامى الأركان مفروش بحصير قد أتعب صانعه منقوش كأنه روضة مزخرفة بالنور أضحكها سقوط الندى فوثب إلينا منه فتى مقبل الشباب حسن الصورة والإهاب ظاهر النبل والهيئة فلقيني حافيا يعثر في سراويله واعتنقني ثم قال إنما استخدمت هذا الغلام إلى تلقيك ياسيدي لا جعل ما لعلك استحسنته من وجهي مصانعا عما يرد عليك من مشاهدتي فاستحسنت اختصار الطريق إلى بسطى وارتجاله النادر على نفسه حرصا في تأنيسي وأفاض في شكري على المسارعة أمره وأنا أوصل في خلال سكتاته المبالغة في الإعتدال به ثم قال يا سيدي أنت مكدود بمن كان معك والإستماع بمحادثتك لا يتم إلا بالتوصل إلى راحتك وقد كان الأمر إلى ما ذكر فاستلقيت يسيرا ثم نهضت فخدمت في حالتي النوم واليقظة الخدمة التي ألفيتها في دور أكابر الملوك وأجلة الرؤساء وأحضر لنا خادمالم أر أحسن وجهاً منه يحمل طبقاً يضم ما يتخذ للعشاء مما خف ولطف وقال إلا كل مني يا سيدي للحاجة ومن لك للمالحة والمساعدة فأكلنا شيئاًوأقبل الليل وطلع القمر ودخل من مناظر ذلك البيت إلى فضاء أدى إلينا محاسن الغوطة وحيانا بذخائر رياضها منالنظر الجاني والنسيم العطري وجاءنا الراهب من الأشربة بما وقع عليه اتفاقنا على الختار منه قم غالب اللذة وجرينا فيميدان المفاوضة فلم نزل تنناهب نوادر الأخبار وملح الأشعار ونمزج ذلك المزج بأظرفه ومن التودد بألطفه إلى أن توسطنا الشراب فالتفت إلى غلامه وقال يا مترف إن مولاك ليس مما يدخر عنا السرور بحضوره وما يجب أن ندخر ممكناً في مسرته فانتقع وجه الغلام حيء وخفرا فأقسم عليه بحياتي وأنا لا أعلم ما يريد فمضى وعاد يحمل طنبورا وجلس وقال لي يا سيدي أتأذن لي في خدمتك فهممت بتقبيل يده لما تداخلني من السرور بذلك فأصلح الطنبور وضرب وغنى هذه الأبيات:

стр. 126

يمالكي وهو ملمي ... وسالبي ثوب نسكي نزه يقين الهوى في-ك عن تعرض الشك لولا ما كنت أبكي ... إلى الصباح وأبكي فنظر إلى الغلام وتبسم فعلمت أن الشعر له فكدت والله أطيرفرحاً بملاحة خلقه وحسن خلقه وقوة حذقه وجودة ضربه وعذوبة ألفاظه وتكامل حسنه فاسندعيت كثيراً فأحضر الخادم عدة قطع من فاخر البلور وجيد المحكم فشربت سروراً بوجهه وشرب بمثل ما شربت ثثم قال لي أنا والله يا سيدي أحب ترفيهك ولا أقطعك عما أنت متوفر عليه ولكن إذا عرفت الإسم والنسب والصناعة واللقب فلا بد أن نشى ليلتنا بشيىء يكون لها طراز ولذكرها معلما فجذبت الدواة وكتبت ارتجالاًوقد أخذ الشراب مني هذه الأبيات: وليلة أوسعتني ... حسنا ولهوا وأنسا ما زلت الثم بدرا ... بها واشرب شما اذ أطلع الدبر سعدا ... لم يبك مذ كان نحسا فصار للروح روحا ... وصار للنفس نفسا فطرب على قولي ألثم بدرا وأشرب شما وجذب غلامه فقبله وقال ما جهلت ما يجب لكمن التوقير وإتما اعتمدت تصديقك فيما ذكرته فبحياتي إلا ما فعلت ذلك بغلامك فاتبعت ايثاره خوفا من احتشامه وأخذ الأبيات زجعل يرددها ثم أخذ الدواة وكتب اجازتها: ولم أكن لغرمي والله أبذل فلسا ... لو ارتضى لي غريمي بدير مران حبسا فقلت والله إذا ما كان يؤذي أحد حقاً ولا باطلاً وداعبته في هذا المعنى بما حضر وعرفت في الجملة أنه متستر من دين وقال لي قد خرج إليك أكثر الحديث فإن عذرت وإلا ذكرت لك الحال لتعرفها إلى صورتها فبنيت ما يؤثره من كتمان أمره فقلت له يا سيدي كل من لا يتعرف بك نكرة وقد اغنت المشاهدة عن الإعتذار وبانت الخبرة عن الإستخبار وجعل يشرب وينتحب من غير استكراه ولا حث ولا استبطاء إلى أن رأيت الشرب قد دب فيه وأكب إلى مجاذبة غلامه والفطنةتثنيه في الوقت بعد الوقت فأظهرت السكر وحاولت النوم وجاء الغلام بفرش حسن ففرش لي بإزاء فرشه فنهض إليه وقام يتفقد أمري بنفسه فقلت له أن لي مذهباً في تقريب غلامى مني واعتمدت بذلك تسهيل ما يختاره من هذا الحال في غلامه فتبسم وقال لي بسكره جمع الله لك شمل المسرة كما جمع جمعه لي بك وأظهر ت النوم وعاد إلى محادثة غلامه وعاتبه بأعذب لفظ وأحلى معاتبة ويمزج ذلك بمواعيد تدل على سعة وانبساط يد وغلامه تارة يقبل يده وتارة فمه وغلبتني عيناي إلى أن أيقظني هواء السحر وانتبهت وهما متعانقان بما كان عليهما من اللباس فأردت توديعه فخفت انتباهه وإزعاجه فخرجت فلقيني الخادم يريد ايقاظه وتعريفه بإنصرافي فأقسمت عليه ألا يفعل ووجدت غلامى قد بكر بما أركبه كما كنت أمرته فركبت منصرفاً وعاملاً على العودة إليه والتوفر على مواصلته وأخذ الحظ منه في معاشرته ومتوهما ًأن الذي كنت فيه مناماً لطيبه وقرب أوله من آخره واعترضتني أسباب أدت إلى اللحاق بسيف الدولة فسرت إلى أتم حسرة لما فإنني من معاودة لقائه وقلت في ذلك هذه الأبيات: ويوم كان الدهر سامحني به ... فصار يسمى بيننا هبة الدهر جرت فيه أفراس الصبا بارتياحنا ... إلى دير مران المعظم ذي القدر فمن روضة بالحسن توقد روضه ... ومن نهر بالفيض يجري إلى نهر وفي الهيكل المعمور منه اقترعها ... وصحبي حلالا بعد توفية المهر ونزهت عن غير الدنانير قدرها ... فما زلت منها أشرب التبر بالتبر وحل لنا ما كان منها محرماً ... وهل يحظر المحظور في بلد الكفر ٣فأهديت لي الأيام فيه مودة ... دعتني في ستر فلبيت في ستر أتى من الشريف الطبع أصدق رغبة ... فخاطبني من معدن النظم والنثر وكان جوابي طاعة لا مقالة ... ومنذا الذي لا يستجيب إلى اليسر فلاقيت من العينين نبلا وهمة ... محلى السجايا بالطلاقة والبشر وأحشمني بالبر حتى حسبته ... يريد اختداعي عن حياتي ولا أدري ونزه عن غير الصفاء اجتمعنا ... وكنت وإياه كقلبين في صدر وشاء السرور أن يلينا بثالث ... فلا طفنا بالبدر أو بأخى البدر يمعط العيون ما أسهمت من جماله ... ومضت القلوب بالتحبى وبالهجر جنينا جنى الورد في غير حينه ... وزهر الربا من روض خديه والثغر

стр. 127

وقابلنا من وجهه وشرابه ... بشمسين في جنحى دجى الليل والشعر وغنى فصار السمع كالطرف أجدا ... بأوفر حظ من محاسنه الزهر وأتبعنا في وجنتيه بمثل ما ... تمرج كفاه من الماء والخمر سرور سكرنا منه لاصحو إذ دعا ... إليه ولم نشكر إليه من السكر كأن الليالي نمن عنه فبعدما ... تنبهن يبكين الوفا إلى العذر مضى وكأنما كنت فيه مناماً ... فحدثت عن طيف الخيال إذا يسر وهل يحصل الإنسان من كل ما به ... تسامحه الأيام إلا إلى الذكر زلم أزل على أتم قلق وأعظم حسرة وأشد تأسف على ما سلبت من عظيم النعمة بفراق الفتى لا سيما ولم أحصل منه حقيقة ولا يقين بر يؤدياني إلى الطوع في لقائه إلى أن عاد سيف الدولة إلى دمشق وأنا في جملته فما بدأت بشيء قبل المصير إلى الراهب وقد كنت حفظت اسمه فخرج إلي مرعوباًولا يعرف السبب فلما رآني استطار فرحا وأقسم لا يخاطبني إلا بعد نزول والمقام عتده يومي ذلك ففعلت فلما جلسنا للمحادثة قال ما لي أراك لا تسألني عن صديقك قلت والله مالي فكر منصرف عنه ولا أسف يتجاوز ما حرمته منه ولا سررت بعودي إلى البلد إلا من أجله ولذلك بدأت بقصدك فاذكر لي خبره فقال أما الآن فنعم هذا فشى من أولاد عظماء مصر جليل القدر عظيم النعمة كان قد ضمن من سلطانه بمصر ضياعاً بمال كثير فخاسر به ضمانه لعقود السعر وأشرف على الخروج مننعمته فاستتر ولما اشتد البحث عنه خرج متخفياً إلى أن ورد دمشق بزىء تاجر وكان استتاره عند بعض اخوانه ممن له عادة بخدمته فأتيت عنده يوماً إذ ظهر لي وقال لصديقه أريد الإنتقال إلى هذا الراهب إن كان مأموناً فذكر لهصديقي مذهبي وأظهرت له السرور بما رغب فيه من الأنس بي وأنا لا أعرفه غير أن صديقي قد أمرنيبخدمته وحصل على ذلك في قلايتي وواصل الصوم فلما كان بعد أيام جاءنا الرسول من عند صديقنا وهو الغلام والخادم قد لحقا به ومعهما سفاتج وعليهما ثياب رثة فلما نظرت إلى الغلام قال يا راهبقد حل الفطر وجاء العيد ووثب إليه واعتنقه وجعل يقبل عينيه ويبكي ووقف على السفاتيج وأنقذها مع درج رقعة منه إلى صديقه فلما كان بعد يومين حمل إليه ألفي دينار وقال له ابتع لنا ما نستعمله في هذه الضيعة فابتاع آلة وفرشاً ولم يزل مكبا على ما رأيت أإلى أن ورد عليه كتاب أهله بتدبير حاله مع سلطانه وأخذ خط السلطان بحطيطة المال وطيب قلبه وتحقق رضى السلطان فلما عزم على المسير قال لغلامه سلم جميع مابقى معك من نفقتنا إلى الراهب ليصرفه في مصالح الدير وسار وماله حسرة غيرك ولا أسف إلا عليك يقطع جميع الأوقات بذكرك ولا يشرب إلا على ما يغنيه الغلام من شعرك وهو الآن بمصر على أحسن الأحوال وأجلها ما بخل بتفقدى وخف بعض ما عندي من الحزازة بما عرفت من حقيقة خبره وأتممت يومي عند الراهب وكان آخر العهد منه ومن الغلام والسلام. الباب الرابع والعشرون في الجوارى ذات الألحان قال الثعالبي في تحفة الأرواح وموائد السرور والأفراح إن كان أجود منه وذلك مع الروية وقال أفلاطون: غناء الملاح تحرك فيه الشهوة والطرب وغناء القباح يحرك فيه الطرب لا الشهوة وقد قيل أحسن الناس غناء من تشبه بالنساء من الرجال ومن تشبه بالرجال من النساء وما أحسن قول القائل: جائت بوجه كأنه قمر ... على قوم كأنه غصن غنت فلم تبق فيّ َجارحة ... إلا تمنيت أنها أذن وقال يزيد بن الوليد: إياكم والغناء فإنه يسقط المروءة وينقص الحياء ويبدي العورة ويزيد في الشهوة وإنه لينوب عن الخمر ويصنع بالعقل مايصنع به السكر وإن كان ولا بد فجنبوه النساء فإن الغناء داعية الزنا وقال بعضهم في جارية عواده: وكأنه في حجرها ولد لها ... تحنو عليه عند كل أوان أبدا تدغدغ بطنه فإذا هفا ... عركت له أذنا من الآذان وقال ابن تميم فيها أيضاً: ومهات قد راضت العود حتى ... عاد بعد الجماخ وهو ذلول خاف من عرك أذنه إذ عصاها ... فلهذاكما تقول يقول وقال آخر فيها وأجاد: أشارت بأطراف لطف كأنها ... أنابيب در قمعت بعيق ودارت على الأوتار حسا كأنها ... بنان طيب في محبس عروق وقال ابن حجاج فيها وأجاد:

стр. 128

هذا ومحسنة بالعود عاشقها ... بذلك الطيب في الأحيان مسرور إذا تثنت وغنت خلت قامتها ... غصناً عليه قبيل الصبح شحرور وقال صلاح الدين الصفدي فيها: حبست مثاني عودها بأنامل ... عبثت بلب الخشاع التورع وشدت فلو شائت عذوبة لفظها ... عطفت عنان البارق المسرع وعجبت من ريح الصبا إذ لم يقف ... طربا ولكن ما لها أذن تعي أبصرت يا عيناي ما لم تبصري وسمعت يا أذني ما لم تسمع وقال جمال الدين بن نباتة فيها: بروحى هيفاء المعاطف حلوة ... تكاد بألحاظ المحببين تشرب لقد عذبت ألفاظها وصفاتها ... على أن قلبي في هواه معذب تجار عود اللهو يشبه صوتها ... فمن أجل هذا أصبح العود يضرب وأجرى دموع العاشقين بلعبها ... فقال الآس دعها تخوض وتلعب وقال النور السعردي في جارية جنكية: لبنت شعبان جنك حين تنطقه ... يغدو بأصناف ألحان الورى هازى لاغرو أن صاد الباب الرجال بها أما تراه يحاكي مخلب الباوى وقال الصلاح الأزيلي في الجنك: الجنك مركب عقل في تشكله ... والرق قلع له الأوتار أطناب يجري بريح اشتياق في بحار هوى ... يؤم ساحل وصل فيه أحباب وقال سيدي شهاب الدين أحمد بن حجر في جارية تلعب بالكمنجا: مابالها هجرت وكم قد مر لي ... منها بين سالف نغمة أوطار وقال سيدنا القاضي بدر الدين الماميني في جارية تدق بالكف: لقد دقت بكفيها فتاة ... منها صفت فينا خلائقها ورقت فأفديها مغنية رأينا بها الأفراح حلت حين دقت وقال شمس الدين بن دانيال في جارية تضرب بالدف وأجاد ذات القوم الذي يهتز غصن نقا ... لو مر يوما عليه طائر صدحا تبدي إلى الدف كالخمار معصمها ... أناملاً ببنان تشبه البلحا غناؤها بريق الغنج تمزجه ... فما ينقط الأكل من رشحا وقال شمس الدين الكوفي الواعظ في جارية مشببة كذا ذكراه في تضميخ التضمين: لقد حصلت لي ليلة لا تقوم ... وعندي من أهوى بها وأتنعم وفي كفها شبابة تجمع المنا ... فنحن سكوت والهوى يتكلم وينفخ فيها الروح روح بأمرها ... وما هو جبريل وما هي مريم وما الدهر إلا صورة دمعها الطلا ... فحرم إذشرب الدماء محرم وما زلت شيعيا إلى أن أتوا بها ... عتيقا فناديت العتيق المقدم وهذا التضمين أغار عليه القاضي محي الدين بن عبد الظاهر وقد ذكرته في الحذاق المطربين. وقال كمال الدين جعفر الأدنوي في تاريخه البدر المسافر في ترجمة القاضي تقى الدين عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن خلف ينعت بابن البيت الأعز الشافعي ومن شعره ملغزا في شبابة: ومحبوبة مهما خلت مع حبيبها ... يقبلها لئما وينظرها شزرا منقبة عريانة وهي فتنة ... لمن أصبحوا من شرب كأس الهوى سكرى وتصحيفها في كف من شاء منهم ... ومن شاء في اليمنى ومن شاء في اليسرى وكتب إلى شرف الدين بن الحلاوى ملغزا فيها مضمنا: وناطقة خرساء باد شجوها ... تكنفها عشر وعنهن تخبر يلذ إلى الإسماع رجع حديثها ... إذ سد منها منخر حاش منخر فأجاب بهذا البيت وأجاد: نهاني النهى والعلم عن وصل مثلها ... فكم مثلها فارقتها وهي تصفر قلت: تكرير لفظة مثلها غير طائلزوألم بهذا التضمين مجير الدين بن تميم فقال: وشبابة قد كنت أهوى سماعها ... وقد صرت منها عندما بت أنفر وها أنا قد فارقتها غير نادم ... وكم مثلها فارقتها وهي تصفر قلت: كان المذكور لهجا بالتضمين مكثر حتى قال في نفسه وظرف: أطالع كل ديوان أراه ... ولم أزجر عن التضمين طيري أضمن كل بيت فيه معنى ... فشعري نصفه من شعر غيري وقال إبراهيمبن المعار في جارية مغنية: وجارية مغنية بلطف ... على الإيقاع بالكعبين دقت فغنت ثم رقت لي +بوصل ... فقمت قطعتها من حيث رقت وقال بدر الدين بن الصاحب فيها: غنت فأغنت عن كئوس الطلا ... بالسكر من لذات تلك اللحون فقلت إذ هيمني صوتها ... في مثل ذا الحلق تروح الذقون وقال صفى الدين الحلى في جارية ترقص بالشراب:

стр. 129

والراقصات وقد شدت ماآزرها ... على خصور كأوسط الدنانير كأن في الشبر بمناها وقد رقصت ... صبحا تقلقل فيه قلب ديجور ترعى الضروب بكفيها وأرجلها ... وتحفظ الأصل من نقص وتغيير وتعرب الرقص من لحن فيلحقه ... ما يلحق النحو من حذف وتقدير وقال جمال الدين حسن بن علي بن داود الفارقي: لله راقصة تميس كأنها ... ظل القضيب إذا تمايل مزهرا تزهو وترجع كالخيال فلا ترى ... حركاتها إلا كطارقة الكرى لانت معاطفها فكيف تلفتت ... وتلفتت لا يستطاع بإن ترى وقال أبو الحسن على بن أبي اليسر فيها: هيفاء إن رقصت في مجلس رقصت ... قلوب من حولها من حذقها طربا خفيفة الوطء لو جالت بخطواتها ... في جفن ذي رمد لي يعرف الوصبا وقال الشيخ عز الدين الموصلي لنفسه فيها: هيفاء راقصة للزهر قد كشفت ... في الكون ما مثلها نجم على الكرة كالغصن أن خطرت يا ليتها عطفت ... مذ أمرضتني وعادت باللمى شفتى وقال الوجيه المناوى في جارية تلعب بخيال الظل: وجارية معشوقة اللهو أقبلت ... بحسن كزهر الروض تحت كمام إذا ما تغنت قلت شكوى صبابة ... وإن رقصت قلنا حباب مدام ٣أرتنا خيال الظل والستر دونها ... فأبدت خيال الشمس خلف غمام تلعب بأشخاص من خاف سترها ... كما لعبت أفعالها بأنامى فصل: فيما يتعلق بكتابة التظرفات منهن على آلاتهن: كتبت مزنة على مضرابها: *مننظر إلى سوانا لم يصدقفي هوانا * وكتبت ظبية مغنية ابن يزداد على ملهاتها: *احفظ سرك من غيرك * وكتبت ظوافر على ملاويها: وافق من ترافق *وقارب من تصاحب * وكتبت ضوء الصباح على عودها بالذهب: *من خالفنا فليس منا * وكتبت تحفة: *ومن أرادنا لا يصبر عنا * وكتبت قينة جارية الملك الظاهرية على بابها: *صل من قطعك أعط من حرمك * وكتبت نزهة جارية الجصاص على إحدى جانبي مضرابها: *من ورد عودها غير حياء به صدر ندائه * وعلى الجانب الآخر: *السعيد من وعظ بغيره * حاشية: قال علي بن الجهم اشتريت جارية فقلت لها ما أظنك بكرا فقالت كثرت الفتوحات في زمن المعتصم وقلت لها كم بيننا وبين الصباح فقالت عناق مشتاق ونظرت إلى الشمس كاسفة فقالت احتشمت محاسني فتنقبت وقلت لها نجعل مجلسنا في القمر فقالت ما أولعك بالجمع بين الضرائر وكانت تكره الحلى وتقول يستر المحاسن كما يغطي القبايح: فصل: في المولدات من الجوارى وغيرهن: قال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر في جارية تدعى وردة: بأبي دمية مولدة ال ... حسن دعوها بوردة البستان في التصاوير مثلها ليس يلقى ... فيقولون وردة كالدهان وقال شهاب الدين بن أبي حجلة في جارية تدعى حكم الهوى: حكم الهوى صدت فبت لأجل ذا ... ولهان من فرط الصبابة والجوى يا عاذلي لا تلمني في حبها ... نفذ القضاء وهكذا حكم الهوى وقال الشيخ نجم الدين الفخاري في جارية تدعى قلوب: عاتبني في حبكم عاذل ... يزعم نصحى وهو فيه كذوب وقال ما حب في قلب المعنى قلوب وقال القاضي شهاب الدين بن فضل الله العمري في جارية تدعى حدق: سكرت في حب من أهوى معاطفه ... تطوع الضلوع على التبريح والحرق قالوا فجد بدموع العين قلت لهم ... لا تسألوا ما جرى منها على حدق وقال أبو حفص جعفر الشطرنجي في جارية سوداء: أشبهك المسك وأشبهته ... قائمة في حسنها قاعدة لاشك إذ لو نكما واحمد ... انكما من طينة واحدة وقال ابن قلاقس فيها وابدع: رب سوداء وهي بيضاء معنى ... نافس المسك عندها الكافور مثل حب العيون تحسبه الن_ناس سوادا وإنما هو نور وقال أبو تمام الحجاج الطيطلي وأجاد: يا كعبة بذوي الألباب لاعبة ... في أصل حسنك معنا غير متفق خلقت بيضاء كالكافور ناصعة ... فصرت سوداء من مثواك في وقال شهاب الدين بن فضل الله في جارية سوداء مغنية: يا رب سوداء لأجفانها ... كما لبيض الهند تأثير يطربني ترجيع ألحانها ... وكيف لا يطرب شحرور ولا بأس بايراد نبذة يسيرة من ذمهم:

стр. 130

قال جماز لعلى الرازي وقد أراد شراء خبشية تمتعها الدهر مزمن وإبطها منتن وجسدها لا يقبل الطيب وإذا شربت احمرت عيناها واخضرت وجنتاها وإذا كسيت فنخاعة وقال الماهاني لصديق لهلما أولعت بالسودان فقال أسخن فقال الماهاني أسخن للعير. نادرة: تزوج مدني سوداء فعوتب فقال عتق ما يملك إن لم يكن ضرابها في الليلة الشتائية أنفع من عدل فحم. وقال الصنوبري يهجو زامرة سوداء: كأنما المزمار في أشداقها ... غرمول عير في حيا أتان وترى أناملها على مزمارها ... كخنافس دبت على ثعبان وقال السراج المختار الحلبي فيها: ولرب زامرة تهيج بزمرها ... ريح البطون فليتها لم تزمر شبهت أناملها على ضرباتها ... وقبيح مبسمها الشنيع الأبخر بخنافس قصدت كنيفا واغتدت ... تسعى إليه على خيار الشنبر ولنختم هذا الفصل بلطائف من حكايات الجوارى الحسان وما خصوا به من فصاحة اللسان: قال بعض ومن يوثق به في الأخبار: رأيت بالبقاء ثلاث جوار كأنهن أقمار أو كأنما أفرغن في قالب الحسن أو ملكن أنفسهن فتصورن كما اشتهين قلت يا ضرائر الشمس أخوات انتن قلن لا ولكنا إلاف مودات وعقائل حبيبات نجتمع في هذا المكان لسبب ما تشتمل عليه القلوب من دفائن العيون ونحن نصف لك حالنا فاقض علينا بما تسمع من أشارنا قلت قلن فقالت الأولى: يقولون طعم الحب مر وإنني ... أظن بان الهجر مر من الحب فقلت المريض أعلم بدائه فقلت سبحان من ستر خلقه بثوب عفوه ولم يعلم غيره ضمائرهم بثاقب علمه. وقالت الثانية: أظن بأن الحب يقتل أهله ... إذا لم يكن في الحب قرب ولا وصل فقلت من جرب أمرا عرفه فاظفر حياءها تورد خديها. فقالت الثالثة أخال الهوى داء يعز دواؤه ... إذا غاب من يهوى وعانده الدهر فقلت من خاف شيئاً حذر منه وإلا وقع فيه فتنفست الصعداء وقالت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وقمن فما رأيت أغصانا تحملن أقماراً أسافلها كثبان إلا هن. وحكى سيار بن المعتمر قال زرت مخارقا وكنت أهوى جاريته معين وكانت أديبة مسمعة فأخرجها وجعلت تغني وطرفها يضحك فوهمتني سرورها بمحبتي إليها فبقيت في لذة من غنائها تتجاوز الوصف فلما قرب وقت الإنصراف دخلت ثم خرجت وعليها عصابة فيها مكتوب: تبسم طرفي فاستهام فؤاده ... إلى الضحك عين صيرته له سخرا إلا أن حسن الطرف ما كان ضاحكا ... فلا يوهمنك الضحك في مقلتي أمرا فاختلط عقلي وتمرر على ما كان حلا من تمنعي معها فلما رأت ما قد نزل بي قلبت العصابة فإذا عليها مكتوب: مزحت فلا تجعل مزاحي علة ... لصرف الهوى عني فتجلعه هجرا منحتك من قلبي مكانا وقربة ... عليك فلا تأسى لما حكيته شعرا وقرأت في كتاب منازل الأحباب ومنارة الألباب تأليف العلامة شهاب الدين محمود الحلبي -رحمة الله تعالى -حكى أبو الفرج الأصبهاني عن بعض بني حمدان قال كنت مع التوكل لما شخص إلى الشام فلما وصلنا إلى حمص قال أريد أن أطوف هذه الكنائس والمواضيع التي تعرف بالفراديس فإني كنت أسمع بطيب هذا المكان فقلت الرأي ما رأى أمير المؤمنين فلما استراح من الركوب دعاني وأخذ بيدي ولم يزل يستقرىء تلك الكنائس والأديرة وما فيها من الصور واحداث الرهبانوبنات القسيس فرأينا وجوها كأنها الأقمار على غصون تنثني على تلك الأورقة والحصون وكلما مر بنا شيىءمن ذلك قال أتدري ما نحن فيه وخلونا براهب من قوام الكنيسة فجعل التوكل يسأله عن اسم كل من مر به ونسبه فبينما نحن كذلك إذ مرت بنا جارية ما رأيت لها شبهاً في يدها مبخرة تبخر بها فقال لها المتوكل تعالي يا جاري فأقبلت بحسن أدب وكمال حسن فقال للقس من هذه قال ابنتي قالوما اسمها قال شعانين فقال لها المتوكل يا شعانين اسقني ماء فقالت ماؤنا ههنا من الغدران ولست استنظف لك آنية الرهبان ولو كانت روحي ترويك لجت لك بها ثم جاءت بكوز من فضة فيه ماء فأومت إلي أن أشربه فشربته فازداد عجبه بها وقال لها يا شعانين إن أنا هويتك تساعديني فتنفست الصعداء وقالت يا مولاي أما الآن فأنا أمتك وأما كوني عرفت صدق محبتك وتمكنها من قلبك فلا فماً أخوفني من حدوث الطغيان عند تملك السلطان أاما سمعت قول الشاعر: كنت لي في أوائل الأمر عبدا ... ثم لما ملكت صرت عدوا

стр. 131

أين ذاك السرور عند التلاقي ... صار مني تجنبا ونبوا فطرب التوكل حتى كاد يشق ثوبه وقال لها هبي لي نفسك أشرب وأنت اليوم فقالت على الرحب والسعة ثم أصعدتنا إلى علية مشرفة على تلك الكنائس فرأينا منظرا عجيباً ثمجاءت بأدب حسن ورقاق وكان التوكل عاف ما جاءت به واستأذنها في احضار طعام فأذنت فأتى بخرفان مشوية وأشياء غريبة الأنواع فاستظرفت ما جىء به واستهولت الآلة وفطنت لأمر التوكل وقامت بين يديه وهمت بالسجود له ثم جاء القس من بيت الرهبان بشراب ذكر التوكل أنه لم يشرب مثله قط فشرب وشربت معه ثم استعفيته من أجل حمى لحقتني فأعفاني وشربها بحديثها فلما أخذ منه الشراب قالت يا سيدي أغنيك عن ضعف الصنعة فقال إن فعلت كمل والله ظرفك فأنت بشىء يشبه العود فاندفعت تغني بهذه الأبيات: يا خاطبا من المودة مرحبا ... نفسي فداؤك لا عدمتك خاطبا أنا عبدة لهواك فاشرب واسقني ... واعدل بكأسك عن جليسك إن أبى قد والله الذي رفع السماء ملكتني ... وتركت قلبي في هواك معذبا فصاح المتوكل وقال أميت أنت وذلك لأني كنت أخطأت في ترك مساعدته فأخذت رطلاً وشربته حتى لحقته ومضى لنا من الايام الافراد ثم أرغبها المتوكل واستسلمها وتزوجها ولم تزل عنده حظية إلى أن قتل في داره. كتب بعض المجان إلى صاحب له يستهديه جارية حفظك الله وحفظ النعمة عليك أن بين كل أمر يطلبه الرجل وبين المطلوب منه ذريعة يتوسل بها إلى معروفه ولي بالرجاء فيك درجة توجب قضاء الحقوق وحاجتي أبقاك الله ظريفة من الجواري لم تتداولها أيدي التجار ولم تمتهنا خدمة الموالي ولي فيها شريطة أعرضها عليك وأذكرها لديك لترى رأيك فيها أنه كان يقال إذا اتخذت جارية فاستحد شعرها فإن الشعر أحد الوجهين وتكون رابعة البياض والطول نصف الحسن كله وتكون مليحة المضحك فإنه أول ما يستجلب من المرأة به المودة ومتقاربة الخطوة وتكون جيداء العنق غيداء اللبب كحلاء العين لها طرف أدعج وحاجب أزج موردة الخدين سهلتهما واضحة الجبين قتوب الأنف حمراء الشفتين مفلجة الثنايا نقية الثغر مشرقة النحر ولست أكره الإنكسار في الثديين لأنه لا لذة للنهود عندي إلا لذة النظر وهي أيضاً تحول بين المعانق وبين اراادته وإن قال الشاعر: حال الوشاح على قضيب زانه ... رمان صدر ليس يعطف ناهد وأكره العجيزة الضخماء ولا أحب الرشحاء أريدها وسطاً لأن خير الأمور أوسطها وتكون سبطة البنان فتلى الساعد ممتلئة الذراع فخمة العضد قبياء البطن نحيفة الخصر يطويها الضجيع طي الحمالة عبلة الفخذين بردية الساقين لطيفة القدمين ولولا افراط الغيرة لذكرت ما أحبه مما هو مستور إلا عند الحاجة إليه وأريدها رخيمة الصوت شهية النغمة عذبة الألفاظ بها غنة الحداثة وبحة الإحتلام أشجى خلقا من الفريض وأنعم كلاما في الآذان من مخارق وأثبت حجة من ابي الهذيل العلاف وابين معنى من النظام ظريفة المجون حسنة الوقار إن كرهتها نأت أطوع من الرداء وأذل من الحداء وقدرك أيدك الله يحمل اقتراحي عليك وشكري لك يستوجب ما سألته منك وأنا بالأسعاف جدير وأنت بالإفضال قمير، فأجابه سألت أعزك الله عن هذه الصفة وطلبت هذا النعت فأعيني في الدنيا وما أراني أجدها إلا في الآخرة وقد بعثت لك بألف دينار لتلتمسها أنت وتسال أخوانك معاونتك على ذلك فمتى وجدتها أو وجدتها لك أحد دفعت إليه الدنانير رهين الدلالة وعرفني بمقدار الثمن لأنفذه إليك-إن شاء الله تعالى

стр. 132

الباب الخمس والعشرون في الباءة قال الشيخ علاء الدين أبو الحسيعلى بن أبي الحزم القرشي المتطبب المعروف بابن النفيس - تغمده الله بالرحمة - في كتابه المعروف بالموجز في الجملة الثانية من الكتاب المذكور في قواعد الجزء العملي من الطب في تدبير الجماع. قال رحمة الله وسامحه: الجماع أفضله ما وقع بعد الهضم وعند اعتدال البدن في حره وبرده ويبوسته ورطوبته وخلائه وامتلائه فإن وقع خطأ فضرره عند امتلاء البدن وحرارته ورطوبته أسهل من خلائه وبرده ويبوسته وإنما ينبغي أن يجامع إذا قويت الشهوة وحصل الإنتشار التام الذي ليس عن تكلف ولا فكرة في مستحسن ولا نظر إليه وإنما هاجته كثرة المنى وشدة الشبق وإن تحصل عقيبه الخفة والنوم والجماع المعتدل ينعش الحرارة الغريزية ويهيىء البدن للإغتذاء في الجماع ويفرح ويحطم الغضب ويزيل الفكر الردىء والوسواس السوداوي وينفع أكثر الأمراض السوداوية والبلغمية وربما وقع تارك الجماع في أمراض مثل الذوار وظلمة البصر وثقل البدن وورم الخصية أو الحالب فإذا عاد إليه برىء بسرعة والإفراط في الجماع يسقط القوة ويضر العصب ويوقع في الرعشة والفالج والتشنج ويضعف البصر جدا وجماع الغلمان أقل استفراغا للمنى فيكون اضعافه وضرره أقل لكن يخوج إلى حركات متعبة لكونه استفراغا غير طبيعي وليجتنب جماع العجوزة والصغيرة جدا والحائض والتي لم تجامع من مدة طويلة والمريضة وقبيحة المنظر والبكر فكل ذلك يضعف بالخاصية وجماع المحبوب يسر ويقل اضعافه مع كثرة استفراغه المنى. وأراد أشكال الجماع أن تعلو المرأة رافعا فخذيها بعد اللاعبة التامة ودغدغة الثدي والحالب ثم حك الفرج بالذكر فإذا تغيرت هيئة عينيها وعظم نفسها وطلبت التزام الرجل أولج الذكر وصب المنى ليتعاضد المنيان وذلك هو الحبل. ومما يعين على الجماع رؤية المجامعة والنظر إلى تسافد الحيوانات وقراءة الكتب المصنفة في الباءة وحكايات الأقوية من المجامعين واستماع الرقيق من أصوات النساء وحلق العانة يهيج الشهوة وإطالة العهد بترك الباءة ينسيه النفس والإستمناء باليد يوجب الغم ويسقط الشهوة والإنتشار. انتهى كلام ابن النفيس. وسئل ابقراط كم ينبغي للإنسان أن يجامع فقال في كل سنة مرة قيل فإن لم يقدر قال في كل شهر قيل فإن لم يقدر قال في كل أسبوع قيل فإن لم يقدر قال هي روحة متى شاء أخرجها. فصل: ولما كان جمال المرأة وحسن تناسب أعضائها هو داعي الرجل إلى وطنها وأجلب لشهوته عند النظر إليه والمد لحواسه في حال مصاحبتها فلا بأس بإيراد نبذة من ذلك: أجمع أهل المعرفة أن الذي يحمد في المرأة من السواد أربعة أشياء: الشعر والحاجبان والحدقة والأهداب. ومن البياض أربعة أشياء بياض لونها بياض عينيها وبياض أسنانها وبياض فرقهازومن الحمرة أربعة أشياء: حمرة اللسان وحمرة الوجنات وحمرة الشفتين وحمرة الليتين. ومن الغلظ أربعة أشياء: العضدان والساقان والشفران والذوائب. ومن الرقة أربعة أشياء: العظام والأنف والخصر وأطراف الأنامل. ومن الطول أربعة أشياء: الرأس والعنق والساعدان والساقان. ومن الراض أربعة أشياء: الجبهة والعينان والصدر والألية. ومن الصغر أربعة أشياء: الفم والكفان والقدمان والأذنان. ومن الضيق أربعة أشياء النخران ثقب الأذان السرة الموطأ. ومن الصلابة أربعة أشياء: الثديان الأليتان القبل عضلة الساق. ومن الملمس ظهر الفيين الترقوة الأصابع العنق. ومن النشافة أربعة أشياء: العينان المنخران الفم الفرج. ومن الصفاء أربعة أشياء: الحدقتان البشرة الأسنان الأظافر. ومن الكبر أربعة أشياء: الكتفان الركبتان الفخذان الموطأ. ومن الأشياء البارزة أربعة أشياء الأرداف الموطأ الكاهل. ومن الحلاوة أربعة أشياء: الوجه والريق والعينان والنغمة. ومن اللين أربعة أشياء: اللحظ النفس الكلام البشرة ومن الحسن أربعة أشياء: الخلق والخلق والأدب والطاعة. ومن الملاحة أربعة أشياء الضحك والنغمة والنوم والمشية. ومن النظافة أربعة أشياء: الوجه والفرج والإبطان والأطراف. ومن الأشياء الشهية أربعة: الملامسة المحادثة المعانقة المعاتبة. ومن الأشياء الخافية الكعبان الزندان المرفقان الترقوة. ومن الصدق أربعة أشياء:

стр. 133

المودة والحياء والعفة والأمانة. ومن السخونة أربعة أشياء: الموطأ الكفان المجلس باطن القدم. ومن الطيب أربعة أشياء: النفس النكهة الإبطان الفرج. تمت الأربعات. ومن الأشياء المهيجة للباءة: التقبيل، قال الأصمعي كل جماع لاقبل فيه فهو خداج يعنى ناقصا، وقال الجاحظ أربعة أشياء ممسوخة البركة: أكل الأرز البارد والبوس على النقاب والغناء من وراء الستارة والجماع في الماء وقالوا وأحسن الشفاه وأشدها تهيجا وأوفق ما رق الأعلى منها واحمرت ونظفت وحرفت وكان في الأسفل منها بعض الغلظ وإذا عض عليها اخضرت فإن القبلة لهذه الشفة أحلى واعذب وقالوا إن ألذا القبل قبلة ينال فيها لسان الرجل فم المرأة ولسان المرأة فم الرجل وذلك أنه إذا كانت الجارية نقية الفم طيبة النكهة فإنها تدخل لسانها في فم الرجل ادخالا ًيصيب ريقها وحرارة لسانها لسان الرجل فينحدر ذلك الريق وتلكالحرارة والتسخين إلى ذكر الرجل وفرج المرأة فيثير ذلك شبقهما ويقوي شهوتهما فيزداد لونها صفاء وحسن. وما أحسن قول ابن المعتز: وكم عناق لنا وكم قبل ... مختلسات حذار مرتقب نقر العصافير وهي خائفة ... من النواطير يانع الرطب وتلطف بن وكيع في قوله: ظفرت بقبلة منه اختلاساً ... وكنت من الرقيب على حذار ألذ من الصبوح على غمام ... ومن يرد النسيم على خمار وأما كلام المجامع عند الباءة فإنه من كمال المسرة وتمام اللذة لأن كل من حواس الفاعل تكون مشغولة بلذة فالعين بلذة النظر والفم بلذة النظر والفم بلذة الرشف والأنف بلذة الطيب والذكر بلذة الجماع فيحتاج أن تكون الأذن ممتعة بلفظ المحبوب لا سيما إن كان ذلك الكلام مما يجلب الشهوة فتتكامل اللذة فإن الملتذ يريد أن يجد اللذات المتفرقة في شخص واحد ليتم باجتماعها صورة واحدة شريفة. قال الشاعر: وفي أربع منى خلت منك أربعا ... فما أنا أدري أيهم هيج لي كربى أوجهك في عيني أم الريق في فمي ... أم النطق في سمعي أم الحب في قلبي وقال عمرو بن بحر الجاحظ كان بالهند امرأة تعرف بالألفية وذلك أنه كان قد وطئها ألف رجل وكانت أعلم زمانها بأحوال الباءة وأن جماعة من النساء اجتمعوا إليها فقالوا أيتها الأخت أخبرينا ما نحتاج إليه ونستعمله وما الذي يثبت محبتنا في قلوب الرجال وما الذي يتلذذون به ويكرهون من أخلاقنا وما ينبغي أن يعمل معهم ليستجلب له محبتهم قال نعم: أول كل شيء أقول لكم إنه ينبغي ألا يقع له نظر إلا على زينة. قالوا وما الذي يجب على الرجل أن يتقرب به إلى قلب المرأة؟ قالت الملاعبة قبل الجماع والرهز بعد الفراغ. قلن فما الذي يكون سبب محبتهم لبعضهم بعض واتفاقهم؟ قالت الأنزالين في وقت واحد؟ قلن فما الذي يفيد مودتهما وصحبتهما؟ قالت أنى يكون غير ما ذكرت لكم. ثم سألوها عن أصناف الجماع فذكرت لهن ذلك أضربت عن ذكرها لكثرة أقسامها. ومن أراد ذلك فيلطالع الكتب المؤلفة فيها فإنها مشحونة بها. وأما ميلهن إلى النكاح وشدة شبقهن فمنه ما حكى أنه كانت امرأة لها يسار وحال فخطبها رجل من يسار وحال وثروة فلم تفعل فقالت لها أمها يا بنية لم لا تتزوجين بهذا الرجل فإنك لا تجدين مثله فقالت لا أريده لني سمعت أن في وسطه أيراً عظيماً مثل الوتد ولا طاقة لي به قال فتشفع الرجل إلى أمها وسألتها أن تشفع فقالت له قد ذكرت لها أمرك فقالت أنها لاتطيق أيرك فقال زوجيني بها واشرطي لها على شرطاً أنني لا أدخل منه شيئاً إلا بأمرها ويكون في يدك تدخلين منه الذي تشتهين وتتركين الذي لا تريدينه فقالت لابنتها ذلك فقالت رضيت بهذا الشرط فلما كان ليلة العرس قالت له أمها أنت على الشرط قال نعم فلما دخلا بها قال لها تقدمي وامسكيه بيدك وأدخلي منه ما تريد ابنتك فأخذته بيدها وأدخلت منه مقدار عقدة وقالت يكفيك هذا قالت زيدي يا أماه عافاك الله فزادتها فلم تزل كذلك إلى أن لم يبق منه شيء فقالت أزيدك يا بنية فقالت إي والله يا أمي قالت يا بنية فأنت قلت لا طاقة لك به فوالله ما بقي معي منه شيء فقالت البنت أسخن الله عينيك والله لقد كان أبي يقول أنك أي شيء وضعت يدك عليه طارت البركة منه وأنا لا أعلم وقد علمت الآن.

стр. 134

صفة شربة نافعة للهوى وعليل النوى: باسم الله اللطيف الحكيم يؤخذ على بركة الله ولطفه: ثلاثة مثاقيل من صافي وصال الحبيب، منقاة من عيدان الجفا وخوف الرقيب، وثلاث مثاقيل من برز الاجتماع، منخولة من غلت الهجران والانقطاع، وأوقيتين من خالص الود والكتمان، منزوعة من عيدان الصدر والهجران، ويؤخذ من عطر البخور ولثم الثغور وضم الخصور من كل واحد مثقالان، ويؤخذ مائة بوسة رمانية محكومة مرضوضة منها خمسون صغار سكريه، وثلاثون زق الحمام وعشرون عصافيرية ويؤخذ غنج حلبي وشخير عراقي من كل واحد مثقالان ويؤخذ أوقيتان من مص اللسان ولئم الفم مع الوجنتين، ويدق الجميع ويخلط ويذر على وزن ثلاثة دراهم غلمة مصرية، ويضاف إليها قرص الإعكان المطوية ويغلي بماء المحبة على شراب الشوق وخطب الطرب في مرحل العجلة ويصفي الجميع على ديبقي سلطاني ويحل فيه أوقيتان من شراب الرضاب ويشرب على الريق من ثغور الأحباب ويكون الغذاء مزورة يقطين الاشتياق ويضاف إليها قلب لوز العناق وماء ليمون الاتفاق ويتناول بعد ذلك ثلاثة أرطال من المدام ثلاثة أيام ويتبعه برطلين من شيل الساقين ويدخل الحمام، نافع مجرب والسلام. بعث بعض الظرفاء إلى محبوبة له مروحة وبأوقة زهر وسكر نبات وشرابه وعود ففهمت مراده وبعثت إليه خيطاً أحمر من صباره وثلاث كمونات سود وغاسول وزر ففهم مقصودها وصبر، والمراد من فعله أنه أراد بالمروحة نزوح وبالزهر البستان وبالسكر النبات نبات وبالشرابة نشرب وبالعوذ نسمع الغناء، مقصودها أنها عرضت بالخيط الأحمر أنها حائض وبالصبارة أصبر وبالثلاث الكمونات ثلاث ليال والغاسول أغتسل وأزورك. وأهدت بعض القينات إلى الملك العزيز بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف في بعض الأيام كرة من العنبر فكسرها فإذا في وسطها زر ذهب وكانا يكتمان أمرهما خوفاً من السلطان فلم يفهم معنى ذلك فأرسل إلى القاضي الفاضل يسأله عن ذلك فقال ارتجالاً: أهدت لك العنبر في وسطه ... زر من التبر دقيق اللحام فالزر في العنبر معناهما ... زر هكذا مستتراً في الظلام كتبت بعضهم على عصابتها أصعد وتمكن على بطن معكن. وكتبت أم القاسم بنت بلبل العطار وكانت من كبار المساحقات على خاتمها مل من الباطل فرجع إلى الحق. وأين هذا من قول بعضهن وقد قيل لها ارجعي إلى الحق فقالت الحق بعض مرادي. وهذا من الأجوبة اللطيفة وما أحقها بقول القائل شعراً: مغرمة بالسحاق أضحت ... تبكي عليه بكل عين كما اتقنت من الهيول إلا ... تصنيف اسحق في حسيني وحكى أ، رجلاً دخل إلى بيت فوجد امرأتين وهما يتساحقان فجذب التي هي فوق وقعد مكانها وقال هذا عمل يحتاج إلى حبال ورجال. وقال آخر: جرح يريد الفتيلة ... أيش تنفعه اللزقاق وقال الشيخ زين الدين الوردي: قولوا لمن تهوى السحاق الذي ... حرمه الله فما فيه خير أخطأت يا كاملة الحسن إذ ... أقمت اسحق مقام الزبير يحكى أن جدة بنت زياد المؤدب ذكرها المؤرخ الترحال نور الدين بن سعيد في كتابه المغرب وقال وهي من خنساء المغرب من نظمها وقد خرجت إلى وادي مدينة واد بالقرب مع جوار لها فسبحت معهن وكان لها فيهن هوى: أباح الدمع أسراري بواد ... له في الحسن آثار بوادي فمن نهر يطوف بكل روض ... ومن روض يطوف بكل وادي ومن بين الظباء مهاة أنس ... لها لبي وقد سلبت فؤادي لها لحظ ترقده لأمر وذا ... ك الأمر يمنعني رقادي إذا سدلت ذوائبها عليها ... رأيت البدر في أفق السواد كأن الصبح مات له شقيق ... فمن حزن تسربل بالحداد وقالت ماجنة لمسحاقة ما في الدنيا أطيب من الموز قالت نعم إلا أنه ينفخ البطن.

стр. 135

وقالت ماجنة لمسحاقة أين أنت عن الأصلع الأقرع الأحدب المربوق الذي كأنه بوق العظيم الحوق الكثير العروق الذي يخرق الحزوق ويسد البشوق ويفتق ويرفو الشقوق ويقضي الحقوق ويأخذ بالخلوق الأجرد الأربد الذي كأنه الوتد أو رقبة الأسد الأحمر الأشقر المعجر الذي رأسه كالمحور وأصله كالانحر وفيه عرق أخضر كأنه عرق لحم البقر في رأسه كماة ووسطه قناة وفي أسفله مخلاة ولحيته في قفاه يراك من حيث لا تراه لو نطح الفيل كوره أو دخل البحر ثوره كأنه غصن بان أو سيف يمان أو صقلاني عريان أو زنجي غضبان بل كأنه شيطان أو راهب بحران أو هامة من هامان أو عنتر في الحرب أو حارس في درب أو رأس حمل أو ركبة جمل أو كوكب الذنب أو طن قصب أو ذنب التنين أو شوبك القيارين ينطح بغير قرنين ويمشي بغير رجلين ويبصر بغير عينين يدخل في الظلمات وهو أحد البليات في عنقه طوق من أسفل إلى فوق إذا ارتفع النهار يكون كالجلنار أتيه من ملك القندهار مدمج كالطومار يغوص في البحار ويثقب بالإبكار ويدخل في الأحجار إذا جنه الليل أطال القيام والناس نيام. فقالت المساحقة أما علمت أن اللطف والنظافة والظرف واللباقة والتساحي والبراعة في السحق الذي هو سبعون ومائة واحدة منها العقبي والاستكلاب والطنبلسب والملح والمعوج والمقرطح والدارتردار والطاق برطاق والمخالف والمؤالف والشراعي وقبضه وبسطه وعقبه وضغطه والغطيط والصفدعي والتفن والرهز وغير هذه، وأما أنتم فكل شيء لكم النوم على القفا والإدخال في الأست فغذا جهدتم جهدكم كان لون آخر وهو القيام على أربع ويسمونه الحماري وتفتخرون به وأين هذا من أخذه سوقاً وعمل وسؤال وعلل ورقدة وخلوة وحديث هند والزرقا ودعنا نبوران.

стр. 136

وقد بلغنا أن رجلاً قبض على امرأة في خزانة الشراب ورفع رجليها ليضعه بين شفريها فغلط وأدخلها في استها قتسنمت ورفسته فانصدع من حلقه ست وثلاثون خابية خمر ونحن فتجتمع منا الغانية الشكل البيضاء القحبة الشبطة الرطبة الغضة البضة التي كأنها ريحان أو قضيب خيزران بثغر كاللؤلؤ وذوائب كالارسان وخدود كشقائق النعمان أو تفاح لبنان وذدي كالرمان وبطن بأربعة أعكان وحر كأنه قبة الدار أربع في ثمان أو قرنبة عليها شونير أو أرنب حائم أو بطة سكارية بشفرين أغلظ من شفة البقرة كأنهما سنام نافر في لون العاج ولين الديباج وبياض الفنك ودهنية الودك كأنه الركوة المنفوخة منتوف محلوق مضمخ بالمسك والخلوق كأنه كسرى أنوشروان في صدر الإيوان متهلل خذلان فرح مرح ومعه الملاحات ما يخرج عن حد الصفات من الأصابع المطرفة والأصداغ المرزفة والحواجب المزججة والخدود المذبحة والشعور المرجلة والنحور المزينة بالمراسل من الدر والياقوت والمرجان في الغلائل الممسكة المبخرة بالعود الهندي المعجون بالعنبر مع أخرى تتهادى كالفجر بل كالشمس والقمر في منازل الصعود على الفرش الديبقية والأردية القصبية ومطارف الخز المصضربات من رقيق القز المحشوة فوق الأسرة من الأبنوس والعاج ومخاد الديباج المحشو فيها زغب الريش المحفوفة باللحالح السليمانية والدسبونات السوسية يراني النرجس مع أترج السوسن وتفاح أصبهان والسفرجل والرمان وأطباق الرياحين المشمومة بين تلك الأفاويه المقمعة بالعنبر والوصائف الفارغات عليهن العقيان يتضوع من قراطقهن العنبر فيخلو معها بتلك المعاتبات الشجية والنغم العذبة والإشارات اللطيفة والغكز بتلك الحواجب والجفون الساحرة السالبة لألباب ذوي العقول والآداب بالألفاظ الرقيقة المحركة للسواكن المسكنة للحركات بالغنج والشكل والبراعة واللمس الذي تضرب له العروق الهادية وتهدأ له العروق الضارية فإذا صافحت الخدود وانحدرت الدموع فيما بينهما برقة الشكوى ولطافة النجوى كالطل على ورق الورد وتطابقت الصدور على الصدور وانضمت النحور واصطكت الثغور بالثغور والتفت الساقان المدملجة بأخواتها وتراكب الشفران على الشفرين واختلج كل جانب منهما على الآخر لم يقع أبقراط ولا جالينوس على بنصته ولا اركاعانيس على مجسه ولا أفلاطون وأرسطاطاليس على حسنه ولا بطليموس على حسابه ولا قس بن ساعدة على شرحه وبيانه ولا ابراهيم النظام على برهانه ولا النعمان على قياس ولا منصور بن عمار على صفاته حتى إذا علت الأنفاس واستغرقت الحواس وارتفعت الحرارة الغريزية إلى الرأس وبطل فيما بينهما كل قياس نظرت إلى الحركات الحسية والضمائر الوهمية والطبائع الغريزية والألحاظ العشقية وقد ضبط كل عضو أقليمه واستكمل فيما هو فيه نعيمه بين مص وقرص ومقابلة وخايله ومخالبه ومناهبه ومواثبة ومسالبة ورهز وغمز وشهيق ونهيق ونخير ونعير لو سمعه أهل الثغور لصاحوا النفير مع رفع ووضع وجذب ودفع وضم وشم والتزام وقبل وعمل أحسن من كل عمل أحسن من كل عمل ذلك بأنين وحنين وأدب وأرب حتى إذا حان الفراغ ووصلت اللذة إلى بطون الدماغ شممت روايح الروايح خمار ونظرت إلى اهتزاز غصن البان في حلي الأزهار فلو أبصر الفطناء ماهما فيه لحاروا ولو سمع بها الركبان لساروا فيا لها من لذة كاملة ونعمة شاملة. قلت: وأنشدني الشيخ شمس الدين الرئيس من لفظه لنفسه شعراً: عشاقة النسوان مذ لمتها ... قالت دع اللوم ولن في المقال ما في سويداء القلب إلا النسا ... ما حيلتي ما في السويداء رجال ونقلت من الإحاطة بتاريخ غرناطة تأليف الإمام العلامة ذي الوزارتين لسان الدين محمد بن الخطيب تغمده الله بالرحمة قال المصنف المذكور كتب إلى سيدنا ومولانا قاضي القضاة ولي الدين عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي صبيحة الأنبياء بجارية تدعى هند: أوصيك بالشيخ أبي بكره ... لا تأمنن في حالة مكره واجتنب الشل إذا جئته ... جنبك الرحمن ما تكره

стр. 137

سيدي لازلت تنصف بالوالج بين الخلاخل والدمالج وتركض فوقها ركض ىالهمالج أخبرني كيف كانت الحال وهل لاحظت بالقاع من خير البقاع الرحال وأحكم بمرود المراودة الاكتحال واكتحل بالسقيا الإمحال وصح الانتحال وحصحص الحق وذهب المحال وقد طولعت بكل بشرى وبشر وزفت هند منك إلى بشر فلله من عشيقه تمتعت من الربيع بفرش موشية وابتذل منها أي وساد وحشية وقد أقبل ظبي الكناس من الديماس ومطوق الحمام من الحمام وقد حسنت الوجه الجميل النظر به وأزيلت عن الفرع الأثيث الأبري هـ وصقلت الخدود فكأنها الأمريه وتسلط الدللك على الجلود وأعزبت النورة بالشعر المولود وعادت الأعضاء تزل عنها اللمس ولا ينالها البنان الخمس والسحلة يجول في صفحتها الفضية ماء النعيم والمسئول بيني من بينه الشعيم والقلب يرمي من الكف للرقيم بالمعقد المقيم وينظر إلى نجوم الوسوم فيقول إني سقيم، وقد تفتح ورد الخضر وحكم لزنجي الضفيرة بالظفر واتصف أمير الحسن بالصدود المغتفر ورش بماء الطيب ثم أعلق بالله بالعود الرطيب وأقبلت الغادة تهديها الثمن وتزفها السعادة فهي تمشي على استحيا وقد ذاع طيب الربا وراق حسن المحيا حتى إذا نزع الخف وأقبلت الأكف وصحب المزمار وأجاب الدف وداع الأزج وتخور اللوى والمنعرج ونزل على بشر بزيارة هند الفرج اهتزت الأرض وربت وغوصبت الطباع البشرية فأبت. ولله در القائل: ومرت وقالت متى نلتقي ... فهش اشتياقاً إليها الخبيث وكاد يمزق سرباله ... فقلت إليك بساق الحديث فلما انسدل الظلام وانتصفت من عريم العشاء الآخرة فريضة الإسلام وخاطت خيوط المنام عيون الأنام تأتي دنو الجلسة ومسارقة الخلسة ثم آن عض النهد وقبلة الفم والخد وإرسال من الخد إلى الوهد وكانت الإمالة القليلة قبل المد ثم الإفاضة فيما يعيط ويرعب ثم الإماطة لما يشوش ويشغب ثم إعمال المسير إلى السرير وصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا ورضيت فذلت صعبة أي إذلال هذا بعد منازعة الأطواق بسرة تراها العيد من حسن المسرة ثم شرع في حل التكة ونزع السكة وتهيأت الأرض الغرار عمل السكة ثم كان الرأي الاستعجال وحمى الوطيس وضاق المجال وعلا الحرة الخفيف وتصافرت الخصور الهيف وتساطر الطبع العفيف وتواتر التقبيل وكان الأخذ الوبيل وأمتار الأنول من النيل ومنها جائز وعلى الله قصد السبيل فيا لها من نعمة متداركة ونفوس على سبيل القحة متهالكة ونفس تقطيع حروف الحلق وسبحان الذي يزيد في الخلق وعظمت الممانعة وكثرت باليد المصانعة وطال التراوع وشكى التجاوز وهناك تختلف الأحوال وتعظم الأهوال وتخسر وتربح الأموال فمتى عصى ينقلب ثعباناً مبيناً ونونه تصير سيناً وبطل لم يهله المعترك الهائل والوهم الزائل ولا حال بينه وبين قربه الحائل فتعدى فتكة السليك إلى فتكة البراض وتقلد مذهب الإراقة من الخوارج في الاعتراض ثم شق الصف ونقد خضب الكف بعد أن كان يصيب البراء بطعنته وسبق بمفت الله وبعنايته طعنة ابن عبد القيس طعنة ثائر لها نقد لولا الشعاع أضاءها وهناك هدأ القتال وسكن الجبال ووقع التوقع فاستراح البال وتشوق إلى مذهب التنويه من لم يكن للتوحيد بمثال وجعل الجريح يقول وقد نظر إلى دمه يسيل على قدمه إني له عن دمي المسفوك معتذراً وقول حملته في سفكه تعباً ومن سبات عاد عياناً وشجاع صار جباناً كلما شابته شائبة ربية أدخل يده في جيبه فالحجرة الحية وماتت الغريزة الجبة وتقلب الخضر وخف اللغاب وتظاهر اللعاب ويخفق الفؤاد ويكبو الجواد ويسيل العرق ويشتد الكرب والأرق ولبس في محل الأمن الغرق ويدرك فرعون الغرق ولا يزيد الحال إلا شدة ولا يعرف تلك الجارحة المؤمنة إلا ردة. إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأول ما يجني عليه اجتهاده فكم مغري بطول اللبث وهو من الخبث يؤمل الكرة ليزيل المعرة ويستنصره الجبال ويعمل باليد الاحتبال. شعر: إنك لا تشكو إلى مصمت ... فاصبر على الحمل الثقيل أو مت

стр. 138

فقال سيحدث الله بعد عسراً يسراً وبعد عي ثباتاً اللهم أنا نعوذ من فضايح الفروج إذا استغلقت أقفالها ولم تتسم بالنجيع أعقالها ومن معرات الأقدار والنكول عن الإبكار ومن النزول عن البطون والسرر والجوارح الحسنة الغرر قبل تثقب الدرر ولا تجعلنا ممن يستحي من البكر بالغداة وتعلم منه كلال الأذاة وهو محل فضحت فيه رجال وفراش سكنت فيه أوجال وأعلمت روية وارتجال فمن قائل: ارفعه طوراً على أصبعي ... ورأسه مضطرب أسفله كالخنش المقتول يلقى على ... عود لكي يطرح في مزبله أو قائل: عدمت من ايري قوة حسه ... يا حسرة المرء على نفسه تراه قد مال على أصله ... كحائط مر على رأسه وذكر أبياتاً مستكثرة من هذا النمط أضربت عن ذكرها هموم لا تزال تبكي وعلل على الدهر تشكي وأحاديث تقص وتحكي. قال كنت أعزك الله من النمط الأول ولم يقل وهل عند رسم دار من معول فقد جنيت واستطبت السمر فاستدعي الأبواق من أقصى المدينة واخرج على قومك في ثياب الزينة واستبشر بالوفود وعرف مسمعه المسمع حارفة الجود ونجح بصلاته العود وإنجاز الوعود وأجن رمان النهود من أغصان القدود واقطف ببنان اللثم أقاح الثغور وورد الخدود وغن كانت الأخرى فاخف الكمد وأرض الثمد وانتظر الأمد واكتد التوسم واستعمل التبسم واستكتم النسوة وأقص فيهن الرشوة وتقلد المغالطة وارتكب وجيء على قميصك بدم كذب واستنجد الرحمن واستعن على أمرك بالكتمان لا تظهر لعاذل أو غادر التبيان واستنشق الأرج وارتقب الفرج فكم غمام طبق وما هما وما رميت ولكن الله رمى وأملك بعدها عنان نفسك حتى تمكنك الفرصة وترفع إليك القصة ولا بشرى إلى عمل لا يفي منه بتمام وخذ عن إمام. ولله در عروة بن حزام. الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى رموا مهري بأشقر مزبد وعلمت أني إن أقاتل دونهم ... أقبل ولا يضرر عدوي مشهد ففررت منهم والأحبة فيهم ... طمعاً لهم بعقارب يوم مفسد واللبانات تلين وتجمع والمآرب تدنو وتبرح وتحزن ثم تمسح وكم من شجاع حام ويقظ نام ودليل أخطأ الطريق وأظل الفريق والله يجعلها خلة موصلة وسهلاً أكتافه بالخير مشمولة وبينت أركانها لو كانت اليمن مأمولة حتى يكثر خدم سيدي وجواريه وأسرته وسراريه وتصفو عليه نعمة باريه ما طورد قيص واقتحم عيص وأدرك مدام غويص وأعطى زاهد وحرم جريص بمنه وكرمه. فصل: في بعض ما كتبته المتظرفات: كتبت طرفة جارية النطاف على عصابتها بالذهب: *ليس في الحب مشورة* وكتبت توفيق جارية ابن حمدان على برقعها: *كمال المكارم اجتناب المحارم* وكتبت سلامة حظية عبد الله بن طاهر: *ليس على القلب حكم* وكتبت عنان جارية الناطقي على عصابتها باللؤلؤ: *إذ لم تستحي فاصنع ما شئت* وكتبت فرحة جارية علي بن الهجم على عصابتها بالريش: *من صبر ظفر* وكتبت مشتهى جارية القاسم العجلي على معجرتها: *من واصله الحبيب عان عليه الرقيب* وكتبت نزهة جارية الخصائص على عصابتها: *من جاد ساد ومن بخل ذل* ونقشت على فص خاتمها: *من حن أن* وكتبت كنوز جارية ابراهيم بن اسحاق على جبينها بالمسك: *العشق والكتمان ضدان لايجتمعان* وكتبت نسيم جارية جميلة المدنية على جبينها بالغالية: *مراغمة الرقباء في مصالحة الأحباء* وكتبت خلف جارية ابن حمدان على طرازها: *من عشق ولم يصبر هلك ولم يعلم* وكتبت المستحسنة جارية اللاحقي على طرازها الأيمن بالذهب: *من دارى خليله داوى عليله* وعلى الأيسر: *من كشف الغطاء استحق العطاء* وكتبت وشاح المؤيدية على طراز معجرها بالذهب: *الوفاء مليح والعذر قبيح* قال علي بن الهجم كنت عند اسحاق بن ابراهيم الموصلي فدخلت جاريته مهج الموصوفة الجمال وقد كتبت على احد خديها بالغالية: من يكن صبا وفيا ... فعناني في يديه وعلى الآخر: خذ مليى بعناني ... لا أمانعك عليه وعن الجاحظ قال رأيت نشوان جارية زلزل قد كتبت على عصابتها: إن للنرجس حس? ... ?نا وعيوناً أشتهيها فأراها فتريني ... عين من أهواه فيها وكتبت ترشف جارية هارون بن اسحاق على عصابتها:

стр. 139

أليس عجباً أن بيتاً يضمني ... وإياك لا تخلو ولا تتحدث وكتبت جارية المتوكل زاجر على عصابتها: إذا خفنا من الرقباء يوماً ... تكلمت العيون عن القلوب وفي غمز الحواجب مغنيات ... لحاجات المحب إلى الحبيب وكتبت نظيفة جارية يحيى بن خالد بن برمك على طوق لها: ماذاق بؤس معيشة ونعيمها ... في النار من في عمره لم يعشق والحب فيه حلوة ومرارة ... فاسأل بذلك من تطعم أو ذق وكتبت هاجر جارية محمد بن علي على خمارها: إذا نظرت نحوي تكلم طرفها ... فجاوبها طرفي ونحن سكوت فكم نظرة منها تقرب بي الرجا ... وأخرى لها حتى تكاد تموت وكتبت حسانة البدوية جارية المعتز على برقعها بالذهب: ألاحظها خوف المراقب لحظة ... فأشكو لطرفي ما ألاقي من الوجد فتفهم عن لحظتي عظيم صبابتي ... فتومي بطرف العين أني على العهد وكتبت ملاعب على جبينها بالمسك: تحمل عظيم الذنب ممن تحبه ... فإن كنت مظلوماً فقل أنا ظالم فإنك إن لم تحمل الذنب يا فتى ... يفارقك من تهوى وأنفك راغم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الباب السادس والعشرون في الحمام وما غزى مغزاه الحمام بالتشديد واحد الحمامات المبنية وهو مذكر، قال ابن الخباز في شرح الألفية نادرة عن بعض الكتاب كتب يوماً هذه الحمام فقيل له الحمام مذكر فقال أردت حمام النساء وهذا ظريف، وحكى فيه التأنيث أيضاً وأنشد. وإذا دخلت سمعت فيها رنة وقال ابن عمر (: الحمام من النعيم الذي أحدثوه، وروى عن أبى الدرداء وأبي ذر أنهما قالا: نعم البيت الحمام يطهر البدن ويذكر بالنار، وقال أبو هريرة يرفعه نعم البيت الحمام يدخله المسلم يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار، وأول من دخل الحمام ووصفت له النورة سليمان بن داود ﵉، فلما وجد حرها قال أواه من عذاب النار، قال الغزالي في الأحياء ومن جهة الطب قيل أن الحناء بعد النورة أمان من الجذام وقيل أن النوره في كل شهر تطفئ الحرارة وتنقى اللون وتزيد في الجماع، وقيل بولة في الحمام قائماً أنفع من شربه وغسل القدمين بالماء البارد بعد الخروج من الحمام أمان من النقرس، وذكر السمعاني في كتاب الحمام باسناده إلى الفضل بن الفضل الكندي قال ذكر في قوله تعالى (ونعمة كانوا فيها فاكهين) أنها الحمام وقت الضحى، وبسنده إلى يونس بن عبد الأجل أنبأها وهب قال سمعت مالكا يقول من ادخل رجلاً الحمام وجب غذاؤه شاء أو أبى وروى عن مجاهد عن على انه كان يغتسل من مس الإبط والحجامة، وعن جابر مرفوعاً نهى أن يغسل البدن بشيء يؤكل، وبسنده قال الحرث بن كلدة أربعة أشياء تهزم البدن: الغشيان على البطنة ودخول الحمام على الامتلاء وأكل القديد ومجامعة العجوز، وبسنده إلى محمد بن عبد الحكيم قال سمعت الشافعى يقول رأيت في الطب عجباً لمن يدخل الحمام قبل أن يأكل ثم يؤخر الأكل بعدما يخرج كيف يموت وعجبت لمن احتجم ثم بادر الأكل كيف يموت وذكر بعض الحكماء أن غسل الوجه بالماء البارد عقيب الخروج من الحمام يبقى طراوته مع كبر السن، قال الشيخ هبة الله أبو المكارم بن جميع الإسرائيلي الطبيب في كتاب الإرشاد.

стр. 140

الفصل: الخمسون في الاستحمام ومنافع الحمام ومضاره وكيفية استعماله منافع الحمام كثيرة وذلك لموافقتها لسائر الأمزجة من الحارة والباردة والرطبة واليابسة إذا استعملت على ما ينبغي وقد أشار جالينوس إلى ذلك بقوله أن الحمام نافع في الشتاء والصيف ولمن مزاجه حار أو بارد أو رطب أو يابس وقال أيضاً: إن الحمام علاج البدن من الضدين أن أخذه حار المزاج عدله بترطيبه وأن أخذه بارد المزاج أدفأه بحرارته وهي توسع المسام وتستفرغ الفضول وتحلل الرياح وتدر البول وتحبس الطبيعة وتنظف الوسخ والعرق وتذهب الحكة والجرب والإعياء وتلين بشرة البدن وتجود الهضم وتنشط الأعضاء المتشنجة وينضج الزلات والزكام وينفع من حميات يوم ومن الدق والربع والبلغمية بعد نضجها وينفع من وجع الجنب والصدر وينضج الربو ويسمن المهزول ويهزل السمين ويرقق الدم والفضول الغلظة اللزجة بحرارته ويرطب الأبدان اليابسة الخشنة برطوبته وقد قال جالينوس أن الحمام يحلل الكيموس اللذاع ويفيد البدن والأعضاء الأصلية نداوة ورطوبة صافية كل ذلك إذا استعمل على القانون الطبي ولها أيضاً مضار وهي أنها تسهل انصباب الفضول إلى الأعضاء الضعيفة وترخى الجسد وتضعف الحرارة الغزيزية والأعضاء العصبية وتسقط الشهوة وتضعف الباءة، قال وأفضل الحمام ما كان قديم البناء كثير الضواء مرتفع السقوف واسع البيوت عذب الماء طيب الرائحة وكانت حرارته بقدر كزاج الداخل إليه وكان وقوده بما ليس له كيفية ردئة وقد أحسن الذي قال: خير الحمام ما قدم بناؤه واتسع فناؤه وعذب ماؤه وقدر الأتان وقوده بحسب مزاج من أراد وروده، وقد قسم الحمام إلى ثلاث بيوت كل بيت أسخن من الذي قبله لئلا يكون الانتقال من البرد إلى الحر أو من الحر إلى البرد فجأة: فالبيت الأول مبرد مرطب والثاني مسخن مرطب والثالث مسخن مجفف وكذلك أن يكون الانتقال في بيوتها على تدرج، قال بختيشوع إياك أن تدخل الحمام أو خرج بغتة بل البث في كل بيت هنيئة واغسل رأسك بالسدر والطخه بقليل ملح وادخل الحمام كل جمعة مرة فإنك تأمن انتشار الشعر واستعمل المشط فإنه يقوى البصر ويحدث أريحة وزهوا وأخرج إلى المسلخ متدرجاً ثم صب عليك ثوباً نظيفاً طيب الرائحة وتجنب النساء يوماً وليلة، وقال ابن جميع فأما أصحاب الأمزجة الحارة فينبغى أن يقعدوا في البيت الأول قليلاً وفي الثاني دون الأول وفي الثالث دون الثاني وأصحاب البلغم والسوداء بالضد فإن يقصد بالحمام الترطيب أطيل المقام في الحوض ويكثر من رش الماء على أرض الحمام ليكثر البخار فيترطب الهواء وليتمرخ بالدهن ليزيد في الترطيب ويكون الخروج من الحمام قبل أن تلحقه منه مشقة مثل ضعف أو غثيان أو غشى أو شذر أو دوار أو سكتة أو صرع أو ما شابهها مثل هذه الأعراض الردئة فإن كان القصد بالحمام التجفيف أطيل المقام في البيت الحار ويقتصر على هوائه دون مائه ولاستعمال الماء البارد عقيب الحار منافع عظيمة وقال جالينوس: الاغتسال بالماء البارد عقيب الحار يقوى الأعضاء حتى القوى الجوهرية التي في الأعضاء لكن ينبغي أن لا يكون استعمال الماء البارد عقيب الحار بغتة بل بتدريج يستعمل الماء أولاً ممزوجاً بالبارد ثم ينتقل بعده إلى البارد ومن قصد تسمين بدنه فيدخل الحمام بعد تناوله الطعام ومن قصد تهزيله يدخل الحمام على خلو المعدة ويطيل الليث فيه ومن قصد حفظ صحته فيدخل الحمام عند آخر الهضم بحيث أنه إذا خرج منها يكون محتاجاً إلى الغذاء ويجب أن يجتنب الجماع في الحمام والنوم والفصد والحجامة فإن ذلك خطراً بينا وكذلك ينبغي أن يجتنب في الحمام وبعده استعمال الأشياء الباردة بالفعل لأن المسام حينئذ تكون مفتوحة فلا يلبث يندفع البرد إلى جوهر الأعضاء الرئيسية فيفسد قواها وكذلك ينبغي اجتناب استعمال الأشياء الحارة الشديدة الحرارة بالفعل أيضاً وخصوصاً الماء فإن ذلك يورث السل والقوى يصلب الأعضاء ويحلل الرطوبات والمعتدل يجلب الدم إلى ظاهر الجلد وأما التمريخ بالدهن بغير ذلك فيسد المسام ويمنع ما يتحلل وبعد الماء الحار يحفظ الحرارة من التحلل ويسخن ويرطب وبعد الماء يبرد ويرطب، وقال مهذب الدين بن هبل في كتاب المختار: خير الحمام ما كان قديم البناء فإن الحمام قريب العهد بالبناء تكون حيطانه ندية فتكون أراييح صهاريجه مضرة، قال بعض الشراح لهذا

стр. 141

الفصل الحمام الجديد البناء يتحلل من حيطانه رطوبات ممتزجة بجوهر الكلس والجص والقار ويتبخر بحرارة الحمام فيضر استنشاقها بالروح والنفس لأنها كيفيات رديئة خانقة يستصحب النفس ويهجم به على القلب فيغير قوام صحته بسبب ردأة الهواء الواصل به بهذه الكيفيات الرديئة الجوهر فأما إذا عتقت الحمام قبل تحليل الأبخرة الرديئة منها ومن حيطانها فيؤمن من الضرر الحاصل منها ومن الواجب أيضاً أن يكون الفناء متسعاً لأن أبخرة الحمام رديئة وكثيرة ومحتبسة لأنها تتحلل من أبخرة أبدان الناس ومن أنفاسهم ومن مجارى الحمام النافذة إلى فضاء الحمام فيكثر ويتراكم ويختلط بهواء الحمام فيزيده رداءة إلى رداءته المكتسبة بحرارة الحمام فإذا استنشقه الإنسان أضر بحرارته الغريزية وأنهكها بسبب خروجه لها عن الاعتدال في كمه وكيفيته أما كمه فهو كثرة الأبخرة المخالطة له وأما كيفيته فرداءات الأبخرة مع سخونة هواء الحمام فإذا كانت الحمام واسعة الفضاء تعلقت الأبخرة بأعالي الحمام وتبددت وتفرقت فتلطف الهواء المستنشق فيها فيكون أقل ضرراً من الحمام الصغير ويجب أيضاً أن تكون الحمام عالية البناء فإن ذلك معين على تقليل ضرر أبخرتها المستنشقة قال: وأما عذوبة مائها فلا تحتاج إلى تعليل لظهوره لن المياه إذا كانت عذبة طيبة ليس فيها شيء من الكيفيات الغريبة عدلت غالب الأمزجة وصححتها فإن كانت كيفية غريبة مثل أن تكون مالحة أو كبريتية أو نحاسية أو حديدية أو لها مرور على معادن رديئة الجوهر أو على منابت أشجار جبيثة أو على مطابخ وأجام مبنية كثيرة الحيوانات الرديئة كأنواع الدود والضفادع والحيات وما أشبه ذلك أخرجت المزاج عن اعتداله إلى حكم هذه الكيفيات الرديئة قال الشارح ومنافع الحمام كثيرة وأعظمها منفعة هو أنها إذا كانت معتدلة الهواء والماء فإنها تفتح مسام البدن فيسهل بذلك خروج الفضل منه ويكسبه رطوبة عذبة يصير بها البدن إلى نشاط وقوة وتفريح، وقال الرئيس أبو علي الحسين بن سينا ﵀ في كتاب سماه حفظ الصحة لم يذكر فيه سوى أحكام الأسباب الستة الضرورية لا غير وينبغي أن يكون للحمام ثلاثة بيوت بيت معتدل وهو الذي لا يحسن فيه بحر ولا برد وبيت يحس فيه بحرارة معتدلة وبيت يحس فيه بحرارة زائدة عن الثانية بشرط أن يكون النفس فيه مستقيماً غير متواتر فالبيت الأول يضر كبير مضرة والثاني والثالث فلا يمكث فيهما إلا بقدر ما يتحلل من الرطوبة ما من شأنه أن يتحلل فإن طال المكث بها أكثر من المقدار المعتدل وخصوصاً أن اقترن معه حركات قوية فإنه يوقع في الدق لاشتداد سخونة القلب أو الاستسقاء لتحلل الحار الغريزي فيبرد مزاج الاحشاء قال وينبغي أن يجتنب الحمام على الامتلاء من الطعام فإنه يولد سددا في الكبد والعروق لانجذاب المواد الغذائية غير منهضمة إلى ظاهر البدن فيكون ذلك سبباً لحدوث أنواع الحميات العفينة والإسهال الكائن بأدوار ويجتنب فيه الأشياء الباردة مثال فقاع والماء البارد لأن فيه خطراً عظيماً جداً لأن الشئ البارد السيال إذا حصل في المعدة هجم دفعة على الكبد والقلب فبرودهما وأنهك حرارتها الغريزية وأضعف الاحشاء وهيأها للاستسقاء ويجتنب فيه الجماع أيضاً فإنه يسقط القوة ويوقع في أمراض خطرة واعلم أن الحمام الحار جداً يسيل الأخلاط الجامدة إلى أعماق الأعضاء فيحدث أما سددا وأما أوراما ويصعدها إلى الدماغ ويحدث أما صداعاً شديداً أو برساما، والحمام البارد يحرك المادة التي تحركت بالعرق حركة ناقصة فتنجذب المواد إلى جهة سطح البدن فربما أحدثت شبيهاً بالورم والحكة وربما أحدث الزكام والمغص، ورش الماء البارد أو بله بعد الحمام فإنه ينعش القوة المسترخية من الكرب ومن لهيب الحميات وعند المغشى وخصوصاً بماء الورد والخل وربما صحح الشهوة وآثارها ونصر أصحاب النوازل والصداع وأما سكب الماء البارد على الرجلين فأحكامه أحكام ما تقدم في الرش على الوجه والحمام النافع على سبيل الإجمال وهو الحمام المعتدل في حره وبرده الطيب الرائحة العذب الماء والتي أضواؤه كثيرة مشرقة وفناؤه واسع وفيه تصاوير بديعة الصنعة بينة الحسن مثل عاشق معشوق ومثل رياض وبساتين وطرد خيل ووحوش فإن في تصوير مثل هذه تقوية قوية بليغة لجميع قوى البدن الحيوانية والطبيعية والنفسانية وقال الحكيم بدر الدين بن مظفر

стр. 142

قاضي بعلبك في كتاب مفرح النفس وقد أجمع الأطباء والحكماء والألباء قاطبة على أن النظر إلى الصور الجميلة البديعة الجمال يفرح النفس وينشها ويزيل عنها الأفكار والوساوس السوداوية ويقوى القلب قوة لا مزيد عليها بسبب إزالة الأفكار الرديئة عنه ثم قالوا فإن تعذر حصول النظر إلى الصور الجميلة فليكن النظر إلى صور جميلة متقنة الصنعة مصورة في الكتب أو في الهياكل أو في القصور الشريفة وهذا المعنى قد ذكره الحكيم محمد بن زكريا الرازي ﵀ وبالغ في ملازمة فعله لمن يجد في نفسه أفكاراً رديئة ووساوس فاسدة غير موافقة للنظام الطبيعي وقال فإن الصور الجميلة إذا جمعت إلى صورتها حسن الأصباغ المألوفة من الأصفر والأحمر والأخضر والأبيض مع ضبط نسبة المقادير في أشكالها فإنها تشفى الخلاط السوداوية وتزيل الهموم الملازمة لنفس الإنسان وتزيل الكدورة عن الأرواح لن النفس تلطف وتشرق بالنظر إلى مثل هذه الصور فيتحلل ما فيها من الكدورة قال وتفكر في الحكماء المتقدمين الذين استنبطوا الحمام في مدد من السنين كيف علموا بدقة فكرهم وصائب عقلهم إن الحمام إذا دخله الإنسان يتحلل من قواه شيء كثير فأفيضت حكمتهم أن استخرجوا بعقولهم ما يجبر ذلك سريعا فرسموا في الحمام صوراً بديعة الصنعة بأصباغ حسنة مفرحة وقسموا ذلك إلى ثلاثة أقسام ولم يجعلوه قسماً واحداً لنهم علموا أن أرواح البدن ثلاثة أصناف: حيوانية ونفسانية وطبيعية فجعلوا كل قسم من التصوير سبباً لتقوية قوة من القوى المذكورة والزيادة فيها وصوراً للقوة الحيوانية القتال والحرب وطرد الخيل واقتناص الوحوش وصوراً للقوة النفسانية العشق والتفكر في العاشق والمعشوق وتصوير معاتبة بينهما أو معانقة وما أشبه ذلك وصورا للقوة الطبيعية البساتين وصور الأشجار البهية المنظر مع كثرة تصوير الأزهار والألوان المشوقة فهذه التصاوير وأمثالها هي جزء من أجزاء الحمام الفاضل ولو سألت المصور المصير عن خصوصية أن الحمام لم لا يصور المصورون فيها إلا هذه الأقسام الثلاثة لما علم لها تعليلاً لكن بذكر هذه الصفات الثلاثة لا تعلل وسبب ذلك تقادم السنين على تعليل مبادئ الأشياء فما خلوا شيئاً سدا ولا يجعل شيء هدرا، وقال الحسن المتطبب ورأيت ببغداد في دار الملك شرف الدين هرون بن الوزير الصاحب شمس الدين محمد بن محمد الجوينى حماما متقن الصنعة حسن البناء كثير الأضواء قد احتفت به الأنهار والأشجار فأدخلنى إليه سائسه وذلك بشفاعة الصاحب بهاء الدين علي بن الفجر عيسى المنشى الأربلى وكان سائس هذه الحمام خادما حبشيا كبير السن والقدر ففرجنى في ميائه وشبابيكه وأنابيبه المتخذة بعضها من الفضة المطلية بالذهب وغير مطلية وبعضها على هيئة طائر إذا خرج منها الماء صوت بأصوات طيبة ومنها أحواض رخام بديعة الصنعة والمياه تخرج من سائر الأنابيب إلى الأحواض ومن الأحواض ترمى جميعها إلى بركة حسنة الإتقان ثم منها يخرج إلى البستان ثم فرجنى في خلوة نحو عشر خلوات كل خلوة صنعتها احسن من أختها ثم انتهى بي إلى خلوة عليها باب مقفل بقفل حديد ففتحه ودخل بي إلى دهليز طويل كله مرخم بالرخام الأبيض الساذج وفي صدر الدهليز مربعة تسع بالتقريب نحو أربعة انفس إذا كانوا قعودا وتسع اثنين إذا كانا جالسين أو نائمين ورأيت من العجيب في هذه الخلوة أن حيطانها الأربعة مصقولة صقالاً لا فرق بينه وبين صقال المرآة يرى الإنسان سائر بشرته في أي حائط شاء منها ورأيت أرضها مصورة بفصوص حمر وخضر ومذهبة وكلها متخذة من بلور مصبوغ بعضه أصفر وبعضه أحمر فإما الأخضر فقيل أنه حجارة تأتى من الروم والمذهب فهو زجاج مليس بالذهب صوراً في غاية الحسن والحمال وهم على هيئات مختلفة في نومهم وهم بين فاعل ومفعول به إذا نظر إليهم الإنسان تتحرك شهوته قال الخادم هذا صنعوه هكذا المخدومي حتى إذا نظر إلى ما يفعله هؤلاء بعضهم مع بعض من المجامعة والتقبيل ووضع أيدي بعضهم على إعجاز بعض تتحرك شهوته سريعاً فيبادر إلى مجامعة من يحب قال وهذه الخلوة دون سائر الخلوات التي رأيت هي مخصوصة بهذا الفعل إذا أراد الملك هرون أن يجتمع بأحد من مماليكه أو خدمه الحسان أو جواريه أو نسائه في الحمام ما يجتمع به إلا في هذه الخلوة فإنه لما يرى كل محاسن الصور الجميلة مصورة في الحائط ومجسمة بين يديه يرى كل

стр. 143

واحد منهما صاحبه على هذه الصفة ورأيت في صدر الخلوة حوضاً رخاماً مضلعاً وعليه مركب في صدره أنبوب من ذهب بفتح ويغلق بلولب يدار وفوقه أنبوب أخر مثله برسم الماء الحار وفوقه أنبوب آخر برسم الماء البارد والأنبوب الأول برسم الماء الفاتر وعن يمين الحوض ويساره عمودان صغيران منحوتان من البلور يوضع عليهما مباخر الند والعود ورأيتها خلوة شديدة الإضاءة مفرحة بديعة قد أنفق عليها أموال كثيرة وسألت الخادم عن هذه الحيطان المشرقة المضيئة من أي شيء صنعت فقال ما أعلم فما رأيت في عمري ولا سمعت بأحسن من هذه الخلوة ولا احسن من هذه الحمام مع أنني ما احسن أصفها كما رأيتها فإنه لم تتكرر رؤيتي لها ولا اتفق لي الظفر بصناعتها ومباشرتها وفي الذي ذكرت كفاية، انتهى كلام الحكيم بدر الدين حسن بن زفر الأربلى ومن خطه نقلت هذه الفوائد: وقال بعضهم فيه ملغزا: ومنزل أقوام إذا ما تقابلوا ... تشابه فيه وغده ورئيسه تنفس كربى إذ تنفس كربه ... ويعظم أنسى إذ يقل أنيسه إذا ما أعرت الجوّ طرفا تكاثرت ... على من به أقماره وشموسه وقال العفيف التلمساني: مررنا بحمام كانا نحجه ... وقد عقدت منا المآزر نحرم فلما حللنا منه صدرا كأنما ... غدت فيه نيران الصبابة تضرم بكت منه أجفان الأنابيب بيننا ... كإنا له اللوم وهو المتيم وقال محاسن الشواء الحلبي: شدوا المآزر فوق كثبان النقا ... بأنامل حلوا بها عقد التقى وتجرّدوا فرأيت بأن معاطف ... نشروا ذوائبهم عليه فأورقا وبدوا فأطلع كل وجه منهم ... بدرا فأضحى كل قطر مشرقا وتضوّع الحمام مسكا عندما ... فرطوا من الاصداغ نظما معقبا منم كل أهيف حل عقدة بنده ... وغدا بلحظ عيوننا متمنطقا وقال جمال الدين يوسف الصوفى في مليح تركى دخل الحمام وبخ ماء ورد: ولم أنسه لما تعرَّى ثيابه ... وجاء إلى حمامه يتخطر ولما أفاض الماء فوق قوامه ... وفي وجهه نور من الحسن يظهر أتانا هلالا تحته غصن فضة ... يلوح عليه لؤلؤ يتحدَّر فقلت أظبى الترك قد فاح مسكه ... أم الورد من خديه يحمى فيقطر دخل ابن بقى الحمام وفيه الطليطلى فقال له ابن بقى أجز: حمامنا كزمان القيظ محترم ... وفيه للبرد برد غير ذي ضرر فأجازه بقوله: ضدان ينعم جسم المرء بينهما ... فالغصن ينعم بين الشمس والمطر وقال ابن رشيق: ولم أدخل الحمام ساعة بينهم ... طلاب نعيم قد رضيت يبوسى ولكن لتجرى عبرتى مطمئنة ... فأبكى ولا يدرى بذاك جليسى أخذه صدر الدين بن الوكيل فقال: ولم أدخل الحمام من أجل لذة ... فكيف ونار الشوق بين جوانحى ولكنني لم يكفنى فيض مقلتى ... دخلت لأبكى من جميع جوارحى وأنشدنى من لفظه لنفسه الشيخ الورع الزاهد الثقة شمس الدين محمد بن سمنديار الذهبي مضمناً: لم أبغ بالحمام طيب تنعم ... أفنى البكاء دموع عيني أجمعا فبكيت فيه أسى بجسمى كله ... حتى كان لكل عرق مدمعا وأنشدنى سيدي ومولاي القاضي صدر الدين بن الآدمى فسح الله في أجله: إن حمامنا التي نحن فيها ... أي ماء بها وأية نار قد نزلنا بها على ابن عين ... وروينا عنه صحيح البخارى كتب الشيخ صلاح الدين الصفدي في حواشي المقامات عند ذكر ابن سكرة وذكر كافاته هو أبو الحسن محمد بن عبد الله بن سكرة الهاشمي من ولد علي بن المهدي قال دخلت يوماً وخرجت وقد سرق مداسي فعدت إلى داري حافياً وأنا أقول: إليك أذم حمام ابن موسى ... وإن فاق المناطيبا وحراّ تكاثرت اللصوص عليه حتى ... ليحفى من يطيف به ويعرى ولم أفقد به ثوباً ولكن ... دخلت محمدا وخرجت بشرا نادرة: اتفق أن اثنين سبحاً في نهر فلما خرجا صفع أحدهما صاحبه فقال له بعض الحاضرين أين فلوس الحمام فقال أنزلتها في القرعة. وقال النصير الحمامى: لي منزل معروفه ... ينهل جودا كالسحب أقبل ذا العذر به ... واكرم الجار الجنب ووعده السراج الوراق وتأخر فقال: وكدّرت حمامي بغيبتك التي ... تكدر من لذتها صفو مشربي

стр. 144

فما كان صدر الحوش منشرحا به ... ولا كان قلب الماء فيه بطيب وقال: ومذ لزمت الحمام صرت فتى ... لطف يدارى من لا يداريه أعرف حر الأشيا وباردها ... وأخذ الماء من مجاريه وقال يستدعى: من الرأى عندي أن تواصل خلوة ... لها كبد حرا وفيض عيون تراعى نجوما فيك من نار قلبها ... وتبكى بدمع فائض كحزين غدا قلبها صبا عليك وأنت أن ... تأخرت أضحى في حياض منون وقال صدر الدين بن عبد الحق الحنفى رحمه الله تعالى: وجنة لا تنفى نارها ... ندخلها وهي لنا مقصيه نعيمنا فيها بلا طاعة ... عذابنا فيها بلا معصية وقال أيضاً: جهنم حمامكم نارها ... تقطع أكبادنا بالظما وفيها عصاة لهم ضجة ... وان يستغيثوا يغاثوا بما وقال شهاب الدين بن فضل الله: وحمانا كعبة للوفو ... دحج إليها حفاة عراه ٣يكرر صوت أنابيبه ... كتاب الطهارة باب المياه وقال الشهاب محمود مضمنا: قل لي عن الحمام كيف دخلته ... يا مالكى لتسر خلا مشفقا أدخلته وألئك الأقوام قد ... شدّوا المآزر فوق كثبان النقا وقال محي الدين بن تميم مضمنا: لو كنت في الحمام والحنا على ... أعطافه ولجسمه لألأ لرأيت ما يسبيك منه بقامة ... سال النضار بها وقام الماء. وقال مضمنا: عاينت في الحمام أسود وائبا ... من فوق أبيض كالهلال المسفر فكأنما هو زورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر وقال جمال الدين بن نباتة مضمنا: تأملت في الحمام تحت مآزر ... روادف غيد ما سناها بغائب كأني من هذي وهاذيك ناظر ... بياض العطايا في سواد المطالب وقال آخر في تعجيل الخروج منها: خذ من الحمام واخرج ... قبل أن يأخذ منكا حاثن عنه وإلا ... حدّث الحمام عنكا وقال الشيخ جمال الدين بن نياتة في المفاضلة بين حمامات مصر وحمامات الشام: أحواض حمامات شأم ... تسمعى لي كلمتين لا تذكرى أحواض مصر ... فأنت دون القلتين وأنشدنى من لفظه لنفسه الشيخ عز الدين الموصلى معاكساً للشيخ جمال الدين: إليك حياض حمامات مصر ... ولا تنكبرى عندي بمين حياض الشام أحلى منك ماء ... واطهر وهي دون القلتين وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة: ولم أنسه كالفصن يمطره الحيا ... على أثر حمام ويعطفه الصبا ويلثم بالمنديل أبيض سادجا ... فصار بضوء الخد أحمر مذهبا وله: دعاني صديق لحمامه ... فأوقعني في العذاب الأليم نشر مزيد وماء قليل ... فبئس الصديق وبئس الحميم وقال زين الدين بن الورى: وما أشبه الحمام بالموت لامرء ... يذكر لكن أين من يتذكر يجرد من أهل ومال وملبس ... ويصحبه من كل ذلك مئزر وقال ابن وزير يشبه الماء على الرخام: لله يوم بحمام نعمت به ... والماء من حوضه ما بيننا جارى كأنه فوق شقات الرخام ضحى ... ماء يسيل على أثواب قصار فقال ابن الوردي يهجوه: وشاعر أوقد الطبع الذكاء له ... فكاد يحرقه من فرط أذكاء أقام يجهد أياماً قريته ... وفسر الماء بعد الجهد بالماء وقال المعمار أيضاً: في صاحب الحمام أيرى قال لي ... أيلوم في حبي له وملامى لا يشتفى أير عليه طهارة ... إلا بقلب الماء في الحمام قال ابن وزير مثل قوله الآخر: كأننا والماء من حولنا ... قوم جلوس حولهم ماء وقال إبراهيم المعمار في المجون: عاتبت أيرى إذ جاء ملتثما ... من عقله بالخرا فما اكترثا بل قال لي حين نكته قسما ... ما جزت حمام قعره عبثا كيف وفيه طهارتي وبه ... أقلب ماثي وأرفع الحدثا وقال شيخ الشيوخ بحماه: وقيم كلمت جسمى أنامله ... من غير ألسنة تكليم خرصان أن أمسك اليد منى كاد يخلعها ... أو سرح الشعر أنكانى وأبكانى فليس يمسك أمساكا بمعرفة ... ولا يسرح تسريحا بإحسان وأنشدني الجناب المخدومي بن مكانس للشيخ بدر الدين بن الصاحب:

стр. 145

وقيم قيم في حسن صنعته ... حاز الجمال على لطف من الترف لو يخدم البدر أنقى من كلف ... لكنه لم يزل ما بى من الكلف وقال شهاب الدين بن العطار في بلان يدعى موسى: هيأ البلان موسى ... خلوة تحيى النفوسا قلت ما أصنع فيها ... قال تستعمل موسى وعلى ذكر موسة ذكرت واقعة لطيفة لركن الدين الوهراني وهي انه لما قدم إلى القاهرة المعزية مدح عز الدين موسك بن حكو الهدبانى خال صلاح الدين يوسف بن أيوب فأمر له بشيء لم يرضه فحضر مجلسه يوماً وفيه حفل كثير من الناس فقالا يا مولانا إلى أن أحلق رأسي هذه الساعة وانه الأمر إلى بعض الجمدارية أن يحضر الساعة ليحلقه لي بحضرتك فكاد الأمير أن يأذن له في ذلك ثم فهم مقصده فقال لبعض مماليكه أعطه مائة دينار وقل له خذ هذه وأحلق رأسك في الحمام فأخذها ومضر شاكراً فقال له بعض الحاضرين يا مولانا ما معنى هذه الحركة فقال أنه أراد إذا حلقه يقول يا مهتار موسك ردئ فيشتمنا في وجوهنا. ولا بأس بايراد نبذة مما قيل في المشط إذا كان من لوازم الحمام وقال شرف الدين بن الحلاوى وقد طلب منه ثلاث أبيات تكتب على مشط برسم سلطان حلب الملك العزيز محمد بن الظاهر غازي: حلت من الملك العزيز براحة ... غدا لثمها عندي أجل الفرائض وأصبحت مفتر الثنايا لأنني ... حللت بكف بحرها غير غائض وقبلت سامي خده بعد كفه ... فلم أخل في الحالين من لثم عارض وللشيخ بهاء الدين الموصلي ولد الشيخ عوز الدين ملغزا فيه من أبيات: ظننتم تصحيف مقلوبه يخ ... فى وليس الظن بالكاذب قلت: ورد على سيدنا ومولانا أقضى القضاة بدر الدين محمد المخزومي المالكي الشهير بابن الدماميني ﵀ كتاب من مكة المعظمة المشرفة بتاريخ تاسع عشر المحرم سنة إحدى وثمان مائة وفيه أنه اجتمع بمكة بالقاضي شهاب الدين بن حجر ﵀ ووجد صحبته شخصاً يقال له ابن المرجانى وذكر القاضي شهاب الدين أن المشار إليه كان رفيقاً من اليمين إلى مكة المشرفة وأنشدنا له: يا أماما سألته حل لغز ... شاطط عن مزار أهل الذكاء أهمل الثلث باعتناء وقلب ... تره جاء قائد الشعراء وذكر لي القاضي بدر الدين في مشرفته أنه من الألغاز الصبعة فينبغي أن تقع فكرة في حله. قلت: اشتغلت الفكرة في حله فإذا هو لغز في مشط فتأمله ولقد أجاد قائله. قال السراج الوراق ملغزا: وبيضاء قد عانقتها وضممتها ... ولا قبح في جهري بهذا وأسراري على أنه لالاعار فيها محقق ... وما سلمت والله قط من العارى وقال بعض المتاخرين: الأرب حمام بدا لي حميمه ... فظاهره ماء وباطنه نار كإخوان هذا العصر من تلق منهم ... فللودّ إعلان وللحقد أسرار
следующие страницы →