Полный текст (317 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
فعصبة العوام ... ضرب من الأنعام
وإن صحبت تركى ... فاصبر لأكل السكك
هذا إذا تلطفا ... ولم يكن فيه جفا
وإن يكن ذا عربده ... ونزعة منكدة
يقوم للجلوس ... بالسيف والدبوس
أبشر بقتل القوم ... ونحس ذاك اليوم
فاقبل كلامي واعتمد ... وصيتي واصل وفد
ولا تخالف تندم ... ولا تعزز تعدم
فالشؤم في اللجاج ... والحر لا يلاجى
فهاكها وصية ... تصحبها التحية
يحملها الكرام ... إليك والسلام
الفصل الرابع
في استهدائها واستدعاء الإخوان
كتب ابن العميد إلى بعض أصحابه يستهديه خمرا قد اغتنمت الليلة أطال الله بقاء سيدي ومولاي رقدة عين الدهر وانتهزت فرصة من فرص العمر وانتظمت مع أصحابي كالثريا فإن لم تحفظ علينا ما نحن فيه من النظام بإهدائي المدام عدنا كبنات نعش والسلام.
وقال جحظة البرمكي يستهدي نبيذا (توفي سنة ست وعشرين وثلاثمائة ﵀ :
قد زارني اليوم نور عيني ... وكان بالأمس صدّ عني
وليس عندي له نبيذ ... وليس يرضى بذاك مني
فجد علينا بنصف دن ... بربع دن بثلث دنى
لا تنكرن كدني وشحتي ... فإنني شاعر مغني
حالا لو خافا مليكا ... إذا لكدي بكل فن
وكتب عبد الرحيم بن أحمد القاريس خوى إلى أخيه الأكبر:
بلغ جمال الدين عبد الواحد ... صدر الأنام الماجد بن الماجد
برد الهوا زاد في قلبي الهوى ... فانعم علي بقلب ضد البارد
وأنشدني الصاحب المرحوم فخر الدين بن مكانس من لفظه لنفسه:
براح ورمان بعثت إليكم ... وبسر وتفاح تضوع كالند
كما حليت بكر على الشرب ناهد ... مقمعة الأطراف قانية الخد
الاستدعاء قال بعضهم:
تفضل بحق الكأس والراح والهوى ... وترجيل أصداغ غدون على خد
وكن غير مأمور جواب كتابنا ... ولا توحشنا بالتعلل والوعد
ولآخر:
جعلت فداك قد حضر الطعام ... وضجت من تأخرك المدام
فإما جئتنا عجلا وإلا ... أخذنا في اغتيابك والسلام
وكتب أحمد بن يوسف إلى صديق له هذا يوم رقت حواشيه وبدت تباشير الحبور فيه والمرء بأخيه كبير وبمساعدته جدير وأنت قطب السرور ونظام الأمور فلا تتأخر عنا فنقل ولا تتفرد منا فنذل.
وقال عبيد الله بن طاهر (توفي سنة ثلاثمائة) :
القدر قد هدرت والدن مبذول ... والروض قد رش والريحان مبلول
وقرت العين قد جاءت بمزهرها ... يصيح في يدها والنائي مشغول
ولا يتم لنا عيش ولا طرب ... حتى نراك فأنت القصد والمسئول
وكل عيش بلا راح ومسمعة ... ولا نديم ولا أنس فتعليل
يوم التلاق قصير كيف طال لنا ... وغيره فيه مع أبعاده طول
وقال آخر نحن في مجلس قد أبت راحته أن تصفو أو تتناولها يمناك وأقسم غناءه لا طاب إن لم تعه أذناك فإما خدود تاريخه فقد احمرت خجلا لإبطائك وأما عيون نرجسه فقد حدقت تأميلا للقائك ونحن لغيبتك كعقد قد ذهبت واسطته وشباب قد أخذت حدته فإذا غابت شمس السماء عنا فلابد أن تدنو شمس الأرض منا فإن رأيت أن تحضر لتتصل الواسطة بالعقد ويحصل بقربك في جنة الخلد فكن إلينا أسرع من السهم إلى ممره والماء إلى مقره.
وقال الوزير أبو القاسم بن السقاط يومنا أعزك الله يوم بقيت شمسه بقناع الغمام وذهبت طاسه بشعاع المدام ونحن في قطار الوسمى في رداء هدى ومن نضير النوار على نضائد النضار ومن نواسم الزهر في لطائم العطر ومن غرر الندمان بين زهر البستان ومن سقاة الكئوس ومعاطي المدام بين مشرقات الشموس وعواطي الأرام فرأيك في مصافحة الأقمار ومنافحة الأنوار واجتلاء غرر الظباء الجواري واتقاء درب الغناء الحجازي موفقا إن شاء الله تعالى.
وقال محمد بن أبي محمد بن الفياض كاتب سيف الدولة بن حمدان وقد أجلتنا يومين وهذا ثالث وأعطيتنا عهدين وكنت الناكث فهل ابتدعت ما أتيت أو كان لك عليه باعث فيا قسيم روحي ويا نسيم صبوحي ها قد آن الغبوق إلا أنه يعز بمرشف شفتيك وكأس عينيك ووالله لا شربت إلا على آس عذارك وورد خديك فابرر قسمي ورد الجواب من فمك إلى فمي.
стр. 72
وقال القاضي السعيد بن سناء الملك وقد انتظمنا انتظام الجمان واجتمعنا على رغم أنف الزمان وعندنا فلان وما أدراك ما فلان تارة ينظر فيملأ علينا البيت سحرا وتارة يبسم فيفرق علينا درا.
وقال أبو الوليد بن الحبان الشاطبي نحن في روض أغصانه الندماء وغمامته الصهباء فبالله غلا ما كنت لروض مجلسنا نسيما ولزهر حديثنا شميما وللجسم روحا وللطيب ريحا وبيننا عذراء زجاجتها خدرها وخبائها ثغرها بل شقيقة حوتها كمامه أو شمس حجبتها غمامة إذا طاف بها معصم الساقي فوردة على غصنها أو شربها مقهقهة فحمامة على فننها طافت علينا طوفان القمر على منازل الحلول فأنت وحياتك إكليلنا وقد آن حلولها في الإكليل.
وقال بدر الدين بن صاحب وكتب بها إلى الصاحب فخر الدين ابن مكانس تغمدهما الله برحمته وسامحنا وإياهم بمحمد وآله هل لك بسط الله آمالك وضاعف نعيمك ودلاك في عذراء مصونة كالدرة المكنونة فتانة مفتونة كأن على خدها فوق ورده ياسمينة مخدرة تدهش العقول لمجتلاها وتغشى العيون لضوئها سناها مظلومة الريق في تشبيهها بالضرب وفي اللثات وفي أنيابها شنب لها من ذاتها طرب يغني عن المزامير بلقسية الجمال لها صرح ممرد من قوارير ضرة للشمس تلبس زي البدور ليلين ويرطب بها عيش السرور ليلها من حسنها نهار وضوء وجهها ليد لامسها سوار الاسم صبية الاستمتاع بكر تستخف الحليم بكشف القناع تعصبت بالدجى طيبا وتلثمت بالصباح وتلطفت حتى مازجت الأرواح كريمة الأصل والفعال حسنة المعاني والخصال أديمها كلما يعنق يغلو ووردها كلما مر بحلو يخلع الوقور في حبها العذار ويطيعها بالسعد فلك اللهو المدار ثملة المعاطف تقهقه قهقهة الرعونة كأنما خلقت نشوانة من الطينة يزداد ثغرها طيبا في ساعة السحر وتعرف عينها المخفية بحسن الأثر حديثها السحر الحلال وعتيقها خلع الدلال أيامها أعياد وأوقاتها أوقات القلوب والأكباد تطيب عيش الجلاس وتفرك أذن الوسواس من القاصرات الطرف في كل قصر وهي على الإطلاق مليحة ذهبية العصر رومية لها بالكيمياء معرفة مع أنها بإدراك المطالب متصفة فتارة تقلب الأحزان أفراحا ومرة تكتال لك الذهب أقداحا نديمها يجد في نفسه تخاييل المملكة ويكاد أن يمد على الدنيا من لؤلؤة حباتها شبكة قينة كأنما غنت الفلك فنقطتها بالنجوم قارية تخلقت بعد أن تقمصت ببياض الغيوم تجمع شمل الأحباب وتهذب الأخلاق الصعاب لو خالطها حبل لماس أو قابلها جماد لقيل أنه كاس أو قتلت ندمائها لما نسبت إلى إياس ولقال لسان حالهم وفيها منافع للناس وتلطف حتى كأن رائيها سامع يطيب ويطرب وحتى يكاد يأكل بالضمير ويشرب تغايرت الاستقصاءات على شكلها النوراني وما نفثت في خلقها الجثماني الروحاني فلم يجد الطير له فيها مدخلا لكن قنع منها بالتلطيخ تطفلا على أنه وارثها بالتعصب وقل جدها للأم بلا تثريب أنفاسها مسكيه وطبائعها برمكية ومكارمها خاتمية وأنسابها قيصرية بكر خاتم ربها وهي ترضع أباها من حلبها فتعيد الشيخ صبيا والمشغول خليا فكأنها استعارت الإرضاع من أمها التي لها ثدي كالنجوم عدة وتعلمت منها المكارم لما رأت أكفها بالندى ممتدة غانية طعم الحياة في ريقها وضيق الموت في مباينتها وتطليقها لا تنزل الحوادث ساحتها ولا يعرف التعب من صافح راحتها حمراء تخلع ثوبها على الندمان بل تكاد تطبق عينها على الإنسان لا ينهض البليغ بوصفها فالعجز عن إدراك لطفها إدراك لطفها.
أخبرني الجناب المجدي سلمه الله تعالى أن والده أجاب عن هذه الرسالة جوابا مجزعا إلى الغاية وأن مسودتها عدمت.
وقال أبو الحسين بن بسام ليستنهض همه نديم (توفي سنة ثلاث وثلاثمائة ﵀ :
ألا بادر فلا تأن سوى ما ... عهدت الكأس والبدر التمام
ولا يكسل برؤيته ضبابا ... يظن به الحديقة والمدام
فإن الروض ملثم إلى ... أن توافيه فينحط اللثام
وقال الشهابي الأعزازي من موشحة أولها (توفي سنة عشرة وسبعمائة) : (يوجد شعر)
كأس رؤيه*
جلا علينا النديم*
أم سنا مصباح
أم شمس حسن*
قد توجتها النجوم*
في سماء الأقداح
ومنها:
وأجاد لنا خليل ... نراه منذ ليالي
(يوجد شعر)
غائبا عنا*وماء الشمول ... لذيذه وهو سالي
стр. 73
أيش منا*قل يا رسول ... نائبا في ظلالي
غيره: (يوجد شعر)
دوحه غنى زبرجديه*
ونم شادورنم*
وبقايا راح
ويوم دجن*
وقد دعاك النديم*
فأجب يا صاح
وقال الحكيم شمس بن دانيال يداعب:
شمس الدين قد أبطأت عنا ... لأمر قل لنا ماذا الجفاء
وقلت اليوم بعد العصر تأتي ... وبعد العصر يأتينا الجزاء
ونقلت من خط الصاحب المرحوم فخر الدين بن مكانس ما صورته كتبت إلى صاحبنا الأديب الفقيه العالم الحافظ الراوية أبي حفص سراج الدين عمر السكندري الشهير بالقوصي استدعبه وفيها بعض مداعبة: الحمد لله المجيب لمن دعاه:
يا ذا الذي فكره مثل اسمه يقد ... فندت عنا وما من شأنك الفند
بما اعتذارك عن هذا الصدود وما ... هذا وقد ضمنا بالحيرة البلد
عافاك ربك من داء القطيعة بل ... شفاك من كل داء أمره نكد
فيم التواني وشهر الصوم مقتبل ... عن خمرة ضوئها في الكأس يتقد
وفتية مخلصين الود قد جلبوا ... على المحبة لا حقد ولا حسد
إن ذاع وصفك في ناديهم طربوا ... أو جال ذكرك فيما بينهم سجدوا
إن لم تشرف بناديهم فاشرفوا ... أو لم تنفق لهم آدابهم كسدوا
لم ذا هجرت بنى الآداب فابد لنا ... فما اعتذارك لا أهل ولا ولد
قد صرت توحشهم بعد أوان قربوا ... وكنت تؤنسهم قربا وإن بعدوا
تركت عشرتهم لما رغبت إلى ... جاه طويل عريض زانه مدد
ما هكذا تفعل الدنيا بصاحبها ... فالناس بالناس والإخوان تنتقد
وبعد فاحضر فذنب العبد مغتفر ... ولو تطاول من هجرانك الأمد
أولا فعصبة فسق كلهم سبق ... سود غلاظ شداد مالهم عدد
لهم ايور قيام طول دهرهم ... من حين إدراكهم بالحسين ما رقدوا
كأنهم من حديد جمعوا زبرا ... يستوثبون فلا يقواهم الأسد
من كل اير تحك السحب هامته ... يهيج كالبحر إذ يبدو له زبد
مرنفل مكهعر مغضب شرس ... لظهره جملونات بها عقد
مسكرج الرأس في عرنينه شمم ... معشر الدوم في حلقومه غدد
تلك الأيور تراهم في نكورهم ... كأنهم تحت فسطاط السما عمد
ومن قرى رقعتي هذي وليس يرى ... عقبيه حاضرا لم يثنه أحد
مولاي إني محب فاتخذ كلمي ... نصيحة فعليها الخل يعتمد
يا در لنا فبنو الآداب كلهم ... تجمعوا من فجاج الأرض واحتشدوا
وأنت أدرى بقوم إن قلوا سلقوا ... بألسن ما لقتلي حربها قود
فأوعدوك وإن لم تأت نحوهم ... فكل منحر في الحال ما يعد
لازلت ترقى على زهر النجوم علا ... ما حلت الريح أقوام وما رصد
وكتب إليه يداعبه:
يوم عليك سعيد ... يبدي الهنا ويعيد
يا بحر علم خضم ... تأتي إليه الوفود
يا ناقض الود يا من ... شوقي إليه يزيد
ويا رقيق الحواشي ... ماذا الجفا والصدود
يا جامع الشمل يا من ... بما لديه يجود
قد غيرتك الليالي ... والجاه وهو شرود
فكيف تبدي نفارا ... منا ونحن عبيد
لم لا تتيه وتعلو ... على الورى وتسود
وأنت خلفك قوم ... كل قوى شديد
والناس شكوا وقالوا ... ما شاب منه الوليد
والشعر فيك توالى ... طويله والمديد
أصبحت كالبدر مراء ... وهو القريب البعيد
يا أكثر الناس نحبا ... قل لي لماذا العقود
وقد أتى الصوم فالمم ... بنا فقربك عيد
واغتنم شفاءك واشرب ... فقد أتتك السعود
واحضر إلينا إذا ما ... وافاك دن النضيد
فعندنا أن تزرنا ... ما نشتهي ونريد
راح وظبى وشاد ... يشجي الأنام وعود
تزوج الماء بالراح ... والملاح شهود
وأنت جوهر فضل ... به تحلى العقود
لازال عزمك والر ... أي مفلح ورشيد
يستخدم الدهر في ... ما تقره وتبيد
أيامه خدم وبي ... ض والليالي سود
وقال آخر نحن قوم من شيعة الخمر نحب العتيق قد فرضنا عنا يد الهم بسماع الوتر وأقمنا من ناصب الغم وعدك المنتظر.
الفصل الخامس
стр. 74
فيمن وصفها من الشعراء الأعيان
القول في الكرمة: الكرم أكرم الشجر جوهرا وأشرفها محتدا وعنصرا منافعها عظيمة وعوائدها جسيمة وثمرها يزهى على جميع الثمار طيبا ومنفعة ومواد الشرب فيما يستخرج منه مستجععة وينبغي أن يختار لها أرض معتدلة رطبة لا مفرطة الرخاوة ولا صلبة ولا يكثر سقيها فيصير ما يعصر منها رقيقا مائيا ولا يفرط في تعطيشها فيكون يابسا ناريا ويعتمد تزبيل أرضها باخثاء البقر فإنها حافظة لما استودعته دون غيرها من الشجر وألا يغرس ما يضادها في أقرب مواضعها ولا يلاصقها إلا ما يقاربها في طبائعها فيجتنب الدفلى والدلب والخروع وما يشاكلها وتجاور الورد والتفاح واللوز والخوخ وما يماثلها والتفاح أشبهها به.
نكتة حسنة: قال أبو مسلم الخراساني صاحب الدعوة لسليمان بن كثير بلغني أنك كنت في مجلس قد جرى بين يديك فيه ذكرى فقلت اللهم سود وجهه واقطع عنقه واسقني من دمه فقال نعم قلته ونحن في الكرم الحصرم لما نظرت إليه فاستحسن قوله وعفا عنه لسداد جوابه.
القول على ثمرها أجمع العجم والعرب على أن رأس الفاكهة التين والعنب لأنهما بهديان الخصب إلى الجسوم ونفذوا أنهما غذاء غير مذموم وعقيد العنب إذا طبخ نفع من بعض الخوانيق وقطع الرطوبات المضرة بالحلوق وقد ورد في الخبر المأثور ما هو عند أصحاب الحديث مشهور وهو كلوا الزبيب فإنه يطفئ الغضب ويذهب الوصب ويشد العصب ويرضى عن الرب، وأطيب العنب ما اخضر عوده وتسلسل عنقوده وتدفق ماؤه ورق لحاؤه وقل عجمه واستجلاه مستطعمه وأفضل الأشربة ما اتخذ منه وهو الخمر لما فيها من الفضائل ولما انفردت به من شريف الخصائل فالألسنة منبسطة بنشر محاسنها والمدايح مشوقة إليها من أفضل معادنها والنفوس بمحبتها كلفه والقلوب إلى ما تجتنيه منها متشوفة من اعتياد شربها لم يصبر عنها ومن لم يذقها ورآها دعاه نسيمها ولونها إلى الأخذ بحظ وافر منها وما أحسن قول ابن المعتز فيها:
معتقة صاغ المزاج لرأسها ... أكاليل در ما لمنظومها سلك
جرت حركات الدهر فوق سكونها ... فذابت كذوب التبر أخلصه السبك
وأدرك منها الآخرون بقية ... من الروح في جسم أضر به النهاك
وقد خفيت من صوفها فكأنها ... بقايا يقين كاد يذهبه الشك
وقال القاضي الفاضل رحمة الله عليه:
لها متن تصفو على الشرب أربع ... وواحدة لولا سماحتها تكفى
سرور إلى القلب وتبر إلى يد ... ونور إلى عين وعطر إلى أنف
ولما رأينا ياسمين حبابها ... مددنا يمين القطف قبل فم الرشف
وقال مجير الدين بن عبد الظاهر:
خمرة للشقيق أمست شقيقة ... بنت كرم بالمكرمات خليقة
قال قوم من لطفها هي في الكأ ... س مجاز الكاس قالت حقيقة
كيف تغدو عتيقة لدنان ... وهي في قبضة الندامى رقيقة
أنتجت فرحة وجاءت بكاس ... صبغت حمرة فنعم العقيقة
هي مخلوقة من الماء فاعجب ... كيف نار من مزنة مخلوقة
كم تبدت بها معاني سرور ... بسوي الماء لم تكن مطروقة
سلفتنا على العقول وقالت ... يتولى الجناب كتب الوثيقة
حملت همنا فحمدا وشكرا ... لعجوز على بنيها شفوقة
كم بكت بالدموع منها الرواوي ... ق وجاءت جيوبها مشقوقة
أتراني أعصى إلهي فيها ثم ... أخشى من أن يقول الخليقة
وما أحسن قوله ملغزا في شملة وإن لم يكن مما فيه لكن الشيء بالشيء يذكر بلوازمه ومشمولة رقت وراقت فأصبحت:
على الشرب تزهى حين ... تهدى إلى الكاس
معتقة ما شمست بعد عصرها ... لائم وكم فيها منافع للناس
ولا عصرت يوما برجل ولا لها ... إذا ما أديرت من صعود إلى الرأس
وقال ديك الجن عبد السلام بن رعبان الحمصي (مولده سنة إحدى وستين ومائة وتوفي سنة ست وثلاثين ومائتين) :
بها غير معذور فداو خمارها ... وصل بعشيات الغبوق ابتكارها
فقم أنت واحتث كأسها غير صاغر ... ولا تشق إلا خمرها وعقادها
فقام يكاد الكأس تحرق كفه ... من الشمس أو من وجنتيه استعارها
ظللنا بأيدينا نتعتع روحها ... فيأخذ من أقدامنا الراح ثارها
موردة من كف ظبي كأنما ... تناولها من خده فأدارها
стр. 75
قلت: أحسن ما ضمن هذا العجز الشيخ بدر الدين حسن العربي الشهير بالزعارى:
وبي سامري مربى في عمامة ... قد اكتسب من وجنتيها احمرارها
موردة دارت بوجه كأنما ... تناولها من خده فأدارها
وقال مجير الدين بن تميم مضمنا:
لو كنت شاهدنا وقد جليت لنا ... في كأسها لما انتشى الندماء
لرأيت أحسن ما يرى بزجاجة ... سال النضار بها وقام الماء
وقال صدر الدين بن غنوم:
قم نفترغ بكر المدامة بكرة ... في روضة حسنت وراقت منظرا
فالراح سيف قاطع لهمومنا ... أوما تراه بالحباب مجوهرا
وقال شرف الدين راجح الحلى:
أعجب شيء رأته عيني ... ما بين عود وحقق نائي
زحف سرور بجيش هم ... وقتل خمر بسيف مائي
وقال محيي الدين المغربي حافى رأسه (مولده سنة خمس وثمانين وستمائة، وتوفي سنة اثنتين وستين وسبعمائة) :
لم يتدر بدر الحباب بكأسها ... إلا لصيد بلابل الأرواح
مزحت فأنجزت الذي وعدت به ... من نفخ روح الهوى في الأشباح
وقال الناشئ:
صفت وأحداق نورها بزجاجها ... فكأنما جعلت إناء إنائها
وتكاد أن مزجت لرقة لونها ... تمتاز عند مزاجها من مائها
تزداد من كرم الطباع بقدر ما ... تؤدي به الأزمان من أحزانها
وقال البديع الهمذاني قال ابن خلكان (كانت وفاته سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة مسموما بمدينة هراه) :
وفتيان كأقران الثريا ... على طرق من العيش الرخيم
بساقيهم من الغزلان أحوى ... كأن بطرفه داء الظليم
تنادوا للمدام وعنفوني ... وقالوا هاك حظك من نعيم
فقلت أخاف عقباها ولكن ... أشيعكم إلى باب الجحيم
وقال أبو تمام الطائي (توفي سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة) وفي وفاته ثلاثة أقاويل:
بمدامة تعدو المنا لكئوسها ... حولا على السراء والضراء
راح إذا ما الراح كن مطيعا ... كانت مطايا الشوق في الأحشاء
صعبت وراض المزج يبنى خلقها ... فتعلمت من سنن خلق الماء
حرقاء تلعب بالعقول حبابها ... كتلعب الأفيال بالأسماء
وضعيفة فإذا أصابت فرصة ... فبكت كذلك قدرة الضعفاء
وقال أبو الحسن على بن موسى الغرناطي ضمني وأبا يحيى الكاتب مجلس أنس فتذاكرنا ما قيل في معاقرة الشراب في المشيب فأنشدني لنفسه:
لاموا على حب الصبا والكاسى ... لا بدا زهر المشيب براسي
والغصن أحوج ما يكون لشربه ... أيان يبدو بالأزاهر كاسي
ثم قال هل سمعت في هذا المعنى شيئا لغيري فقلت لا ثم أعلمت حتى عملت فيه وهو معنى غريب قلت:
يلومونني عن شبت في الخمر صلة ... وإنني إذا وافى المشيب بها أحق
إذا شاب رأس الليل بالفجر قريب ... له كئوس الصباء من خمرة الشفق
آخر:
صب في الكاسى عقيق فجرى ... وطفا الدر عليه فسبح
نصب الساقي على حافاتها ... شبك الفضة فاصطاد الفرح
وقال أبو نواس ﵀ عليه:
يطوف بها ساق أغن يرى له ... على مستدار الأذان صدغا معقربا
إذا عب فيها شارب القرم خلته ... يقبل في داج من الليل كوكبا
وقال ابن المعتز رحمة الله عليه:
قد أظلم الليل يا نديمي ... فاقدح لنا النار بالمدام
كأننا والورى رقود ... نقبل الشمس في الظلام
وقال ابن حمديس المصنفلي رحمة الله عليه:
قم هاتها من كف ذات الوشاح ... فقد نعى الليل بسير الصباح
من قبل أن ترشف شمس الضحى ... ريق الغوادي من ثغور الأقاح
وقال ابن رشد رحمة الله عليه أيضا:
خليل النفس لا تخلى الزجاجا ... إذا بحر الدجى في الجو ماجا
مشعشعة كأن الشمس ألقت ... على أيدي السقاة به محاجا
إذا مريخها اتقد احمرارا ... سكبن المشتري فيه مزاجا
وقال ابن حجاج رحمة الله عليه:
ويحكم يا كهول أو شيوخ الفس ... ق أو يا معاشر الفتيان
اشربوها خمرا مما اقتناها ... آل دير الفنون للقربان
بكئوس كأنها ورق النس ... رين فيها شقائق النعمان
اشربوها وكل إثم عليكم ... إن شربتم بالرطل في ميزان
стр. 76
في ليال لو أنها دفعتني ... وسط ظهري وقعت في رمضان
وقال ابن سيناء الملك:
الكاس لم تذنب فكيف حاسبتها ... أوحشتها من طول ما أنسيتها
لا بل هممت بشربها ورأيتها ... ألقت عليك شعاعها فلبستها
وقال وجيه الدين بن الدروي:
يفيض على كسرى غلالة قهوة ... ويسلمه عمدا الراحة سالب
ونص على دين المجوس لهيبها ... فشق الدجى عن صدره مسبح راهب
وقال القاضي الفاضل ﵀:
يلوح عليها خجلة إذ أدارها ... فمن عرق يبدو الحباب لذي المزج
أتاني بها والصبح من تحت ذيله ... كما استل سيف أو كما ابتسم الربجى
حبيب كأن كأسه من صبابتي ... فظاهرها برد يزر على وهجي
وقال أبو نواس رحمة الله عليه:
وخمار الحب عليه ليلا ... قلائص قد تعبن من السفار
٣فترحم والكرى في مقلتيه ... كمخمور شكى ألم الخمارى
أين لي كيف سرت إلى حريمي ... وجفن الليل مكتحل نفار
فقلت له ترفق بي فإني ... رأيت الصبح في خلل الديار
فكان جوابه إن قال كلا ... وهل صبح سوى ضوء العقار
وقام إلى الدنان فسد فاها ... فعاد والليل منسدل الأزار
وقال آخر:
جلوها على الندمان فاحمر وجهها ... بخجلتها عند البروز من الخدر
وألقوا عليها الماء فاصفر لونها ... وتحسن عند الملتقى وجل البكر
وقال يزيد بن معاوية:
لي وله إذا الكاسات دارت ... رقا سحرا بحل عرى الهموم
محادثة ألذ من الأماني ... وأبث جوى أرق من النسيم
وقال البحتري رحمة الله عليه:
تخفي الزجاجة لونها فكأنها ... في الكف قائمة بغير إناء
ولها نسيم كالرياض تنفست ... في أوجه الأرواح والإبداء
وفواقع مثل الدموع تحدرت ... في صحن خد الكاعب الحسناء
وقال الشيخ صلاح الدين الصفدي ملغزا في مدام:
وما شيء حشاه فيه داء ... وأوله وآخره سواء
إذا مازال آخره فجمع ... يكون الحد فيه والمضاء
وإن أهملت أوله ففعل ... له بالرفع والنصب اعتناء
وله:
حببناها مشعشعة تلألأ ... وثوب الليل فضفاض الذيول
فنحسبها إذا الساقي جلاها ... تفتش بالسراج على العقول
ولآخر:
أدير بلحيتي البيضاء كأسي ... بكيس زائد مني وفطنه
ألم يرني وعفو الله راج ... ومن شرهي أصفيها بقطنه
وقال الشيخ يحيى الخبان (توفي سنة سبعين وسبعمائة) :
بعيشك هاتها حمراء صرفا ... صباحا واطرح قول النصوح
فهذي الشمس قد بزغت بعين ... تغامزنا على شرب الصبوح
وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة:
مورد الخد أدار الطلا ... فقال لي في حبها عاتبي
عن أحمر المشروب ما تنتهي ... قلت ولا عن أخضر الشارب
وقال الشيخ صلاح الدين الصفدي:
قم هاتها في الظلام صافية ... تورث جسمي وقبضتي بسطه
أضحت عليها الأفراح دائرة ... يا صدق من قال أنها نقطة
وقال المرحوم فخر الدين بن مكانس:
للراح بالكيميا شبه فإن لها ... للقلب والرأس تقطيرا وتصعيدا
قالوا هي الشمس إشراقا وقد جهلوا ... وما ذاك إلا شعاع الشمس معقودا
وقال بدر الدين بن الصاحب:
يا حابس الكاس لا تزدها ... من بعد حبس الدنان حسره
واغتنم مزاجا لها لطيفا ... يورثه الانتظار صفره
وقال من لفظه لنفسه سيدنا القاضي بدر الدين محمد بن الدماميني:
قم بنا نركب طر ... ف اللهو سبقا للمدام
وأثنى يا صاح عناني ... للكميت وللجامي
وللشيخ شهاب الدين بن حجر أبقاه الله تعالى لنفسه الكريمة:
أطيل الملال لمن لامني ... وأملأ في الروض كأس الطلا
وأهوى الملاهي وطيب الملا ... ذ فها أنا منهمك في الملأ
ومن لفظه لنفسه الكريمة الجناب المجدي بن مكانس:
نزل الطل بكرة ... ونوالي تجددا
والندامى تجمعوا ... فأجلى كاسي على الندا
وقال شهاب الدين بن أبي حجلة:
أمعطل الكاسات عن عشاقها ... يكفيك بالتعطيل عيب عائبا
ذهبت كئوسك بالمدام فقد أرى ... للناس فيما يعشقون مذاهبا
стр. 77
فمتى سلكت من الهموم مهالكا ... صادفت في فتح الدنان مطالبا
ومتى امتطيت من الكئوس كميتها ... أمسيت تمشي في المسرة راكبا
ومتى طرقت عشى أنس ديرها ... لم تلق إلا راغبا أو راهبا
وقال الشيخ عز الدين الموصلي لنفسه تغمده الله برحمته:
لأن شبه الساقي المداد بعسجد ... فقد مال بالتشبيه عن صنعة الأدب
ولكن رآها جوهرا سميت طلا ... فموّه لما حلت الكاس بالذهب
ونقلت من خط الشيخ بدر الدين البشتكي لنفسه:
وخمار هدينا في الدياجى ... بجذوة كأسه وسنا النديم
سألنا منه عن خمر حديثنا ... فأخبرنا عن العصر القديم
قلت: وعلى ذكر الحديث قال أبو بكر بن عياش كنت وسفيان الثوري وشريك نمشي بين الحيرة والكوفة فرأينا شيخا أبيض الرأس واللحية حسن السمت فقلنا هذا شيخ جليل قد سمع الحديث ورأى الناس وكان سفيان أطلبنا للحديث وأشدنا بحثا وأعلمنا به وأحفظنا له فتقدم إلى الشيخ وسلم عليه ثم قال له أعندك شيء من الحديث فقال له أما الحديث فلا ولكن عندي عتيق سنين قال فنظرنا فإذا الشيخ خمار.
نادرة: قيل لخالد بن صفوان أتمل الحديث قال إنما العتيق يمل.
رجوع. وقال المرحوم فخر الدين بن مكانس:
من شرطنا إن أسكرتنا الطلا ... صرفا تداوينا بشرب اللما
نعاف مزج الماء في كأسها ... لا آخذ الله السكارى بما
وقال بدر الدين بن الصاحب:
يأيها العاصر بادر إلى ... عنقودك الفاخر في كرمه
إياك أن تتركه ساعة ... تزبب النحس على أمه
وقال مجير الدين بن تميم:
وليلة بت اسقي في غياهبها ... راحا تسل شبابي من يد الهرم
مازلت أشربها حتى نظرت إلى ... غزالة الصبح ترعى نرجس الظلم
ولما تمثلت في أواخر سنة خمس وتسعين وسبعمائة بين يدي سيدنا ومولانا أوحد العصر من غير مدافع ولا منازع أقضى القضاة بدر الدين محمد بن أبي بكر المخزومي الشهير بالدماميني أسبغ الله ظلاله تذاكرنا بين يديه الكريمة الكتب وحسن أسمائها فأخبرنا أنه في زمن الصبا جمع مقاطيع من الخمريات وسماها مقاطع الشرب تأمل ما ألطف هذه التسمية.
القصائد قال الشيخ العالم المفنن البارع صدر الدين محمد بن المرحل ويعرف في الشأم بابن وكيل بيت المال تغمده الله بالرحمة (مولده سنة خمس وستين وستمائة ووفاته سنة ست عشرة وسبعمائة رحمه الله تعالى) :
ليذهبوا في ملامى أية ذهب ... في الخمر لا فضة تبقى ولا ذهب
لا تأسفن على مال تمزقه ... أيدي سقاة الطلا والخرد العرب
والمال أجمل وجه فيه تصرفه ... وجه جميل وراح في الدجى لهب
فما كسوا راحتي من راحها حللا ... إلا وعرّوا فؤادي الهم واستلبوا
راح بها راحتي في راحتي حصلت ... فنمى عجبي بها وازداد بي العجب
إذ ينبع الدر حلو من مذاقته ... والتبر منسبك في الكأس منسكب
وليست الكيمياء في غيرها وجدت ... وكل ما قيل في أبوابها كذب
قيراط خمر على القنطار من حزن ... يعيد ذلك أفراحا وينقلب
عناصر أربع في الكأس قد جمعت ... وفوقها الفلك السيار والشهب
ماء ونار وهواء أرضها قدح ... وطوقها فلك والأنجم الحبب
ما الكاس عندي بأطراف الأنامل بل ... بالخمس تقبض لا يخلو لها الهرب
شججت بالماء منها الرأس موضحة ... فحين أعقلها بالخمس لا عجب
وقال الشيخ صلاح الدين الصفدي لو لم يقل الشيخ صدر الدين من الشعر إلا هذا البيت لكان قد أتى بشيء غريب نهاية في البديع لقد غاص فيه عل المعنى ودق تحيله فيه:
وما تركت بها الخمس التي وجبت ... وإن رأوا تركها من بعض ما يجب
وإن أقطب وجهي حين تبسم لي ... فعند بسط الموالي يحسن الأدب
هذا البيت أيضاً بديع المعنى دقيقه وقد اعتذر عن اقتضابه بأحسن عذر وأوضحه وما أحسن قول ابن رشيق:
أحب أخي وإن أعرضت عنه ... وأقل على سامعه كلامي
ولي في وجهه تقطيب راض ... كما قطبت في وجهه المدام
وتتمة الأبيات:
عاطيتها من بنات الترك عاطية ... لحاظها للأسود الغلب قد غلبوا
هيفاء جارية للراح ساقية ... من فوق ساقية تجري وتنسكب
стр. 78
من وجهها وتثنيها ومقلتها ... تخشى الأهلة والقضبان والقضب
يا قلب أرادفها مهما مررت بها ... قف بي عليها وقل لي هذه الكتب
وإن مررت بشعر فوق قامتها ... بالله قل لي كيف البان والعذب لكن
تريك وجنتها ما في زجاجتها ... مذاقته للريق تنتسب
تحكي الثنايا التي أبدته من حبب ... لقد حكيت ولكن فاتك الشنب
وقال الشيخ جمال الدين محمد بن محمد بن نباتة المصري:
قضى وما أقضيت منكم لبانات ... متيم عبثت فيه الصبابات
ما فاض من جفنه يوم الرحيل دم ... إلا وفي قلبه منكم جراحات
أحبابنا كل عضو في محبتكم ... كليم وجد فهل للوصل ميقات
غبتم فغابت مسرات النفوس فلا ... أنتم زعمى ولا تلك المسرات
يا حبذا في الصبا عن حبكم خبر ... وفي بروق الفضا منكم إشارات
وحبذا زمن اللهو الذي انقرضت ... أوقاته الغر والأعوام ساعات
أيام ما شعر البين المبيت بنا ... ولا خلت من مغاني الأنس أبيات
حيث المنازل روضات مدبجة ... وحيث جاراتها غيد وقينات
وحيث لي بديار اللهو سلطنة ... ولي على ثغر من أهوى ولايات
وحيث أسعى لأوطان الصبا مرحا ... ولي على حكم من أهوى ولايات
ورب حانة خمار طرقت وما ... حانت ولا طرقت للقصف حانات
سبقت قاصدا مغناها وكنت فتى ... إلى المدام له بالسبق عادات
أعثو إلى ديارها الأقصى وقد لمعت ... تحت الدجى فكأن الدير مشبكات
وأكشف الحجب عنها وهي صافية ... لم يبق في دنها إلا صبابات
راح زحفت على جيش الهموم بها ... حتى كأن سنا الأكواب رايات
وبت أجلو على الندمان رونقها ... حتى لقد أصبحوا من قبل ما باتوا
مصونة السرح ماتت دون غايتها ... حاجات قوم وللحاجات أوقات
تجول حول أوانيها أشعتها ... كأنما هي للكاسات كاسات
ويصبح الشرب صرعى دون مجالسها ... وهي الحياة كأن الشرب أموات
تذكرت عند قوم دوس أرجلهم ... فاسترجعت من روث القوم تارات
واستضحكت فلها في كل ناحية ... هبات حسن وفي الإناء هبات
كأنها في أكف الطائفين بها ... نار تطوف بها في الأرض جنات
من كل أغيد في دينار وجنته ... توزعت من قلوب الناس حبات
مبلبل الصدغ طوع الوصل منعطف ... كأن أصداغه للعطف واوات
ترنحت وهي في كفيه من طرب ... حتى لقد رقصت تلك الزجاجات
وقمت أشرب من فيه وخمرته ... شربا تشن به العقل غارات
وينزل اللثم خديه فينشدها ... هي المنازل لي فيها علامات
وقال الأديب الفاضل الكامل أبو الفتح بن قلاقس السكندري:
الحق بنفسج فجرى وردتي شفق ... كافورة الصبح فتتت مسكة الغسق
قم هات جامك شمسا عند مصطبح ... وخل كأسك نجما عند مغتبق
وأقسم لكل زمان ما يليق به ... فإن للزند حليا ليس للعنق
هب النسيم وهب الريم فاشتركا ... في نفحة من نسيم المندل العبق
واسترقصني كاسترقاص حاملها ... مخضرة الورق في محضلة الورق
وظلت بالكأس أغنى الناس كلهم ... فالخمر من عسجد والكاس من ورق
وقال الشيخ الفاضل الكامل برهان الدين إبراهيم بن عبد الله بن محمد المعروف بالقيراطي رحمة الله عليه:
قسماً بروضة خده ونباتها ... وياسها المخضر في جنباتها
وبسورة الحسن التي في خده ... كتب العذار بخطة آياتها
وبقامة كالغصن إلا أنني ... لم أجن غير الصد من ثمراتها
لا عزرن غصون بان زورت ... أعطافه بالقطع من عذباتها
ولا صبحن للذى متيقظاً ... ما دامت الأيام في غفلاتها
وأبا كرنَّ رياض وجنته التي ... ما زهرة الدنيا سوى زهراتها
كم ليلة نادمت بدر سمائها ... والشمس تشرق في أكف سقاتها
وجرت بنادهم الليالي للصبا ... وكؤوسنا غرر على جبهاتها
فصرفت ديناري على دينارها ... وقضيت أعوامي على ساعاتها
خالفت في الصهباء كل مقلد ... وسعيت مجتهداً من نفحاتها
فشممتها ورأيتها ولمستها ... وشربتها وسمت حسن صفاتها
стр. 79
وتبعت كل مطاوع لا يختشى ... عند ارتكاب ذنوبه تبعاتها
يأتي إلى اللذات من أبوابها ... ويحج للصهباء من ميقاتها
عرف المدام بجنسها وبنوعها ... وبفصلها وصفاتها وذواتها
يا صاح قد نطق المزار مؤذنا ... أيليق بالأوتار طول سكاتها
فخذ ارتفاع الشمس من أقداحنا ... وأقم صلاة اللهو في أوقاتها
إن كان عندك يا شراب بقية ... مما تزال بع العقول فهاتها
الخمر من أسمائها والدر من ... تيجانها والمسك من نسماتها
وإذ العقود من الحباب تنظمت ... إياك والتفريط في حباتها
وقال الصاحب العالم المفنن فخر الدين عبد الرحمن بن مكانس:
خليلي هيا للصبوح وبكرا ... وحثا لهوها تحمد السرا
ولا تركبا الليل البهيم اركبا مدا ... ما كميتا أو ن الصبح أشقرا
وصيدانيات بنات الكرم من دنها ... فإن أوان راحها عندي القرا
إذا ما أديرت في حشا عسجدية ... بها كل ذي ملك وتاج تصورا
فحسبك نبلا في السيادة أن ترى ... نديمك في الكاسات كسرى وقيصرا
مدام حوت معنى السرور أفرطت ... فمنها سرى فيها السرور وأثرا
لذلك قد تزهى بوجه مخلق ... وجللها ثوب النعيم مزعفرا
إذا ضرجتها تحت حبابها ... تخال لبها في الكاس سيفا مجوهرا
وبرهانه ذبح الهموم ألا ترى ... على جانبها ذلك الدم أحمرا
وقال الأديب الفاضل الكامل فخر الترك أيدمر المجنوى من قصيدة مطولة تقدمت أوائلها في باب الروضات والبساتين:
وسلافة باكرتها في فتية ... من مثلها خلق لهم وتخلق
شربت كثافتها الدهور فما ترى ... في الكأس إلا جذوة تتألق
يسعى بها ساق يهيج به الهوى ... وترى سبيل العشق من لا يعشق
تتنادم الألحاظ منه على سنا ... خد تكاد العين فيه تغرق
راق العيون غضاضة وغضارة ... فهو الجديد ورق فهو معتق
ورنا كما لمع الحسام المست ... ضيء ومشى كما اهتز القضيب المورق
وأظللنا في فرعه وجبينه ... ليل تألق فيه صبح مشرق
وكأن مقلته تردد لفظه ... لتقولها لكنها لا تنطق
وإذا العيون تجمعت في وجهه ... فاعلم بأن قلوبنا تتفرق
وقال الشيخ الفاضل الكامل كمال الدين على بن النبيه:
طاب الصبوح لنا فهاك وهات ... واشرب هنيئاً يا أخا اللذات
كم ذا التواني والشباب مطاوع ... والدهر سمح من الكاسات
قم فاصطبح من شمس كأسك واغتبق ... بكواكب طلعت من الكاسات
صفراء صافية توقد بردها ... فعجبت للنيران في الجنات
ينسل من قار الظروف حبابها ... وادر مجتلب من الظلمات
وتريك خيط الصبح مفتولا إذا ... صبت من الروواق في الكاسات
عذراء واقعها المزاج أما ترى ... منديل عذرتها بكف سقات
يسعى بها عبل الروادف أهيف ... خنث الشمائل شاطر الحركات
يهوى فتسبقه ذوائب شعره ... ملتفة كأسود الحيات
يدري منازل نيران كئوسه ... ما بين منصرف وآخر آت
وقال الأديب الفاضل الأوحد أمين الدين جوبان القواس:
إذا افتر جنح الليل عن مبسم الفجر ... ولاح به ثغر من الأنجم الزهر
وفاحت لنا من عابق لروض نكهة ... رشفنا به برد الرضاب من الخمر
وعهدي بوجه الأرض مبتسماً فلم ... يغرغر منها الدمع في مقل القدر
إذا أرجف الماء النسيم لوقته ... كساه شعاع الشمس درعا من التبر
وبحر الرياض الخضر بالزهر مزبد ... كأنما في فلك مجلسنا نسر
ومن شهب الكاسات بالنجم نهتدي ... إذا ظل سار العقل في لجة السكر
نصون الحميا بالقناني وإنما ... نصون القناني بالحميا وما ندر
ولما حكى الروواق في العين شكله ... وقد علق العنقود في سالف الدهر
تذكر عهد بالكروم فكله ... عيون على أيام عهد الصبا تجري
عجبت لها والراح تبكي به فلم ... غدت بحباب الكأس باسمة الثغر
إذا ما أتاني كأسها غير مترع ... تحققت عين الشمس في هالة البدر
يناولينها مخطف الخصر أهيف ... فلله ذاك الأهيف المخطف الخصر
стр. 80
ينادمنا نظما ونثرا ولفظة ... ومبسمه يغني عن النظم والنثر
فلم يسقني كأس المدامة دون أن ... سقاني بعينه كئوساً من الخمر
وناجوز ثم انثنى غصن بانة ... وعن مها لما تبسم عن در
وقال وفرط السكر يثنى لسانه ... إلى غير ما يرضى التقى وهو لا يدري
ردوا من رضابي ما يعيض عن الطلى ... إذا كان وجهي فيه غنى عن الزهر
ومن كان لا تحوى زراعاه مئزري ... دون الذي تحوى أنامله خصري وقال الشيخ الإمام الفاضل البارع صفي الدين عبد العزيز بن سرايا الحلى ﵀:
أراد التبر ف كأس اللجين ... رشاً بالراح مخضوب اليدين
وطاف على الصاحب بكأس راح ... فطافت مقلتاه بآخرين
رخيم من بني الأتراك طفل ... يجاذب خصره جبلى حنين
يبدل نطقه ضادا بدال ... ويشر عجمه قافا بغين
إذا يحلو الحميا والمحيا ... شهدنا الجمع بين النيرين
يطوف على الرفاق من الحميا ... ومن خمر الرضاب بمسكرين
وآخر من بني الأعراب حفت ... جيوش الحسن منه بعارضين
إلى عينيه تنتسب المنايا ... كما انتسب الرماح إلى ردين
يلاحظ سوسن الخدين منه ... فبدلها الحياء بوردتين
ومجلسنا الأنيق تضيء فيه ... أواني الر اح من ورق وعين
فأطلقنا فم الإبريق فيه ... وبات الزق مغلول اليدين
وشمعنا شبيه سنان تبر ... تركب في قناة لجين
وقهوتنا شبيه شواظ نار ... توقد في أكف الشاقين
إذا ملء الزجاج بها وطارت ... حواشي نورها في المشرقين
عجبت لبدر صار شمسا ... يحف من السقاة بكوكبين
وله:
بدت لنا الراح في تاج من الحبب ... فحرقت حلة الظلماء باللهب
بكر إذا زوجت بالماء أولادها ... أطفال در على مهد من الذهب
بعيدة العهد بالمعصار لو نطقت ... لحدثتنا بما في سالف الحقب
باكرتها في رفاق قد زهت بهم ... قبل السلاف سلاف العلم والأدب
بكل متشح بالفضل مئتزر ... كأن في لفظه ضرب من الطرب
بل رب ليل غدا في الإهاب غدت ... تضيء كئوس الراح كالشهب
بدلت عقلي صدافا حين بت به ... أزوج ابن سحاب بابنة العنب
بتنا بكاساتها صرعى ومطربنا ... يعيد أرواحنا من مبدء الطرب
بعث أتانا فلم نعلم لفرحتنا ... من نفحة الصوارم من نفحة القضب
بروضة ظل فيها الظل أدمعه ... والزهر مبتسم عن ثغره الشنب
بكت عليه أساليب الحيا فغدا ... خذلان يرفل في أثوابه القشب
بسط من الروض قد حاكت مطالارفها ... يد الربيع وجادتها يد السحب
وقال الوأواء الدمشقي رحمه الله تعالى:
أسقياني ذبيحة الماء في الكأ ... س وكفا عن شرب ما تسقياني
أنني قد آمنت بالأمس إذ مت ... ت بأني أموت بكرة ثاني
قهوة تطرد الهموم إذا ما ... سكنت في مواطن الأحزان
نثرت راحة المزاج عليها ... حدقا ما تدو في أجفان
فهي تجرى من اللطافة في الأر ... واح مجرى الأرواح في الأبدان
يتهادى بكأسها من هداياه ... ظني من ظرائف الأشجان
آنها الرايح الذي راحتا ... هـ بخضاب الكئوس مخضويتان
عج بضحك الأقداح في رهج القص ... ف إذا ما بكت عليها القناني
واسقني القهوة التي تنبت الور ... د إذا شئت في خدود الغواني
لا تدغدغ صدر المدام بأيدي المز ... ج ما دغدغت صدور المثان
وقال أبو الفتوج بن قاقس_رحمه الله:
كم ملة للشقيق الغض رمداء ... أنسانها سايح في بحر دمع أنداء
كم ثغور اقاح في مراشفها ... رضاب طائفة بالرى وطفاء
فما اعتذارك من عذراء جامحة ... لانت كما لامستها راحة الماء
نضت عليها حسام المزج فامتنعت ... بلامة للجباب الجم حصدائي
أما ترى الصبح يخفى في دجنته ... كأنما هو سقط بين أحشائي
والطير في عذابات الدوح ساجعة ... تطابق اللحن بين العود والناء
فحى بالكأس كسرى تحيي رمته ... بروح راح سرت في جسم سراء
وعذ بمعجزت آيات المدامة من ... نوافث السحر في أجفان حوراء
стр. 81
فما الفصاحة إلا ما تكرره ... منازل الدن من ترجيع فأفاء
فاعكف على جلس اللذات مغتنما ... فالدهر في حربه تلوين حرباء
قيل: أتى عبد الملك بن مروان فقال له ماذا شربت فقال:
معتقة كانت قريش تعافها ... فلما استحلوا قتل عثمان حلت
فقال مع من؟ فقال: سقوني مع الشعرى بكأس روية ... وأخرى من الجوزاء لما استقلت قال فما غنيت؟ فقال:
سقوني وقلوا لا تغن فلوا سقوا ... جبال حنين ما سقوني لغنت
فعفى عنه وأطلق سبيله.
ومن كلام الشيخ برهان الدين القيراطي: يوم أنيق وغيم دفيق، وروض إذا سلسل ماؤه المطلق تهلل وجهه الطليق، فإذا دعى الندامى فيه بالصبوح- جاءت قنية في يدها إبريق، وإذا انحرت السقاة فيه دماء الرقاق صارت أيامهم كلها أيام تشريق، وإذا خاط منم الشرب سرور وغار من أوجه المسك الفتيق.
قلت: قوله أيان التشريق مأخوذ من قول أبي الحسن الجزار يفتخر:
إنى لمن معشر سفك الدما لهم دأب ... وسل عنهم إن رمت تصديق
تضيء بالدم إشراقا عراصهم ... فكل أيامهم أيام تشريق
وقال برهان الدين القيراطي أيضاً:
زوج الماء براحك ... وأجلها بين ملاحك
اتعطل يوم لهو ... من صبوة في صباحك
وإذا خفت افتضاحا ... كل عيس في افتضاحك
أو ترى فيها جناحا ... قم ودعني من جناحك
وصل اليوم اغتباقا ... من كئوس باصطباحك
صاح هذا وقت راحى ... واقتراحي واقتراحك
فاطرح من لام جهلا ... في اطراحى والطرحك
وقل شهاب الدين أحمد لن أبي جحلة هذه الأبيات تحبب في الحبب وتقلب إكسير راحها لجين الزجاج إلى الذهب قد امتزجت بالقلوب امتزاج الماء بالراح ولم يفتح بمثلها على صاحب الفرح، كم رقصت على سماعها الأحبة ونقط الحبيب دينارها من خده وشامته بدينار بقيراط وحبه.
وقال الشيخ بدر الدين البشتكي أبقاه الله تعالى: أقول كلما والله نظرت إلى هذه الأبيات، والكلمات الحجيلات، أكاد أسكر بلا راح، وأطير من الأدب بلا جناح.
هذه عبارة الشيخ بدر الدين ومن خطة نقلت.
قلت: ولو قال بدر الدين وأطير من الأدب وأطبر من الفرح لكان أحسن فتأمله.
وأنشد عن لفظة لنفسه سيدنا القاضي المفنن البارع صدر الدين على بن سيدنا ومولانا القاضي أمي الدين بن الآدمي سلمه الله تعالى وقلتها من خطه:
سبح القمرى في الدوح وغرد ... فحسبنا إن في الروضة معبد
والند فاض على زهر الربا ... فسرت بين الندامى نفحة الند
إنما الزهر ثغور فتحت ... باسمات بحميل المزن لما يتأود
من يدي ظبي عزيزي أهيف ... مخطف الخصر رقيق مايس القد
كامل الأوصاف لكن ثغره ... ولما ريقه حلو مبرد
جامع الحسن لوصل مانع ... طرفه الهندي قد بالغ في الحد
ضيق العين إذا ما سمته ... قبلة سل من اللحظ مهند
وحمى فاه بلحظ فاتر ... فهو تركي على الثغر مجرد
يا له من عجب في لحظه ... سكر العشاق منه وهو عربد
لينت أعطفه الخمرة لى ... فأعادت أسد الخلية أغيد
بنت كرم عشقوها زمنا ... طال حتى إنه لم يحص بالعد
تسلب العقل من الرأس كما ... سلبت قدم من الكرمة باليد
قل لساقينا إذا طاف بها ... سحرا بين الندامى يتردد
أترع الكأس وأسرع واغتنم ... جمع شمل واختش أن يتبدد
ما تر الأنجم كانت زمرا ... لم يدع ذا الصبح منها غير فرقد
فهي مثلى حين غابت سادتي ... عن عياني بعد جمع صرت مفرد
قلت: وإذ ذكرنا مدحها أيضاً وأوسعنا المجال في ذلك فلا بأس بإيراد نبذة من ذمها في الحديث المرفوع جمع الشر كله في بيت وجعل متاحه الخمر، وفي كتاب المبهيج الخمر مصباح السرورو ولكنه مفتاح الشرور.
وقيل لبعضهم تركت النبيذ وهو رسول إلى القلب فقال نعم ولكنه بئس الرسول يبعث إلى القلب فيذهب إلى الرأس.
وكان العباس بن علي عم المنصور يأخذ الكأس بيده يقول لها: أما المال فتتلفين وأما المروءة فتخلفين وأما الدين فتفسدين فيسكر ساعة ثم يقول أما النفس فتسخنين وأما القلب فتشجعين وأما الهم فتطردين أفناك متى تقتلين ويشربها.
قيل لأعرابي لم لا تشرب النبيذ قال لا أشرب عقلى.
стр. 82
وقبل لبعضهم لم لا تشرب فقال عقلى لا أقدر على جمعه فكيف فرقه وما أظرف من قال شعرا:
تقول أثوابي لما رأت ... شيبي وتكعيبي على صدري
بالله يا شيخ أما تستحي ... إلى متى تصبغنى بخمري
وقال آخر:
قد هجرت الراح حتى ... ليس لي فيها نصيب
وعلى الرواق منى ... طول ما عشت صليب
وقيل مهر الخمر العقل والدين والدرهم، سئل بعض الشيوخ عن الخمر فقال: تضيع مال وعقل وزيادة بول وجنون.
وإذا ذكرنا الخمر ومنافعها ومضارها ومدحها وذمها فلا بأس بإيراد نبذة من المفرحات المركبة نقلتها من كتاب مفرح النفس تأليف الحكيم الفاضل الرئيس بدر الدين مظفر ابن القاضي مجد الدين عبد الرحمن قاضي بعلبك ولي رياسة الطب بدمشق (وتوفي سن تسعمائة وخمسة وسبعين بدمشق) ﵀ عليه: صفة مفرح حار للملوك والكبر الأوائل كان الخلفاء المتقدمون من بني العباس وغيرهم يستعملونه وله منافع كثيرة يطول شرحها والحاصل أه يبرئ جميع الأمراض السوداوية عاجلاً ويفرح تفريحاً مفرطاً حسناً: خولنجان وزراوند مدحرج وسنبل وسلحة وجعدة وزنجبيل وقاقلة كبار وصغار ودار صيني الصين وقرنفل وزرنب وذرساذ من كل واحد ثلاثة داهم قفاح الأذخر وغاريقون وحاشا وتريد وقسط وحلو وسادج وبسفانج محكوك وحماما من كل واحد خمسة داهم وعرق ذهب وياقوت أحمر رماني وزمرد من كل واحد مثقال وزعفر أن مثقالان يدق الجميع وينخل ويعجن بعسل مادي ويوضع في إناء من صيني أو فضة ويرفع ويستعمل الشربة مه مثقالان بشراب تاح شامي وماء لسان ثور نافعه، إن شاء الله تعالى.
صفة مفرح حار للمتوسطين من الناس سعة خمسة دراهم زر ورد منزوع الأقماع عشرة دراهم قرنفل وسنبل الطيب ومصطكى وأسارون وزرنب وزعفران من كل واحد درهمان بسباسة وقاقلة كبار وصغار وجوزبز من كل واحد درهم عود ثلاثة يدق الجميع وينخل ويعجن بعسل منزوع الرغوة ويرفع ويستعمل الشربة وزن مثقال بشراب تفاح حلو وماء لسان ثور نافع إن شاء الله تعالى.
مفرح حار للفقراء وهو شراب الإبريسم وله منافع كثيرة منها التريح والمفرط وقوة الأحشاء وخصوصاً الكبد وينفع من جميع الأمراض الباردة ويقوي الأنعاظ ويؤخذ بريبسم خام ينفع في الماء أياماً عشرة في قدر من حديد فإن لم يتهيأ من حديد فينتفه في الماء المطفى فيه الحديد دفعات كثيرة ويغلي غلياناً جيداً ويصفى إليه بوزن الماء سكراً وعسلاً ويعقد ويرفع ويطيب بشيء من زعفران وخولنجان ومصطك وروح يستعمل نافع إن شاء الله تعالى.
صفة مفرد بارد للملوك والكبراء طباشير عشرة دراهم لسان ثور خمسة دراهم زر ورد منزوع الأقماع أربعة دراهم طين أرمني سبعة دراهم شير أملج خمسة عشر درهما خشب صندل ابيض وأحمر وأصفر من كل واحد درهمان زعفران نصف درهم عرق ذهب جيد وفضة من كل واحد مثقال إبريسم محرق على ما وصفنا درهم يدق الجميع ناعما وينخل ويعجن بجلاب قد عقد من عسل وسكر بماء الورد وماء التفاح وماء لسفرجل وماء الرمان ويحرك ويرفع الشربة ثلاثة دراهم بشراب حماض وتفاح شامي وماء لسان ثو وماء ورد وماء خلاف نافع إن شاء الله تعالى.
صفة مفرد بار للمتوسطين من الناس يؤخذ إهليدج كابلى وأملج من كل واحد خمسة دراهم وزر ورد منزوع الأقماع وخشب صندل أبيض وأصفر وأحمر من كل واحد ثلاثة در اهم وورق فضة مثقالان ولؤلؤ كبار نقي البياض غير مثقوب مثقال يدق الجميع وينخل ويعجن بعسل الإهليدج الكابلي الشربة مثقالان بشراب حماض وتفاح شامي بماء ورد وما خلاف نافع إن شاء الله تعالى.
صفة مفرح معتدل للمتوسطين من الناس بهمنين أحمر وأبيض من كل واحد خمسة دراهم عسل إهليلج كابلي منزوع الرغوة عشرون دراهما شاهترج ولسان ثور وترنجان من كل واحد عشرة دراهم طباشير وكسفرة يابسة وطين محتوم من كل واحد ثلاثة دراهم إبريسم خام محرق على ما وصفنا قشر الفستق الخارج من كل واحد درهمان بسد ولؤلؤ كبار غير مثقوب وكهربا من كل واحد درهم عود هندي خام نصف مثقال يدق الجميع ناعماً وينخل ويعجن بجلاب قد عقد من سكر وعسل ويرفع في إناء من صيني أو فضة الشربة مثقالان بشراب حماض وتفاح شامي وماء ولسان الثور وماء ورد وماء خلاف وما نيلوفر نافع إن شاء الله تعالى.
стр. 83
نادرة: دخل رجل على بعض أصحابه يعوده من مرض بالقلب وكان له غلام يدعى ياقوت شديد الافتتان به وكان متهماً به فقال له حاشاك يا سيدنا تشكو وجع القلب ونداك المفرح الياقوتي.
الباب التاسع عشر
في الصاحب والنديم
قال النبي ﷺ : "أكثروا من الإخوان فإن ربكم حي كريم يستحي أن يعذب عبده بين إخوانه" وقال علي ﵁: أعجز من عجر عن اكتساب الإخوان وأعجز منهم من ضيع ما ظفر به منهم، وقال عمر ﵁: ثلاث لك الود في صدر أخيك أن تبتدئه بالسلام وأن توسع له للمجلس وتدعوه بأحب أسمائه إليه، وقال الخليل بن أمد: الرجل بلا صديق كاليمن بلا شمال، وقال رجل لابن المقفع أنا بالصديق آنس من الأخ فقل صدق الصديق نسيب الروح والأخ نسيب الجسم، وعن ابن مسعود ﵁: أما الدخان على النار بأدل من الصاحب على الصاحب.
إعرابي: المودة بين السلف ميراث بين الخلف.
إعرابي: دع مصارعة أخيك وإن حث التراب في فيك.
اعتذر رجل إلى صاحب من تعذر اللقاء فقل أنت في أوسع عذر عند ثقتي وفي أضيق عذر عن شوقي.
المأمون: الإخوان على ثلاث طبقات: طبقة كالغداء لا يستغنى عنه وطبقة كالدواء لا يحتاج إليه إلا في الأحايين وطبقة كالداء لا يحتاج إليه أبداً، وقال النبي ﷺ : "ألا أخبركم بأحبكم إلى الله وأقربكم مني مجالساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً الموطئون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون" وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: الغريب من ليس له حبيب، وقال أيضاً، لا تضيعين حق أخيك اتكالاً على ما بينك وبينه فإنه ليس بأخ من ضيعت حقه، وقال علقمة بن لبيد العطاردي لابنه إذا نازعتك نفسك صحبة الرجال فأصحب ن إذا صحبته زانك وإن خدمته صانك وإن نزت بك مؤنة مانك أصحب من إذا مددت يدل بفضل مدها وإن بدت بك ثلمة سدها وإن رأى منك حسنة عدها أصحب من يتناسى معروفه عندك ويتذكر حقوقك عليه.
قال لأبي داود السجستاني صاحب له أستمد من محبرتك قال لا فاحترك الرجل حياء فقال أعلمت أنه من شرع في مال أخيه بالاستئذان فقد استوجب بالحشمة الحرمان.
قرع باب بعض السلف صديق له بالليل فنهض إليه وبيد كيس وسيف وهو يسوق جارية له ففتح الباب وقال قسمت أمرك بين نائبة فهذا المال وعدو فهذا السيف وأيمة فهذه الجارية.
كان علي بن الجهم يمدح أبا تمام ويطيب فيه فقيل له لو كان أخاك ما زدته على هذا المدح فقال إن لم يكن أخا بالنسب فإن أخ بالأدب.
مر بخالد بن صفوان رجلان فعرج إليه أحدهما وطواه الآخر فقال عرج علينا هذا لفضله وطوانا ذاك لبغيه.
الأعمش أدركت أقواماً لا يلقى الرجل أخاه الشهر والشهرين فإذا لقيه لم يزده على كيف أنت وكيف حالك ولو سأله شطر ماله أعطاه ثم أدركت آخرين لم يلق الرجل منهم أخاه يوماً سأله حتى عن الدجاجة في البيت ولو سأله حبة من ماله منعه.
وأحسن من قال من رضى بصحبة من لا خير فيه لم يرض بصحبة من فيه خير.
كان يقال إن الكيس الذي لا سيكل مناجات الصديق.
الهند من كتم الأحبة نصحه والأطباء عليته والإخوان بثه فقد خان نفسه.
كان الخليل إبراهيم صلوات الله عليه إذا ذكر زلته غشي عليه وسمع اضطرابه من ميل، فقال له جبريل: يا خليل الله الجليل يقرؤك السلام يقول هل رأيت خليلاً يخاف خليله قال يا جبريل كلما ذكرت الزلة نسيت الخلة.
قال العتبي لقاء الإخوان نزهة القلوب، قال سليمان بن وهب غزل المودة أرق من غزل الصبابة والنفس بالصديق آنس منها بالعشق، وقال يونس النحوي يستحسن الصبر عن كل واحد إلا عن الصديق، وقال ابن المعتز إذا قدمت المودة شبهت بالقرابة، وقال عمرو بن العاص: من كثر إخوانه كثر غرماؤه يعني في قضاء الحقوق.
عمرو بن مسعدة العبودية عبودية الإخاء لا عبودية الرق، وكان بعضهم يقول اللهم احرسني من أصدقائي إذا قيل له في ذلك إني أقدر أحترس من أعدائي لا أقدر عل الاحتراس من أصدقائي.
وقال ابن الرومي:
عدوك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثر أن من الصحاب
فإن الداء أثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب
стр. 84
واعلم أنه لا يتناهي فيحسدك إلا الأصدقاء والندماء فإنهم متى رأوك بحال وهم بأنقص منه انغرس في قلوبهم حسدك فلو خولتهم أضعاف نعمتك لم يزالوا يحسدونك حتى تفتقر ويستغنون والحسد داء الأبد، وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "يحشر المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخال" قال معاوية بن قرة نظرت في المودة والإخاء فلم أجد اثبت مودة من ذي أصل.
قال أبو الحسن بن جبير الأندلسي البلنسي:
تغير إخوان هذا الزما ... ن فكل خليل عراه الخلل
وكانوا قديماً على صحة ... فقد داخلتهم حروف العلل
قضيت التعجب من أمرهم ... فصرت أطالع باب البدل
ولله در ناصر الدين بن النقيب:
فأين الصديق الصدوق الذي ... مودته من قرى صافيه
ما لي صديق سوى درهمي ... ولا لي حبيب سوى العافية
وقال أبو العلاء المعري:
جربت دهري وأهليه فما تركت ... لي التجارب في ود أمره غرضا
وقال القاضي ناصح الدين الأرجاي والثاني يقرأ معكوساً وهو غاية:
أحب المرء ظاهره جميل ... لصاحبه وباطنه سليم
مودته تدوم لكل هول ... وهل كل مودته تدوم
وقال صلاح الدين الصفدي:
عذيري في الليالي من صديق ... على مالي وعرضي قد تسلط
تأول إذ تأخر عنه خيري ... فهل ألقاه يوماً قد توسط
وقال الشريف العبقيلي وأجاد:
ألذ مودات الرجال مذاقة ... مودة من أن ضيق الدهر وسعا
فلا يلبس الود الذي هو سادجا ... إذ لم يكن بالمكرمات مرصعا
وقال مخارق أنشدت المأمون قول أبي العتاهية (مولد أبي العتاهية سنة ثلاثية ومائة وتوفي سنة إحدى عشر ومائتين) :
وإني لمحتاج إلى أظل صاحب ... يروق ويصفو إن كدرت عليه
قال لي أعد فأعدت سبع مرات فقال لي يا مخارق خذ مني الخلافة وأعطني هذا الصاحب الله در أبي العتاهية ما أحسن ما قال.
وأحسن من قال:
بروحي من صاحبته فوجدته ... أرق من الشكوى وأصفى من الدمع
يوافقني في الهزل والجد طائعاً ... فينظر من عيني ويسمع من سمعي
وقال الجاحظ كان أبو داؤد إذ رأى صديقه مع عدوه قلا صديقه وقال ابن عساكر في تاريخ دمشق قال ابن عائشة قال هشام بن عد الملك ما بقي على شيء من لذات الدنيا إلا وقد نلته وما اشتهى إلا شيئاً واحداً أخا أرفع مؤنة التحفظ بيني وبينه، وقال معاذ بن جبل ﵁: صحبة العاقل في المفاوز والأسفار خير من صحبة الجاهل بين الرياض والأنهار.
ولله در القاضي الفاضل.
وما برح الإخوان إخوان الزمان فإذا أحسن كانوا من التابعين له بإحسان وإذ أساء كانوا من المهاجرين ولا من الهجرة ولكن من الهجران.
وقال جعفر بن محمد لولده: يا بني من غضب عليك من أخواتك ثلاث مرات ولم يقل فيك سوءاً فاتخذه خليلاً.
ويجب على الصديق إذا رأى صديقه معسراً وهو موسر أن يواسيه ببعض ماله، فقد حكى عن بعض الحكماء أه رأى رجلين لا يفترقان فسأل عنهما فقيل هما صديقان فقال ما هما بصديقين لأني أرى أحدهما موسراً والآخر معسراً ول كانا صديقين لتواسيا، وقال المأمون لندمائه: أفيكم من يقدر يدخل يده في كم صديقه فيأخذ منه نفقة يومه فقالوا لا فقال ما أنتم بأصدقاء والصديق الصديق معدوم وأما من تصادقه مجاز فيمثل بقول القائل: ?أرض من المرء في مودته ... بما يؤدي إليك ظاهره
من يكشف الناس لا يجد أحداً ... تصح منهم له سرائره
الهند غياك والاغترار بمصادقة العدو ما أوجبها إلا أمر وعلة فمع ذهاب العلة رجوع العداوة كالماء يسخن فإذا رفع عن النار عاد براردا وصفة الصديق أن يعادي من تعاديه ويهوى من تهوى وقال بعض الحكماء صديق عدوى عدوى، وقال الشاعر:
تود عدوى ثم تزعم أنني ... صديقك إن الرأي منك لعازب
إذا نحن أظهرنا لقوم عداوة ... ولان لهم منكم جناح وجانب
فلا أنتم منا ولا نحن منكم ... إذا أنتم سالمتم من نحارب
وليس أخي من ودني رأى تعينه ... ولكن أخي من ودني وهو غائب
стр. 85
واعلم أن الخصال المحمودة والكمال لا يوجدان في شخص أبداً ولا بد من عيب يشوبه فإن اخترت صديقً ورضيته وكاشفته فبدت منه هفوة أو زلة فاغفرها فالسيف ينبو والجواد يكبو وإذا صفى الصديق فلا تناقشه في دينه ولا مذهبه فإن ذاك يوجب القطيعة والعداوة وأجرا معه في هواه من دينه إذا جرى هو في هواك من صداقتك.
قال أبو العلاء المعري رحمه الله تعالى:
إذا ما الخل أصفاني ودادا ... فسقيا في الحياة له ورعيا
ليقرأ إن أراد كتاب موسى ... ويقرأ إن أراد شعيا واصلح ما صادقت حكيما أو أديبا عاقلاً عالماً فإن عداوة هذا خير من صداقة الجاهل قال بعض الحكماء: الجاهل عدو نفسه فكيف يكون صديق غيره ما يبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه.
ومتي تغير الصديق عليك فاستيقظ ذلك بقريحة حسن منك كما قال الشاعر:
وإذا استعجمت مودة خل ... فاعتبرها من أعين الغلمان
إن عين الغلام تنبيك عما ... في ضمير المولى من الكتمان
القول على النديم: النديم فعيل بمعنى مفاعل منادم والندمان وأكثر منادمة وملازمة من النديم لأن زيادة اللفظ توجب زيادة المعنى، ويقل رجل رحيم ولا يقال رحمان لأنه ثناء المبالغة وفي الدعاء يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة لأن رحمته في الدنيا عمت الكافر والمؤمن والفاسق والناسك ففي الآخرة يخص برحمته المؤمنين والمسلمين دونهم واشتقاق اسم النديم من المنادمة كأنه يندم على مفارقته لوجود الراحة به والأنس إليه، وينبغي له أن يكون حسن المبرة نبيل الهمة مستوى الذيول وأطراف الأكمام نظيف المخفى من الملبس كالقلنسوة والسراويل والتكة والجورب ومنديل الكم، فإذا كملت لفيه هذه الخصال كان محبوباً إلى القلوب سهلا على الأرواح، وإذا لم يكمل كان بالضد ومستثقلاً معيباً في العيون بغيضاً على القلوب كما قيل في أبي يعلى الكاتب القرشي:
نعمة الله لا تعاب ولكن ... ربما استثقلت على أقوامي
لا يليق الغناء بوجه أبي يعلى ... ولا نور بهجة الإسلام
دنس الثوب والعمامة والبرذو ... ن والنقل والقفا والغلام
وينبغي له إذا جلس للشراب مع الملك أن يجلس في المرتبة التي لا يتجاوزها إلى ما هو أعلى منها عنده ولا يحط نفسه عنها ولا يكثر الاتكاء بين يديه وليكن منتصب الجلوس خفيف الوطأة إن قام قام لقيامه وليحذر التبسيط والتمديد والتمطي والتثاؤب التنخع والبصاق وتفريك اليدين وفرقعة الأصابع واللعب بالخاتم والعبث باللحية والعمامة ولا يكون من شأنه التعزية والتهنئة ولا التشميت عند العطسة ولا أسرع بالتحية ولا العبث بالفاكهة والرياحين والأزهار ولا التناول وللشمامات ولا الإكثار من التنقل بعد الشراب ولا يرمي ثفل ما يمتصه بحيث يرى ولا يعض الفاكهة نهشاً بل يقطع منها حاجته بالسكين قطعاً ولا يكثر شم الريحان ولا إدارة اليد فيه لا يقطع رؤوسه ولا ينفضه عند أخذه ولا يفركه فيزول عقله وليصب لنفسه ما يعلم أنه يقوم به ولا يرفع القدح قبل الملك ولا يصب فيه نبيذاً من قبل صبه أو معه ولا يقترح صوتاً ولا يظهر الطرب وزلا يوقع على تلحين ولا يبد منه هزل وإن ناوله الساقي قدحاً أخذه بلا ازدياد ولا نقصان ولا مماسكة ولا مماراة فإذا أحسن بنفسه سكر أسرع القيام والانصراف وهو يملك نفسه ولا يلمس كف الغلام عن مناولة كأس ولا يكثر ملاحظته عند معاطاته الراح ولا يشير إليه ولا يغمزه ويستحب منه أن يكون مفنناً فيجري مجرى إبان اللاحقى بما وصف نفسه للفضل بن يحيى البرمكي وذلك أنه ورد إلى بابه ليعرض نفسه وأجبه عليه فأتى إلى محمد بن زيدان الثقفي فقال له: إن رأيت أصلحك الله أن تعرض قصتي على الأمير فقل وما فيها قال أعرض نفسي وأدبي عليه فقال وما فيها فقال له: أعرض نفسي وأدبي عليه فقال فهل لك فيمن دون الأمير ليشاطرك الضياع والأموال والرقيق ما خلا الأهل والوالد قد نازعتني نفسي إلى شيء لا بد لي من أن أعطيا شهوتها منه فأخذ قصته فأدخلها إلى الفضل بن يحيى فإذا فيها:
أما من بغية الأمير وكنز ... من كنوز الأمير ذو أرباح
كاتب حاسب أديب خطيب ... ناصح زائد على النصاح
شاعر مفلق أخف من الري ... شة مما يكون تحت الجناح
لي في النحو فطنة واتقاد ... أنا فيه قلادة بوشاح
стр. 86
لو رمى بي الأمير أصلحه الل ... هـ رماحاً حطمت سمر الرماح
غير ما عاجز ولا مسكين ... طوع أمر الأمير آسي الجراح
لست بالضخم يا أمير ولا القز ... م ولا المدحرج الدحراج
لحية سبطة ووجه مليح ... واتقاد كشعلة المصباح
وكثير الحديث من ملح النا ... س بصير بخافيات ملاح
كم وكم قد خبأت عندي حديثاً ... هو عند أمير كالتفاح
فبمثلي تخلو الملوك وتلهو ... وما حي للمشكل القداح
ايمن الناس طائراً يوم صيد ... في غد وغدوة أو رواح
أعلم الناس بالجوارح والخي ... ل وبالخرد والحسان الملاح
كل هذا جمعت والحمد لل ... هـ على أنني ظريف المزاح
لست بالناسك المسمر كمي ... هـ ولا الفاتك الخليع الوقاح
لو دعاني الأمير عاين مني ... سمر كالبلبل الصياح
قال: فدعي به لما دخل أتي كتاب من أرمينية فرماه إليه وقال له أجب عنه فأجاب من ساعته في عرصته فأمر له بمائة ألف درهم وكان أول داخل وآخر خارج إذا ركب في الموكب فركابه مع ركاب الفضل.
ومن صفات النديم ألا يكون لجوجاً ولا حسوداً ولا ممارياً ولا طماح العي ولا طايش اللب ويكون حمولاً موافقاً لك في عملك ومذهبك ودينك كتوماً للسر ويكن أدبياً عاقاً أو حكيماً فاضلاً ليس على طبيعتكما منافرة ولا عرضية بشر إذا حدثته وبشر إذا حدثك كلما ازداده سكره ازداد تواضعه لك ومودته وفضله فالخمرة تحرك ما يوجد من عقل وجهل وتبرزه في الإنسان من القوة إلى الفعل وهي محك العقول.
صافح أبو العميثل عبد الله بن ظاهر عند قدومه من سفره فقبل يده فقال عبد الله خدش شاربك كفي فال شوك القنفذ لا يضر بتربن الأسد فتبسم عبد الله وقال كيف كنت بعدي قال إليك مشتاقاً وعلى الزمان عاتبا ومن الناس مستوحشاً، أما الشوق إليك فلفضلك وأما العتب على الزمان فلمنه منك وأما الاستيحاش من الناس فلرضاهم بعدك فاحتبسه فلما حضر الشراب سقاه بيده فقال:
نادمت حرا كأن البدر غرته ... معظماً سيداً قد أحرز المهلا
فعلني برحيق الراح راحته ... فمت سكرا فشكراً للذي فعلا
بيننا أبو العباس السفاح يحدث أبا بكر الهذلي فعصف الريح فأذرت طستا من سطح إلى المجلس فارتاع من حضر ولم يتحرك الهذلي ولم تزل عينه مطابقة لعين السفاح فقال ما أعجب شأنك يا هذلي فقال: إن الله تعالى يقول: "يوجد آية" وإنما لي قلب واحد فلما غمره السرور بقائده أمير المؤمنين لم يكن فيه لحادث مجال فلو انقلبت الخضراء على البيضاء ما أحسست بها ولا وحمت لها فقال السفاح لئن بقيت لأرفعن ضبعاً لا يطوف به السماع ولا ينحط عليه العقيان.
ومن الآداب اللطيفة ما يحكى عن إبراهيم بن المهدي قال: كنت عند الرشيد فأتاه رسول معه أطباق عليها مناديل ورقعة فأخذ يقرأ الرقعة ويقول وصله الله وبره فقلت يا أمير المؤمنين من هذا الذي أطنبت في شكره لنشركك في جميل ذكره فقال: عبد الملك بن صالح ثم كشف عن الأطباق فإذا هي فواكه فلت يا أمير المؤمنين ما يستحق هذا الوصف إلا أن يكون في الرقعة ما لا نعلمه فرمى بها إلى فإذا فيها دخلت يا أمير للمؤمنين إلى بستان لي قد غمرته بنعمتك وقد أينعت فواكهه فحملتها في أطباق قضبان ووجهت بها إلى أمير المؤمنين ليصل إلى من بركة دعائه مثل ما وصل إلى من نوافل بره فقلت وما في هذا الكلام ما يستحق الدعاء فقال أو ما ترى كنى بالقضبان عن الخيزران وهي اسم أمنا.
وقال الشعبي أخطأت عند عبد الملك بن مروان أربعا هي حدثني بحديث فاستعدته منه فقال أما علمت أنه لا يستعاد أمير المؤمنين وقلت حين أذن لي أنا الشعبي يا أمير المؤمنين وقلت حين أذن لي أنا الشعبي يا أمير المؤمنين فقال ما أدخلناك حتى عرفناك وكنيت عنده رجلاً فقال أما إنه لا يكنى أحد عند أمير المؤمنين وسألته أن يكتبني حديثاً فقال إنا نكتب ولا نكتب.
ولما كان مجلس الشراب مؤهلاً للاستكثار من اللذات والتقلب في المسرات كان الأولى به أن يجمع من الندماء من فيه من الحذاق بالغناء ومن يكون حديثه يطرب سامعيه وملحه أحسن موقعاً من الأغاني المعجبة في قلوب منادميه ما وصفه بعض الشعراء فقال:
حديث يشرب له الغواني ... ويأخذ كل سمع باستماعي
стр. 87
فيكون للحديث نوبة ولغناء أخرى، وحكى عن بشار أنه قال لا تجعلوا مجالسكم حديثاً كله ولا غناء كله ولا هزلا كله ولا جداً كله ولكن تنتقلوا فإن العيش خلس.
واعلم أن في النديم والخمر لذات شتى فلذة الخمر زوال الهموم والغموم والأفكار ولذة النديم المحادثة، قال الشاعر:
وما بقيت من اللذات إلا ... محادثة الرجال ذوي العقول
وقد كانوا إذا عدوا قليلاً ... فقد صاروا أقل من القليل
وأما أوساط الناس فيجب ألا يستكثر من الندماء ويقتصر على القليل فإن الكثير سبب إذهاب المال ووجود العداوة وفقدان المسرة وتعب القلب والحسم ولا يجب أن تصطفي نديماً حتى تغضبه في الصحو فإن وجدته حمولاً مطاوعاً قبولاً لما تأمره بصفيك وداده حاضراًُ وغائباً ومساعداً لك في الشدائد إذا وقعت فيها فاعتمد عليه فقلما تجده إذا النديم، وقد قال الشاعر:
إذا كنت مختاراً لنفسك صاحباً ... فمن قبل أن تبدئه بالود أغضبه
فإن كان في حال التعدي راضياً ... وإلا فقد جربته فتجنبه
قال بعض الظرفاء شرط المنادمة قلة الخلاف، والمعاملة بالإنصاف والمسامحة بالشراب، والتغافل عن الجواب، وإدمان الرضى، والطراح ما مضى وإسقاط التحيات، واجتنبا افتر اه لأصوات، وأكل ما حضر، وإحضار ما تيسر، وستر العيب.
ولقد أحسن من قال:
لا خير في الشراب إلا من أخاتقة ... إن سر غني وإن غنيته طربا
يعطيك صمتاً إذا غنيته وإذا ... شربت حي وإن حييته شربا
عف اللسان عفيف الفرج تحمده ... في كل حال إذا ثرى وإن تربا
فاشدد يديك عليه وإن ظفرت به ... وأكثر مودته لا تكثر الرهبا
كان إبراهيم بن المهدي يقول: لذة لعيش في ثلاث: منادمة الأحباب ومعاقرة الشراب ومذاكرة الآداب، ويروى أن أول من جعل لندمائه أمارة ينصرفون بها من مجلسه إذا أراد ذلك كسرى وهو أنه يمد رجله فيعرفون أنه يريد قيامهم فينصرفون وتبعه الملوك فكان فيروز الأصغر يدلك عينيه وكان بهرام يرفع رأسه السماء وكان في الإسلام معاوية يقول العزة لله وعبد الملك يلقى المروحة من يده، وحدث بهذا الحديث عند بعض البخلاء وسئل ما أمارته فقال: إذا قلت هات الطعام.
والناس يخلفون في الشرب فمنهم من يرى كثرة الندماء ومنهم من يرى الانفراد وممن رأى هذا الرأي جماعة من أهل الأدب قديماً حديثاً ولهم فيه أشعار وأخبار ومنهم من رأى مطالعة الكتب عليها وإعمال الفكرة في تصنيف العلوم والآداب، كما حكى عن الشيخ الرئيس ابن سينا أنه قال: كنت أستعين على مصنفات علومي باستعمال اليسير من الخمر المصلوح من الماء ومنهم الفارابي ودليل ذلك قوله شعرا:
لما رأيت الزمان تنكسا ... وليس في العشرة انتفاع
كل رئيس به ملال ... وكل رأس به صداع
لزمت بيتي وصنت نفسا ... لها عن اللذة امتناع
أشرب مما اقتنيت راحا ... لها على راحتي شعاع
لي من قراريرها ندامى ... ومن قراقيرها سماع
واجتنى من حديث قوم ... قد أقفرت منهم البقاع
قال بعضهم رأيت أعرابياً جالساً بالفلات تحت ظل شجرة ومعه كوة وهو يشرب قدحاًٍ ويصب في أصل الشجرة قدحاً فقلت له ما هذا فقال هو نديم ل يعربد علي يلحقني بظله ويحمل عني كله.
وقال بعضهم دخلت على بعض الرؤساء فلقيته يشرب وبين يديه كلب صيد وهو يشرب قدحاً ويصب قحاً بين يدي الكلب ومهما أكل طعاماً أو نقلاً رمى إلى الكلب منه فقلت له أتنادم كلباً فقال نهم يكف عني أذاه ويحرسني من أذى سواه يشكر قليلي ويحفظ مبيتي ومقيلي وأنشد شعراً:
وأشرب وحدي من كراهتي الأذى ... مخافة شر أو سباب لئيم
وقال الشيخ صفي الدين الحلي وأجاد: إذا لم أجد للراح خلا موافيا ... فلي بي أنس كامل حين أشرب لساني يغنيني وفكري منادمي ... وكفاي تسقيني وقلبي يطرب ومما يجب على ذوي السيادة والمروءة أن يسامحوا نديمهم إذا وقعت منه هفوة أو غفلة.
وما أحسن قول خالد اليشكري:
ولست بلاح لي نديما بزلة ... ولا هفوة كانت ونحن على الخمر
عزلت بجنبي قول خلى وصاحبي ... ونحن على صهباء طيبة النشر
فلما تمادى قلت خذها عريقة ... فإنك من قوم حجاحجة زهر
فما زلت اسقيه وأشرب مثلما ... سقيت أخي حتى بدا وضح الفجر
стр. 88
وخر صريعاً للجبين موسداً ... فوسدته واخترت حملي على الهجر
وأيقنت أن السكر طار بلبه ... فأغرق من شمتي وقال ولم يدر
وزال لسان كان إذا كان صاحيا ... يقلبه في كل فن من الشعر
وقال أبو نواس رحمة الله عليه:
ولست النديم صدق ... وقد أخذ الشراب بوجنتيه
تناولها وإلا لم أذقها ... فيأخذها وقد ثقلت عليه
ولكني آخذ الكأس عنه ... وأصرفها بعبسة حاجبيه
وإن رام الوساد لنوم سكر ... دفعت وسادتي أيضاً إليه
وهذا ما حبت له وإني ... أبر له من والديه
ولله در الصاحب بن عباد: قد حملت أوزار السكر على ظهور الخمر.
وتلطف من قال:
طويت بساط الشراب ... على ما فيه من خطأ وصواب
وقال أيضاً:
تعلم في مرافقة النديم ... مطاوعة الأراكة للنسيم
وعاشره بأخلاقي فإني ... وحقك عبد رق للنديم
أعاطيه أحاديثي وكأسي ... فيسكر بالحديث وبالقديم
وقال ابن المعتز:
ونداماي في شباب وحسن ... أتلفت ما لهم نفوس كرام
بين أقداحهم حديث قصير ... هو سحر وما سواه كلام
وغناء يستعجل الراح بالرا ... ح كما ناح في الغصون الحمام
فكان السقاة بين الندامى ... الفات بين السطور قيام
وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة ﵀:
بروحي نديم يشهد العقل أنه ... قضى العمر باللذات وهو خبير
تذكر مزج الكأس عند وفاته ... فأوصى لها بالثلث وهو كثير
وأنشدني من لفظه لنفسه أقضى القضاة بدر الدين محمد المخزومي:
ورب نهار فيه نادمت أغيدا ... فما كان أحلاه حديثاً وأحسنا
منادمة فيها منادى فحبذا ... نهار تقضي بالحديث وبالمنا
كتب إلى الحسن بن وهب صديق له من أهل الأدب فصلاًُ من كتاب قال فيه وقد قسمك الله بين طرفي وقلبي ففي مشهدك أنس قلبي يرويه طرفي وفي بعدك لهو طرفى يذكر قلبي، فأجابه الرجل: فهمت كتابك الذي أخبرت فيه ما أخبرت فسيان عندك على هذا رأيتني أم لم ترني إذا كان بعضك يؤنس بعضاً وحضور أعضائك تنوب لك عن حضوري لكنني أراك فيخشع قلبي وأغيب عنك فيدمع طرفي فسيان بين متن سلا أبدا ومن حزن دهره.
سئل إسحاق الموصلي عن عدد الندماء فقال واحد هم واثنان غم وثلاثة نظام وأربعة تمام وخمسة مجلس وستة زحام وسبعة موكب وثمانية سوق وتسعة جيش وعشرة نعوذ بالله من شرهم وضرهم.
قال أبو العينا: رب وحشة أنفع من أنيس ووحدة أمتع من جليس.
وقال الجاحظ:
أرى للكأس حقاً لا أراه ... لغير الكأس إلا للنديم
هو القطب الذي دارت عليه ... رحا اللذات في الزمن القديم
وكتب المرحوم فتح الدين محمد بن الشهيد إلى القاضي أمين الدين ابن الأنفي المالكي تغمده الله برحمته وكان قد تأخر عن زيارته:
حتام في سجن الصدود ... سرور عبدك يحتبس
معنى الجفاء فهمته ... قد زدت في المعنى قبس
وأغث بأناس الرضا ... نفسي فما فيها نفس
يا مالك بأبيك زر ... نروى لزيارة عن أنس
اقرأ ألم نشرح فكم ... نلقاك تقرأ في عبس
العمر أنفس أن تعي ... ش نهار همك كالغلس
إن الحياة لغفوة ... والعيش طيف يختلس
الباب العشرون
في مسامرة أهل النعيم
الليلة الأولى:
стр. 89
حكى أنه كان بمدينة بغداد رجل من أولاد النعيم ورث من أبيه مالاً جزيلاً وكان قينة فأنفق عليها أشياء ثم اشترها وكانت تحبه كما يحبها ولم يزل ينفق عليها ماله وهو في أكل وشرب إلى أن لم يبق له شيء وأفلس فطلب معاشاً يعيش فلم يقدر على شيء، وكان الفتى في أيام سعادته يحضر القينة في صناعة الغناء لتزداد في صناعتها فبلغت في الصناعة الغاية التي لم يدركها أحد سواها وكان الفتى قد علم من صناعة الغناء مثلها وأوفى فاستشار بعض إخوانه ومعارفه فقالوا له ما نعرف لك معاشاً أصلح من أن تغنى أنت والجارية فتأخذ على ذلك المال الكثير وتأكل وتشرب وأنت كل يوم طيب العيش فأنف من ذلك وعاد إليها فأخبرها بما أشير به عليه وأعلمها أن الموت أحب إليه من ذلك فصبرت معه على الشدة ثم قالت لقد رأيت لك رأياً قال ما هو قالت تبيعني فإنه يحصل لك من ثمني ما إن تعيش فيه عيشا طيبا وتتخلص من هذه الشدة وأخلص أنا وأحصل على نعمة فإن مثلي لا يشتريه إلا ذو نعمة أكون السبب في رجوعي إليك قال فحملها على السوق فكان أول من أعرضها عليه فتى هاشميا من أهل البصرة ظريف أديب كريم النفس واسع الحال فاشتراها بألف وخمسمائة دينار عينا فقال الرجل حين لفظت بالبيع وقبضت المال ندمت غاية الندامة وبكيت أشد بكاء وصارت الجارية في أقبح من صورتي وجهدت في الإقالة فلم يكن إلى ذلك سبيل وأخذت الدنانير في الكيس ومضيت لا أدري إلى أين أذهب لأن بيتي موحش منها وورد على من البكا واللطم والنحيب شيء لا أصفه قال فدخلت بعض المساجد وجلست أبكى فيه وأفكر فيما نابني وفيما عملت بنفسي فحملتني عيني وتركت الكيس تحت رأسي كالمخدة ونمت فلم أشعر إلا بإنسان قد جذبه من تحت رأسي ومضى يهرول فانتبهت فزعاً فطلبت الكيس فوجدته قد أخذ فقمت أريد أجري وراءه وإذا برجلي مربوطة في حبل والحبل في وتد فوقعت على وجهي ورأسي وقلت فارقت من أحب وذهب المال فكيف حالي فزاد بي الأمر إلى أن جئت إلى الدجلة ووضعت ثوبي على وجهي ورميت روحي في الدجلة ففطن الحاضرون لي وأن ذلك لغيظ نالنى فرموا أرواحهم خلفي فشالوني وسألوني عن أمري فأخبرتهم خبري فصرت بين راحم ومستجهل إلى أن جاءني شيخ منهم فأخذ بغصتي وقال لي يا هذا ذهب مالك وتذهب نفسك وتكون من أهل النار فثق بالله العظيم قم معي فأرني بيتك فما فارقني حملني إلى منزلي وقعد عندي حتى رأى السكون فيّ فشكرته وأنصرف فكدت أقتل نفسي فتذكرت الآخرة والنار فخرجت من بيتي هارباً إلى بعض أصدقائي القدماء فأخبرته بخبري وما جرى عليّ فبكى لي رحمة وأعطاني خمسين ديناراً وقال أقبل رأيي وأخرج الساعة من بغداد وأجعل هذه نفقة لك إلى حيث تجد قلبك تشاغل وأنت من أولاد الكتاب وخطك جيد وأدبك بارع فاقصد من شئت من العمال فأطرح نفسك عليه فلعله أن يستخلفك في شيء تنتفع به وتعيش معه ولعل الله أن يجمع عليك جاريتك فعملت على هذا وجئت إلى الكتبين وقد قوي حالي وزال عني بعض الهم واعتمدت على أنني أقصد واسط لأنه كان لي بها أقرب فإذا زلال مقدم وجراية كبيرة وقماش فاخر ينقل إلى الزلال فسألتهم أن يحملوني إلى واسط فقالوا هذا الزلال لرجل هاشمي ولا يمكننا حملك على هذه الصورة فسألتهم أن يحملوني وأرغبتهم في الأجرة فقالوا إذا كان فقالوا إذا كان ولابد أخلع هذه الثياب التي عليك وألبس ثياب الملاحين وأجلس معنا كأنك واحد منا فرجعت واشتريت من ثياب الملاحين وجئت إلى الزلال بعد أن اشتريت خبزاً وما يصلح للسفر وجلست معهم فما كان إلا ساعة حتى رأيت جاريتي بعينها ومعها جاريتان يخدمانها فسهل على ما كان بي وقلت أراها وأسمع غناءها من هنا إلى البصرة واعتقدت أن أجعل قصدي البصرة وطمعت أن أدخل مولاها وأصير من ندمائه وقلت لعلها لا تخليني من المراد وكنت واثقاً بها فلم يكن أسرع من أن جاء الفتى الهاشمي راكباً ومعه عدة ركبان فنزلوا في الزلال وانحدروا فلما صار عند كلوادى أخرج الطعام وأكل والجارية وأكل الباقون على وسط الزلال وأطعم الملاحين ثم أقبل على الجارية فقال لها كم هذه المدافعة عن الغناء ولزوم الحزن والبكاء لست أنت أول من فارق مولا كان لها محباً فعملت ما كان عندها من أمري ثم ضربت ستارة في جانب الزلال واستدعى اللذين يأكلون ناحية جلس معهم خارج الستارة فسألت عنهم فإذا هم أخوته ثم أخرج الصواني فيها
стр. 90
الخماسيات والحردادبات من المحكم مملوءة شراباً ففرقت عليهم وقدمت لهم الأنقال وما شاكل ذلك وما زالوا يرفقون بالجارية إلى أن استدعت وبالعود وأصلحته واندفعت تغني من البعيد الأول وهو:
بأن الخليط بمن عرفت فأدلجوا ... عمدا بمن أهواه لم يتحرجوا
وغدت كأن على ترائبي نحرها ... جمر الغضا في ساعة تتأجج
ثم غلبها البكاء ورمت العود وقطعت عن الغناء وتنغص على القوم مشربهم ووقعت أنا مغشياً على فظن القوم أني قد صرعت بعضهم يقرأ في أذني وأفقت بعد ساعة فلم يزالوا يدارونها ويرفقون بها ويسألونها إلى أن أصلحت العود واندفعت تغني في البعيد الثاني:
فوقفت أندب للذين تحملوا ... وكأن قلبي بالشفار يقطع
فدخلت دارهم أسائل عنهم ... والدار خالية المنازل بلقع
ثم شهقت شهقة كادت تتلف وارتفع بكاؤها وصرخت أنا ووقعت مغشياً عليّ وتبرم الملاحون مني وقالوا كيف حملتم هذا المجنون فقال بعضهم إذا بلغتم بعض القرى فأخرجوه وأريحونا منه فجاءني من ذلك أمر عظيم ثم وضعت على نفسي الصبر والتجلد وقلت أعمل الحيلة في أن أعملها بمكاني من الزلال لتمنع من إخراجي وبلغنا إلى قريب ضيعة فقال صاحب الزلال اصعدوا بنا إلى الشط فطرحوا القماش وطلعوا وكان مساء فطلع الملاحون وخلا الزلال فقمت حتى صرت خلف الستارة فغيرت طريقة العود عما كانت عليه إلى طريقة أخرى وكانت تعلمها مني فرجعت إلى موضعي من الزلال وفرغ القوم من حوائجهم في الشط ورجعوا والقمر قد انبسط فقال لها مولاها بالله عليك لا تنغصى علينا عيشنا ولم يزلوا إلى أن أخذت العود وجسته وشهقت حتى ظنوا أن روحها قد طلعت وقالت والله مولاي معي في الزلال فقال لها مولاها والله يا هذه لو كان معنا ما منعته من معاشرتنا ولعله كان يخف ما بك وننتفع بغنائك ولكن هذا بعيد قالت هذا مما لا أسمعه مولاي معنا الهاشمي فنسأل الملاحين قالت أفعل فسأل الملاحين وقال هل حملتم معكم أحداً قالوا لا وأشفقت أن ينقطع السؤال فصحت نعم هو ذا أنا فقالت كلام مولاي والله فجاءني الغلمان فحملوني إلى الرجل حملاً فلما رآني عرفني وقال ويحك ما هذا الزي وما الذي أصابك إلى أن صرت إلى هذه الحالة قال فصدقته عن أمري وبكيت وأعلى نحيب الجارية من خلاف الستارة وبكى هو وإخوته بكاءً شديداً رقة لنا قال لي يا هذا والله ما وطئت الجارية ولا سمعت لها غناء إلا اليوم وأنا رجل موسع ولله الحمد وإنما وردت بغداد لسماع الغناء وطلب أرزاقي من أمير المؤمنين وقد بلغت الأمرين مما أردت ولما علمت أني أريد الرجوع إلى وطني قلت أسمع من غناء بغداد شيئاً فاشتريت هذه الجارية لأصبر بها عند مغنيات لي بالبصرة وإذا كنتما على أن هذه الجارية إذا وصلت إلى البصرة أعتقتها وأزوجك إياها وأجري عليكما ما يكفيكما وزيادة ولكن على شريطة أنني إذا أردت الاجتماع تضرب لها ستارة وتغني من خلفها ونحن مع بعضنا لا تبخل علينا بذلك وأنت من جملت إخواني وندماني ففرحت بذلك ثم أدخل رأسه إلى الجارية وقال يرضيك ذلك فأخذت تدعو له وتشكره ثم استدعى غلامه فقال خذ بيد الغلام ومده بثياب وبخره وقدمه إلينا بعد أن يأكل شيئاً وفعل لي الغلام ما أمر به وعدت إليه فحط بين يدي مثل ما بين أيديهما من الشراب والنقل ثم اندفعت الجارية تغني بانبساط وهو:
عيروني بأن سفحت دموعي ... حين هم الحبيب بالتوديع
زعموا أنني تهتكت في الحب? ... ب ما أريد غير مطيع
لم يذوقوا طعم الفراق ولا ما ... أحرقت لوعة الأسى من ضلوع
كيف لا أسفح الدموع على رسم ... عفا بعد ساكن وجموع
هب إن كتمت حالي لا تخفي ... زفرات المتيم المصدوع
إنما يعرف الغرام لمن لا ... ح عليه الغرام بين الربوع
فطرب القوم من ذلك طرباً شديداً وزاد فرح الفتى بذلك فلما رأيته على ما هو عليه من الفرح أخذت العود من الجارية وأصلحته وضربت به في أحسن صنعة وغناء واندفعت أقول:
أسأل العرف إن سألت كريما ... لم يزل يعرف الغنى واليسارا
فسؤال الكريم يورث عزا ... وسؤال اللئيم يورث عارا
وإذا لم يكن من الذل بد ... فالق بالذل إن لقيت الكبارا
ليس إجلالك الكريم بذل ... إنما الذل أن تجل الصغارا
стр. 91
ففرح القوم وزاد فرحهم وأنسوا بي غاية الإيناس ولم نزل على مسرة وسرور وغبطة وحبور وأنا أغني ساعة وهي تغني ساعة كذلك على أن جئنا إلى بعض الشطوط فارسي الزلال وصعد من الزلال كل من فيه وقضوا حوائجهم وصعدت أنا أيضاً وكنت سكراناً فقعدت أبول فأخذتني عيني فنمت وطلع القوم وانحدر الزلال ولم يعلموا بي وهم سكارى وكنت دفعت النفقة التي معي إلى الجارية ولم يبقى معي حبة واحدة وأن القوم انحدروا ووصلوا إلى البصرة ولم أنتبه أنا إلا من حر الشمس فجئت إلى الشط فلم أرحسا وقد كنت أجللت الرجل أن أسأله بمن يعرف وأين داره من البصرة فبقيت على شاطئ نهر معتلا كأول يوم بدأت في المحبة وكأن من كنت فيه مناما واجتازت بي سماوية فحملت فيها ودخلت إلى البصرة وما كنت دخلتها قط فنزلت خانا وبقيت متحيراً لا أدري ما أعمل ولم يتجه لي معاش إلى أن أجتاز بي يوما إنسان كنت أعرفه ببغداد فتبعته لأكشف له حالي وأسترفده ثم أنفت من ذلك ودخل منزله فعرفته وجئت إلى بقال على باب الخان الذي نزلته فأعطيته دانقا وأخذت منه دواة وورقة وجلست أكتب إليه رقعة فاستحسن خطي البقال ورأى ثوبي دنساً فسألني عن أمري فأخبرته أني رجل غريب فقير قد تعذر على التصرف وما بقي معي شيء فقال تعمل معي كل يوم بنصف درهم وطعامك وكسوتك وتضبط لي حساب دكاني فقلت له نعم قال لي اصعد فصعدت وخرقت الرقعة وجلست معه ودبرت أمره وضبطت دخله وخرجه فلما كان بعد شهر رأى الرجل دخله زائداً وخرجه ناقصاً فحمدني وبقيت معه كذلك شهوراً ثم جعل لي كل يوم درهما ولم يزل حالي يقوى معه على أن حال الحول فناله مني الصلاح فدعاني على أن تزوجت بابنته وشاركني في الدكان ففعلت ودخلت بزوجتي ولزمت الدكان والحال يقوى إلا أني في خلال ذلك مكسور النفس ميت النشاط ظاهر الحزن وكان البقال يشرب فربما جذبني إلى مساعدته فأمتنع وأظهر ذلك حزناً مني واستمرت بي الحال على هذا سنتين وأكثر فلما كان في بعض الأيام إذا قوم يجتازون بطعام وشراب وكل أحد على ذلك فسألت الشيخ عن القصة فقال لي هذا اليوم عيد الشعانين يخرج أهل الطرب واللعب والشراب والقينات إلى نهر الأبلة فيرون النصارى ويشربون ويتفرجون فدعتني نفسي إلى هذا وقلت لعلي أقف لأصحابي على خبر فقلت للبقال كنت أريد النظر إلى هؤلاء قال لي شأنك وأصلح لي طعاماً وشراباً وسلم إلى غلاما وسفينة فخرجت فأكلت وبدأت بالشراب حتى وصلت إلى الأبلة وابتدأ الناس ينصرفون وعزمت على الانصراف وإذا أنا بالزلال بعينه في وسط الناس سائراً في نهر الأبلة فتأملت وإذا بأصحابي على سطحه ومعهم عدة مغنيات فحين رأيتهم لم أتمالك فرحاً وصحت بهم فلما رأوني عرفوني وأخذوني إليهم وقالوا لي أنت حي وعانقوني وفرحوا بي وسألوني عن قصتي فأخبرتهم بها على أتم شرح وقالوا إنا لما فقدناك في الحال وقع لنا أنك قد سكرت ووقعت في الماء وغرقت فخرجت الجارية من ثيابها وكسرت عودها وقطعت شعرها ولطمت وجهها وأقبلت على البكاء والنحيب ولم نقدر نمنعها من ذلك ووردنا البصرة فقلت لها ما تحبين أن يعمل بك فقد كنا وعدنا مولاك بوعد تمنعنا المروءة من استخدامك بعده وسماع غناك قالت يا مولاي تملكني من القوت اليسير ولباس ثياب الشعر السواد وأن اعمل قبرا في جنب من الدار وأجلس عنده وأتوب عن الغناء فملكناها من ذلك وهي جالسة عنده إلى الآن فأخذوني معهم ومضوا بي فلما دخلت إلى الدار ورأيتها على تلك الصورة ورأتني شهقت شهقة عظيمة من ظننت أنها تعيش فاعتنقنا عناقاً طويلاً ثم افترقنا ثم قال مولاها تأخذها قلت نعم أعتقها كما وعدت وزوجني بها ففعل ذلك ودفع إلينا ثياباً كثيرة وفرشاً وقماشاً وآلة وحمل إليّ خمسمائة دينار وقال هذا مقدار ما أردت أجريه عليك في كل شهر منذ أول دخول البصرة وقد اجتمع طول هذه المدة فخذه والجراية متسابقة في كل شهر وشيء آخر لكسوتك وكسوة الجارية والشرط في المنادمة وسماع الجارية ومن وراء السترة وقد وهبت لك الدار الفلانية قال فحملت إلى الدار فإذا قد غمرت بالفرش والقماش وجميع ما أصاحبه وحملت إليها الجارية وجئت إلى البقال فحدثته الحديث وسألته أن يجعلني في حل من طلاقه لابنته بغير ذنب ودفعت إليه مهرها وما يلزمني من أمرها وأقمت مع الهاشمي على ذلك الحال سنين وصرت رب ضيعة ونعمة وعادت حالتي إلى قريب ما كنت فيه أنا
стр. 92
والجارية وفرج الله الكريم عنا وسهل لنا الأمور بالإحسان وهذا ما كان من حديثهم والحمد لله حمداً كثيراً.
الليلة الثانية
حدث أبو العباس بن يزيد النحوي المعروف بالمبرد قال حدثنا محمد بن عامر الحنفي وكان من سادات بكر بن وائل وأدركته شيخاً كبير القامة مملقا وكان إذا فاض إملاقه شيئاً جاد به وقد كان ولي قديماً شرطة البصرة فحدثني هذا الحديث الذي نذكره ووقع لي من غيرنا ناحيته ولا أذكر ما بينهما من الزيادة والنقصان إلا أن معاني الحديث مجموعة فيما أذكر لك: ذكر أن فتيانا كانوا مجتمعين في نظام واحد كلهم أبناء نعمة وكلهم شرد عن أهله وقنع بأصحابه فذكر ذاكر منهم قال عنا قد اكترينا دارا مشرفة على الطريق ببغداد المعمورة بالناس فكنا نفلس أحياناً ونوسر أحياناً على مقدار ما يملق الواحد من أهله وكنا لا نستنكر أن تقع مؤننا على واحد منا إذا أمكنه ويبقى الواحد منا لا يقدر على شيء فيقوم به أصحابه الدهر الأطول وكنا إذا أيسرنا أكلنا ودعونا الملهين والملهيات وكنا في أسفل الدار فإذا عدمنا الطرب فمجلسنا غرفة لنا نتمتع منها بالنظر إلى الناس وكنا لا نخلو من نبيذ في عسر ولا يسر فإنا كذلك يوما إذا بفتى يستأذن علينا فقلنا له اصعد فإذا رجل نظيف حلو الوجه سري الهمة يظهر عليه أنه من أبناء النعم فأقبل علينا وقال إني سمعت باجتماعكم وألفتكم وحسن منادمتكم حتى كأنكم أدخلتم جمعياً في قالب واحد فأحببت أن أكون واحداً منكم فلا تحتشموني قال فصادف ذلك منا إقتارا من القوت وكثرة من النبيذ وقد كان قال لغلامه أول ما يأذنوا لي أن أكون كأحدهم هات ما عندك فغاب عنا غير كثير ثم إذا هو أتى بسلة خيزران وفيها طعام مطبوخ من جدي وفراخ ورقاق وأشنان ومحلب داخله فأصبنا من ذلك ثم أفضينا في شربنا وانبسط الرجل وإذا هو أحيى خلق الله إذا حدث وأحسنهم استماعا إذا حدث وأمسكهم عن الملاحات إذا خولف ثم أفضينا في شربنا وانبسط الرجل فإذا هو أحسن الناس خُلقا خَلقا وكنا ربما امتحناه بأن ندعوه إلى الشيء الذي نعلم أنه يكرهه فيظهر لنا ألا نريد غيره ونرى ذاك في إشراق وجهه ونسبه فلم يمكن منا غير معرفة الكنية فإنا سألناه عنها فقال أبو الفضل فقال لنا يوما بعد اتصال الأنس ألا أخبركم كيف عرفتكم قلنا إنا لنحب ذاك قال أحببت في جواركم جارية وكان سيدها ذا عزائم وكنت أجلس لها في الطريق التمس اجتيازها فأراها حتى أخلفني الجلوس على الطريق ورأيت غرفتكم هذه فسألت عن خبرها فخبرت عن ائتلافكم ومساعدة بعضكم بعضاً فكان الدخول فيما أنتم فيه آثر عندي من الجارية فسألناه عنها فخبرنا، قلنا ما نحيد عنها لك حتى نظفرك بها فقال يا أخوتي إني والله على ما ترون مني من شدة المحبة والكلف بها ما قدرت فيها حراما قط ولا تقديري ألا مطاولتها ومصايرتها إلى أن يمن الله بثروة فاشتريها وأقام معنا شهرين ونحن على غاية الاغتباط بقربه والسرور بصحبته ثم اختلس منا فنالنا لفراقه كل ممض ولوعة مؤلمة ولم نعرف منزلا نلتمسه منه فكدر علينا من العيش ما كان طاب لنا به وقبح عندنا ما كان حسن بقربه وجعلنا لا نرى سروراً ولا غماً إلا إذا ذكرنا اتصال الأنس والسرور بحضوره والغم بمفارقته فكنا كما قال القائل:
يذكرينهم كل خير رأيته ... وشر فما أنفك منهم على ذكرى
стр. 93
فغاب عنا زهاء عشرين يوماً ثم بينما نحن مجتازون من الرصافة إذا به قد طلع في موكب نبيل وزي جليل فحيث بصرنا به انحط عن دابته وانحط غلمانه ثم قال يا إخوتي إني والله ما هنا لي عيش بعدكم ولست أماطلكم بخبري حتى آتى المنزل ولكن ميلوا بنا إلى المسجد فملنا معه فقال أعرفكم أولاً بنفسي أنا العباس بن الأحنف وكان من خبري بعدكم أني خرجت إلى منزلي من عندكم فإذا المسودة محيطة بي فمضى إلى دار أمير المؤمنين فصرت إلى يحيى بن خالد فقال لي ويحك يا عباس إنما أخبرتك من طرفاء الشعر لقرب مأخذك وحسن مأينك وأن الذي ندبتك له من شأنك وقد عرفت خطرات الخلفاء وإني أخبرك أن ماردة هي الغالية على أمير المؤمنين اليوم وأنه جرى بينهما عتاب فهي بدلالة المعشوق تأبى أن تعتذر وهو بعز الخلافة وشرف الملك يأبى ذلك وقد رمت الأمر من قبلهما فأعياني وهو أحرى أن تسقره الصبابة فقل شعراً يسهل عليه هذه السبيل فقضى كلامه ثم دعاه أمير المؤمنين فصار إليه وأعطيت دواة وقرطاسا فاعتراني الزمع وأذهب عني كل قافية ثم انفتح لي شيء والرسل بين يدي فجاءتني أربعة أبيات رضيتها وقعت صحيحة المعنى سهلة الألفاظ ملائمة لما طلب مني فقلت لأحد الرسل أبلغ الوزير أني قد قلت أربعة أبيات فإن كان فيها مقنع وجهت بها فرجع إلى الرسول بأن هاتها ففي أقل منها مقنع وفي ذهاب الرسول ورجوعه قلت بيتين من غير ذلك الروي وكتبت الأربعة الأبيات في صدر الرقعة وعقبت بالبيتين فكتبت:
العاشقان كلاهما متعتب ... وكلاهما متوجد متغضب
صدت مغاضبة وصد مغاضبا ... فكلاهما مما يعالج متعب
راجع أحبتك الذين هجرتهم ... إن المتيم قل ما يتجنب
إن التجنب إن تطول منكما ... دب السلولة فعز المطلب
وكتبت تحت ذلك:
لا بد للعشاق من وقفة ... يكون بين الصد والصرم
حتى إذا ما الهجر تمادى به ... راجع من تهوى على رغم
стр. 94
ثم وجهت بالكتاب إلى يحيى بن خالد فرفعه يحيى إلى الرشيد فقال والله ما رأيت شعراً أشبه بما نحن فيه من هذا والله لكأني قصدت به فقال له يحيى فأنت والله المقصود به هذا يقوله العباس بن الأحنف في هذه القصة فلما قرأ البيتين وأفضى إلى قوله راجع من تهوى على الرغم استغرب ضاحكاً حتى سمعت ضحكه ثم قال أي والله أراجع على رغم يا غلام هات النعل فنهض وأذهله السرور عن أن يأمر لي بشيء فدعاني يحيى فقال لي إن شعرك قد وقع بغاية الموافقة وأذهل أمير المؤمنين السرور عن أن يأمر لي بشيء قلت لكن هذا الخبر ما وقع مني بموافقة ثم جاء فساره فنهض وثبت مكاني ثم نهضت بنهوضه فقال لي يا عباس أمسيت أملي الناس أتدري ما سارني به هذا الرسول قلت لا قال قد ذكرني ماردة بلغت أمير المؤمنين لما علمت بمحبته فقالت يا أمير المؤمنين كيف فأعطاها الشعر وقال فعلت شيئاً بعد قالت إذا والله لا أجلس حتى يكافئ قال فأمير المؤمنين قائم لقيامها وأنا قائم بقيام أمير المؤمنين وهما يتناظران في صلتك فهذا كله لك ما لي من هذا كله ألا الصلة ثم قال هذا أحسن من شعرك فأمر أمير المؤمنين بمال كثير وأمرت ماردة بمال دونه وأمر الوزير بمال دون ما أمرت به وحملت على ما ترون من الظهر ثم قال الوزير من تمام اليد قبلك ألا ترجع من الدار حتى يؤتي لك بهذا المال ضياعاً فاشتريت لي ضياع بعشرين ألف دينار ودفع إلى بقية المال فهذا الخبر الذي عاقني عنكم فهلموا حتى أقاسمكم الضياع وأفرق فيكم المال فقلنا له هناك الله بمالك وكلنا راجع إلى نعمة من الله فأقسم وأقسمنا قال فامضوا بنا إلى الجارية حتى نشتريها فمشينا إلى صاحبها وكانت جارية جميلة حلواء بلا تبخس شيئاً أكثر ما فيها ظرف اللسان وتأدية الرسائل وكانت تساوي على وجهها مائة وخمسين دينار فلما رآني مولاها أسامني فيها خمسمائة دينار فأوحيناه بالعجب فحط مائة ثم حط مائة وقال العباس يا فتيان إني والله أقسم أحتشم بعد ما قلتم ولكنها حاجة في نفسي بها يتم سروري فإن ساعدتم فعلت قلنا له قل قال هذه الجارية أنا عاينتها منذ دهر وأريد أيثار نفسي بها يتم سروري فإن ساعدتم فأكره أن تنظر إلى بعين كن قد ماكس في ثمنها فأعطيه فيها خمسمائة دينار كما سأل قلنا فإنه قد حط مائتين قال وإن فعل فصادفنا من مولاها رجلاً حراً فأخذ ثلاثمائة دينار وجهزنا بالمائتين فما زال لنا محبا إلى أن فرق الموت بيننا.
الليلة الثالثة
حدث عبد الرحمن بن عمر الفهري عن رجال سماهم قال أمر المأمون أن يحمل إليه عشرة أناس من البصرة كانوا يرمون بالزندقة عنده فحملوا إليه فبينما أحد الطفيليين جائزا إذ رآهم مجتمعين فقال ما اجتمع هؤلاء ألا لوليمة فأنل معهم ودخل في جملتهم ومضى بهم المتوكلون إلى البحر فأطلعوهم في زورق قد أعد لهم فقال الطفيلي كأنها نزهة فأصعد معهم في الزورق فلم يكن بأسرع من أن قيد القوم فقيدوا الطفيلي معهم فعلم أنه قد وقع ورام الخلاص قلم يقدر ثم دفع الملاح وساروا إلى أن وصلوا بغداد وحملوا على دخول المأمون فأمر بضرب أعناقهم فاستدعوا بأسمائهم رجلاً رجلاً وهو يقتل حتى لم يبق ألا الطفيلي وفرغت العدة فقال المأمون للمتوكلين بهم ما هذا قالوا يا أمير المؤمنين ما ندري غير أ، اوجدناه مع القوم فجئنا به فقال له امأمون ما قصتك ويلك فقال يا أمير المؤمنين امرأته طالق إن كان يعرف من أقوالهم شيئاً ولا يعرف غير لا إله إلا الله محمد رسول الله وإنما رأيتهم مجتمعين فظننت أنهم يدعون إلى مأدبة أو دعوة فالتحقت بهم قال فضحك المأمون ثم قال بلغ من شؤم التطفيل إلى أن أدخل صاحبه هذا المدخل لقد سلم هذا الجاهل من الموت ولكن يؤدب حتى يتوب.
قال وكان إبراهيم بن المهدي حاضراً يومئذ فقال يا أمير المؤمنين هبه لي وأحدثك بحديث عن نفسي في التطفيل عجيب، قال قد وهبته لك، هات حديثك، قال:
стр. 95
يا أمير المؤمنين خرجت يوماً متنكراً أنظر إلى سكك بغداد فاستهوى بي التفرج وانتهى بي المشي إلى موضع شممت فيه روايح طعام وأبازير قد تاقت نفسي إليها ووقفت يا أمير المؤمنين لا أقدر على المضي فرجعت بصرى فإذا شباك ومن خلفه كف ومعصم ما رأيت أحسن منه فوقفت حائراً ونسيت روايح الطعام بذلك الكف والمعصم فأخذت في أعمال الحيلة في الوصول فنظرت فإذا بخياط قريب من ذلك الموضع فقدمت إليه وسلمت عليه فرد علي فقلت يا سيدي لمن هذه الدار قال يا سيدي لرجل من البزازين قلت فما اسمه قال فلان ابن فلان قلت هو ممن يشرب الخمر قال نعم وأظن اليوم عنده وليس ينادم إلا تجاراً مثله فبينما نحن في الكلام إذ أقبل رجلان راكبان فقال هؤلاء ندماؤه فقلت ما أسماؤهما وما كناهما فقال فلان وفلان فحركت دابتي فلحقتهما وقلت جعلت فداكما قد استبطأكما أبو فلان أعزه الله وسايرتهما حتى أتيا الباب فدخلت ودخلا فلما رآني صاحب المنزل معهما لم يشك في أني منهما بسبيل فرحب بي وأجلسني في أفضل المواضع ثم جئ بالمائدة ونقل إليها الألوان فكان طعمها يا أمير المؤمنين أطيب من رائحتها فقلت في نفسي هذه الألوان قد من الله على ببلوغ الغرض منها يبقى الكف والمعصم ثم جئ بالضوء فغسلنا ثم نقلنا إلى مجلس المنادمة فإذا هو أشكل منزل وأظرفه في سائر أموره وجعل صاحب المنزل يلطف ويقبل عليّ في الحديث لظنه أني ضيف لاضيافه وهم على مثل ذلك يظنون أن إكرامه لي عن معرفة متقدمة وصداقة حتى شربنا أقداحا خرجت علينا جارية كأنها غصن بان في غاية الظرف وحسن الهيئة فسلمت غير خجلة وأتيت لها وسادة فجلست وأتى بعود فأخذته وحبسته أحسن حبس واندفعت تغني فغنت:
توهمها طرفي فأصبح خدها ... وفيه مكان الوهم من نظري أثر
وصافحها كفي فآلم كفها ... فمن لمس كفي في أناملها عقر
فهيجت يا أمير المؤمنين بلبالي وطربت لحسن شعرها وحذقها ثم اندفعت فغنت أيضاً:
أشرت إليها هل عرفت مودتي ... فردت بطرف العين إني على العهد
فحدت عن الإظهار حفظاً لسرها ... وحادت عن الإظهار حفظاً على عهد
فجاءني من الطرب ما لم أملك معه نفسي وطرب القوم طرباً شديداً ثم غنت:
أليس عجيبا أن بيتا يضمن ... وإياك لا تخلو ولا تتكلم
سوى أعين تبدي سرائر نفس ... وتقطيع أنفاس على النار تضرم
إشارة أفواه وغمز حواجب ... وتكسير أجفان وكف تسلم
فحسدتها على حذقها يا أمير المؤمنين وأصابتها معنى الشعر لأنها لم تخرج من الفن الذي ابتدأت فيه فقلت قد بقي عليك يا جارية شيء فرمت بالعود وقالت متى كنتم تحضرون في مجالسكم البغضاء فندمت على ما كان مني ورأيت القوم كأنهم تنكروا بي فقلت في نفسي فاتني جميع ما أملت أن لم أتلافي قضيتي فقلت أثم عود قالوا نعم فأتيت بعود مليح الصنعة فأصلحت ما أردت ثم اندفعت فغنيت:
ما للمنازل لا تجيب حزينا ... أصم أم قدم الليل البلا فبلينا
روح الفتية دوحة مذكورة ... إن مت متنا وإن حييت حيينا
فما استتميت يا أمير المؤمنين حتى وثبت الجارية على رجلي تقبلها وتقول معذرة إليك والله ما علمت مكانكم ولا سمعت مثل هذه الصنعة من أحد ثم زاد القوم في إكرامي وتبجيلي وطربوا غاية الطرب وشربوا بالطاسات، فلما رأيت طربهم اندفعت فغنيت:
أبي الله أن تمسين لا تذكرينني ... وقد سمحت عيناي من ذكرك الدما
إلى الله أشكو بخلها وسماحتي ... لها عسل مني وتبدي علقما
فردى مصاب القلب أنت قتلته ... فلا تتركيه ذاهب العقل مغرما
إلى الله أشكو أنها أجنبية ... أكون لها ما عشت بالود محرما
فرأيت من طرب القوم شيئاً خشيت أنهم فارقوا عقولهم فأمسكت عنهم ساعة ثم راجعت أمرهم لما هدأت نفوسهم واندفعت وغنيت:
هذا محبك مطويا على كمده ... صب مدامعه تجري على جسده
له يد تسأل الرحمن راجية ... مماته ويد أخرى على كبده
يا من رأى كفا مستنهريا دفقا ... كانت منيته في طرفه ويده
стр. 96
فجعلت الجارية تصيح هذا والله الغناء لا ما نحن فيه وشرب القوم وسكروا وبقي في صاحب المنزل مسكة لجودة شربه فأمر غلمانهم بحفظهم إلى منازلهم وانصرفوا وخلوت معه وشرب أقداحا ثم قال يا سيدي ذهب ما مضى من عمري هدرا إذ لم أكن أعرف مثلك ولم أحاضر رئيسا يشبهك فبالله يا مولاي من أنت لأعرف نديمي فأخذت أروي عليه وهو يقسم علي إلى أن أعلمته من أنا على الحقيقة فوثب قائماً على قدميه وقال لقد عجبت أن يكون هذا الفعل إلا لمثلك ولقد أسدى الزمان إلى يد ألا أقوم بشكرها ومتى طمعت بأن يزورني ذو الخلافة في منزلي وينادمني ما هذا ألا في المنام فلا أتممت ليلتي ألا قائماً بين يديك إذ كنت أحقر أن أجالس ذا الخلافة فأقسمت عليه إلى أن جلس ثم أخذ يسألني ما السبب في حضوري عنده بألطف معنى فأخبرته يا أمير المؤمنين بالقصة من أولها إلى آخرها وما سترت منها شيئاً ثم قلت أما الطعام فنلت منه بغيتي وأما الكف والمعصم إن شاء الله ثم قال يا فلانة قولي لفلانة جارية له تنزل وجعل يستدعي واحدة واحدة ويعرضها علي وأنا لا أدري صاحبتي إلى أن قال والله ما بقي غير أمي وأختي والله لينزلن فعجبت من كرمه وسعة صدره فقلت جعلت فداك ابدأ بالأخت فقال حباً وكرامة ثم نزلت أخته فأراني يدها فإذا هي التي رأيتها فقلت حسبك هذه الجارية فأمر غلمانه لوقته واستدعى عشرة مشايخ سماهم لهم ثم قام فأخرج بدرتين عشرين ألف درهم وحضرت المشايخ فقال لهم هذا سيدي إبراهيم بن المهدي يخطب مني أختي فلانة وأشهدكم أني قد زوجتها له وأمهرتها له عشر آلاف درهم فقلت له قبلت ورضيت النكاح فشهدوا علينا ثم دفع البدرة الواحدة إلى أخته والأخرى فرقها على المشايخ ثم قال أعذروا فهذا ما حضر فشكروا ودعوا له وانصرفوا ثم قال يا سيدي أمهد لك بعض البيوت وتنام مع أهلك فاحتشمني وما رأيت من كرمه واستحييت أن أخلوا بها داره فقلت بل أحضر عمارية وأجهزها وأحملها إلى منزلي فوحقك يا أمير المؤمنين لقد حمل إليّ من الجهاز ما ضاقت عنه بيوتنا على سعتها فأولدتها هذا الغلام القائم بين يديك يا أمير المؤمنين فعجب المأمون من كرم هذا الرجل فقال لله دره ما سمعت قط بمثله ثم أطلق الطفيلي بإجارة إبراهيم وأمر بإحضار الرجل ليشاهده فأحضر بين يديه فاستنطقه فأعجبه وصار من جملة خواصه ومحاضرته.
الليلة الرابعة
стр. 97
حدث غير الهلالي قال كان من فتيان بني هلال فتى يقال له بشر بن عبد الله وكان يعرف بالأشتر وكان من سادات بني هلال أحسنهم وجها وأسخاهم كفا وكان مغرماً بجارية من قومه تدعى جيدا وكانت بارعة الجمال والكمال ثم اشتهر أمره وأمرها وظهر خبرهما بين أهليهما إلى أن كانت بين الفريقين ثم افترقوا وأبعدت منازلهم فقال غير فلما طال على الأشتر الفراق وتمادى البعد جاءني فقال يا غير هل لك من خبر ثم ما عندي ألا ما أجبته فقال تساعدني على زيارة جيد فقد أذهب الشوق روحي فقلت نعم بالحب والكرامة فانهض بنا إذا شئت وركبت وسرنا يومنا وليلتنا والغد حتى إذا كان العشاء أنخنا راحلتنا في شعب قريب من الفريق فقال يا غير أذهب فتأنس بالناس وأذكر أن لقيت أحداً أنك صاحب ضالة ولا تعرض بذكرى بين شفة ولا لسان إلى أن تلقى جاريتها فلانة ترعى غنمهم فأقرئها مني السلام وسلها عن الخبر وأعلمها بموضعي قال فخرجت لأعدو إلى ما أمرني به حتى لقيت الجارية وأبلغتها الرسالة وأعلمتها مكانة وسألتها عن الخبر وأعلمتها بموضعي فقالت هي والله مشدد عليها تحفظ بها ولكن مواعدكم أوائل الشجرات اللواتي عند أعقاب البيوت مع صلاة العشاء قال فانصرف إلى صاحبي فأعلمته الخبر ثم نهضت أنا وهو نقود راحلتنا أتينا الموضع في الوقت المعهود فلم نلبث ألا قليلاً وإذا جيد تمشي قريباً منا فوثب الأشتر فصاحبها وسلم عليها وقمت أنا موليا عنهما فقالا نقسم عليك بالله ألا ما رجعت فوالله ما نحن في مكروه ولا بيننا ما يستر عنك فرجعت إليهما وجلست معهما فقال الأشتر ما فيك حيلة يا جيد نتعلل الليلة قالت لا والله ومالي إلى ذلك سبيل إلا أن يرجع الذي عرفت من البلاء والشر فقال لها لا بد من ذلك ولو كان ما عسى أن يكون قالت فهل في صاحبك هذا من خير قلت قولي ما بدا لك فأني انتهى إلى رأيك ولو كان فيه ذهاب روحي فخلعت ثيابها وقالت ألبسها وأعطني ثيابك ففعلت ثم قالت أذهب إلى بيتي وأدخل في سربي فأن زوجي سيأتيك بعد فراغه من الحيلة والقدح مملوء فيقول هاك غبوقك فلا تأخذ منه حتى تطل ذلك عليه ثم خذه أو دعه حتى يضعه ويذهب فلست تراه حتى تصبح إن شاء الله تعالى قال فذهبت ففعلت ما أمرتني به حتى إذا جاء بالقدح لم آخذه حتى نكد عليه ثم أهويت لأخذه منه وأهوى هو ليضعه فاختلفت أيدينا على الإناء فانكفأ القدح وأنهرق اللبن فقال أن هذا لطماح جداً وضرب بيده إلى مقدم البيت واستخرج سوطاً ملويا مثل الثعبان ثم دخل فهتك الستر عليّ ومتع السوط مني تمام عشرين سوطا ثم جاءت أمه وأخته فانتزعاه من يده لا والله ما فعلا ذلك حتى زال عقلي وهممت أن أجبه بالسكين وأن كان فيها الموت فلما خرجوا شددت سترى وقعدت كما كنت فلم البث إلا قليلاً حتى دخلت أم جيد فكلمتني وهي لا تشك أني بنتها واندفعت في البكاء والنحيب وتغطيت بثوبي ووليتها ظهري فقالت يا بنية اتقى الله في نفسك ولا تعرضي بمكروه زوجك فذاك أولى بك وأما الأشتر فذاك آخر الدهر وخرجت من عندي وقالت سأرسل إليك أختك تؤنسك الليلة فما لبثت غير دقيقة وإذا الجارية قد جاءت فجعلت تبكي وتدعو على من ضربني وأنا لا أكلمها ثم انضجعت إلى جنبي فلما استمكنت منها شددت يدي على فيها وقلت يا هذه تلك أختك مع الأشتر وقد قطع ظهري الليلة بسببها وأنت أولى بالستر عليها فاختاري لنفسك ولها ولئن والله تكلمت بكلمة لأصيحن أنا بجهدي حتى تكون الفضيحة شاملتهم فلما سمعت ذلك دفعت يدي عن فيها واهتزت كما يهتز القضيب فلم أزل بها حتى أنست بي فباتت والله معي أحسن رفيق رافقته ولم نزل نتحدث وتضحك مني وما نالني وتمكنت منها تمكن من لو أراد زنية فعلها ولكن الله عصم فله الحمد ولم نزل كذلك حتى طلع الفجر وإذا جيد قد دخلت علينا فلما رأتنا ارتاعت وقالت ويحك من هذه فقلت أختك قالت وما الخبر قلت تخبرك فإنها والله نعم الأخت وأخذت ثيابي ومضيت إلى صاحبي فركبت أنا وهو وحدثته ما أصابني وكشفت له عن ظهري فإذا فيه ضرب رمى الله ضاربه بالنار كل شربة يخرج منها الدم فلما رآني كذلك قال لقد عظم صنعك ووجب شكرك وطالت يدك فلا أحرمني الله مكافأتك ولم يزل شاكراً معترفاً.
الليلة الخامسة
стр. 98
قال الواقدي كان إبراهيم بن المهدي قد ادعى الخلافة لنفسه بالري وأقام مالكها سنة واحد عشر شهراً وأثنى عشر يوماً وله أخبار كثيرة أحسنها عندي ما حكاه لي قال: لما دخل المأمون الري وطلبني أشد الطلب وجعل لمن أتاه بي مائة ألف درهم فخفت على نفسي وتحيرت في أمري فخرجت من داري وقت الظهر وكان يوماً صائفا وما أدري أين أتوجه فمررت على وجهي حتى وقعت في وقاق لا ينفد فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون إن عدت على أثرى يرتاب بي فرأيت في صدر الزقاق عبداً أسود وهو قائم على باب دار فتقدمت إليه فقلت له أعندك موضع أقيم فيه ساعة من نهار فقال نعم وفتح الباب فدخلت إلى دار نظيفة فيه حصيرة نظيفة ومخدة جلد إلا أنها نظيفة ثم أغلق الباب عليّ ومضى لسبيله فتوهمته قد جعل الجعالة فيّ وأنه خرج ليدل على فبقيت على مثل النار قلقا فبينما أنا كذلك إذ أقبل ومعه حمال عليه كل ما يحتاج إليه من خبز ولحم وقدر جديد وحرة نظيفة وكيزان جدد فحط عن الحمال والتفت إلى وقال جعلني الله فداك أنا رجل حجام وأنا أعلم أنك تتقذر مني لما أتولاه من معيشتي فشأنك بما لم تقع عليه يد وكان لي حاجة إلى الطعام فطبخت لنفسي قدرا ما أذكر أني أكلت مثله فلما قضيت أربي من الطعام قال لي هل لك من شراب فأنه يسلي الهم ويطيب العيش ويدفع عن النفس الغم قلت ما أكره ذلك رغبة في أن أؤانسه فأتى بقطرمين جديد لم تمسه يد وجاءني بذتين من شراب مطيبة وقال لي روق نفسك فروقت شراباً نهاية في الجودة وأحضر لي قدحا جديدا وفاكهه ونقلا مختلفة في طسوت فخار جدد ثم قال لي بعد ذلك أتأذن لي جعلت فداك أن أقصد ناحية عنك وآتى بنبيذ لي فأشرب منه سرورا بك فقلت له أفعل فشرب وشربت ثلاثاً ثم دخل إلى خزانته فأخرج عودا مصلحا ثم قال يا سيدي ليس من قدري أن أسألك تغني ولكن قد وجب على مروءتك وحرمتي فإن أردت بأن تشرف عبدك بأن تغني لنفسك فأفعل فقلت ومن أين لك أني أحسن الغناء فقال متعجباً سبحان الله أشهر من ذلك أنت إبراهيم بن المهدي خليفتنا بالأمس الذي جعل المأمون لمن دل عليك مائة ألف درهم فلما قال ذلك عظمت هيبته ومروءته عندي وعلمت أن نخوته أجل من المال الذي بذلته في فتناولت العود فأصلحته وغنيت وقد مر بخاطري فراق أهلي وولدي:
وعسى الذي أهدي ليوسف أهله ... وأعزه في السجن وهو أسير
أن يستجيب لنا فيجمع شملنا ... والله رب العالمين قدير
فقال يا سيدي أجعل الذي تغنيه ما يقتضيه حالك فقلت نعم فقال غن لي:
أن الذي عقد الذي انعقدت به ... عقد المكارة فيك يحسن حلها
فاصبر فإن الله يعقب راحة ... ولعلها أن تنجلي ولعلها
فغنيته ولم أكن أحسن لحنه ولكني لحنته وتفاءلت به وحسن عندي إيراده فشرب وشربت وقال غن لي يا سيدي فقلت:
فلا تجزع وأن أعسرت يوما ... فقد أيسرت في الزمن الطويل
ولا تيأس فإن اليأس كفر ... لعل الله يغني عن قليلي
ولا تظن بربك غير خير ... فإن الله أولى بالجميل
وكنت أعرفه فغنيت وشربت فقال الله درك على لله يد إذ آنسني بمثلك وما كنت أحسب أن الزمان يسمح لي بكونك في منزلي فإن رأيت أن تغني لي فقلت:
وإذا تنازعني أقول لها اصبري ... موت بريحك أو علو المنبر
ما قد قضى الرحمن فاصطبري له ... ولك الأزمان من الذي لم يقدر
فغنيته وحسن في روحي اقتضاءه وآنست به واستظرفته ثم قال لي يا سيدي أتأذن لي أن أغني ما سنح وأن كنت من غير أهل هذه الصناعة فقلت له زيادة في أدبك ومروءتك فأخذ العود وغنى:
شكونا إلى أحبابنا طول ليلنا ... فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنا
وذاك لأن النوم يغشى عيونهم ... سريعا ولا يغشى النوم لنا أعينا
إذا ما بدا الليل المضر بذي الهوى ... جزعنا وهم يستبشرون إذا رنا
فلو أنهم كانوا يلاقون مثلما ... نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا
فوالله لقد أحسنت بالبيت قد سرني وذهب عني كل ما كنت فيه من الهلع وسألته أن يغني فغنى:
تعيرنا أنا قليل عدادنا ... فقلنا لها أن الكرام قليل
وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل
وإنا لقوم لا نرى القتل سنة ... إذا ما رأته عامر وسلول
стр. 99
يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول
فداخلني من الطرب ما لا مزيد عليه إلى أن عاجلني السكر فلم استيقظ إلا بعد المغرب فعاودني فكري في نفاسة هذا الحجام وحسن أدبه وظرفه وكيف اقتضاني من الغناء ما أراد أن يسليني به فقمت وغسلت وجهي وأيقظته وأخذت خريطة كانت صحبتي فيها دنانير كثيرة لها قيمة فرميت بها إليه وقلت له استودعك الله فأني ماض من عندك وأسألك أن تصرف ما في هذه الخريطة على بعض مهماتك ولك عندي المزيد أن أمنت من خوفي فأعادها إلى متنكرا وقال لي يا سيدي أن الصعلوك ما لا قدر له وليس عندكم من ذوي الرياسات ويظن به الظنون الرديئة عن الأخذ آخذ على ما وهبنيه الزمان من قدرك وحلولك عندي ثم أني ألححت عليه فأومي على موسى وقال والله لئن راجعتني فيها لأقتلن نفسي فخشيت عليه وأخذت الخريطة فأعدتها إلى كمي وقد أثقلني حملها فلما انتهيت إلى باب داره معولا إلى المضي قال لي سيدي أن هذا الموضع أخفى لك وليس في مؤنتك ثقلة فأقم عندي إلى أن يفرج الله عنك فرجعت وسألته أن يكون منفقا من الخريطة فلم يفعل وكان يفعل في كل يوم مثل ما فعله في يوم حلولي عنده فأقمت أياما في ألذ عيش فتبرمت من الإقامة في منزلي واحتشمت من التثقيل فتركته وقد مضى بجدد لنا حالنا فقمت وتزينت بزي النساء بالخف والنقاب فخرجت فلما صرت في الطريق داخلني من الخوف أمر شديد وجئت لأعبر الجسر فإذا أنا بالموضع قد رش وصار زلقا فأبصرني جندي ممن كان يخدمني فعرفني وقال هذه حاجة المأمون فتعلق بي فمن حلاوة الروح دفعته هو وفرسه فرميتهما في ذلك الزلق وتبادر الناس لينقذوه فاجتهدت في المشي حتى قطعت الجسر ودخلت زقاقا فوجدت باب دار وامرأة في دهليزه فقلت يا سيدي النساء احقنى دمي فإني رجل خائف فقالت على الرحب وأطلعني إلى غرفة وفرشت لي وقدمت طعاماً وقالت هدئ روعك فما يعلم بك مخلوق عندي ولو أقمت سنة وهي معي في ذلك وإذ بالباب يدق دقاً عنيفاً فخرجت فتحت الباب فإذا بصاحبي الذي دفعته على الجسر وهو مشدود الرأس ودمه يجري على ثيابه وليس معه فرسه فقالت يا هذا ما بالك فقال لها أن حديثي عجيب ظفرت بالفتى وانفلت مني ولو كنت حملته إلى والمأمون لتعجلت لي مائة ألف درهم قالت وما هو قال إبراهيم ابن المهدي لقيته وتعلقت به فدفعني والفرس فأصابني ما ترين قال فأخرجت إليه خرقا فعملتها في جرحه وعصبته وأسقته شراباً ونام عليلاً وطلعت إليّ فقالت أظنك صاحب القصة فقلت نعم فقالت لا بأس عليك ثم جددت الكرامة فأقمت عندها ثلاثا ثم قالت أني خائفة عليك من هذا الرجل لئلا يطلع على أثرك فينم بك فانج بنفسك فسألتها إمهالي إلى الليل ففعلت فلما دخل الليل لبست زي النساء وخرجت من عندها فأتيت إلى بيت مولاة كانت لي فلما رأتني توجعت لي وبكت وحمدت الله على سلامتي وخرجت كأنها تريد السوق والاهتمام في الضيافة وظننت خيراً فما شعرت إلا بإسحاق بن إبراهيم المصلي بنفسه في خيله ورجله والمولاة معه فسلمتني له فرأيت الموت عيانا وحملت إلى المأمون فجلس مجلسا عاما وأدخلني إليه فلما مثلت بين يديه سلمت عليه بالخلافة فقال لا سلم الله عليك ولا رعاك ولا حباك فقلت على رسلك يا أمير المؤمنين أن أولى الثار محكم في القصاص والعفو أقرب للتقوى ومن تناولته أيدي الاغترار بما أمد له من أسباب الرجا لم يأمن من غائلة الدهر وقد جعلك الله فوق كل ذي عفو كما جعل كل ذنب تحت عفوك فإن تأخذ فبحقك وأن تعف فبفضلك ثم أنشدت:
ذنبي إليك عظيم ... وأنت أعظم منه
فخذ بحقك أولا ... فاصفح بحلمك عنه
إن لم أكن في فعالي ... من الكرام فكنه
فرفع رأسه إلى فبدرته وقلت:
أذنبت ذنبا عظيما ... وأنت للعفو أهل
فإن عفوت فمن ... وإن جزيت فعدل
فرق لي المأمون واستروحت رواح الرحمة في وجهه ثم أقبل على أخيه أبي إسحاق وابنه العباس وجميع من حضر في خاصته وقال ما تقول يا أحمد فقال يا أمير المؤمنين أن قتلته وجدنا مثلك قتل مثله وأن عفوت عنه لم نجد مثلك عفا عن مثله فنكس المأمون رأسه ينكث بأصبعه في الأرض ثم قال متمثلا:
قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي
فلئن عفوت لاعفون جدالا ... ولئن سطوت لأوهين عظمي
стр. 100
فكشفت المقنعة عن رأسي وكبرت تكبيرة عظيمة فقلت عنا والله عفى أمير المؤمنين فقال لا بأس عليك يا عم فقلت يا أمير المؤمنين ذنبي عظيم أعظم من أن أتفوه معه بعذر وعفوك أعظم من أنطق معه بشكر ولكن أقول:
أن الذي خلق المكارم حازها ... في صلب آدم والإمام الشافعي
ملئت قلوب الناس منك مهابة ... وتظل تكلؤهم بقلب خاشع
فعفوت عمن لم يكن عن مثله ... عفو ولم يشفع إليك بشافع
ورحمت أطفالا كأفراخ القطا ... وحنين والدة بقلب جازع
رد الحياة على بعد ذهابها ... كرم الملك العادل المتواضع
فقال لي المأمون لا تثريب عليك اليوم قد عفوت عنك ورددت عليك ضياعك فقلت رددت مالي ولم تبخل على به وقبل ردك مالي قد رددت دمي:
نأيت عنك وقد خولتني نعما ... هما الحياتان من الموت ومن عدم
فلو بذلت دمي أبغي رضاك به ... والمال حتى أسل النعل من قدم
ما كان ذاك سوى عارية رجعت ... إليك لو لم تعدها كنت لم تلم
وأن جحدتك ما أوليت من نعم ... أني إلى اللؤم أولى منك بالكرم
فقال المأمون أن من الكلام كلاما كالدر وهذا منه وأمر لإبراهيم بمال وخلع عليه وقال يا إبراهيم أن أبا إسحاق وأبا العباس أشارا بقتلك فقلت أنهما نصحا لك يا أمير المؤمنين ولكن أبيت إلا ما أنت أهله ودفعت عني ما خفت بما رجوت فقال المأمون قد مات حقدي عليك بحيات عذرك وعفوي عنك وأعظم من عفوي عنك أني لم أجرعك مرار امتنان النافعين ثم سجد المأمون طويلا ثم رفع رأسه وقال يا إبراهيم أتدري لم سجدت فقلت شكر الله الذي أظفرك بعدوك وعدو دولتك فقال ما أردت هذا ولكن شكرا الله على ما ألهمني من العفو عن مثلك فحدثني الآن حديثك فشرحت لهى صورة أمري وما جرى لي مع الحجام والجندي والمرأة والمولاة التي أسلمتني فأمر المأمون بإحضارها وهي في دارها تنتظر الجائزة فقال لها ما حملك على فعلت مع أنعامه عليك فقالت رغبة في المال فقال لها هل لك من ولد أو زوج فقالت لا فأمر بضربها مائة سوط وخلدها في السجن ثم قال أحضروا الجندي وامرأته والمزين فأحضروا فسأل الجندي عن السبب الذي حمله على ما فعل فقال الرغبة في المال فقال المأمون أنت أولى أن تكون حجاما من أن تكون من أوليائنا ووكل به يلزمه الجلوس في دكان الحجام ليتعلم الحجامة واستخدم زوجته قهرمانة في قصر وقال هذه امرأة عاقلة أديبة تصح للمهمات ثم قال للحجام لقد ظهر من مروءتك ما يجب معه المحافظة عليه وسلم إليه دار الجندي ودابته وخلع عليه وأثبته برزقه وزيادة ألف دينار في كل سنة ولم يزل بخير إلى أن مات.
الليلة السادسة
قال الأمير بدر الدين يوسف المهمندار ابن الأمير سيف الدين أبي المعالي ابن رماح المعروف بمهمندار العرب حكى لي الأمير شجاع الدين محمد الشرزي متولي القاهرة في الأيام الكاملية سنة ثلاثين وستمائة قال بينما أنا عند رجل ببعض بلاد الصعيد فضيفنا وأكرمنا وكان الرجل أسمر شديد السمرة وهو شيخ كبير وحضر له أولاده حسان فيهم صفاء لون فقلنا يا فلان هؤلاء أولاد بيض وأنت شديد السمرة فقال هؤلاء أمهم فرنجية أخذتها في أيام الملك الناصر صلاح الدين وأنا شاب نوبة حطين فقلنا وكيف أخذتها فقال لها حديث عجيب فقلت أتحفنا به فقال:
стр. 101
زرعت كتانا في هذه البلدة وقلعته ونفضته فانصرف عليه خمسمائة دينار فلم يجب أكثر من ذلك فأشير علي بحمله إلى الشام فحملته فلم يجب أكثر من ذلك فقيل لي بعه صبرا لعله يرجع لك حق الطريق فبعت بعضه صبرا إلى ستة أشهر والبعض تركته عندي واكتريت حانوتا أبيع فيه على مهل إلى حين انقضاء الستة أشهر فبينما أنا أبيع وقد مرت بي امرأة فرنجية زوج بعض الخيالة ونساء الفرنج يمشون في الأسواق بلا نقاب فأتت تشتري مني كتانا فرأيت من جمالها ما أبهرني فبعتها وسامحتها ثم انصرفت وعادت إلي بعد أيام فبعتها وسامحتها أكثر من الكرة الأولى فتكررت إلي عندي وعلمت أني أحبها فقلت للعجوز التي معها أنني قد تعلقت بحبها فكيف تتحيلين لي فقالت لها ذلك فقالت تروح أرواحنا الثلاثة أنا وأنت وهو فقلت لها إذا أذهب روحي باجتماعي بها ما هو كثير وحكت لي كلاما كثيرا جرى بينهما واتفق الحال على أن أدفع لها خمسين دينارا صورية وتجيء إليه قال فوزنت خمسين دينارا صورية وسلمتها للعجوز فقالت هيئى لنا موضعك ونحن الليلة عندك قال فمضيت وجهزت ما قدرت عليه من مأكول ومشروب وشمع وحلوى وكانت داري مطلة على البحر وكان الصيف ففرشت لي على سطح الدار وجاءت الفرنجية فأكلنا وشربنا وجن الليل فنمنا تحت السماء والقمر يضيء علينا والنجوم تنظر في البحر فقلت في نفسي أما تستحي من الله وأنت غريب وتحت السماء وعلى البحر وتعصي الله مع نصرانية فتستوجب عذاب النار وعذاب الدنيا اللهم أني أشهدك أني قد عففت عن هذه النصرانية في هذه الليلة حياء منك وخوفا من عقابك ثم نمت إلى الصبح فقامت في السحر وهي غضبي ومضيت ومضيت إلى حانوتي فجلست فيه وإذا هي قد عبرت على هي والعجوز وهي مغضبة وكأنها القمر فهلكت وقلت في نفسي من هو أنت حتى تترك هذه الجارية أنت الجنيد أو السري السقطي ثم لحقت العجوز وقلت أرجعي فقالت وحق المسيح ما نرجع إليك إلا بمائة دينار فقلت نعم ومضيت إلى حانوتي ووزنتها وجاءت إلى ثاني دفعة فلحقتني تلك الفكرة الأولى وعففت عنها وتركتها لله تعالى ثم مضت ومضيت إلى موضعي ثم عبرت على وكلمتني وكانت مستغربة وقالت وحق المسيح ما بقيت تفرح بي عندك إلا بخمسمائة دينار أو تموت كمدا فارتعت لذلك وعزمت أني أغرم ثمن الكتان جميعه وأفدى نفسي فبينما أنا كذلك والمنادي ينادي معاشر المسلمين أن الهدنة التي بيننا وبينكم قد انقضت وقد أمهلنا من هنا من المسلمين إلى جمعة ليقضوا أمورهم وينصرفوا إلى بلادهم فانقطعت عني وأخذت أنا في تحصيل ثمن الكتان الذي لي والمصالحة على ما بقى منه وأخذت معي بضاعة حسنة وخرجت من عكا وأنا في قلبي من الفرنجية ما فيه فوصلت إلى دمشق وبعت البضاعة التي لي بأوفى ثمن لانقطاع وصولها بسبب فراغ الهدنة ومن الله على بكسب جيد وأخذت أتجر في الجواري عسى أن يذهب ما بقلبي من الفرنجية ولازمت التجارة فيهن فمضى على ثلاث سنين وجرى للسلطان الملك الناصر ما جرى من وقعة حطين وأخذه جميع الملوك وفتحه بلاد الساحل بإذن الله تعالى فطلب مني جارية للملك الناصر وكان عندي جارية حسنة فاشتريت له بمائة دينار فأوصلوا إلى تسعين دينارا وبقيت عشرة دنانير فلم يجدوها في الخزانة ذلك اليوم لأنه أنفق الأموال جميعها فشاوروه على ذلك فقال امضوا به إلى الخزانة التي فيها السبي من نساء الفرنج فخيروه في واحد منهن يأخذها بالعشرة دنانير التي له فأتيت الخزانة فنظرت إليها فعرفت الجارية الفرنجية غريمتي فقلت أعطوني هاتيك فأخذتها ومضيت إلى خيمتي وقلت لها أتعرفينني قالت لا فقلت أنا صاحبك التاجر في المكان الذي جرى له معك ما جرى وأخذت مني الذهب وقلت ما بقيت تبصرني إلا بخمسمائة دينار وقد أخذتك ملكاً بعشرة دنانير فقالت مد يدك أنا أشهد إن لا إله ألا الله وأن محمدا رسول الله فأسلمت وحسن إسلامها فقلت والله لا وصلت إليها إلا بأمر القاضي فرحت إلى ابن شداد وحكيت له ما جرى فعجب وعقد لي عليها وباتت تلك الليلة فحملت ثم دخل العسكر فأتينا إلى دمشق فما كان إلا شهور قلائل وأتى رسول الملك يطلب الأساري والسبايا باتفاق وقع بين الملوك فرد ومن كان أسيراً من الرجال والنساء ولم يبق إلا امرأة الفارس التي عندي فسألوا عنها وألحوا في السؤال والكشف فوشى بها أنها عندي فطلبت مني وحضرت وأنا في شدة وقد تغير لوني
стр. 102
فقالت ما بدا لك وما الذي أصابك قلت جاء رسول الملك وأخذوا الأساري جميعهم وطلبوني فقالت لا بأس عليك أحضرني إليهم وأنا أعرف الذي أقول لهم قال فأخذتها وأحضرتها قدام السلطان الملك الناصر والرسول جالس عن يمينه فقلت هذه المرأة التي عندي فقال لها الملك والرسول تروحين إلى بلادك أم إلى زوجك فقد فك أسرك أنت وغيرك فقالت للسلطان أنا قد أسلمت وحبلت وها بطني كما ترونه وما بقيت الفرنج تنتفع بي فقال لها الرسول يخيرها أيما أحب إليك هذا المسلم أم زوجك الفارس فلان فقالت له كما قالت للسلطان فقال الرسول لمن معه من الفرنج اسمعوا كلامها ثم قال لي الرسول خذ امرأتك وامضي فوليت بها وقد أرسل إلي عاجلاً وقال أن أمها أرسلت لها معي وديعة وقالت أن ابنتي أسيرة وهي عريانة شعثة واشتهي أن ترسل لها هذا الجمدان وتسلمه لها قال فتسلمت الجمدان ومضينا إلى الدار ففتحته فوجدت قماشها بعينه وقد صرته لها أمها ووجدت الصرتين الذهب الخمسين دينار والمائة دينارا كما هما بربطتي لم يتغيرا وهؤلاء الأولاد منها وهي تعيش وهي التي عملت هذا الطعام.
الليلة السابعة
стр. 103
قصة أريب بنت إسحاق زوج عبد الله بن سلام القرشي وكان عبد الله بن سلام هذا والياً لمعاوية على العراق وكانت أريب هذه من أجمل النساء وقتها وأحسنهن أدبا وأكثرهن مالاً وكان يزيد بن معاوية قد سمع بجمالها وبما هي عليه من الأدب وحسن الخلق والخلق ففتن بها فلما عيل صبره استهاج في ذلك مع أحد خصيان معاوية وكان ذلك الخصي خاصاً بمعاوية اسمه رفيف فذكر ذلك رفيف لمعاوية وذكر شغفه بها وأنه ضاق ضرعه بأمرها فبعث معاوية إلى يزيد فاستفسره عن أمره فبعث له شأنه فقال معاوية مهلاً يا يزيد قال له علام تأمرني بالمهل وقد انقطع منها الأمل قال له معاوية فأين حجاك ومروءتك فقال له يزيد قد عيل الحجا ونفد الصبر ولو كان أحد ينتفع به من الهوى لكان أولى الناس بالصبر عليه داود حين ابتلى به قال له اكتم يا بني أمرك فإن البوح به غير نافعك والله بالغ أمره فيك ولا بد مما هو كائن وكانت أريب بنت إسحاق مثلاً في أهل زمانها لجمالها وتمام كمالها وشرفها وكثرة مالها فأخذ معاوية في الحيلة حتى يبلغ يزيد رضاه فيها فكتب معاوية إلي عبد الله بن سلام وكان استعمله على العراق أن أقبل حين تنظر كتابي لأمر فيه حظك أن شاء الله تعالى ولا تتأخر عنه وأجد السير وكان عند معاوية يومئذ بالشام أبو هريرة وأبو الدرداء صاحبا رسول الله ﷺ فلما قدم عليه عبد الله بن سلام الشام أمر معاوية أن ينزل منزلا قد هيأه وأعد فيه نزله ثم قال لأبي هريرة وأبي الدرداء إن الله قد قسم بين عباده نعما أوجب عليهم شكرها وحتم عليهم حفظها فحباني منها بأتم الشرف وأفضل الذكر وأوسع على رزقه وجعلني راعي خلقه وأمينه على بلاده والحاكم في أمر عباده ليبلوني أأشكر أم أكفر وأول ما ينبغي للمرء أن يتفقده وينظر فيه من استرعاه الله أمره ومن لا غناية عنه وقد بلغت لي ابنة أريد أناكحها وأنظر في تبجيل من يباعلها لعل من يكون بعدي يقتدي بي في هديتي ويتبع فيه أثرى فإنه قد يلي هذا الملك بعدي من يغلب عليه زهو الشيطان ويزينه إلى تعطيل بناتهم ولا يرون لهن كفؤا ولا نظيرا وقد رضيت لها عبد الله بن سلام القرشي لدينه وشرفه وفضله ومروءته وأدبه، فقال أبو هريرة وأبو الدرداء: إن أولى الناس برعاية نعم الله وشكرها وطلب مرضاته فيما خصه منها لأنت أنت صاحب رسول الله وكاتبه وصهره وقال معاوية فاذكروا ذلك عني وقد كنت جعلت لها في نفسها شورى غير أني لأرجو ألا تخرج من رأيي إن شاء الله تعالى فخرجا من عنده متوجهين إلى منزل عبد الله بن سلام بالذي قال لهما معاوية ثم دخل معاوية على ابنته فقال لها إذا دخل عليك أبو الدرداء وأبو هريرة فعرضا عليك أمر عبد الله بن سلام وانكاحي إياك منه فأحرصي على المسارعة إلى هواي وقولي لهما عبد الله بن سلام كفؤ كريم وقريب حميم غير أن تحته أريب بنت إسحاق وأنا خائفة أن يعرض لي من الغيرة ما يعرض للنساء فأنال منه ما يسخط الله فيه فيعذبني عليه ولست بفاعلة حتى يفارقها فلما ذكر ذلك أبو هريرة وأبو الدرداء لعبد الله بن سلام وأعلماه بالذي أمرهما معاوية فردهما إلى معاوية خاطبين منه فقال قد تعلمان رضاي به وحرصي عليه وقد كنت أعلمتكما الذي جعلت لها في نفسي من الشورى فادخلا عليها وأعرضا الذي رأيت لها عليها فدخلا عليها وأعلماها ذلك وأعلماها بالذي ارتضاه أبوها فقالت كالذي قال أبوها فأعلما عبد الله بن سلام بذلك فلما ظن أنه لا يمنعها منه إلا افتراق أريب أنشدهما على طلاقهما وبعث إليهما خاطبين وأعلما معاوية الذي كان من فراق عبد الله بن سلام امرأته طالباً رضاها فأظهر معاوية كراهيته لفعله وقال لهما ما استحسن له طلاق امرأته ولا أجبته فانصرفا في عافية ثم عودا إلينا فيها ونأخذ إن شاء الله رضاه وكتب إلى يزيد ابنه يعلمه بما كان من طلاق عبد الله بن سلام لأريب بنت إسحاق فلما عاد أبو هريرة وأبو الدرداء إلى معاوية أمرهما بالدخول على ابنته وسؤالها عن رضاها تبريا من الأمر ونظرا في القدر ويقول لم يكن لي أن أكرهها وقد جعلت لها الشورى في نفسها فدخلا وأعلماها بطلاق عبد الله بن سلام امرأته ليسراها وذكرا من فضله وتمام مروءته وكريم محمدته فقالت جف القلم بما هو كائن وأنه في قريش لرفيع القدر وقد تعرفان أن التزويج جده جد وهزله جد والأناة في الأمور ممن لا يخاف فيها من
стр. 104
المحذور فإن الأمور إذا جاءت خلاف الهوى بعد التأني فيها كان المرء فيها بحسن العذر خليقا وبالصبر عليها حقيقا وأني سائلة عنه حتى أعرف دخيلة خبره ويصح لي بالذي أريد علمه من أمره وأن كنت أعلم أن الاختيار لأحد فيما هو كائن ومعلمتكما بالذي يرينيه الله في أمره ولا قوة إلا بالله قالا وفقك الله وخار لك ثم انصرفا عنها فلما أعلماه بقولها أنشأ يقول فإن يك صدر هذا اليوم ولي فإن غدا لناظره قريب وتحدث الناس بالذي جرى من طلاق عبد الله بن سلام امرأته وخطبته ابنة معاوية وقالوا لم يطلق حتى فرغ من طلبه له الذي كان من بغيته واستحدث عبد الله أبا هريرة وأبا الدرداء فأتياها فقالا لها اصنعي ما أنت صانعته واستخيري الله فإنه يهدي من استهداه قالت أرجو والحمد لله أن يكون الله قد خار فإنه لا يكل إلى غيره من توكل عليه وقد اختبرت أمره وسألت عنه فوجدته غير ملائم ولا موافق لما أريد لنفسي مع اختلاف من استشرته فيه فمنهم الناهي عنه والآمر به واختلافهم أول ما كرهت فلما أبلغاه كلامها علم أنه مخدوع فإن المرء وأن كمل له حلمه واجتمع له عقله واستبد رأيه ليس يدافع عن نفسه قدراً برأي ولا كيد ولعل متا أسروا به واستحلوا به لا يدوم لهم سروره ولا يصرف عنهم محذوره قال وذاع أمره وفشا في الناس وقالوا خدعه معاوية حتى طلق امرأته وإنما أرادها لأبنه بئس ما صنع فلما بلغ ذلك معاوية قال لعمري ما خدعته فلما انقضت إقراؤها وجه معاوية أبو الدرداء إلى العراق خاطباً لها على ابنه يزيد فخرج حتى قدمها وبها يومئذ الحسين على بن ابن طالب (فقال أبو الدرداء إذ قدم العراق ما ينبغي لذي نهى أن يبدأ بشيء ويؤثره على مهم أموره قبل زيارة الحسين سيد شباب أهل الجنة فإذا دخلت موضعا هو فيه وأديت حقه والسلام عليه انقلبت إلى ما جئت إليه فقصد الحسين فلما رآه الحسين ﵇ قام إليه وصافحه إجلالاً لصحبته من جده ﷺ ولموضعه من الإسلام وقال له ما أتى بك يا أبا الدرداء قال وجهني معاوية خاطباً على ابنه يزيد أريب بنت إسحاق فرأيت على حقا أن لا أبدأ بشيء قبل السلام عليك فشكر له الحسين ذلك وأثني عليه وقال لقد كنت ذكرت نكاحها وأردت الإرسال إليها إذا انقضت إقراؤها فلم يمنعني مكن ذلك إلا تخير مثلك فقد أتى الله بك فاخطب رحمك الله على وعليه ليجري من اختاره الله لها وهي أمانة في عنقك حتى تؤديها إليها وأعطها من المهر مثل ما بذل لها معاوية عن ابنه فقال أفعل إن شاء الله فلما دخل عليها قال أيتها المرأة أن الله خلق الأمور بقدرته وكونها بعزته فجعل لكل أمر قدرا ولكل قدر سبباً فليس لأحد عن قدر الله مستخلص ولا للخروج عن علمه مستناص فكان ما سبق لك وقدر عليك من فراق عبد الله بن سلام إياك ولعل ذلك لا يعيرك ويجعل الله فيك خيراً كثيراً وقد خطبك أمير هذه الأمة وابن ملكها وولي عهده والخليفة من بعده يزيد بن معاوية والحسين ابن بنت رسول الله ﷺ وابن أول من أقر به من أمته وسيد شباب أهل الجنة يوم القيامة وقد بلغك سناهما وفضلهما جئتك خاطباً عليهما فاختاري أيهما شئت فسكتت طويلاً ثم قالت يا أبا الدرداء لو كان هذا الأمر جاءني وأنت غائب لأشخصت فيه الرسل إليك واتبعت فيه رأيك ولم اقتطعه دونك فأما إذا كنت أنت المرسل فيه فقد فوضت أمري بعد الله إليك وجعلته في يديك فاختر لي أرضاهما لربك والله شاهد عليك فاقض في قصدي بالتحري ولا يصدنك عن ذلك اتباع الهوى فليس أمرهما عليك خفيا ولا أنت عما طوقتك غبياً قال أبو الدرداء أيتها المرأة إنما على أعلامك وعليك الاختيار لنفسك فقالت عفا الله عنك إنما أنا بنت أخيك ومن لا غنا لها عنك ولا يمنعك رهبة أحد من قول الحق فيما طوقتك فقد وجب عليك أداء الأمانة فيما حملتك والله خير من روعي وحنف أنه بنا خبير لطيف فلما لم يجد بدا من القول والاستشارة قال يا بنية ابن بنت رسول الله ﷺ أحب إليّ لك وأرضي عندي والله أعلم بخيرهما لك وقد رأيت رسول الله ﷺ واضعاً شفتيه على شفتي الحسين فضعي شفتيك حيث وضع رسول الله ﷺ شفتيه قالت قد اخترت ورضيت فتزوجها الحسين بن علي ﵉ فساق لها مهراً عظيماً وبلغ معاوية الذي كان من فعل أبي الدرداء في ذلك نكاح الحسين
стр. 105
إياها فتعاظمه جداً ولامه شديداً وقال من يرسل ذا بله وعمي يركب خلاف ما يهوي، وكان عبد الله بن سلام قد استودعها قبل فراقه إياها بديرات مملوءة ذهباً وكان ذلك أعظم ماله لديه وأحبه إليه وقد كان معاوية أطرحه وقطع عنه جميع رواتبه عنده لسوء قوله وتهمته أنه خدعه فلم يزل يجفوه حتى عيل صبره وقل ما في يده ولام نفسه على المقام لديه فرجع إلى العراق وهو يذكر ماله الذي استودعه إياها ولا يدري كيف يصنع فيه وأين يصل إليه وهو يتوقع جحودها لسوء فعله بها ولأنه طلقها على غير شيء أنكره عليها فلما قدم العراق لقي الحسين فسلم عليه ثم قال له قد عرفت ما كان من خبري وخبر أريب وكنت قبل فراقي إياها قد استودعتها مالاً عظيماً وكان الذي كان ولم أقبضه ووالله ما أنكرت منها في طول صحبتها فتيلا ولا أظن بها إلا جميلا فذاكرها أمري وأحضضها على رد مالي على فإن الله يحسن عليه ذكرك ويحرك به أجرك فسكت عنه فلما انصرف الحسين إلى أهله قال لها قدم عبد الله بن سلام وهو يحسن إلينا عليك ويحمل النشر عنك في حسن صحبتك وما أنسه قديما من أمانتك فسرني ذلك وأعجبني وذكر أنه كان استودعك مالاً فأد إليه أمانته وردى عليه ماله فإنه لم يقل إلا صدقاً ولم يطلب إلا حقاً قالت صدق استودعني مالاً لا أدري ما هو وإنه لمطبوع بخاتمه ما حول منه شيء إلى يومه وها هو ذا فادفعه إليه بطابعه فأثني عليها الحسين خيرا وقال ألا أدخله عليك حتى تبرئي إليه منه كما دفعه إليك ثم لقي عبد الله فقال مال أنكرت مالك وزعمت أنه كما دفعته إليها بطابعك فأدخل يا هذا إليها وتوف مالك منها قال عبد الله أوتأمر من يدفعه إلى قال لا حتى تقبضه منها كما دفعته إليها وتبرئها منه إذا أدته إليك فلما دخل عليها قال لها الحسين هذا عبد الله بن سلام قد جاء يطلب وديعته فأد إليه أمانته فأخرجت إليه البدر فوضعتها بين يديه وقالت هذا مالك فشكر وأثني وخرج الحسين عنهما وفض عبد الله خواتم بدره وحثى لها من ذلك وقال خذي فهذا قليل مني فاستعبرا جميعاً حتى علت أصواتها بالبكاء أسفا على ما ابتليا به فدخل الحسين عليهما وقد رق لهما للذي سمع منهما فقال أشهد أنها طالق ثلاثاً اللهم قد تعلم أني لم استنكحها رغبة في مالها ولا جمالها ولكني أردت إحلالها لبعلها فطلقها ولم يأخذ شيئاً مما ساق لها في مهرها فسألها عبد الله أن يصرف للحسين ما ساق لها فأجابته شكراً لما صنعه بهما فلم يقبله الحسين وقال الذي أرجوه من الثواب خير لي فلما انقضت إقراؤها تزوجها عبد الله بن سلام وبقيا زوجين متصافيين إلى أن فرق بينهما الموت وحرمها الله يزيد بن معاوية. نقلتها من تاريخ ابن بدرون.
الباب الحادي والعشرون
في الشعراء المجيدين
وهو مقدمة ونتيجة: أقول: لابد من مقدمة ينتفع بها الطالب لهذا العلم لئلا يخلو كتابنا من ذلك الشعر: قول موزون مقفى بالقصد يدل على معنى والمعنى للشعر بمنزلة المادة واللفظ بمنزلة الصورة وهو يشتمل على أربعة أشياء لفظ ومعنى ووزن وقافية وتهذيبه أن يكون اللفظ سمحا سهل المخارج حلوا عذبا وتهذيب الوزن أن يكون حسناً تقبله النفس والغريزة غير منكسر ولا متزحف وتهذيب القافية أن تكون سلسلة المخارج مألوفة فإن القوافي حوافز الشعر وأن يقصد الكلام الجزل دول الرذل ولا يعمل نظما ولا نثرا عند الملل فإن الكثير معه قليل والخواطر ينابيع وإذا رفق بها جمعت وإذا عنف عليها مرجت وليترنم بالشعر وقت عمله فإنه يعين عليه وقد يتخيل الشاعر الشعر الجيد فيمكنه مرة ولا يمكنه أخرى وإياك وتعقيد المعاني وأجعل المعنى الشريف في اللفظ اللطيف لئلا يتلف أحدهما الآخر ومتى عصى الشعر فاتركه ومتى طاوعك فعاوده وروح الخاطر إذا كل وأعمل في أحب المعاني إليك وفي كل ما يوافقه طبعك فالنفوس تعطي على الرغبة ولا تعطي على الإكراه وأعمل الأبيات متفرقة على ما يجود به الخاطر ثم أنظمها في الآخر وحصل المبدأ والمقطع والخروج فهو أصعب ما في القصيدة فإذا فعلته سهل عليك وأشعرها أولاً وهذبها آخراً فقد قيل عن زهير إنه كان يعمل القصيدة في شهرين ويهذبها في حول ولذلك سمي شعره الحولي المنقح.
стр. 106
قال الخوارزمي من روى حوليات زهير واعتذارات النابغة وأهاجي الحطيئة وهاشميات الكميت وقلائص جرير وخمريات أبي نواس وتشبيهات ابن المعتز وزهريات أبي العتاهية ومراثي أبي تمام ومدايح البحتري وروضيات الصنوبري ولطائف كشاجم ولم يخرج إلى الشعر فلا شب الله قرنه.
وإذا نثرت منظوما فغير قوافي شعره عن قرائن سجعه وإذا سرقت معنى فغير الوزن والقافية ليخفي ذلك وإذا أخذت شعراً فزد على معناه وانقص من لفظه واحترز مما يطعن به عليك فحينئذ تكون أحق من قائله وأن لا يكاتب العامة بكلام الخاصة ولا بالعكس وأكثر من حفظ النظم والثر فعلي قدر مل يحفظ منه يقوي فيه وأعلم أن الشعر يسخي البخيل ويشجع الجبان ويفرج الهموم ويرضي الغضبان وكذلك قالوا الشعر يعد من السحر وقال النبي ﷺ : "إن من الشعر لحكمة وإن من البيان لسحرا" وقال الشافعي في كتاب الأم: والشعر كلام كالكلام فحسنه كحسنة وقبيحة كقبيحة وفضله على سائر الكلام أنه سائر في الناس يبقى على الزمان فينظر فيه وإن كان حسنا كان كغيره من الكلام الحسن. انتهى.
وقال الشيخ برهان الدين القيراطي في خطبة ديوانه ويكفي من تفضيله أن النبي ﷺ استنشد بعض الصحابة من شعر أمية فأنشده مائة قافية، وكانت الصديقة تحفظ للبيد ألف بيت وافية، وكان الشعبي يقول لو شئت أن أملي عليكم من إنشادي شهراً لا أعيد بيتا لفعلت، وكان الأصمعي يحفظ أثني عشر ألف أرجوزة، وما زال السلف يحفظون الشعر قديماً ويتخذونه في الخلوات نديما وينشدونه في مواطن المؤانسة ويوردون دقائقه في ساعات المجالسة، ولو أوردنا ما ورد في فضله من الآثار المسندة والأخبار الممهدة لوقف الناظر منها على حجج قوية ومحجة ضوية، ولقد كان جماعة من العلماء الراسخين والأئمة الورعين لهم في صناعة الشعر الغاية وانتهوا في الإجادة فيه إلى النهاية يعرف ذلك من وقف على تراجمهم وأحصاها وطالع أخبارهم واستقصاها.
وحديث "احثوا في وجوه المداحين التراب" فالمراد به الغلو والإطراء واستقباح المدح المفرط كلاماً وشعراً ونظماً ونثراً ولا يختص ذلك بالشعر وحده لما يخشى من افتتان سامعه عنده.
وقال أبو بكر الهذلي: قال لي الشعبي أتحب الشعر قلت نعم إنما تحبه فحول الرجال ويكرهه مؤنثوهم ثم إن الناظمين لأرواح الآلية أفراد والظافرين بفرائده ذوو انفراد والسالكين للمناهج الفاصلية أضمرتهم البلاد والمقتفين لمنار السراج والمتحليين بحيلة الجمال قلت منهم الأعداد والمؤلفين لعقودها المتواتر مدحها أجادوا بما أذعانه إغماد وجهال ما لهم بالأشعار إشعار راموا الوصول إلى معانيه اللطيفة بطباع كثيفة وحاولوا أسبابه الخفيفة بنفوس ثقيلة وأسبابه الثقيلة بعقول خفيفة لا يظفر أحد منهم بأبيات أوتاده وإن كان في عتوه ذو الأوتاد ولا يتجملون من ملابسه بما يسترهم وإن تعصبوا أو نقبوا في البلاد ولا يجيبون من ألفاظهم اليابسة إلا بما يقال لهم إذا قطعوه جابوا الصخر بالواد فيقال لمجيدهم إذا أتى بلفظ وزنه وأخلاه من المعاني الحسنة إذا كنت لا تدري سوى الوزن وحده فقل أنا وزان وما أنا شاعر ثم إن منهم من يظفر بمعنى ولكن يقلبه تركيبا ويركبه مقلوبا ويأتي بجمل غير مفيدة وقد قلت في ذلك من قصيدة:
وشاعر بالمعاني لا شعور له ... مركب الجهل يبدي سوء تركيب
موكل بمعانيه يحرسها ... فما يركب معنى غير مقلوب
فما أولاه يركب على نفسه مقلوبا ويضرب بأذنه على سوء الأدب تأديبا. انتهى كلام القاضي برهان الدين.
وقال الشيخ والإمام العالم المفنن النحوي العروضي القاضي زين الدين عمر بن الوردي في خطبة الكلام على مائة غلام ولعمري ما أنصفني من سابي الظن أو قال عني كيف رضي مع درجة العلم والفتوى بهذا الفن فالصحابة كانوا ينظمون وينثرون ونعوذ بالله من قوم لا يشعرون.
стр. 107
وقال أبو بكر الخوارزمي في مدحهم ما ظنك بقوم الاقتصاد محمود إلا منهم والكذب مذموم إلا فيهم ذموا أثبتوا وإذا مدحوا سلبوا وإذا رضوا رفعوا الوضيع وإذا غضبوا وضعوا الرفيع وإذا افتروا على أنفسهم بالكبائر لم يلزمهم حد ولم تمتد إليهم يد غنيهم لا يصادر وفقيرهم لا يحقر وشيخهم يوقر وشابهم لا يستصغر وسهامهم تنفذ في الأعراض إذا بثت سهامهم عند الأعراض وشهادتهم مقبولة وإن لم ينطق بها سجل ولم يشهد عليها عدل سرقتهم مغفورة وإن جاوزت ربع دينار وبلغت ألف قنطار إن باعوا المغشوش لم يرد عليهم وإن صادروا الصديق لم يستوحش منهم بل ما ظنك بقوم اسمهم ناطق بالفضل واسم صناعتهم مشتق من العقل هم أمراء الكلام يقصرون طويله ويقصرون مديده ويخففون ثقيله.
وقال الحسن بن سهل: لا تكسد صناعة الشعر إلا في شر زمان وأخس سلطان.
ومن حيلهم اللطيفة ما ذكره أبو الفتح كشاجم في كتابه المصائد والمطارد وهو إن بعض الملوك كان كثير الاشتغال بالصيد منهمكا فيه وكان بعض الشعراء قصده فتعذر ما أمله وحال بينه وبينه الحجاب لكثرة الفه بالصيد فعمد الشاعر إلى رقاع لطاف وكتب فيها ما قاله من الشعر في مديحه وصاد عنده من الظبا والأرانب والثعالب وشد تلك الرقاع في أذناب بعضها وآذان بعض وراعي خروجه إلى الصيد فلما خرج كمن له في مظانه ثم أطلقها فلما ظفر بها ورأى تلك الرقاع استبشر وزاد في استظراف الرجل واستلطفه وزاد في رعي ذمامه وأمر بطلبه فأحضر ونال منه خيراً كثيراً.
وقريب منها: سأل فخر الملك وزير بني بويه حاجة وأمله فلم يعطه شيئاً فمضى الرجل إلى القاضي واستدعى على بن نباتة الشاعر فلما جاءه الرسول قال والله ما لأحد على دين ولا بيني وبين أحد معاملة ولا محاكمة فمن خصمي أحضره حتى أرضيه فلما جاء الرجل قال ما حقك حتى أوفيك قال له أنت قلت في شعرك حيث مدحت فخر الملك بقولك:
لكل فتى فرين حين يسمو ... وفخر الملك ليس له قرين
أنخ بجنابه وأنزل عليه ... على حكم الرجا وأنا الضمين
فأنت قد ضمت لي ونزلت عليه فلم يفعل والضمين غارم فما أعطاني شيئاً فقال أمهلني حتى أصل إليه فلما دخل على فخر الملك أخبره بالقصة فقال له وكم أملت منه فقال مائة دينار فقال ادفعوها إليه ثم قال لابن نباتة إذا مدحتني فلا تضمن عني (توفي ابن نباتة المذكور سنة خمس وأربعمائة، ومولده سنة سبع وعشرين وثلاثمائة) وقال فخر الترك أيضمر المجنوي يمدح السلطان الملك الصالح أيوب ابن السلطان الملك الكامل محمد بن الملك العادل تغمدهم الله برحمته ويذكر بنيانه للجزيرة المسماة بالروضة وجلوسه بالقياس وأولها:
الروض مقتبل الشبيبة مؤنق ... خضل يكاد عصاره يتدفق
وقد ذكرت أوائلها في باب الروضات والبساتين ثم ذكرت منها الخمريات إلى مبتدأ هذه الأبيات:
إيه مديحي لانفصال قصيدة ... يوم الرهان ولا محولك ضيق
هذا مقام الملك حيث تقول ما ... تهوي وتطيب كيف شئت فتصدق
في حيث لأشرف الصفات بمعوذ ... فيه ولا باب المدايح مغلق
ملك يلوذ الدين منه بمعقل ... أسس سطاه سورة والخندق
لو أن سر الملك فيه محنف ... قامت شمائله عليه تنطق
هدأت بسيرته الرعية واغتدى ... قلب الحسود من المهابة يخفق
فالدين بعد تفرق متجمع ... والكفر بعد تجمع متفرق
الصالح الملك الذي آياته ... عقد به جيد الزمان مطوق
عرق الرعية بمن دولتاه التي ... فيهم تأكد عهدها والموثق
جمعت كما اقترح الرجاء إلى الغنى ... أمنا فقد رزقوا الذي لم يرزقوا
فالله نحمد ثم أيوب الذي ... أمن الغني به وأثري المملق
تظل بهم عداته بسنائه ... عشقا وقد الرمح مما يعشق
فبضمه ضم الحبيب قلوبها ... يوم الوغى وهو العدو والأزرق
آيات ملكك معجزات كلها ... ومدى اهتمامك غاية لا يلحق
شيدت أبنية تركت حديثها ... مثلا يغرب ذكره ويشرق
من كل شاهقة تطل تعجبا ... من هول مطلعها الكواكب تسهق
ليس الرخام ملونا فكأنه ... روض يفوقه الربيع المغدق
واحتال في الذهب الصقيل شغوفه ... فكأنه شفق الأصيل المشرق
يا حسنها والنيل مكتنف بها ... كالسطر مشتمل عليه مهرق
стр. 108
فكأنما طرف إليه ناظر ... وكأنه جفن عليه مطبق
وافاه مصطفقا عليه موجه ... فكأنما هو للسرور مصفق
وتجاذبت أيدي الرياح رداءه ... عنه فظل رداؤه يتمزق
وسرى النسيم وراهن برفقه ... فرقي الذي عذب الرياح يمزق
تلك المنازل لا حديث يفتري ... عما سمعت ولا العراق وجلق
لله يوم كان فضلك باهرا ... فيه ومنك جماله والرونق
يوم تحلي الدهر منه برونق ... لما غدا المقياس وهو مخلق
هو ثالث العيدين إلا أنه ... للهو ليس على العبادة يطلق
جمعت لمشهده خلائق غادرت ... فيه رحيب البر وهو مضيق
وعلا عباب البحر من سباحه ... أمم يغص بها الفضاء ويشرق
كادت تبين لهم على صفحاته ... طرق ولكن يعيقون وترتق
لم يمش مركوب بهم فنفوسهم ... حثوا النحا كما تحث الأنيق
حفت جسومهم لفرط صبابة ... هزت إليك فما خشوا أن يغرقوا
وفدوا إليك مموهين بأخذ ما ... تعطي وأكثر سؤلهم أن يرمقوا
متجردين عن المخيط لأنهم ... حجاج بيتك غير أن لم يحلقو
طافوا به سبعا على وجناتهم ... سعيا وأرخي ستره فتعلقوا
والناس شاخصة إليك عيونهم ... كل يحدد طرفه ويحدق
ظمئت نفوسهم إليك فلم يكن ... صدر يقربه فؤاد شيق
متطلعين كما تطلع صائم ... ليرى هلال العيد ليلة يرمق
حتى إذا قضيت مناسك كعبة المق ... ياس وهي لكم عوائد سبق
وشكرت ربك في الزيادة طامعا ... ولشاكر النعماء المزيد محقق
ومددت للتخليق أكرم راحة ... أضحى الخلوف بطيبها يتخلق
أقبلت تنظرك العيون فتنثني ... حسرى وتلحظك القلوب فتطرق
تمشي الهوينا قد علتك سكينة ... كادت قلوب القوم منها تصفق
متتوجًا تاج الجلالة لابسا ... حلل الوقار وأنت فيها أليق
وقد امتطى يمني يديك مهندا ... غصنا يروق النصر منه يبرق
حتى انتهيت إلى مقر كرامة ... بالنيرات مزخرف ومنمق
فجلست حيث جلست منه بزينة ... شرفا وطاف بك الملوك وأحدقوا
كل يغض من المهابة طرفه ... فتراه وهو لغير فكر مطرق
والنيل مضطرب الغوارب مزبد ... صب إليك فؤاده متشوق
لو يستطيع سعى فقيل راحة ... هو في السماح بخلقها يتخلق
فرأيت منك ومنه تجري رحمة ... يتبارزان كلاهما يتدفق
أطعمتهم لما سقى فعليكما ... رزق العباد كلاكما يسترزق
لكن بينكما على ما فيكما ... من نسبة في الجود فرقا يفرق
تحصي الأصابع جوده لحسابها ... لكن حساب يداك ليس يحقق
ويفيض ذا في كل عام مرة ... وبحار جودك كل حين يدفق
ويخص ذا قوما وجودك يستوي ... فيه الأنام مغرب ومشرق
ونداك لا منّ يكدره وذا ... يمنن فهو لأجل ذاك مريق
لما غدا المقياس مقسم راحة ... يحيي الرعية فيضها المتدفق
أكبرت أن تعلو الملابس عطفه ... فكسوته أنوار شمس تشرق
إنسانه خلقا جديدا ما رأى ... راء له شبها ولا هو مخلق
حرم الخلافة حله من ربه ... ملك بمقلته الخلائق ترمق
ذو معنيين فللتمنع معقل ... صعب المرام وللتمتع حوشق
أخذ الوقار عن المشيب وربه ... لكن عليه للشبيبة روتق
إيوان كسرى حيث شئت رأيته ... منه وأدنى ما هناك خورنق
حصن تمرد صنعه لا مارد ... وعلا فعز مثاله لا إلا بلق
دغتت به هوج الرياح فما جرت ... في كرة إلا بقلب يخفق
وكأنما هو النجوم ملجج ... وكأنما هوة في النجوم محلق
هذا الذي أعيا الملوك وجوده ... من بعد ما حاموا عليه وحلقوا
أدركت بالتمكين ما لم يدركوا ... ورزقت بالتوفيق ما لم يرزقوا
فانقض وواترهم فالقضاء مسدد ... والسعد مكنتف وأنت موفق
وقال شرف الدين أبو الطيب أحمد بن محمد بن أبي الوفا الموصلي الشهير بابن الخلاوي (مولده سنة ثلاث وستمائة، ووفاته سنة ست وخمسين وستمائة) يهنئ الملك الرحيم صاحب الموصل بدار بناها:
يا دار العلا والجد يأتيك ... حاشاك مما تمنيه أعاديك
стр. 109
عدنا إليك على رغم العداة فكم ... بتنا نحث الأغاني في معانيك
وكم جلونا عروس الراح مشرقة ... وكم خلونا بمن نختاره فيك
أصبحت بالعين للذات منزلة ... فكل عين لمن عداك تفديك
وقال الشيخ جمال الدين محمد بن نباتة يهنئ ببناء دار:
ودار علت قدرا على الدور مثلما ... علا ربها بالمكرمات على الورى
مطابقة الأوصاف أما نسيمها ... فصح وأما ماؤها فتكسرا
تكرر فيها النبت دهنا وروضة ... فالله ما أحلا نباتا مكررا
وشيد هارب الفضائل والندى ... فيا حبذا دار القراءة والقرا
تذكره دار النعيم بطيبها ... فيسعى لجنات النعيم كما ترى
لقد زادها في الحسن يوسف فاغتدت ... تباع بمرآها القلوب وتشترا
والمليح في هذا المعنى قول أسجع السلمي:
قصر عليه تحية وسلام ... خلعت عليه جمالها الأيام
أجرى الإمام عليه نهرا منعما ... أعطى القياد وما عليه زمام
ومنها في المديح وأجاد:
وعلى عدوك يا بن عم محمد ... رصدان ضوء الصبح والإظلام
فإذا تنبه رعته وإذا غفا ... سلت عليه سيوفك الأحلام
قلت: الشيء بالشيء يذكر وما أحسن ما ضمن هذه الأبيات الشيخ برهان الدين القيراطي رحمة الله عليه وقال:
ومشرف إن زاد تشريفا ... فقد خلعت عليه جمالها الأيام
هو جامع للحسن إلا أنه ... قصر عليه تحية وسلام
وعلى العدوى من نقشه وطروسه ... رصدان ضوء الصبح والإظلام وقال علي بن الجهم رحمة الله عليه:
وفيه ملك كأن النجو ... م يقضي إليها بأسرارها
تخر الملوك لها سجدا ... إذا ما تجلت لأبصارها
وفوارة نارها في الس? ... ?ماء فليست تقصر عن نارها
ترد على المزن ما أنزلت ... على الأرض من صور أمطارها
نقلت من كتاب رفع الحجب المنشورة على محاسن المقصورة من الجزء الأول تأليف العلامة قاضي الجماعة بحظيرة غرناطة الشريف المرحوم والخطيب بها أبو القاسم محمد ابن أحمد بن محمد الحسيني رحمه الله تعالى وهذا التأليف من العجائب المخترعة ألفه شرحا لمقصورة الإمام الأوحد أبي الحسن حازم بن محمد بن حسين بن حازم الأنصاري العرطاحي تغمده الله بالرحمة.
قلت: ذكر العلامة لسان الدين محمد ين الخطيب في تاريخه المسمى بالإحاطة أن مولد الشريف الحسيني سنة سبع وتسعين وستمائة، ووفاته سنة ستين وسبعمائة.
قال الشارح ويتعلق بذكر الهالة ما ذكره أبو عبد الله بكر بن عباس كاتب المنصور وأبي يوسف يعقوب قال كان لأبي بكر بن مجير عادة على المنصور في كل سنة فصادف المنصور في إحدى وفادات فراغه من أحداث المقصورة التي كان أحداثها بجامعه المتصل بقصره في حضرة مراكش وكانت قد وضعت على حركات هندسية ترفع لخروجه وتخفض لدخوله وكان جميع من بباب المنصور يومئذ من الشعراء والأدباء قد نظموا أشعاراً أنشدوه إياه في ذلك فلم يزيدوا على شكره وتجرئته على الخير فيما جدد من معالم الدين وآثاره ولم يكن فيهم من تصدي إلى وصف الحال حتى قام أبو بكر بن مجير فأنشده قصيدته التي أولها:
أعلمتني ألقي عصا اليسا ... ر في بلدة ليست بدار قرار
واستمر فيها حتى ألم بذكر المقصورة فقال يصفها:
طوراً تكون بمن حوته محيطة ... وكأنها سور من الأسوار
وتكون طورا عنهم نجية ... فكأنها سر من الأسرار
وكأنما علمت مقادير الورى ... فتصرفت لهم على مقدار
فإذا أحست بالإمام يزورها ... في قومه قامت إلى الزوار
تبدو فتبدو ثم تخفي بعده ... كتكون الهالات بالأقمار
فطرب المنصور لسماعها وارتاح لاخترعها.
ومن لطيف الشعر بحضرة ملوكهم ما ذكره القاضي شهاب الدين بن فضل الله في كتابه الأبصار في ترجمة مجير الدين ابن تميم.
حكى أن الملك المنصور استدعاه في ليلة غفل رقيبها وحضر ربيبها وسحبت من سود الذوائب ظفائرها وسجنت من بيض الأيام ضرائرها إلى مجلس مزخرف وفواكه لم تخرق وأمامه جدول قد خر ماؤه فتكسر وإن عليه كل بارق وتحسر والكئوس دائره والشموس في أيدي البدو سائرة فلما رأى الجدول وقد أصابته من العين نظرة فتعثر وسقط عقد لؤلؤه وتنثر نظر إليه وقال رحمة الله عليه:
стр. 110
يا حسنه من جدول متدفق ... يلهي برونق حسنه من أبصرا
ما زلت أبذره عيونا حوله ... خوفا عليه أنت يصاب فيعثرا
فأتى وزاد تمادياً في جريه ... حتى هوى من شاهق فتسكرا
فسر المنصور بأبياته وأحب استطلاع خباياه وأمره بالجلوس إليه وجعله أرفع القوم لديه ولم يستقر به المكان ولا قعد ولا استكان حتى تحرك المجلس لغلام ورد كأنما يبسم عن برد فقال له المنصور بصوت يخفيه ما تقول فيه فقال:
بأبي أهيف تبدي وحي ... بابتسام عدمت منه اصطباري
فأراني بوجهه وثنايا ... هـ نجوما طلعن وسط النهار
فقال له سرا وقد أسفر وجهه وتسرا إلا أنه شديد النفار من المدام وله قرع بالملام فهل تقدر على استلانته وتسهيل بأسه واستهانته فما قطع المقال حتى التفت إليه ابن تميم وقال:
أتهجرها صرفا لأجل خمارها ... وذلك شيء لو جرى غير ضائر
فلا تخش من داء الخماري وعاطها ... هنيئا مرياء غير داء مخامر
فكاد الغلام يسطو عليه كالعائب وقال له كالعابث ما هذه فقال:
صفراء لو لاحت لشمس الضحى ... من قبل أن تطلع لم تطلع
أحسن ما في وصفها أنها ... لم تجتمع والهم في موضع
فقال بل أشرب خيرا منها وأدع المنهي عنها، ثم إنه أتى بركة فعب من مائها وأرى وجهه خيال قمره في سمائها فقال:
أفدي الذي بفيه شاربا ... من بركة طابت وراقت مشرعا
أبدت لعيني وجهه وخياله ... فأرتني القمرين في وقت معا
ثم لم يزل به حتى شرب ولذ معه ليلة وطرب فلما طلع ابن ذكا وأنار الصبح وأضاء شكر له المنصور حل عقدة الغلام وقال مثلك من سحر بالكلام ثم أحسن له الجائزة وغدا ابن تميم ويده لها جائزة.
وحكى عنه أنه استدعاه في صبيحة يوم أبيض ونوبات ياسمينه على الأرض تنغض والثلج قد نثر كافوره والجليد قد كسر بلوره والسحاب قد أصبحت ذيولها مجرورة والبرق قد تلون طول ليلته حتى أخرجها من صورة إلى صورة وأواني الزجاج قد شقت من وراء مدامها والدنان قد فك عنها ختام قدامها ورجال الراح قد زادت في أقدامها والساقي بعذار كأنما كتب بالريحان أو نسج بالزمرد نبت ألحان وتحت عذراه خيلان قد خبأت مسكها فزاد تضوعا وكثر طيبه تنوعا قد تأرج نشرها وفاح وعلم بنقطها في خده بأنه قديم وصف التفاح فلما دخل عليه في بكرة ذلك اليوم الأغر ورأى الدنيا ضاحكة تغتر أنشده:
يأيها الملك الذي بسطت له ... بالجود كف دهرها لم تقبض
دنياك مذ وعت بأنك لم تزل ... في نعمة وسعادة لا تنقضي
كأن الدليل على وفاها أنها ... أضحت تقابلنا بوجه أبيض
فأجزل له الصلة ولم تكن عوائده بمنفصله.
ذكر ابن ظافر في بدائع البادية أن المعتمد بن عباد كان جالسا فمر عليه بعض خطبائه في غلالة لا يكاد يفرق بينها وبين جسمها فسكب عليها إناء ماء ورد فعجب من حسنها وجمالها فقال:
وهويت سالبة النفوس عزيرة ... تختال بين أسنة وبواتر
واستجان النحلي وهو على الباب فقال:
راقت محاسنها ورق أديمها ... فتكاد تبصر باطنا من ظاهر
وتمايلت كالغصن في ورق الندى ... يلتف في ورق الشباب الناضر
تبدي بماء الورد عنبر شعرها ... كالطل يسقط من جناح الطائر
تزهي برونقها وحسن حديثها ... زهو المؤيد بالثناء العاطر
فلما قرأها استحسنها وقال له أو كنت معنا جالسا.
وقال محاسن الشورى:
وحولك من كماءة الأرض شوش ... غلائلها الجواشن والدروع
قد اعتقلوا ذوائب كالأفعى ... إذا اضطربت عواملها تروع
تلوك اللجم تحتم جياد ... سلاهب ما بها عطش وجوع
صدمت بهم فريق الترك حتى ... تهدم ركن جمعهم المنيع
فكروا والصوارم تستضاء ... بأيديهم فعلقها النجيع
وقال الصليعي الداعي ﵀:
أنكحت بيض الهند سمر رماحهم ... فرءوسهم عوض النثار نثار
وكذا العلا لا يستباح نكاحها ... إلا بحيث تطلق الأعمار
وقال ابن رشيق الأزدي:
لو أورقت من دم الأبطال سمرقنا ... لاورقت عنده سمر القنا الذبل
إذا توجه في أولى كتابته ... لم تفرق العين بين السهل والجبل
فالجيش ينفض حوليه أسنته ... تقض العقاب جناحيها من البلل
следующие страницы →