← Адаб

Адаб · id 5390

مطالع البدور ومنازل السرور

الغزولي

Полный текст (317 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الفصل الحمام الجديد البناء يتحلل من حيطانه رطوبات ممتزجة بجوهر الكلس والجص والقار ويتبخر بحرارة الحمام فيضر استنشاقها بالروح والنفس لأنها كيفيات رديئة خانقة يستصحب النفس ويهجم به على القلب فيغير قوام صحته بسبب ردأة الهواء الواصل به بهذه الكيفيات الرديئة الجوهر فأما إذا عتقت الحمام قبل تحليل الأبخرة الرديئة منها ومن حيطانها فيؤمن من الضرر الحاصل منها ومن الواجب أيضاً أن يكون الفناء متسعاً لأن أبخرة الحمام رديئة وكثيرة ومحتبسة لأنها تتحلل من أبخرة أبدان الناس ومن أنفاسهم ومن مجارى الحمام النافذة إلى فضاء الحمام فيكثر ويتراكم ويختلط بهواء الحمام فيزيده رداءة إلى رداءته المكتسبة بحرارة الحمام فإذا استنشقه الإنسان أضر بحرارته الغريزية وأنهكها بسبب خروجه لها عن الاعتدال في كمه وكيفيته أما كمه فهو كثرة الأبخرة المخالطة له وأما كيفيته فرداءات الأبخرة مع سخونة هواء الحمام فإذا كانت الحمام واسعة الفضاء تعلقت الأبخرة بأعالي الحمام وتبددت وتفرقت فتلطف الهواء المستنشق فيها فيكون أقل ضرراً من الحمام الصغير ويجب أيضاً أن تكون الحمام عالية البناء فإن ذلك معين على تقليل ضرر أبخرتها المستنشقة قال: وأما عذوبة مائها فلا تحتاج إلى تعليل لظهوره لن المياه إذا كانت عذبة طيبة ليس فيها شيء من الكيفيات الغريبة عدلت غالب الأمزجة وصححتها فإن كانت كيفية غريبة مثل أن تكون مالحة أو كبريتية أو نحاسية أو حديدية أو لها مرور على معادن رديئة الجوهر أو على منابت أشجار جبيثة أو على مطابخ وأجام مبنية كثيرة الحيوانات الرديئة كأنواع الدود والضفادع والحيات وما أشبه ذلك أخرجت المزاج عن اعتداله إلى حكم هذه الكيفيات الرديئة قال الشارح ومنافع الحمام كثيرة وأعظمها منفعة هو أنها إذا كانت معتدلة الهواء والماء فإنها تفتح مسام البدن فيسهل بذلك خروج الفضل منه ويكسبه رطوبة عذبة يصير بها البدن إلى نشاط وقوة وتفريح، وقال الرئيس أبو علي الحسين بن سينا ﵀ في كتاب سماه حفظ الصحة لم يذكر فيه سوى أحكام الأسباب الستة الضرورية لا غير وينبغي أن يكون للحمام ثلاثة بيوت بيت معتدل وهو الذي لا يحسن فيه بحر ولا برد وبيت يحس فيه بحرارة معتدلة وبيت يحس فيه بحرارة زائدة عن الثانية بشرط أن يكون النفس فيه مستقيماً غير متواتر فالبيت الأول يضر كبير مضرة والثاني والثالث فلا يمكث فيهما إلا بقدر ما يتحلل من الرطوبة ما من شأنه أن يتحلل فإن طال المكث بها أكثر من المقدار المعتدل وخصوصاً أن اقترن معه حركات قوية فإنه يوقع في الدق لاشتداد سخونة القلب أو الاستسقاء لتحلل الحار الغريزي فيبرد مزاج الاحشاء قال وينبغي أن يجتنب الحمام على الامتلاء من الطعام فإنه يولد سددا في الكبد والعروق لانجذاب المواد الغذائية غير منهضمة إلى ظاهر البدن فيكون ذلك سبباً لحدوث أنواع الحميات العفينة والإسهال الكائن بأدوار ويجتنب فيه الأشياء الباردة مثال فقاع والماء البارد لأن فيه خطراً عظيماً جداً لأن الشئ البارد السيال إذا حصل في المعدة هجم دفعة على الكبد والقلب فبرودهما وأنهك حرارتها الغريزية وأضعف الاحشاء وهيأها للاستسقاء ويجتنب فيه الجماع أيضاً فإنه يسقط القوة ويوقع في أمراض خطرة واعلم أن الحمام الحار جداً يسيل الأخلاط الجامدة إلى أعماق الأعضاء فيحدث أما سددا وأما أوراما ويصعدها إلى الدماغ ويحدث أما صداعاً شديداً أو برساما، والحمام البارد يحرك المادة التي تحركت بالعرق حركة ناقصة فتنجذب المواد إلى جهة سطح البدن فربما أحدثت شبيهاً بالورم والحكة وربما أحدث الزكام والمغص، ورش الماء البارد أو بله بعد الحمام فإنه ينعش القوة المسترخية من الكرب ومن لهيب الحميات وعند المغشى وخصوصاً بماء الورد والخل وربما صحح الشهوة وآثارها ونصر أصحاب النوازل والصداع وأما سكب الماء البارد على الرجلين فأحكامه أحكام ما تقدم في الرش على الوجه والحمام النافع على سبيل الإجمال وهو الحمام المعتدل في حره وبرده الطيب الرائحة العذب الماء والتي أضواؤه كثيرة مشرقة وفناؤه واسع وفيه تصاوير بديعة الصنعة بينة الحسن مثل عاشق معشوق ومثل رياض وبساتين وطرد خيل ووحوش فإن في تصوير مثل هذه تقوية قوية بليغة لجميع قوى البدن الحيوانية والطبيعية والنفسانية وقال الحكيم بدر الدين بن مظفر

стр. 142

قاضي بعلبك في كتاب مفرح النفس وقد أجمع الأطباء والحكماء والألباء قاطبة على أن النظر إلى الصور الجميلة البديعة الجمال يفرح النفس وينشها ويزيل عنها الأفكار والوساوس السوداوية ويقوى القلب قوة لا مزيد عليها بسبب إزالة الأفكار الرديئة عنه ثم قالوا فإن تعذر حصول النظر إلى الصور الجميلة فليكن النظر إلى صور جميلة متقنة الصنعة مصورة في الكتب أو في الهياكل أو في القصور الشريفة وهذا المعنى قد ذكره الحكيم محمد بن زكريا الرازي ﵀ وبالغ في ملازمة فعله لمن يجد في نفسه أفكاراً رديئة ووساوس فاسدة غير موافقة للنظام الطبيعي وقال فإن الصور الجميلة إذا جمعت إلى صورتها حسن الأصباغ المألوفة من الأصفر والأحمر والأخضر والأبيض مع ضبط نسبة المقادير في أشكالها فإنها تشفى الخلاط السوداوية وتزيل الهموم الملازمة لنفس الإنسان وتزيل الكدورة عن الأرواح لن النفس تلطف وتشرق بالنظر إلى مثل هذه الصور فيتحلل ما فيها من الكدورة قال وتفكر في الحكماء المتقدمين الذين استنبطوا الحمام في مدد من السنين كيف علموا بدقة فكرهم وصائب عقلهم إن الحمام إذا دخله الإنسان يتحلل من قواه شيء كثير فأفيضت حكمتهم أن استخرجوا بعقولهم ما يجبر ذلك سريعا فرسموا في الحمام صوراً بديعة الصنعة بأصباغ حسنة مفرحة وقسموا ذلك إلى ثلاثة أقسام ولم يجعلوه قسماً واحداً لنهم علموا أن أرواح البدن ثلاثة أصناف: حيوانية ونفسانية وطبيعية فجعلوا كل قسم من التصوير سبباً لتقوية قوة من القوى المذكورة والزيادة فيها وصوراً للقوة الحيوانية القتال والحرب وطرد الخيل واقتناص الوحوش وصوراً للقوة النفسانية العشق والتفكر في العاشق والمعشوق وتصوير معاتبة بينهما أو معانقة وما أشبه ذلك وصورا للقوة الطبيعية البساتين وصور الأشجار البهية المنظر مع كثرة تصوير الأزهار والألوان المشوقة فهذه التصاوير وأمثالها هي جزء من أجزاء الحمام الفاضل ولو سألت المصور المصير عن خصوصية أن الحمام لم لا يصور المصورون فيها إلا هذه الأقسام الثلاثة لما علم لها تعليلاً لكن بذكر هذه الصفات الثلاثة لا تعلل وسبب ذلك تقادم السنين على تعليل مبادئ الأشياء فما خلوا شيئاً سدا ولا يجعل شيء هدرا، وقال الحسن المتطبب ورأيت ببغداد في دار الملك شرف الدين هرون بن الوزير الصاحب شمس الدين محمد بن محمد الجوينى حماما متقن الصنعة حسن البناء كثير الأضواء قد احتفت به الأنهار والأشجار فأدخلنى إليه سائسه وذلك بشفاعة الصاحب بهاء الدين علي بن الفجر عيسى المنشى الأربلى وكان سائس هذه الحمام خادما حبشيا كبير السن والقدر ففرجنى في ميائه وشبابيكه وأنابيبه المتخذة بعضها من الفضة المطلية بالذهب وغير مطلية وبعضها على هيئة طائر إذا خرج منها الماء صوت بأصوات طيبة ومنها أحواض رخام بديعة الصنعة والمياه تخرج من سائر الأنابيب إلى الأحواض ومن الأحواض ترمى جميعها إلى بركة حسنة الإتقان ثم منها يخرج إلى البستان ثم فرجنى في خلوة نحو عشر خلوات كل خلوة صنعتها احسن من أختها ثم انتهى بي إلى خلوة عليها باب مقفل بقفل حديد ففتحه ودخل بي إلى دهليز طويل كله مرخم بالرخام الأبيض الساذج وفي صدر الدهليز مربعة تسع بالتقريب نحو أربعة انفس إذا كانوا قعودا وتسع اثنين إذا كانا جالسين أو نائمين ورأيت من العجيب في هذه الخلوة أن حيطانها الأربعة مصقولة صقالاً لا فرق بينه وبين صقال المرآة يرى الإنسان سائر بشرته في أي حائط شاء منها ورأيت أرضها مصورة بفصوص حمر وخضر ومذهبة وكلها متخذة من بلور مصبوغ بعضه أصفر وبعضه أحمر فإما الأخضر فقيل أنه حجارة تأتى من الروم والمذهب فهو زجاج مليس بالذهب صوراً في غاية الحسن والحمال وهم على هيئات مختلفة في نومهم وهم بين فاعل ومفعول به إذا نظر إليهم الإنسان تتحرك شهوته قال الخادم هذا صنعوه هكذا المخدومي حتى إذا نظر إلى ما يفعله هؤلاء بعضهم مع بعض من المجامعة والتقبيل ووضع أيدي بعضهم على إعجاز بعض تتحرك شهوته سريعاً فيبادر إلى مجامعة من يحب قال وهذه الخلوة دون سائر الخلوات التي رأيت هي مخصوصة بهذا الفعل إذا أراد الملك هرون أن يجتمع بأحد من مماليكه أو خدمه الحسان أو جواريه أو نسائه في الحمام ما يجتمع به إلا في هذه الخلوة فإنه لما يرى كل محاسن الصور الجميلة مصورة في الحائط ومجسمة بين يديه يرى كل

стр. 143

واحد منهما صاحبه على هذه الصفة ورأيت في صدر الخلوة حوضاً رخاماً مضلعاً وعليه مركب في صدره أنبوب من ذهب بفتح ويغلق بلولب يدار وفوقه أنبوب أخر مثله برسم الماء الحار وفوقه أنبوب آخر برسم الماء البارد والأنبوب الأول برسم الماء الفاتر وعن يمين الحوض ويساره عمودان صغيران منحوتان من البلور يوضع عليهما مباخر الند والعود ورأيتها خلوة شديدة الإضاءة مفرحة بديعة قد أنفق عليها أموال كثيرة وسألت الخادم عن هذه الحيطان المشرقة المضيئة من أي شيء صنعت فقال ما أعلم فما رأيت في عمري ولا سمعت بأحسن من هذه الخلوة ولا احسن من هذه الحمام مع أنني ما احسن أصفها كما رأيتها فإنه لم تتكرر رؤيتي لها ولا اتفق لي الظفر بصناعتها ومباشرتها وفي الذي ذكرت كفاية، انتهى كلام الحكيم بدر الدين حسن بن زفر الأربلى ومن خطه نقلت هذه الفوائد: وقال بعضهم فيه ملغزا: ومنزل أقوام إذا ما تقابلوا ... تشابه فيه وغده ورئيسه تنفس كربى إذ تنفس كربه ... ويعظم أنسى إذ يقل أنيسه إذا ما أعرت الجوّ طرفا تكاثرت ... على من به أقماره وشموسه وقال العفيف التلمساني: مررنا بحمام كانا نحجه ... وقد عقدت منا المآزر نحرم فلما حللنا منه صدرا كأنما ... غدت فيه نيران الصبابة تضرم بكت منه أجفان الأنابيب بيننا ... كإنا له اللوم وهو المتيم وقال محاسن الشواء الحلبي: شدوا المآزر فوق كثبان النقا ... بأنامل حلوا بها عقد التقى وتجرّدوا فرأيت بأن معاطف ... نشروا ذوائبهم عليه فأورقا وبدوا فأطلع كل وجه منهم ... بدرا فأضحى كل قطر مشرقا وتضوّع الحمام مسكا عندما ... فرطوا من الاصداغ نظما معقبا منم كل أهيف حل عقدة بنده ... وغدا بلحظ عيوننا متمنطقا وقال جمال الدين يوسف الصوفى في مليح تركى دخل الحمام وبخ ماء ورد: ولم أنسه لما تعرَّى ثيابه ... وجاء إلى حمامه يتخطر ولما أفاض الماء فوق قوامه ... وفي وجهه نور من الحسن يظهر أتانا هلالا تحته غصن فضة ... يلوح عليه لؤلؤ يتحدَّر فقلت أظبى الترك قد فاح مسكه ... أم الورد من خديه يحمى فيقطر دخل ابن بقى الحمام وفيه الطليطلى فقال له ابن بقى أجز: حمامنا كزمان القيظ محترم ... وفيه للبرد برد غير ذي ضرر فأجازه بقوله: ضدان ينعم جسم المرء بينهما ... فالغصن ينعم بين الشمس والمطر وقال ابن رشيق: ولم أدخل الحمام ساعة بينهم ... طلاب نعيم قد رضيت يبوسى ولكن لتجرى عبرتى مطمئنة ... فأبكى ولا يدرى بذاك جليسى أخذه صدر الدين بن الوكيل فقال: ولم أدخل الحمام من أجل لذة ... فكيف ونار الشوق بين جوانحى ولكنني لم يكفنى فيض مقلتى ... دخلت لأبكى من جميع جوارحى وأنشدنى من لفظه لنفسه الشيخ الورع الزاهد الثقة شمس الدين محمد بن سمنديار الذهبي مضمناً: لم أبغ بالحمام طيب تنعم ... أفنى البكاء دموع عيني أجمعا فبكيت فيه أسى بجسمى كله ... حتى كان لكل عرق مدمعا وأنشدنى سيدي ومولاي القاضي صدر الدين بن الآدمى فسح الله في أجله: إن حمامنا التي نحن فيها ... أي ماء بها وأية نار قد نزلنا بها على ابن عين ... وروينا عنه صحيح البخارى كتب الشيخ صلاح الدين الصفدي في حواشي المقامات عند ذكر ابن سكرة وذكر كافاته هو أبو الحسن محمد بن عبد الله بن سكرة الهاشمي من ولد علي بن المهدي قال دخلت يوماً وخرجت وقد سرق مداسي فعدت إلى داري حافياً وأنا أقول: إليك أذم حمام ابن موسى ... وإن فاق المناطيبا وحراّ تكاثرت اللصوص عليه حتى ... ليحفى من يطيف به ويعرى ولم أفقد به ثوباً ولكن ... دخلت محمدا وخرجت بشرا نادرة: اتفق أن اثنين سبحاً في نهر فلما خرجا صفع أحدهما صاحبه فقال له بعض الحاضرين أين فلوس الحمام فقال أنزلتها في القرعة. وقال النصير الحمامى: لي منزل معروفه ... ينهل جودا كالسحب أقبل ذا العذر به ... واكرم الجار الجنب ووعده السراج الوراق وتأخر فقال: وكدّرت حمامي بغيبتك التي ... تكدر من لذتها صفو مشربي

стр. 144

فما كان صدر الحوش منشرحا به ... ولا كان قلب الماء فيه بطيب وقال: ومذ لزمت الحمام صرت فتى ... لطف يدارى من لا يداريه أعرف حر الأشيا وباردها ... وأخذ الماء من مجاريه وقال يستدعى: من الرأى عندي أن تواصل خلوة ... لها كبد حرا وفيض عيون تراعى نجوما فيك من نار قلبها ... وتبكى بدمع فائض كحزين غدا قلبها صبا عليك وأنت أن ... تأخرت أضحى في حياض منون وقال صدر الدين بن عبد الحق الحنفى رحمه الله تعالى: وجنة لا تنفى نارها ... ندخلها وهي لنا مقصيه نعيمنا فيها بلا طاعة ... عذابنا فيها بلا معصية وقال أيضاً: جهنم حمامكم نارها ... تقطع أكبادنا بالظما وفيها عصاة لهم ضجة ... وان يستغيثوا يغاثوا بما وقال شهاب الدين بن فضل الله: وحمانا كعبة للوفو ... دحج إليها حفاة عراه ٣يكرر صوت أنابيبه ... كتاب الطهارة باب المياه وقال الشهاب محمود مضمنا: قل لي عن الحمام كيف دخلته ... يا مالكى لتسر خلا مشفقا أدخلته وألئك الأقوام قد ... شدّوا المآزر فوق كثبان النقا وقال محي الدين بن تميم مضمنا: لو كنت في الحمام والحنا على ... أعطافه ولجسمه لألأ لرأيت ما يسبيك منه بقامة ... سال النضار بها وقام الماء. وقال مضمنا: عاينت في الحمام أسود وائبا ... من فوق أبيض كالهلال المسفر فكأنما هو زورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر وقال جمال الدين بن نباتة مضمنا: تأملت في الحمام تحت مآزر ... روادف غيد ما سناها بغائب كأني من هذي وهاذيك ناظر ... بياض العطايا في سواد المطالب وقال آخر في تعجيل الخروج منها: خذ من الحمام واخرج ... قبل أن يأخذ منكا حاثن عنه وإلا ... حدّث الحمام عنكا وقال الشيخ جمال الدين بن نياتة في المفاضلة بين حمامات مصر وحمامات الشام: أحواض حمامات شأم ... تسمعى لي كلمتين لا تذكرى أحواض مصر ... فأنت دون القلتين وأنشدنى من لفظه لنفسه الشيخ عز الدين الموصلى معاكساً للشيخ جمال الدين: إليك حياض حمامات مصر ... ولا تنكبرى عندي بمين حياض الشام أحلى منك ماء ... واطهر وهي دون القلتين وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة: ولم أنسه كالفصن يمطره الحيا ... على أثر حمام ويعطفه الصبا ويلثم بالمنديل أبيض سادجا ... فصار بضوء الخد أحمر مذهبا وله: دعاني صديق لحمامه ... فأوقعني في العذاب الأليم نشر مزيد وماء قليل ... فبئس الصديق وبئس الحميم وقال زين الدين بن الورى: وما أشبه الحمام بالموت لامرء ... يذكر لكن أين من يتذكر يجرد من أهل ومال وملبس ... ويصحبه من كل ذلك مئزر وقال ابن وزير يشبه الماء على الرخام: لله يوم بحمام نعمت به ... والماء من حوضه ما بيننا جارى كأنه فوق شقات الرخام ضحى ... ماء يسيل على أثواب قصار فقال ابن الوردي يهجوه: وشاعر أوقد الطبع الذكاء له ... فكاد يحرقه من فرط أذكاء أقام يجهد أياماً قريته ... وفسر الماء بعد الجهد بالماء وقال المعمار أيضاً: في صاحب الحمام أيرى قال لي ... أيلوم في حبي له وملامى لا يشتفى أير عليه طهارة ... إلا بقلب الماء في الحمام قال ابن وزير مثل قوله الآخر: كأننا والماء من حولنا ... قوم جلوس حولهم ماء وقال إبراهيم المعمار في المجون: عاتبت أيرى إذ جاء ملتثما ... من عقله بالخرا فما اكترثا بل قال لي حين نكته قسما ... ما جزت حمام قعره عبثا كيف وفيه طهارتي وبه ... أقلب ماثي وأرفع الحدثا وقال شيخ الشيوخ بحماه: وقيم كلمت جسمى أنامله ... من غير ألسنة تكليم خرصان أن أمسك اليد منى كاد يخلعها ... أو سرح الشعر أنكانى وأبكانى فليس يمسك أمساكا بمعرفة ... ولا يسرح تسريحا بإحسان وأنشدني الجناب المخدومي بن مكانس للشيخ بدر الدين بن الصاحب:

стр. 145

وقيم قيم في حسن صنعته ... حاز الجمال على لطف من الترف لو يخدم البدر أنقى من كلف ... لكنه لم يزل ما بى من الكلف وقال شهاب الدين بن العطار في بلان يدعى موسى: هيأ البلان موسى ... خلوة تحيى النفوسا قلت ما أصنع فيها ... قال تستعمل موسى وعلى ذكر موسة ذكرت واقعة لطيفة لركن الدين الوهراني وهي انه لما قدم إلى القاهرة المعزية مدح عز الدين موسك بن حكو الهدبانى خال صلاح الدين يوسف بن أيوب فأمر له بشيء لم يرضه فحضر مجلسه يوماً وفيه حفل كثير من الناس فقالا يا مولانا إلى أن أحلق رأسي هذه الساعة وانه الأمر إلى بعض الجمدارية أن يحضر الساعة ليحلقه لي بحضرتك فكاد الأمير أن يأذن له في ذلك ثم فهم مقصده فقال لبعض مماليكه أعطه مائة دينار وقل له خذ هذه وأحلق رأسك في الحمام فأخذها ومضر شاكراً فقال له بعض الحاضرين يا مولانا ما معنى هذه الحركة فقال أنه أراد إذا حلقه يقول يا مهتار موسك ردئ فيشتمنا في وجوهنا. ولا بأس بايراد نبذة مما قيل في المشط إذا كان من لوازم الحمام وقال شرف الدين بن الحلاوى وقد طلب منه ثلاث أبيات تكتب على مشط برسم سلطان حلب الملك العزيز محمد بن الظاهر غازي: حلت من الملك العزيز براحة ... غدا لثمها عندي أجل الفرائض وأصبحت مفتر الثنايا لأنني ... حللت بكف بحرها غير غائض وقبلت سامي خده بعد كفه ... فلم أخل في الحالين من لثم عارض وللشيخ بهاء الدين الموصلي ولد الشيخ عوز الدين ملغزا فيه من أبيات: ظننتم تصحيف مقلوبه يخ ... فى وليس الظن بالكاذب قلت: ورد على سيدنا ومولانا أقضى القضاة بدر الدين محمد المخزومي المالكي الشهير بابن الدماميني ﵀ كتاب من مكة المعظمة المشرفة بتاريخ تاسع عشر المحرم سنة إحدى وثمان مائة وفيه أنه اجتمع بمكة بالقاضي شهاب الدين بن حجر ﵀ ووجد صحبته شخصاً يقال له ابن المرجانى وذكر القاضي شهاب الدين أن المشار إليه كان رفيقاً من اليمين إلى مكة المشرفة وأنشدنا له: يا أماما سألته حل لغز ... شاطط عن مزار أهل الذكاء أهمل الثلث باعتناء وقلب ... تره جاء قائد الشعراء وذكر لي القاضي بدر الدين في مشرفته أنه من الألغاز الصبعة فينبغي أن تقع فكرة في حله. قلت: اشتغلت الفكرة في حله فإذا هو لغز في مشط فتأمله ولقد أجاد قائله. قال السراج الوراق ملغزا: وبيضاء قد عانقتها وضممتها ... ولا قبح في جهري بهذا وأسراري على أنه لالاعار فيها محقق ... وما سلمت والله قط من العارى وقال بعض المتاخرين: الأرب حمام بدا لي حميمه ... فظاهره ماء وباطنه نار كإخوان هذا العصر من تلق منهم ... فللودّ إعلان وللحقد أسرار

стр. 146

وكتب القاضي يحيى الدين بن عبد الظاهر يستدعى إلى حمام هل لك أطال الله بقاك في المشاركة في جمع بين ماء ونار وأنواء وأنوار وزهر وأزهار قد زال فيه الاحتشام فكل عار ولا عار نجم سائه لا يعتريه أفول وناجم رخامه لا يعتربه ذبول تتنافس العناصر على بلوغ مآربه فأرسل البحر ماء جسده من زبده لتقبيل أخمصه إذ قصرت همته عن تقبيل يده ولم ير التراب له في هذه الخدمة مدخلا فتطفل وجاء وما علم أن التسريح لمن جاء متطفلا وأعلمت النار ضدها الماء فدخل وهو حر الأنفاس وغلت من أجله فلاجل ذلك داخله من صوب تشاكله الوسواس ورأى الهواء انه قصر عن مطاولة هذه النار فأمسك متهيباً ينظر من وراء زجاجة إلى تلك الدار ثم إن الأشجار رأت أن لا شائبة لها في هذه الخطوة ولا مساهمة في تلك الخلوة فأرسلت من الأمشاط أكفا أحست بما يدعو إليه الفرق ومرت في سواد العذار الفاحم كما يمر البرق وذلك بيد قيم قيم بحقوق الخدمة عارف بما يعامل به أهل النعيم أهل النعمة خفيف اليد مع الأمانة موصوف بالمهابة عند أهل تلك المهانة لطف أخلاقا حتى كأنها أعناب بين جحظة والرمان وحسن صنعة فلا يمسك يدا إلا بمعروف ولا يسرح تسريحا إلا بإحسان أبدا يرى مه طهارته وهو ذو صلف ويشاهد مزيلا لكل أذى حتى لو خدم البدر لأزال ما بوجهه من الكلف بيده موسى كأنها صباح تنسخ ظلاماً أو نسيم ينفض عن الزهر كماما إذا أخذ صابونة أفهم من يخدمه ما يمر على جسده أنه بحر عجاج وأنه يبدو زبد الأعكان التي هي أحسن من الأمواج فلهم إلى هذه اللذة ولا تعد الحمام دعوة أهل الحراف فربما كانت هذه بين تلك الدعوات فذة. وكتب في محضر قيم حمام الصوفية يقول العبد الفقير إلى الله تعالى فلان أن أبا الحجاج يوسف مازال لأهل الصلاح حميماً وله جودة ذهن يستحق بها أن يدعى قيما كم له عند كل جسد من صباح وكم أقبل مستعملوه (تعرف في وجوهم نضرة النعيم) كم تجرد مع شيخ صالح في خلوة وكم قال ولي الله يا بشراى لأنه يوسف حين أدلى في حوضه دلوه كم خدم من الصلحاء والعلماء إنساناً وكم ادخر ببركتهم لدنيا وأخرى فحصل من كل منهم شفيعين عرياناً ومؤتزرا كم حرمة خدمة له عند أكابر الناس وكم له يد عند جسد ومنة على رأس كم شكرته أبشار البشر وكم حك رجل رجل صالح فحقق أن السعادة لتلحظ الحجر قد ميز بخدمة الفضلاء أهله وقبيلة وشكر على ما يعاب به غيره من طول الفتيلة تتمتع الأجساد من تنظفه لحمامه بظل ممدود وماء مسكوب ويكاد كثرة ما يخرجه من المياه أن يكون كالرمح أنبوبا على أنبوب كم رأس أنشدت موساه: ولو أن لي في كل منبت شعرة ... لسانا يبث الشوق كنت مقصرا وكتب الشيخ جمال الدين بن نياتة إلى ابن معبد وكان متولى دمشق يشكو من حمام سرق فيها شاشه يقبل الأرض مستجيرا بهذا البيت الذي لا يذل جاره مستغيثاً بكرمه الذي ملأت الأقطار أخباره فما عبر المملوك في عمره أحر من هذه الحمام ولا نكس في رأسه العليلة مثل هذه الأيام فيا للعواطف العربية وياللمراحم النفوس الأبية فو الله لقد خف رأس المملوك من الجهتين عقله وشاشه ولقد تعوض من تاج عمته العربية مخدة فراشه ولقد أخذت منه هذه الحمام المتلفة ولقد نشفته بالمناشف فبئس الحمام والمنشفة وهذا وقت أغاثه الملهوف والرغبة في أسداء المعروف لا قطع الله عن أرواح المضطرين ترويح هباته ولا عطل من مننه المنتظمة أجياد عفاته بمنه وكرمه، وكتب الشيخ برهان الدين القيراطي وقد استدعى إلى الحمام: قد أجبنا وأنت أيضاً فصحت ... بتلاقيك سالف وسلاف وبساق تسبى العقول بساق ... وقوام وفق العناق خلاف يقبل الأرض وينهي أن المملوك ما خرج عن الاهتمام لدخول الحمام فإنه متشوق لما لمولانا تشوق إليه وموجه وجه فكرته عليه وكيف يمكن الوقوع في الخلاف والميل إلى الأخلاف: وحمامكم كعبة للوفود ... تحج إليها حفاة عراه يكرر صوت أنابيبها ... كتاب الطهارة باب المياه

стр. 147

فلا عدمت التنبيه من مولانا على هذا المنهاج ولا فقدت آداب ألفاظه الممدوحة التي ما لها منهاج ولا حرمت عند الحمام هذا النصير ولا عاقنى عند إرادة التخليق بمطالبها تقصير ولا زلت أمحو بها أية ليل الشعر وأخلع بها بعد ثياب البدن ثياب الوضر وأتنعم بها حسنا لها من جامها في كل ناحية من وجهها قمر ولا يخفى أن الرأس تروى الآن عن الأشعث بن أبي الشعثاء أخباره والجسد كأنما كانت على أب وزير المعتصم أطماره فالأولى أن يلقى ويعتاض عنها بما هو أبقى ومولانا أجل ساع في إسداء المعروف وأفعال بر أعيذها بالأسماء الحسنى ما اشتملت عليه من الحروف لا زال بحر إحسانه الطهور سالما من الخوض وخزائن فضائله الجمة محروسة الجناب بجاه صاحب الحوض. فصل: فيما ورد في ذمها قال الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بئس البيت الحمام تكشف فيه العورات وترتفع فيه الأصوات ولا يقرا فيه آيه من كتاب الله، ودخل بعض الأمراء مع الرقاشى الحمام فقال ذمه يهتك الأسرار ويؤلف الأقذار ويذهب الوقار، فقال أمدحه يذهب القشافة ويعقب النظافة ويفش التخمة ويطيب النغمة. قيل ويكره الحمام بين العشاءين وقريب من المغرب قال الزمخشرى ويكره أن يعطى الرجل امرأته أجرة الحمام لنه يكون معينا لها على المكروه وقال أيضاً الحزم ترك الحمام إذ لا يخلو من عورة مكشوفة ولا سيما من تحت السرة إلى العانة. ومن آدابه أنه إذ دخله رفع رجله اليسرى عند الدخول وقال بسم الله الرحمن الرحيم أعوذ بالله من الرجس والنجس والخبيث المخبث من الشيطان الرجيم وذكر السمعاني في كتاب الحمام عن مجاهد عن على أنه كان يغتسل من مس الإبط والحجامة وماء الحمام، وبسنده إلى فرقد السبخى أنه قال ما دخل نبي الحمام قط ولا أكل قوما ولا بصلا ولا كراثا. الوصف قال بعضهم: وحمام سوء وخيم الهواء ... قليل المياه كثير الزخام فما للقيام به من قعود ... ولا للقعود به من قيام حنياته عطفات القسى ... وقطراته صائبات السهام وقال شعرا: حمامنا من ضيقها تشتكي ... كأنها صدر وقد أخرجوه فهي لظى نزاعة للشوا ... وماؤها كالمهل يشوى الوجوه وقال ابن شرف القرواني: كأنما حمامكم فقحةال ... تن والظلمة والضيق كأنني في وسطها فيشة ... ألوطها والعرق الريق وقال ابن رشيق: وأنت أيضاً أعور أصلع ... فصادف التشبيه تحقيق الباب السابع والعشرون في النار والطباخ والقدور النار مؤنثة من ذوات الواو لأن تصغيرها نويرة والجمع نور وأنوار ونيران انقلبت الواو ياء الكسرة ما قبلها وليس في الأرض شجرة إلا وتقدح منها النار إلا العناب، وهي على أنواع عند العرب نار القرى وهي اعظم النيران ونار السلامة توقد للمسافر إذا قدم سالما غانما، ونار الزائر والمسافر وذلك انهم إذا لم يحبوا الزائر والمسافر أن يرجع أوقدوا خلفه ناراً وقالوا أبعده الله وأسحقه ونار الحرب يوقدونها على مكان عال لمن بعد عنهم ونار الصيد يوقدونها للظباء فتغشى أبصارهم ونار الأسد كانوا يوقدونها إذا خافوه لأنه إذا رآها حدق إليها وتأملها ولم يستطع الهجوم على ما حولها ونار الحلف لا يعقدون إلا عليها يطرحون فيها الملح والكبريت فإذا استشاطت قالوا هذه النار قد تهددتك ونار تهددتك ونار الغدر كانوا إذا غدر الرجل بجاره أوقدوا له ناراً بمنى أيام الحج وقالوا هذه غدرة فلان ونار الفداء كانت ملوكهم إذا سبوا قبيلة وطلب منهم الفداء كرهوا أن يعرضوا النساء نهاراً لئلا يفتضحن ونار الوسم التي يسمون بها الإبل لتعرف أبل الملوك فترد الماء أولا ونار الحرتين كانت ببلاد عبس تسطع من الحمرة بالليل فبعث الله خالد بن سنان وهو أول نبي بعث من ولد إسماعيل وقد قدمت ابنته على النبي ﷺ فبسط لها رداءه وقال بنت نبي ضيعه قومه فحفر لتلك النار بئراً فأدخلها فيها والناس ينظرون ثم اقتحم فيها حتى غيبها وخرج منها، وقد بالغ مهيار الديلمى في وصف نار القرى: ضربوا بمدرجة الطريق خيامهم ... يتقارعون على قرى الضيفان ويكاد موقدهم يجود بنفسه ... حب القرى حطبا على النيران وقال أبو طاهر البغدادي: خطرت فكاد الورق يسجع فوقها ... أنّ الحمام لمغرم بالبان

стр. 148

من معشر نشروا على هام الربا ... للطارقين ذوائب النيران وقال صردر: قوم إذا حيى الضيوف جفانهم ... ردّت عليهم ألسن النيران وقال ابن سنا الملك: لنيرانه في الحي أي تحرق ... على الضيف أن أبطأ وأي تلهب وأين هؤلاء القوم الكرام من الذين يقول فيهم الأخطل: قوم إذا استنتج الأضياف كلبهم ... قالوا لاّمهم بولى على النار فتحبس البول شحا أن تجود به ... فما تبول لهم إلا بمقدار لا يخفى ما في هذا البيت الأول من المعائب وقد ولع الأدباء بحلاها وما فيها من المعاني وقال مجير الدين بن تميم: وكأنما النار التي قد أوقدت ... ما بيننا ولهيبها يتضرم سوداء أحرق قلبها ولسانها ... بشفاهة للحاضرين تكلم وقال آخر: انظر إلى النار وهي مضرمة ... وجمرها بالرماد مستور شبه دم من فواخت ذبحت ... وفوقه ريشهن منثور وقال آخر: كانون يطفى برده كانوننا ... ما بين سادات كرام حذق بأرقام حمر البطون ظهورها ... سود ينضنض باللسان الأزرق وقال ظافر الحداد: تأمل ففي الكانون أعجب منظر ... إذا سرحت في فحمه جمرة النار كما ميل الزق المروّق ساكب ... فدب احمرار الخمر في قلل القار وقال آخر: كان كانوننا سماء ... والجمر في وسطه نجوم ونحن جن بجانبيه ... والشرر الطائر الرجوم وقال آخر: كأنما دخاننا إذ بدا ... لعين من ينظره من قريب ذوائب من غادة سرحت ... وقد بدا فيها بياض المشيب وقال آخر: كأنما النار في تلبها ... والفحم من فوقها يلظيها زنجبية شبكت أصابعها ... من فوق نازنجة تغطيها وقال آخر: كأن نضيد الفحم فوق شراره ... إذا النار مست جلده فتلونا يذكر أيام السحاب التي جرت ... بمنيته لما تأودّ أغصنا فأنبت منها الآبنوس بنفسجا ... وأثمر عنابا وأورق سوسنا وقال الشيخ صفي الدين الحلى: البحتري منذ ما فارقتموه غدا ... يحثو التراب على كانونه الخرب لو شئتم أنه يضحى أبا لهب ... جاءت بغالكم حمالة الحطب وقال ظافر الحداد: كأن سواد الفحم من فوق جمره ... وقد جمعنا فاستحسن الضدّ بالضدّ غدائر خود فرقتها وقد غدت ... على خفر من تحتها حمرة الخد فلما تناهى صبغه خلت أنه ... فصوص عقيق أو جنى زهر الورد إلى أن حكى بعد الخمود رماده ... غبارا من الكافور في قطع الند كتب النصير الحمامي ملغزا إلى السراج الوراق: وما اسم ثلاثى به النفع والضرر ... له طلعة تغنى عن الشمس والقمر وليس له وجه وليس له قفا ... وليس له سمع وليس له بصر يمد لسانا يختشى الرمح بأسه ... ويسخر يوم الحرب بالصارم الذكر يموت إذا ما قمت تسقيه قاصدا ... وأعجب من ذا ذاك من الشجر أيا سامع الأبيات دونك حلها ... وغلا فنم عنها ونبه لها عمر ومن التغزلات اللطيفة بذكر النار قول الشيخ شمس الدين بن الصائغ: قد أدعوا القلب لا دعوا حرق ... فظل في الليل مثل النجم حيرانا راودته يستعير الصبر بعدهم ... فقال أني استعرت اليوم نيرانا قال علاء الدين الوداعى: يا مودعا بوادعه في مهجتي ... نارا تؤججها يد التذكار أبكيت طرفي بعد أدمعه دما ... وكذا يكون بكاء أهل النار قال صفى الدين الحلى: لا غرو أن يصلي الفؤاد ببعدكم ... نارا تؤججها يد التذكار قلبي إذا غبتم يصور شخصكم ... فيه كل مصوّر في النار وأنشدنى الشيخ عز الدين الموصلي لنفسه: يا مقلة الحب مهلا ... فقد اخذت بثارك وأنت يا وجنتيه ... لا تحرقيني بنارك

стр. 149

وكتب الشيخ جمال الدين بن نياتة مع نقل أهداه ونهى انه تهجم ونقل منقلا لطيف الصنعة جليلا إذا تأمل نفعه إذا هبت الشرر في ليل فحمه ولعبت يد الرياح بأزاهر ضرمه فكأنه معدن ياقوت أحمر أو نبت جلنار بزهر يروق البصائر والأبصار وإلا يكن فيه على الحقيقة جلنار ففيه جلنار طالما جدت معاشرته ولذت في الليالي الشتوية مسامرته واطلع من أفقه نجوما سعيدة القران وتلا على الريح والثلج (يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران) ، والرأي أعلا في قبول إهدائه والله يجعل ما في قلبه في قلوب أعدائه، قرأت في كتاب روضة الجليس ونزهة الأنيس تأليف الفاضل بدر الدين حسن بن زفر المتطبب الأربلي حكى عن سليمان بن محمد المهدي الصقلي قال كان بسوسة أفريقية عليه ويعرض عنه كثيراً فبينما هو ذات ليلة منفرد بشرب الخمر وحده غلب عليه السكر وذكر معشوقه وأجرى بخاطره ما كان يفعله به من التجنى فقام من حينه فاخذ قبس نار وجعله عند باب الغلام ليحرق عليه فلما دارت النار بالباب بادر بإطفائها وقبضوا عليه واعتقلوه فلما أصبحوا نهضوا به إلى القاضي واعلموه بفعله فقال له القاضي لأي شيء أحرقت باب هذا الغلام فأنشأ يقول: لما تمادى على بعادى ... وأضرم النار في فؤادي ولم أجد من هواه بدا ... ولا نعينا على السهاد حملت نفسي على وقوفى ... ببابه حملة الجواد قطار من بعض نار قلبي ... أقل من الوصف من رقادى فأحرق الباب دون علمى ... ولم يكن ذاك من مرادى قال فاستظرف القاضي واقعته وشعره ورحمه وتحمل عنه ما أفسده من باب الغلام وقال الشيخ جمال الدين بن نباته في وصف حصار بالنار فما كان إلا ريثما ابتسمت لهم النار عن الموت العابس وعاملتهم من إعجال وقودها باليابس وجاءت بما ينضج ملابس الجلود وجلود الملابس وعاجلتهم من منفعة الغوث قبل العطب وأصلتهم نارا تبت بها أيدي الأبراج حمالة الحطب وإذا بأبدان البدانات القائمة قد قعدت والأبراج لتلاوة الحرب قد سجدت فهنالك هجمها المسلمون هجوم الليث الكرار وقطعت ألسنة السيوف المجادلة حجج رقاب الكفار وقال القاضي الفاضل في مثله فولجت النار موالج تضيق عنها الكفر ويعجز عنها الأبر وخولف المثل في أن السعادة لتلحظ الحجر وأغنى ضوء نهارها سؤال كل أمعة أن تسأل هذا وذاك ما الخبر إلى أن بدا ضوء الصباح وكأنه منها أمتار وانشق الشرق فكأنه من عصفرها صبغ الأزار إلى أن سرى ذا النقوب إلى المقاتل ودب سكرها بين المفاصل وغدت الجدران قائمة والبلا سار في أعقابها متجلدة والنار تحت ثيابها وقال أيضاً وقد أحمته إلى أن أحرقته وصرح الشرك وقد خاضته إلى أن أغرقته وأن الخندق بركة والبرجى لها فوارة وأن الله اعد للعدو نارا في الآخرة وأحرقهم في الدنيا بشراره وان العدو تحصن من البرج بكثيب بنفسج احرقه الله بجلنار وقال سيدي تقي الدين بن حجة في حريق دمشق هذا وكم مؤمن خرج من دياره حذر الموت وهو يقول النجاة وطلب الفرار وكلما دعاه قومه لمساعدتهم على الحريق ناداهم وقد عدم الاصطبار (ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار) ، وقال ابن سناء الملك: يا فالق الصبح من لألاء غرته ... وجاعل الليل من أصداغه سكنا لا غرو أن أحرقت نار الهوى كبدى ... فالنار حقا على من يعبد الوثنا القول على الطباخ وينبغي أن يكون عند الرئيس والملك طباخ حاذق إذا لم يشته طعاماً صنع له ما يشتهيه وقيل كل طعام أعيد إلى القدر فهو فاسد وكل غناء خرج من تحت السبال فهو بارد قال بعضهم كنت جالساً عند بعض ولاة الطوف وقد جاءه الغلمان برجلين فقال لحدهما من أبوك فقال: أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره ... وأن نزلت يوماً فسوف تعود ترى الناس أفواجاً إلى باب داره ... فهم قيام حولها وقعود فقال ما كان أبو هذا إلا كريماً ثم قال للآخر من أبوك فقال: أنا ابن من ذلت الرقاب له ... ما بين مخزومها وهاشمها خاضعة أذعنت لطاعته ... يأخذ من مالها ومن دمها فقال الوالي ما كان أبو هذا إلا شجاعاً وأطلقهما فلما انصرفا قلت للوالي أما الأول فكان أبوه يبيع الباقلى المصلوقة وأما الثاني فكان أبوه حجاماً فقال الوالي: كن ابن من شئت واكتسب أدبا ... يغنيك مضمونه عن النسب

стр. 150

إن الفتى من يقول ها أنا ذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي قلت: وأنشدني سيدنا ومولانا القاضي شهاب الدين بن حجر ﵀ للشيخ بدر الدين الصاحب في مليح يطوف بالفول: أنا ابن الذي في الليل تسطع ناره ... كثير رماد القدر للعب يحمل يدور بأقداح العوافى على الورى ... ويصبح بالخير الكثير يقوّل قال محمد بن العفيف في مليح طباخ: رب طباخ مليح ... فاتر الطرف غرير مالكي أصبح لكن ... شغلوه بالقدور وقال الصفدي: كافى بطباخ تملك مهجتى ... فعذاب قلبي في هواه سرمد وكأنما أنا منصب قادمه ... نار تشب وزفرة تتصعد وقال المعمار: كافى بطباخ تنوع حسنه ... ومزاجه للعاشقين يوافق لكن مخافى من جفاه غدت ... منه قلوب في الصدور خوافق وقال أيضاً مواليا: هويت طباخاً بالصبحة اخدميه ... حلو المزاج كانوا بن تركيه ولو أطارف نواعم بيض زيديه ... لها معانى على الأخوان مخفيه وقال بعضهم ما على الشيخ المسن أضر من أن يكون له طباخ حاذق وجارية حسناء لأنه يكثر من الطعام فيسقم ومن النكاح فيهرم وقال إبراهيم المعمار: وطباخ بمنصبه افتخار ... وقدر قد علا في الناس وافى ٣أياديه على الأخوان مدّت ... وكم قلب له بالودّ صافى وكم آمنوا به من خوف جوع ... سيعطى الآمن في يوم المخاف دخل ابن الفضل الشاعر يوماً على الوزير ابن هبيرة وكان نقيب الإشراف وكان مبجلا وكان ذلك في يوم شديد الحر من شهر رمضان فقال له الوزير أين كنت فقال في مطبخ سيدي النقيب فقال له ويحك أيش عملت في شهر رمضان في المطبخ فقال كسرت الحر فيه يا مولانا فتبسم وخجل النقيب الفرزدق: وقد علم الجيران أن قدورنا ... ضوامن للأرزاق والريح رفرف ترى حولهن المعتقين كأنهم ... على صنم في الجاهلية عكف وقال أمية بن أبي الصلت: وكأنها بفنائه ... للضيف مترعه زواجر وكأنهن بما سجن ... وما حمين به ضرائر وقال الفرزدق يهجو: لو أن قدرا بكت من طول ما حبست ... على الجفون بكت قدر ابن عمار ما مسها دسم مذ نض مدمعها ... ولا رأت بعد نار القين من نار الباب الثامن والعشرون في الأسماك واللحوم والجزور كتب الوزير المرحون فخر الدين عبد الرحمن بن مكانس إلى شيخ بدر الدين البشتكى ﵀ وقد كانوا بمجلس انس بشاطئ الروضة في أيام وفاء النيل السعيد فاتفق أن الشيخ بدر الدين صاد حوتاً عظيماً بالصنارة يداعبه بلغنى رفع الله قدرك على السماك وأعلى محلك وأسماك وأجرى يسعدك وأمرك في نهر السماء وبحور الأرض الأفلاك ولا زلت همم نظمك البدرية ونثرك تعلو على النثرة وفتكات عزماتك الماركية تسمو إلى صيد نسر السماء من وكره وحوتها من المجرو ولا برحت تصرف حروف المحاسن فتخدمك من كل محجر عين ومن كل جانب نون ولا فتئت تجمع شمل المعالي إلى أن يفترق الفرقدان ويلتقى الضب والنون ويغدو سهيل في السماء مصادف الثريا ويصبو الحوت للسرطان أن مولانا مع جماله خلافا للمعز أقلق السابح في لجه وراع كل حوت حتى حوت الأرض في تخومه وحوت السماء في برجه وجاور ذوات البحر فكان لها بئس الجار يطعمه الذي أقامه عليهم في الحيلة مقام بنجه وانه شد وسطه للصيد وكان من الحزم وأرسل آلة صيده إلى الأسود والأحمر من أمم البحار فعادت عود أولى العزم فعد بعد ذلك مولانا للصيد بالمرصاد وأطاعته حروف النص فكلما تلا لسان البحر نونا لسان العزم صاد (مفرد) . وهي السعادة في السماء فلو تشا ... لطعنت منها رامحا بالاعزل

стр. 151

فمن ذلك صيد الحوت الذي قدم من أقصى النيل فيا له من سفر بعيد وفارق وطنه وورد مع التيار السريع في البحر المديد فآوى إلى الشط طالبا غداءه إذ لقي من سفره هذا نصبا وركن إلى البر فليته لو عقل (فاتخذ سبيله في البحر سربا) ولم يعلم أن سيدنا وضع الحبل وجعله لصيده معنى وصورة سببا فاختر منه يد المنية باعوجاج الصنارة التي نصبها لدواب البحر فخا للقهر والضعيفة التي تعامل أقوياء الأسماك في أعظم البحور السائلة بالنهر كان هذا المسكين من صالح الأسماك الذي أفنى الأيام سحبا طويلا فساح وأتى يقبل جداراً حل فيه قدم مولانا وبركته مجازاة فجازاة التمساح أو كأنه لجا إلى البر هربا من عوارض المواج وآمن بمجاورته فأخذ من منأمنه وخاب أمله من لاج فسبح بعد بحار المن من بحار المنون في لجج وقالت له الحيتان إذا اعماك القضاء عن رشدك حدث عن البحر ولا حرج وكان ظنه أن عومه في الشط ينجيه فكان حتفه في ذلك العوم وعلى الجملة فقد آن أجله ولو آوى إلى جبل لقيل لا عاصم اليوم فأتت به حوتا يلوح بياضه بين هضباب الموج كالبدر من سجف الغمام وتبدو عليه مهابة تشر انه من نسل حوت يونس ﵇ فأعيذ هذا الحوت بالنون وصائده الكاتب الأديب بالقلم وما يسطرون فلقد ظفر بما لا ظفر به الحواريون في شباكهم المشبكة ووقع له ما لو وقع لابن صياد لتطاول عجباً وانتفخ حتى مل الشبكة وحصل به للجماعة من السرور ما يحصل بوفاء النيل وشاهدوا من جزله العظيمة كل خير جزيل ومنحوا من سنه وعظمه بالجوهر النقي وأنياب الفيل وأرخصوه للقرى بعد أن أمسى في القدور يغلى وقلوه فطاب مأكلاً وغن كان مما لا يقلى ونوعوه محلى وحامضاً فالمحلى جعلوه نقلا على الكئوس حين تجلى وفازوا على رأى ابن حزم وإن لم يكن من أصحاب الرأى بالمحلى والمجلى والحامض فقطعوا عند أكله بالذوق أن ذلك الحوت مر لا محالة وقال آخرون بل هو هالة لتناسب البدور والهالة وحملوا به الموائد لصائده بالتقدم على الضفدع الأديب في مصائد الشوارد وقدموه على ما عندهم من طري وبائت وأكلوه من ساعته كيلا يندموا على فائت قائلين لا تؤخروه فللتأخير ولا تبيتوه فكلما بات فات وبادروا طرواته لعلهم طرواته لعلهم أنه أطيب ما يؤكل من السمك البورى الطري واستطابوه ضرورة ولا خلاف أن صائد الحوت اكثر تلذذا بأكله من المشترى هذا وأما الأسماك بذلك الشاطئ فقد نادى مناديهم بالرحيل وقال أديبهم للبنية مصحفا يا بنية ليس المقام هنا جميل فكم فرخ حول وكر أمه من هناك وشال وكم عصبة من السمك صرخت قاقا وقطعت الجبال وكم طائفة من رشادها فرت إلى البرور الخالية من العباد وكم طائفة تخلفت ووقعت في الشباك فقيل ضلت عن سبيل الرشاد وكم طائفة أسرعت إلى رءوس الجيال الحركة وكذبت العروضيين في قولهم لم أر على ظهر جبل سمكة وكم سمكة قالت لفراخها اهجروا ماءكم ومأواكم كما هجرت مأواى وأخلوا هذه الديار وان أعشبت وابتغوا صائب الرأي ومنهم من عمد إلى عمق البحر نجاه وسارت به سفينة عزمه في موج كالجبال وكان سبب النجاة وتواصوا لما رأوا طغيان الماء أن لا يأووا إلى البرور وتحققوا انه الطوفان لما فار على أخيهم المصاب التنور وكم قائل الحمد لله الذي قطع عنا أثر هذا النون العظيم وأزال عينه وقائلة سبحان من أراح ضعفاء السمك من هذا الجبار وفرق بينهم وبينه فشكرا إذا غدا مولانا شيخ البر والبحر وأضحى في نسكه ابن السماك وفي صدق حديثه أبا ذر وأمسى ضرع البلاغة مسخرا له فإن جمح لغيره أو أبادر أحياه الله بدرا يشرق في سماء المعالي وتحلى أجياد الفصاحة من بحور نظمه ونثره بالجواهر والآلى وجمل به السماء كما جعل به الأرض ولا جعله كأدباء أهل هذا الزمان الذين هم كالسماك يأكل بعضهم بالغيبة لحم بعض بمنه وكرمه والسمك بارد رطب يولد البلغم وينفع المحرورين ويضر بالمشايخ ودفع مضرته بالفواه الحارة والصعر والملح وصغاره بالخل نافع لأصحاب الأمزجة الحارة ومن به يرقان وكبده حار والمالح منه حار يابس يولد السوداء ويضر بالمحرورين.

стр. 152

فصل في اللحوم عن أبي الدراداء (قال: قال رسول الله ﷺ سيد طعام أهل الدنيا والآخرة اللحم، وفي حديث آخر سيد الأدام في الدنيا والآخرة اللحم وسيد الشراب في الدنيا والآخرة الماء، وقال ل ﷺ اللحم يطيب النفس ويفرح القلب ويحسن الوجه ويشد العصب، وكان محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة ة (عبلا رخص الأنامل يكاد الماء يجري بين جلده ولحمه فقال له أبو حنيفة ما غذاؤك قال ما أزيد على الخبز واللحم شيئاً قال هذه الشحمة منهما تنعقد، ولحم البقر داء ولبنها شفاء وسمنها دواء، وقالت الأطباء أحمد اللحمان ما خصى من الضأن وكان فتيا ولا خير فيما أسن ولحم الضأن وكان فتيا ولا خير فيما أسن ولحم الضأن نافع من المرة السوداء إلا أن الممرودين الذين يصرعون إذا أكلوه اشتد بهم ذلك ولحم المعز يورث الهم ويفسد ويحرك السوداء ويحدث النسيان ويحيل الأولاد، ولحم الدجاج الهرم أضر اللحمان وأغلظها وقال أبو حاتم قال خالد بن يزيد أطيب الإبل لحوماً الورق وأطيب البقر لحوماً البيض، وقال عبد الله بن جعفر سمعت رسول ل ﷺ يقول أطيب اللحوم لحم الظهر، وعنه ﷺ أنه قال من سره أن يقل غيظه فليأكل لحم الدراج، ولما حضرت الوفاة للحرث بن كلدة قيل له أوصنا بما ننتفع به بعدك فقال لا تتزوجوا من النساء إلا الشباب ولا تأكلوا من اللحم إلا الفتى ولا من الفواكه إلا ما نضج ولا يتداوين أحدكم بدواء ما احتمل بدنه الدواء وإذا تغذيتم فناموا قليلاً وإذا تعشيتم فامشوا خطوات، وقال نجتيشوع للمأمون أوصيك يا أمير المؤمنين أربعة أشياء: لا تأكل طعاماً بين نبيذين ولا تجامع على شبع إلى أن يخلو جوفك من الرياح والنجو ولا تأكل من لحم البقر فوالله إني أمر به في الطريق فأغطى عيني وعين برذرنى من شدة مضرته. نادرة: قرأت في كتاب ملح الكنايات ولمح التعريض والإشارات تأليف جمال الدين يوسف بن مرتفع بن الفقيه فتح الدين مجلد الكتب المعروف بنقانق ووجد الشريف محاسن عريف سوق الكتبيين في دكانه يتغذى فدعاه للأكل فقال من أي شيء تأكل فقال شيء من لحم جمل صغير فاشتهيت أن آكل منه فجلس وأكل معه فنظر إليهما الضياء موسى الناسخ فقال يا محاسن أحذر أن يراك المحتسب فيؤذيك قال على م قال لأنك تحشى النقانق بلحم الجمل فاستحسن ذلك منه، وفي الحديث من داوم على اللحم أربعين يوماً قسى قلبه ومن تركه أربعين يوماً ساء خلقه.

стр. 153

فصل: كتب الوزير فخر الدين عبد الرحمن بن مكانس سامحه الله تعالى إلى فتح الدين صدقة بن سعيد بديوان الخاص وكان المذكور أسود ينحرف من ذكر العبيد والسواد يقبل اليد الكريمة السديدة الفتحية لا زال فتحها رشيداً وفعلها سديدا وسعدها جديداً وقولها مفيدا ومطلعها صبيحا ومفلح مقاصدها نجيحها وإقبال سرورها مستمرا ورواق العز عليها مسيطرا كثر الله عبيدها وألحق مقترها بسعيدها ويصف ولاءه الذي تشهد به ذاته الكريمة بل السواد الأعظم وإخلاصه الذي صفا وده إلى أن عاد كغرة البدر في الليل الأدهم ويبدى ما يجده إلى مولانا في نفسه من الميل ويذكر محبته التي لا تتغير ما ولج الليل في النهار والنهار في الليل وينهى أنه يبسط عذر مولانا في تأخير أبقار الأضحية بهذا سواد ويمشي في سواد وكيف لا مولانا إنسان عين الزمان والمفدا بسويداء القلوب من طوارق الحدثان فأبقاه الله يجرر في ميادين الكرم الذيل ويستر بحمله سقطات الجهال ستر الليل وعلم المملوك أن المقر الأشرف المالك قد اقتدى في أضحية المملوك خاصة برأي الإمام مالك إذ يرى الأضحية بالغنم أفضل وان القربى بذبحها أكمل وأن الله جعل الأبقار لحرث الأراضي ذات الطول والعرض وأنه خصها من أضحية المملوك بكل ذلول تثير الأرض فإذا عوتب على ذلك قال نعم أحلينا بأضحيته في هذا العيد وقابلناه عن محبته لنا من الحرمان بما لا عنه مزيد وقطعنا مرتبه من الديوان إذا كان عندنا المخلص (وما ربك بظلام للعبيد) ثم تأخذه العزة لأنفه المناصب ويتذكر عن المطلوب وذل الطالب فيقول قد منعنا ما سقنا من هدى إنعامه إليه وان هو إلا عبد أنعمنا عليه فلو كان الأمر لمولانا مستبدا بع لبدل البقر بكرائم الخيل وأوضح من فخر الأنعام الخيط الأبيض من الخيط الأسود ومحا من ظلمة المنع آية الليل وساق أيده الله ما شاء من البقر إلينا وانعم علينا غير معتذر ولا متعنت يقول (إن البقر تشابه علينا) على أن مولانا إذا لاحظ أنعم لك صفراء فاقع لونها لكن من الذهب العين وإذا نأى نعق بفراق البقر غراب البين وإذا شاء أتحف من شآبيب أنعامه مسكويه وحركات فضله محبوبه والسنة الخواص قائلة الحمد لله الذي كف عنا النوب بأكف النوبة والمملوك ما برح كثير المحبة لمولانا من حين شمله بجزيل الإحسان هاجر مسموع الطير بجملته كرها للقائل منها ما دق قفا السودان، وقال الشيخ زين الدين بن الوردى مضمنا: بتنا ضيوفا لغادة قصدت ... ذبح خروف قد طاب واعتدلا حلت رباط الخروف منشدة ... أما ترى الشمس حلت الحملا وممن ولع بذكر الجزارة الجزور الأديب الفاضل أبو الحسين يحيى بن عبد العظيم الجزار فمن ذلك بقوله: إني لمن معشر سفك الدما لهم دأب ... وسل عنهم إن رمت تصديقى تضيء بالدم إشراقا عراصهم ... فكل أيامهم أيام تشريق وقوله: حسن التأنى مما يعين على ... رزق الفتى والخطوب تختلف والعبد مذ كان في جزارته ... يعلم من أين يؤكل الكتف

стр. 154

أهدى بعضهم إلى صديق له كبشا في يوم أضحية وكتب معه رقعة يصف سمنه فأجاب المهدى إليه وصلت رقعتك ففضضتها عن خط مشرق ولفظ مونق وعبارة مضيئة ومعان غريبة وتصرف بين جد أمضى من القدر وهزل أرق من نسيم السحر وتنقلت في وجوه الخطاب الجامع للصواب إلا أن الفعل قصر عنه القول لا بل ذكرت جملا جعلته بصفتك جملا واتساع في البلاغة يعجز عنها عبد الحميد في كتابته وسحبان في خطابته وكان المعيدى يسمع به لا يراه وحضر فرأيت كبشا متقادم الميلاد من نتاج قوم عاد قد أفنته الدهور وتعاقبت عليه العصور وظننته أحد الزوجين الذي جعلهما نوح في سفينته ليحفظ بهما جنس الغنم لذريته صغر من الكبر ولطف من القدم فبانت زمانته وتقاصرت قامته وعادنا حلا ضئلا باليا هزيلا بادى السقام عارى العظام جامعا للمعائب مشتملا على المثالب يعجب العاقل من حلول الحياة لنه عظم مخلد وصوف ملبد لا يوجد فوق عظامه سلب ولا تقع اليد منه إلا على خشب لو مر به الكلب لا ستجافه أو اطرح للذئب عند الخوى لعافه قد طال فقده الكلاء وبعد عهده لم ير الغثاء إلا نائماً ولا الشعير إلا حالما وقد تحيرت بين أن اقتنيته فيكون فيه عنا الدهر أو أذبحه فيكون جيفة على وجه النهر فلمت إلى استبقائه لما تعرفه من محبتي التوفير ورغبتي في التمييز وجمعي للولد وأدخاري للعدد فلم أجد فيه مستمتعاً للبقاء ولا مرفقاً للعناء لأنه ليس بأثنى فيحمل ولا يثنى فينسل ولا بصحيح فيرعى ولا سيلم فيبقى فلمت إلى الثاني من رأيك وعلمت على الأخرى من قولك فقلت أبحه ليكون وظيفة للعيال وأقيمه رطباً مقام قديد الغزال فأنشدني وقد أضرمت النار وحدت الشفار وشمر الجزار: أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فىّ من سمنه ورما ثم قال وما الفائدة لك في ذبحي وأنا لم يبق فيّ إلا نفس خافت ومقلة إنسانها باهت لست بذي لحم فأصلح للأكل لن الدهر قد أكل لحمي ولا جلدي يصلح للدباغ لأن الأيام قد مزقت أدمى ولا صوفي يصلح للغزل لأن الحوادث قد خصت وبرى وإن أردتنى للوقود فكف بعرأفتي من ناري ولن تفي حرارة جمري بريح قتارى ولم يبق إلا أن تطالبني بدحل أو بيني وبينك دم رجل فوجدته صادقاً في مقالته ناصحاً في مشورته ولم اعلم من أي حالة أعجب أم من مماطلته للدهر من أجل البقاء من صبره على الضر والبلاء أم من قدرتك عليه مع أعواز مثله أم من تأهيلك الصديق مع ما به خساسة قدره. الباب التاسع والعشرون فيما تحتاج إليه الأطعمة من البقول في السفرة القول على القرع ويسمى الدباء قال ابن جزلة في المنهاج أجوده الرطب الأخضر الحلو وهو بارد رطب في الثانية وقال رومس إنه حار رطب ويتولد منه غذاء شبيه بما يصحبه فإن أكل بالخردل ولد خلطا حريفا وإن أكل بالملح ولد خلطا ملحا ومسلوقه يغذو غذاء يسيرا وينحدر سريعا وهو جيد للصفراء وبين وعصارته تسكن وجع الآذان مع دهن ورد وينفع من أورام الدماغ وسويقه بنفع من السعال ووجع الصدر من حره وهو لقطع العطش جيد ويلين البطن وإذا دفن في الخمر وشرب مع السكر نقع من الحميات وهو يفسد في المعدة لمخاطلة ردئ ويضر بأصحاب السوداء والبلغم.. انتهى رافع الأندلسي. وقرع تبدى للعيون كأنه ... خراطيم أفيال لطخن بزنجار الباذنجان: قال ابن القيس في الموجز قيل بارد وقيل حار يابس في الثانية وهو أصح يولد السوداء والسدد والسرطان والجرب السوداوي والبواسير والصلابة والجذام ويفسد اللون ويصفر ويبثر الفم انتهى كلامه. الوصف: قال ابن المعتز فيه: وابذنج بستان أنيق رأيته ... على طبق تحكيه مقلة راق قلوب ظبا أفردت من كبودها ... على كل قلب منه مخلب عاشق وقال ابن رشيق القيراواني: وإذا صنعت غذاءنا ... فاجعله غير منبذج إياك هامة أسود ... عريان أضلع كوسج

стр. 155

وقال صاحب كتاب ملح الممالحة وكان شيخنا الأسدي يعجبه الباذنجان ويقول في تفضيله إن الناس يأكلونه ثمانية أشهر من السنة وهم أصحا ولو أكلوا الرمان ثمانية أشهر قلحوا وقيل لرجل ما تقول في الباذنجان فقال أنوف الزنج وأذناب المحاجم وبطون العقارب وبرز الرقوم فقيل إنه يحشى باللحم فيكون طيبا فقال لو حشى بالتقوى والمغفرة ما أفلح وقال صاحب المنهاج أجوده الحلو الأوساط والعتيق ردئ والحديث أسلم ولا يبين ضرره كثيرا إلا انه غذاء مألوف وهو حار يابس في الثانية وفيه غلظ والمر منه حار يابس بلا خلاف والحديث أقل حرارة وأردؤه ما أكل مشوياً وهو ينفع من عرق الدم لشدة رقته وليس له نسبة إلى إطلاق ولا عقل إليه أن طبخ في دهن أطلق وإن طبخ في خل أو سماق عقل وهو يحدث وجع الخواصر والمعدة والعتيق يبثر الفم ويولد السوداء والسدد ويسود البشرة ويولد البواسير وينبغي أن ينفع في الماء والملح ويسكن فيه ثم يعمل بالدسم الكثير والخل والكراويا. القلقاس: قال ابن جزلة في المنهاج حار رطب في الأولى وقيل أنه معتدل الحرارة رطب في الثانية يزيد في الباءة انتهى، وللشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة في رسالة السجع الجليل فيما جرى من النيل عند ذكر الجزيرة الوسطى وقد أخلق ديباج روضها لانف وترك قلقاسها بمده وجزره على شفى جرف. بعيني رأيت الماء فيها وقد جرى ... على رأسه من شاهق فتكسرا غيره: طالما تضرع بأصبعه إلى ربه ... ولطم برءوسه الحيطان مما جرى على قلبه وتمثل بقول الأول: وإن سألوك يوم البي ... ن عن قلبي وما قاسى فقل قاسى وقل قاسى ... وقلقاسى وقل قاسى لم يفد تحصينه من ورقة بالدرق والستائر ولا حن عليه حين تضرع بأصابعه فصح أن الماء سلطان جائر: يا ويح قلقاس بمصر يقول لي ... لما اغتدى في غيطه غرقانا النيل مثل دم لفرط زيادة ... فلذا برأسي يلطم الحيطانا السلجم: وبالشين أيضاً قال ابن جزلة وهو اللفت وهو بري وبستاني وهو حار في الدرجة الثانية رطب في الدرجة الأولى يغذو كثيراً ويولد منيا يدر البول ولا يسهل ويشتهى الطعام إذا سلق دفعتين وطيب بالخل والخردل وماؤه ينفع من الحصر وفيه غلظ ونفخ وإن عرض منه ذلك فليتناول بعده أحد الجوارشنات. الجرز: في المنهاج أجوده الأحمر الشتوي وغذاؤه أقل من السلجم وهو حار في آخر الدرجة الثانية رطب في الأولى يحرك الباءة ويسهل ويلطف ويدر البول وهو عسر الهضم منفخ يولد ماء رديئا وينبغي أن يكثر إنضاجه ويصلح بالمري والخل والخردل وقال بعضهم: انظر إلى الجرز الذي ... يكحى لنا لهب الحريق كمدية من سندس ... فيها نصاب من عقيق الاسفاناج: قال ابن جزلة أجوده في المنهاج الممطور وهو رطب بارد في آخر الدرجة الأولى وقيل معتدل من الحرارة والبرودة فهو ملين ينفع السعال والصدر وفيه قوة التحليل وهو سريع الانحدار عن المعدة يلين الطبع وينفع من أوجاع الظهر الدموية وهو سيء الهضم ويضر أصحاب الأمزجة الباردة. السلق: قال ابن جزلة هو صنفان أسود لشدة خضرته وأقل لونا منه وأوجوده العذب الطعم وهو حار يابس في الدرجة الأولى وقيل هو مركب القوة وقيل رطب في الأولى فيه بورقه ملطفة وتحليل وتفتيح وفي الأسود قبض وينفع من داء الثعلب والكلف والخزرة والثآليل إذا طلى بمائه ويقتل القمل وتطلى به القوبا مع العسل ويفتح سدد الكبد والطحال والأسود منه يعقل وخصوصاً مع العدس والصنف الآخر المهرا ويحقن بمائه لإخراج الثقل وهو ينفع من القولنج مع المري والتوابل وهو يمغص ويولد النفخ وهو رديء الكيموس قليل الغذاء يحرق الدم ويصلحه الخل والخردل وأصله رديء المعدة انتهى. وقال ابن زهر في خواصه عن هرمس ورق السلق وورق العاقر قرحا من كل واحد دانق إذا جعل في طعام باسم إنسان وأطعم عمل فيه روحانية المحبة عملا عجيبا وقال ابن زهروان رض السلق وعاقر قرحا وذر في مجرى ماء الحمام برد وسكن حره وقال أيضاً وإنرض ورقة بدم الحمام وذفن في إناء رصاص أربعين يوماً تولد منه دود أخضر طوال فإذا طبخت بماء السلق وطلي به رأس الأقرع أنبت في هـ الشعر وإن شدخت الدودة التي تكون في السلق ودفنت في برج حمام أو علقت عليه لم يقرب البرج شيء من الحيوان الضاري انتهى.

стр. 156

فصل البصل: في المنهاج فيه مع الحرافة المقطعة مرارة وقبض وما كان منه أطول فهو أحرف والحمر من الأبيض وأجوده الأبيض الريان وهو حار يابس في الثالثة وهو ملطف يقطع ويجذب الدم إلى خارج البدن ويزيد في الباءة وينفع من تغير المياه ويفتق الشهوة ويلين الطبيعة وإذا قطر ماؤه في الذين ينفع من الطنين وهو يجلو البصر وينفع من ابتداء الماء والبياض اكتحالا بعصارته ويهيج خروج الشعر وإذا دق وعجن بعسل ووضع على الظفر الغليظ والقوابى والبهق قلع ذلك ويطلي به داء الثعلب وينفع من عضة الكلب سقيا بشراب ومن نهش الحيات وهو يصدع للرأس والكثار منه يشيب ويضر بالعقل ويكثر اللعاب ويفتح أفواه البواسير ويصلحه الخل واللبن الحامض أو مع الهندبا، وقال نصر بن سيار يوماً وحوله بنون له هؤلاء بنو البصل لأنه كان يأكل كثيراً منه فيهتاج وقال ابن وكيع يحكي لعينك احمرارا قشره إذا رآه ناظر غلائى حمرا على جسوم بيض رطاب من جسوم الروم. الثوم: كذا ذكره صاحب المنهاج بالثاء المثلثة منه بستاني ومنه بري ومنه كراثي والكراثي مركب القوة من الثوم والكراث وهو حار يابس في الدرجة الرابعة وقيل في الثالثة وهو أقوى حرارة ويبسا من البصل وهو يحل النفخ وينفع من تغيير المياه وطبيخ الجبلى منه إذا شرب قتل القمل ورماده يطلى به البهق مع العسل وكذا الثعلب والجرب والقوابي ويصفي الخلق مطبوخاً ويخرج العلق من الحلق وإذا حشى في طبيخ ورقه وساقه أدر الحيض والبول وأخرج المشيمة وأكله يخرج الديدان ويطلق الطبع وهو نافع من لسع الهوام ونهش الحيات وعضة الكلب الكلب سقيا بشراب وينفع السعال من برد ويصفى الخلق وهو مقرح للجلد مصدع مضعف للبصر جالب يثور العين وإذا طبخ قلت حرارته وحراقته وتصلحه الحوامض والدهان واللحوم السمان والثوم دواء لمن أصابه وجع السعى في بطنه وإذا شوى ووضع على الضرس المأكول سكنه، وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أمرنا النبي ﷺ بأكل الثوم وقال لولا أن الملك ينزل على لأكلته. وقال بعض الشعراء فيه: يا حبذا ثومة في كف ضاهية ... بديعة الحسن تسبى كل من نظرا أبصرتها وهي من عجب تقلبها ... كصرة من ديبقى حوت دررا الكزبرة: ويقال كسبرة منها رطبة ومنها يابسة وقوتها مركبة والغالب فيها أرضية أجودها البستاني وهي باردة في آخر الأولى واليابسة منها في الثانية وأبقراط يقول فيها حرارة وبرودة وعند جالينوس إنها تميل إلى التسخين وفيها قبض وتخدير وهي تزيل روايح البصل والثوم إذا مضغت رطبة أو يابسة وعصارتها مع اللبن تسكن كل ضربان شديد وتنفع من الأورام الحارة مع الخل والاسفيداج ودهن الورد ومعه العسل للبشري والنار الفارسي وينفع من الجمرة ومن الدوار عن بخار المرار والبلغم وخاصيته أن يمنع البخار من الرأس وكذلك يجعل في الطعام ورطبه ينفع الرعاف ودرور يابسه والمضمضة بعصارته رطبة تنفع من القلاع وهو ينفع الخفقان عن حرارة ودرهمان منها مع لسان الجمل ينفع نفث الدم وهو يمنع من القئ والجشاء الحامض بعد الطعام والإكثار منه يخلط الذهن ويظلم البصر ويخفف المنى ويكسر الباءة ويصلحه سكنجبين السقر جلى. وأما البقل فما ورد عن النبي ﷺ انه قال البقل حلية الموائد وفيما رواه مكحول عن أبي أمامة عن النبي ﷺ أنه قال أحضروا موائدكم البقل فإنها مطردة للشياطين وروى عن علي رضى الله عنه أنه قال دخلت مع النبي ﷺ إلى حذيفة بن اليمان فتلقانا بنبات يقال له الباذروج فنظر إليه وقال أهلا بك من بقلة ما أطيب ريحك واحسن منظرك فإنك لمن رياض الجنة ثم نظر إلى الهندباء فقال يا لك من بقلة تهضم الطعام وتحيى الفؤاد وتجلو عن الناظر.

стр. 157

فائدة: منقولة من خط القاضي أمين الدين بن الأنفي المالكي رحمه الله تعالى قال ذكر السويدي صاحب التذكرة أن الإمام فخر الدين الرازي ذكر أنه من رأى الهلال أول ليلة وكان موجوع الضرس فقال نذرت لله أن لا آكل الهندباء ولا لحم الفرس سكن وجع ضرسه ذلك الشهر وقال ابن زهر في خواصه قال يوحنا بن ماسويه إن دق أصل الهندباء وضمد به لسعة العقرب سكن الوجع والبري منه إذا شرب ماؤه مع الشراب نفع من لدغ الأفاعي وقال ابن النفيس في الموجز يابسه يابس في الأولى ورطبه رطب في الأولى يفتح سداد الأحشاء والعروق وفيه قبض صالح يقوى المعدة والكبد أما الحارة فشديد الموافقة لها وأما الباردة فللخاصية وتنفع مع الخيار شنبر لأورام الحلق وتنفع الرمد وبياض العين. الكرفس: حار يابس يفتح السدد ويدر البول وهو نافع للمعدة ويبطئ بالهضم ولذلك يجب أن يقدم قبله طعاماً يختلط به وهو يطيب النكهة ويحتاج إلى أكله من يداخل السلطان ومن كان خدمته السر وقال ابن النفيس في الموجز حار في الأولى يابس في الثانية يحلل النفح ويفتح السدد ويسكن الوجع ويطيب النكهة جداً رديء للصرع تهيجه في المصروعين وينفع السعال والكبد والطحال والكلى والمثانة وينفع الاستسقاء وعسر البول وتفتت الحصاة وتضر الحبالى والإدارة ويهيج الباءة. النعناع حار يابس وهو نافع من الفواق قال ابن زهر في الخواص أن جعل من ورق النعنع الثلث ومن ورق السدس ومن حب القرع النصف وجعل في طعام واحد باسم آخر عمل فيه روحانية المحبة. الطرخون: في المنهاج قيل إن عاقر قرحا هو اصل الطرخون وهو جبلي وبستاني وأجوده البستاني وهو حار يابس في الثانية وفيه قوة مخدرة وقيل إنه بارد وهو مجفف الرطوبات فإذا مضغ نفع من القلاع ويمضغ قبل شرب الأدوية الكريهة وهو يقوي المعدة ويحدث وجع الحلق وهو عسر الهضم ويقطع شهوة الباءة ويعطش ويصلحه الكرفس. الفجل: من كتاب هاضم الطعام وبزره نافع من الفواق إذا أكل بالعسل وإذا شدخ على عقرب ماتت وإن شرب ماء ورقه نفع من اليرقان الحادث من الطحال. قلت: ومن منافعه ما جربته وصح انه إذا مضغ ووضع على العين المحمرة من لطم وكرر ذلك فإنه يزيل الحمرة في الحال وقال ابن زهر في خواصه ورق الفجل معصوراً يؤخذ ماؤه وشيء من نشادر فيلطخ به سلة الحاوي فتموت الحيات كلها وورقة يحد البصر وان سحق بزره مع كندس متساويين وطلي به البهق الأسود في الحمام بالماء الحار والخل أذهبه وغن اخذ ماؤه وخلط بالخل والطين وطلي على لسعة الزنبور أراها وقال جالينوس عصارة الفجل إذا اكتحل بها جلت البياض من العين وإذا خلط ماء الفجل بماء الورد وسخن وقطر في الأذان أذهب عسر السمع والطنين منها وغن دق ورقه وصفى ماؤه وأسعط به صاحب اليرقان رأيت عجباً وقال أرسطاطاليس مما يبيض الشعر مثقال من ورق الملوخيا والفجل ويعجن بمرارة الثور ويضمد به الشعر بالليل ويغسل بالنهار فإنه يصير الأسود أبيض وإن طلي الوجه بماء الفجل أذهب عنه النمش والكلف وإن دخن بوقه في بيت هربت منه الهوام (قال) النور الأسعردي يهجو: أيا مطعماً أصحابه إذ دعاهم ... من الفجل في أوراقه غير ما يمري وحقك ما أكرمتهم مذ لقيتهم ... بجيش ضراط تحت راياته الخضر نادرة: كان أبو نواس يوماً عند بعض أخواته فخرجت عليه جارية عليها ثياب خضر فلما رآها مسح عينيه وقال خيراً رأيته إن شاء الله قالت ما رأيت؟ قال: رأيت كأني راكب أشهب عليه ثياب خضر قالت له إن صدقت رؤياك استدخلت فجلة. الرشاد قال ابن البيطار إذا شرب بالماء الحار حل القولنج وأخرج الديدان وحب القرع إن سحق نيئاً وسف نفع من البرص وغن لطخ عليه وعلى البهق الأبيض بالخل نفع منهما وإذا خلط بالعسل ولعق منه نفع من السعال المتولد عن أخلاط غليظة وإذا ضمدت به لسعة العقرب نفعها. زين الدين بن الوردى: رب خولى بدا من ... حيه وهو ينادى من يمت في ورد خدي ... أهده سبل الرشاد أنشدني الشيخ عز الدين الموصلي لنفسه ملغزا: ما اسم له أحرف ثلاث ... تصحيفه جمعه بقل عدتها في الحساب سبع ... وإن ترد مثله فكبل أن تجر ما إليه يكثر ... وإن تزد نقطة يقل يدوي إذا الماء قل لكن ... يصح جسما إذا يعل

стр. 158

الباب الثلاثون في الخوان والمائدة وما فيهما من كلام مقبول كنية الخوان أبو جامع لاجتماع الناس حوله قال الحريري في درة الغواص ويقولون لما يتخذ لتقديم الطعام عليه مائدة والصحيح أن يقال خوان إلى أن يحضر الطعام عليه يسمى حينئذ مائدة يدل على ذلك أن الحوارييم حين سألوا عيسى ﵇ بأن يستنزل لهم طعاماً من السماء قالوا هل يستطيع ربك أن ينزل مائدة من السماء بينوا معنى اسم المائدة بقولهم نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا قال الصعمي غدوت ذات يوم إلى زيادة صديق لي فاستشرت بعض الأخلاء فقال إن كان لفائدة أو عائدة أو لمائدة وإلا فلا وقد اختلف في تسميتها بذلك فقيل سميت به لأنها تميد بما عليها أي تتحرك مأخوذ من قوله تعالى (وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بكم) وقيل بل هي من ماد أي أعطي ومنه قول رؤبة بن العجاج إلى أمير المؤمنين الممتاد أي المستعطي وكأنها تميد من حواليها مما أحضر عليها وقد أجاز بعضهم أنى يقال فيها ميدة واستشهد عليه بقول الراجز: وميدة كثيرة الألوان ... تصلح للجيران والأخوان وقال الكواشي في تفسير سورة المائدة ولما سأل الحواريون للمائدة لعيسى ﵇ لبس صوفا وبكى وقال (اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء) الآية: فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين من فوقها وتحتها وهم ينظرون وهي تهوى منقضة حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى ﵇ وقال اللهم أجعلني من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عقوبة ثم قال ليقم أحسنكم عملا فليكشف عنها وليذكر اسم الله تعالى فقال له شمعون أنت أولى بذلك منا فقام عيسى ﵇ وتوضأ وصلى صلاة طويلة وبكى بكاء كثيراً وكشف المنديل عنها وقال بسم الله خير الرازقين وإذا هو سمكة مشوية ليس عليها فلوس ولا شوك بها يسل منها الدسم وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث وإذا خمسة أرغفة على واحد زيتون وعلى الثاني عسل وعلى الثالث سمن وعلى الرابع جبن وعلى الخامس قديد فقال شمعون أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الآخرة فقال عيسى ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة ولكنه شيء افتعله الله بالقدرة الغالبة كلوا مما سألتم يمددكم الله ويرزقكم من فضله فقالوا يا روح الله كن أول من أكل منها فقال معاذ الله أن آكل منها ولكن يأكل منها من سألها فخافوا أن يأكلوا منها فدعا لها أهل الفاقة والمرضى وقال كلوا من رزق الله ولكم الهناء ولغيركم البلاء فأكلوا وصدروا وكانوا ألفا وثلاثمائة ما ببن رجل وامرأة من فقير ومريض وزمن ومبتلى وإذا سمكة كهيئتها حين نزلت ثم طارت المائدة صعدا وهم ينظرون إليها حتى توارت وما أكل منها ضحى فيأكل منها الأغنياء والفقراء والصغار والكبار والرجال والنساء حتى إذا فاء الفئ طارت وهم ينظرون في ظلها وكانت تنزل كناقة صالح في الحلب فأوحى الله إلى عيسى ﵇ أن اجعل مائدتي ورزقي في الفقراء دون الأغنياء فعظم ذلك على الأغنياء حتى شكى بعد نزولها عذبته عذابا لا أعذبه أحداً من العالمين فقال عيسى: (إن تعذبهم فإنهم عبادك (الآية، فمسخ منهم ثلثمائة وثلاثة وثلاثين رجلاً أصبحوا خنازير فلما رأى الناس ذلك بكوا ورغبوا إلى عيسى فلما أبصرت الخنازير عيسى بكت وجعلت تطوف بعيسى وعيسى يدعوهم بأسمائهم يشيرون برءوسهم ويبكى ويبكون وهم لا يقدرون على الكلام ثم هلكوا أجمعين وما أظرف قول ابن حجاج: يا ذاهبا في داره جائيا ... بغير لا معنى ولا فائدة قد جن أضيافك من جوعهم ... فاقرأ عليهم سورة المائدة صلاح الدين خليل الأقفهسى نزيل دمشق المحروسة قال أنشدني الشيخ العارف المحقق المسلك الحكيم برهان الدين إبراهيم الغرى الشهير بابن رفاعة أعاد الله من بركاته من لفظه لنفسه: لما مرضت أرسلت ... لي صله وعائده لعمها أني فتى ... أهوى النساء والمائدة جارية وسكرا ... للأكل والمشاهدة وقال الشيخ برهان الدين القيراطي: أميل لأغصان القدود صبابة ... وإن هي زادتني جفا وتباعدا ويعجبني بين الأنام تطلفى ... عليها إذا شاهدتهن موائدا

стр. 159

رجع: قال حاتم الطائي لغلامه قد إلينا مائدة تتباعد ما بين أنفاسنا قال هدبة بن خالد حضرت أمير المؤمنين فلما رفعت المائدة جعلت ألتقط ما في الأرض فنظر إلى المأمون وقال أما شبعت يا شيخ قلت بلى يا أمير المؤمنين إنما شبعت في فنائك وفي كنفك ولكن حدثني حماد بن سلمة عن ثابت بن انس قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من آكل من تحت مائدته أمن من الفقر فنظر المأمون إلى خادم واقف بين يديه فأشار إليه فما شعرت حتى جائني ومعه منديل فيه ألف دينار فناولني فقلت يا أمير المؤمنين وهذا من ذاك، وعن عبد الله بن عباس رضى الله عنه من أكل ما سقط من الخوان رزق أولادا كانوا صباحا وينبغي أن يصرف عن المائدة السنور والكلب وذو العيون الرديئة من الغلمان ومن يعلم منه الشره أو يشبعوا قبل أحضارهم الطعام قال النبي ﷺ من أكل وذو عينين ينظر إليه ولم يواسه ابتلى بداء لا دواء له، قال النيفاشى في سرور النفس حدثني من حدثه بعض التجار الذين كانوا يردون إلى خدام القصر فأضافنى في حجرة له متصلة بالقصر فلما حضرت المائدة كان بين أيدينا سنانير كثيرة فعندما شاهدوا المائدة وضعت لم يبق عندنا منها واحد ومرت كلها خارجة عن المجلس دون طارد يطردها فعجبت من ذلك كل العجب فلما انقضى الطعام أحببت أن أعرف العلة في ذلك فسألت الخادم فأخذ بيدي وأدخلني إلى بيت صغير فيه عدة أواني فيها طعام والسنانير مجتمعة عليه تأكله فقال عودناها إذا حضر الطعام أن تطرد إلى هذا البيت ويعد لها طعام فيه فصارت عادة لها، واتفق في أمر الكلب وحضوره بالمغرب واقعة عجيبة وذلك أنه كان بمدينة من بلاد المغرب حمال يحمل في السوق فأتى من حمل ذات يوم فاشترى زلايبة وهريسة في صفحة وصعد بها إلى سطح السوق يأكلها فتبعه كلب فجلس إزاءه وهو يأكل فجعل كلما شال لقمة إلى فيه يشيعها الكلب ببصره حتى يبتلعها الرجل ثم صار يفع اللقمة ويومي بها إلى الكلب على سبيل العبث به فيقرب الكلب منه فيأكل اللقمة ويزجره فلم يزل دأبه حتى بقيت لقمة واحدة فروغها في الدهن وأومى بها نحو الكلب ثم ألقاها في فمه فمضغها وابتلعها والكلب محدق نحوه فلما صارت اللقمة في حلقومه وثب عليه الكلب فاستل الحلقوم واللقمة فأكلهما وخر الرجل ميتا (عبد العزيز بن المهذب) : لله در غلام جاء يخدمنا ... بسفرة من رفيع القطن فوراء بادئر أزرق من حول دارتها ... تحار فيه وفيها مقلة الرائي كأنها روضة خضراء مزهرة ... وحولها جدول من أزرق الماء ومن التحف النفيسة: ما ذكره القاضي الرشيد بن الزبير في كتابه العجائب والظرف أنه أصاب عطية بن مرداس العلاوى لما ملك الرحبة في سنة اثنين وخمسين وأربعمائة وحازما كان ادخره أبو الحرث رسلان اليساسيري من مال وغيره ومما كان وجده ببغداد من الخليفة إلى جعفر عبد الله القائم ومن ذخائر بني العباس حين خلعه ونهب داره في سنة خمسين وأربعمائة وجد فيها مائدة فيروزج بحوافي مكالة بالجواهر لا قيمة لها ولا قدرا يعرف مما انتقل إلى بني العباس من ذخائر الكاسرة كتب البرهان الغزولي النحوى السكندري سحبة ملاعق أهداها للصاحب زين الدين بن الزبير: لما بعدتم وكاد اليأس يقصينا ... من نيلكم ودنت منا أمانينا بتنا على سغب الآمال في ظمأ ... والشوق ينشرنا طورا ويطوينا ثم استنبنا تحيات السلام عسى ... تعود منكم تحيات فتحيينا وقد بعثنا لكم مملوءة قبلا ... مثل الأيادي التي أعيت أيادينا مستطعمات طعاماً من مطاعمنا ... وافتكم بلسان الحال تحكينا ومما يكتب على سفرة الكل: ألا كل هنيئا ولا تحتشم ... فما الاحتشام فعال الكرم فما الجود والفضل إلا لمن ... تفضل إلينا بنقل القدم

стр. 160

الخبر وما ورد فيه: قال ابن عباس رضى الله عنه أكرموا بغيرة أبو محمد بن خلاد كان الحسن ابن رجاء يقول السميد طعام الملوك والحواري طعام الخواص والخشكار طعام العامة والشعير طعام الزهاد وكان حميد تخلو مائدته من مائة رغيف سميد في كل رغيف رطلان وكان خبزه موصوفاً ببغداد كأنه المرآة المجلوة بياضاً وحسناً وربما يرى فيه شعر اللجة لشدة بياضه قال أحمد بن أبي داود قال لي الواثق يوماً ما جمال الموائد فقلت يا أمير المؤمنين كان يقال جمالها الخبز عليها فقال أصبت وأحسنت فإذا اختلفت الألوان وكان الخبز كثيراً شهد لصاحبها بالشرف. قال الصعمي كان الرشيد يأكل يومين متواليينى خبز السميد والثالث الحواري والرابع الخشكار والخامس والسادس خبز الأرز النقي من خبز التنور وكان يقول الأرز غذاء صحيح قال بعض الأطباء الخشكار فيه بعض الحرارة وهو أسرع انحداراً من المعدة لأجل النخالة التي فيه لأن فيه جلى للمعي وهو يولد الحكة وأكله بالأدام الدهن يدفع ضرره والخبز الخمير أحمد الخبز وأوفقه وامرأه والفطير بطئ الانهضام يولد الرياح وخبز التنور أغذا وانفع والخبز المملوك وخبز الطابق ثقيلان ضاران والخبز السميد المعتدل الخبز يخصب الجسم ويجدد السدد وأكله بالاسفندباجات والطباهجات المالحة يصلحه وكانجبريل بن بخيتشوع لا يؤثر على الحواري شيئاً ويقول هو الواسطة وروى عن علي بت أبي طالب رضى الله عنه (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم) قال هو خبز البر وماء القراح والظل قال العتبي عن أبيه قال خرج أبو سفيان في جماعة من قريش وثقيف يريدون بلاد كسرى بتجارة لهم فلما ساروا قال أبو سفيان إنا لعلى خطر قدومنا على ملك لم يأذن لنا بالقدوم عليه فأيكم يذهب بالعير فإن أصيب فعلينا دمه وإن يغنم فله نصف الريح فقال غيلان بن سلمة الثقفي أنا أمضي في العير وكان أبيض طويلا جعدا فلما وصل ديار الملك لبس ثوبين أصفرين وشهر نفسه وقعد بالباب حتى أذن له فدخل على الملك وهو جالس في شباك ذهب فقال له الترجمان يقول لك الملك ما أدخلك بلادي بغير أذني فقال لست من أهل عداوة الملك ولم اك جاسوساً وإنما حملت تجارة فإن أرادها فهي له قال فبينا هو يكلمه إذ سمع صوتاً فخر ساجدا فقال له الترجمان يقول لك الملك ما أسجدك فقال سمعت صوتاً مرتفعاً حيث لا ترتفع الأصوات فظننته صوت الملك فسجدت قال فشكر الملك ذلك له وأمر له بمرقعة توضع تحته فرأى فيها صورة الملك فوضعها على رأسه فقال الحاجب الملك يقول لك إنما بعثناها لك لتجلس عليها فقال قد علمت ولكن رأيتها وعليها صورة الملك فوضعتها على أعظم أعضائي فقال له الملك ما طعامك في بلادك قال خبز البز قال هذا عقل الخبز ثم اشترى منه التجارة بأضعاف ثمنها ورجع في أمن وسلامة. أبو الحسن الجزار في الخبز: قسما يلوح الخبز عند خروجه ... من قرنه وله الفداة تجار ورغائف منه تروقك وهي في ... سجف التفال كأنها أقمار من كل مصقول السوالف أحمر ال ... خدين للشونير فيه عذار وكان باطنه بكفك درهم ... وكان ظاهر لونه دينار كالفضة البيضاء لكن يغتدى ... ذهبا إذا قويت عليه النار وقال ابن الرومي في الرقاق: لا أنسى خبازا مررت به ... يدحو الرقاقة مثل اللمح بالبصر ما بين رؤيتها في كفة كرّة ... وبين رؤيتها قوراء كالقمر إلا بمقدار ما تنداح دائة ... في صفحة الما تلقى فيه بالحجر وله في الزلابية: يلقى العجين حينا من أصابعه ... فتستحيل شبابيكا من الذهب الماموني في الكماج: عندي للأكل غذا ما ... قمت للتسحر ملتونة بسمنها ... وسمسم مقشر أأوجه الترك إذا ... أثر فيها الجدر وقال بعضهم وأجاد: خبز شعير بغير أدم ... عند فقير من الكرام ألذ عندي من ألف لون ... عند غنى من اللئام وقال مجير الدين بن تميم: وكأن أرغفة الخوان وحولها ... بقل تهش إليه نفس الآكل وجنات غيد صففت وجميعها ... يبدو بها خط العذار الباقل

стр. 161

غريبة: ذكرها الحافظ العلامة المؤرخ عماد الدين بن كشير في تاريخه في ترجمة الوليد ابن عبد الملك ورواها الحافظ ابن عساكر بإسناد رجاله كلهم ثقاب عن عبد الرحمن بن يزيد ابن جابر عن أبيه قال خرج الوليد بن عبد الملك يوماً من الباب الأصغر فرأى رجلاً عند المأذنة الشرقية يأكل فوقف عليه فإذا هو يأكل خبزاً وتراباً فقال له ما يحملك على هذا قال القنوع يا أمير المؤمنين فذهب إلى مجلسه ثم استدعى به فقال إن لك لشأنا فأخبرني به وإلا ضربت الذي فيه عيناك فقال نعم يا أمير المؤمنين كنت رجلاً جمالاً فبنا أنا أسير من مرج الصفر قاصداً الكسوة إذا رزمني البول فعدلت إلى خربة لأبول فإذا سرب فحفرته فإذا مال صبيب فملأت منه غرائري ثن انطلقت أقود برواحلي وإذا بمخلاة فيها طعام فألقيته منها وقلت إني سآتي الكسوة ورجعت لاملأ تلك المخلاة فلم أهتد إلى المكان بعد الجهد في الطلب ثم رجعت إلى الرواحل فلم أجدها ولم أجد الطعام فآليت على نفسي أن لا آكل إلا خبزاً وتراباً قال فهل لك عيال قلت نعم ففرض لهم في بيت المال قال ابن جابر وبلغنا أن الرواحل سارت حتى أتت بين المال فتسلمها خازنه فوضعها في بيت المال. الباب الحادي والثلاثون في الوكيرة والأطعمة المشتهاة الوكيرة طعام البناء كان الرجل إذا فرغ من بنائه بطعم أصحابه يتبرك بذلك قال النبي صلى الله عليه ولسم في أربع في عرس أو خرس أو أعذار أو توكير، قال الشاعر: خير طعام تشهد العشيرة ... الخرس والأعذار والوكيرة قال الشيخ محي الدين النواوى ﵀ في شرح مسلم في كتاب النكاح قال أصحابنا وغيرهم الضيافات ثمانية أنواع الوليمة للعرس والخرس بضم الخاء المعجمة للولادة وقيل فيه الخرص بالصاد المهملة أيضاً والأعذار بكسر الهمزة والعين المهملة والذال المعجمة للختان والوكيرة للبناء والنقيعة لقدوم المسافر يصنع الطعام وقيل يصنعه غيره والعقيقة يوم سابع الولادة والوضيمة بفتح الواو وكسر الضاد المعجمة الطعام عند المصيبة والدبة بضم الدال المهملة الطعام المتخذ ضيافة بلا سبب، قال صاحب زبدة الفكرة في تاريخ الهجرة ولما تكامل بناء القصر الأبلق الذي أنشأه السلطان الملك الناصر لسكناه بقلعة الجبل المحروسة عمل وليمة عظيمة حضرها الغني والفقير من كبير وصغير وخلع على الأمراء التشاريف على قدر مراتبهم وانعم عليهم بالبذل من الموال وكانت عدة الخلع التي خلعت ألفي خلعة وخمسمائة والمال المطلق مائة ألف دينار من العين المصري وذلك سنة أربع عشرة وسبعمائة، وقرأت في بعض المجاميع الأدبية أن الفتح بن أبي حصينة المغربي ﵀ امتدح نصر بن صالح بحلب فقال له تمن فقال أتمنى أن أكون أميراً فجعله بحلب مع الأمراء ويخاطب بالأمير وقربه وصار يحضر في مجلسه في جملة المراء ثم وهبه أرضاً بحلب قبلى حمام الواساني فعمرها داراً وزخرفها وقرتصها وتمم بنياتها وكمل زخارفها ونقش على دائر الدرابزين: دار بنيناها وعشنا بها ... في نعمة من آل مرداس قوم محوا بؤسى ولم يتركوا ... عليّ للأيام من باس قل لبني الدنيا ألا هكذا ... فليصنع الناس مع الناس قال فلما انتهى العمل بالدار عمل دعوة وأحضر نصر بن صالح بن مرداس فلما أكل الطعام رأى الدار وحسنها وحسن بنيانها ونقوشها ورأى الأبيات وقرأها قال يا أمير كم خسرت على هذه الدار فقال والله يا مولاي ما للملوك علم بل هذا الرجل وليّ عمارتها فلما حضر المعمار قال كم لحقكم غرامة على بناء هذه الدار فقال المعمار غرمنا ألفي دينار مصرية فأحضر من ساعته ألفي دينار مصرية وثوباً أطلس وعمامة مذهبة وحصاناً بطوق ذهب وسرج ذهب ودفع ذلك جميعه إلى الأمير أبي الفتح وقال له: قل لبني الدنيا ألا هكذا ... فليصنع الناس مع الناس قلت: وما أحسن ما ضمن هذا البيت سيدي القاضي شهاب الدين بن حجر يمدح سيدنا ومولانا بدر الدين محمد بن الدمانيني المالكي رحمهما الله: نسيت أن امدح بدر العلي ... فلم يدع برى وإيناس قل لبني الدنيا ألا هكذا ... فليصنع الناس مع الناس

стр. 162

حكى أن ابن البطريق اسمه على حضر عند ابن السراج بن الجبلي ناظر دار الضرب والجيش في بغداد في وليمة عملها لأجل دار عمرها فلما خرج من عنده اجتمع بالوزير نصير الدين احمد بن الناقدي فسأله أين كنت قال في وليمة ابن الجبلي فقال الوزير قيل لي إن داره مليحة فقال نعم وقد علمت فيها: دار السراج مليحة ... فيها تصاوير بمكنه تحكى كتاب كليلة ... فمتى أراها وهي دمنة الدعوات المشهورة دخول عبد اله بن المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل وكانت النفقة في يوم ملاكها وعرسها، قال ابن عبدوس في سنة عشرة وما بين ثمانية وثلاثين ألف ألف درهم وقيل خمسين ألف ألف درهم وكان يجري في كل يوم في جملة الجرايات على وكساه وأقطعه فم الصلح وكانت عليه ثمانين ألف دينار في السنة وبلغت نفقة أبيها في هذه الوليمة أربعين ألف ألف درهم وبلغت نفقة الحسن بن سهل على قواد المأمون وحملتهم فأوصلهم وخلع على الخاصة خلعا قيمتها سبعون ألف ألف درهم وجليت بوران على المأمون وقد فرش لها حصير من الذهب وجاءت جدة بوران بمكيل من الذهب مرصع بالدر والجوهر فيه در كبار فنثر على من حضر من النساء وفيهن أم جعفر وحمدونة بنت الرشيد وغيرهما فلم يمسسن منه شيئاً فقال المأمون شرفن أم محمد وأكرمنها فمدت كل واحدة يدها وأخذت حبة وبقى سائر الدر يتدحرج على حصير الذهب فقال المأمون قاتل الله ابن هانئ رأى ما نحن فيه حيث قال: وكأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب ونثرت أم الفضل بن سهل جدة مروان عليها يوم دخل بها المأمون ألف درهم في صينية ذهب وأوقد في تلك الليلة على المأمون شمعة عنبر وزنها أربعون منا ونثر في ملاكها كل شيء له قدر من الكراع والرقيق والكسى والصياغات والطيب والضياع والعقار والجواهر والدنانير والدراهم وكانت أسماء كل هذا مثبتة في رقاع وتلقى فمن التقط رقعة مضي إلى الخازن الذي لذلك الصنف فأخذه منه وكان للحسن بن سهل أربعون بغلا مرتبة لحمل الحطب تصرف كل يوم عدة دفعات أقامت تنقل سنة كاملة ولم يكفهم حتى قطعوا سعف النخل رطبا وصبوا عليه الدهن والزيت وأوقدوه.

стр. 163

وحكى: القاضي شهاب الدين بن فضل الله العمري في كتابه مسالك الأبصار في ممالك الأبصار في ممالك الأمصار في ترجمة الأمر بأحكام الله أبى على المنصور في المجلد الرابع والعشرون منه أن الأمر باله بينا هو في موكبه قبلى بركة الحبش إذ تقدمهم فمر برجل على باب بستان له وحوله عبيد وموال له فاستسقاه ماء فسقاه فلما شرب قال يا أمير المؤمنين قد أطعمتني في السؤال فإن رأى أن يكرمني بنزوله لأضيفه فقال ويحك معي الموكب فقال وأولئك يا أمير المؤمنين فنزل فأخرج الرجل مائة بساط ومائة نطع ومائة وسادة ومائة طبق فاكهة ومائة جام حلوى ومائة زبدية أشربة سكرية كلها فبهت المر وقال أيها الرجل خبرك عجيب فهل علمت بهذا فأعددت له فقال لا والله يا أمير المؤمنين وإنما أنا رجل تاجر من رعيتك لي مائة خطية فلما أكرمني أمير المؤمنين بنزوله عندي أخذت من كل واحدة شيئاً من فرشها وبعض أكلها وشربها ولكل واحدة في كل يوم طبق فاكهة وطبق طعام وطبق بوارد وجام حلوى وزبدية شراب فسجد الأمر شكراً لله وقال الحمد لله الذي جعل في رعايانا من يسع حاله هذا ثم أمر له بما في بين المال من الدراهم ضرب تلك السنة فكان ثلاثة آلاف ألف وسبعمائة ألف ثم لم يركب حتى أحضرها وأعطاها للرجل وقال استعن بهذه على حالك ومرءوتك ثم ركب وانصرف، ولما زوج الحجاج محمد بن الحجاج قال لأصنعن طعاماً لم يسبقني إليه الأولون ولا يدركه الآخرون فقيل له لو بعثت إلى المدائن فسألت كيف صنع كسرى فتعمل على مثال ذلك فأرسل إلى بعض من أدرك ذلك فقال أخبرني عن الطعام الذي صنعه كسرى فقال ما أكثر ما كان يصنعه من الطيبات قال أطيبه قال حين تزوج هند ابنة بهرام كتب إلى عماله في الآفاق ليقدم على كل رجل منكم ويخلف وإلى شرطته على بلده فرأى عنده أثنى عشر ألفاً فأطعمهم في ثلاثة أيام كل يوم ألف خوان يقعدون على بسط الديباج المنسوجة بالذهب وكلما أكلوا أتى كل واحد منهم بمثقال مسك فيغسل يده به فلما قاموا بعث بتلك الآنية والبسط فقسمت عليهم فقال الحجاج أفسدت على لعنك الله أذهبوا فاشتروا الجزر فانحروها في مربعات واسط وكان قد أمر بالنداء بالحضور فحضرها الناس وذلك في أشد الحر وكثرة الذباب فاستغنى أهل الدعوة عن المراوح ولم يجدوا ذبابة واحدة وكان قد عمد إلى المرافق التي في المجالس فنصب فيها أحجار الثلج وكانت الريح تفضى إليها من باذهنجات فيخرج نسيمها إلى المجالس والصحون وسئل عن عدم الذباب فقيل إنه اشترى قبل الدعوة من دور الجيران ما يمكن سرؤاه واستعار الباقي وطلي حيطانها بعسل قصب السكر فاشتغل الذباب به وانقطع عن داره فلما انقضت أيام الدهوة ردت جميع الدور إلى أربابها. وعلى ذكر الذباب فلا بأس بايراد نكتة غريبة وموعظة عجيبة وهي أن الحاكم الذي كان خليفة بمصر وادعى انه من ولد فاطمة (وبنى المسجد الجامع بالقاهرة المعزية المجاور لباب الفتوح فسد حاله في آخر أمره وادعى الإلهية وكتب بسم الحاكم الرحمن الرحيم وجميع الناس للإيمان به وبذل لهم نفائس الأموال وغن ذلك كان في فصل الصيف والذباب يتراكم على الحاكم والخدام تدفع الذباب ولا يندفع فقرأ بعض القراء وكان حسن الصوت (يأبها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وغن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا لله حق قدره) فاضطرب الحاضرون بسماع هذه الآية حتى كان الله تعالى أنزلها تكذيبا للحاكم في دعوى الإلهية وسقط الحاكم من على سريره خوفاً من أن يقتل وولي هاربا وأخذ في استجلاب ذلك الرجل إلى أن طمنه وسيره في صورة رسول إلى بعض الجزائر وأمر الريان أن لا يسير به غير ثلاثة أيام ويغرقه فلما غرق رئى في المنام فقيل له ما وجدت فقال ما قصر معي الريان أرسى بي على باب الجنة.

стр. 164

رجوع: ومن المهم الملوكية والنخوة العربية والنفس الأدبية ما ذكره الثعالبي في كتبه لطائف المعارف عن جميلة بنت ناصر الدولة أبي محمد الحسن بن عبد اله بن حمدان أنها حجت سنة ست وستين وثلاثمائة فصار عام حجها مثلاً وتاريخا وذلك أنها أقامت من المروءة وفرقت الأموال وأظهرت من المحاسن ونشرت من المكارم مالا يوصف بعضه عن زبيدة وغيرها من حاجات بين الخلافة والملك ولا عن الخلفاء والملوك والحاجين وهو ما ذكره الثقاب أنها سقت جميع أهل الموسم السويق بالكسر الطبرزد والثلج وكانت استصبحت البقول المزروعة في مراكز الخزف على الجمال فضلاً عما سواها وأعدت خمسمائة راحلة للمنقطعين من رجالة الحاج ونثرت على الكعبة عشرة آلاف دينار واستصبحت فيها شموع العنبر في مدة أقامتها بمكة وأعتقت ثلثمائة عبد ومائتي أمة وأغنت المجاورين بالصلات الجزيلة وخلعت على طبقات الناس خمسين ألف ثوب وكان معها أربعمائة عمارية لا يدري في أيتها هي ومن قصتها أنها لما رجعت إلى بلدها الموصل وضرب الدهر ضرباته فكان من استيلاء عضد الدولة فناخسرو على أموالها وحصونها وممالك أهل بيتها ما كان حتى أفضت بها الحال إلى كل قلة ذل وتكشفت عن فقر مدقع وكان فناخسرو خطبها لنفسه فامتنعت من أجابته ترفعا عنه فاحتقدها عليها وحين وقعت في يده تشفى بها وما زال يعسف بها في المطالبة حتى عراها وهتكها ثم ألزمها أحد أمرين أما أن تصحح ما بقته ووقف عليها من المال وأما أن تختلف إلى دار القحاب فتكتسب فيها ما تؤديه من مال مصادرتها فلما ضاق بها الأمر وأشرفت على الفضيحة انتهزت فرصة من غفلة المتوكلين بها وغرقت نفسها في دجلة رحمها الله تعالى ولا آخذها. ومن ظريف الأخبار أن زوجة المحسن بن الفرات أرادت أعذار ابنها بعد قتل أبيه فتعذرت عليها النفقة فرأت المحسن في منامها فذكرت له ذلك فقال أن لي وديعة عند فلان الدين عشرة آلاف دينار فانتبهت وأخبرت بالقصة فسألوا الرجل فاعترف بها وحمل المال إليها، واتخذ) الحجاج وليمة اجتهد فيها واحتشد ثم قال لزاذان فروخ هل عمل كسرى مثلها فاستعفاه فأقسم عليه فقال أو لم عبد عبد كسرى فأقام على رءوس الناس ألف وصيفة في يد كل واحدة إبريق من ذهب فقال الحجاج أف والله ما تركت فارس لمن بعدها شرفا. قلت: ذكرت بقوله أو لم ما أنشدنيه من لفظه لنفسه سيدي المقر المجدي ابن مكانس: قال خلى لحبيبي صل فتى ... فيك قد أضحى مغنى مغرما قال هل يولم أن وأصلته ... قال أن فاز بثغر أولما وأول من ضيف الضيف وأطعم المسكين وقص شاربه وقلم أظفاره وأستحد واستاك ورأى الشيب وفرق شعرع وتمضمض وأستنثر واستنجى بالماء وأختتن بالقدوم ولبس إبراهيم وأسس المحجوج أي بنى أساس البيت الحرام خليل الله ونبيه ورسوله أبونا إبراهيم الخليل عليه أفضل الصلاة والسلام قيل ما خلا مضيفه إلى يومنا هذا من ضيف قط وقيل له ﷺ بما اتخذك الله خليلا قال بثلاث: ما خيرت بين شيئين إلا اخترت الذي لله على غيره وما اهتممت بما تكفل الله لي به ولا تعشيت إلا مع ضيف، ما أحسن قول صفوان بن أدريس فيمن اسمع إبراهيم: اسمي من سن القرى رفقا بمن ... يغنى عليك صبابة وغراما أنا ضيف حبك فاصطنعنى أنه ... ضيف الهوى يستوجب الإكراما أفنيت جسم الصب شوقا مثل ما ... أفنى سميك قبلك الأصناما حتى كان الحب قال لاضلعى ... يا نار بردا له وسلاما وكان الحسن بن قحطبة مضيافا له مطبخان في كل مطبخ سبعمائة تنور هكذا نقل عنه الزمخشري، وحدث عمر بن شيبة قال كان الحجاج يطعم في كل يوم على ألف مائدة على كل مائدة سمكة مشوية سمينة وجنب مشوي وساقيان يسقى أحدهما اللبن والآخر العسل وكان يطاف به على كرسي فيقول يا أهل الشام مزقوا الخبز الرقيق كيلا يعاد عليكم، وقال الجاحظ كان كسرى ينصب في كل يوم ألف مائدة على كل مائدة فخذ حمار وحش وبيضة نعامة ومن سائر الأصناف التي توجد في البر والبحر والسهل والجبل حتى لا تخلو الموائد من سائر الأطعمة.

стр. 165

وكان النبي ﷺ يجيب الوليمة ويجيب دعوة العبد والحر ويقبل الهدية ولو أنها جرعة لبن أو فخذ أرنب ويكافئ عليها ولا يتأنق في مأكل ويعصب على بطنه الحجر من الجوع وآتاه الله مفاتيح كنوز الأرض فلم يقبلها واختار الآخرة وأكل الخبز بالخل وقال نعم الأدم الخل واكل الدجاج ولحم الحبارى وكان يأكل ما وجده ولا يرد ما حضر ولا يتكلف ما لم يحضر ولا يتورع من مطعم حلال إن وجد تمرا دون خبز أكله وإن وجد شواء أكله وإن وجد خبز بر أو شعير أكله ولا يأكل متكئا ولا على خوان لم يشبع من خبز بر ثلاثاً اتباعاً قط حتى لقى الله إيثاراً على نفسه لا فقرا ولا بخلا وكان يحب الذراع من الشاة والدباء واكل خبز الشعير بالتمر والبطيخ بالرطب والقثاء بالرطب والتمر بالزبد وكان يحب الحلوى والعسل وكان يشرب قاعدا وربما شرب قائماً وتنفس ثلاثاً مثنيا للإناء ويبدأ بمن عن يمينه إذا سقاه ويشرب لبناً وقال من أطعمة الله طعاماً فليقل اللهم بارك لنا فيه وأرزقنا خيراً منه ومن سقاه لبناً فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه وإذا رفع الطعام من بين يديه قال الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وآوانا وجعلنا مسلمين وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن قال بعض الكرماء من ألطاف الله تعالى بالكريم أنه يسامح المسافر بالفطر في رمضان فلولا ذلك لخجل الكريم إذ يمر عليه ضيف فيعتذر من أكل طعامه بالصوم وأين هذا من قول بعض البخلاء وقد سئل ما الفرج بعد الشدة فقال أن تدعو الضيف فيعتذر بالصوم، وكان معن بن زائدة إذا أراد أحد من غلمانه أن يرضى عليه بعد الغضب الشديد بادر إلى شيء من طعامه فوضعه في فيه بحضوره، ووقفت في أخبار عمارة الشاعر اليمنى قال كنت هجوت ابن دخان وهو يومئذ صاحب ديوان الدست فشكاني إلى السلطان شاور فأعرض عنه ثم شكاني ثانية فأعرض عنه ثم شكاني ثالثة فالتفت إليه وهو محرج وقال له ما تستحى من أن تشتكى إلى رجلاً يأكل معي على طعامي في يوم وليلة قال عمارة فلم أشعر إلا وقد حضر ابن دخا إلى داري ليلا وحمل إلى دابتي إلا آخر السنة، وحكى بعضهم قال كنا عند الشيخ الزاهد الورع أبي العباس بن تامتيت نفع الله به فقدم لنا طعاماً فأكلنا فقال بعض الجماعة يا سيدي قد أسأنا الأدب وأكلنا بغير أذن فقال الشيخ فإذن لا ترفع يدك إلا بإذن. نادرة: قيل نزل ضيف على بخيل في ليلة وكان جائعاً فقدم له طعاماً فأتى على آخره ولم يغادر منه شيئاً فحلف البخيل أن لا يبيت الضيف عنده فقال الضيف يا أخي أصبر عليّ إلى الفجر فقال لا وليال عشر فقال أما سمعت أن الضيافة ثلاث فقال البخيل لا وحق الواحد لا يبيت عندي ثلاثاً من يأكل بالخمس ولو كان له فضل من أوتى تسع آيات بينات وحسن من سجد له أحد عشر كوكباً فخرج الضيف وقال كيف جمع زوج الثكلى هذه الأفراد على الترتيب، كان لعبد الله بن جذعان جفنة يأكل منها الطعام القائم والراكب فوقع صبي فيها فغرق فمات، وذكر أن عطية بن صالح مرداس طبخ في بعض ولائمه تسعمائة خروف مصرية سوى ما طبخ من الألوان، قال علي بن الإعرابي قال الحجاج لرجل يوماً وهو على خوانه وكان عليلاً أرفق بيدك فأجابه على الفور وأنت يا حجاج فاغضض بصرك فقال له إن هذا الجواب المسكت، إعرابي مما يزيد في طيب الطعام مؤاكلة الكريم الودود حث رجل رجلاً على الكل من طعامه فقال عليك بتقريب الطعام وعلينا تأديب الأجسام، وقال علي كرم الله وجهه إذا طرقك أخوانك فلا تدخر عنهم ما في المنزل ولا تكلف ما وراء الباب وإذا طرقت فما حضر وإذا دعوت فلا تذر. قيل لحكيم أي الأوقات أحمد للأكل قال أما من قدر فإذا اشتهى وأما من لم يقدر فإذا وجد، وقال جعفر بن محمد تبين محبة الرجل لأخيه بجودة أكله في منزله. نزل الشافعي بمالك (نازلاً بالزعفراني ببغداد فكان يرقم كل يوم في رقعة ما يطبخ من الألوان ويدفعها إلى الجارية فأخذها الشافعي يوماً وألحق لونا آخر فعرف ذلك الزعفراني فأعتق الجارية سروراً بذلك.

стр. 166

نادرة: روى عن أبي العباس المبرد فقال ضاف رجل قوماً فكر هوه فقال الرجل لامرأته كيف لنا أن يعلم مقدار مقامه عندنا فقالت الق بيننا شراً حتى نتحاكم إليه ففعلاً وقالت المرأة بالذي يبارك لك في غدوك غدا أينا أظلم فقال والذي يبارك لي في مقامي عندكم شهراً ما أعلم، قيل ويقبح على الكريم أن يغتاظ على غلمانه بحضور ضيوفه وكذلك إذا أبطأ طباخه بالطعام. حكى أب بعض قواد طولون حضر سماطه يوماً وعليه قباء منزل بفضة فجاء بعض غلمانه عجلا فانكب على القباء من الطعام فما ظن أحد منا انه يجيبه ففهم تخوف الغلام وانقباض الجماعة فرفع طرفه إلى الغلام وقال يا شيطان قد فهمت غرضك لاشك أنك استحسنت القباء أذهب به فهو لك فسر الغلام وجميع من حضر. نادرة: قيل لبنان الطفيلي كم عدد صحابة رسول الله ﷺ يوم بدر فقال ثلثمائة وثلاثة عشر رغيفاً وكان نقش خاتمه ما لكم لا تأكلون، ونظر طفيلي إلى قوم ذاهبين فلم يشك أنهم يذهبون إلى وليمة فقام وتبعهم وإذا هم شعراء قد قصدوا دار السلطان بمدايح لهم فلما أنشد كل واحد منهم شعره واخذ جائزته لم يبق إلا الطفيلي وهو جالس ساكت فقيل له أنشد أنت فقال لست شاعراً قيل فمن أنت قال من الغاوين الذين قال الله تعالى فيهم (والشعراء يتبعهم الغاوون) فضحك السلطان وأمر له بمثل جائزة الشعراء، كان مسلم بن قتيبة لا يجلس لحوايج الناس حتى يشبع من الطيب من الطعام ويروى من بارد الماء ويقول إن الجائع ضيق الصدر فقير النفس والشبعان متسع الصدر عني النفس، وقال ابن الإعرابي كان المحسن الضبي في الشرف من العطاء وكان دميما فقال له زياد مني فضحك وأمر له بأربعة آلاف دينار، وكتب كسرى أنوشروان بالؤلؤ على مائدة من الذهب لهينه طعام من أكله من حلة وجاد على ذوي الحاجة من فضله ما أكلته وأنت تشتهيه فقد أكلته وما أكلته وأنت لا تشتهيه فقد أكلك. نادرة: حكى الهيثم بن عدي قال ماشيت أبا حنيفة في نفر من أصحابه إلى عيادة مريض من أهل الكوفة وكان مبخلاً وتواصينا على أنا نعرض بالغداء فلما دخلنا وقضينا حق العيادة قال أحدنا (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع) وقال آخر (وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام) وقال آخر: (آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا) قال فتمطي المريض وقال (ليس على الضعفاء ولا على المريض ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج) فغمز أبو حنيفة أصحابه وقال قوموا فما لكم هنا من فرج. كان بعض مفاليس الكتاب في دعوة فلما أخذت الكأس منه قال انتم عندي غداً فلما أصبح حدثه غلامه ما بدا منه فسقط في يده وأخذ يعنف غلامه كيف لم ينبههم على أفلاسه وسوء حاله والغلام يعتذر عن ذلك بإشفاقه من عربدته لو اطلعتم على ذلك إذ دق القوم الباب فقال لغلامه على بالدواة والقرطاس وكتب إليهم (إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما انتم بمصرخي) فلما قرءوا رقعته عرفوا عذره وتفرقوا عنه. نادرة أيضاً: قيل تغذى رجل مع بعض الرؤساء فقدم إليه جديا فجعل يمعن فيه فقال له الرئيس إنك لتمزقه حتى كان أباه نطحك فقال له وأنت تشفق عليه حتى كان أمه قد أرضعتك فخجل وانقطع، عمر بن هبيرة عليكم بمباكرة الغداء فغن في مباكرته ثلاث خصال يطيب النكهة ويطئ المرة ويعين على المروءة قبل ما أعانته على المروءة قال أن لا تتوق النفس إلى طعام غيرك. فصل: في الأطعمة المشهورة ومضارها ومنافعها: السكباج: حارة معتدلة الرطوبة تنفع الكبد الصفراوية وتولد دماً صالحاً وتقوى الشهوة وتحبس البطن وهي بلحم البقر نافعة لمن يتحدر إلى معدته مرارة كثيرة وقال بعضهم السكباج في البطيخ بمنزلة الفالوذج في الحلوى وقال الصولى كان بعض الصوفية يقول أول من عمل السكباج آدم ولذلك استوى في استطابتها ملوك ولده وسوقتهم وكنيتها أم القرى لن طعامها من أجل الأطعمة وأم الشيء معظمة وجليلة وأم القرآن الحمد وأم القرى مكة وأم الشيء أجله.

стр. 167

المدققات: حارة رطبة مخصبة للبدن تولد معتدلاً لا يحتاج لمن ضاق عليه الاستغراق بالجماع وعرض له من الأحداث النفسانية ما بلبل الهضم كالهم والفزع والغم لن جوهر اللحم أنحل أكثره في المرق ولهذا الحال يخف على الهضم وهي من أطعمة المخمور صالحة لهم جداً. الرخية: حارة رطبة تزيد في الباءة تولد غداء كثير وهي مضرة بالصفراء مكروهة لمن يعتاده الغشيان ولأصحاب المعدة لتعطينها وأكلها مع الحوامض صالح وهو غذاء شهي موافق لأهل الرياضة والقوة وكثرة البيض فيها صالحة وهي من الألوان المأثورة الموصوفة. الجزورية: حارة رطبة تحرك الباءة وتدر البول وأصلح ما كانت باللحم السمين والخل والمري والخردل. ابن سكرة الهاشمي في جزورية: أكلت بالأمس جزورية ... تخبر عن خمسة أربابها اللحم فيها أثر دارس ... كأنما مرّ على بابها الحصرمية: باردة يابسة وأجودها ما عمل بالماء العتيق العذب والذي يعمل بالحصرم الطري يولد رياحاً بالمعدة لنه فجة لم تنضج ويختار فيها استعمال اللون المر لتعديل يبسها وتحسين منظرها. السماقية: باردة يابسة أيضاً. الرمانية: كذلك ولعا فعل في تقوية المعدة وينفعان من نزف الدم ومن أحل تعديل الطبع فيهما الاسفاناخ والسلق. التفاحية والريباسية: أيضاً متناسبان في البرد واليبس نافعان لأصحاب المزاج الصفراوي والأكباد الحارة والمعدة الضعيفة يكرهان لأصحاب القولنج وهما مضرتان بالعصب والمفاصل والمنى والباءة. الزيرباج: معتدلة الحرارة نافعة الكبد دماً معتدلاً وهي مسكنة لحدة الأخلاط مفرحة لقلب وللناس فيها مذاهب وأحمدها السهلة المائعة الورسية وبعضهم يختارها ردعية بالزعفران خثرة جداً وبعضهم يتخيرها سادجة بيضاء وهذه أقل حرارة. المضيرة: باردة معتدلة الرطوبة قامعة للصفراء تولد غداء بلغمياً واستعمال حلوى العسل بعدها صالح وهي من الألوان المستحبة المأثورة ويختار عملها بالفراخ الجليلة فإنها أوفق لها من سائر اللحمان وللبصل فيها معنى خلاف سائر الطبيخ وكان بشار بن برد الأعمى يقول فيها: ما أظن في الطعام أطيب من بصلة مضيرة لأني ما سبقت البصر إليها قط ولا هم يؤثروني بها ويستحب تقديمها في الصحون الرزق أو ما شاكلها وتكره لها الصحون البيض ويراه بعضهم قبيحاً ويعده من سوء الاختيار وكان أبو هريرة ة (تعجبه المضيرة جداً فيأكلها مع معاوية فإذا حضرت الصلاة صلى خلف علي كرم الله وجهه فإذا قيل له في ذلك شيء قال مضيرة معاوية أدسم والصلاة خلف علي أفضل فقيل له شيخ المضيرة. حكى ابن شكلة الكاتب صردر امتنع من حمل ما طلب منه واحتمل غليظ المكروه وكان يؤتى بطبق فيه طعام فرأى يوماً مضيرة في صحن أبيض هذا ما لا يكون أبداً. القلايا: حارة معتدلة اليبس تختار للذين في معدتهم البلاغم لا سيما إذا عملت بالبازير الحارة وهي باعثة للشهوة مهيجة لذوي النهمة. المهلبية: أول من اتخذها بنو المهلب فنسبت إليهم وهي من الألوان المستحسنة المستلذة تنفع لحفظ الصحة واحمدها منفعة السلسلة والانعقاد بالدجاج الحديث السمان والعسل الخالص الذهبي والسكر النقي وهي معتدلة الحرارة والرطوبة تغدو غداء صالحاً إلا أنها مضرة بالصفراء وتدفع مضرتها بالحصرمية منه قبلها. الأرز باللبن: قال محمد بن خرد كان كثير من رؤساء العراق يقدمون في أول الطعام الأرز باللبن والسكر المنخول ثم يتبعونه ما شاءوا إيثارا له على غيره وكان الحسن ابن سهل يفضله على كثير من المطعم ميلا إلى رأى المأمون فيه وقال له أنه يزيد في العمر يا أمير المؤمنين قال من أين قلت هذا قلت لأن الأطباء زعموا أن الأرز يولد أحلاماً صحيحة فإذا صحت الأحلام فهي من زيادة النوم على اليقظة لن النوم موت واليقظة حياة. الشوى: قال أبو عبيد العرب تقول الشوى رئيس الطعام قال ومر الفرزدق بالأخوص فقال له اقترح يا أبا فراس فقال شوى وطلي وإنا فقال ادخل فقد أعد لك، والشوى حار رطب وأجوده المشوى على اسهل مثل شي الرءوس فإن ذلك يكسبه فضل ترطيب ونضاج ويلطفه.

стр. 168

الكباب: بفتح الكاف وهو اللحم المشروح وأجوده ما شرح اللحم شريحاً خفيفاً ونثر عليه الملح ونصب له مقلى على النار بلا دسم وطرح عليه وقلب من جنب إلى جنب حتى ينضج ويحمر هذا هو الكباب الخالص بعينه وهو الذي كان يعمل ليحيى بن خالد ولولده وفيه يقول أبو الفتح البستى: عليك إذا أنجاب الدجى بكباب ... وعقبه مرتاحاً بكأس شراب فلم يفتح الأقوام بابا إلى المنى ... كباب شراب أو كباب كباب الخخيطية: تخصب الجسم وتغذوه وتزيد في الباءة. الكشك: قال جالينوس أبوان كريمان انتجا لئيما. الططماج: عسر الهضم من اجل أنه من خبز فطير فهو يزلق في المعدة وإصلاحه بالثوم ويؤكل معه النعنع ويشرب نبيذاً صرفاً قوياً وعسلاً مطبوخاً بأفواه إلا أن يكون محروراً فلا يحتاج إلى ذلك. الملوخيا: غليظة لزجة باردة كثيراً، الإكثار منها يضر بالمرطوبين والمبلغمين وإصلاح ضررها أن تطبخ بلحوم الغزلان لخفته وحرارته أو مع الحجل أو مع الفراخ النواهض أو الفراريج السرخسية فغن لم يتفق فتلقى فيها الشرايح الجافة المدخنة أو التنورية عند خروجها من التنور وكذلك الباذنجان المقلى يلقى عليها ويكمر ساعة ثم تؤكل وماء الليمون يلطف غلظها ويقطع بلزوجتها ولا يصلحها إصلاحاً تاماً إلا هو وإذا قطع ورقها الأخضر ووضع على لسعة الزنبور نفعها وطبيخ ورقة ينفع حرق النار وفيه أكثر منافع الخطمى وهي فرع منه وذكر أنها قديماً لم يكن لها ذكر ولا قدر ولا تصريف في مدينة ولا في إقليم إلا بعد ثلثمائة وستين سنة مضت من الهجرة النبوية بمصر خاصة وكان السبب في ذلك أن المعز ياني القاهرة لما دخل مصر استوباها واختلف عليه الهواء الذي كان يعهده بأفريقيا ورطوبته لمجاورته البحر فأصابته يبس واستولت عليه أمراض حارة فتدبر له أطباء مصر قانوناً من العلاج من جملته الغذاء بالملوخيا فوجد لها نفعاً بينا في التبريد والترطيب وأقلع عنه معظم ما كان يجده من الأعراض الرديئة التي سببها اليبس والحرارة وأدمن أكلها فأبلى من مرضه ووقعت منه بموقع عظيم وأمر بإصلاحها له ولخواصه حتى سميت الملوكية وبلغ من اعتنائهم بها انهم كانوا يجففونها ويطبخونها مجففة السنة كلها وكان باكورها إذا دخل القصر يكون ذلك اليوم موسماً عظيماً ويعظطى مهديها عطاء جزيلاً. ما ورد من المنظوم والمنثور في هذا الباب: كتب الشيخ جمال الدين بن نباته يتشكر من بعض الرؤساء وقد أهدى له خروفاً مشوياً شكر الله إحسان مولانا الذي وصل فأوصل إلى القلب جبره وإلى الكف بره وإلى الفم كل شحمة كأهداب الدمقس المفتل وكل فلذة صفراء تسر ناظر المتأمل فما أحسن ما ملأ ذلك الجود فمه وعينيه وتلقاه المملوك قائلاً هذا الشرف الذي ينطح النجوم برقيه لقد أربى تواتر هذا البر على ما في النفس ولقد جددت هذه الهدية فخراً حتى كأنما أهدى له حمل البروج على طبق الشمس ولقد آن أن ينثر من الدهر وتنتصف ولقد عرف رجاءه من أنين يؤكل الكتف فإنه الكرم الذي لا يحيل الآمال على سوف والفضل الذي أضاف المملوك وآواه فأطعمه من جوع ومن خوف لا برح مولانا يحيى مأثر آبائه إلى ويقيم سنن قراهم التي هي على الدهر كالحلى ولا زال يفتخر فيقول عزمه أنا طلاع الثنايا ويقول بشره أنا ابن جلا، وقال ابن وكيع فيه: حروف لو أشار إليه وهم ... تقطر جلده بالشحم يجري لباطنه قميص من لجين ... تسربل فوقه بقميص تبر وما احسن ما كتب به ابن خروف النجوى إلى ابن اللهيب وكان قد دعاه: دعاني ابن لهيب ... دعاء غير نبيه إن سرت يوماً إليه ... فوالدي في أبيه

стр. 169

نادرة: قدم إلى أبي علي الفارسي النحوي شوي غير نضيج فقال هذا لم تعمل فيه العوامل، قد إلى الفاضل في دعوة خروف شوي فقال هذا من البهائم التي عملت يريد قوله ﷺ لو تعلم البهائم ما تعلمون من أمر الموت ما أكلتم منها سمينا، قيل عن سليمان بن عبد الملك انه كان نهما على طعامه وانه كان يلف على يده بفاضل كمه ليتناول به الكلى من بطون الحملان وهي في شدة الحرارة ولا يهمل حتى يبرد وقد ذكر ذلك الأصعمي في أيام الرشيد لما وجد سفط عليه ثياب مذهبة ثمينة وأكمامه مبتلة بالدهن في ذخائر بني أمية والقصة مشهورة، وصف جحظة دعوة حضر بها فقال اتينا برغفان كالبدور المنقطة بالنجوم وملح كالكافور السحيق وخل كذوب العقيق وبقل كأخضرار العذار وحمل من الفضة جسمه ومن الذهب قشره وجوفه وأرز مدفون في السكر ثم جاءنا غلام بشراب ألذ من ذكره وأطيب من روحه وأصفى من وده وأرق من لطفه وأذكى من عرفه وأعذب من خلقه وأشهى من قربه. سيف الدين المشد في دجاجة مشوية: دجاجة صفراء من شيها ... حمراء كالورد من الوهج كأنها والجمر من تحتها ... أترجة من فوق نازنج وما أظرف قول الشيخ زين الدين بن الوردى: لي شهوتان احب أجمعهما ... لو كانت الشهوات مضمونة أكباد عذالي مدققة ... ومفاصل الرقباء مدفونه نادرة: مرض ابن تقلية المغنى وأشرف على الموت فجاء إليه ابن الصاحب يعوده فقال له أيش حال التقلية فقال ما أخوفني تبقى مدفونة، وقال كشاجم يصف مائدة وما عليها: ومن فراريج بماء الحصرم ... تصلح للمحموم أو للمحتمى قد شويت أكبادها ببيض ... فهي كمثل نرجس بروض وجاءنا فيها ببيض أحمر ... كأنه العقيق ما لم يكسر حتى إذا أتى به مقشرا ... أبرز من تحت العقيق الدررا كأنه إذ حاز أصناف الملح ... أعاره تلوينه قوس قزح وجاءنا براضع لم يعتلف ... كأن قطنا بين جنبيه ندف وجاءنا فيه بباذنجان ... مثل قدود أكر الميدان قد قارن الهليون بالممازحة ... تقارن الكراة بالصوالجة وقال ابن القطاع في البيض: أسمع عن البيض وصف مضطلع ... بالوصف ماضي الجنان نحرير بنادق التبر غشيت ورقا ... أو مشمش في صحاف كافور الرداعي: تفضل فرمانية العبد آبه ... ومن حسنها يلتذ تكرارها القارى فقد ذاب من طول انتظارك لحمها ... وشوقاً إلى لقياك ظلت على النار ابن تميم: ولم أنس إذ بيت ليلا هريسة ... وبت لخوف النار أحمل همها فلما دنا الإصباح بادرت مسرعا ... لا كشف من غمى وأكشف غمها فصادفتها في حاجم النار قد عصت ... عليّ فلم اسطع من الحر شمها وما أنا في شك بأن لو بدا بها ... فتور لغيظي كنت آكل لحمها السراج الوراق: وأحمق أضيافنا ببقله ... لنسبة بينهما ووصله فمن أقل أدبا من سفله ... قدم في وجه الضيوف رجله وله أيضاً: ومغمومات رءوس باكرتنا ... تطيب شدى ولا طيب العروس ونبهنا لها الظامي بليل ... حكى لون المسوح على القسوس فقمنا مائلين له وقلنا ... يقل لكم القيام على الرءوس وله: أتيت أرجيه في حاجة ... فلم تنبعث نفسه الجامدة وفتل في ذقنه والنفوس ... تعاف المقتلة الباردة وقال ابن نباتة: يا سيدي عطفا على عصبة ... أفكارهم للقمح محمية قد طبخت بالسوق أحشاؤهم ... فيا لها طبخة قمحية كتب الصلاح الصفدي إلى ابن نياتة وقد كان أهدى له ابن نياتة بسلا: ظننت العبد عن مصر تسلا ... فأهدي جودك الوافي بسلا نعم قد أذكرتني عيش مصر ... وإقبالا من الدنيا تولى طعاما فوقه لحم شهى ... إلى كل النفوس فكيف يقلى ودهن فوقه قد صار صبا ... تلظت ناره وحتى تسلا المعمار في المجون: وصاحب جئت إلى داره ... فلم أجد بالباب من يحرس دخلت للدار على غفلة ... وجدته متكئا ينعس فقال ما تبغي فقلت القرا ... منكم فأني جائع مفلس فجاد لي بالدهن من رأسه ... وجادت المرأة بالكسكس

стр. 170

مطاعم شهية وملاذ ملوكية سأل الوزير أبو نصر بن أبي زيد أبا منصور بن سعيد بن أحمد البريدي وكان من أبناء الأمراء والسادة بالبصرة عما يحبه ويشتهيه ويختاره من أطايب الأطعمة الملوكية فقال قشور الدجج الفتية المسمنة المشوية والكباجة التمامة التي يجمع فيها بين لحم البقر والغنم ثم ينفي عنها لحم البقر وتحلى بالطبرزد وتطيب بالعنبر والهريسة بلحوم الحملان التي رضعت شهرين وربعت شهريت ومن اللحم المجذع والمبلقة بالأرز المدقوق والدهن بالسكر المسحوق المخبر بالند المشرب بالجلاب وماء الورد فقال يا أبا المنصور قد تجلب فمي من هذا الوصف أشهد انك من أبناء النعم والمروءات وأمر أن يلقيه على طباخه، ولما دخل الرشيد في سنة ست وتسعين ومائة زار جعفر بن سلمان بن علي الهاشمي وكان يومئذ واليها فأحضر له جعفر بن سلمان على مائدته كل حار وبارد واحضر ألبان الظباء وزبدها فاستطاب الرشيد طعومها فسأله عن ذلك فأمر بعض الفلمان فأطلق الظباء فتبعها أخشافها وعليها سلمها حتى وقفت في عرصت الدار تجاه عين الرشيد فلما رآها مفرطة مخصبة استفزه الفرح لذلك والتعجب حتى قال له جعفر يا أمير المؤمنين هذه الألبان واللبأ ورائب الزبد الذي بين أيدينا من هذه الظبية الفيتها وهي خشفان فتلاحقت وتلاحقت. نادرة: حضر الغاضري عند بعض الرؤساء فقدم صفحة فيها أرز مطبوخ وقد قعر وسط الصفحة جلاب لأخذ الغاضري الملعقة وخرق التقعير إلى ما يليه حتى أختلط بالأرز فقال له صاحب المنزل (أخرقتها لتغرق أهلها) فقال بل (سقناه لبلد ميت) وقال ابن الجصاص الصوفي دخلت على أحمد بن روح الأهوازي فقال ما تقول في صفحة أرز مطبوخ فيها نهر من سمن على حافتيها كثبان من السكر المنخول فدفعت عيناي فقال ما لك قلت ابكي شوقاً إليه جعلنا الله وإياك من الواردين عليه بالغواصة والردادتين فقال يا غلام قدمها فجاء بها تفور فقال لي ما الغواصة والردادتين فقلت الغواصة الإبهام والردادتان السبابة والوسطى فقال أحسنت بارك الله فيك. وكيفية الأكل عند الظرفاء والأدباء هو أن يفيض الإنسان الخنصر والبنصر ويأكل بأصابعه الثلاث وهي مذهب الظرفاء أن البنصر إذا أصابه الزفر فليس بظريف في الأكل اللهم إلا في الثريد فإن أكلها بأربعة أصابع سوى الخنصر وقالوا الأكل على أربعة أنحاء بإصبع من المقت وبإصبعين من المكر وبثلاث من السنة وبخمس من الشره. فصل: فيما يشهي المآكل قال بعضهم يصف سكردانا: وافي السكردان وفي ... ضمته مطبخات من فراريج كأنه بدر قد رصعت ... فيه ثريا من سكاريج وقال آخر في عجة: وجاءتنا بعجتها عجوز ... لها في القلى حس أي حس فلم أر قبل رؤيتها عجوزا ... تصوغ من الكواكب عين شمس وقال ابن تميم في لبأ وتمر: يا حبذا لبأ أتانا بكرة ... يزهي لنا حسنا بأنواع الرطب فكأنما اهدي سماء فضة ... قد أشرقت فيها نجوم من ذهب وقال صفي الدين الحلى يطلب جينا: خففت عنكم فلم أطلب لمجلسنا ... من المآكل شيئاً غالي القيم لكن أقصى مرادي من هديتكم ... ما بالكرائم من لامية العجم يريد قول الطغراى: قد زاد طيب أحاديث الكرام بها ... ما بالكرائم من جبن ولا بخل قال صلاح الصفدي ملغزا في قريشة: أي شيء يروق للنفس أكلا ... ذا بياض وأصله من حشيشه خمسة أثقل الجمادات وزنا ... فتعجب له وباقيه ريشه وقال أبو الفرج الأصفهاني يصف بيضة: فها بدائع صنعة ولطائف ... الفن بالتقدير والتلفيق خلطان ماويان ما اختلطا على ... شكل ومختلف المزاج رقيق صنع تدل على حقيقة صانع ... للخلق طرا ليس بالمخلوق قبياضها ورق وتبر مخها ... في حق عاج بطنت بدبيق

стр. 171

وقال الشيخ جمال بن نباتة مقاضى ملوحة بدرب الحجاز يا مولانا ما كأن الملوحة إلا قد اتخذت سبيلها في بحار السراب سربا أو تعلمت من تلك الهمة فاتخذت إلى نهر المجرة سبباً وجعل فضلها مقصورا على الاسماع وخلفت من الملائكة فلا يمكن على صورها الإطلاع ولا غرو فإنها ذات أجنحة مثنى وثلاث ورباع وتوقفت من المنع والعطاء بين أمرين وحظيت من مولانا ومن الجناب الفخري بمجمع البحرين وما أظن الظن أن يتفق هذا الظن هذا ولو أنها من نسل حوت يونس عليه الصلاة والتسليم وان عظمها مما يسبح في بطن آكله إلى يوم يحيى العظام وهي رميم وان بينها ألذ من القرب بعد البين الطويل ورأيها أحسن من رأى عمرو بن العاص في الأمر الجليل وأن قمصها اللؤلؤية مما تنظم في السلوك وأذيالها المرجانية مما ترصعه في نيجانها الملوك وعوينها الدرية هي التي دلت الخضر على عين الحياة فوردها وأن بطونها الذهبية غني من قصدها وعلى الجملة فقد سطر المملوك هذه الورقة ولقم الانتظار تزاحم القلم في يده وأنامله المستعدة كالصنانير في تصديه لها وتصيده فمولانا يتدارك هذا الأمر قبل أن يفوت ويأمر بإنقاذها ولو أنها بين السماء والأرض عند الحوت ومكارمه المشهورة لا تقف في البذل مع احتياط ولا يغير عادتها طريق الحجاز ولولا الغلو لقال ولا طريق الصراط. نوادر في هذا الباب: ذكر الشيخ علاء الدين الوداعي في تذكرته أن الصاحب تاج الدين محمد بن حبا رحمة الله كانت له أخت ذات مال وكان كلما اجتمع بها حضها على طعام الفقراء والمساكين والصدقة وفعل الخير ويقول لها لا تتباخلي فقالت له يوماً وقد قال لها في تكوني يخيلة فقالت له ما تستحي كم تقول أنت بخيلة وأنا كريمتك، قال عبد الملك ابن مروان لبعض الشعراء هل أصابتك تخمة قال أما من طعام الأمير فلا، وقال بعضهم أربعة ممسوخة البركة أكل الأرز البارد والغناء من وراء الستارة والقبلة فوق النقاب والجماع في الماء، وقال بعض الصوفية من جلس على مائدة فأكثر الحديث فقد غش بطنه، قيل لطقيلي لم أنت حائل اللون قال للفترة بين الطعامين مخافة أن يكون قد فنى الطعام، أو لم طفيلي على ابنته فأتاه كل طفيلي فلما رآهم رحب بهم ثم رقاهم إلى غرفة بسلم وأخذ السلم حتى فرغ من طعام الناس أنزلهم وأخرجهم. دعا يحيى بن أكتم عدولة فقدم إليهم مائدة صغيرة فتضاموا عليها حتى كان أحدهم يتقدم فيأخذ اللقمة ثم يتأخر حتى يتقدم الآخر فلما خرجوا قيل لهم أين كنتم قالوا كنا في صلاة الخوف، الحارث بن كلدة إذا تغذى أحدكم فلينم على غدائه وإذا تعشى فليخط أربعين خطوة، وفي قوله تعالى (وَيُطْعِمُونَ الطّعَامَ عَلَىَ حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) أفاد الجناب المجدي رحمة الله أن قوله تعالى (على حبه) مما يستشهد به في البديع، قدم رجل كذاب من سفره وقد أفاد من سفره مالاً كثيراً فدعا قومه إلى الطعام وجعل يحدثهم ويكذب فقال أحد القوم نحن كما قال الله تعالى (سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكّالُونَ لِلسّحْتِ) عبر بعض الطفيلية على قوم وهم يأكلون فقال السلام عليكم أيها القوم اللئام فقالوا لا والله إلا الكرام فقال اللهم أجعلهم صادقين وأجعلني كاذباً وقعد يأكل، وعبر طفيلي أيضاً على قوم وهم يأكلون فقال هل تحتاجون إلى مساعدة فقالوا بالدعاء فقال لا هناكم الله إن لم تأذنوا لي بالأكل معكم، وما احسن قول أبن دانيال في شخص يدعى علي شير: إذا ما كنت متخوفاً فكن ضيف على شير ... فما يخرج منه الخبز إلا بالمناشير

стр. 172

فائدة جليلة: ذكر التوحيد في كتاب الامتناع والمؤانسة من أدمن الأكل والشرب في أواني النحاس أفسدت مزاجه وعرضت له أمراض صعبة وإن أدنيت أواني النحاس من السمك شممت لها رائحة كريهة وإن كبت آنية النحاس على سمك مشوي أو مطبوخ بحرارتهما ما حدث منه سم قاتل، ومنه قيل لصوفي ما حد الشبع قال لا حد له ولو أراد الله تعالى أن يؤكل بحد لبين كما بين جميع الحدود وكيف يكون للأكل حد والآكلة مختلفون بالطباع والمزاج والعارض والعادة وحكمة الله تعالى ظاهرة في إخفاء حد الشبع حتى يأكل من شاء على ما شاء كما شاء، وقيل لفقيه ما حد الشبع قال ما نشط على أداء الفرائض وثبط عن إقامة النوافل، وقيل لمتكلم ما حد الشبع قال حده ما يجلب النوم ويضجر القوم ويبعث على البكوم، وقيل لإعرابي ما حد الشبع قال أما عندكم يا حاضرة فلا أدري وأما عندنا في البادية فما وجدت العين وامتدت إليه اليد ودار عليه الضرس وطلبت له اللهاة وأساغه الحلق وانتفخ له البطن واستدارات عليه الحوايا واستغاثت منه المعدة وتقوست منه الأضلاع والتوت منه المصارعين وخشيت منه الموت، وقيل لملاح ما حد الشبع قال حد السكر قيل فما حد السكر قال أن لا تعرف السماء من الأرض ولا الطول من العرض، وقيل لمدني ما حد الشبع فقال لا عهد لي به فأحده فكيف أصف ما لا أعرف، وقيل لسمر قندى ما حد الشبع فقال إذا جحظت عينك وبكم لسانك وثقلت حركتك وازجحن بدنك وزال عقلك فأنت في أوائل الشبع قيل إذا كان هذا أوله فما آخره قال أن تنشق نصفين، قيل لحمال ما حد الشبع قال إني أواصل فما أعرف الحد ولو كنت انتهي لوصفت الحال فيه أعني ساعة أعجن الدقيق وساعة أمل الملة وساعة أثؤد وساعة آكل وساعة أشرب لبن اللقاح فليس لي قرار فأدري أني بلغت الشبع إلا أني أعلم في الجملة أن الجوع عذاب وان الأكل رحمة وأن الرحمة كلما كانت اكثر كان العبد إلى الله أقرب والله عن العبد أرضى، قال إسحاق كنت يوماً عند أحمد بن يوسف فدخل علينا أحمد بن أبي خالد فجرى ذكر الغناء فقال لا والله لا أجد شيئاً مما أنتم فيه فهان علىّ وخف في عيني فقلت له مالمستهزئ به جعلت فداك قصدت إلى أرق شيء خلقه الله وألينه على القلب والأذن وأظهره للسرور والفرح وأنفاه للهم والحزن وما ليس للجوارح منه مؤنة إنما يقرع السمع وهو منه على مسافة فتطرب له النفس فذممته ولكنه كان يقال لا يجتمع في كل رجل شهوة كل لذة وبعد فإن شهوة كل رجل على قدر تركيبه ومزاجه قال أجل أما أنا فالطعام الرقيق أعجب إليّ من الفناء فقلت أي والله ولحم البقر والجواميس والتيوس الجبلية بالباذنجان المبزر أيضاً تقدمه فقال الغناء مختلف فيه قد كرهه قوم قلت فالاختلاف فيه من أطلقه لنا حتى يجتمعوا على تحريمه أعلمت جعلت فداك أن الأوائل كانت تقول من سمع الغناء على حقيقة مات فقال اللهم لا تسمعناه على حقيقته إذن فنموت فاستظرفته في هذه اللفظة وقدموا إليه الطعام فشغله عن ذم الغناء. نظر بعضهم إلى مائدة بخيل يوضع عليها دجاجة فلا تمس ثم ترد من الغد فلما مضت عليها أيام قال يا أخي هذه الدجاجة عمرها بعد موتها أطول من عمرها حال حياتها، ولقي رجل أبا الحرث جمين وقد تعلق به غلام فقال يا أبا الحرث من هذا فقال غلام الفضل بن يحيى كنت عند مولي هذا بالأمس فقدم إلينا مائدة عليها رغيفان قد عملا من نصف خشخاشة وثريدة في سكرجة وخبيص في مسعط فتنفست الصعداء فدخل الخوان وما علق منه في أنفي فمولاه يطالبني بالقيمة قال الرجل استغفر الله مما تقول فأومي إلى غلام كان معه فقال غلامي هذا حران لم يكن ما قتله صحيحاً ولو أن عصفوراً وقع على بعض قشور ذلك الخشخاش الذي عمل منه ذلك لما رضى مولي هذا حتى يؤتى بالعصفور مشوياً بين رغيفين والرغيفان من عند العصفور ثم قال وعليه المشي إلى بيت الله الحرام إن لم يكن إذا عطش بالفرعاء رجع إلى دجلاء العوراء حتى يشرب منها صحيحاً ولو أن مولى هذا كلف في يوم قائط أن يصعد على سلم من رمل حتى يبلغ كواكب بنات نعش فيلطقها كوكبا كوكبا لكان ذا أسهل عليه من أن يشم شام تلك الثريدة أو يذوق ذائق تلك الخبيصة فقال الرجل عليك لعنة الله وعليه إن كان سمع بمثل هذا.

стр. 173

فصل: في الطست والإبريق والخلال والمحلب والاشنان والمنشفة وآداب غسل اليد وكيفية الاستعمال ولا بأس بغسل اليد في الطست وغن ندب إلى ذلك فليقبل الكرامة ولا يردها، قال دفتر خوان: والطست إن رام إليك المقصدا ... فلا تخالف من يقول اغسل يدا وصاحب المرش دعه ساكبا ... ولا تقل بس اكتفيت كاذبا وعن ابن مسعود (: اجتمعوا على غسل الأيدي في طست واحد ولا تسننوا بسنة الأعاجم، وقالوا غسل اليد في الطست في حالة واحدة أدخل في التواضع ويقتضي أن يجتمع الماء فيها، وقال قال ﷺ من بات وفي يده غمر لم يغسله فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه وفي حديث آخر: الوضوء قبل الطعام ينقى الفم وبعده ينقى المم واللمم مس الشيطان والطست الطس بلغة طيء أبدل من أحد السينين تاء للاستثقال فإذا جمعت وصغرت رددت السين لأنك فصلت بينهما بالتاء فقلت طساس وطسيس وهو أعجمي معرب أصله طشت بالشين المعجمة فلما عرب قيل بالسين المهملة، الإبريق عربي صحيح وهو أفعيل من البريق وقال الحريري في المقامات إياك واستدعاء المرجفين قبل استدعاء حلول البين أراد بالمرجفين الطست والإبريق لأن الإتيان بهما يوذن بالقيام وفراغ الطعام وما أحسن قول القاضي الفاضل في المقامة العسقلانية يصف المائدة: وتناوبتها الألوان ... صنوان وغير صنوان وأبطأ القوم بالمرجف ... ين فما يرجفان ولا يوجفان وأتينا بغاسول تحظى به الأفواه والأنوف ولا يوجد بعده بفم الصائم خلوف، وقيل إن كنية الأشنان أبو إياس وكنية الملح أبو عون وسمعت بعضهم يسميها البداية والنهاية، ولهذا حكى أن بوران بنت الحسن بن سهل لما تزوجها المأمون وأراد أن يدخل بها جعل الناس يهدون لأبيها الأشياء النفسية وكان بالقرب منهم رجل من الأدباء فأهدى إليه مزودا فيه ملح مطيب ومزودا فيه أشنان وكتب إليه معهما أني كرهت أن تطوي صحيفة أهل البر ولا ذكر لي فيها فوجهت إليك بالمبدأ به ليمنه وبركته وبالمختوم به لطيبه ونظافته ومع ذلك: بضاعتي تقصر عن همتي ... وهمتي تقصر عن مالي فالملح والأشنان يا سيدي ... أحسن ما يهديه أمثالي وذكر القاضي الرشيد بن الزهر في كتابه العجائب والظرف أن سيد الوزراء أبا محمد البازوري وجد في موجوداته طستا وإبريقاً من البلور فأفرط في استحسانه لهما ولعظيم قدرهما أن المستنصر وهبهما له ووجد أيضاً مدهن ياقوت احمر وزنه سبعة وعشرون مثقالاً أخذه سرا من السلطان في خزانته حين قبض عليه في سنة خمسين وأربعمائة ولما أخرج السلطان الذخائر المصرية عند أيام فتنة ناصر الدولة وجد فيما أخرج من دار ناصر الدولة تسعين طستاً وتسعين إبريقاً من صافي البلور وجيده كباراً وصغاراً. وقال ابن معقل فيما يكتب على سفرة الطست: لم أصحب الطست من شوق إليه ولا ... جعلت خدي له أرضاً وما شعرا لولا وصولي به يوماً إلى ملك ... يصيبني فضل ما ينفى بع الغمرا وغيرة أن يمس الترب مبتدلا ... ما مس كفيه من ماء إذا قطرا وقال جلال الدين بن المكرم في الطست والإبريق والمنشفة: ولي صاحب ينفي الأذى عن جوارحي ... فيخرجني منه نقيا مطهرا وآخر يحويه فيجعل الذي ... كان لي منه إليه مصيرا وثالثة غارت لفعلهما فلا ... تزال تعفى ما لجسمي أثرا وقال أبو طالب المأموني: منشفة خملها تخال بها ... قد فت كافورة على طبق كأنما انبتت خمائلها ... ما ارتشفت من لآلئ العرق الأشنان: عمل لهارون الرشيد يؤخذ من القرنفل والسليخة والقرفة والقاقلى والفلنجة من كل واحد جزء ومن المصطكى والاذخر والسعد والميعة اليابسة جزء ومن الموزجسزس ثلاثة أجزاء ومن الطين الأبيض المكي خمسة ومن الأشنان البارد ضعف ذلك أو ثلاثة أضعافه ومن الأرز الأبيض المبلول المجفف المنخول مثل الأشنان يدق كل واحد على حدته ويخلط، صفة بنك محمص يؤخذ من البنك الأصفر المخمر وزن ثلاثين درهما ومن القرنفل عشرين درهماً ومن الزعفران خمسة دراهم ومن الورد خمسة عشر درهماً ومن السليخة الحمراء الرقاق والسنبل من كل واحد ستة دراهم يدق الجميع بأسره ويطحن ويحمص بماء الورد ويبخر بالعود الند والكافور والزعفران تبخيرا جيدا فإنه يجئ غاية من الغايات:

стр. 174

كيفية تناول الأشنان: أشنان الملوك والرؤساء هو طيب من جملة الطيوب وهو يجعل في أشنان دان له غطاء يحفظ رائحته ويكون له ملعقة يناول بها الغلام الأشنان ولا يلمس باليد البتة ولا سيما يد الغاسل فإنه أن أدخل يده فيه زفرة فسد جميعه لسرعة قبول الطيب الفساد بدخول أدنى سبب من الرائحة الكريهة عليه للطف جوهره، كان بعض الظرفاء إذا قدم إليه الطعام تناول بعض الأدهان العطرة الطيبة فسمح بد يديه فلا يتمكن الزفر من مسامها ولا يعلق بهما طائل منه والذي يعلق يسهل زواله بأدنى غسل، وقالوا كان كسرى في زمن السفرجل يتناول قطعة سرجل وفي غير زمانه يتنول مرباه فيأكلها عندما يقدم إليه الطعام فينسد خلل ما بين أسنانه وعموره بالسفرجل فلا يعلق بهما من مضغ اللحم طائل وكان يستعمل على مائدته بين كل لونين ملعقة رمان ليغسل فمه من الطعام الأول فيذوق الطعام الثاني خالص الطعم من شوب الطعام الأول فيدرك فرق ما بين الطعامين ويلتذ بكل واحد بمفرده ومن آداب الملوك أن لا يغسل الإنسان يديه في مجلس الملك أو بحضرة الرئيس ولا بحيث يراه إلا بإذنه وكذلك يصنع في الخلال فإنه من أسوء أدب الجليس وأن أذن الرئيس لجليسه في الغسل وأحب أن يتخلل فلينعزل بحيث لا يراه ولا يقع نظر الرئيس عليه. وحكى أن أول غضب المعتصم على الأفشين وكان حظياً عنده أنه أكل عنده ثم دعا بالطست فغسل يده بحيث يراه المعتصم فقال المعتصم هذا التيس طويل اللحية يدعو بالطست حيث أراه ثم من آدابه لمن يؤذن له أن يستقصى إزالة لزفر ولا يقصر في غسل يده. ويحكى أن رجلاً قصر في غسل يده دعوة بعض الظرفاء فقال له الدعوة أنق يدك وإلا دنست منديلنا، وكان عبد الله بن سلمان يبطئ في غسل يده ويقول من حكم اليد أن يكون زمان غسلها بمقدار زمان أكلها، وسأل المأمون اليزيدي معلم ولده العباس عن أخلاقه فأخبره انه لا يفلح ولا همة له قال كيف علمت ذلك قال رأيته قد ناوله الغلام أشناناً فاستكثر ما وقع في يده منه فرده في الأشنان دان ولم يلقه في الطست فعلمت أنه بخيل والبخيل لا يصلح للملك فكان الأمر كما قال وليحترز عند غسل اليدين من الرشش على من يليه أو نفض يديه بالماء إذا فرغ أو التنخع في الطست أو المخاط فيه. الخلال: روى عن رسول الله ﷺ أنه قال تخللوا فإنه نظافة والنظافة من الإيمان والإيمان مع صاحبه في الجنة، وفي حديث عمر (السواك بعد الطعام يذهب وصر الطعام، وفي حديث آخر أنه هـ ﷺ أمر بالخلال ونهي عن أن يتخلل بالرمان والقصب وقال أنهما يحركان عرق الآكلة وفي رواية يحرك عرق الجذام، وفي كتاب طب أهل البيت ﵈ عنه ﷺ الخلال يجلب الرزق، وفيه من تخلل بالقصب لم تقض له حاجة سبعة أيام، وعن أيوب الأنصاري عن رسول الله ﷺ قال حبذا المتخللون قالوا يا رسول الله ما المتخللون قال التخلل من الطعام فإنه ليس شيء على الملك الذي على العبد أن يجد من أحدكم ريح الطعام، والخلال عمله من الصفصاف وعيدان الخلاف وطبع الصفصاف بارد يابس قليل الأضرار بالأسنان كثير النفع لها وهو أجود ما استعمل وخللت به الأسنان من الزهومات مأمون عليها. ومن مستظرف المعاني وان لم يكن من غرض هذا الفصل لكن الحديث شجون ما أنشدنيه من لفظه لنفسه ونقلته من خطه بالقاهرة المحروسة سيدنا أقضى القضاة بدر الدين محمد المخزومي المالكي الشهير بالدماميني ﵀: أفديه من ظبي غزالي ... بلواحظ تبغي قتالي ورآه يضمر بالجفا ... في خاطر منه وبال ما للعذول إذا أبح_ت لحسنه روحي ومالي والجسم من عشق لذا_ك الثغر أصبح كالخلال رجع إلى ما كنا فيه والخلال المأمون هو زهر قضيب نبت في الصحراء يقال أنه الجزر البري وهو حار يابس بزره إذا أستف ألقى الدود من الجوف وإنما سمى المأمون لقلة أذاه للأسنان واللثة للينة وهو خلال تستعملها العوام من الناس.

стр. 175

الأدب في الخلال: قال صاحب سرور النفس ورأيت في زماننا من يغلظ في تناول الخلال فأني رأيت في بعض مجالس الوزراء من الطستدارية من يضع الخلال خلف أذنه ويقدم الطست ثم يناوله مخدومه من ذلك الموضع وهو موضع قذر لا يخلو غالباً من أذى ولو كان حامله انظف الناس وأظرفهم وأما تنوله فأني رأيت كثيراً بعد الفراغ من الغسل ليده وفمه ورفع الطست يتناول الخلال وذلك خطا من وجهين: أحدهما انه إذا تخلل وهو مغسول الفم خرج اللحم من عموره وأسنانه إلى فمه فعاد الزفر وبطلت فائدة الغسل، والأخرى انه يلقى ما خرج بالخلال على البساط وحيث اتفق من مواضع مجالسه وتلك قذارة وغن كانت محقرة المقدار فالتنزه عنه أشبه بذوي الأقدار. وآداب المناولة في الخلال أن يكون مع الطستدار ملفوفاً في ورقة بيضاء فإذا أخرجه وضع إحدى رأسيه بين أصبعيه السبابة والوسطى ومد به يده للرئيس وهو قائم فيتناوله الرئيس وهو على الطست فيتخلل ويلقى ما يخرج بالخلال في الطست أيضاً ويلقى الخلال في الطست ثم يغسل يده وفمه، وقال: ومن اقبح ما رأيت في أخذ الخلال أن بعض الرؤساء يتناول الخلال بيده وهي زفرة فيرشقه في شعر لحيته ويغسل يديه ويتحدث طويلاً والخلال مغروز في لحيته وذلك أقبح ما يكون ورأيت هذا الرئيس الذي أشرت إليه يأخذ الخلال بعد غسل يده وتنظيفها ومسحها بالمنشفة فيستعمل الخلال ويضعه في شعر لحيته تظرفا منه، قال كناجم واخذ الخلال من المروءة لتنظيف الأسنان وتنقيتها من زفر اللحم لن اللحم إذا بات في الأسنان أنتن لا سيما إذا كان فيه صلابة والخبز أيضاً إذا بات في الأسنان انتن الفم وصفر الأسنان. استشارت امرأة امرأة في رجل تتزوجه فقالت لا تفعلي فإنه وكلة تكلة يأكل خلله ووكلة وتكلة بمعنى واحد كرر للمبالغة وهو الذي يتكل في الأمور على غيره ولا يباشرها بنفسه والتاء في تكلة واو كما قالوا في تراث وهو من وراث والخلل ما يخرج من بين الأسنان عند التخلل قال أبو هلال العسكري وليس في اللوم شيء من الكلام أبلغ من هذا ولبعضهم فيه: وناولني من كفه شبه خصره ... وشبه محب ذاب من طول هجره وقال خلالي فلت كل حميدة ... سوى قتل صب حار فيك بأسره وقال الفقيه أبو الحسن بن عبد الكريم الأنصاري: وخلال صنع السقم به ... من نحولي في الهوى ما قد وجب أذهب الجسم وأبقى رأسه ... وكان الرأس كالجسم ذهب مغرم بالبيض يسعى نحوها ... لارتشاف الثغر أو ورد الشنب

стр. 176

في الاحتياط باعتبار الأسباب المتعلقة بغسل اليد المؤدية إلى الهلاك ذكر جماعة من المصنفين وفي كتاب شاناق وزنطاح الهنديين صفات مياه تمتزج بماء القراح وتخفى فيه فمن اغتسل بها او تمضمض منها اتصل به بمسام جلده ولهواته داء مهلك ومنها ما تحمر به الأسنان ومنها ما ينفع فيه الخلال ومنها ما يجعل في الثياب والمناشف والمناديل ومنها ما يجب من حفظ مهج مدبري دولهم والذي يجب الاحتياط فيه أربة: الأشنان والماء والمنشفة والخلال ولكل واحد منها نوع من الاحتياط يخصه أما الأشنان والماء فوجه الاحتياط فيهما هو ان الغلام إذا قدم الطست جثا على ركبته ثم قدم قدح الأشنان والمحلب أو البنك ففتحه ثم أخذ الملعقة فحرك بها الأشنان جميعه حتى يقلبه ظهر البطن ثم يتناول برأس الملعقة منه يسيرا قدر الدرهم أو ما يقاربه فيجعله في كفه ثم يستفه ميعمد إلى الإبريق فيمسكه بيده اليسرى ويبسط يده اليمنى ويجمعها قليلاً ويصب فيها الماء من الإبريق ويشربه على أثر سف الأشنان ثم يوضع الإبريق ويناول الرئيس الأشنان بالملعقة ويسكب عليه الماء وأما المنشفة فإنه يكون مع الغلام منشفتان إحداهما يناولها للرئيس عندما يقدم الطست يضعها مبسوطة على حجرة تقي ثيابه رش الماء الزفر والأخرى تكون مطوية معلقة في وسطه على طيها وهي التي يجفف يده بها فهذه إذا وضع الطست بين يدي الرئيس أو الملك حواشيها باليمنى إلى آخرها ثم يقيمها قائمة ويقبض عليها بيده اليسرى من تحت اليمنى ويستلها بيده اليسرى سلتا قوياً ثم يمسكها باليسرى من وسطها ويثنيها ويقبض عليها باليمنى من تحت يده اليسرى وهي مثنية كما فعل باليسرى وهي غير مثنية ثم يستلها باليمنى إلى آخرها ثم يجمعها بين يديه ويفركها ثم يقبض عليها من حاشيتها الأخرى ويقيمها قائمة كما جعلها في المرة الأولى ويسلتها بيده حتى يستوى تجعيدها ثم يعلقها في وسطه وحينئذ يجثو لمناولة الأشنان وأما الخلال فقد ذكرنا أنه يجب أن ينقع ليلة أو ليلتين ويعوج عند التخلل لئلا يتشظا بين الأسنان فيكون له قدح صغير من زجاج طول الإصبع بحيث تدخله الإصبع يجعل فيها ماء ورد أو ماء قراح وماء الورد انفع لأن فيه قبضا تنتفع به الأسنان ويشد اللثة ثم يترك فيه الخلال قبل الحاجة إليه فإذا احتيج غليه اخرج الغلام قدح الخلال مغطى بغطاء محكم مغلفا بغلاف من أديم معدود له يعلقه الغلام في وسطه فيعمد إلى ماء الورد أو الماء الذي يكون فيه الخلال واليسير منه يجري فيصبه في راحته ويشربه جميعه ثم يناول الرئيس حينئذ الخلال على الصور السابقة في مناولته تم ذلك. وفي ربيع الأبرار للزمخشري: أول من عمل الصابون سليمان ﵇، ولبعض الأدباء في رئيس بيده صابونة: صابونة في راحتي ماجد ... قد أضحت السحب لها حسدا تلاطم البحران من حولها ... فزصبح الموج بها مزبدا الباب الثاني والثلاثون في الماء وما جرى مجراه قالوا وينبغي أن لا يشرب الماء على المائدة ولا بعد الأكل إلى أن يجف أعالي البطن إلا بمقدار ما يسكن بعض العطش ولا يروى منه ريا واسعاً حتى إذا جف البطن وانحدر الطعام استوفى منه ومن المشروب وفي آداب شرب الماء أحاديث نبوية ومنها أدبية حض عليها العلماء في مراعاتها أما الشرعية فلا يشرب قائماً روى عن رسول الله ﷺ أنه قال لو يعلم أحدكم ما في بطنه إذا شرب قائماً لاستقى، ومنها أن تمز الماء مزا ولا تعبه عبا وروى عن النبي ﷺ أنه قال الكياد من العب والكياد داء الكيد، ومنها أن لا يستوفى الماء إلى آخره ومنها أن يناول من على يمينه ومنها أن لا يشرب من ثلمة الإناء هذه كلها من الماء إلى آخره الدين ومن آداب الماء أن يجلس ويتناول الكوز بيمينه ويسمى الله وينظر في الإناء قبل الشرب ويضع يده اليسرى من تحته لعله يكون قد وضع على موضع يقطر منه على ثيابه قطرة غير نظيفة ثم يشرب ثلاثة أنفاس ولا يتنفس في الكوز ويحمد الله تعالى بعد الشرب وأن يسر أن كان معه غيره.

стр. 177

آداب شرب الماء في مجلس الملوك اتفق أكابر العلماء بالأدب أن استدعاء الكوز في مجلس الملك والرئيس وشرب الماء في مواجهته من سوء الأدب وأما مجلس الملك خاصة فلا سبيل إلى شرب الماء فيه البتة، ذكر في سيرة كافور الأخشيدي حكاية ينتفع بسماعها من يلزم مجالس الملوك قالوا كان أبو جعفر مسلم وأبو الفضل جعفر بن الفضل الوزير عند كافور عشية صيف ولم يكن عنده غيرهما فقال لهما قد اشتد الحر وللثلج أيام ما جاءنا من الشام وما كان كافور يذوق الثلج وغنما كانت الكيزان توضع عليه فيشرب منها وبهذا سلم من ضرر الثلج فبينما هم كذلك إذا خبر بمجيء الثلج فقال هاتوا ثلاث كيزان فجاءوا بها فأخذ كافور كوزاً فشربه واخذ أبو الفضل كوزاً وشربه وأخذ أبو جعفر كوزاً وقام فخرج من المجلس وشربه ثم عاد وأكب على يد كافور ثم قعد أبو جعفر ساعة وانصرف وأراد أبو الفضل أن ينصرف فشاغله كافور ثم قال هاتوا أبا اليمن فجاء فقال زد في جزاءة الشريف أبي جعفر ألف دينار في كل عام وإنما اجلس أبا الفضل ليريه مكافأته لأبي جعفر عن حسن أدبه معه في شرب الماء. كتب أبو الخطاب الصابي إلى عمه أبي اسحق الصابي مع كوز ما بعث به إليه شرط المودة أطال الله بقاء سيدي أن لا أنفرد دونه بلذة ولا اختص قبله بعطية إذا كان لا فرق بين محبتي ومحبة ولا فصل بين مبرتي ومبرته وقد شربت الساعة في هذا الكوز فوجدته أعذب ارتشافا من الأفواه وأحلى مصا من الشفاه وأصفى جوهراً من فاخر الدر وأنقى من الثنايا من المسك الأذفر: رقت حواشيه فخ ... ف على الأنامل والقلوب فكأنه مستعمل ... من طيب أنفاس الحبيب يتم على القدا ولا يحول بين الماء والهوى يلطف عن صفاء الزجاج ولا يحوج الغلام إلى الثلاج أن أفرغ شف وان أترع رف تتساوى المياه فيه عذوبة وتعجب العيون قبل النفوس رؤية: اشهى إلى الأبصار من ... وجه الحبيب بلا رقيب تهدى لنا أنفاسه ... ما فيك من كرم وطيب حتى كان طينته من طينتك وعذوبته مشتقة من عذوبتك وقد أنفدته مملوءاً إليك لتعلم أن قبلى مملوء من المحبة عليك والسلام. وقال صالح بن يونس في كوز ومرفع: أم الحياة على سرير من نحاس ... عريانة أبداً بغير لباس هي في الممات لدى الورى معدودة ... لكنها ضمنت حياة الناس وأهدى رجل لرئيس كيزانا وكتب إليه: ما بعثت الكيزان إلا احتيالا ... جعلت مهجتى وروحي فداكا منعتني الأيام تقبيل كفي ... ك فأرسلتها تقبل فاكا ولا يسمى الكوز كوزاً لا إذا كان له عروة وإلا فهو كوب وعى ذلك فسر قوله (بأكواب وأباريق) ولذلك نظائر في اللغة وهو ما أن المائدة لا يقال لها مائدة إلا إذا كان عليها الطعام وإلا فهي خوان كما تقدم ولا يسمى الكأس كأساً إلا وفيه شراب وإلا فهو قدح وإلى ذلك أشار العلامة ذو الوزارتين وأمام العروتين لسان الدين أبو عبد الله محمد بن الخطيب وزير صاحب الأندلس وكاتم سره في قوله لما وقف على كتاب ديوان الصبابة تأليف الشيخ شهاب الدين احمد بن أبي حجلة مخاطباً له على قوله في الكتاب المذكور: كتاب حوى أخبار من قتل الهوى ... وسار بهم في شرق ومغرب مقاطيعه مثل المواصيل لم تزل ... يشيب فيها بالرياب وزينب قوله هذه الأبيات: يا من أدار من الصبابة بيننا ... قدحا ينم المسك من رياه وأتى بريحان الحديث فكلما صبح النسيم براحة حياه أنا لا أهيم بذكر من قتل الهوى ... لكن أهيم بذكر من أحياه أنشدني هذه الأبيات المرحوم فخر الدين بن مكانس وذكر أن شهاب الدين بن أبي حجلة أنشده إياها وأنه تبجح بكونه مدح كتابه قال فقلت له يا شيخ شهاب الدين خثر عليك لسان الدين وذكر أن كتابك فارغ من المحاسن قال وكيف ذا قلت لقوله: يا من أدار من الصبابة بيننا ... قاحا ينم المسك من رياه أما علمت أن الكأس لا يقال له الكأس إذا شرب وإلا فهو قدح فامتغص له شهاب الدين وأخبرني أن لسان الدين عارضه بكتاب سماه روضة التعريف بالحب الشريف في التصوف انتهى.

стр. 178

رجع إلى ما كنا فيه سأل رجل الشيخ أبا الفرج بن الجوزي رحمه اله ما لنا نرى الكوز الجديد إذا صب فيه الماء نش وخرج منه صوت فما معناه قال له يا ولدي ذاك صوت شكواه يشكو إلى برد الماء مالقيه من حر النار فقال السائل فما لنا نراه إذا ملأناه لا يبرد فإذا نقص برد فقال الشيخ حتى تعلموا أن الهوى إلا يدخل إلا على ناقص، وذكر الوداعي في تذكرته قال حدثني جماعة من أهل عانة وهيت بالعراق أنه إذا كان أو أن الأربعينات ملئت فإذا انقضت رفعوها إلى زمان الصيف وشربوا فيها الماء فإنها تبرده برداً كثيراً يقوم مقام الثلج انتهى. قلت: وذكر لي الوزير فخر الدين بن مكانس ﵀ إن ماء طوبا إذا شيل إلى الصيف وسكب منه في آنية الماء برده إلى الغاية وغن ماء هذا الفصل لا يفسد إذا شيل بخلاف غيره من الفصول، وما احسن قول ابن عبد الظاهر ملغزا في شربة: وذى أن بلا سمع ... له قلب بلا قلب إذا استولى على حب ... فقل ما شئت في الصب قال وأهل مصر تقول للزير الحب وإليه أشار المرحوم فخر الدين بن مكانس في السبيل أنشأه الوزير الملكي الشهير بالنشو بجامع عمرو بن العاص (آمين: أنشى القصيم النشو لما أرتقى ... وزارة زادته في وزره بالجامع العمري سبيلا وقد ... قالت لنا عنه بنو مصره هذا سبيل حاله فاسد ... وزيره يرشح من قعره أنشدني الشيخ شمس الدين الرئيس لنفسه وكتبها على الخوابي: ترفق أيها الساقي ... وزد في الطف بالصب وداو القلب لي واعلم ... بأني منزل الحب فصل: في المحمود من المياه قال ابن النفيس في الموجز أفضل المياه مياه الأنهار وخصوصاً الجارية على تربة نقية فيتخلص الماء من الشوائب أو على حجارة فيكون أبعد عن قبول العفوفة وخصوصاً الجارية إلى الشمال المشرق وخصوصاً المنحدرة إلى أسفل وخصوصاً إذا بعد المنبع فإن كان مع هذا خفيف الوزن يخيل لشاربه انه حلو ولا يحتمل الشراب منه إلا قليلاً فذلك هو البالغ وماء النيل قد جمع أكثر هذه المحامد وماء العين لا يخلو من الغلظ وأردأ منه ماء البئر وما النز أردأ وأما الشرب على الريق وعقيب الحركة وخصوصاً الجماع وعلى الفاكهة وخصوصاً البطيخ فردئ جداً سواء كان المشروب ماء أو شراباً فإن لم يكن بد فقليل من كوز ضيق الرأس امتصاصاً وكثيراً ما يكون عطش عن بلغم لزج أو مايح وكلما روعى بالشرب حركه فإن صبر عليه أنضجت الطبيعة المادة المعطشة وإذابتها فيسكن من ذاته وفي مثل هذا كثير ما يسكن بالأشياء الحارة كالعسل.

стр. 179

قلت وعلى ذكر النيل فلا بأس بإيراد نبذة مما قيل فيه، قال الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة في كتابه السكران ذكر المهدوى في تفسيره عن عبد الله بن عمر (أن الله تعالى سخر للنيل كل نهر يجري على وجه الأرض في المشرق والمغرب وذلله له فإذا أراد الله تعالى أن يجري نيل مصر أمر كل نهر أن يمده فإذا انتهى جريه إلى ما قدره الله تعالى أمر كل نهر أن يرجع إلى عنصره ومصداق هذا إلا ترى أن النيل مخالف لكل نهر على وجه الأرض لأنه أن يزيد إذا نقصت وينقص إذا زادت لأنها والله اعلم تمده بمائها، وفي أصل النيل أقول للناس حتى ذهب بعضهم إلى أن مجراه من جبال الثلج وهي بجبل قاف وأنه يخترق البحر الأخضر بقدرة الله تعالى ويمر على معادن الذهب والياقوت والزمرد فيسير ما شاء الله تعالى إلى أن يأتي بحيرة الريح قال الحاكي لهذا القول ولولا ذلك يعني دخوله في البحر المالح وما يختلط به منه لما كان يستطاع أن يشرب منه لشدة حلاوته وقال قوم مبدأه من جبل القمر وانه ينبع من اثني عشر عينا واختلف في سبب زيادته ونقصانه فقال قوم لا يعلم ذلك إلا الله تعالى وكان الملك الصالح نجم أيوب يشتهى أن يعرف أصل هذا النيل فرسم أن تشتري عبيد صغار زنوج وما شاكلهم جلب لم يسعربوا وسلمهم لصيادي السمك والبحارة ليعلموهم صنعة البحر وصيد السمك وان يكون قوتهم من السمك لا غير فإذا مهروا في ذلك تصنع لهم مراكب صغار ليركبوا فيها ويأتوه بخبر النيل وكان فرعون يحي خراج مصر في كل سنة ألف ألف دينار فيأخذ الربع من ذلك لنفسه وأهل بيته وبيت ماله والربع الثاني لوزارته وامرأته وكتابه وجنده ويكنز الربع الثالث ذخيرة ويصرف الربا الرابع في حفر الخلجان وسد الترع وعمل الجسور ومصالح الأرض وكان في كل سنة إذا كمل التخضير ينفد مع قائدين من قواده أردبين من قمح فيذهب أحدهما إلى أعلى مصر والآخر إلى أسفلها فيتأمل القائد كل ناحية وأرض كل قرية فإن وجد موضعاً بائراً عطلا قد أغفل بذره كتب إلى فرعون بذلك وأعلمه اسم العامل وأخذ ماله وولده فربما عاد القائدان ولم يجد أحد منهما موضعاً لبذر الأردب لتكامل العمارة واستظهار الزرع وجباها عمرو بن العاص اثني عشر ألف دينار وكان ذلك أول دخوله إياها والكلام على ذلك طويل (ومما) قالت الفضلاء في النيل المبارك فمن ذلك قول علاء الدين والوداعي: روَّ بمصر وبسكانها ... شوقي وجدد عهدي الخالي وصف لي القرط وشنف به ... سمعي وما العاطل كالحالي واروا يا سعد عن نيلها ... حديث صفوان بن عسال وقال الشيخ زين الدين بن الوردي: ديار مصر هي الدنيا وساكنها ... هم الأنام فقابلها بتقبيل يا من يباهي ببغداد ودجلتها ... مصر مقدمة والشرح للنيل وقال الشيخ صلاح الدين الصفدي: رأيت في أرض مصر مذ حللت بها ... عجائباً ما رآها الناس في جبل تسود عيني في الدنيا فلم أرها ... تبيض إلا إذا ما كنت في النيل وقال الشيخ جمال الدين بن نياتة: زادت أصابع نيلنا ... وطمت فأكمدت الأعادي وأتت بكل جميلة ... ما ذي أصابع ذب أيادي وقال الشيخ برهان الدين القيراطي: لنيل مصر كمال في زيادته ... وفضله غير مخفى ومكتتم إذا بدت لك من تياره شيم ... رأيته طاهر الأوصاف والشيم وقال الشيخ شمس الدين بن الصائغ رحمة الله: سما النيل إذ يحكى السما في انبساطه ... فللَّه ما أحلى وأصدقه حاكى تسير به الأفلاك شرقاً ومغربا ... وحافاته ايضاً تحف بأملاك وقال الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلى: نشروا القلوع وبشروا بوفائه ... الراية البيضاء عليه بالوفاء وقال الشيخ بدر الدين بن الصاحب: لله يوم الوفا والخلق قد أجمعوا ... كالروض تطفو على نهر أزاهره وقال الشيخ سديد الدين بن كاتب المرج: يا نيل يا ملك الأنهار قد سقيت ... منك البرايا شرابا طيبا رغدا وقد دخلت القرى تبغي منافعها ... فمعها بعد فرط النفع منك أذى فقال تذكر عني أنني ملك ... وتثنى ناسيا أن الملوك إذا وقال إبراهيم المعمار: سمعت يوماً سد مصر يقل ... النيل وافي زائداً عندي فكأن هذا خبر صادق ... فرحت أرويه عن السدي

стр. 180

وفي هذه النبذة كفاية وعلى الجملة فمحاسن النيل مستكثرة ولو استوعبنا ما للفضلاء في ذلك من النظم والنثر لحفيت من تسطيرها الأقلام وضاقت صدور الأوراق وما أحق هذه المقاطيع أن تسمى مقاطيع النيل. رجع إلى ما كنا فيه أنشدني من لفظه لنفسه ونقلته من خطه الشيخ الفاضل زين الدين ابن العجمي ﵀ ملغزا سألتك أعزك الله عن سائل لاحظ له في الصدقة وغن لم يكن متصل النسب بالإشراف كثير الرجفان من غير أن يخاف كم يرد سائله نهرا وعفر وجه فاقده بالتراب قمرا مذكر كثير الحيض لطيف الانبساط سريع الغيض مطلق التصرف وعليه الحجر وطالما قبل العشاء أبدى لنا الفجر يتشعب ويتكسر ويتعوج ويتدور وله خمسون عيناً وأكثر يحمل القناطير المقنطرة ويعجز عن حمل إبرة سريع الاستحالة قل ما يثبت على حاله بعيد الغوص ليس له قرارا يعاجل صفاء وراده بالاكدار يسكن في تخوم الغبرا وينم على أحوال أهل السما رقيق القلب على كل عديم وكيف لا وهو الولي الحميم يجود بأفخر الحلى ولا يرد من نداه مؤملا كم عمر سبيلا وقطع طريقاً وأخاف سبيلاً كم طفا واحترق وأظهر الحقائق وهو كثير الملق كم علا درجاً وحط قدر الدقائق وقلع بأصابعه عين كل مارق وكم طهر أمما من أرجاسها وأماط عن أرض رديئ أدناسها وكم درأ عن شيخ خبثا ورفع كهلا وحدثا صقيل يجلو الصدا ويظهر على شدة البرد تجلدا يبلغ فيه بشئ يسير مقاماً لا ترقى إليه همة الملك الكبير كم أباح محرماً للعباد واكثر الفساد في البلاد وكم رأينا شموساً تجرى لمستقرها فيه وتجنح وتلوح في فلكه وتسبح كم خاص في ذاته خائض مع كثرة سياحته وربما وجد في الجبال رابض قد جمع فيه الخوف والرجا والكدر والصفا ومن العجائب انه كافر وكم أعان على العبادة أهل الصلاح وأضاف نزيله بالميتة ولم يخش في ذلك من جناح فسبحان من جمع فيه الأضداد وأرسله رحمة للعباد. وقال أبو الفضل أحمد بن محمد الخازن فيه: وخل صفاء زرته بعد هجرة ... فألقيت شخصي في حشاه مصوراً وادعته سرا فأفشاه للورى ... فيا حسن ما أفشى الغداة واظهر أبو حليف للثريا وأمه ... به حامل في بطن منخفض الثرى سطح له جسم بغير جوارح ... يبارى الرياح الجاريات إذا جرى تصافح كفى منه كفا رطيبة ... يخادع عيني كالخيال إذا سرى تزر عليه الريح ثوبا مفرَّكا ... ويكسوه شهب الليل ثوبا مدثرا وقال أبو الحسن الباهرزي ملغزا: لا أحاجي في زمرة الفضلاء ... فير خل خصصته بأخائي في شبيه البلو ردَّ إلى الماء ... وقد كان قبل عين الماء ينذر الحر بالهزيمة بردا ... فهو المنذر بن ماء السماء وأنشدني المقر الاشرف المرحوم أبو عبد الله محمد بن الأنصاري صاحب ديوان الإنشاء بالشام لنفسه حكاية حال: ضلو عن الورد لما انهم رحلو ... قومي فظلوا حيارى يلهثون ظما والله أكرمني بالورد دونهم ... فقلت يا ليت قومي يعلمون بما وعلى ذكر الماء ذكرت ما أنشدنيه من لفظه لنفسه شيخاً العلامة أقضى القضاة بدر الدين أبو عبد الله محمد المخزومي المالكي الشهير بالدمامينى ملغزا في قرية وكتب به إلى المرحوم الأميني صاحب ديوان الإنشاء على يد مسطرها: أكاتب سر الملك والفاضل الذي ... ثناه على الأفكار فرض مرتب ومن فاه في فن البديع بمنطق ... فأمست غويصات المعاني تهذب تحدّث عن سهل رواة كومه ... إذا ما أتاه اللغز يرويه مصعب فديتك ما ذات أطالعكم بها ... ويبحث في الأسفار عنها ويطلب تشدَّ وكم في الأرض قارا ما لها ... فصدق إذا ما قيل تملى وتكتب وما هي في التحقيق رواية وكم ... لها خبر في الذوق يحلو ويعذب مليحة شكل يألف الحب صبها ... زمانا وفي وقت لها يتجنب ويبلغ منها للحياض حقيقة ... ولكن رأينا قلبه وهو طيب يزيد مريدوها إذا ما تصوَّفت ... ويشكرها أهل الزوايا ويطنبوا لها أربع لكن بساق رأيتها ... على السعى في الأحياء بالنقع تدأب وترضع أحياناً وما حان وضعها ... وكم من فتى في حملها راح يرغب وتحمل ما فيه الحياة لربها ... فيا حبذا منها البسيط المركب
следующие страницы →