Полный текст (317 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
في الاحتياط باعتبار الأسباب المتعلقة بغسل اليد المؤدية إلى الهلاك ذكر جماعة من المصنفين وفي كتاب شاناق وزنطاح الهنديين صفات مياه تمتزج بماء القراح وتخفى فيه فمن اغتسل بها او تمضمض منها اتصل به بمسام جلده ولهواته داء مهلك ومنها ما تحمر به الأسنان ومنها ما ينفع فيه الخلال ومنها ما يجعل في الثياب والمناشف والمناديل ومنها ما يجب من حفظ مهج مدبري دولهم والذي يجب الاحتياط فيه أربة: الأشنان والماء والمنشفة والخلال ولكل واحد منها نوع من الاحتياط يخصه أما الأشنان والماء فوجه الاحتياط فيهما هو ان الغلام إذا قدم الطست جثا على ركبته ثم قدم قدح الأشنان والمحلب أو البنك ففتحه ثم أخذ الملعقة فحرك بها الأشنان جميعه حتى يقلبه ظهر البطن ثم يتناول برأس الملعقة منه يسيرا قدر الدرهم أو ما يقاربه فيجعله في كفه ثم يستفه ميعمد إلى الإبريق فيمسكه بيده اليسرى ويبسط يده اليمنى ويجمعها قليلاً ويصب فيها الماء من الإبريق ويشربه على أثر سف الأشنان ثم يوضع الإبريق ويناول الرئيس الأشنان بالملعقة ويسكب عليه الماء وأما المنشفة فإنه يكون مع الغلام منشفتان إحداهما يناولها للرئيس عندما يقدم الطست يضعها مبسوطة على حجرة تقي ثيابه رش الماء الزفر والأخرى تكون مطوية معلقة في وسطه على طيها وهي التي يجفف يده بها فهذه إذا وضع الطست بين يدي الرئيس أو الملك حواشيها باليمنى إلى آخرها ثم يقيمها قائمة ويقبض عليها بيده اليسرى من تحت اليمنى ويستلها بيده اليسرى سلتا قوياً ثم يمسكها باليسرى من وسطها ويثنيها ويقبض عليها باليمنى من تحت يده اليسرى وهي مثنية كما فعل باليسرى وهي غير مثنية ثم يستلها باليمنى إلى آخرها ثم يجمعها بين يديه ويفركها ثم يقبض عليها من حاشيتها الأخرى ويقيمها قائمة كما جعلها في المرة الأولى ويسلتها بيده حتى يستوى تجعيدها ثم يعلقها في وسطه وحينئذ يجثو لمناولة الأشنان وأما الخلال فقد ذكرنا أنه يجب أن ينقع ليلة أو ليلتين ويعوج عند التخلل لئلا يتشظا بين الأسنان فيكون له قدح صغير من زجاج طول الإصبع بحيث تدخله الإصبع يجعل فيها ماء ورد أو ماء قراح وماء الورد انفع لأن فيه قبضا تنتفع به الأسنان ويشد اللثة ثم يترك فيه الخلال قبل الحاجة إليه فإذا احتيج غليه اخرج الغلام قدح الخلال مغطى بغطاء محكم مغلفا بغلاف من أديم معدود له يعلقه الغلام في وسطه فيعمد إلى ماء الورد أو الماء الذي يكون فيه الخلال واليسير منه يجري فيصبه في راحته ويشربه جميعه ثم يناول الرئيس حينئذ الخلال على الصور السابقة في مناولته تم ذلك.
وفي ربيع الأبرار للزمخشري: أول من عمل الصابون سليمان ﵇، ولبعض الأدباء في رئيس بيده صابونة:
صابونة في راحتي ماجد ... قد أضحت السحب لها حسدا
تلاطم البحران من حولها ... فزصبح الموج بها مزبدا
الباب الثاني والثلاثون
في الماء وما جرى مجراه
قالوا وينبغي أن لا يشرب الماء على المائدة ولا بعد الأكل إلى أن يجف أعالي البطن إلا بمقدار ما يسكن بعض العطش ولا يروى منه ريا واسعاً حتى إذا جف البطن وانحدر الطعام استوفى منه ومن المشروب وفي آداب شرب الماء أحاديث نبوية ومنها أدبية حض عليها العلماء في مراعاتها أما الشرعية فلا يشرب قائماً روى عن رسول الله ﷺ أنه قال لو يعلم أحدكم ما في بطنه إذا شرب قائماً لاستقى، ومنها أن تمز الماء مزا ولا تعبه عبا وروى عن النبي ﷺ أنه قال الكياد من العب والكياد داء الكيد، ومنها أن لا يستوفى الماء إلى آخره ومنها أن يناول من على يمينه ومنها أن لا يشرب من ثلمة الإناء هذه كلها من الماء إلى آخره الدين ومن آداب الماء أن يجلس ويتناول الكوز بيمينه ويسمى الله وينظر في الإناء قبل الشرب ويضع يده اليسرى من تحته لعله يكون قد وضع على موضع يقطر منه على ثيابه قطرة غير نظيفة ثم يشرب ثلاثة أنفاس ولا يتنفس في الكوز ويحمد الله تعالى بعد الشرب وأن يسر أن كان معه غيره.
стр. 177
آداب شرب الماء في مجلس الملوك اتفق أكابر العلماء بالأدب أن استدعاء الكوز في مجلس الملك والرئيس وشرب الماء في مواجهته من سوء الأدب وأما مجلس الملك خاصة فلا سبيل إلى شرب الماء فيه البتة، ذكر في سيرة كافور الأخشيدي حكاية ينتفع بسماعها من يلزم مجالس الملوك قالوا كان أبو جعفر مسلم وأبو الفضل جعفر بن الفضل الوزير عند كافور عشية صيف ولم يكن عنده غيرهما فقال لهما قد اشتد الحر وللثلج أيام ما جاءنا من الشام وما كان كافور يذوق الثلج وغنما كانت الكيزان توضع عليه فيشرب منها وبهذا سلم من ضرر الثلج فبينما هم كذلك إذا خبر بمجيء الثلج فقال هاتوا ثلاث كيزان فجاءوا بها فأخذ كافور كوزاً فشربه واخذ أبو الفضل كوزاً وشربه وأخذ أبو جعفر كوزاً وقام فخرج من المجلس وشربه ثم عاد وأكب على يد كافور ثم قعد أبو جعفر ساعة وانصرف وأراد أبو الفضل أن ينصرف فشاغله كافور ثم قال هاتوا أبا اليمن فجاء فقال زد في جزاءة الشريف أبي جعفر ألف دينار في كل عام وإنما اجلس أبا الفضل ليريه مكافأته لأبي جعفر عن حسن أدبه معه في شرب الماء.
كتب أبو الخطاب الصابي إلى عمه أبي اسحق الصابي مع كوز ما بعث به إليه شرط المودة أطال الله بقاء سيدي أن لا أنفرد دونه بلذة ولا اختص قبله بعطية إذا كان لا فرق بين محبتي ومحبة ولا فصل بين مبرتي ومبرته وقد شربت الساعة في هذا الكوز فوجدته أعذب ارتشافا من الأفواه وأحلى مصا من الشفاه وأصفى جوهراً من فاخر الدر وأنقى من الثنايا من المسك الأذفر:
رقت حواشيه فخ ... ف على الأنامل والقلوب
فكأنه مستعمل ... من طيب أنفاس الحبيب
يتم على القدا ولا يحول بين الماء والهوى يلطف عن صفاء الزجاج ولا يحوج الغلام إلى الثلاج أن أفرغ شف وان أترع رف تتساوى المياه فيه عذوبة وتعجب العيون قبل النفوس رؤية:
اشهى إلى الأبصار من ... وجه الحبيب بلا رقيب
تهدى لنا أنفاسه ... ما فيك من كرم وطيب
حتى كان طينته من طينتك وعذوبته مشتقة من عذوبتك وقد أنفدته مملوءاً إليك لتعلم أن قبلى مملوء من المحبة عليك والسلام.
وقال صالح بن يونس في كوز ومرفع:
أم الحياة على سرير من نحاس ... عريانة أبداً بغير لباس
هي في الممات لدى الورى معدودة ... لكنها ضمنت حياة الناس
وأهدى رجل لرئيس كيزانا وكتب إليه:
ما بعثت الكيزان إلا احتيالا ... جعلت مهجتى وروحي فداكا
منعتني الأيام تقبيل كفي ... ك فأرسلتها تقبل فاكا
ولا يسمى الكوز كوزاً لا إذا كان له عروة وإلا فهو كوب وعى ذلك فسر قوله (بأكواب وأباريق) ولذلك نظائر في اللغة وهو ما أن المائدة لا يقال لها مائدة إلا إذا كان عليها الطعام وإلا فهي خوان كما تقدم ولا يسمى الكأس كأساً إلا وفيه شراب وإلا فهو قدح وإلى ذلك أشار العلامة ذو الوزارتين وأمام العروتين لسان الدين أبو عبد الله محمد بن الخطيب وزير صاحب الأندلس وكاتم سره في قوله لما وقف على كتاب ديوان الصبابة تأليف الشيخ شهاب الدين احمد بن أبي حجلة مخاطباً له على قوله في الكتاب المذكور:
كتاب حوى أخبار من قتل الهوى ... وسار بهم في شرق ومغرب
مقاطيعه مثل المواصيل لم تزل ... يشيب فيها بالرياب وزينب
قوله هذه الأبيات:
يا من أدار من الصبابة بيننا ... قدحا ينم المسك من رياه
وأتى بريحان الحديث فكلما صبح النسيم براحة حياه
أنا لا أهيم بذكر من قتل الهوى ... لكن أهيم بذكر من أحياه
أنشدني هذه الأبيات المرحوم فخر الدين بن مكانس وذكر أن شهاب الدين بن أبي حجلة أنشده إياها وأنه تبجح بكونه مدح كتابه قال فقلت له يا شيخ شهاب الدين خثر عليك لسان الدين وذكر أن كتابك فارغ من المحاسن قال وكيف ذا قلت لقوله:
يا من أدار من الصبابة بيننا ... قاحا ينم المسك من رياه
أما علمت أن الكأس لا يقال له الكأس إذا شرب وإلا فهو قدح فامتغص له شهاب الدين وأخبرني أن لسان الدين عارضه بكتاب سماه روضة التعريف بالحب الشريف في التصوف انتهى.
стр. 178
رجع إلى ما كنا فيه سأل رجل الشيخ أبا الفرج بن الجوزي رحمه اله ما لنا نرى الكوز الجديد إذا صب فيه الماء نش وخرج منه صوت فما معناه قال له يا ولدي ذاك صوت شكواه يشكو إلى برد الماء مالقيه من حر النار فقال السائل فما لنا نراه إذا ملأناه لا يبرد فإذا نقص برد فقال الشيخ حتى تعلموا أن الهوى إلا يدخل إلا على ناقص، وذكر الوداعي في تذكرته قال حدثني جماعة من أهل عانة وهيت بالعراق أنه إذا كان أو أن الأربعينات ملئت فإذا انقضت رفعوها إلى زمان الصيف وشربوا فيها الماء فإنها تبرده برداً كثيراً يقوم مقام الثلج انتهى.
قلت: وذكر لي الوزير فخر الدين بن مكانس ﵀ إن ماء طوبا إذا شيل إلى الصيف وسكب منه في آنية الماء برده إلى الغاية وغن ماء هذا الفصل لا يفسد إذا شيل بخلاف غيره من الفصول، وما احسن قول ابن عبد الظاهر ملغزا في شربة:
وذى أن بلا سمع ... له قلب بلا قلب
إذا استولى على حب ... فقل ما شئت في الصب
قال وأهل مصر تقول للزير الحب وإليه أشار المرحوم فخر الدين بن مكانس في السبيل أنشأه الوزير الملكي الشهير بالنشو بجامع عمرو بن العاص (آمين:
أنشى القصيم النشو لما أرتقى ... وزارة زادته في وزره
بالجامع العمري سبيلا وقد ... قالت لنا عنه بنو مصره
هذا سبيل حاله فاسد ... وزيره يرشح من قعره
أنشدني الشيخ شمس الدين الرئيس لنفسه وكتبها على الخوابي:
ترفق أيها الساقي ... وزد في الطف بالصب
وداو القلب لي واعلم ... بأني منزل الحب
فصل: في المحمود من المياه قال ابن النفيس في الموجز أفضل المياه مياه الأنهار وخصوصاً الجارية على تربة نقية فيتخلص الماء من الشوائب أو على حجارة فيكون أبعد عن قبول العفوفة وخصوصاً الجارية إلى الشمال المشرق وخصوصاً المنحدرة إلى أسفل وخصوصاً إذا بعد المنبع فإن كان مع هذا خفيف الوزن يخيل لشاربه انه حلو ولا يحتمل الشراب منه إلا قليلاً فذلك هو البالغ وماء النيل قد جمع أكثر هذه المحامد وماء العين لا يخلو من الغلظ وأردأ منه ماء البئر وما النز أردأ وأما الشرب على الريق وعقيب الحركة وخصوصاً الجماع وعلى الفاكهة وخصوصاً البطيخ فردئ جداً سواء كان المشروب ماء أو شراباً فإن لم يكن بد فقليل من كوز ضيق الرأس امتصاصاً وكثيراً ما يكون عطش عن بلغم لزج أو مايح وكلما روعى بالشرب حركه فإن صبر عليه أنضجت الطبيعة المادة المعطشة وإذابتها فيسكن من ذاته وفي مثل هذا كثير ما يسكن بالأشياء الحارة كالعسل.
стр. 179
قلت وعلى ذكر النيل فلا بأس بإيراد نبذة مما قيل فيه، قال الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة في كتابه السكران ذكر المهدوى في تفسيره عن عبد الله بن عمر (أن الله تعالى سخر للنيل كل نهر يجري على وجه الأرض في المشرق والمغرب وذلله له فإذا أراد الله تعالى أن يجري نيل مصر أمر كل نهر أن يمده فإذا انتهى جريه إلى ما قدره الله تعالى أمر كل نهر أن يرجع إلى عنصره ومصداق هذا إلا ترى أن النيل مخالف لكل نهر على وجه الأرض لأنه أن يزيد إذا نقصت وينقص إذا زادت لأنها والله اعلم تمده بمائها، وفي أصل النيل أقول للناس حتى ذهب بعضهم إلى أن مجراه من جبال الثلج وهي بجبل قاف وأنه يخترق البحر الأخضر بقدرة الله تعالى ويمر على معادن الذهب والياقوت والزمرد فيسير ما شاء الله تعالى إلى أن يأتي بحيرة الريح قال الحاكي لهذا القول ولولا ذلك يعني دخوله في البحر المالح وما يختلط به منه لما كان يستطاع أن يشرب منه لشدة حلاوته وقال قوم مبدأه من جبل القمر وانه ينبع من اثني عشر عينا واختلف في سبب زيادته ونقصانه فقال قوم لا يعلم ذلك إلا الله تعالى وكان الملك الصالح نجم أيوب يشتهى أن يعرف أصل هذا النيل فرسم أن تشتري عبيد صغار زنوج وما شاكلهم جلب لم يسعربوا وسلمهم لصيادي السمك والبحارة ليعلموهم صنعة البحر وصيد السمك وان يكون قوتهم من السمك لا غير فإذا مهروا في ذلك تصنع لهم مراكب صغار ليركبوا فيها ويأتوه بخبر النيل وكان فرعون يحي خراج مصر في كل سنة ألف ألف دينار فيأخذ الربع من ذلك لنفسه وأهل بيته وبيت ماله والربع الثاني لوزارته وامرأته وكتابه وجنده ويكنز الربع الثالث ذخيرة ويصرف الربا الرابع في حفر الخلجان وسد الترع وعمل الجسور ومصالح الأرض وكان في كل سنة إذا كمل التخضير ينفد مع قائدين من قواده أردبين من قمح فيذهب أحدهما إلى أعلى مصر والآخر إلى أسفلها فيتأمل القائد كل ناحية وأرض كل قرية فإن وجد موضعاً بائراً عطلا قد أغفل بذره كتب إلى فرعون بذلك وأعلمه اسم العامل وأخذ ماله وولده فربما عاد القائدان ولم يجد أحد منهما موضعاً لبذر الأردب لتكامل العمارة واستظهار الزرع وجباها عمرو بن العاص اثني عشر ألف دينار وكان ذلك أول دخوله إياها والكلام على ذلك طويل (ومما) قالت الفضلاء في النيل المبارك فمن ذلك قول علاء الدين والوداعي:
روَّ بمصر وبسكانها ... شوقي وجدد عهدي الخالي
وصف لي القرط وشنف به ... سمعي وما العاطل كالحالي
واروا يا سعد عن نيلها ... حديث صفوان بن عسال
وقال الشيخ زين الدين بن الوردي:
ديار مصر هي الدنيا وساكنها ... هم الأنام فقابلها بتقبيل
يا من يباهي ببغداد ودجلتها ... مصر مقدمة والشرح للنيل
وقال الشيخ صلاح الدين الصفدي:
رأيت في أرض مصر مذ حللت بها ... عجائباً ما رآها الناس في جبل
تسود عيني في الدنيا فلم أرها ... تبيض إلا إذا ما كنت في النيل
وقال الشيخ جمال الدين بن نياتة:
زادت أصابع نيلنا ... وطمت فأكمدت الأعادي
وأتت بكل جميلة ... ما ذي أصابع ذب أيادي
وقال الشيخ برهان الدين القيراطي:
لنيل مصر كمال في زيادته ... وفضله غير مخفى ومكتتم
إذا بدت لك من تياره شيم ... رأيته طاهر الأوصاف والشيم
وقال الشيخ شمس الدين بن الصائغ رحمة الله:
سما النيل إذ يحكى السما في انبساطه ... فللَّه ما أحلى وأصدقه حاكى
تسير به الأفلاك شرقاً ومغربا ... وحافاته ايضاً تحف بأملاك
وقال الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلى:
نشروا القلوع وبشروا بوفائه ... الراية البيضاء عليه بالوفاء
وقال الشيخ بدر الدين بن الصاحب:
لله يوم الوفا والخلق قد أجمعوا ... كالروض تطفو على نهر أزاهره
وقال الشيخ سديد الدين بن كاتب المرج:
يا نيل يا ملك الأنهار قد سقيت ... منك البرايا شرابا طيبا رغدا
وقد دخلت القرى تبغي منافعها ... فمعها بعد فرط النفع منك أذى
فقال تذكر عني أنني ملك ... وتثنى ناسيا أن الملوك إذا
وقال إبراهيم المعمار:
سمعت يوماً سد مصر يقل ... النيل وافي زائداً عندي
فكأن هذا خبر صادق ... فرحت أرويه عن السدي
стр. 180
وفي هذه النبذة كفاية وعلى الجملة فمحاسن النيل مستكثرة ولو استوعبنا ما للفضلاء في ذلك من النظم والنثر لحفيت من تسطيرها الأقلام وضاقت صدور الأوراق وما أحق هذه المقاطيع أن تسمى مقاطيع النيل.
رجع إلى ما كنا فيه أنشدني من لفظه لنفسه ونقلته من خطه الشيخ الفاضل زين الدين ابن العجمي ﵀ ملغزا سألتك أعزك الله عن سائل لاحظ له في الصدقة وغن لم يكن متصل النسب بالإشراف كثير الرجفان من غير أن يخاف كم يرد سائله نهرا وعفر وجه فاقده بالتراب قمرا مذكر كثير الحيض لطيف الانبساط سريع الغيض مطلق التصرف وعليه الحجر وطالما قبل العشاء أبدى لنا الفجر يتشعب ويتكسر ويتعوج ويتدور وله خمسون عيناً وأكثر يحمل القناطير المقنطرة ويعجز عن حمل إبرة سريع الاستحالة قل ما يثبت على حاله بعيد الغوص ليس له قرارا يعاجل صفاء وراده بالاكدار يسكن في تخوم الغبرا وينم على أحوال أهل السما رقيق القلب على كل عديم وكيف لا وهو الولي الحميم يجود بأفخر الحلى ولا يرد من نداه مؤملا كم عمر سبيلا وقطع طريقاً وأخاف سبيلاً كم طفا واحترق وأظهر الحقائق وهو كثير الملق كم علا درجاً وحط قدر الدقائق وقلع بأصابعه عين كل مارق وكم طهر أمما من أرجاسها وأماط عن أرض رديئ أدناسها وكم درأ عن شيخ خبثا ورفع كهلا وحدثا صقيل يجلو الصدا ويظهر على شدة البرد تجلدا يبلغ فيه بشئ يسير مقاماً لا ترقى إليه همة الملك الكبير كم أباح محرماً للعباد واكثر الفساد في البلاد وكم رأينا شموساً تجرى لمستقرها فيه وتجنح وتلوح في فلكه وتسبح كم خاص في ذاته خائض مع كثرة سياحته وربما وجد في الجبال رابض قد جمع فيه الخوف والرجا والكدر والصفا ومن العجائب انه كافر وكم أعان على العبادة أهل الصلاح وأضاف نزيله بالميتة ولم يخش في ذلك من جناح فسبحان من جمع فيه الأضداد وأرسله رحمة للعباد.
وقال أبو الفضل أحمد بن محمد الخازن فيه:
وخل صفاء زرته بعد هجرة ... فألقيت شخصي في حشاه مصوراً
وادعته سرا فأفشاه للورى ... فيا حسن ما أفشى الغداة واظهر
أبو حليف للثريا وأمه ... به حامل في بطن منخفض الثرى
سطح له جسم بغير جوارح ... يبارى الرياح الجاريات إذا جرى
تصافح كفى منه كفا رطيبة ... يخادع عيني كالخيال إذا سرى
تزر عليه الريح ثوبا مفرَّكا ... ويكسوه شهب الليل ثوبا مدثرا
وقال أبو الحسن الباهرزي ملغزا:
لا أحاجي في زمرة الفضلاء ... فير خل خصصته بأخائي
في شبيه البلو ردَّ إلى الماء ... وقد كان قبل عين الماء
ينذر الحر بالهزيمة بردا ... فهو المنذر بن ماء السماء
وأنشدني المقر الاشرف المرحوم أبو عبد الله محمد بن الأنصاري صاحب ديوان الإنشاء بالشام لنفسه حكاية حال:
ضلو عن الورد لما انهم رحلو ... قومي فظلوا حيارى يلهثون ظما
والله أكرمني بالورد دونهم ... فقلت يا ليت قومي يعلمون بما
وعلى ذكر الماء ذكرت ما أنشدنيه من لفظه لنفسه شيخاً العلامة أقضى القضاة بدر الدين أبو عبد الله محمد المخزومي المالكي الشهير بالدمامينى ملغزا في قرية وكتب به إلى المرحوم الأميني صاحب ديوان الإنشاء على يد مسطرها:
أكاتب سر الملك والفاضل الذي ... ثناه على الأفكار فرض مرتب
ومن فاه في فن البديع بمنطق ... فأمست غويصات المعاني تهذب
تحدّث عن سهل رواة كومه ... إذا ما أتاه اللغز يرويه مصعب
فديتك ما ذات أطالعكم بها ... ويبحث في الأسفار عنها ويطلب
تشدَّ وكم في الأرض قارا ما لها ... فصدق إذا ما قيل تملى وتكتب
وما هي في التحقيق رواية وكم ... لها خبر في الذوق يحلو ويعذب
مليحة شكل يألف الحب صبها ... زمانا وفي وقت لها يتجنب
ويبلغ منها للحياض حقيقة ... ولكن رأينا قلبه وهو طيب
يزيد مريدوها إذا ما تصوَّفت ... ويشكرها أهل الزوايا ويطنبوا
لها أربع لكن بساق رأيتها ... على السعى في الأحياء بالنقع تدأب
وترضع أحياناً وما حان وضعها ... وكم من فتى في حملها راح يرغب
وتحمل ما فيه الحياة لربها ... فيا حبذا منها البسيط المركب
стр. 181
وترسله فاعجب له من مسلسل ... غدا مرسلا عنه البسيط المركب
وكم من خليع سمته إذ تعتقت ... يمدُّ إليها الراح لهوا ويطرب
وما نال أثما تعاطيه بعدها ... رأيناه من تلك العتيقة يشرب
وسم فمها المفتوح كم راح سائلا ... وما نطقت حرفا عن القصد يعرب
وكم قد تعبدنا بتحريف لفظها ... ولم أر بالتحريف من يتقرب
وتصحيفها يا بهجة الدهر بلدة ... حواها من الأقطار شرق ومغرب
وتوجد في الأفلاك عالية بها ... ويألفها بعض الحواري ويصحب
فيا من لرق الفضل أصبح مالكا ... فما لي إلا نحو علياه مذهب
تلفت للغز نحو بابك قد أتى ... وكل غدا من ظرفه يتعجب
وقال بعضهم ملغزا في قرية السباحة:
وذات فم يوما تسبح ربها ... ولم تكتسب أجرا بتسبيحها قط
معانقة الصبيان مضمرة الهوى ... كأن بقايا قوم لوط لها رهط
الباب الثالث والثلاثون
في المشروب والحلواء
قال أبو عبيد معمر العرب تقول كل طعام لا حلواء فيه فهو خداج أي ناقص غير تام وقال الزمخشري عن بعضهم أنه قال الوذنج قاضي قضاة الحلواء والخبيص خاتمة الخير وقيل لبعضهم التمر يسبح في البطن فقال على هذا التقدير اللوذنج يصلى التراويح، دخل الحمل البصري على قادم وعنده قوم بين أيديهم طباق حلواء ولا يمدون أيديهم فقال لقد أذكر تمونى ضيف إبراهيم وتلا الآية (فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم) ثم قال كلوا رحمكم الله فضحكوا وأكلوا، وكان أبو هريرة يقول أكل ثمرة أمان من القولنج وشرب العسل على الريق أمان من الفالج وأكل الرمان يصلح الكبد والزبيب يشد العصب ويذهب الوصب والنصب، قيل: لإعرابي على مائدة بعض الملوك وهو يأكل الفالوذج لم يشبع منه أحد إلا مات فأمسك وفكر ثم ضرب بالخمس وقال: استوصوا بعيالي خيراً، وكان: عبد الله ابن جذعان سيداً شريفاً في قريش فوفد على كسرى وأكل عنده الفالوذج فسأل عنه فقيل له الفالوذج قيل وما هو قيل لباب البر يلبك مع العسل النحل فابتاع من عنده غلاماً يصنعه وقدم به مكة فصنع بها الفالوذج فوضع موائده بالابطح إلى باب المسجد ثم نادى من أراد أن يأكل الفالوذج فليحضر فكان ممن حضر أمية بن الصلت وكان يمدحه كثيراً فقال:
لكا قبيلة رأس وهاد ... وأنت الرأس تقدم كل هاد
له داع بمكة مشمعل ... وآخر فوق دارته يناد
إلى درج من الشير أملائي ... لبل البر يلبك بالشهاد
حدث المحسن عن ابن خلاد بإسناده في كتاب الموائد أن الرشد وأم جعفر اختلفا في الفالوذج والوذنج فحضر أبو يوسف القاضي فسأله الرشيد فقال إذا حضر الخصمان حكمت بينهما فقدما إليه فأكل منهما حتى انتهى فقال له الرشيد احكم فقال كلما أردت أن أقضي على أحدهما أدلى الآخر بحجته فضحك الرشيد وأمر له بألف دينار وبلغ زبيدة فأمرت له بألف دينار إلا واحد.
حدث حماد بن سلمة قال دخلت على إياس بن معاوية وهو يأكل فالوذجا فقال أدن فكل فإن كان شيء في العقل فهذا، واتى إعرابي بفالوذج فأكل منه فقيل له تعرف ما هذا فقال هذا وجدك الصراط المستقيم.
стр. 182
ومن نوادر الصوفية انهم إذا أكلوا طعاماً عند أحد فقالوا أكل طعامك الأبرار وأفطر عندك الصائمون ولا يقولون وصلت عليك الملائكة إلا بعد الحلوء، قيل لأبي الحارث جمين ما تقول في الفالوذج قال وددت أنها وملك الموت اختلجا في صدري والله لو أن موسى لقى فرعون بفالوذج لا من ولكن لقيه بعصا، وقال أنس يرفعه: من لقم أخاه لقمة حلواء صرف الله عنه مرارة الموقف، اشترى رجل أحمالاً من السكر وأمر باتخاذ مسجد من السكر ذي شرف ومحاريب وأعمدة منقوشة ثم دعا الفقراء فهدموه ونهبوه ذكر ذلك الزمخشري في ربيع الأبرار، قدم فالوذج حار إلى مائدة عليها أبو هفان وأبو العيناء فقال له أبو هفان هذا آخر مكانك من جهنم فقال أبو العيناء أن كانت حارة فبردها بشعرك، وعن أبي هريرة (عن النبي ﷺ أنه قال من لعق العسل ثلاثا في كل شهر لم يصبه عظيم البلاء أبداً، وعنه ﷺ أنه قال شفاء أمتي في ثلاث: لعقة من عسل أو شرطة من حجام أو آية من كتاب الله، ونقلت من خط القاضي الفاضل واقعة غريبة اتفقت بالديار المصرية وهي أنه لما احرق شاور مصر أيام دخول الفرنج إليها كان بها رجل صالح وله أبنة مليحة احترقت دكانه في جملة ما احترق فرحل إلى البر الغربي وسكن في بعض القرى وجلس في حانوت سمان يرتفق به واتفق أن مقطع القرية رأى ابنته فهويها وجعل يروم أفسادها فلم يتسر له فخطبها من أبيها فما رضية كفؤا لها فشرع في أذيته وتسخيره وطرح عليه غرامة لا تلزمه وعزم على حبسه فسأل أمهاله مدة معينة فقال اكتب لي بها حجة علما منه أنه فقير ومتى حلت الحجة اخذ ابنته بتلك الحجة فكتب وأشهد عليه فلما انقضت الحجة جاء شاب واشترى منه عسلاً فأخذه في جرة ومضى فسقطت منه صرة مشدودة فأخذها الرجل وفتحها فوجد فيها عشرة دنانير فأخذها فلما جاءه المقطع طالبه ورفعه إلى القاضي فقال له احضر الحجة فأحضرها فدفع إليه العشرة دنانير الحجة وتخلص من الظالم فلما عاد إلى حانوته جاء الشاب الذي اشترى منه العسل وسقط منه الذهب وقال اجعلني في حل وأبرئ ذمتي فإني لما اشتريت أخذتها فلما حضرت اليوم وجدتها مرمية في طريقي فتعجب الرجل من ذلك وقال اشكر الله الذي رد عليك فأنت في حل من جهتي فلما كان ثاني يوم جاءه الظالم وقال اجعلني في حل فإني رأيت البارحة مناماً أزعجني بسبك وأما الذهب فإنه وقع مني وذلك لأني قد أخذته حراماً وقد تبت إلى الله تعالى مما جرى مني فشكر الله تعالى وتفرقا.
كتب الشيخ شرف الدين عيس العالية إلى سيدنا ومولانا الشيخ بدر الدين محمد الدماميني ملغزا في عسل:
يأيها المولى الرئيس ومن له ... ألفت مدحا كالجواهر نظمه
اسمع سمعت الخير لغزا محكما ... يمضي على الألغاز جميعاً حكمه
قالوا من الأطيار حقا أصله ... أكرم به أصلا يروقك طعمه
لكنه ما حاز منقارا ولا ... ريشا واجنحة ولست أذمه
والجسم منه ما حوى عظماً ولا ... لحما ويعجب من يراه جسمه
وبفرد عين كم بدا لمعاين ... لم يدر ما هي من تبلد فهمه
يا من له ذكر يفوح لناشق ... كالسمك حين يفيض عنه ختمه
قل للذي يبدي الدعاوي قل لنا ... ما أصل هذا في الطيور وما اسمه
إن قال هذا واضح فهو الذي ... قد غره فيما ادعاه وهمه
من أين يعرف اسم شيء ربما ... أكلته في وقت المجاعة أمه
فأجابه:
يا فاضلا بين المحاسن نظمه ... ولعزه قد ذل عجزاً خصمه
وطرّزت حلل البديع بمنطق ... منه علا بين الأفاضل رسمه
شرف لأغراض البلاغة سابق ... ومن الفضائل قد توفر سهمه
ألغزت في اسم عاطل حليته ... بنفس در صح فينا يتمه
فإذا أضفت القلب منه لاسمه ... قلنا بهذا الفعل قد وضح اسمه
وإذا عكست الأصل منه فهو أن ... أعربت لحنا ليس يجهل حكمه
قد كانت الأذهان منه خلية ... فحوت به شهدا لذيذا طعمه
وروى ابن سكرة حلاوة نظمه ... فقضى يتفطير المرارة همه
ورأى بعين لغزك الحلو الجنى ... عذب المذاق فحار فيه وهمه
وأعاذه بحلى أمير النحل إذا ... أضحى عليا في أفصاحه نظمه
فاسلم وصغ البيان لفهمنا ... يا من تحلى بالنباهة فهمه
стр. 183
واصفح بفضل عن جواب سافل ... يا طالعا في خير أفق نجمه
ومن تذكرة الوداعي قال الصاحب فخر الدين بن الشيرجي أهدي الأمير بدر الدين لولو المسعودي قصب سمر من الغور فأرسلت إليه مع الرسول أبلوجة سكر مكرر وكتب فيها رقعه فيها:
كالبحر يمطره السحاب وما له ... فضل عليه لأنه من مائه
أبو الحسن الجزار ملغزا:
أتعرف لي حبلى ما تنفست ... سرى لا نوف القوم من طيها نشر
ويرضع منه الندى ساعة حملها ... أبوها فيغدو وهي من وقتها بكر
تريك جنينا وهو من غير جنسها ... فوجد أنه حلو وفقدانه مر
عليه به ستر دقيق وإنما ... تجل إذا ما دق من فوقها الستر
إذا كسرت في القوم تجبر كسرها ... فيحسن بعد الكسر من فلبها الجبر
تروق عيون الناظرين جلالة ... إذا جلست يوماً وموضعها الصدر
وقال الشيخ زين الدين بن الوردى:
بعثت قطائفا روى ... حشاها قطرها الغامر
فسكرها أبو ذر ... ومرسل صحنها جابر
وقال الشيخ جمال الدين بن نياتة يستهدى قطرا:
لجود قاضي القضاة أشكو ... عجزي عن الحلو في صيامي
والقطر أرجو ولا عجيب ... للقطر يرجى من الغمام
وقال الشيخ العلامة أبو محمد بن جابر الأندلسي نزيل حلب:
وقفت للوداع زينب لما ... رحل كوكب والمدامع تسكب
مسحت بالبنان دمعي وحلو ... سكب دمعي على أصابع زينب
وقال الشيخ جمال الدين بن نياتة ملغزا:
أحاجيك ما حلو اللسان وأنه ... لبكم إذ تعزى إليه المعازف
يرى جالساً في الصدر ما كان كاملاً ... فإن نقصوه فهو في الخلق طائف
وله يستهدى قطرا
مولاي عندي للبنا قصائد ... تريك رياض اللفظ باسمة الزهر
وتشتاق من إحسانك الحلو رسمها ... ولا عجب شوق الرياض إلى القطر
ابن نيابة:
أقول وقد جاء الغلام بصحته ... عقيب طعام الفطر يا غاية المنى
بعيشك قل لي جاء صحن قطائف ... وبح باسم من أهوى ودعني من الكنى
الصلاح الصفدي:
أتاني صحن من قطائفك التي ... غدت وهي روض قد تنبت بالفطر
ولا غرو أن صدقت حلو حديثها ... وسكرها يرويه لي عن أبي ذر
وما احسن قول القاضي محي الدين بن عبد الظاهر في منزلة القطيفة:
هذي القطيفة التي ... لا تشتهى عقلا ونقلا
حشيت ببرد يابس ... فلاجل ذاك الحشو يقلى
وقال الشيخ برهان الدين القبراطي وكتب بها إلى القاضي نور الدين بن حجر والد سيدنا القاضي شهاب الدين ﵏:
مولاي تور الدين ضيفك لم يزل ... يروى مكارمك الصحيحة عن عطا
صدقت قطائفك الكبار حلاوة ... بفمي وليس بمنكر صدق القطا
وأنشدني القاضي بدر الدين بن الدماميني قال أنشدني شرف الدين عيسى بن حجاج العالية لنفسه:
تهن بنصف كم به حلاوة ... وجد لي بفضل لا يضيع ثوابه
فإن لساني صارم وفمي له ... قراب وأرجو أن يحل قرابه
وأنشدني من لفظه لنفسه شيخنا زين الدين بن العجمي أحد فضلاء الديار المصرية وقد أهدى له حلوء سكب:
لفضلك يا قاضي القضاة مزية ... على السحب لا تخفى على من له لب
فأول جود الغيث قطر مبدد ... وغيث نداك الجم أوله سكب
ابن المنشد:
وقطائف مثل البدور ... أتت لنا من غير وعد
فحسبتها لما بدت ... في صحنها أقراص شهد
السراج الوراق:
قطائفك التي رقت جسوما ... لماضغها كما كتفت قلويا
كغيم رق لكن فيه قطر ... غدا المرعى الجديب به خصيبا
وقال أبو الحسن الجزار يستهدى قطرا:
أيا علم الدين الذي جود كفه ... براحة قد أخجل الغيث والبحرا
لئن أمحلت أرض الكنانة أنني ... لأرجو لها من سحب راحتك القطرا
وله:
سقى الله أكناف الكنافة بالقطر ... وجاد عليها سكر دائم الدر
وتبا لأوقات المخلل إنها ... تمر بلا نفع وتحسب من عمري
ولي زوجة إن تشتهى قاهرية ... أقول لها ما القاهرية في مصر
المعلم المرصص:
وحقك ما أوليتى من قطائف ... ألذ وأحلى من وصال القطائف
وقد ضمنت مثل العتاب حلاوة ... ألم ترها ملفوفة كالصحائف
ابن نياتة:
стр. 184
رعى الله نعماك التي من أقلها ... قطائف من قطر النبات لها قطر
أمدّ لها كفى فأهتز فرحة ... كما انتفض العصفور بلله القطر
وله:
شكرا لبرك يا غيث العفاة ولا ... زالت مدائحك العلياء تنتخب
قد جدت بالقطر حتى زدت في طمع ... وأول الغيث قطر ثم ينسكب
سعد الدين بن عربي:
قال القطائف للكنافة ما ... بالي أراك رقيقة الجسد
أنا بالقلوب حلاوتي حشيت ... فتقطعي من كثرة الحسد
ولآخر في أقرصة البسندود:
أقرصة هشة مدورة ... كأنها في النقا كافور
كانها في الصحاف مطبقة ... دراهم فوقها دنانير
كتب سيدنا القاضي صدر الدين بن الأدمي إلى سيدنا وملانا أقضي القضاة بدر الدين محمد بن الدماميني ملغزا في لوذنج يقبل الأرض وينهي أنه أصدرها عن صدر محرور وقلب لانقطاعه عن الباب الكريم مكسور فاسبل عليها من فضلك ستور واعذر فإنها نفثة مصدور:
يا من له في عروض الشعر أيد ... فاق الخليل بها فضلاً وتمكينا
ما اسم دوائره في نظمه ائتلفت ... والثلم في صدرها مستعمل حينا
أجزاؤه من زحاف الحشو قد سلمت ... هذا ويقطع مطويا ومخبونا
تصحيف معكوسة لفظ يرادفه ... يا فرد يا رحلة قوم مقيمونا
والعبد منتظر من خله فرجا ... لا زال سعدك بالإقبال مقرونا
وقد جهزها لتنوب عنه في تقبيل اليد الكريمة وتستمطر من سحائب جوابه الصيب ديمه، فكتب إليه الجواب يقبل الأرض وينهي ورود المشرفة التي عذب معناها وشهد أهل الذوق بحلاوة مجناها وحاول العبد حل لغزها السير فإذن دون شهده ابن النحل وقرنه بألغاز المتأدبين فإذا هو مخصب النبات بتوال القطر وإذا تلك مطروقة المحل بالمحل وكادت مرارة الفقير تنفطر لعجزه عن هذه الحلاوة وجرى على عادته في الأسف المكرر حيث فقد هذا الرونق وتلك الطلاوة ولكنه عقد الفضيحة على نفسه بعد أن استقال وتجاسر بعد الخوف على نظم الجواب فقال:
يا مرسلا من شهى النظم لي كلما ... منها ابن سكرة راح مغبونا
لله درك صدرا من حلاوته ... وجوهر النظم لم يبرح يحلينا
جليت لغزك إذ أبهمته فلذا ... يا فاتني رحت بالإعجاب مفتونا
هذا وكم قد رأينا في دوائره ... للكف قبضا يزيد العقل تمكينا
وكن لنا هاديا صوب الصواب ودم ... فينا أمينا رشيد الرأي مأمونا
ولله تعالى يحلى أفواه ذاكريه بما هو أشهى من الوذانج وأحلى وأعناق المتأدبين من كلمه بما هو انفس من الدر وأغلى ويكلؤه في الإقامة والارتحال ويقي عيشه كل مرّ ويحفظه على كل حال، وقال الشيخ برهان القيراطي ملغزا:
هذان لغزان قد حلا ببابك يا ... قاضي البرية ما هذان خصمان
اسمان كل خماسي إذا كتبت ... حروفه وهما لا شك خدنان
تباينا في الورى شكلا إذا نظرا ... وصورة وهما في الأصل مثلان
يرى بكانون إصلاحاك أنهما ... كما لأصلهما نفع بنسيان
في مصر والشام منسوب لأصلهما ... يضاف يا خبر بستان لبستان
لكن إلى الصين منسوب مقرهما ... إن أحضرا في مكان بين أخوان
لذا كنا وهو بين الناس ليس له ... من كنية ما انتحى في ذاك اثنان
في البر يلقى وان فتشت عنه تجد ... في لجة البحر يلقى خمسه الثاني
نبت أرى النار قد أبدت له ورقا ... فأعجب له ورقا ينمو بنيران
يحيى إذا ما سقاه القطر وابله ... وجاده بسحاب منه هتان
كبيقة هو لكن لا يشم ولا ... يضاف يوماً إلى أزهار بستان
ذو رقة فإذا صحفته ظهرت ... كنافة منه فاستره بكتمان
وكم له من بدور كمل طلعت ... في سائر الشهر لم تمحق بنقصان
فقدها خيط فجر ابيض عجل ... بالرق يسطو عليها سطوة الجاني
يا حسنها ألسنا أضحت حلاوتها ... يحلو المديح لها من كل ملسان
تطوى على الحشو أحشاء وليس له ... في الأشعرية من رام بنكران
بالطي والنشر في حال قد اتصفت ... والطي والنشر فيما قيل ضدان
كم سكرت ففتحنا للدخول بها ... أبوابها فتلقتنا بإحسان
حسناء أجمع أهل الحل اجمعهم ... والعقد منا عليها بعد عرفان
стр. 185
وصالها حل بالإجماع في زمن ... فيه الوصال حرام بعد أعيان
ثلثا ثلاثة أخماس لها وجدا ... شيئاً يجئ بإيضاح وتبيان
وما ذكرت من الخماس كم نطقت ... صدقا بذكر اسمها من غير بهتان
وخمسها جبل لكن بقيتها ... في مكة ترتجى فوزا بغفران
تقلى ولكن قلب تقربه ... ممن قلاها من الأقوام عينان
ما مل ذا من القالي أماليه ... عنها وما خطر القالي لها شأني
في الجوف منها قلوب جمة جمعت ... ولا يكون لجوف الشخص قلبان
كم ظل يطرحها من لبس ذا شرف ... جهرا ويوصف مع هذا بإتقان
جميلة الوصف طابت عنصرا وزكت ... أصلا وما سلمت من ظعن ظعان
بالحل انعم سقى القطر المواطئ من ... أقدام سعيك في أرواء ظمآن
وكتب الشيخ جمال الدين بن نياتة إلى بعض أصحابه وقد أرسل قطرا رديئاً وينهي أن الذي أرسل إليه مولانا الوصول وأحال عليه بالبر المحصول أرسل قطرا ولكن بزيادة حرفين فإذا هو قطران وبكسر أوله فإذا هو لسد الأمل الواحد قطران عندما شمه المملوك أنكره وعندما عاينه استغرب كدره حتى حلف بالسجدة ما هو غلا دخان وقالت عينه المنتظرة خير من هذا القطر قطر الأجفان وقال الفكر ما هذه إلا فعلة الواسطة التي فعلها وهو من الظالمين وهمته التي بعثها وهو من الآثمين ورد المملوك ذلك المرسل بالعيب لوقته وعجبت من الأيادي كيف نقض عليها سواد بخته وعلى كرم مولانا تدبير هذه القضية والله تعالى لا يخل الأمل من وجود سنته الشمسية بمنه وكرمه، وكتب إلى الجناب العالي العلائي ابن القلانسى وقد أرسل إليه سكرا يقبل الأرض وينتهى وصول البر الذي حلت مواقعه وجلت صنائعه وحلت عن أبهى وأبهر من بدر التمام مطالعه وأبيضت به أيادي الكرم وشب شخصه الجميل وغن كان أشبه شيء بالهرم فضمه المملوك كنهد الحبيب وقبله أحلى وأزهر من الثغر الشنيب وابتهج به نظرا وفكرا ونقطة بدمع السرور حتى عاد السكر بالتنقيط شكراً وكرر حديثه فقال هكذا يكون المكرر وهكذا يبعث قطعة من سحابه المسخر وهذا والله البر الذي لا يستبطئ لديه القصد منجحا والفضل الذي هو أحق بقول الأول لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى أمتع الله العفاة بيمين مولانا التي أعادت من العيش حلواء وعتب الدهر خلواء وشكر عوارفه التي ما فتح على مثلها الطالب جفنه وأياديه التي حسنت المدح حتى نسى الناس ما قال حسان في أهل جفته.
فصل في الأشربة: عن ابن عباس (سئل النبي ﷺ أي الشراب أفضل فقال الحلو البارد قالوا أراد العسل، وقال ﷺ سيد الشراب الدنيا والآخرة الماء، وقيل لبعضهم أي الشراب أحب إليك فقال أعز مفقود وأهون موجود وكان المأمون يقول شراب الماء بالثلج أدعى إلى إخلاص الحمد، قال الحسن لفرقد بلغني إنك لا تأكل الخبيص قال إني لا أقوم بشكره قال وهل تقوم بشكر الماء البارد، صفة شراب ينفع من العطش والخمار ولهب المعدة يؤخذ من ماء الرمانين ومن ماء حماض الأترج من كل واحد نصف رطل ومن ماء الأجاص وماء نقيع التمر هندي من كل واحد رطل يطبخ بنار لينة حتى يغلظ ويصير في قوام الأشربة ويسقى منه أوقيتين بماء بارد وثلج وبماء ورد وماء خلاف.
الفقاع: يتخذ من أصناف من الحلاوات يتخذ من السكر البياض النقي بأن يحل بالماء والماء ورد ويطيب بالمسك ويوعى ويبرد بالثلج ويستعمل ويتخذ من العسل ويتخذ من ماء الزبيب الحلو السمين ويتخذ من الدبس وغير ذلك ومن الناس من يطيبه بالزنجبيل أو الفلفل أو القرنفل مع المسك والماء ورد وهذا يضر المحرورين ومن الناس من يحل شراب التفاح ويصبه في كيزان الفقاع ويبرده ويستعمله وجميع أنواع الفقاع شربها الواجب النافع أن يكون قبل الطعام ويصبر عليها حتى ينحدر فأما بعده فلا فائدة فيه غير تجشيات يسيرة يلتذ الإنسان بخروجها.
стр. 186
فقاع ينفع المحرورين: يؤخذ من الخبز الحواري مثل ما يؤخذ من الشعير ويصنع منه فقاع ويضاف كرفس ونعنع وماء الرمان المز ويحلى بسكر بياض ويستعمل، وأهل دمشق يأخذون الفقاع الخرجى ويسمونه المسدب لأنه يعمل في كيزان محشوة بالسداب البري فينفضونه في الأواني النظيفة ويرمون فيه قطعة سكر بياض ويعصرون عليه ليمونا اخضر قدر ما يطيب لهم حمضه ويحركونه بعيدان نعنع بحيث يظهر طعمه فيه ظهوراً يسيرا ثم يبردونه بالثلج ويرش عليه الماء ورد وماء الخلاف ويستعملونه وهذه الصفة تنفع أصحاب الخمار وتشهى وتطيب النفس وتصرف، وأعلم أن جميع أنواع الفقاع تطيب بالأشياء المناسبة لمزاج شاربه، غن كان المزاج حاراً كانت المطيبات باردة وإن كان المزاج بارداً كانت المطيبات حارة.
أنشدني من لفظه لنفسه الشيخ شهاب الدين أحمد بن الشيخ جمال الدين يوسف الزعيفراني ﵀:
وكيزان من الفقاع جاءت ... زكت طعما على الشهد المذاب
هدايا من أحبتنا ولكن ... كما قالوا على ورق السداب
صفة أقسما ملوكية: يؤخذ سكر أبيض يعقد جلابا رقيقا أرق ما يكون ويؤخذ دقيق أبيض مثلث يطبخ مثل العصيدة القوية بغير ملح ويبرد ويجعل في طست وتضرب باليد ويقلب عليها الجلاب مغرقة وكلاما زدت ضربها باليد زادت رغوتها إلى أن يصير لها قوام الحريرة الشديدة الثخينة ثم يقلب عليها فقاع خرجى وفي مصر عوض الفقاع اقسما فإذا صارت رقيقة اجعلها في وعاء نظيف ويكون فيه أثر دبس أو اثر عسل وأجعل معها قبضة سداب مربوطة وقبضة مع نعنع كذلك واظرف الطيب ويجعل في مكان والزنجبيل وجوز الطيب وماء ورد ومسك ويكثر فيها من أظرف الطيب ويجعل في مكان داف ويغطى بغطاء كبير فإنها تبقى جميعها كالرغوة ثم إنها تطلع فإذا طلعت خذ له غناء زجاج أو حقا يمينا وبخره بالعنبر واجعله فيها واستعمله وعند استعمالها انفض عليها فقاعاً خرجيا فهذا النوع من الأقسما وهو أطيب من المشروبات.
صفة نقوع مشمش يؤخذ المشمش اللوزي أو غيره يغسل من التراب والغبار غسلاً مستقصى ثم يصب عليه ماء اللينوفر وماء لسان الثور وماء ورد ويعصر عليه ماء رمان طري حامض ويرمى فيه طاقات نعنع ثم يحلى بسكر بياض ويترك حتى ينتقع المشمش في هذه المياه المذكورة نقعاً معتدلاً لا يبلغ أن يتهرى في إناء مبخر بالعنبر فإنه يجء في غاية الطيبة واللذة، ومن أراد أن يتنقل بالمشمش اليابس الطيب فيأخذ ماء ورد ومسكا يحلان في سكر فائق وقليل ماء ثم ينقع المشمش فيه بعد غسله بحيث لا يتهرى في نقعه بل يكون فيه قوة ظاهرة ثن يخرج المشمش من الماء المنقوع فيه ويجفف تجفيفاً معتدلاً في مكان نظيف ثم يتنقل به فإنه يكون في غاية الطيبة، ومن الأدعية المستعملة بين الناس قولهم هنيئاً مريئا فالهنئ الطعام الذي لا يحصل عقيب أكله أو هضمه ضرر والمرئ السريع الهضم.
الباب الرابع والثلاثون
في بيت الخلاء المطلوب
قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد ﵀ الخلاء بالمد في الأصل هو المكان الخالي كانوا يقصدونه لقضاء الحاجة ثم كثر حتى تجوز به عن غير ذلك ثقال أنس بن مالك (كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال اللهم إني أعوذ بك من الخنث والخبائث بضم الخاء والباء جمع خبيث والخبائث جمع خبيثة استعاذ من ذكور الشياطين وإناثهم قال بعضهم إذا كمكل للإنسان في داره حسن ثلاثة مواضع لم يبال فيما فاته منها وهي: مجلس السكن والدهليز والكنيف.
وفيه يقول المأموني:
بيت إذا ما زاره زائر ... فقد قضى أعظم أوطاره
يدخله المولى ببز كما ... يدخله العبد بأطماره
وهو إذا ما كان مستصقاً ... مروّة الإنسان في داره
وكان جعفر الصادق يقول من سعادة المرء سعة داره وحسن مجلسه ونظافة متوضاه.
حكى عن بعض الحمقى أنه استدان سبعمائة درهم وأنفقها على كنيف داره فبلغ ذلك بعض أصحابه الظرفاء فقال ليت شعري ما الذي يريد يخرى فيه وحكى أبو الفرج الأصبهاني في أخبار العرجي عن الأصمعي قال مررت بكناس يكنس كنيفاً وهو يغني:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
فقلت أما سداد الكنيف فمعلوم وأما سداد الثغر فلا علم لنا بك كيف أنت فيه وكنت حديث السن وأردت العبث به فأعرض عني ملياً ثم أقبل علي وأنشد:
стр. 187
وأكرم نفسي أنني إن أهنتها ... وحقك لم تكرم على أحد بعدي
فقلت له والله ما أكرمتها وما يكون من الهوان أكثر مما أهنتها به فبأي شيء أكرمتها فقال بلى والله وإن من الهوان لشر ما أنا فيه فقلت وما هو قال الحاجة إليك وإلى أمثالك فانصرفت وأنا أخزي الناس.
ومن أداب المضيف أنه يرى الضيف بيت الخلاء، قال ملك الهند إذا أضافك أحد فأره الكنيف فإني قد ابتليت فوضعت في قلنسوتي.
نادرة: قيل إن رجلاً حكى قال كنت بائتاً في بيت بين جماعة وكنت ضيفاً فتحركت بطني في أثناء الليل فقمت فلم أجد موضعاً فطفت في البيت فإذا أنا بمهد طفل فأخذت الطفل في حجري ثم خريت في المهد ثم رجعت لأرد الطفل في المهد فإذا به قد خري في حجري أضعاف ما خريت في مهده فما جرى على كاتبه أعظم.
قلت: الطبيعة مكافئة.
ومثلها حكي أن دعبل بن علي الخزاعي دعا أبا هفان فأطعمه ألواناً كثيرة الحبوب وسقاه نبيذاً حلواً وغمز الجواري أن لا يدلوه على بيت الخلاء ثم تركه ونام فلما أجهده الأمر قال لبعض الجواري أين الخلاء فقالت الأخرى ما يقول سيدي قالت يقول غنوني فغنت:
خلا من آل عالية الديار ... فمثوى أهلها منها قفار
فغنت هذه وضربت هذه وزمرت هذه وشربوا أقداحاً وسقوه فقال قد أحسنتم وجددتم غير أنكم لم تأتوا على ما في نفسي وسكت فلما أجهده الأمر قال لعل الجارية بغدادية لم تفهم ما قلت لها ثم التفت إلى أخرى وقال لها فداك أبوك أين المستراح فقال الأخرى ما يقول سيدي قالت يقول غنوني فغنت:
واستريح إلى ليلى فاذكرها ... كما استراح عليل من شكيه
فغنت هذه وضربت هذه وزمرت هذه وشبوا أقداحاً وسقوه فقال أحسنتم وجددتم غير أنكم لم تأتوا على ما في غرضي ثم قال لعلها ما فهمت ثم قال لإحداهن فداك أبوك أين الحش فقالت الأخرى ما يقول سيدي قالت يقول غنوني فغنت:
وحاشاك أن أدعو عليم وإنما ... أردت بهذا القول أن تقبلي عذري
فغنت هذه وضربت هذه وزمرت هذه وشربوا أقداحاً فقال أحسنتم وجددتم غير أنكم لم تأتوني على مقصدي ثم أجهده الأمر فقال لعلها كوفية ثم قال للأخرى فداك أبوك أين الكنيف فقالت الأخرى ما يقول سيدي قالت غنوني:
تكنفني الوشوان من كل جانب ... ولو كان واش واحد لكفاني
فغنت هذه وضربت هذه وزمرت هذه وشربوا أقداحاً فما تمالك حتى وثب وحل سراويله وذرق في وجوههن فتصارخن فانتبه دعبل فقال ما شانك يا أبا هفان فقال:
تكنفني السلاح فأضجروني ... على ما بي بنيات الزواني
فلما قل عن حالي اصطباري ... رميت به على وجه الغواني
فقام دعبل فدله على الخلاء فدخل واغتسل وخلع عليه بعد أن ضحك منه ضحكاً عظيماً، وما اظرف قول الشيخ جمال الدين بن نباتة:
أمط بالدوا ثياب الأذى ... وطب في الرواح به والغدو
وكرر أحاديث بيت الخلاء ... ولكن على رغم أنف العدو
ولبعضهم يستحث:
يا قاعداً متفكراً ... لمن الولاية بالعراق
ارحم فديتك مدنفاً ... قد لف ساقاً فوق ساق
نادرة: قال رجل لآخر يمدحه أنت من بيت الطهارة فقال الرجل دعني من هذا المدح فقال صدقت الشكر في الوجه ذم ولكن أنا أذكرك في الخلاء.
حكي أن بعض الكتاب كان يلقب بجعيص فلقيه بعض حرفائه فقال له أوحشتني يا جعيص وأين كنت فأنشده:
وحيث ما كنت من بلاد ... فلي إلى وجهك التفات
قلت: وضمن هذا الشيخ بدر الدين بن الصاحب فقال:
يا كعبة الله إن رحلنا ... وطال ما بيننا الشتات
فحيث ما كنت من بلاد ... فلي إلى وجهك التفات
стр. 188
(رجع) كان لبعض المغفلين دار فقال له الساكن إن الكنيف قد انفتح فقال له صاحب الدار نظرت إليه من أيام وأردت أن أتغدى به قبل أن يتعشى بي فسبقني، قلت الشيء يذكر بلوازمه نقلت من خط الفاضل المؤرخ الناظم الناثر الرحال صاحب المؤلفات المبدعة نور الدين علي بن سعيد من كتابه الذي سماه بالمغرب في أجلاء المغرب قال في ترجمة أبي العباس أحمد بن القاسم وهو الذي يقول فيه ابن تقي في موشحته المشهورة التي منها أماً ترى أحمد في مجده العالي لا يلحق أطلعه الغرب فأرنا مثله يا مشرق وجرت له معي حكايات أكرمها حكايته وقد وفد عليه مرة فوجده قد عج عن لارتياح وأقلع عن شرب الراح وكانت له عادة بإحضاره المجلس راحته عندما يصل فخطب ذلك منه فأعلمه بتوبته وتكلف له مجلساً فيه أصحابه ومن يشرب من أقاربه وحضر هو فيه عازماً على المؤانسة دون المشاركة في شراب فقال ابن تقي موشحته المشهورة:
نديماً قد طا ... ب عن له وأنشد
وأردد عليه الكأ ... س عساه يرتد
فارتد عن توبته وشرب كأسه من نوبته وأتى من المطايبة والطرب ما قر به عين الظرف والأدب ولما أخذ السكر من ابن تقي قام المستراح وفي وسطه كيس فيه جملة من الذهب الذي جرت عادة أبي العباس أن يصله به في كل سفرة وما اجتمع له من غيره فحله وحطه في كوة المستراح حتى يقضى شغله ثم فرغ ومضى ونسي الكيس لما كان فيه من السكر ونام فلما اصبح وصحا قلب ليطلب الكيس فلم يجد شيئاً ونظر إليه أبو العباس فقال له ما لك فأخبره فقال أنا أخذته منك البارحة لئلا يضيع منك وإذا احتجت إليه دفعته لك واستفهمه عن عدد ما فيه فأخبره فلما دخل إلى منزله جعل في كيس من عنده ذلك العدد ودفعه إليه وابن تقي لا يشك أنه ذهبه ثم ودعه وانصرف ولما اجتاز عليه في سفرة ثانية حضر في ذلك المجلس ليلة على مثل تلك الحالة فلما سكر قام إلى المستراح ثم تفكر في حالة السكر أنه كان قد حل هناك سراويله ووضع الكيس في الكوة فمد يده إلى الكوة وجد الكيس بعينه فأخذه وجعله في وسطه ثم عاد لشربه والمجلس غاص محتفل بالأعيان فبكى ابن تقي وكدر المجلس فظن أبو العباس أنه جرى عليه ما أوجب ذلك فقال له ما يبكيك هل نابك أمر أكشفه عنك فقال والله ما أبكي إلا حسرة على العالم أنه لا يخلد مثلك فيه وحكى الحكاية فقال أبو العباس ما كان يسعني في ذلك الوقت إلا ما فعلته لأني خفت أن يكون ضاع لك فتتهم به أحد ندمائي ويشيع ذلك ولابد من غرمه لك لئلا تنصرف خائباً فكان الأولى غرمه دون أن يفتضح أحد من أصحابنا فقبل الأرض ودعى لي وهذه إحدى مكارمه جدد الله عليه الرحمة وجازاه بما هو أهله في جنة الفردوس من النعمة آمين آمين.
سألني بعض المخاديم أن انظم له أبياتاً تكتب على الخريشت الذي جدده بعد حريقه وانهدامه في الواقعة المشهورة الخواجا بدر الدين محمد بن الخواجا شمس الدين محمد اتبن المزلق أدام الله سعدهما بباب البريد بالجامع الأموي وكان والده قد بيضه:
يا بقعة لقضا الحوايج أسست ... لازال سعدك دائماً يتزيد
لمحتك من بدر وشمس نظرة ... فغدا قراناً سعده لك يرصد
جددت فعل الخير يا بن مزلق ... لازال فعل الخير منك يجدد
عشرون بيتاً قد قصدت رويها ... يا خير من يروي ومن يتقصد
كانت مسودة وقد بيضتها ... فالماء للأبيات منها ينشد
وإذا نظرت إلى البقاع وجدتها ... تشقى كما تشقى الرجال وتسعد
الباب الخامس والثلاثون
في نبلاء الأطباء
стр. 189
قال الحكيم الفاضل الفيلسوف العارف ابقراط ينبغي أن يكون الطبيب حراً في جنسه جيداً في طبعه حديث السن معتدل القامة متناسب الأعضاء جيد الفهم حسن الحديث صحيح الرأي عند المشورة عفيفاً شجاعاً غير محب للفضة مالكاً لنفسه عند الغضب ولا يكون تاركاً له في الغاية ولا يكون بليداً وينبغي أن يكون مشاركاص للعليل مشفقاً عليه حافظاً للأسرار لأن كثيراً من المرضى يوقفونا على أمراض بهم لا يحبون أن يقف عليها غيرهم وينبغي أن يكون محتملاً للشتيمة لأن قوماً من المبرسمين وأصحاب الوسواس السوادي يقابلونا بذلك وينبغي لنا أن نتحملهم ونعلم أنه ليس منهم ذلك وأن سببه المرض الخارج عن الطبيعة وينبغي أن يكون حلق رأسه معتدلاً مستوياً لا يحلقه ولا يدعه كالجمة ولا يستقصي قص أظافير يديه ولا يتركها تعلو على أطراف أصابعه وينبغي أن تكون ثيابه نظيفة بيضاء نقية لينة ولا يكون في مشيه مستعجلاً لأن ذلك دليل الطيش ولا متباطئاً لأنه يدل على فتور النفس وإذا دعي إلى المريض فليقعد متربعاً ويختبر منه حاله بسكون وتأن لا بقلق واضطراب فإن هذا الشكل والزي والترتيب عندي أفضل من غيره وأبقراط هذا أول من برهن كيف يكون المرض والصحة في جميع الحيوان وفي النبات وهو الذي استنبط أجناس الأمراض وجهات مداواتها وكانت لها العناية في نفع المرضى ومداواتهم ويقال له أنه أول من جدد البيمارستان واخترعه وأوجده وذلك أنه عمل بالقرب من داره موضعاً من بستان له مفرداً للمرضى وجعل فيه خدماً يقومون بمداواتهم وسماه أخشندوكين أي مجمع المرضى ولذلك أيضاً يقع لفظه البيمارستان وهو فارسي وذلك أن البيمار بالفارسي هو المرضى وستان هو موضع المرضى ولم يكن له داب في مدة حياته وطول بقائه إلا النظر في صنعة الطب واتخاذ قوانينها ومداواة المرضى واتصال الراحة إليهم وإنقاذهم من عللهم ولم يكن لأبقراط رغبة في خدمة أحد من الملوك لطلب الغنى ولا في زيادة مال وكان أبقراط في زمن بهمن بن اسفنديار بن بستاسب وظهر أبقراط سنة ست وتسعين لبختنصر وهي أربع عشرة لملك بهمن وأما تفسير اسمه فإن معناه ضابط الحيل وقيل معناه ماسك الأرواح وقيل ماسك الصحة وأصل اسمه باليونانية ابقوقراطيس ويقال هو بقراطيس وإنما العرب عادتها أن تخفف الأسماء فخفف هذا الاسم فقالوا أبقراط وبقراط أيضاً وقد جرى ذلك كثيراً في الشعر ويقال أيضاً بالتاء أبقرات وبقرات ومات مفلوجاً ومن ألفاظه الحكمية ونوادره المفردة في الطب قال الطب قياس وتجربة وقال العادة إذا قدمت صارت طبيعة ثانية والزجر والفأل حس نفساني وقال كل مرض معروف السبب موجود الشفاء وقال لا تأكل حتى تجوع وقال يتداوى كل عليل بعقاقير أرضه فإن الطبيعة تفرغ إلى عادتها وقيل له لم يكون البدن أثور ما يكون إذا شرب الإنسان الدواء قال لأن أشد ما يكون البيت غباراً إذا كنس وقال مثل المنى في الظهر كمثل الماء في البئر إن نزفته فار وإن تركته غار وقال إن المجامع يقتلع من ماء الحياة وسئل في كم ينبغي للإنسان أن يجامع قال في كل سنة مرة قيل فإن لم يقدر قال في كل شهر مرة قيل فإن لم يقدر قال في كل أسبوع مرة قيل له فإن لم يقدر هي روحه أي وقت شاء يخرجها وقال العافية ملك خفي لا يعرف قدرها إلا من عدمها وقيل له أي العيش خير فقال الأمن مع الفقير خير من الغني مع الخوف ودخل على عليل فقال له أنا وأنت والعلة ثلاثة فإن أعنتني عليها بالقبول لما تسمع مني صرنا اثنين وانفردت العلة فقوينا عليها والاثنان إذا اجتمعا على واحد غلباه وقال للقلب آفتان وهما الغم والهم فالغم يعرض منه النوم والهم يعرض منه السهر وذلك أن الهم فيه فكر في الخوف بما سيكون فمنه يكون السهر والغم لا فكر فيه لنه إنما يكون بما قد مضى وانقضى ومن كلامه في العشق طمع يتولد في القلب وتجتمع فيه مواد من الحرص وكلما قوي ازداد صاحبه في الاهتياج واللجاج وشدة القلق وكثرة السهر وعند ذلك يكون احتراق الدم واستحالته إلى السوداء والتهاب الصفراء وانقلابها إلى السوداء ومن طغيان السوداء فساد الفكر ومع فساد الفكر تكون الندامة ونقصان العقل ورجاء ما لم يكن وتمنى ما لم يتم حتى يؤدي ذلك إلى الجنون فحينئذ ربما قتل العاشق نفسه وربما مات غماً وربما وصل إلى معشوقه فيموت فرحاً وأسفاً وربما شهق شهقة فتخفى فيها روحه أربعاً وعشرين ساعة
стр. 190
فيظن أنه قد مات فيقبر وهو حي وربما تنفس الصعداء فتختنق نفسه في تامور قلبه فينضم عليها القلب فلا تنفرج حتى يموت وربما ارتاح وتشوق للنظر أو رأى من يحب فيموت فجأة دفعة واحدة وأنت ترى العاشق إذا سمع بذكر من يحب كيف يهرب دمه ويستحيل لونه وزوال ذلك عمن هذه حاله بلطف رب العالمين لا بتدبير من الآدميين وذلك أن المكروه العارض من سبب قائم بمفرده بنفسه بتهيء التلطف في إزالته بإزالة سببه فإذا وقع السببان وكل واحد منهما علة لصاحبه لم يكن إلى زوال واحد منهما سبيل كما إذا كانت السوداء سبباً لاتصال الفكر سبباً لإحراق الدم والصفراء وميلهما إلى السوداء فالسوداء كلما قويت قويت قوة الفكر والفكر كلما قوي قويت السوداء فهذا الداء العياء الذي تعجزه عن معالجته الأطباء ومن كلامه الإقلال من الضار خير من الإكثار من النافع وقال أما العقلاء فيجب أن يسقوا الخمر وأما الحمقاء فيجب أن يسقوا الحريف وقال ليس معي من فضيلة العلم إلا علمي بأني لست بعالم وقال المالك للشيء هو المسلط عليه فمن أحب أن يكون حراً فلا يهوى ما ليس له وليهرب منه وإلا صار له عبداً وقال لتلميذ لكه إن أحببت أن لا تفوتك شهوة فاشته ما يمكنك وقال الدنيا غير باقية فإذا أمكن الخير فاصطنعوه وإذا عدمتم ذلك فتحمدوا واتخذ من الذكر أحسنه.
انتهى. ما لخصته من ترجمة ابقراط من طبقات الأطباء للعلامة موفق الدين أبي العباس أحمد بن أبي القاسم الخزرجي المعروف بابن أبي أصبيعة ﵀.
وذكر الشيخ جمال الدين بن نباتة في شرح العيون ومن ظرائف حكايات أبقراط أن ولد أحد الملوك عشق جارية من حظايا ابيه فنحل بدنه واشتدت علته وهو كاتم خبره فأحضر ابقراط فجس نبضه ونظر إلى بشرته فلم ير علة فذاكره حديث العشق فرآه يهتز لذلك ويضطرب فاستخبر الحال من حاضنته فلم يكن عندها خبر فقال هل خرج من الدار فقالت لا فقال لأبيه مر برئيس الخصيان بطاعتي فأمره فقال أخرج عليّ النساء فخرجن وابقراط أصبعه على نبض الصبي فلما خرجت الجارية اضطرب عرقه وحار طبعه فعلم ابقراط أنها المعنية فصار إلى الملك فقال إن ابن الملك عاشق لمن الوصول إليها صعب قال الملك من هي قال زوجتي فقال انزل عنها ولك عنها بدل فتمنع ابقراط وقال هل رأيت أحداً كلف أحداً إلى طلاق زوجته ولاسيما الملك في عدله ونصفته يأمرني بمفارقة زوجتي وهي عديلة روحي فقال الملك إني أوثر عليك عليك وأعوض لك أحسن منها فامتنع حتى بلغ الأمر إلى التهديد والسيف فقال إن الملك لا يسمى عادلاً حتى ينصف من نفسه أرأيت لو كانت العشيقة حظية الملك ففهم الملك المراد وقال يا ابقراط عقلك أتم من معرفتك ونزل عن الحظية لابنه وشفي الفتى.
стр. 191
فيثاغورس: قال القاضي صاعد في طبقات الأمم إن فيثاغورس كان بعدى بندقليس بزمان وأخذ الحكمة عن أصحاب سليمان بن داود ﵍ بمصر حين دخلوا إليها من بلاد الشام ومن كلامه وآدابه وحكمه قال كما أن بدء وجودنا وخلقنا من الله سبحانه هكذا ينبغي أن تكون نفوسنا منصرفة إلى الله تعالى وقال الفكرة لله خاصة فمحبتها متصلة بمحبة الله ومن أحب الله عمل بمحابة ومن عمل بمحابة قرب منه ومن قرب منه نجا وقال الأقوال الكثيرة في الله تعالى علامة تقصير الإنسان عن معرفته وقال ما لا ينبغي أن تفعله احذر أن تخطره ببالك وقال الأشكال المزخرفة والأمور المموهة في أقصر الأزمان تتبهرج وقال الأخلق بالإنسان أن يفعل ما ينبغي لا ما يشتهي وقال الدنيا دول مرة لك وأخرى عليك فإن توليت فأحسن وإن تولوك فألن وكان يقول إن اكثر الآفات إنما تعرض للحيوانات من عدمها الكلام وتعرض للإنسان من قبل الكلام وكان يقول من استطاع أن يمنع نفسه من أربعة أشياء فهو خليق أن لا ينزل به مكروه كما ينزل بغيره: العجلة واللجاجة والعجب والتواني فثمرة العجلة الندامة اللجاجة الحيرة وثمرة العجب البغضاء وثمرة التواني الزلة ونظر إلى رجل عليه ثياب فاخرة يتكلم فليحن في كلامه فقال له إما أن تتكلم بكلام يشبه ثيابك أو تلبس لباساً يشبه كلامك وقال استعمل الفكر قبل العمل وقال كثرة العدو تقل الهدو وحضرت امرأته الوفاة في أرض غربة فجعل أصحابه يتحرقون على موتها في أرض الغربة فقال يا معشر الإخوان ليس بين الموت في الغربة والوطن فرق وذلك أن الطريق إلى الآخرة واحدة من جميع النواحي وقيل ما أحلى الأشياء هي الإنسان وقال أنكى لعدوك أن لاتريه أنك تتخذه عدواً. انتهى كلامه.
стр. 192
سقراط: كان من تلاميذ فيثاغورس واقتصر من الفلسفة على العلوم الإلهية وأعرض عن ملاذ الدنيا ورفضها وأعلن بمخالفة اليونانيين في عبادتهم الأصنام وقابل رؤساءهم بالحجاج والأدلة فثوروا العامة عليه واضطروا ملكهم إلى قتلة فأودعه الملك الحبس تحمداً إليهم ثم سقاه تفادياً من شرهم من مناظرات جرت له مع الملك محفوظة وله وصايا شريفة وآداب فاضلة وحكم مشهور ومعنى سقراطيس باليونانية المعتصم بالعدل وبلغ من تعظيمه الحكمة مبلغاً أضر بمن بعده من محبي الحكمة لأنه كان من رأيه أن لا يستودع الحكمة الصحف ولا القراطيس تنزيهاً لها عن ذلك ويقول إن الحكمة طاهرة مقدسة فلا ينبغي أن تستودعها إلا الأنفس الحية وتنزهها عن الجلود الميتة ولم يصنف كتاباً ولا أملي على أحد من تلاميذه ما أثبته في قرطاس وإنما كان يلقنهم علمه تقيناً لا غير وتعلم ذلك من أستاذه طيماوس فإنه قال في صباه لا تدعني أدون ما اسمع منك من الحكمة فقال له ما أوثقك بجلود البهائم الميتة وأزهدك في الخواطر الحية هب إنساناً لقيك في طريق فسألك عن شيء من العلم هل كان يحسن أن تحيله على الرجوع إلى منزلك والنظر في كتبك فإن كان لا يحسن فالزم الحفظ فلزمه سقراط ومن آداب سقراط وحكمه ونوادره ما ذكره الأمير المبشر بن فاتك في كتابه قال سقراط عجباً لمن عرف فناء الدنيا كيف تلهيه عما ليس له فناء وقال النفس جامعة لكل شيء فمن عرف كل شيء وقال ما ضاع من عرف نفسه وما أضيع من جهل نفسه وقال ستة لا تفارقهم الكآبة: الحقود والحسود وحديث عهد بغنى وغنى يخاف الفقر وطالب رتبة يقصر قدره عنها وجليس أهل الأدب وليس منهم وقال خير من الخير وشر من الشر من عمل به وقال اتقوا ما تبغضنه قلوبكم وقال من اهتم بالدنيا ضيع نفسه ومن اهتم بنفسه زهد في الدنيا وقال طالب الدنيا إن نال ما أمل تركه لغيره وإن لم ينل ما أمل مات بغصة وقال من احب أن لا تفوته شهوة فليشته ما يمكنه وقال له رجل شريف الجنس وضيع الخلائق أمات تأنف نفسك يا سقراط من خساسة جنسك فأجابه جنسك عندك انتهى وجنسي مني ابتدئ وقال لا يكون الحكيم حكيماً حتى يغلب شهوات الجسم وكان يقول القينة مخدومة ومن خدم غير ذاته فليس بحر وقال إنما جعل للإنسان لسان واحد وأذنان ليكون ما يسمعه أكثر مما يتكلم به وقال أنفع ما اقتناه الإنسان الصديق المخلص وقال الصامت ينسب إلى العي والمتكلم ينسب إلى الفضول ويندم وقال إذا ضاق صدرك بسرك فصدر غيرك به أضيق وقال من أراد النجاة من مكائد الشيطان فلا يطيعن امرأة فإن النساء سلم منصوب ليس للشيطان حيلة إلا بالصعود عليه وقال لتلميذ له يا بني إن لك من النساء فاجعل لقاءك لهن كأكل الميتة ولا تأكلها إلا عند الضرورة فتأخذ منها بقدر ما يقيم الرمق فإن أخذ آخذ منها فوق الحاجة أسقمته وقتلته وقيل له ما تقول في النساء فقال هن كشجر الدفلى له رونق وبهاء فإذا أكله الغر قتله وقال من قل همه على ما فاته استراحت نفسه وصفا ذهنه وقال أفضل السيرة طيب المكسب وتقدير الإنفاق وقال من يجرب يزدد علماً ومن يؤمن يزدد يقيناً ومن يستيقن يعمل جاهداً ومن يحرص على العمل يزدد قوة ومن يكسل يزدد فترة وقال القينة ينبوع الأحزان فلا تقنوا الأحزان وقال لولا أن في قولي أنني لا أعلم أخباراً أنني اعلم لقلت إني لا أعلم.
أفلاطون:
стр. 193
فيلسوفي يوناني طبي عالم بالهندسة وطبائع الأعداد ومعنى اسمه العميم الواسع لزم سقراط وسمع منه خمس سنين ثم مات سقراط فبلغه أن بمصر قوماً من أصحاب فيثاغورس فسار إليهم حتى أخذ عنهم وبلغ من العمر إحدى وثمانين سنة وكان حسن الأخلاق كريم الأفعال كثير الإحسان إلى كل أحد غريباً وقريباً مبتدأ حكمياً صبوراً ومن كلامه ومواعظه العادة على كل شيء سلطان وقال من لم يواس الأخوان عند دولته خذلوه عند فاقته وقيل له لم لا تجتمع الحكمة والملك فقال لعز الكمال وقال إذا أردت أن تدوم لك اللذة فلا تستوفي الملتذ أبداً بل دع فيه فضله تدوم لك اللذة وقال غاية الأدب أن يستحي المرء من نفسه وقال ما ألمت نفسي إلا من ثلاث من غني افتقر وعزيز ذل وحكيم تلاعبت به الجهال وقال لا تطلب سرعة العمل واطلب تجويده فإن الناس ليس يسألون في كم فرغ من هذا العمل وإنما يسألون عن جودة صنعته وقال اطلب في الحياة العلم والمال تحز الرياسة على الناس لأنهم بين خاص وعام فالخاصة تفضلك بما تحسن والعامة تفضلك بما تملك وقال عين المحب عمياء عن عيب المحبوب وقال الحلم لا ينسب إلا إلى من قدر على السطوة والزهد لا ينسب إلا إلى من ترك بعد المقدرة وقال الحسن الخلق من صبر على السيء الخلق وقال أشرف الناس من شرفته الفضائل لا من يشرف بالفضائل وذلك أن من كانت الفضائل فيه جوهرية فهي تشرفه ومن كانت فيه عرضية تشرف بها ولم تشرفه وقال الحياء إذا توسط وقف الإنسان عما عابه وإذا أفرطه وقفه عما يحتاج إليه وإذا قصر خلع عنه ثوب التجمل في كثير من أحواله وقال لا تصحب الشرير فإن طبعك يسرق من طبعه شراً وأنت لا تدري ةوقال من مدحك بما ليس فيك من الجميل وهو راض عنك ذمك بما ليس فيك من القبيح وهو ساخط عليك وقال رب مغبوط بنعمة هي بلاؤه ورب محسود على حال هي دواؤه وقال الأمل خداع النفوس لا تستكثرن من عشرة حملة عيوب الناس فإنهم يلتقطون ما غفلت عنه وينقله إلى غيرك كما ينقلون عنهم إليك وقال الإفراط في النصيحة يوهم بصاحبها كثيراً من المظنة وقال ليس ينبغي للرجل أن يشغل قلبه بما ذهب منه ولكن يعتني بحفظ ما بقي عليه وسئل عند موته عن الدنيا فقال خرجت إليها مضطراً وعشت فيها متحيراً وها أنا أخرج منها كارهاً ولم أعلم فيها أنني لا أعلم.
أرسطاطاليس: وتفسيره تام الفضيلة قال سليمان بن حسان المعروف بابن حلجل في كتابه عن ارسطاطاليس أنه كان فيلسوف اليونان وعالمها ونحريرها وخطيبها وطبيبها وكان أوحداً في الطب وغلب عليه علم الفلسفة قال المسعودي وكان أفلاطون يجلس فيستدعي من الكلام فيقول حتى يحضر الناس وربما قال حتى يحضر العقل فإذا حضر قال تكلموا فقد حضر العقل ومن كلامه وحكمه رغبتك فيمن زهد فيك ذل نفس وزهدك فيمن يرغب فيك قصر همة وقال الجاهل عدو نفسه فكيف يكون صديق غيره وقال الحاجة تفتح أبواب الحيلة ونظر إلى حديث يتهاون بالعلم فقال له إنك لم تصبر على تعب العلم وصبرت على شقاء الجهل وقال كفى بالتجارب تأدباً وبالأيام عظة وقال خير الأشياء أجدها إلا المودات وقال كلام العجلة موكل بالزلل وأعاد على تلميذ له مسألة فقال له أفهمت فقال التلميذ نعم فقال لا أرى آثار الفهم عليك قال وكيف ذلك قال لا أراك مسروراً والدليل على الفهم السرور.
جالينوس: وكان مولده من بعد زمان المسيح بتسعة وخمسين سنة على أرخه اسحاق بن حنين وأما قول من زعم أنه كان معاصره وأنه توجه ليراه ويؤمن به فغير صحيح وقد أورد جالينوس في مواضع متفرقة من كتبه ذكر موسى وعيسى وتبين من قوله أنه كان من بعد المسيح بهذه المدة التي تقدم ذكرها ومن ألفاظ جالينوس وحكمه ونوادره ما ذكر حنين بن اسحاق في كتاب نوادر الفلاسفة والحكماء وآداب المعلمين القدماء قال الهم فناء القلب والغم مرض القلب ثم بين ذلك فقال الغم بما كان والهم بما يكون وفي مواضع أخر الغم بما فات والهم بما هو آت.
стр. 194
ومن كلامه في العشق قال العشق استحسان ينضاف إليه طمع وقال لن واحكم تتبل تنل ولا تكن معجباً فتمتهن وقال الحياء خوف المستحيي من نقص يقع به عند من هو أفضل منه وقال يتهيأ للإنسان أن يصلح أخلاقه إذا عرف نفسه فإن معرفة الإنسان هي الحكمة العظمى وذلك أن الإنسان لإفراط محبته لنفسه بالطبع يظن بها من الجميل ما ليست عليه حتى أن قوماً يظنون بأنفسهم أنهم شجعان وكرماء وليسوا كذلك وأما العقل فيكاد أن يكون الناس كلهم يظنون بأنفسهم التقدم فيه وأقرب الناس إلى الذي يظن ذلك بنفسه أقلهم عقلاً ورأى رجلاً تعظمه الملوك لشدة جسمه فسال لشدة جسمه فسأل عن أعظم ما فعله فقالوا أنه حمل ثوراً مذبوحاً من وسط الهيكل حتى أخرجه خارجاً فقال لهم فقد كانت نفس الثور تحمله ولم يكن لها في حمله فضيلة وقال إن العليل يتروح بنسيم أرضه كما تتروح الأرض الجدبة ببل القطر وقيل له متى ينبغي للإنسان أن يموت قال إذا جهل ما يضره مما ينفعه ومن كلامه أنه سئل عن الأخلاط الأربعة فقيل له ما قولك في الدموي فقال عبد مملوك وربما قتل العبد مولاه قيل له فما قولك في الصفراء قال كلب عقور في حديقة قيل له فما قولك في البلغم قال ذلك الملك الرئيس كلما أغلقت عليه بابا فتح لنفسه باباً قيل له فما قولك في السوداء قال هيهات تلك الأرض إذا تحركت تحرك ما عليها ومن ذلك قال أنا ممثل لك مثالاً في الأخلاط الأربعة فأقول إن مثال الصفراء وهي المرة الحمراء كمثل امرأة سليطة صالحة تقية فهي تؤذي بطول لسانها وسرعة غضبها إلا أنها ترجع سريعاً بلا غائلة ومثل الدموي كمثل الكلب فإذا دخل دارك فعاجله إما بإخراجه أو قتله ومثل البلغم في البدن إذا تحرك مثل ملك دخل بيتك وأنت تخاف ظلمه وجوره وليس يمكن أن تخرق به وتؤذيه بل يجب أن ترفق به وتخرجه ومثل السوداء في الجسد مثل الإنسان الحقود الذي لا يتوهم فيه بما في نفسه ثم يثب وثبة فلا يبقى مكروهاً إلا يفعله ولا يرجع إلا بعد الجهد الجهيد.
ومن تمثيلاته الظريفة قال الطبيعة كالمدعي والعلة كالخصم والعاملات كالشهود والقارورة والنبض كالبينة ويوم البحران كفصل القضاء والفضل والمرض كالمتوكل والطبيب كالقاضي.
стр. 195
ابن كلدة الثقفي لما وفد على كسرى أنوشروان اذن له بالدخول فلما وقف بين يديه منتصباً قال له من أنت قال أنا الحرث بن كلدة قال فما صناعتك قال الطب قال أعرابي أنت قال نعم من صميمها وبحبوحة دارها قال فما تصنع العرب بطبيب مع جهلها وضعف عقولها وسوء أغذيتها قال أيها الملك إنه إذا كانت هذه صفتها كانت أحوج إلى ما يصلح جهلها ويقيم عوجها ويسوس أبدانها ويعدل أمشاجها فإن العاقل يعرف ذلك من نفسه ويميز موضع دائه ويحترز عن الأدواء كلها بحسن سياسته لنفسه قال كسرى فكيف تعرف ما تورده عليها ولو عرفت الحكم لم تنسب إلى الجهل قال الطفل يناغي فيداوي والحية ترقي فتحاوي ثم قال أيها الملك العقل من قسم الله تعالى قسمه بين عباده كقسمة الرزق فيهم فكل من قسمته أصاب وخص بها قوم وزاد فمنهم مثر ومعدوم وجاهل وعالم وعاجز وحازم ذلك تقدير العزيز العليم قال كسرى فما الداء الدوى قال إدخال الطعام على الطعام وهو الذي يفني البرية ويهلك السباع في البرية قال أصبت قال فما العلة التي تظلم منها الأدواء قال هي التخمة إن بقيت في الجوف قتلت وإن تخللت أسقمت قال صدقت قال فما تقول في الحجامة قال كفي نقص الهلال في صحو لا مغيم فيه والنفس طيبة والعروق ساكنة لسرور يفاجئك وهم يباعدك قال فما تقول في الحمام قال لا تدخله شعباناً ولا تغش أهلك سكراناً ولا تقم بالليل عرياناً ولا تقعد على الطعام غضباناً وارفق بنفسك تكن رخي البال وقلل من طعامك يكن أهنى لنومك قال فما تقول في الدواء قال ما لزمتك الصحة فأجبتنه فإن هاج داء فاحسمه بما يردعه قبل استحكامه فإن البدن بمنزلة الأرض إن أصلحتها عمرت وإن تركتها خربت قال فما تقول في الشراب قال أطيبه أهنأه وأرتقه أمرأة وأعذبه أشهاه تشربه صرفاً فيورثك صداعاً ويثير عليك من الأدواء أنواعاً قال فأي اللحمان أفضل قال الضأن الفتى والجدي الرضيع والقديد المالح مهلك للأكل واجتنب لحم الجزور والبقر قال فما تقول في الفواكه قال كلها في إقبالها وحين أوانها واتركها إذا أدبرت وانقضى وزظمانها وأنفضل الفاكهة الرمان والأترج وأفضل الرياحين الورد والبنفسج وأفضل البقول الهندباء والخس قال فما تقول في شرب الماء قال هو حياة البدن وبه قوامه ينفع ما شرب منه بقدر وشربه بعد النوم ضرر وأفضله أمراه وأرقه أصفاه قال فأخبرني عن أصل الإنسان ما هو قال أصله من حيث شرب الماء يعني رأسه قال فما هذا النور الذي في العينين قال مركب من ثلاثة أشياء فالبياض شحمة والسواد ماء والناظر ريح قال فعلى كم شيء جبل وطبع هذا البدن قال على أربع طبائع المرة السوداء وهي باردة يابسة والدم حار رطب والبلغم بارد رطب والصفراء حارة يابسة قال فلم يكن من طبع واحد قال لو خلق من طبع واحد لم يأكل ولم يشرب ولم يمرض ولم يهلك قال فمن طبيعتين لو كان اقتصر عليهما قال لم يجز لأنهما ضدان مختلفان يقتتلان قال فمن ثلاثة قال لم يصلح موافقان ومخالف فالأربع هو الاعتدال والقيام قال فأجمل لي الحار والبارد في أحرف جامعة قال كل حلو حار وكل حامض بارد وكل حريف حار وكل مر معتدل وفي المر حار وبارد قال فما أفضل ما عولج به المرة الصفراء قال كل بارد لين قال فالمرة السوداء قال كل حار لين قال فالبلغم قال كل حار يابس قال فالدم قال أخرجه إذا زاد.
الشيء بالشيء يذكر كنت أنشدت سيدي القاضي صدر الدين علي بن القاضي أمين محمد بن الأدمي قول بعض الفضلاء وهو:
أصبحت تخرجني بغير جريمة ... من دار أكرم لدار هوان
كدم الفصاد يراق ارذل موضع ... أبدا ويخرج من أعز مكان
فأنشدني لنفسه بعد أيام:
قد كنت مثل دمى صدقت أجله ... وأعزه لبان عن جثماني
لما فسدت وزدت لم آمن على ... روحي فصلت عليك بالهجران
стр. 196
رجع: قال فالربياح قال بالحقن اللينة والأدهان الحارة اللينة قال أفتأمر بالحقنة قال نعم قرأت في بعض الكتب للحكماء أن الحقنة تنقي الجوف وتكسح الأدواء عنه والعجب ممن احتقن كيف يهرم أو يعدم الولد وأن الجاهل كل الجهل من ياكل ما عرف مضرته ويؤثر شهوته على راحة بدنه فما الحمية قال الاقتصاد في كل شيء فإن الأكل فوق المقدار يضيق على الروح مساحتها ويسد مسامها قال فما تقول في النساء وأتيانهن قال كثرة غشيانهن رديئة وإياك وأتيان المرأة المسنة فإنها كالشن البالي تجذب قوتك وتسقم بدنك وماؤها سم قاتل ونفسها موت عاجل تأخذ منك الكل ولا تعطيك البعض والشابة ماؤها عذب زلال وعناقها غنج ودلال فوها بارد وريحها طيب وهنها ضيق تزيدك قوة إلى قوتك ونشاطاً إلى نشاطك قال فأيهن القلب إليها أميل والعين برؤيتها اسر قال إذا أصبتها المديدة القامة العظيمة الهامة واسعة الجبين قناة العرنين كحلاء لعساء صافية الخد عريضة الصدر مليحة النحر في خدها رقة وفي شفتيها لعس مقرونة الحاجبين ناهدة الثديين لطيفة الخصر والقدمين بيضاء فرعاء جعدة غضة بضة تخالها في الظلمة بدراً زاهراً تبسم عن أقحوان وعن مبسم كالأرجوان كأنها بيضاء مكنونة ألين من الزبد وأحلى من الشهد وأزهى من الفردوس والخلد أذكى ريحاً من الياسمين والورد تفرح بقربها وتسرك الخلوة بها قال فضحك كسرى حتى اختلجت كتفاه قال فغفي أي الأوقات أتيانها أفضل قال عند إدبار الليل يكون الجوف أخلى والنفس أهدى والقلب أشهى والرحم أدفى فإن أردت الاستمتاع بها نهاراً لتسرح عينيك في جمال وجهها ويجتني فوك من ثمرات حسنها ويعي سمعك من حلاوة لفظها وتسكن الجوارح كلها إليها فتجنب الشبع ووقت القيلولة وهيجان الدم قال كسرى لله درك من إعرابي لقد أعطيت علماً وخصصت فطنة وفهماً وأحسن صلته وأمر بتدوين ما نطق به.
تياذوق: كان في دولة بني أمية وصحب الحجاج بن يوسف الثقفي وخدمه بصناعة الطب ومن وصيته له لا تأكل حتى تجوع ولا تكرهن على الجماع ولا تحبس البول وخذ من الحمام قبل أن يأخذ منك وقال له أربعة تهدم العمر وربما قتلن دخول الحمام على البطنة والمجامعة على الامتلاء وأكل القديد الجاف وشرب الماء البارد على الريق ومجامعة العجوز ببعيد منهن وقيل إن بعض الملوك لما رأى تياذوق شاخ وكبر خشي أن يموت ولا يعتاض عنه لنه كان أحذق الأمة في وقته بالطب فقال له صف لي ما أعتمد عليه فأسوس به نفسي وأعمل به أيام حياتي فلست آمن من أن يحدث عليك حادث الموت ولا أجد مثلك فقال تياذوق أيها الملك أقول لك عشرة أبواب إن عملت واجتنيتها لم تعتل مدة حياتك وهي: لا تأكل طعاماً وفي معدتك طعام ولا تأكل ما ضعف أسنانك عن مضغه فتضعف معدتك عن هضمه ولا تشرب الماء على الطعام حتى تفرغ ساعتين فإن اصل الداء التخمة وأصل التخمة الماء على الطعام وعليك بدخول الحمام في كل يوم مرة واحدة فإنه يخرج من جسدك ما لا يصل إليه الدواء وأكثر الدم في بدنك تحرس به لنفسك وعليك في كل فصل بقيئة ومسهلة ولا تحبس البول وإن كنت راكباً وأعرض تنفسك الخلاء قبل نومك ولا تكثر الجماع فإنه يقتبس منك ماء الحياة فلتكثر أو تقل ولا تجامع العجوز فإنه يورث موت الفجأة فلما سمع ذلك أمر كاتبه أن يكتب هذه الألفاظ بالذهب الأحمر ويضعه في صندوق من ذهب مرصع بالجوهر وبقي ينظر إليه في كل يوم يعمل به فلم يعتل مدة حياته حتى جاءه الموت الذي لا بد منه ولا محيض عنه.
بختيشوع: طبيب الرشيد من كلامه أربعة تهدم العمر إدخال الطعام على الطعام والشرب على الريق ونكاح العجوز التمتع في الحمام.
يوحنا: ابن ماسويه ومن كلامه وقد سئل عن الخير الذي لا شر معه فقال شرب القليل من الشراب الصافي ثم سئل عن الشر الذي لا خير معه فقال نكاح العجوز.
يعقوب: ابن اسحاق الكندي فيلسوف العرب ومن كلامه ما أوصى به لولده أبي العباس قال الكندي يا بني الأب رب والأخ فخ والعم غم والخال وبال والولد كمد والأقارب عقارب وقول لا تصرف البلاء وقول نهم تزيل النعم وسماع الغناء برسام حاد لأن الإنسان يسمع فيطرب وينفق فيسرف فيفتقر فيغتنم فيموت والدينار محموم فإن صرفته مات والدرهم محبوس فإن أخرجته فر والناس سحرة فخذ شيئهم واحفظ شيئك ولا تقبل ممن قال إن اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع.
стр. 197
أوحد الزمان هبة الله أبو البركات بن علي كان يهودياً واسلم ومن حذقه أن مريضاً كان ببغداد قد عرضت له علة الماليخولياء وكان يعتقد أن على رأسه دنا وأنه لا يفارقه أبداً فكان كلما مشى يتخايل أن المواضع سقوفها قصيرة ويمشي برفق ولا يترك أحداً يدنو منه حتى لا يميل الدن عن رأسه أو يقع وبقي هذا المرض مدة وهو في شدة منه وعالجه جماعة من الأطباء ولم يحصل من معالجتهم تأثير ينتفع به وأنهى أمره إلى أوحد الزمان ففكر أنه ما بقي شيء يمكن أن يبرأ به إلا بالأمور الوهمية فقال لأهله إذا كنت في الدار فأتوني به ثم إن أوحد الزمان أمر أحد غلمانه بأن ذلك المريض إذا دخل وشرع في الكلام معه وأشار إلى الغلام بعلامة بينهما أن يسرع بخشبة كبيرة فيضرب بها فوق رأس المريض على بعد منه كأنه يريد كسر الدن الذي يزعم أنه على رأسه وأوصى غلاماً آخر وكان قد أعد معه دنا في أعلى السطح أنه متى رأى ذلك الغلام قد ضر ب فوق رأسه أن يرمي الدن الذي عنده بسرعة إلى الأرض ولما كان أوحد الزمان في بيته وأتاه المريض فأقبل إليه وقال له والله لا بد لي أن أكسر الدن وأريحك منه ثم أدار تلك الخشبة التي معه وضرب فوق رأسه بنحو ذراع وعند ذلك رمى الغلام الآخر الدن من أعلى السطح فكانت له ويحة عظيمة وتكسر قطعاً كبيرة فلما عاين المريض ما فعل به ورأى الدن المنكسر تأوه لكسرهم إياه ولم يشك فيه أنه الذي كان على رأسه بزعمه وأثر فيه الوهم أثراً أبرأ علته من تلك وهذا باب عظيم في المداواة.
العنيزي صاحب النور المجتبي: كان طبيباً ممارساً مشهوراً وعالماً مذكوراً وافر الفضل فيلسوفاً متبصراً في علم الأدب ومن كلامه الجاهل عبد لا يعتق رقه إلا بالمعرفة وقال الحكمة سراج النفس فمتى عدمتها عميت النفس عن الحق وقال الأدب أزين للمؤمن من نسبه وأولى للمرء من حسبه وأدفع عن عرضه من ماله وأرفع لذكره من جماله وقال من أحب أن ينوه باسمه فليكثر من العناية بعلمه وقال الجاهل يطلب المال والعالم يطلب الكمال وقال الغم ليل القلب والسرور نهاره وشرب السم أهون من معاناة الهم ومن شعره:
لو كنت تعلم كل ما علم الورى ... جمعاً لكنت صديق كل العالم
لكن جهلت فصرت تحسب كل من ... يهوى خلاف هواك ليس بعالم
يحيى بن اسحاق: كان طبيباً ذكياً وعالماً بصيراً بالعلاج صانعاً بيده وكان في دولة عبد الرحمن الناصر لدين الله واستوزره نقل عنه من حذفه أنه أتى إليه بدوي على حمار وهو يصيح على باب داره أدركوني وكلموا الوزير بخبري فلما خرج إليه قال ما بالك فقال له ورم في أحليلي منعني منذ أيام كثيرة وأنا في الموت فقال له اكشف عنه فإذا هو وارم فقال لرجل كان قد أقبل مع العليل أطلب لي حجراً أملس فطلبه فوجده فقال ضعه على كفك وضع عليه الأحليل فلما مكن أحليل الرجل على الحجر جمع الوزير يده وضرب على الأحليل ضربة غشى الرجل منها ثم اندفع الصديد يجري فلما استوفى الرجل صديد الورم فتح عينيه ثم بال البول في اثر ذلك فقال له اذهب فقد برئت علتك وأنت رجل عابث واقعت بهيمة في دبرها فصادفت شعيرة من علفها في عين الأحليل فورم لها وقد خرجت في الصديد فقال له الرجل قد فعلت هذا يدل على حدس صحيح وقريحة صادقة.
стр. 198
ابن جميع الإسرائيلي: من الأطباء المشهورين والعلماء المذكورين خدم سلطان مصر صلاح الدين يوسف بن أيوب وحظي في أيامه وكان رفيع المنزلة نافذ الأمر ونقل عنه من حذقه أنه كان جالساً في دكانه وقد مرت عليه جنازة فلما نظر إليها صاح يا أهل الميت وذكر لهم أن صاحبهم لم يمت وأنهم إن دفنونه حيا فصاروا ناظرين إليه كالمتعجبين من قوله ولم يصدقوه فيما قال ثم إنهم قال بعضهم هذا الذي يقوله ما يضرنا إنا نمتحنه فإن كان حياً فهو الذي نريده وإن لم يكن حياً فما يغير علينا شيء فاستدعوه إليهم وقالوا بين الذي قلت لنا فأمرهم بالمصير إلى البيت وأن ينتزعوا عنه أكفات ... نه وقال لهم احملوه إلى الحمام وسكب عليه الماء الحار فأحمى بدنه ونطله نطولاً وغطسه فرأى فيه ادنى حس وتحرك حركة خفية فقال أبشروا بعافيته ثم تمم علاجه إلى أن أفاق وصلح فكان ذلك مبدأ اشتهاره بجودة الصنعة والعلم وظهرت عنه ثم سئل بعد ذلك من أين علمت حال ذلك الميت وهو محمول وعليه الأكفان أن فيه روحاً فقال إنب نظرت إلى قدميه فوجدتهما قائمتين وأقدام الذين قد ماتوا تكون منبسطة فحدست أنه حي وكان حدسي صائباً والله أعلم.
الحكيم صدقة السامري: هو الفاضل صدقة لبن منجا بن صدقة ويعرف بابن الشاعر من الأكابر في صناعة الطب والمتميزين من أهلها والأماثل من أربابها خدم الملك الأشرف موسى بن العادل بن أيوب إلى أن توفي في خدمته وكان يحترمه غاية الاحترام ويكرمه غاية الإكرام وخلف من الكتب عشرة آلاف مجلدة غير كراريس وأوراق مفرطة تقدير ألف مجلد ومن كلامه انظر الموت بعين عقلك تره قريباً ولا تره بعين أملك تلحظه بعيداً وقال العلم شجرة في القلب تزرع ومن السنتنا تظهر ثمارها وقال أنت بنفسك قريب من موجدك ومكونك وبشهواتك وعصيانك أنت بعيد من ربك ومن نظمه:
يابن قسيم أصبحت تنتحل النح? ... ?وودعواك فيه منحولة
أمك ما بالها قل وأجب ... مرفوعة الساق وهي مفعوله
فاعلها الإير وهو منتصب ... مسائل قد أتتك مجهولة
والعين عطل وعين عصعصها ... بنقطة الخصيتين مشكوله
وله: ?شيخ لنا من عظمه داهيه ... ما مثله في الأمم الخالية
مهندس في طول أيامه ... مع قصره يبتلع الساقيه
مثلث بدعمه قائم ... لأنه منفرج الزاوية
نقلت من خط المرحوم فخر الدين بن مكانس كتب صاحبنا فخر الدين عبد الوهاب كاتب الدرجة الشريفة ﵀ إلى ابن صفير المتطبب وقد دعاه في مرضه ودخل إلى الطهارة فعثر في طست الحقنة فاختصبت رجله رقعة يداعبه بها أولها، الشيء بالشيء يذكر، توجه سيدي بالأمس مخضب القدم من هيولاه ذا مأمن محله المعمور لما منة تولاه وما كان من حقه في أمسه تكدير نفسه ولكل شيء آفة من جنسه هذه مسألة عركها أكبر منه لجبين واشتغل بها اشتغال ذي النحيين وأظنه قبل قدمه فخرج على تلك الصورة أو بعض أجزائه خلع صورة ولبس صوره.
مفرد:
فتى غير محجوب الندى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
على أنه أكثر محافظة ووداً وأرعى ذمة وعهداً كم أحرقته نار وجد إلى أوطانه وأزعجبته من مكانه وهو لا يظهر إلا حباً ولا يطلب منه إلا قرباً:
لاشك إذ لونكما واحد ... إنكما من طينة واحدة
وبالجملة فأنا أسأل الله أن يكفيه سوء هذه المحنة كما كفى شمائله اللطيفة شر الابنة إنه مجيب الدعاء ولي المنة.
حكي أن بعض الأطباء كان في بعض خدمة الملوك في غزوة ولم يكن معه وقت النصرة كاتب يرسل فتقدم إلى الطبيب أن يكتب إلى الوزير يعلمه بذلك فكتب الطبيب أما بعد فإنا كنا مع العدو في حلقة كدائرة البيمارستان حتى لو رميت مبضعاً لم يكن الأعلى فيقال لم يكن إلا كنبضة أو نبضتين حتى لحق العدو بحران عظيم فهلك الجميع سعادتك يا معتدل المزاج.
قلت ما رأيت أحسن من هذا ولا أوجز ووجدت بخط طبيب على بعض الكتب طالعت هذه النسخة فوجدتها تأن سقماً فعالجتها بالمقابلة إلى أن تمايلت للصحة، ولبعضهم يهجو طبيباً يهودياً:
قالوا اليهودي أخو حكمة ... لا زالت الأمراض في كأسه
لو كان ذا النخس أخا حكمة ... أزل دا الصفراء من رأسه
وما ألطف قول الشيخ زين الدين بن لوردي مضمنا:
يا من يطبب قوماً ثم يهملهم ... يوما بماذا عداك الشر تعتذر
стр. 199
اذكر فلانا الذي اسهلته سحرا ... إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا
ولآخر مفرد:
حكيم لطيف من لطافة وصفه ... يودُّ المعافى السقم حتى يعوده
كتب المرحوم الوزير فخر الدين بن مكانس إلى ابن صفير في بعض مرضاته يسرع المولى عند الوقوف إليه نقل الخطوة ولا يتأخر فإن القوة على الضعيف ضعف في القوة فجاءني على عادته:
تغدو المنايا فما تنفك واقفة ... حتى تراه على عزم فتتبعه
فحين رآني من الهريرة كالرعديد وشاهد ما بي من البرد قال ما أراك إلا جليدا فقلت له معالجة أم محاججة ومناصحة أم ممازجة ومطايبة أم مداعبة واستوصفته فجرى على المعهود منه في الجهل بما يقول وعدم التمييز بين المعقول والمنقول ولكني الظالم على نفسي والمشكك في حسي فإني أعهده لم يزل مميت الأحيا ومقفر الأحيا فكم له بالديار المصرية من قتلى وأوراقه للمرضى أشرُّ من أوراق الدفلى كم شاب عالجه فأكسبه الصرع الفاج ولأن يسمى مصارعا أليق به من معالج ثلاثة تدخل في دفعه طلعته والنعش والغاسل لكنه مع ذلك ممن يجمع بين الأقران ويعمل المحرم في رمضان قد ملك قياد القيادة على الفنين وطالت فيها مدته فاستحق أن يدعى بذي القرنين فاستعذت بالله من الشيطان وسرحته بإحسان، كتب) القاضي الفاضل في الكحالين يباكرني كل عبري العناصر يعزيني بالرحمة على بخت ناصر كأنه غاسل يدخل إلى إنسان العين بحنوطه من كحله الملعون ويدرجه في كفن من الخرقة السوداء التي يلبسها سواد العيون مردودة عصية ولديها عصى العمى ينقل العين إلى بياض الثغور ويسلبها اللمى قد انتهى إلى فوق ما ضرب به المثل إذ قيل يسرق الكحل من العين وهذا يسرق العين من الكحل فهذا وأمثاله لص من اللصوص وسموا كحالين وهم صاغة لما يصوغون ويركبون فوق العون من الفصوص بل دباغون يدبغون الجفن أبيضا وما يعدوهم مهك الدباغ بل صباغون يصبغون الأسود أبيض وليس ذلك الصباغ قد أودعوا حزن يعقوب في كحلهم مكاحلهم فمن كحل به ابيضت عيناه وجحدوا معجز القميص اليوسفي فلو مروا به على ناظر ما انفجرت جفناه وإذا رفعوا أميالهم فإنما هي لشمس العيون مزوّلة وإذا أولج أحدهم الميل في المكحلة فهو أولى بالرحم ممن أولج الميل في المكحلة وما يؤم أهل الكتاب في التبديل بواحد ولا خطاهم طريق إلى الغيّ غير راشد فيوما محوا آية النبي ﷺ من التوراة وهي مسفرة ويوما محوا آية النور من الأبصار وهي مسفرة ولا خير فيهم حاربوا فمحوا بالأمس الخط من الأوراق واستداموا إلى اليوم فمحوا الخطوط من الأحداق.
كتب الحكيم شمس الدين بن دانيال إلى السراج الورقي قطعة كحل أصفهاني:
قل لعين الأمائل الأعيان ... ومحل الإنسان للإنسان
خذه كحلا مثل السيوف جلاء ... وصقالا يروق في الأجفان
حجر كسره أجل من الإكسير ... فعلا في العين أو في العيان
ألف عين تقيمها حبة منه ... قياسا يصح بالبرهان
أن تعظم مثاله في حجاز ... فلهذا التعظيم في أصبهان
الباب السادس والثلاثون في الحساب والوزراء اعلم أن الوزير مشتق اسمه من حمل الوزر عمن خدمه وحمل الوزير لا يكون إلا بسلامة من الوزير لا يكون إلا بسلامة من الوزير في خلقته وخلائقه أما في خلقته فإنه يكون تام الصورة حسن الهيئة متناسب الأعضاء صحيح الحواس وأما في خلائقه فهو أن يكون بعيد الهمة سامي الرأي ذكي الذهن جيد الحدس صادق الفراسة رحب الصدر كامل المروءة عارفاً بموارد الأمور ومصادرها فإذا كان كذلك كان أفضل عدد المملكة لأنه يصون الملك عن التبذل ويرفعه عن الدناءة ويغوص له عن الفكرة ومنزلته منزلة الآلة يتوصل بها إلى نيل بغيته وبمنزلة الذي يحرز المدينة من دخول الآفة ومنزلة الجارح الذي يصيد لطعمة صاحبه وليس كل أحد وإن أصلح لهذه المنزلة يصلح لكل سلطان ما لم يكن معروفاً بالإخلاص لمن خدمه والمحبة لمن استنصحه والإيثار لمن قربه وقال الثعالبي في يواقيت المواقيت، الوزارة اسم جامع للمجد والشرف والمروءة وهي تلو الملك والإمارة والرتب العلياء والدرجة الكبرى بعدهما، قال المنصور النميري يمدح يحيى البرمكي:
ولو علمت فرق الوزارة رتبة ... تنال بمجد في الحياة لنالها
стр. 200
والأنبياء ﵈ لم يستغنوا عن الوزراء فكيف الملوك والأمراء وقد نطق القرآن بوزارة هرون لموسى ﵇ في قوله تعالى (رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل عقدة لساني * يفقهوا قولي * واجعل لي وزيراً من أهلي * هرون أخي * اشدد به أزري * وأشركه في أمري) ثم قال في نظام الآية الكريمة وعلى نسق الكلام (قد أؤتيت سؤلك يا موسى) فدل على أنه جعله وزيره وصاحب سره وشريكه وافصح عن حسن موقع الوزارة وجلالتها ووقوع الحاجة إليها وكان آصف بن برخيا وزير سليمان بن داود ﵉ والمستولى على أموره وكان نبينا المصطفى ﷺ يقول أن وزيرين من أهل السماء ووزيرين من أهل الأرض فأما اللذان من أهل السماء فجبريل وميكائيل ﵉ وأما اللذان من أهل الأرض فأبو بكر وعمر ﵁ وقال ﷺ إذا أراد الله بملك خيراً قيض له وزيراً صالحاً أن أنسى ذكره وأن نوى خيراً أعانه أو أراد شراً كفه وكان انوشر وان يقول لا يستغنى أعلم الملوك عن الوزير ولا أجد السيوف عن الصقال ولا أكرم الدواب عن السوط ولا أعقل النساء عن الزوج.
فصل فيما ينبغي للوزير أن يأتيه: اعلم أن الملوك لا يشبهون الآدميين إلا بالصور فأما بالطباع والأخلاق والهمم فلا لأنهم لا يشاكلونهم ولا يشابهونهم والملك وإن كان كريماً سخياً بعيد الهمة كثير المحاسن فإنه لا يخلو ولا يشابهونهم والملك وإن كان كريماً سخياً بعيد الهمة كثير المحاسن فإنه لا يخلو قط من أربع خصال الحسد والحقد والملال والحرص على المال فينبغي أن يكون الوزير أعقل الناس وأحزمهم وأدهاهم وأبعد غوراً فيجب عليه أن يداري أأخلاق الملك كما يداري السباح الماء المغرق والولدان أولادهم الصغار والحاوى الحية ويتحفظ من غائلته كما يتحفظ من السبع والنار القوية والمجنون الذي بيد السيف المسلول ويجب أن لا يملك ما يصلح للملك من الأعلاق النفسية إلا ما في نفسه إن يهديه إليه ويخدمه به وينبغي له أن يظهر ويشيع جميع ما يملكه وتحويه يده للملك وأنه إنما يمسكه ويحفظه من أجله ويجب عليه إن لا يسرف في الإهداء ولا يتخرق في بذل ما في يده وكما لا يشيع النار من الحطب لا يشيع الملك من الأموال ولا بد للوزير من الاستظهار بالذخائر الخفية وقد قال الحكيم لوزير كان يستكثر من اعتقال الضياع ويغالي به عليك بحفظ الدنانير التي تشتري بها روحك من الملك فربما فعل ألف دينار ما لا تفعله ضياع ومستغل بمائتي ألف.
ومن نكن هذا الكتاب أن الملك يريد كل حسن وطيب لنفسه ويستأثر به على والده وولده ولذلك يقال من ملك استأثر وكان معاوية يقول وددت لو أن الدنيا في بيضة نيمرشت فأحسوها حسوة واحدة لا يشكني فيها أحد، ودعا الفضل بن مروان المعتصم إلى داره واحتفل واحتشد في إحسان الدعوة فلما حضر المعتصم ورأى مروءته وتجمله عمل فيه الحسد عمله فانقبض ورئى في عينه ولم ينشط لطعام ولا شراب وزعم أنه يشتكي بطنه ففطن الفضل لما دهاه وأراد أن يوهم أن تلك الآلات مستعارة من دار أمير المؤمنين ليطفئ نار حسده فتقدم إليه وقال يا أمير المؤمنين إنما استعرت أكثر هذه الأشياء من دار أمير المؤمنين وقد أرهقني الخزانون والفراشون باسترجاعها فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بامهالى في ردها فعلت فضحك المعتصم وقال قل لهم لا يسترجعونها اليوم ثم نشط للطعام والشراب، ومما ورد في تجنبها قال المأمون لأحمد بن أبي خالد هل لك في أن أستوزرك فقال دعني يا أمير المؤمنين يكون بيني وبين الغاية درجة يرجوها الصديق ويخافها العدو فلست أريد البلوغ النهاية لئلا يقول عدوى قد بلغها وليس إلا الانحطاط، وكان ابراهيم بن المدبر إذا أعرضت عليه الوزارة أنشد قول العتابي:
يلوم على ترك الغنى بأهلية ... طوى الدهر عنا كل طرف وتالد
رأت حولها النسوان يرفلن كالدما ... مقلدة أجيادها بالقلائد
يسرك أن قد نلت ما نال جعفر ... من الملك أو ما نال يحيى بن خالد
وأن أمير المؤمنين أغصني ... بغصتها بالمرهفات البوادر
ذرينى تجتبينى منيتي مطمئنة ... ولم أتجشم هول تلك الموارد
وأن عليات الأمور مشوبة ... بمستودعات في بطون الأساود
стр. 201
فصل في لطائف كلام الوزراء أبو سلمة الخلال زير السفاح كان يقول خاطر من ركب البحر وأشد منه مخاطرة من داخل الملوك، أبو عبد الله وزير المهدي يقول الرجال تحت ألسنة الأقلام خير الكلام ما دل وقل، يحيى بن خالد وزير الرشيد ما رأيت باكياً أحسن تبسماً من القلم ما رأى أحد في ولده ما يجب إلا رأى في نفسه ما يكره، الفضل بن يحيى وزيره أيضاً جرى بين يديه يوم مدح الناس أباه لجوده فقال وما قدر الدنيا حتى يمدح من يجود بكلها فضلاً بعضها ولما عزل بأخيه جعفر قال ما انتقلت عنى نعمة صارت إلى أخي ولا عزبت عنى رتبة طلعت عليه، جعفر بن يحيى وزيره أيضاً شر المال ما لزمك اثم مكسبه وحرمت الأجر من انفاقه، الفضل بن الربيع وزير الرشيد والأمين كما يقول ما أظن النعمة إلا مسخوطاً عليها أما ترونها أبداً عند غير أهلها، الفضل بن سهل وزير المأمون من توقيعاته الأمور بتمامها الأعمال بخواتيمها والصنائع باستدامتها، أخوه الحسن بن سهل وزير المأمون أيضاً، عجبت لمن يرجو من فوقه كيف يحرم من دونه وقيل له لا خير في السرف فقال لا سرف في الخير ومن كلامه لا يصلح للتصدير إلا واسع الصدر، أحمد بن أبي خالد وزيره أيضاً بالأقلام تساس الأقاليم وكتب إلى صديق له يستدعيه يوم الالتقاء قصير فأعن عليه بالبكور وكتب إلى المأمون مع هدية بعثت إلى أمير المؤمنين قليلا كثيره، محمد بن يزداد وزيره أيضاً ليس في الحب مشورة ولا في الشهوات خصوصة ومن توقيعاته أبواب الملوك معادن الحاجات وليس لاستنجاحها إلا الصبر والملازمة، الفضل بن مروان وزير المعتصم الكاتب كالدولاب إذا تعطل تكسر، ما رأيت أقرب رض من سخط ولا أسرع ما بين قرب وبعد من الملوك، محمد بن الفضل الجرجاني وزير المتوكل عاتبه المتوكل يوماً على اشتغاله بالملاهي فقال يا أمير المؤمنين إن مقاساة هموم الدنيا لا تتأتى إلا باستجلاب شيء من السرور، سليمان بن وهب وزير المهدي، أنى أغار على أصدقائي كما أغار على حرمي ونظر يوماً ي المرآة فرأى شيباً كثيراً قال عيباً لا عدمناه، الحسن بن مخلد وزير المعتمد كان يقول أعوذ بالله من نحس الأربعاء وحد الأحد وكان يقول أمر أمثالنا يأتي جملة ويذهب جملة فلم لا يتعجل اللذات قبل فوتها ويتمتع بصفو الزمان قبل كدره، ألطف م أحسن من المطع الطويل، أبو الحسن ابن الفرات وزير المقتدر، ما أريد الوزارة إلا لصديق أنفعه أو لعدو أقمعه وكان يقول إني لآلف كل شيء حتى الطريق ومن كلامه ما رأيت أحداً على بابي وفي داري ليس لي عنده إحسان إلا استحييت منه وصرفت غاياتي إلى أرفاقه وتحصيل مراده ولولا حب المروءة ما رغبت في الرياسة والوزارة، أبو علي بن مقلة وزير المقتدر والقاهر والرضي كان يقول إذا أحببت تهالكت وإذا أبغضت أهلكت وإذا رضيت أثرت وإذا غضبت تأثرت وكان يقول أنا في وزارتي أقدم على العظائم كلها إلا على اثنين ازالة النعم وهتك الحرم، أبو جعفر أحمد بن سيرزاد وزير المستكفي، الاصاغر يهفون والأكابر يعفون إياك والإفراط الممل والتفريط المخل، أبو عبد الله الجبهاني الكبير وزيره أيضاً كان يقول جمال المرء في لسانه وجمال المرأة في عقلها ومن كلامه حسن الذكر ثمرة العمر، أبو الفضل ابن العميد وزير ركن الدولة، خير القول ما أغناك جده وألهاك هزله العاقل من أفتح من كل أمر خاتمته وعلم من بدء كل شيء عاقبته، الصاحب أبو القاسم بن عباد وزير فخر الدولة وعد الكريم الزم من دين الغريم، قد يبلغ الكلام حيث يقصر السهام، الآمال ممدودة والأنفاس معدودة، ومن كلامه يا أسفي على رداء من الأيام رقيق ما لبسناه حتى خلعناه وروض من الزمان مريع ما حللناه حتى فارقناه.
قلت لم اسمع في رقة العيش ألطف من قول الشيخ شمس الدين بن الصائغ الحنفي رحمه الله تعالى:
لست أنسى رقة العيش الذي ... زاد في الرقة حتى انقطعا
стр. 202
رجع أبو النصر بن أبي زيد الراضي قال في امتهانه لبعض الأعداء ما عسى أن يبلغ عض النملة ولسع النحلة ووقوع البقة على النخلة ومن كلامه الهدية ترد باء الدنيا والصدقة تر د بلاء الآخرة، أبو اسحاق ابراهيم بن حمزة وزير ابي على المسجوري قال ينبغي للأصاغر أن يتقدموا على الأكابر في ثلاثة مواطن إذا ساروا ليلاً وإذا خاضوا سبلاً أو لقوا خيلاً، أبو الحسن الأهوازي العدل أقوى جيش والأمن أهنى عيش الأحن حصد المحن، عبد الله بن يحيى بن خاقان كان يقول إذا دهانا أمر تمثلناه في أصعب حالاته فما نقص منه كان سروراً يتعجله، نقلت من تاريخ الصاحب كمال الدين بن العديم وهو تاريخه الكبير المسمى بغية الطلب في تاريخ الصاحب كمال الدين بن العديم وهو تاريخه الكبير المسمى بغية الطلب في تاريخ مدينة حلب بسنده إلى يحيى بن خاقان ثقال حضرت الحسن بن سهل وقد جاءه رجل يستشفع فيه في حاجة فقضاها فأقبل الرجل يشكره فقال له الحسن بن سهل علام تشكرنا ونحن نرى أن للجاه زكاة كما أن للمال زكاة ثم أنشأ يقول:
فرضت على زكاة ما ملكت يدي ... وزكاة جاهي أن أعين وأنفعا
فإذا ملكت فجد ما لم تستطع ... فاجهد بفضلك كله أن تشفعا
الصاحب عون الدين حيحى بن الهبيرة وزير المستنجد صاب كتاب الإفصاح حكى عنه أنه لما أدركته الوفاة أغمى عليه ثم أفاق فوجد أهله يبكون فقال ما شأنكم فقالوا بكينا لكونك خدمت الملوك والخلفاء فقال مذ دخلت في عمل السلطان إلى يومي هذا ما خجلت أحداً من خلق الله وأرجو من كرم الله تعالى أنه لا يخجل هذه الشيبة.
فصل في لطائف هذا الباب، قالب عض الفضلاء:
غزال قد غزا قلبي ... بألحاظ وأحداق
له الثلثان في قلبي ... وثلثا ثلثه الباقي
وثلثا ثلث ما يبقى ... وثلث الثلث للساقي
وتبقى أسهم ست ... تقسم بين عشاق
هذا الشاعر قسم قلبه إلى أحد وثمانين سهماً جعل لمحبوبه منها الثلثين وذلك أربع وخمسون سهماً يبقى الثلث وهو سبع وعشرون زاده ثلثيه وذلك ثمانية عشر فصار له اثنان وسبعون يبقى ثلث الثلث وهو تسعة زاده منها ثلثي ثلثها وهو اثنان بقي من الثلث واحد أعطاه للساقي بقي من التسعة ستة قسمها بين العشاق فحصل لمحبوبه أربعة وسبعون سهما وللساقي سهم وللعشاق ستة الجميع احد وثمانون.
وقال أبو عبد الله محمد بن جابر المغربي نزيل حلب المحروسة:
قسم القلب في الغرام بلحظ ... يضرب القلب حين يرسل سهمه
هذه في هواه يا قوم حالي ... ضاع قلبي ما بين ضرب وقسمه
وقال شيخنا عز الدين الموصلي:
نسبة قلبي للهوى قسمت ... فكرى وكم للعين من ضربه
ضاع حسابي ولقيت الأسى ... بالضرب والقسمة والنسبه
وقال الصلاح الصفدي:
عملت مع الزمان حساب بعدي ... وسقت الأصل من يوم الفراق
وكنت أظننى غلقت قسطي ... فقد طلعت على له بواقي
وأنشدني فخر الدين بن مكانس لنفسه مضمنا:
عملت مالي ارتفاع سقته غلط ... الحاصل راح في مضمونه مالي
وكلما نلت منة عزم ومن نكد ... من غفلتي ونوالي سوء أعمالي
وأنشدني من لفظه لنفسه في نكبة حصلت له وأجاد:
وما تعلقت في السرياق منتكسا ... لجرمة أوجبت تعليم ناسوتي
لكنني مذ نفثت السحر من كلمي ... عذبت تعذيب هاروت وماروت
وقال المعماري:
ولي رفيق جهول ... خالي من الآداب
أقول لما أراه ... في جملة الكتاب
سبحان رازق هذا ... رزقا بغير حساب
وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة:
لفلان في الديوان صورة حاضر ... وكأنه من جملة الغياب
لم يدر ما نحرومه وجريده ... سبحان رازقه بغير حساب
وأنشدني الشيخ المحدث لفصيح البارع الرحال غرس الدين خليل الافقهسي لابن حربي المغربي:
يا ناصبا علم الحساب حبالة ... لقناص ظبي ساحر الألباب
أن كنت ترزق بالحساب وصاله ... فالله يرزقنا بغير حساب
وما أظرفق قول حسام الدين الحاجري:
صح حساب السحر في طرفه ... إذ كان ف جفنيه جمع الكسور
وقال ابراهيم المعمار ولطف:
ومليح قال صفني ... لازداد سرورا
كم حوى جفني معنى ... قلت ألفا وكسورا
وقال التقي السروجي:
стр. 203
خدمت بذاك الوجه للشعر ناظرا ... لعلي أمسي واليا منة ولاته
وأصل حسابي ضبط حاصل وصله ... وتقبيله مستخرج من جهاته
وقال برهان الدين القيراطي:
خدمت بالاغرال أبوابه ... لما تبدى حسنه الباهر
ولي من الدمع على خدمتي ... جراية أطلقها الناظر
وقال ابراهيم المعمار:
لملانا الوزير ندى بأس ... واحسان به سمحت حياتي
فيرضينا بألفاظ وكذب ... محالات على كل الجهات
وظرف ابن الوردي في قوله:
وكنت إذا رأيت ولو عجوزاً ... تبادر بالقيام على الحرارة
فأضحى لا يقوم لبدر تم ... كأن النحس قد أعطى الوزاره
الباب السابع والثلاثون في كتاب الإنشاء وهو فصلان
الفصل الأول: فيما يحتاج إليه كاتب الإنشاء من الأخلاق والأدوات والآلات .
الفصل الثاني: في أعيان كتاب الإنشاء قديماً وحديثاً ونبذة مما لهم من المكاتبات.
الفصل الأول قال أبو حيان التوحيدي يجب على الكاتب أن يكون حافظاً لكتاب الله تعالى لينتزع من آياته وأن يعرف كثيراً من السنة والأخبار والسير حافظاً لكثير من الرسائل والكتب وأن يكون تناسب الألفاظ متشابه الخط ذكياً عارفاً بما يحتاج إليه خبيراً بالحلى والشيات مضطلعاً لعب الكتابة له في يد السواد وعمل في الحساب وأن يكون له يد في عمل الشعر نظيف لطيف المركب ظريف الغلام لقيق الدواة حاد السكين صقيل الكاغد صلب الأقلام متودداً إلى الناس مخالطهم غير متكبر عليهم ولا منقبض منهم دمث الأخلاق رقيق الحواشي ترف الأطراف عذب النجايا حسن المحاضرة مليح النادرة غير قنف ولا متعجرف ولا متكلف للألفاظ الغريبة ولا متعسفاً للغة الغويصة. انتهى كلام أبي حيان. وقال أبو الحسين محمد بن أحمد أظنة قدامة منزلة الكاتب التي يستحق بها أن يكون كاتباً في قوله وفعله ومحاورته وفطنته وحجاجه وأن يكون مطبوعاً على المعرفة محنكاً بالتجربة عالماً بحلال الكتاب والسنة وحرامهما ومتشابههما وناسخهما ومنسوخهما وبالأزمنة والأدوار في اختلافها وتعاقبها وبالملوك في سيرها وأقدارها وبالخطوط وأنسابها وأقلامها في تصاريفه وجهاته وبوادي الكلام ومقاطيعه في فواتح الوصف وخواتم الوقف وفصول التمام ورسوم الكتب وأقدار الرجال وتأليف الأوصاف ومشاكلة الاستعارة وإثبات المعنى بشكله من القول والعلم بالنظائر والأشباه والتثبت بالشواهد والأمثال حتى ينصب البيان أشخاصاً ماثلة ويقيم للقول صوراً ناطقة تنبئ عن أحوالها وتدل على منازلها مع التخلق بأخلاق الدين والتحلي بحلية الكرم وإثبات محاسن الأمور والأحمال في الصبر والطلاقة ولبسة اللب والوفاء واجتناب الدنانا والنقائض في الشره والارتشاء والقلق وقال محمد بن أيوب بن سليمان عميد الرؤساء وأبو طالب وزير للقائم حال كونه أولى عهد كان مترسلاً بليغاً متفنناً صنف كتاباً في الخارج وهو القائل الكتب سبعة.
أولهم الكامل الذي ينشئ ويملى ويكتب.
الثاني الأعزل وهو الذي ينشئ ويملى وخطه رديء.
الثالث المبهم الذي يكتب خطاً مليحاً ولا يد له في الإنشاء.
الرابع الرقاعي يجيد رقعة يكتبها ولا خط له في التطويل.
الخامس المختل وهو الذي له حفظ ورواية ويعجز عن الإنشاء فهذا نديم.
السادس المخلط وهو الذي يأتي بالدرة والبعرة ويقرن بينهما.
стр. 204
السابع السكيت شبه بالمتأخر في الجلية فربما جهد نفسه وأتى بمعنى، توفى سنة ثمان وأربعين وستمائة، وقال الشيخ الإمام سيد كتاب الإنشاء شهاب الدين أبو العباس أحمد بن فضل العمري في كتابه الذي سماه مسالك الأبصار في ممالك الأمصار أن كتابة الإنشاء كانت في المشرق خلافة بني العباس منوطة بالقدماء وربما انفرد بها رجل وذكر ابن عبدوس في مواضع من كتابه من ديوان السر وديوان الترسل ثم كانت آخر وقت أفردت واستقل بها كتاب لم يبلغوا مبلغ الوزارة وكان في المشرق يسمى كاتب الإنشاء ثم لما كثر عددهم سمى رئيسهم رئيس ديوان الإنشاء ثم بقي يطلق عليه تارة صاحب ديوان الإنشاء وتارة كاتب السر وهي إلي الأحب وعند ابنه وعند الناس أذل وكان في دول السلاجقة وملوك الشرق يسمى ديوان الطغراوية وبه سمى مؤيد الدين الطغراي والطغراء هي الطرة وهي التي تكتب فوق البسملة بالقلم الغليظ تتضمن ألقاب الملك وهي لفظة أعجمية وكانت تقوم مقام خط السلطان بيده على المناشير والكتب ويستغني بذلك عن أن يكون للسلطان علامة بخطه علامة بخطه لكثرة وثوق الناس بصاحب هذه الرتبة وأهل المغرب يسمون رئيس ديوان الإنشاء صاحب القلم الأعلى وأهل هذه الرتبة لم يزل لهم الاختصاص والقرب أكثر من كل عام وخاص تحتاج الأمراء إلى مداراتهم وتقصر الوزراء مع علو الرتبة في الوزارة عن مباراتهم يجتمعون بالملك إذا أرادوا على عدد الأنفاس وهم معنى الدولة وعليهم عولة كل الناس وما كانت الملوك تكاتب الخلفاء ببغداد إلا على هذا الديوان أعني ديوان الإنشاء وكانت تسميه الديوان العزيز ولهذا كانت كتبتهم تستفتح أدام الله أيام الديوان العزيز إشارة إلى ديوان الإنشاء وعليه كان يطلق هذا الاسم وله بهذا من الشرق ما له ومن الفخر ما يجرّ على السماء أذياله انتهى كلام القاضي شهاب الدين، وذكر الثعالبي في كتابه لطائف المعارف أن إدريس ﵇ أول من خط بالقلم وكان يوسف ﵇ يكتب لعزيز مصر وكان هرون ويوشع يكتبان لموسى ﵉ وكان سليمان يكتب لأبيه داود ﵉ وكان آصف يكتب لسليمان ﵇، وروى أن النبي ﷺ استكتب عبد الله بن الأرقم وكان يجيب عنه للملوك واستكتب أيضاً زيد بن ثابت وكان يكتب الوحي ويكتب الملوك وكان إذا غاب عبد الله بن الأرقم وزيد بن ثابت واحتاج أن يكتب إلى أمراء الأجناد والملوك أو يكتب لإنسان بقطيعة أمر من حضر أن يكتب وكتب له عمر وعثمان وعلى المغيرة بن شعبة ومعاوية بن أبي سفيان وخالد بن سعيد بن العاص وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وحنظلة بن الربيع.
стр. 205
آداب الكتابة روى عن الشعبي أنه قال كتب النبي ﷺ أربعة كتب أولها باسمك الله ونزلت سورة هود وفيها (بسم الله مجراها ومرساها) فكتب بسم الله ثم نزلت سورة بني إسرائيل وفيها (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) فكتب بسم الله الرحمن ثم نزلت سورة النمل وفيها (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) فكتبها، وروى أن الفصل الخطاب الذي أعطى داود الذي أعطى داود أما بعد وروى أن أول من قالها كعب بن لؤي وهو أول من سمى يوم الجمعة وكان زيد بن ثابت يكره أن يكتب بسم الله ليس لها سين وكان إذا رآها بغير سين محاها وروى أن عمر بن الخطاب (ضرب عمرو بن العاص لما كتب إليه بغير سين وقيل له فيما ضربك فقال ضربني في سين وعن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال إذا كتب أحدهم فليتربه فإن التراب مبارك وهو أنجح للحاجة ولوى عنه ﷺ أنه كتب كتابين إلى قريتين فأترب أحدهما ولم يترب الآخر فأسلمت القرية التي أترب كتابها وقال الحسن بن وهب كاتب رئيسك بما يستحق ومن دونك بما يستوجب وكاتب صديقك كما تكاتب حبيبك فإن غزل المودة أرق من غزل الصبابة قال الوادعى في تذكرته إن القاضي تاج الدين ابن نبت الأعز ﵀ كان إذا كتب كتاباً بدأ في ترميله بالبسملة لتعم بركتها سائر الكتاب وإن يخزن ذلك الرمل ويحتفظ به ولا يرميه في الأرض وقال بزرجمهر من لم يختم كتابه فقد استخلص صاحبه وإذا كتبت فأعد النظر فيه فإنما تختم على عقلك وعن عبد الله بن عباس (في قوله تعالى (إني ألقى إليَّ كتاب كريم) قال مختوم وفض الكتاب إذا كسر ختمه ومعنى الفض في اللغة التفريق والكسر ومنه لا يفضض الله فاك.
العنوان فيه خمس لغات أفصحها عنوان ويقال علوان وعينان وعنيان وجمع عنوان عناوين وجمع علوان علاوين والعنوان وهو أثر الكتاب ممن هو والي من هو صحوا باشمط عنوان السجود به والقلم لا يقال له قلم إلا إذا بري وإلا فهو أنبوبة.
ومن أحسن ما قيل فيه قول السيد الفاضل شمس الدين بن الصاحب موفق الدين علي بن الآمدي نقلته كذا من خط الوادعي:
تمشي البراعة والمداد وراها ... ظل على شمس الطروس ينوع
عوض المعاني لو يلوح لمسلم ... هذا المعاني راح وهو صريع
لو لم تكن ألفاظه خطية ... ما راح سراب اللفظ وهو منيع
ألفاظه رقت بوجنة طرسه ... فكأنهن وقد جرين دموع
قلم مسحّى الخطاب لنطقه ... في المهد من يمناه وهو رضيع
وغدا كليميا وقد ضاهى العصا ... فغدا يروق بفعله ويروع
باللفظ حاكته الشموس وبالضيا ... حاكته في حال المداد شموع
قد لازم القرطاس وهو منور ... والطل يهوى الروض وهو مريع
نور ونور حظه وكلامه ... هذا يضئ به وذاك يضوع
وله أيضاً رحمه الله تعالى:
ليمناه ذو طرف كحيل إذا بكى ... تبسم ثغر الخط من دمعه عجبا
وقد راح مشقوق اللسان متى جرى ... بثغر الدوى اللعس أبدى اللما عذبا
وآوته في سنه سمّ أرقم ... إذا ما علا أعواد كف جلا خطبا
ويحقر فعل الخط بين كتائب ... تلاقت إذا ما خط في يدك الكتبا
حكى السمر قد أحيت للبيض خده ... فطاعن به إن شئت واضرب به ضربا
قال الشيخ الإمام مجد الدين الروذا وروى عبد الحميد بن أبي الفرج الهمداني الفقيه الشاعر المفنن مولده سنة تسع وتسعين وخمسمائة وتوفى بدمشق سنة سبع وستين وستمائة من نظمه في وصف القلم من قصيدة مدح بها الوزير القمى مؤيد الدين وزير الدولتين الناصر والمستنصر كذا نقلته من خط محيي الدين بن عبد الظاهر من كتابه المسمى بالنجوم الدرية في الشعراء العصرية:
لك من نبات الماء أصفر للعدا ... من رأسه المسود موت أحمر
خجل القنا من فعله حتى غدا ... مثل النساء يرى عليه المعجر
يصفونه ورد العلا وورده ... أبدا كعيش الحاسدين مكدر
ظلمات نفس خاضها بروية ... من ماء الحياة كأنه الاسكندر
متقيد يعدو وينطق ساكتا ... متحكم في الدهر وهو مسخر
يا راكعاً لبس السواد وساجدا ... يتلو بني العباس وهو مزئر
قد خر رأسك واللسان لبثه ... سر العلا وأسود منك المنظر
стр. 206
هب أن جسمك من جواك نحوله ... أو أن لونك للنحافة أصفر
مركوبك البحر الجواد وما له ... من كبوة تلفى لماذا تعثر
وأنشدني من لفظه لنفسه سيدي وأخي تقي الدين بن حجة الحموي:
له يراع سعيد في تقلبه ... إن خط خطاً أطاعته المقادير
محبر وبتحرير العلوم إذا ... جرى يرى منه تحرير وتحبير
غصن عليه طيور العلم عاكفة ... وحانس النور من أوراقه النور
وأشقر يده البيضاء غرته ... له إلى الرزق فوق الطرس تيسير
بل اسمر عينه السوداء تلحظنا ... وهدب أجفانها تلك التشاعير
أو سهم علم بأطراف السطور غدا ... مريشا وله في الفضل تأثير
كذا محابره سود العيون فإن ... دانت أياديه قلنا الأعين الحور
ومن وقف على رسالة السيف والقلم للشيخ جمال الدين بن نباتة رأى من هذه المعاني العجائب ولولا اطالتها لأثبتها في هذا الباب ولقد ظرف إلى الغاية شمس الدين الواسطي حيث قال:
مازال بقلبه لهيب النار ... إذا صير جسمه خيالاً سارى
الله يقلبه فما يعلم ما ... قاساه الواسطي إلا الباري
وأنشدني أخي تقي الدين بن حجة الحموي يصف سكيناً أهداها له بعض الأصحاب وهو سكين قطع الملوك بها أوصال الجفا وأضافها إلى الأدوية فحصل بها البرء والشفاء وتالله ما غابت إلا وبلغت الأقلام من تغييرها إلى الجفا أنها لسان كل عنوان ما شاهدها موسى إلا وسجد في محراب النصاب وذل بعدما خضعت له الرؤوس والرقاب إن هجعت بجفنها كانت أمضى من الطيف وكم لها من خاصية جازت بها على حد السيف تنسى بحلاوة العسال ولا يظهر لطول طائله وتغني عن آلة الحرب بإيقاع ضربها الداخل كم مرت بشكلها المحلى فتركت المعادن عاطلة ولم يكن للحديد في هذه الواقعة مجادلة فلو لمحها الفاضل لتحقق أن خاطر سكينه كل أو شاهدها ابن نباتة لما أقر برسالة السيف وقل إلى أن دخلت إلى القراب كانت قد سبكت على الدخول أو أبرزت من غيمه كان على طلعتها الهلالية قبول كم أيقظت طرف القلم بعدما خط وعلى الحقيقة ما رأى مثلها قط ما أسفر صبح نصلها في ليل نصابها الذي دجا إلا تغزلت وقلت ما أحسن طرة الصبح من تحت أذيال الدجى تطرف بأشعتها الباهرة عين الشمس وباقامتها الحد حافظت الأقلام على مواظبة الخمس وكم لها من عجائب تركت جدول السيف في بحر غمده غريق لو سمع بها من قبل ضربه لما حمد التطريق لازالت صدقات مهديها تحف بما يذبح نحر فقرى وتأتي في كل حين بما يشفى من داء الفقر ويبرى بمنه وكرمه.
كتب مولانا محمد بدر الدين الدماميني إلى المرحوم أمين الدين صاحب ديوان الإنشاء بالشام ملغزاً في دواة:
كتبت وأعذاري إليك تقرر ... ونطقي بها يا كاتب السر يجهر
أتتك أبيات المعاني فرضتها ... وحكت حبير اللفظ فهو محرر
وحليت أهل الفضل إذ كنت خاتما ... له فعليك الآن يعقد خنصر
وما أنت إلا البحر جاش عبابه ... ولكن رأينا منك حلما يجسر
فما كلمة أفديك دام اعتلالها ... وفيها دواء إن اعتراها ثغير
ويحفظها ذو السر وهي التي وشت ... وذلك من عاداتها ليس ينكر
وما مسها إلا وجاب بنفسها ... وصحف تر المقصود بالنفس يظهر
وتحمل سمر الخط رايات ملكها ... على الرأس عباسية حين تخطر
كحيلة طرف تعشق العين شكلها ... وحسن مرآها إذا ما تحبر
مؤنثة كم ذكرتنا بلوتها ... عهود الصبا والشيء بالشيء يذكر
إذا هجرت يبدو المشيب برأسها ... وفي الوصل تذى أدمعاً تتحدّر
وكم قد أرانا ريقها من مسلسل ... يلذ به في الذوق ورد ومصدر
وكم لاقت الأحبار منها محاسنا ... فغادت لها الجهال بالعي تحصر
مسودّة أن ترض فالعيش أخضر ... وإن سخطت فالموت لا شك أحمر
ويعذب للسمر الرقاق رضابها ... فتنهل منه مورداً لا يكدر
لقد أحكمت والنسخ مازال دأبها ... بذلك قد جاء الكتاب المسطر
وما هي إلا ذات متربة غدت ... وكم ذا غنى عن قصدها ليس يفتر
إذا امتدت الراحات وهي مثيرة ... إلى نحوها أمست على المد تقصر
ولسنا نراها غير سائلة ولم ... تفه بسؤال فاعترانا التحير
стр. 207
فانعم بحل اللغز يا خير منعم ... فأنت به والله أجدى وأجدر
ولازالت الأقلام تسعى لشكركم ... على رأسها طول المدى لا تقصر
فكتب الجواب إليه بعد أيام:
مواقع أقلام لها الفضل ينشر ... وروضة آداب لها القلب يجبر
تحرر معنى حسنها نسج وحدة ... فيا حبذا الإسكندري المحرر
يطول على الأفهام شقة شاوها ... فكل بليغ عن مداها يقصر
أتت سهلة الألفاظ ممنوعة الذرى ... حماها من العلياء لا يتسور
تشير إلى الحبلى التي عز وضعها ... فأحشاؤها فيها الأجنة تقبر
ينامون لا تغشاهم سنة الكرى ... فإن هب فرد ظل يسعى ويحصر
وإن أرشفته من سلاف رضابها ... تهادى به نشوان يمشي ويعثر
وأما إذا أعتموا السواد فكلهم ... خطيب له فوق الأنامل منبر
يسيل دموعاً في مجال سجوده ... فيخضل من رياه روض محبر
وينطق عن علم وطول نباهة ... وعما أراه في الأنام يعبر
يطاول سمر الخط أنى تشامخت ... سموا ومع هذا على الطول يقصر
وكل بني الآداب تلقى بيوتهم ... تقام به بين الأنام وتعمر
وأكرم بما قد ولدته وأنشأت ... وربت ويكفيها بذلك مفخر
نجية فكر أن جلست ووجهها ... تجاهي وجاهي عندها ليس يحقر
وقد فتحت فاها فقالت وقصرت ... فأما استقالت فهي في ذاك تعذر
فلا زلتم أهل الكمال وجبركم ... لذي النقص مثلي منه حظ موفر
بمدحكم الأقلام يضحك سنها ... بحق وأفواه الدوى تعطر
قال بعض الفضلاء إذا أردت أن تضمن كتابا سراً فخذ لبنا حليبا واكتب به في القرطاس فإذا أراد قراءته المكتوب إليه فليذر عليه رماد القراطيس سخناً فإنه يظهر ما كتب وإن شئت كتبت بماء الزاج الأبيض فإذا وصل إلى المكاتب فليمر عليه شيئاً من ماء العقص وإن شئت بالعكس وإن شئت أن يقرأ ليلاً ولا يقرأ نهاراً فاكتبه بمرارة السلحفاة.
قال الشيخ شهاب الدين بن العطار فيما يكتب على الدواة:
أنا دواة يضحك الجود من بكاء ... يراعي جل من قد براه
دلوا على جودي من شفه ... دا من الفقر فإني دواه
وأنشدني شمس الدين الجرائحي لنفسه:
أنا دواة كبحر جود ... في الفضل قل للسخي عني
فلو غدا كفه سحابا ... عند العطا يستمد مني
وقال ضياء الدين المناوي يصف حبراً:
وعندي حبر ودّت العين لونه ... سوادا وترضاه الحسان خضابا
غدا سائلاً من فرط سقم ورقة ... وأصبح للسمر الرقاق رضابا
كأني لما بت أشكو صبابتي ... إلى الليل بالأشواق رق وذابا
وكتب الشيخ برهان الدين القيراطي صحبة حبر أهداه:
ليراعكم أهديت إنسان النظر ... وشباب طرس شاب من فرط الكبر
أرسلته عبداً دعوه عنبراً ... إذا فاح طيب نشره بين البشر
أقلامه أخذته حال كتابة ... سبحا وألقته على طرس درر
ويودّ مرسله إلى أبوابكم ... لو زاد فيه سواد قلب أو بصر
ليل وإن أبدى لنا ألفاظكم ... في صبح طرس أبيض قالوا سحر
وأنشدني المرحوم فخر الدين بن مكانس:
لداود الرئيس الحبر فضل ... وأنس عم أبناء الوجود
أتانا منه حبر فابتهلنا ... وقلنا نعم أحبار اليهود
وقال ابن الوردي فيمن انقلب حبر على ثوبه:
انقلب الحبر على ... ثوبك فأبشرت بالأرب
فحبر كل كاتب ... ربح إذا هو انقلب
وأنشدني القاضي أمين الدين محمد الأنصاري صاحب ديوان الإنشاء بالشام لنفسه في لوح الموقعين المرصد للصاق الأوصال على لسانه:
قطعوني وكنت منبر سجع ... طال ما في الرياض أسبغت ظلا
فبكسرى جبرت بين الموالي ... وبقطعي جعلت للوصل أهلا
وفيها له أيضاً:
طرحوها كأنهم ... ليس يدرون فضلها
وهي من أصل دوحة ... أسبغ الله ظلها
ابن نباتة وكتبها على مرملة:
عملت لمن جود أقلامه ... ربيع ومنطقه بارع
إذا طلع الخط رملته ... فيا حبذ الرمل والطالع
وقال السيد الفاضل شمس الدين بن الصاحب موفق الدين علي بن الآمدي مجاوباً لمن كاتبه في ورقة رزقا:
أرسلت زهر الروضة الغناء ... في مثلها من رقعة رزقاء
стр. 208
فكأنما هي من أديم سمائنا ... قدت وفيها أنجم الجوزاء
رزق جلا درر القريض بحسنه ... كالوسم يحلو مبسم اللمياء
أو مثل منعطف الخليج وقد وصفا ... فتمثلت أزهاره في الماء
وله:
أنت أرسلت بالكتاب سما ... تبرز الشهب قبل وقت الزوال
فيه كل نقطة مثل نجم ... وبه كل جزمة كهلال
وله:
كلمات لضحكها قد بكى الدر ... وهل منكر بكا اليتيم
حسد المسك نفسه فغدا ... أسود ذا زفرة بخد لطيم
وله:
وذي مقول يخفى الكلام فإن رقى ... إلى أذن قرطاس ففيها يحدث
عقود بلا سلك ببحر طروسه ... ولا عقد في سجره وهو ينفث
وقال:
جادت رياض الطرس سحب يراعه ... لما صدرن من النهي عن أبحر
فكست غصون طروسه ورقابها ... أكمام لفظي بالمعاني مثمر
وقال أبو الفتح محمد بن قادوس الدمياطي:
مداده في الطرس لم بدا ... قبله الطرس ومر يزهد
كأنما قد حل فيه اللما ... وذاب فيه الحجر الأسود
الفصل الثاني
стр. 209
في أعيان كتاب الإنشاء قديماً وحديثاً ونبذة مما لهم من المكاتبات، عبد الحميد بن يحيى كان يقول لو كان الوحي ينزل على أحد بعد الأنبياء لنزل على بلغاء الكتاب وذكر البلاغة فقال هي ما رضيته الخاصة وفهمته العامة، إسماعيل بن صبيح، كاتب الرشيد لم يسمع في الجمع بين الشكر والاستزازة أحسن وأوجز مما كتب به إلى يحيى بن خالد في شكر ما تقدم من إحسانك شاغل عن استبطاء ما تأخر منه، عمرو بن مسعدة، كاتب المأمون وكان يقول قليل دائم خير من كثير منقطع وكتب إلى المأمون كتابي هذا وفي قبلي من أجناد أمير المؤمنين وقواده في الطاعة والانقياد على أحسن ما يكون عليه طاعة جند تأخرت أرزاقهم وأختات أحوالهم فقال المأمون لأحمد بن يوسف لله در عمرو ما أبلغه ألا ترى إلى ادماجه المسألة في الأجناد وإعفائه سلطانه من الإكثار، إبراهيم بن العباس الصولي، كاتب المستعصم والواثق والمتوكل كان يقول المتصفح للكتاب أبصر بمواقع الخلل فيه من منشئه، الحسن بن وهب، سئل عن مييته فقال سريت البارحة على عقد الثريا ونطاق الجوزاء فلما تنبه الصبح نمت ولم أستيقظ إلا بلبسي قيص الشمس ومدح صديقاً له فقال خلق له كما يشتهي إخوانه ووصف مغنياً فقال كأنه خلق من كل قلب فهو يغني بكل ما يشتهه، أحمد بن سليمان، أحسن الكلام ما لا تمجه الآذان ولا تتعب فيه الأذهان، بديع الزمان الهمذاني، من إنشائه الحمد لله الذي بيض القار وسماه الوقار وعسى الله أن يغسل الفؤاد كما غسل السواد، وله قد يوحش اللفظ وكله ود ويكره الشيء وليس منه بد هذه العرب تقول لا أبالك ولا يقصدون الذم وويل أمه للأمر إذا أهم وسبيل أولي الألباب في هذا الباب أن ينظر في القول إلى قائله فإن كان ولياً فهو المولى وإن كان خشن وإن كان عدواً فهو المبلى وإن حسن من إنشاء أبي القاسم علي بن الحسين المعروف بالمغربي، ووصلت الرقعة فاستجفيت النسيم العذب بالإضافة إلى لطافتها واستثقلت محل عقود اللؤلؤ بالقياس إلى خفة موقعها، وله وكتب هذه الأحرف وقد أظل البلاد ثلج ذكرني قول الصنوبري ورد الربيع مورد مبيض والورد في كانون أبيض إلا أنه انتقل إلى ضد طباعه معي واستأنس إلى عكس خلقه فإنه مع برده أحدث لي شوقاً إلى سيدنا ألهب جوانحي وصبابة نحوه أضرمت جوارحي حتى عاد بياضه في عيني سواد التذكرة وسقياه ظمأ برحا قلبي بتصوره على أن قلبي مزحوم من جهته مما يزدحم فيه من كآبة جفائه وصبابة بعده ونائه، وله وعرفت في هواجس الفكر ووسواس الذكر حتى نسيتكم من شدة المذكر ولقيتكم من حدة التصور وحتى وعدت كأني أجد في فمي عبقاً من تقبيل ذلك الوجه الناضر وفي عيني لمعا من سناء ذلك الجمال الباهر والله تعالى أسأل أن يسقط بيننا في تشاكي ألم الفراق إسناد القلم بمشافهة الفم للفم، القاسم الحريري، قال الشيخ صلاح الدين الصفدي في كتابه نصرة الثائر على المثل السائر سمعت الشيخ شهاب الدين محمود حين قرأت المقامات عليه يحكى عن القاضي الفاضل أنه أراد معارضتها ووضع ثلاث عشرة مقامة عارض كل فصل فيها بمثله حتى جاء إلى قوله أعني الحريري في المقامة الثالثة عشرة أعلموا يا مآل الأمل وثمال الأرامل أني من سروات القبائل وسريات العقائل لم يزل أهلي وبعلي يحلون الصدر ويسيرون القلب ويمطون الظهر ويولون اليد فلما أردى الدهر الأعضاد وفجع بالجوارح الأكباد وانقلب ظهر البطن نبأ الناظر وجفا الحاجب وذهبت العين وفقدت الراحة وصلد الزند ووهنت اليمين وضاع اليسار وبانت المرافق ولم يبق لنا ثنية ولا ناب فمذ أغبر العيش الأخضر وازوّر المحبوب الأصفر اسود يومي الأبيض وابيض فؤادي الأسود حتى رثى لي العدو الأزرق فحبذا الموت الأحمر فقال القاضي الفاضل من أين يأتي الإنسان بفضل يعارض هذا ثم أنه قطع ما عمله من المقامات ولم يظهرها أو كما قال وناهيك بمن يقول مثل القاضي الفاضل في حقه مثل هذا ويعترف له بالعجز وأما أنا فكلما قرأت هذا الفصل أجد له نشوة ولا نشوة الراح وبهجة ولا بهجة الساري بضوء الصباح، أبو الحسن بن بسام عارض إذا سمع استوسلت البحار ونجم إذا طلع تضالت الشموس والأقمار وسائق لا يمسح وجهه إلا بهيادب الغيوم وصارم لا يحلى غمده إلا بأفراد النجوم، القاضي السعيد، هبة الله بن سنا الملك وإن للشوق بحرا وقلبه والله الغريق بأمواجه وجرا وصدره المظلم بسراجه وأقل بد للهموم
стр. 210
عنده أنها حلته في عنفوان الشباب بحلية الأشيب وجعلته سادجا من الشعر الأسود وإن كان في وسط العمر المذهب كما قال أبو عبادة ذهبية الصبوات من أعوامه، وله فالإسلام من طلقاته والكفر مجاهد ولكن باتقائه وسيوفه تحسن في الأجسام البسط وفي الأرواح القبض ورماحه تكاد لطولها تمسك السماء أن تقع على الأرض، وله لا جمع الله عليك المصيبتين فراق الأحباب وفراق الثواب ورزقك من الإعانة على ما تعانيه ما يفضل عنك إلى أن تخلعه عليّ وترسله إليّ، وله وازهد في دنيا تنبت الحمام وتحصد الأجسام وتقصف أغصان الأشباح وتقطف أزهار الأرواح وأذهل عن الذهول وأحسن ضيافة النصح بالقبول.
وإذا رأيت جنازة محمولة ... فاعلم بأنك بعدها محمول
стр. 211
وكيف لا يحمل المملوك تلك الأشواق وهي تقربه من المولى بالتخيل إذا أبعدته الأيام ويمثل له المقام الكريم فيقابله كل ساعة بالسجود ويشافهه بالسلام ويرفع ناظره فلولا نظرة إليه لكانت عينه مطرقة وستور أهدابه مسبلة وأبواب جفونه مغلقة ولولا اشتغالها بمطالعة طلعته لالتهبت من دموعها بمياه محرقة فهو منها في نار وجنة مغلول بغلة مطوق بمنه، وله ولقد أنساه فراق المولى حروف المعجم فما يعرف منها حرفا وعاقب خاطره الذي كفر بالبلادة فأسقط عليها من سمائه كسفا شوقا ما خطر مثله على قلب بشر ودمع ما مر على بصر إلا ومرَّ بالبصر ولسان لا ينفك من الدعاء على يوم الفراق ومن دعاء على ظالمه فقد انتصر ضياء الدين بن الأثير الجزري ودولته هي الضاحكة وإن كان نسبها إلى العباس وهي خير دولة أخرجت للدهر ورعاياها خير أمة أخرجت للناس ولم يجعل شعارها من لون الشباب إلا تفاؤلاً بأنها لا تهزم وإنها لا تزال محبوة من أبكار السعادة بالوصل الذي لا يضرم، وله يصف بناء مرتفعاً إذا أضرم برأسه قبس ظنه المتأمل نجماً وإذا استدار عليه قوس السماء كان في كبده سهما، وله في القلم فهو الملقب بالجواد المضمر وإذا أخذت السوابق في إحضارها بلغ الغاية وما أحضر وله لون يحقق فيه القول النبوي لو جمعت الخيل في صعيد واحد لسبقها أشقر فإن الأشواق عن الحمام خليفة وإذا كانت حركة الفلك شوقية فما الظن بالقلوب الضعيفة، القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر يصف بطيخاً حلبياً أهدي إليه فشاهد إهابه وكأنما جمع من زهر الأقاح وكأن كل واحد منه قنديل وعروقه فتيلة الأصباح وكأن كبراه بطن خميص من له من مجموع اللب حنين وكأن صغراه رأس كم منها أن فصلت جبين يقسم كل رأس منه رئيس من الأناسي وقصر أيمانه في الاستحسان عليه فما يقول ألا وحق رأسي، ومن أنشأه نعلمه بفتوحات استطعم الأيمان حلاوتها من أطراف المران واستنطق الإسلام عبارتها من ألسنة الخرصان ذلك بفتح حصن الأكراد الذي كان في خلق البلاد الشامية عضه لم تسمع بمياه السيوف المجردة وشجن صدرها لم تقاومه أدوية العزائم المفردة طالما أكسب البلاد رعباً ورهباً وطالما اسمتارى من أخلاق الأمصار حلبا، ومن إنشائه بكتاب يأمر في بإبطال الحشيش بعد الخمر يعلم أن المنكرات التي أمرنا أن تملأ الصحائف بأجرها ونفرغ الصحائف وأن لا يخلو بيت من بيوتها من كسر أو زحاف قد بلغنا الآن أنها اختصرت وأن كلمة الشيطان بالتعويض عنها قد نصرت وأن أم الخبائث ما عمقت والجماعة التي كانت ترضع ثدي الكأس قد أرتعت بعدما فطمت وإنها في النشأة ماحيت إبليس مسعاها وإنها لما أخرج المنع عنها ماءها من الخمر أخرج لها من الحشيش مرعاها وإنها استراحت من الخمر واستغنت لما تشتريه بدرهم عما كانت تبتاعه من الخمر بدينار وإن ذلك فشا في كثير من الناس وعرف في عيونهم ما يعرف من الاحمرار في الكأس وصاروا كأنهم خشب مسندة سكرى وإذا مشوا يقدمون لفساد أذهانهم رجلا ويؤخرون أخرى ونحن نأمر أن تحتت أصولها وتقتلع ويؤدب غارسها حتى يحصد الندامة مما زرع وتطهر منها المساجد والجوامع ويشتهر مستعملها في المحافل والمجامع حتى تنتبه العيون من هذا الوسن وحتى لا تشتهى بعدها خضرا ولا خضراء الدمن، ومن إنشائه من كتاب إلى الفرنج وقد أخذت شواني السلطان وخيولهم المركب ومراكبنا الخيول وفرق من يجريها كالبحار وبين من يقف به في الوجول وبين من يتصيد بالصقور من الخيل العراب وبين من إذا افتخر قال تصديت بغراب فلئن أخذتم لنا قرية مكسورة فكم أخذنا لكم قرية معمورة وقد قال الملك وقلنا والله أعلم أن قولنا هو الصحيح واتكلنا واتكل وأين من توكل على الله ممن اتكل على الريح، ول وأما فلان فإنه شمر الذيل وامتطى هربا أشهب الصباح وأحمر الشفق وأصفر الأصيل وأدهم الليل، وله فكم شاهدنا من قتلاهم كل مهيب الهامة حسن الوسامة قد فض الرمح فاه فقرع السن على الحقيقة ندامة، وله من منشور كتبه للأمير جمال الدين المحمدي عند إخراجه من الاعتقال أوله الحمد لله الذي أظهر جمال الدين المحمدي، وله من منشور كتبه ليسري عن السلطان المنصور وجرينا في الإحسان إليه على القياس وإن كان من أكابر أصحاب الظاهر، ومن إنشائه يقبل اليد التي لو تجسدت القبل فيها لنظمت سبحا ولو أثرت فيها كتأثير الوضوء كانت حجولا ووضحا ولا برحت القبل التي قبلتها
стр. 212
ساجدة والأفواه إلى مسرعتها واردة حتى يقال والمابسم يقبلها أحباب في حياض أم زهر في رياض ويروق في غمام أم درر في بحر طام، ومن إنشاء قوام الدين بن زيادة يهنئ الوزير البلدي، وأفاض عليه من صنوف تشريفاته خلعا خاع بها قلوب الأعادي من أعماق الصدور وطلع فيها من آفاق البدور كأنما أنشئت من عيون عين الصيرم وغزلانه أو غشيت بعصر الشباب وريعانه فالبسها من حلاء سربال الجلال وجرتها على المجرة أذيال الاختيال وقلده سيفاً عقد النصر بلوائه وتعلم المضامن آرائه أهدى في قلوب العدى من الأوجال لا ينصل نصله من خضاب القراب ولا يغمد إلا في قراب الرقاب وأمضاه صهوة صافن أسرع من تأدية الأسماع إلى الأفهام وأوحى من مضاحكة البرق خلال سجف الغمام يسبق مطارح نظره بمواقع حافره ويهجي ظلال ظله بأهلة أثره بشكل رأيه فيه إذا تدرع في شوطه واشتد أطرف رديء أم طرف يرتد كأن بركة سهم وسنبكة وهم أو يحف بقوادم شهاب أو عنده علم من الكتاب ولاطفه بدواه وهي دوام العدم وأداة النعم ومنبع الكرم ومرتع أرزاق الأمم يستشف للآلئ الأداء من قرارها ويصفق أمواج الحكمة والبلاغة من أقطار ثنائها تكشف يراعها يردع كل روع ويتبع أمره كل متبوع قد حمل من أعباء الخلافة وحمى الأسد رضيعاً والملك فطيماً يصوب بكرم الغيوث الغوادي ويصول بقرم الليوث العوادي:
يمحو ويثبت أرزاق العباد بها ... فما المقادير إلا ما محا ودحا
من إنشاء الصدر عز الدين بن سينا من بشارة للديوان العزيز بكسر عساكر الفرنج من عكا عن السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب في سنة اثنين وأربعين وستمائة، فلا روضة إلا درع ولا جدول إلا حسام ولا غمامة إلا نفع ولا وبل إلا سهام ولا مدامة إلا دما ولا نغم إلا صهيل ولا معربد إلا قاتل ولا سكران إلا قتيل حتى أنبت كافور الرمال شقيقاً واستحال بلور الحصباء عقيقاً وازدحمت الجنائب في الفضا فجعلته مضيفا وضرب النقع في السما طريقا وعاد الفارس بالدماء غريقا:
وضاقت الأرض حتى كاد ربهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
стр. 213
ومن إنشاء القاضي تاج الدين ابن الأثير: والمنجنيقات تفوق إليهم سهام قسيها وتخيل إليهم أنها ساعية إليهم بحبالها وعصيها وهي في الحصون من ألد الخصوم وإذا أمت حصنا حكم بأنه ليس بإمام معصوم ومتى امترى خلق في آلات الفتوح لم يكن فيها أحد من الممترين وإذا نزلت بساحة قوم فساء صباح المنذرين تدعى إلى الوغى فتكلم وما أقيمت صلاة حرب عند حصن إلا كان ذلك الحصن ممن يسجد ويسلم، ومن إنشاء سيد كتاب الإنشاء وإمام البلغاء القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني: فقم عنا بهذه الفريضة وطر في تلك المضار ورفه قوادمنا المهيضة وأدر وعلينا أن نشرب وقل وعلينا أن نطرب وانفرد بالحرب وعلينا النظارة وأعطنا السلب وباشر أنت الغارة وأنفذ إلينا كل يوم من أقمصة يوسف قميصا ولكن قميص البشارة، وله من شفاعة وعلى المذكور ديون كثيرة والدين عثرة الصراط والقبر على المطلوب سم الخياط فإن رأى مولانا أن ينظر إليه بما يفك أسره ويغني فقره فهناك الإطلاق بالحقيقة أو الأسر والغنى بعد العرض على الله أو الفقر فبهذا عرفتم يا أهل المعروف من آل أيوب وكذا كان يوسفكم ﵀ يقضي كل حاجة في نفس يعقوب، وله والجو يتنفس عن صدر مسجور كصدر المهجور وصاليه في نحو هذه الطب جار ومجرور والمهامة قد سرفها ملأ السراب وزخرفها بحر ماء ولد لغير رشده وعلى غير فراش السحاب وحر الرمل قد منع حث الرمل ونحن في أكثر من جموع صفين ألا أننا نخاف وقعة الجمل ووردنا ماء هذه العيون وهو كماء المحابر يغترف منه المجرم مثل عمله ويرسله سهما فلا يخطئ تفرة مقتله وهو مع هذا قليل كأنه حادث به الآماق في ساحات النفاق لا في ساعات الفراق فيا له من ماء لا تتميز أوصافه من التراب ولا يرتفع به فرض التيمم كما لا يرتفع بالسراب ولا يعدو ما وصف به أهل الجحيم في قوله (وإن يستغيثوا يغاثو بماء كالمهل يشوى الوجه بئس الشراب) فنحن حوله كالعوائد حول المريض يعللون عليلاً لا يرد الجواب بل يندبون ميتاً قد حال بينهم وبينه التراب يجهز للدفن ونعشه المراد ويحفر عليه ليقوم من قبره وذلك خلاف المعتاد وفي غير من قد وارت الأرض فاطمع على أنه لو كان دمعاً لما بل الأجفان ولو كان مالا لما رفع كفة الميزان وإن امرؤ روحه في جلد غيره وهو المراد وخصمه من غير جنسه وهو النار التي في غير الزناد لجدير أن يغري به إغراؤه وإن يلام على مفارقة الأحبة ويقال هذا جزاؤه، وله) إلى أن ترد كتب العسكر وأعلامها من مدات ألفاته ورؤوس العدى قطعات همزاته والأيام التي لا أشاهد فيها الوجه لا أحسبها من العمر والأيام التي لا يصل فيها ركابه لا أحسبها من الدهر ولا يخنصر علي على عمري ولا يغالطني في حساب دهري، وله وقد أحسنت الحضرة في بشراي بكتابة في كتابها فقد طلع طيفاً للحبيب الزوار ونجماً لفجره ولا أقول الفرار وعليه أبقاه الله سلام أنور مما بعد الفجر وأشرق مما تحت الخمار وأجلب للسرور مما قبل الخمار، وله ذكر الله ذلك العهد بخير ما ذكرت العهد بخير ما ذكرت العهود ولعن الله الفرنج المحتدقين وقتل أصحاب الأخدود فقد قطعوا طرقات المسار وأطالوا عمر الأبكار وسبكت نار مقاساتهم الدينار فجعل الله أعلام الكافرين لمن عقبى الدار، وله وظننا أننا به بل بدعائه قد دخلنا الجنة لما نلناه من خمرها الذي هو لذة للشاربين وأنا خالطنا أهلها فأشخاص المعاني من الحروف على سرر متقابلين ووثقنا بأن لنا منه الدعا الذي نأوي منه إلى كنز عتيد والرأي الذي أنزله الله هو والحديد فيهما بأس شديد، وله) رب إني لا أملك إلا نفسي وهاهي في سبيلك مبذولة وأخي وقد هاجر إليك هجرة نرجوها مقبولة وولدي وقد بذلت لعدوك صفحات وجوههم وها أنا على محبوبك بمكروه فيهم ومكروههم ونقف عند هذا الحد ولله الأمر من قبل ومن بعد فيا عصبة محمد ﷺ أخلفه على أمته بما تطمئن منه مضاجعه ووفه الحق فينا فأنا والمسلمون عندك ودائعه، وله ودعا المسلمون برؤوس عدوهم في رؤوس القنا وقد اجتنوا ثمراتها ورواحهم في صدور الظباء قد أطفئوا لمائها جمراتها فأنبتت سنابك الخير سماء من العجاج نجومها الأسنة وطارت إليهم عقبان من الخيول قوادمها القوائم ومخالبها الأعنة وتصويت عيون السمر إلى قلوبهم كأنما تطلب سوادها وقصدت أنهار السيوف أكبادهم فكأنما أرادت أن تروي جيادها ونصبت للملك
стр. 214
خيمة حمراء كأنما وضع على الشرك عمادها وتولت حفظ أطنابها الرجال فكأنهم أوتادها، وله وقد كان يقال إن الذهب لإبريز لا يدخل عليه آفة وإن يد الدهر البخيل عنه كآفة وأنتم يا بني أيوب أيديكم آفة نفائس الأموال كما أن سيوفكم آفة نفوس الأبطال فلو ملكتم الدهر لامتطيتم لياليه أذاهم وقلدتم أيامه صوارم ووهبتم شموسه وبدوره دنانير ودراهم وأيام دولتكم أعراس وكان ما تم فيها على الأموال ما تم والجود في أيديكم حاتم ونفس حاتم في نقش ذلك الخاتم، وله) وما أحسب الأقلام جعلت ساجدة إلا لأن طرسه محراب ولا أنها سميت خرساء إلا قبل أن نفث سيدنا في روعها رائع هذا الصواب ولا لأنها اضطجعت في دويها إلا ليبعثها ما ينفخ من روحه من مرقدها ولا سودت رؤوسها إلا أنها أعلام عباسية تناولتها الحضرة بيدها لا جرم أنها تحمي الحمى وتسفك دماً وتحقن دماً وتتوشح بها يده عناناً ويرسلها فيعلم الفرسان أن في الكتاب فرساناً وتقوم الخطباء بما كتبت تعلم الأسنة أن في الأيدي كما في الأفواه لساناً ولقد عجبت من هذه الأقلام تخر ألسنتها شقاً فتنطق فصيحه وتجدع أنوفها برياً فتخرج صحيحة تحلي مليحة وما هي إلا آية في يد سيدنا البيضاء موسومة وما مادتها في الفصاحة إلا علوية ولولا الغلو لقال علوية، وله ففضه عن فضة مسها ذهب وفاوضها عن نار ذكاء لو لم يمازجه ماء الطبع لهب منه أي لهب وخمد له كل ملتهب القريحة وقصرت يده فإن نواه قيل له (تبت يدا أبي لهب) وأغاربه على القلوب فرجع وهي بالأشواق محتوية الفضل مأخوذة السلب فكم فيه من فقرة قيل لها يا أخت خير أخ يا بنت خير أب وله وأما الثلوج التي وصفها ذلك البيان فأحجها بل أهداها إلى الصدور فأثلجها فقد ثملت البلاد وكأنما نشر عليها المولى غرضه وسرني أن يرد لك الفضاء فضة فأراني النجوم في هذه السنة وقد ناصحت في خصبها فنزلت وقد ناصحت في خصبها فنزلت بأنفسها وبرزت ظاهرة في النهار بجواريها وخنسها وأجدر بها أن تكون سنة يغسل وضر الكفر يصابون ثلجها وتنير العزمة الناصرية من هذه الرغوة صريع فلجها، وله وبينا أنا من الخمول في مهبط رمس إذ رفسئ التمويل إلى مطلع شمس وبينا أندب أفعال بني الأصفر في عسقلان وجفوة أبيهم يعني الدينار لي في مصر فما يراني إلا وكان عليه من سكته عوذاتها مني يعتصم وكأنما يصفر خوفاً مني وهو إلى الغير يبتسم إذ صرت أنفضه من بنان أبي الطيب من دنانير شمسه وربما أثقله بعد الضرب إلى النفي لا إلى اعتقال الكيس وحبسه، وله وإن أدعى سحر البيان أن يقضي أيسر حقوقه ويثمر ما يحب من شكر فروعه وعروقه لكنت أفضح باطل سحره وأذيقه وبال أمره وأصلب الخواطر السحارة على جذوع الأقلام وأعقد ألسنتها كما تعقد السحرة الألسنة عن الكلام، وله أشكو بعد قلبي جسمي فقد ضعفت قوته وقوى ضعفه ونسجت عيه همومي ثوباً دون الثياب وشعاراً دون الشعار من الحرب الذي عاد بيني وبينه وأسقم يدي من جسمي وأستخدمها تحرث أرضه فإن لم يكن لاضه.
الباب الثامن والثلاثون في الهدايا والتحف النفيسة الأثمان
ذكر ابن بدرون في شرحه لقصيدة ابن عبدون عند ذكر كسرى وبنائه للسور المذكور في الباب السادس من هذا الكتاب ولما بنى كسرى هذا السور هادته الملوك وراسلته، فمنهم ملك الصين كتب إليه من يعقوب ملك الصين صاحب قصر الدار والجوهر الذي في قصره نهران يسقيان العود والكافور والذي توجد رائحة قصره على فرسخين والذي تخدمه بنات ألف ملك والذي في مربطه ألف فيل أبيض إلى أخيه كسرى أنوشروان وأهدى إليه فارساً من در منضد علينا الفارس والفرس من ياقوت أحمر وقائم سيفه من الزمرد منضد بالجوهري وثوباً حريرا صينياً وفيه صورة الملك على إيوانه وعليه حلته وتاجه وعلى رأسه الخدام بأيديهم المذاب المصورة من ذهب تحمله جارية تغيب في شعرها يتلألأ جمالها وغير ذلك مما تهديه الملوك إلى أمثالها .
стр. 215
وكتب إليه ملك الهند: من ملك الهند وعظيم ملوك الشرق وصاحب قصر الذهب وإيوان الياقوت والدر إلى أخيه كسرى أنوشروان ملك فارس صاحب التاج والراية وأهدى إليه ألف من عود يذوب في النار كما يذوب الشمع ويختم عليه كما يختم على الشمع وجاماً من الياقةت الأحمر فتح شبر مملوء من در وعشرة أمنان كافور كالفستق وأكبر من ذلك وجارية طولها سبعة أذرع تضرب أشفار عينيها إلى وجنتيها كأن بين أجفانها لمعان البرق مع إتقان شكلها مقرونة الحاجبين لها ضفائر شعر تجرها وفراشا من جلود الحيات ألين من الحرير وأحسن من الوشي وكان كتابه في لحاء الشجر المعروف بالكاذي مكتوب بالذهب الأحمر وهذا الشجر يكون بأرض الهند والصين وهو نوع من النبات عجيب ذو لون حسن وريح طيبة تكاتب فيه ملوك الصين والهند.
وكتب إليه ملك التبنت من ملك تبنتان ومشارق الأرض المشاخبة للصين والهند إلى أخيه المحمود السيرة والقدر ملك المملكة المتوسطة الأقاليم السبعة كسرى أنوشروان وأهدى إليه أنواعاً مما تحمل من عجائب أرض تبنت منها مائة جوشن ومائة ترس مذهبة وأربعة آلاف من المسك في نوافج غزلانه.
وأهدى يعقوب بن الليث الصفار صاحب خراسان إلى المعتمد هدية في بعض السنين من جملتها عشر بزاة منها بازي أبلق لم ير مثله ومائة مهر وعشرون صندوقاً على بغال عشرة فيهم ظرائف الصين وغرائبه ومسجد فضة برواقين يصلي فيه خمسة عشر إنساناً ومائة من مسك ومائة عود هندي وأربعة آلاف درهم.
وأهدت ملكة فرنجية إلى المكتفي بالله في سنة ثلاث وتسعين ومائتين خمسين سيفاً وخمسين رمحاً وخمسين فرساً وعشرين ثوباً منسوجاً بالذهب وعشرين خادماً صقلياً حسناً وعشرة كلاب كبار لا تطيقها السباع وست بازات وسبعة صقور ومضرب حرير يجمع ثلاثة وعشرين ثوباً معمولاً من صوف يكون في صدف يخرج من البحر يتلوّن بجميع الألوان كقوس قزح يتلون كل ساعة لوناً وثلاثة أطيار تكون في أرض إفرنجية إذا نظرت إلى الطعام المسموم صاحت صياحاً منكراً وصفقت بأجنحتها ليعلم ذلك من حالها وخرزا يحتذب النصول فتخرج من غير ألم وقدم الرسول بكتابها وهديتها وكان في فصل من كتابها وعرفت أن بينك وبين ملك قسطنطينية صلة وأنا أوسع منه سلطاناً وأكثر جنداً وأشد سطوة وملكي على أربعة وعشرين مملكة لسانها لا يشبه الآخر وفي مملكتي وطاعتي رومية الكبرى.
ومن ظرائف الهدايا ما أهدته شجرة الدر جارية المتوكل وكان يميل إليها ميلا كبيراً ويفضلها على سائر حظاياه فلما كان يوم المهرجان أهدى إليه حظاياه هدايا نفيسة واحتفلن في ذلك فجاءت شجرة الدر بعشرين غزالاً تربية عليهن عشرون سراجاً صينيا على كل غزال خرج صغير مشبك حرير فيه المسك والعنبر والغالية وأصناف الطيب ومع كل غزال وصيفة بمنطقة ذهب وفي يدها قضيب ذهب وفي رأسه جوهرة فقال المتوكل لحظاياه وقد سر بالهدية ما فيكن من تحسن مثل هذا وتقدر عليه فحسدنها وعملن على قتلها بشيء سقينه لها فماتت.
عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب أبو عبد الرحمن الأمير ولي المدينة للرشيد ثم ولي الشام والجزيرة للأمين وجه الرشيد فاكهة في أطباق خيزران وكتب إليه أسعد الله أمير المؤمنين وأسعد به دخلت إلى بستان أفادنيه كرمك وغمرته لي نعمك قد أينعت أشجاره وتهدّلت ثماره فوجهت إلى أمير المؤمنين من كل شيء على القدرة والإمكان في أطباق القضبان ليصل إلي من بركة دعائه مثل ما وصل إلي من بركة عطائه فقال رجل يا أمير المؤمنين لم أسمع بأطباق القضبان فقال يا أبله كنى عن أنشدني في المجدي فضل الله بن مكانس وقد أهدى له والده تحفاً جليلة:
تناهيت في بري إلى أن هديتني ... وقد كنت قبل اليوم في الغي ساريا
وأهديت لي ما حير الفكر حسنه ... فلا زلت في الحالين للعبد هاديا
следующие страницы →