← Тараджим

Тараджим · id 539

الأثر الثمين في نصرة عائشة - رضي الله عنها - أم المؤمنين

أحمد محمود الشوابكة

Полный текст (265 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قُلْتُ مَا هُنَّ؟ قَالَتْ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى الله الفِرْيَةَ، قَالَ: وَكُنْتُ مُتَّكِئًا فَجَلَسْتُ، فَقُلْتُ: يَا أُمَّ المؤْمِنِينَ، أَنْظِرِينِي وَلَا تَعْجَلِينِي، أَلَمْ يَقُلْ الله : ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾ [التّكوير]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النَّجم]؟ فَقَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ الله ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ المرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنْ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ. فَقَالَتْ: أَوَ لَمْ تَسْمَعْ أَنَّ الله يَقُولُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام] أَوَ لَمْ تَسْمَعْ أَنَّ الله يَقُولُ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾ [الشّورى]. قَالَتْ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَتَمَ شَيْئًا مِنْ كِتَابِ الله فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى الله الفِرْيَةَ، والله يَقُولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ (٦٧)﴾ [المائدة] قَالَتْ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُخْبِرُ بِمَا يَكُونُ فِي غَدٍ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى الله الفِرْيَةَ، والله يَقُولُ: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ (٦٥)﴾ [النّمل] " (١). ومن مقاييس توثيق السُّنَّة عندها عرض السُّنَّة على السُّنَّة، سأل مُحَمَّد بن المنْتَشِرِ عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ ﵄ عَنْ الرَّجُلِ يَتَطَيَّبُ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِماً، فَقَالَ ابْنُ عمر: " مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ (٢) طِيبًا، لَأَنْ أَطَّلِيَ بِقَطِرَانٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ

стр. 107

أَفْعَلَ ذَلِكَ" (١) فَدَخَل عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَأَخْبَرها عن قَوْلِ ابنِ عُمَرَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: "أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ الله ﷺ عِنْدَ إِحْرَامِهِ، ثُمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا " (٢). وفي رواية، قَالَتْ: "يَرْحَمُ الله أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ الله ﷺ فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِماً يَنْضَخُ طِيبًا " (٣). وفي استرحامها ودعائها لابن عمر دلالة على سَهْوه، وفيه إظهار لعذره، فلو استحضر فِعْلَ النَّبيِّ ﷺ ما قال ذلك. وحاصل كلامها ﵂ أنَّها كانت تطيِّب النَّبِيَّ ﷺ قبل الإحرام بالحجِّ، وكانت تطيِّبه لحلِّه قبل أن يفيض بأطْيَب طِيْب تيسَّر لها، روى مسلم عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: "كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَيَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ " (٤). ومن عرضها السُّنَّة على السُّنَّة استدراكها على أمَّهات المؤمنين، روى البخاري عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: " أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ الله ﷺ أَرَدْنَ أَنْ يَبْعَثْنَ عُثْمَانَ ﵁ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ يَسْأَلْنَهُ مِيرَاثَهُنَّ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَلَيْسَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ؟! " (٥). وفي الحديث دليل على فقه عائشة ﵂، وسعة حفظها، وبثّها للعلم، واطّلاعها على ما لم يطَّلع عليه غيرها

стр. 108

من أمَّهات المؤمنين ﵅. ومِنْ ذلك استدراكها على أخيها عبد الرّحمن، روى مسلم عَنْ سَالم مَوْلَى شَدَّادٍ قَالَ: " دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَدَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ﵄، فَتَوَضَّأَ عِنْدَهَا، فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، أَسْبِغْ الوُضُوءَ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ" (١). أرادت ﵂ أن تذكِّر أخاها عبد الرّحمن ﵁ بوجوب غسل الرِّجلين بكمالها، وأنَّ المسح لا يجزئ، ولعلَّ عبد الرّحمن ﵁ كان في عجلة من أمره، فقد كان خارجاً في جنازة الصَّحابيِّ الجليل سعد بن أبي وقَّاص، فلمسلم عن سالم مَوْلَى المهْرِيِّ، قَالَ: " خَرَجْتُ أَنَا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فِي جَنَازَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَمَرَرْنَا عَلَى بَابِ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، فَذَكَرَ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ " (٢). ومن المقاييس عرض الحديث على حديث عندها، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَائِشَةَ فَدَخَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالَتْ: "أَنْتَ الَّذِي تُحَدِّثُ أَنَّ امْرَأَةً عُذِّبَتْ فِي هِرَّةٍ لَهَا رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَسْقِهَا؟ فَقَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْهُ ـ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَتْ: هَلْ تَدْرِي مَا كَانَتِ المَرْأَةُ؟ إِنَّ الْمَرْأَةَ مَعَ مَا فَعَلَتْ، كَانَتْ كَافِرَةً، وَإِنَّ المُؤْمِنَ أَكْرَمُ عَلَى الله مِنْ أَنْ يُعَذِّبَهُ فِي هِرَّةٍ " (٣). ولعلّ عذر أبي هريرة ﵁ أنَّه لم يسمع مناسبة الحديث، فعلَّة دخولها النَّار

стр. 109

إلى جانب ما فعلته في الهرة كُفْرها، ولعلَّ ما يُؤَيِّدُ كَوْنَهَا كَافِرَةً مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ في مسنده (١)، والبيهقي في البعث والنّشور (٢)، وهو موافق لما رواه أحمد. وهذه المرأة هي الّتي رآها النَّبيُّ في النَّار، وهي من بني إسرائيل كما في صحيح مسلم أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قال: "وَعُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ، فَرَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ لَهَا، رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ" (٣). ومِنَ العلماء مَنْ يرى أنّه ليس في حديث النَّبيِّ ﷺ ما يقتضي كفرها، وأنَّها إنَّما عُذّبت بسبب إصرارها على حبس الهرّة وسجنها حتَّى ماتت، وأنّ الإصرار على الصّغائر وعدم المبالاة بها والمجاهرة بها يصيّرها كبائر، وأنّ عائشة ﵂ خولفت. فالمسألة لا تخلو من خلاف، والحاصل إذا كان هذا حال مَنْ عذَّب هرّة، فما حال مَنْ عذَّب العباد؟! ومن المقاييس عرضها السُّنَّة على وقائع التَّاريخ، فقد روى الشَّيخان عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الْأَسْوَدِ، قَالَ: "ذَكَرُوا عِنْدَ عَائِشَةَ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ وَصِيًّا، فَقَالَتْ: مَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ، وَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ إِلَى صَدْرِي أَوْ قَالَتْ حَجْرِي، فَدَعَا بِالطَّسْتِ، فَلَقَدْ انْخَنَثَ (مَالَ) فِي حَجْرِي، فَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ! " (٤).

стр. 110

وهذا يدلُّكَ على أنَّ هناك فئة حاقدة كانت تلفِّق الأحاديث على رسُولِ الله ﷺ منذ ذلك العهد؛ لِتُوقِع الفرقة والعداوة بين المسلمين، ولذلك قامت عائشة ﵂ كغيرها من أكابر الصَّحابة بجهود جمَّة في توثيق السُّنَّة. ومعلوم أنَّ عليّاً ﵁ نفسه كان يردُّ هذه الفرية، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: قِيلَ لَعَلِيٍّ: أَلَا تَسْتَخْلِفُ؟ قَالَ: "مَا اسْتَخْلَفَ رَسُولُ الله ﷺ فَأَسْتَخْلِفُ عَلَيْكُمْ، وَإِنْ يُرِدِ الله ﵎ بِالنَّاسِ خَيْراً، فَسَيَجْمَعُهُمْ عَلَى خَيْرِهِمْ كَمَا جَمَعَهُمْ بَعْدَ نبيِّهِم ﷺ على خَيْرِهِمْ" (١). قلت: وطالما أنَّ الله تعالى تكفَّل بحفظ القرآن، فالسُّنَّة محفوظة بالتَّبعيَّة، ومِن حفظ الله للسُّنَّة أن قيَّد الله تعالى لها رجالاً من أمثال أبي هريرة، وعبد الله بن عبّاس، وعبد الله بن مسعود، وغيرهم كثير ﵃، ونساءً مِنْ أمْثَال أمَّهات المؤمنين: عائشة، وأمّ سلمة، وسودة، وحفصة، وزينب، وجويرية، وأمّ حبيبة، وميمونة، وصفيَّة ﵅، وبنت النَّبيِّ ﷺ فاطمة الزَّهراء ﵂، وصحابيّات من أمثال: خنساء بنت خذام، ولبابة بنت الحارث، وأم هانئ بنت أبي طالب أخت عليّ، وأسماء بنت أبي بكر الصِّدِّيق، وأمّ قيس بنت محصن أخت عكاشة الّذي طلب من النَّبيِّ ﷺ أن يدعو الله أن يجعله من الَّذين يدخلون الجنَّة بغير حساب، وغيرهنَّ كثير ﵅.

стр. 111

القسم الرّابع حادثة الجمل الفتنة الأولى: مقتل عثمان ﵁ - كانت فتنة قتل الخليفة عثمان ﵁ أوَّل الفتن وأعظمها بعد أن كُسِرَ بَابُ الفتنة عمر ﵁، وكان عثمان في هذه الفتنة على الحقِّ والهدى، قَالَ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: "ذَكَرَ رَسُولُ ﷺ وَسَلَّمَ فِتْنَةً فَقَرَّبَهَا، وَعَظَّمَهَا، قَالَ: ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ مُتَقَنِّعٌ فِي مِلْحَفَةٍ، فَقَالَ: هَذَا يَوْمَئِذٍ عَلَى الْحَقِّ. فَانْطَلَقْتُ مُسْرِعًا، أَوْ قَالَ: مُحْضِراً، فَأَخَذْتُ بِضَبْعَيْهِ (بعَضُدَيْه)، فَقُلْتُ: هَذَا يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: هَذَا. فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ " (١). ولذلك قال النَّبيُّ ﷺ : " مَنْ نَجَا مِنْ ثَلَاثٍ فَقَدْ نَجَا ـ قَالَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ـ قَالُوا: مَاذَا يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: " مَوْتِي، وَمِنْ قَتْلِ خَلِيفَةٍ مُصْطَبِرٍ بِالْحَقِّ يُعْطِيهِ، وَالدَّجَّالِ" (٢). وقد قُتِلَ الخليفة عثمان ﵁ في هذه الفتنة مظلوماً كما أخبر النَّبيُّ ﷺ ، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: "ذَكَرَ رَسُولُ الله ﷺ فِتْنَةً، فَمَرَّ رَجُلٌ، فَقَالَ ﷺ : يُقْتَلُ فِيهَا هَذَا المُقَنَّعُ يَوْمَئِذٍ مَظْلُوماً. قَالَ: فَنَظَرْتُ، فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ " (٣). وقد نشأ عن هذه الفتنة فِتَن أخرى، منها فتنة الجمل، ووقعت دون قصد.

стр. 112

مسير عائشة ﵂ إلى البصرة وعذرها قال قوم: أَذْنبت عائشة ذنباً لا تنفعُ معه توبةٌ ولا إِنابة، ولا يُقْبَلُ معه عَدْلٌ ولا شفاعة، فقد خَرَجَتْ على إِمَامِ زمانها، وخلعت يد الطَّاعة، وفارقت الجماعة، واستحلَّت السَّيف تحت راية عمياء، في مَلأ مِنَ النَّاس، فيهم طلحة، والزَّبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وأنَّهم قبلوا البيعة لفظاً، ورفضوها معنىً. قلنا: كَمْ سَاقَ الحِمَامُ إلى القُبُور أُناساً ظلموا أنفسهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾ [محمَّد] فهؤلاء إنَّما سخطوا على مَنْ ﵃، وكرهوا رضوان الله تعالى! فما خرج أحد منهم ﵃ على عليّ ﵁، وما نَزَعَ يداً مِنْ طاعة، وما فارق الجماعة؛ فهم لا يجهلون وجوب الوفاء ببيعة خليفة المسلمين، ووجوب ملازمة الجماعة خاصَّة عند ظهور الفتن، وعدم جواز القتال تحت راية عُمِّيَّةٍ، فقد قال النَّبِيُّ ﷺ : " مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ، فَمَاتَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً. وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ، يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ. وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلَا يَتَحَاشَ مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فَلَيْسَ مِنِّى وَلَسْتُ مِنْهُ " (١). فهل نحن أعلم بهذا الحديث الشَّريف مِنْ أمِّ المؤمنين عائشة ﵂ وطلحة والزُّبير؟! أم خُصِصْنا بالعلم بِه، وعَزَبَ عنهم ولم يعرفوه؟! أم نحن أعلم منهم بقوله ﷺ : "وَمَنْ يُطِعْ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي، وَإِنَّمَا

стр. 113

الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ" (١). فهل نعلم نحن أنَّه لا يجوز القتال إلّا تحت راية الإمام، ولا يجوز أن نتقدَّم على رَأْيه، وإنَّما نكون تَبَعاً لتدبيره في النَّوازل وغيرها، ويجهل ذلك المقطوع لهم بالخيريَّة؟! لكنَّها ﵂ لمَّا قُتِلَ عثمان ﵁ في داره (٢)،وهو يقرأ كلام الله في المصحف الَّذي جمع النَّاس عليه، وفاض دَمُه على قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)﴾ [البقرة] شقَّ عليها ذلك كما شقَّ على المسلمين. ولم يتوقّف الأمر عند ذلك، وإنَّما نشأ عن هذه القاصمة قواصم أخرى، فالَّذين استباحوا حرمة المدينة المنوَّرة مِن المنافقين والغوغاء وتجرَّؤوا على الخليفة عثمان ﵁ وقتلوه، تفرَّق بعضهم في الأمصار، فسارع إليهم كثيرٌ ممَّن يتعصَّب لهم من قبائلهم، وممَّن يهبُّ مع كلِّ ريح، وممَّن يضمر الشَّرَّ للإسلام، فانتقضت واضطربت البلاد، وهاج الشَّرُّ بين النَّاس. ولم يكن من السَّهل على الخليفة عليٍّ ﵁ يومها أَنْ يتبيَّنَ هؤلاء البغاة، أو يقتصَّ منهم. وتنازع النَّاس الأمر، فصاروا بين: مُسْرع، ومُبْطِئ، ومعتزل، ومصلح. فمنهم من رأى الإسراع في قتل قتلة عثمان ﵁، ومنهم من رأى التَّريُّث حتَّى تنجلي عن وجه الحقِّ، ومنهم مَنْ اعتزل الفتنة، ومنهم مَنْ سعى للإصلاح

стр. 114

وإخماد جمر الفتنة. فمَوَاقِف أَهْلِ الأمصار تباينت من مقتل الخليفة عثمان إلى أربعة مواقف: أوَّلها: كان مِنْ أهل الأمصار مَنْ غَضِبَ لعثمان ﵁ في حرمة الدَّم والشَّهر والبلد والدّار، فرأوا أنَّ التَّعجيلَ في تعقُّب قتلته والإسراعِ في محاسبتهم أَمْرٌ واجِبٌ قبل أن يستَطِيرَ شرُّ هؤلاء البغاة المنافقين، ويصيب عليّاً ﵁ ما أصاب عثمان ﵁، ويَنْفَتِق في الإسلام فَتْقٌ لا رَتْقَ له، وهم أهْلُ الشَّام وعلى رأْسِهم معاوية ﵁، وشَطْر من أهل البصرة، ومثلهم من أَهْلِ مِصْرَ. ثانيها: منهم مَنْ رأى ضَرُورَةَ تَأْجِيلِ ملاحقة قتلة عثمان ﵁ وإقامة الحدود عليهم حتَّى يتوطَّد الحكمُ للخليفة عليٍّ ﵁، وتصير له شَوكَةٌ، ويخضع البلاد الَّتي انتقضت بعد استشهاد عثمان ﵁، وهم كثير من أهل الأمصار خاصَّة أهل الكوفة، فقد كانوا مع عليٍّ ﵁ في ذلك. ثالثها: منهم من اعتزل الفتنة، وآثر أن يدخل بيته حتَّى تنجلي هذه الغمَّة والظّلمة ويَبْزُغ قَمَرُها، تمسُّكاً بالأحاديث الَّتي تأمر بالكَفِّ عن القتال بين المسلمين، وما فيها مِنْ وعيد على مَنْ حمل السِّلاح على المسلم، وهم كُثُر، منهم: سعد بن أبي وقَّاص، وعبد الله بن عمر، والمغيرة بن شعبة، ومحمَّد بن مسلمة، وأسامة بن زيد، وأبو هريرة، وسعيد بن العاص بن سعيد بن العاص، وأبو موسى الأشعريّ، وأبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاريّ، وصُهَيْب بن سِنَان الرُّوميّ، وعِمْرَان بن حُصَيْن بن عُبَيْد، وسَلَمَة بن الأَكْوَع، وأَبُو بَكْرَة نُفَيْع بن الْحَارِث، وجَرِير بن عَبْد الله الْبَجَلِيّ، وغيرهم كثير ﵃.

стр. 115

رابعها: منهم مَنْ سعى للإصلاح وجمع الكلمة، بعد أن تَشَظَّى القَوم، وكشفت الفتنة قناعها، ويمثِّلهم أمُّ المؤمنين عائشة ﵂، وَمَحْرَمُهَا ابن أختها عبدالله ﵁ واثنان مِنَ المشهود لهم بالجنَّة، وهما: طلحة، والزّبير ﵄. فلمَّا قُتِلَ عثمان ﵁، وبويع عليٌّ ﵁ بالخلافة، سار طلحة والزُّبير ﵄ لمكَّة، فوجدا أمَّ المؤمنين عائشة ﵂، وقد حجَّت، فاستقرَّ رأيهم على الذَّهاب إلى البصرة، للإصلاح ووأد الفتنة (١) الّتي نشأت عن قتل عثمان ﵁ قبل أن تصير ناراً تلظَّى وأواراً تشظَّى. واختاروا البصرة لأنَّ شطراً مِنْ أهلها كان يرى ضرورة التَّعجيل في قَتْلِ قَتَلَة عثمان خلافاً لما كان يراه عليٌّ ﵁. فخرجوا لإصلاح ذات البين، وكانوا يرجون الاستحياءَ من أمِّ المؤمنين إذا رآها النَّاسُ، ولم يخرجوا لِدُنيا يصيبونها كما احتجَّ به الزَّاعمون، فهم أَتْقى لله تعالى مِن أنْ يخرجوا في سَفَرٍ لا يرضاه اللهُ تعالى، وما علَّقوا به همَّتهم من الرَّغبة في الآخرة المقبلة أجلُّ وأَعْظَمُ من جَمْعِ حطام ومَتَاعِ الدُّنيا المدبرة، كيف وهم يقرأون قول الله تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)﴾ [الشُّورى]. فقد تأوَّلت عائشة ﵂ أنَّها أمُّ المؤمنين، وحيث قصدت نزلت في أهلها وولدها، وأنَّ لها في القُلوبِ مكانةً تُصْلِحُ بها بين النَّاسِ، فهي أمُّهم بكتاب الله تعالى ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ (٦)﴾ [الأحزاب]، أخرج عبد الرَّزاق في المصنّف

стр. 116

بسند منقطع قَوْلَ عائشة ﵂: " إنّما أريدُ أَنْ يَحْجِزَ بين النَّاسِ مكاني، قالت: ولم أحسبْ أَنْ يكونَ بين النَّاسِ قِتَال، ولو عَلِمْتُ ذلك لم أقِفْ ذلك الموقف أبداً " (١). فقد كانت تعتقد أن مكانتها تكون حاجزاً بين النَّاس من الاختلاف، فهي أحقُّ بأن يُسْتَحْيا منها، فلها عليهم ما لأمَّهاتهم مِن حقّ، فعذرها ﵂ أنَّها تُرِيدُ الإصلاحَ ابتغاء مرضاة الله تعالى، وكانت متأوِّلةً لقوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النِّساء]. وأمّ المؤمنين عائشة ﵂ كانت أهلاً للاجتهاد، فهي أَفْقَه النِّساء الصَّحابيَّات قاطبة، ولا يختلف في علمها اثنان ولا يجحده إلّا ذو شنآن، يرى الشَّمس ساطعة فَيَعْشَى منها ناظره. ولم يَشَأ اللهُ تعالى أَنْ يَقَعَ صُلْحٌ، فكان ما كان، ورجعت إلى المدينة ﵂ نَادِمةً، فهي مأجورة فيما تأوَّلت؛ فكلُّ مجتهدٍ في الأحكام أهلٌ للاجتهاد مُصِيْبٌ الأجر. وإذا كان خروجها صواباً كان صواباً مأجوراً، وإذا كان خطأ كان خطأ مغفوراً؛ لأنّ الخطأ في اجتهاد الكفء معفوٌّ عنه، بل له أجر. ثمّ إنَّها ندمت وآبت وانتهت، وقد قال ﷻ : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ (٣٨)﴾ [الأنفال] فإذا كان هذا للكفَّار أفلا يكون لأمِّ المؤمنين ﵂ أمّ الأبرار؟!

стр. 117

مغفرة الله تعالى ذنوب عائشة ﵂ ما تقدّم منها وما تأخَّر عَظَّمَ اللهُ تعالى شَأْنَ المؤمنين التَّائبين المتَّبعين لِسَبِيله، فأَقَامَ لهم ملائكته وحملةَ عرشِه يدعون لهم ويستغفرون، ويسألون اللهَ لهم أن يَقِيهم السَّيِّئات، قال : ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾ [غافر]. فإذا كان هذا للمؤمنين، أفلا يكون لأمّ المؤمنين ﵂ والصَّحابة الأوَّلين ﵃، الَّذين لا يعدل بهم أحد ممَّن جاء مِن بعدهم، ولا يقاس بهم؟! فلا تسمع لمن قال: إنَّ عائشة ﵂ أذنبت ذنباً لا تنفع معه توبة، فلا نَعْلَمُ ذنباً تقصر عن محوه التَّوبة، فالتَّوبة تأتي على كلِّ ذنبٍ يقع مِنَ المؤمن إذا تاب وأناب إلى ربه وأسلم له، فقد فتح الله تعالى باب الرَّجاء، فقال ﷻ : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزّمر] (١). فالله تعالى لا يتعاظَمه ذنْب مِنْ أن يغْفِرَه، وقد وعد الله تعالى بالقبول، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ (٢٥)﴾ [الشّورى]،

стр. 118

وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾ [التّوبة]. وقد دعا لها النَّبيُّ ﷺ ذات يوم بالمغفرة، تقول ﵂: "لمَّا رَأَيْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ طِيبَ نفسٍ، قُلْتُ: يا رسُولَ الله، ادعُ الله لِي! فقال: اللَّهُمَّ اغفر لعَائِشَةَ ما تَقدَّمَ مِنْ ذَنْبِها ومَا تأخَّر، وما أسرَّت وما أعلنت، فضحكت عائِشةُ حتى سَقَطَ رأسُها في حِجْرِها مِن الضَّحك، فقال رسُولُ الله ﷺ : أيسرُّك دعائي؟ فقالت: ومَالي لا يسرُّني دعاؤك، فَقَالَ: والله إنَّها لَدَعْوتِي لأمَّتي في كُلِّ صَلَاةٍ" (١). عائشة ﵂ وإصلاح ذات البين لِمَا لِصَلاح ذات البين أو فساده مِن أثر في حياة النَّاس، خرجت أمُّ المؤمنين ﵂ مصلحة، لسدِّ باب الفتنة الَّذي يدخل منه المتربِّصون بهم، فمقصدها أعظم مقصد، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ (١)﴾ [الأنفال]. فكانت ﵂ تسعى في تقوى الله تعالى وإصلاح ذات البين؛ لعلَّ مفاتيح الخير تكون على يديها، فقد قال ﷺ : "إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وَإِنَّ مِن النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ الله مَفَاتِيحَ الخَيْرِ عَلَى

стр. 119

يَدَيْهِ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ اللهُ مَفَاتِيحَ الشَّرِّ عَلَى يَدَيْهِ" (١). فغايتها عظيمة، ونيَّتها سليمة، ومساعيها كريمة، لكن كان بين الحيَّين من هم مفاتيح للشَّرِّ مغاليق للخير، فكلّ نفس تميل إلى ما يناسبها ويشاكلها: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨٤)﴾ [الإسراء]. وإصلاح ذات البين من أصول جماع الدِّين، وهو أفضل عند الله تعالى من درجة الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: إِصْلَاحُ ذَاتِ البَيْنِ، وَفَسَادُ ذَاتِ البَيْنِ هِيَ الحَالِقَةُ" (٢). وتذهب النَّفسُ حَسْرَة حين تعلم أنَّه مازال هناك مَنْ يتَّهم المصلح، ويبرِّئ المفسد: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ (٢٢٠)﴾ [البقرة]. الأمر بالإصلاح في القرآن الكريم اعلم أنَّ أمّ المؤمنين ﵂ خرجت مصلحة بين النَّاس لأنَّها تعلم أنَّ الله تعالى أمر بالإصلاح ورغَّب فيه وندب إليه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ (١٠)﴾ [الحجرات]، وقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ (١١٤)﴾ [النّساء]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ (١)﴾ [الأنفال]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ

стр. 120

جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ (١٨٢)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ (٢٢٤)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا (٣٥)﴾ [النّساء]، وقال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ (١٢٨)﴾ [النّساء]. شهادة عمَّار ﵁ لعائشة ﵂ - لمَّا سَارتْ أمُّ المؤمنين إلى البصرة، قام عمَّار بن ياسر ﵄ الطَّيِّبُ المطيَّبُ، الَّذي مُلئ إيماناً إلى مُشَاشِه، صادق اللَّهجة، قام خطيباً على مِنْبَرِ الكوفة، وشَهِدَ لأمِّ المؤمنين ﵂ أنَّها زوجة النَّبيِّ في الدَّارين، مع أنَّه كان على رأي عليٍّ ﵁. أخرج البخاريّ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ أنّ عَمَّاراً قَامَ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ، فَذَكَرَ عَائِشَةَ، وَذَكَرَ مَسِيرَهَا، وَقَالَ: "إِنَّهَا زَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلَكِنَّهَا مِمَّا ابْتُلِيتُمْ " (١). ومراد عمَّار ﵁ أنَّ عائشة ﵂ سارت مسيرها هذا بقدر الله تعالى، وفيه ابتلاء، وأنَّها إنَّما خرجت متأوِّلة، ولم تبدِّل حُكْماً، ولم تخالف شرعاً، ولم تخرج بذلك عن الإسلام، ولا يمنعها ذلك أن تكون زوجة النَّبِيِّ ﷺ في الآخرة، ومع هذا فإنَّ الحقَّ مع عليٍّ ﵁. وشهادة عمَّار لأمِّ المؤمنين بالفضل، وأنَّها زوجة النَّبيِّ ﷺ في الجنَّة تَشْهَدُ له بالإنصاف والورع وتحرِّيه الحقّ قولاً وعملاً، وما كان ليشهد لها لولا علمه بذلك.

стр. 121

الدّليل على أن خروج عائشة ﵂ ومن معها كان للإصلاح كان النَّبيُّ ﷺ قد أخبر عائشة ﵂ عن هذا المسير، فلمَّا تذكَّرت ذلك همَّت بالرّجوع إلَّا أنَّ مَنْ مَعَها ثَنَاها عن عَزْمها؛ لما يرجون في خروجها ومِنْ رؤية النَّاس لها من خير وإصلاح بين النَّاس، روى أحمد بسند صحيح عن قيس، قَال: "لمَّا أَقْبَلَتْ عَائِشَةُ بَلَغَتْ مِيَاهَ بَنِي عَامِرٍ لَيْلاً نَبَحَتِ الكِلَابُ، قَالَتْ: أَيُّ مَاءٍ هَذَا؟ قَالُوا: مَاءُ الْحَوْأَبِ، قَالَتْ: مَا أَظُنُّنِي إِلَّا أَنِّي رَاجِعَةٌ، فَقَالَ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَهَا: بَلْ تَقْدمِينَ فَيَرَاكِ المُسْلِمُونَ، فَيُصْلِحُ اللهُ ذَاتَ بَيْنِهِمْ، قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ لَنَا ذَاتَ يَوْمٍ: "كَيْفَ بِإِحْدَاكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ (١)؟ " (٢).

стр. 122

وعائشة ﵂ لمَّا تذكَّرت الحديث لم تَكْتُمْهُ، وإنَّما ذكرته لهم، لكنَّهم لم يفهموا أنَّ في الحديث نهياً عن الخروج أو أمراً بالقعود، فليس في حديث النَّبيِّ ﷺ ما يدلّ على الأمر بالقعود، أو بامتناع الخروج عليها، وإنَّما هو إخبار بالغيب وتنْبِيه لِقَدَرِ الله تعالى، وأنَّ أمر الله واقع لا محالة؛ فلا تثريب عليهم. وما مِنْ شكٍّ أنَّ عائشة ﵂ لها فَضْلُ الدَّعوة للإصلاح، والسَّبق إلى الخير. وفي الحديث دليلٌ قاطع على أنَّ مَنْ خرج معها لم يخرج للقتال، وإنَّما خرج للإصلاح وعلى رأسهم الزُّبير بن العوّام ﵁ حواريّ رسول الله ﷺ ، روى أحمد بسند صحيح عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، أَنَّ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لمَّا أَتَتْ عَلَى الحَوْأَبِ سَمِعَتْ نُبَاحَ الكِلَابِ، فَقَالَتْ: " مَا أَظُنُّنِي إِلَّا رَاجِعَةٌ، إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَ لَنَا: " أَيَّتُكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ؟ فَقَالَ لَهَا الزُّبَيْرُ: تَرْجِعِينَ عَسَى الله أَنْيُصْلِحَ بِكِ بَيْنَ النَّاسِ" (١). ولم يسلم الزّبير ﵁ إلى يومنا مِنَ الطَّعن والتَّجريح، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنَّة، وأحد السِّتَّة مِن أصحاب الشّورى، وأوَّل مَنْ سَلَّ سيفه في سبيل الله تعالى، شهد بدراً والمشاهد كلَّها مع رسول الله ﷺ ، فكيف نطعن فيمن تشفع له سوابقه، وقد تقدَّم قولُ النَّبيِّ ﷺ : " إِنَّهُ شَهِدَ بَدْراً وَمَا يُدْرِيكَ؟ لَعَلَّ الله اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ" (٢). كما لم يسلم ابنه عبد الله بن الزّبير بن خويلد الّذي كان معه يومها، وهو

стр. 123

أشهر مِنْ أن يُعَرَّف: أَبُوْهُ الزُّبَيْرُ، وَأُمُّهُ أَسْمَاءُ، وَجَدُّهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعَمَّتُهُ خَدِيْجَةُ، وَخَالَتُهُ عَائِشَةُ، وَجَدَّتُهُ صَفِيَّةُ. الرَّدُّ على من احتجَّ على خروج عائشة ﵂ بقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ زَعَمَ بعض مَنْ ينقص أمَّ المؤمنين عائشة ﵂ في خروجها إلى البصرة للإصلاح في حادثة الجمل، أنَّ قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ (٣٣)﴾ [الأحزاب] يقتضي تحريم السَّفر على نساء النَّبيِّ ﷺ ، وأنَّ قوله ﷺ لنسائه عام حَجَّة الوَدَاع: " إِنَّمَا هِيَ هَذِهِ الْحَجَّةُ، ثُمَّ الزَمْنَ ظُهُورَ الْحُصْرِ" (١) يقتضي تحريم الخروج عليهنَّ للحجِّ بعده ﷺ ، فكيف بالخروج إلى القتال! وزعم بعضهم أنَّ التَّحريم ظاهر، بدليل أنَّ أمَّهات المؤمنين امتنعن من الخروج إلَّا عائشة. قلنا: لا يفهم من الآية أو الحديث النَّهي عن الخروج مطلقاً، فالمرأة في الإسلام خرجت إلى الحجّ والمسجد والجهاد والعمل والمراد من الحديث أنَّ الحجَّ لا يجب عليهنَّ مرَّة أخرى بعد حجَّة الوداع، فالحجُّ الواجب مرَّة في العمر. أمَّا زعمهم أنَّ أمَّهات المؤمنين امتنعن من الحجِّ إلَّا عائشة ﵂، فلم يمتنع إلَّا سودة وزينب ﵄، فقد حَمَلْنَ الحديث على كراهة التَّنفُّل بالحجِّ من النِّساء، روى أحمد عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ لِنِسَائِهِ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ: " هَذِهِ ثُمَّ ظُهُورَ الْحُصْرِ، قَالَ: فَكُنَّ كُلُّهُنَّ يَحْجُجْنَ إِلَّا زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ وَسَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ، وَكَانَتَا تَقُولَانِ: والله لَا تُحَرِّكُنَا دَابَّةٌ بَعْدَ أَنْ سَمِعْنَا ذَلِكَ

стр. 124

مِن النَّبِيِّ ﷺ " (١). وذكر الحافظ في الفتح أنَّ أمَّ سلمة امتنعت، وكانت تقول: " لَا يُحَرِّكنِي ظَهْر بَعِير حَتَّى أَلْقَى النَّبِيَّ ﷺ " (٢). والعذر عند أمِّ المؤمنين عائشة ﵂ أنَّها تأوَّلت الحديث كما تأوَّله غيرها مِنْ أمَّهات المؤمنين ﵅ على أنَّ المراد منه أنَّه ليس عليهنَّ حجٌّ واجبٌ بعد تلك الحجَّة، وليس المراد أنَّ الخروج ممتنع عليهنَّ بالكليَّة. والوجه في عدم إنكار الخلفاء على أمَّهات المؤمنين ﵅ في الخروج إلى الحجِّ بعد أمر النَّبيِّ ﷺ لهنَّ بلزوم ظهور الحصر، أنَّهم أعلم بأحكام الله تعالى، وأتقى لله مِنْ أَنْ يخالفوا أمر رسول الله ﷺ ، فلا يفهم من الحديث أنَّ الأمر بترك الخروج للوجوب، ثمَّ إنَّ عائشة ﵂ سألت النَّبيَّ ﷺ : وقالت: "يَا رَسُولَ الله، أَلَا نَغْزُو وَنُجَاهِدُ مَعَكُمْ؟ فَقَالَ: لَكِنَّ أَحْسَنَ الْجِهَادِ وَأَجْمَلَهُ الْحَجُّ حَجٌّ مَبْرُورٌ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَا أَدَعُ الْحَجَّ بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ الله ﷺ " (٣). عليّ ﵁ يستنفر أهل الكوفة ليعيد عائشة ﵂ إلى مأمنها لم تصحّ الرِّوايات في أنّ عليّاً وعمّاراً ﵄ حَضَّا أهل الكوفة إلى الخروج لقتال أمّ المؤمنين عائشة ﵂، وأنّه خرج إلى البصرة لملاقاتها، وما صَحَّ ما أخرجه البخاري عن عبد الله بن زياد الأسَدِيّ، قال: "لمَّا سَارَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَائِشَةُ إِلى

стр. 125

البَصْرَةِ، بَعَثَ عَلِيٌّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، فَقَدِمَا عَلَيْنَا الكُوفَةَ، فَصَعِدَا المِنْبَرَ، فَكَانَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ فَوْقَ المِنْبَرِ فِي أَعْلَاهُ، وَقَامَ عَمَّارٌ أَسْفَلَ مِنَ الحَسَنِ، فَاجْتَمَعْنَا إِلَيْهِ، فَسَمِعْتُ عَمَّاراً، يَقُولُ: "إِنَّ عَائِشَةَ قَدْ سَارَتْ إِلَى البَصْرَةِ، وَوَالله إِنَّهَا لَزَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلَكِنَّ الله ﵎ ابْتَلَاكُمْ، لِيَعْلَمَ إِيَّاهُ تُطِيعُونَ أَمْ هِيَ " (١). وكانت خطبته هذه قبل حادثة الجمل ليكفَّهم عن الخروج معها ﵂، والضَّمير في قوله: (إِيَّاهُ) لله تعالى، فهو القائل في محكم التَّنزيل: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ (٣٣)﴾ [الأحزاب]، ويحتمل أنَّه للخليفة عليٍّ فهو الأولى بالطَّاعة، والأوَّل أظهر، وليس في الحديث دعوة للخروج مع عليّ ﵁ لمقاتلة أحد. أمّا مَنْ يتعلّل بما رواه البخاري عن عمرو أنّه سمع أبا وائل يقول: " دَخَلَ أَبُو مُوسَى وَأَبُو مَسْعُودٍ عَلَى عَمَّارٍ، حَيْثُ بَعَثَهُ عَلِيٌّ إِلَى أَهْلِ الكُوفَةِ يَسْتَنْفِرُهُمْ " (٢). ويظنّ أنّ علياً ﵁ يستنفر أهل الكوفة لقتال عائشة ﵂ فهذا لا يَصِحُّ البتَّة؛ فهو يعرف أنّ خروج عائشة ﵂ مِنْ أصله كان قدراً مقدوراً، فقد حذَّرها النَّبيُّ ﷺ في حياته من الخروج، وسمع عليّ ﵁ هذا التّحذير، وسمع طلب النَّبيِّ ﷺ منه أن يرفق بها، أخرج الحاكم بإسناد صحيح من رواية أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ هِنْد زوج النَّبيِّ ﷺ ، قَالَتْ: ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ خُرُوجَ بَعْضِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، فَضَحِكَت عَائِشَةُ، فَقَالَ

стр. 126

"انْظُرِي يَا حُمَيْرَاءُ، أَنْ لَا تَكُونِي أَنْتِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَ: إِنْ وُلِّيتَ مِنْ أَمْرِهَا شَيْئًا فَارْفُقْ بِهَا " (١). فحاشا لعليٍّ ﵁ أن يحرِّضَ على قتال أُمِّه، وقد أمره النَّبيُّ ﷺ بالرّفق بها؟! وحاشاه أن يعصي أمر رسول الله ﷺ وينْبذ وصيَّته وراء ظهره، وإنّما استنفر عليّ ﵁ أهل الكوفة لأنّه خَشِيَ على عائشة ﵂، فخرج ومَنْ معه إلى البصرة ليجتمع بعائشة ﵂ ويعيدها إلى مأمنها. أخرج أحمد بإسناد حسن عن أبي رافع أنّ رسول الله ﷺ ، قال لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: " إِنَّهُ سَيَكُونُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَائِشَةَ أَمْرٌ، قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَنَا أَشْقَاهُمْ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فَارْدُدْهَا إِلَى مَأْمَنِهَا" (٢). فالله تعالى أطلع نبيّه ﷺ على ما يقع بين عليّ وعائشة، فالنَّبيُّ ﷺ كان يعلم أنّ أمراً سيقع بينهما، وليس معركة كما يصّورون ويهوِّلون! ولم ينهَ النَّبيُّ ﷺ عليّاً ولا عائشة؛ لأنّه يعلم أنَّ هذا الأمْرَ واقع بأمر الله ليظهر عذرهما، وإنّما نبَّههما وأوصى عليّاً بها، فالله تعالى إذا أراد شيئا هيّأ الأسباب له.

стр. 127

المنافقون يوقعون الفتنة بين الحيّين خرج عليّ ﵁ إلى البصرة في النِّصف من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين لملاقاة أمِّ المؤمنين ومَنْ معها، فلمّا اجتمعوا اجتمعت كلمتهم؛ فخشي المنافقون وأعوانُهم الَّذين نُسِبَ إليهم قتل الخليفة عثمان ﵁ مِن اجتماعهم على قتالهم، فاندسُّوا بين هؤلاء وهؤلاء فوضعوا فيهم السِّلاح، وأنْشَبوا السِّهام، وبذلوا فيهم السُّيوف، فنشب القتال على غير نيَّة، وأخذت كلُّ طائفة تدفع عن نفسها، وهي تظنّ أنَّ الأخرى بدأتها القتال، فكلتا الطَّائفتين محقَّة في غايتها، سليمة في نيَّتها، مدافعة عن نفسها. عائشة ﵂ تنهى عن القتال يوم الجمل ما جرى في حادثة الجمل أَمْرُ نهارٍ قُضِيَ ليلاً، ولم يكن لأمِّ المؤمنين عائشة ﵂ ولا لأمير المؤمنين عليٍّ ﵁ يدٌ في ذلك، فقد كان كلّ منهما يَنْهَى عن القتال، روى البخاري عن أبي حميلة، قال: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ لِعَائِشَةَ ﵂: " يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْجَمَلِ، فَقَالَتْ: كُنْ كَخَيْرِ ابني آدم " (١). أي كُنْ المقتُول ولا تكُن القاتِل، وهذا يدلُّكَ على أنَّ عائشةَ ﵂ كانت تَنْهَى عن القتال ولا تَأْمر به. كذلك الخليفة عليّ ﵁ كان يتجنَّب القتال حتَّى لا يُصِيبَ دماً حراماً، ففي "المطالب العالية " بسند صحيح عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ، قَالَ: " جِئْتُ إِلَى الْحَسَنِ ﵁، فَقُلْتُ: اعْذُرْنِي عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَيْثُ لَمْ أَحْضُرِ الْوَقْعَةَ، فَقَالَ الْحَسَنُ ﵁: مَا تَصْنَعُ

стр. 128

بِهَذَا، لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَلُوذُ بِي، وَهُوَ يَقُولُ: يَا حَسَنُ، لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا بِعِشْرِينَ سَنَةً " (١). قتلى الجمل وزمن القتال وقد أورد خليفة بياناً بأسماء من حُفِظ مِنْ قتلى الجمل فكانوا قرابة المائة (٢) وهذا يؤكّد قِلَّةَ عدد القتلى، وهذا ليس غريباً فلم يكن أحد من الفريقين يهاجم الآخر، وإنّما كان يدفع عن نفسه، والمشْهُورُ أنَّ الصَّحابة كانوا يتجنَّبون القتال وينهونَ عنه. وممّا يدلك على قلَّة عدد قتلى الجمل قِصَرُ زمن القتال يومها، فقد نشب القتالُ بعد الظُّهر وانتهى مع غروب الشَّمس، أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، قال: " فَكَفَّ عَنْ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَأَصْحَابِهِمَا، وَدَعَاهُمْ حَتَّى بَدَؤوهُ فَقَاتَلَهُمْ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، فَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَحَوْلَ الْجَمَلِ عَيْنٌ تَطْرِفُ مِمَّنْ كَانَ يَذُبُّ عَنْهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَا تُتِمُّوا جَرِيحًا وَلَا تَقْتُلُوا مُدْبِراً، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ وَأَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ ; فَلَمْ يَكُنْ قِتَالُهُمْ إِلَّا تِلْكَ الْعَشِيَّةَ وَحْدَهَا" (٣). ما قاله عمار ﵁ لعائشة ﵂ حين فرغ من الجمل أخرج الطَّبريُّ بسند صحيح عن أَبِي يَزِيدَ المَدِينِيِّ يقول: قَال عمَّار بن ياسر

стр. 129

- ﵄ لعائشة ﵂ حين فَرَغَ القَومُ:"يا أمَّ المؤمنين، ما أبْعَدَ هذا المسير مِنَ العَهْدِ الَّذي عُهِدَ إليك! قالت: أَبُو اليَقْظَان؟ قَال: نعم، قالت: والله إنَّكَ مَا عَلِمْتُ قوَّالٌ بالحقِّ، قال: الحمْدُ لله الَّذي قَضَى لي على لِسَانِكِ" (١). مسير عائشة ﵂ كان قدراً أخرج ابن أبي شيبة في مصنّفه بإسناد حسن عنْ عُبَيْدَةَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ مَسِيرِهَا، فَقَالَتْ: " كَانَ قَدَرًا " (٢). فإذا علمت ذلك تبيّن لك عُذْرَ عائشة ﵂ في خروجها، فقد كان قدراً مِنَ الله تعالى، وقدر الله تعالى كائن لا محالة، والاعتراض عليه حرام. وقد لهج قوم بالاعتراض على خروج عائشة ﵂ قروناً مِن الزَّمن، وفي ذلك قدْح في الحِكْمَة؛ لأنَّه اعتراض على قدر الله، وأوَّل مَن اعترض على حكمة الله تعالى إبليس حين قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [الأعراف]. وقد أخبر النَّبيُّ ﷺ عن مضاء خروجها مضاء القدر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ لِنِسَائِهِ: " لَيْتَ شِعْرِي، أَيَّتُكُنَّ صَاحِبَةُ الْجَمَلِ الْأَدْبَبِ (٣)، تَخْرُجُ فَيَنْبَحُهَا كِلَابُ حَوْأَبٍ، يُقْتَلُ عَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ يَسَارِهَا قَتْلَى كَثِيرٌ، ثُمَّ تَنْجُو

стр. 130

بَعْدَمَا كَادَتْ" (١). وربّ محتجّ علينا يقول: تتحدّثون عن قلَّة قتلى الجمل، وقد ثبت أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قال: "يُقْتَلُ عَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ يَسَارِهَا قَتْلَى كَثِيرٌ! " قلنا: ولكن ليس بهذه الكثرة المبالغ بها في الرِّوايات التّاريخيّة، فهذا اليعقوبي مثلاً يروي دون سند ويقول: " كانت الحرب أربع ساعات من النَّهار، فروى بعضهم أنّه قُتِلَ في ذلك اليوم نيف وثلاثون ألفاً" (٢) ولا غرو أنَّ المبالغة من علامات الوضع الّتي تُعرف بها الرّوايات الباطلة، ومن تعقَّب الرِّوايات الَّتي تتحدَّث عن قتلى الجمل بالدّراسة والتَّحقيق علم أنّه لا يصحُّ شيء مِنها. الخطأ في الاجتهاد لا يبيح الطعن في صاحبه ومَا زال هناك مَنْ يَطْعَنُ في اجتهاد أمِّ المؤمنين عائشة ﵂ وخروجها للإصلاح، ويجمع أقوال أعلام مِنْ علماء المسلمين يَرَوْنَ أنَّها أخطأت في اجتهادها؛ ليبيح الطَّعن بها. قلنا: هَبْ أنَّ عائشة ﵂ أخطأتْ في اجتهادِها، فهل الخطأ في الاجتهادِ يُبِيْحُ الطَّعْنَ بها؟! الجواب: لا قطعاً؛ فقد عفا الله تعالى عن المخطئ في اجتهاد، قال ﷻ : ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ [الأنفال].

стр. 131

وفي هذه الآية أقوال منها: أي لولا حُكْمٌ مِنَ الله مَضَى وانْقَضَى وسبق إثباته في اللَّوح المحفوظ، بأنْ لا يُعَذِبَ مخطئاً في اجتهاد، لأصابكم فيما أخذتم عذابٌ عظيم. وقد أخبر الله تعالى ـ في خواتيم سورة البقرة ـ أنَّه قد تجاوز عن النِّسيان، وعن الخطأ، ومنه الخطأ في الاجتهاد، فقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا (٢٨٦)﴾ [البقرة] وقد أخبر النَّبيُّ ﷺ أنَّ الله تعالى، قال: " قد فعلت". فقد روى مسلم مِن حديث ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " لمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ (٢٨٤)﴾ [البقرة]. قَالَ: دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شيءٌ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ مِنْ شيء، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا. قَالَ: فَأَلْقَى الله الإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة] قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة] قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا (٢٨٦)﴾ [البقرة] قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ" (١). وهذا الدُّعاء الَّذي علَّم اللهُ به النَّبيَّ ﷺ وأصحابه دُعَاءَه، فيه ثناءٌ على

стр. 132

الصَّحابة، فهو يظهر حسن السَّمع والطَّاعة. وقد جعله الله تعالى في كتابه لبيان ما كان عليه أصحاب النَّبيِّ ﷺ مِنَ المسارعة إلى الانقياد والخضوع لله تعالى والتَّسليم للرَّسولِ ﷺ ، وليكون دُعَاءَ مَنْ يأتي بعدهم مِنَ التَّابعين. وانظر كيف أثنى الله تعالى على سيِّدنا سليمان ﵇ وحمده بصوابه، وعذر سيِّدنا داود ﵇ وعفا عنه باجتهاده، فقال: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا (٧٩)﴾ [الأنبياء]. وإنَّما قال: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ حتَّى لا يتوهَّم متوهِّمٌ أنَّ الله تعالى قد آخَذَ داود ﵇ باجتهاده، ولذلك مدحهما وأثنى عليهما معاً، وساوى بينهما بالحُكْم والعِلْم، ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [الجاثية]. فالخطأ فيما فيه اجتِهاد سَائِغ ليس مسوِّغاً للطَّعن في صاحبه، ولا لإطلاق الألسن في جانبه. لكن مِنَ النَّاس مهما شددت لهم عُرَى الكلام، وجئت ببيِّنة وبرهان، فإنَّ جُهْدَك زائِل، ولا يحلَّى بطائِل، كمضيء الشَّمع في قاعَةِ العميان، أو كقارع الطَّبل في قاعة الطُّرشان. محاسن من أمسك عن الوقوع في الصّحابة ﵃ وسكت عمّا شجر بينهم قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)﴾ [البقرة]، وقال ﷺ : " إذا ذكر أصحابي

стр. 133

فأمسكوا" (١). أي عن الكلام عنهم إذا كان فيه تنقيص لهم، أو وَضْعٌ منهم، أو إِزْراء بهم، أمّا ذكرهم للذّبِّ عنهم، وإظهار قدرهم، وبيان عذرهم، وإبراء ساحتهم، وإشهار مناقبهم، وإذاعة فضائلهم، والدَّعوة إلى الاقتداء بهم، فلا يُفهم ذلك من الحديث. وهم أهلٌ للإمساك عنهم، فقد أثنى الله تعالى عليهم في كتابه جملةً واحدة، فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ (٢٩)﴾ [الفتح]. ولذلك لمَّا سُئِلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ عَنْ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ وَالْجَمَلِ وَصِفِّينَ وَمَا كَانَ بَيْنَهُمْ، قَالَ: "تِلْكَ دِمَاءٌ كَفَّ الله يَدَيَّ عَنْهَا، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أَغْمِسَ لِسَانِي فِيهَا" (٢). فالإمْسَاك عنهم مِنْ أَمَارات المؤمنين المتَّبعين لهم بإحسان، الَّذين أثنى الله تعالى عليهم وامتدحهم بقوله ﷻ : ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر].

стр. 134

ويَمْلأ جَنْبَيك أسى أنْ تجد مَنْ يبحث عن مساويهم، ويذكرهم بغير الجميل؛ ليحرِّش عليهم! ولا ينقضي عجبك ممَّن يأتيك بأخبار مصنوعة تخلب القلوب، وآثار موضوعة تُعْظِم الذُّنوب، بألطف القول وأعذبه، وببلاغة بالغة، وزخرفة خادعة، وليس مراده من ذلك الصَّحابة ذاتهم، وإنّما صَرْف النَّاس عن دينهم، فالصَّحابة ﵃ هم نقلة الدِّين، والطَّعن فيهم يتضمَّن ردّ الكتاب والسُّنَّة. ولذلك قال أبو زُرْعَةَ: "إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ فَاعْلَمْ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ عِنْدَنَا حَقٌّ، وَالْقُرْآنَ حَقٌّ، وَإِنَّمَا أَدَّى إِلَيْنَا هَذَا الْقُرْآنَ وَالسُّنَنَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله ﷺ ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ أَنْ يُجَرِّحُوا شُهُودَنَا لِيُبْطِلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَالْجَرْحُ بِهِمْ أَوْلَى وَهُمْ زَنَادِقَةٌ" (١). فمَن تَغَيَّظ على أصحاب رسُول الله ﷺ فقد خَابَ وخَسِر، روى الخلّال عن أبي عُرْوَةَ الزُّبَيْرِيّ أنَّهم ذَكَروا عِنْدَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رَجُلاً يَنْتَقِصُ أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: فقال مَالِكٌ: "مَنْ أَصْبَحَ وَفِي قَلْبِهِ غَيْظٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَدْ أَصَابَتْهُ الْآيَةُ: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ (٢٩)﴾ [الفتح] " (٢). هذا ولا يخفى على كلِّ ذي سمع أنَّ أذى الصَّحابة ﵃ والطَّعن فيهم يترتَّب عليه إثم عند الله عظيم، وخزي في الدُّنيا مقيم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب].

стр. 135

القسم الخامس صدّ عاديات الأدعياء عن زوج سيّد الأنبياء ﷺ - إثم من يحدِّث بكلِّ ما سمع أمَرَنا الله تعالى بالتَّثبُّت مِنَ الأخبار والآثار، وألَّا نرْكَنَ إليها حتَّى يَظْهرَ صِدْقُها، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات] كما أمر النَّبِيُّ ﷺ كُلَّ أَحَدٍ بالتَّثبُّت فيما يحكيه، والاحتياط فيما يرويه، فقال ﷺ : " كَفَى بِالمرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ" (١). فلا يجوز لمؤمن أن يروي أيَّ خَبَر إلَّا عن ثِقَة مَحْض، ولا أنْ يحدِّثَ بأمر إلَّا بعد أنْ يتوقَّفَ فيه ويعرف حال راويه، فالإسلام جعل الكلمة مسؤوليّة، قال الله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [الصّافات] أي عن أفعالهم وأقوالهم. وإذا كان مِنَ الكذب أنْ يحدِّثَ المرْءُ بكلِّ ما سمع دون أن يتحقَّق، فمقتضى ذلك أنَّ من الكذب كذلك أن يذيع كلَّ ما يقرأ، لا يبالي مِنْ أين أخذه وفيما نشره. والكذب: هو الإخبار عن الشَّيء بخلاف ما هو في حقيقة الأمر، ولا يشترط فيه القَصْد والعَمْد، لكن العمد شرط للإثم، كما أخبر النَّبيُّ ﷺ : "ومَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (٢).

стр. 136

فلا تأْخُذْ كلاماً على عَواهِنه مِنْ غير سَنَدٍ ولا دليل، ولا تَقُل قَال ﷺ ، والنَّبيُّ ﷺ لم يَقُل، ولا تكن عوناً للكذَّابين على نشر كذبهم على رسول الله ﷺ ، فتكون أحد الكَاذِبِين. وكم رجُلٍ يجادلك بخبرٍ سمعه، أو بقولٍ قرأه، أو بحديث ذُكِر له، أو برواية لا سَنَدَ لها، أو لا ثَبْتَ فيها، وهو يجهلُ أنَّ الله تعالى جعل لنا قاعدةً نركنُ إليها، وآيةً نأوي إليها، فقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (٦)﴾ [الحجرات]، فنحن لا نقبل كلاماً إلَّا بدليل جَازِم وبرهان حَازِم، ومن لم يتبيَّن الدَّليل ضلَّ السَّبيل، قال الزَّنْجَانِيّ: تَمَسَّكْ بِحَبْلِ الله وَاتْبَعِ الْأَثَر وَدَعْ عَنْكَ رَأْياً لَا يُلَائِمُهُ خَبَر وقد رأيتُ خَلْقاً يحدِّثون بأحاديث منكرة، وبرواياتٍ مكذوبةٍ، أسانيدها ظلمات بعضها فوق بعض، ولا يقبلون جَرْحاً ولا تعديلاً، فيا ضَيْعَةَ جُهُودِ عُلماءِ الحديث، الَّذين نَخَلُوا الصَّحيح مِنَ الضَّعيف، وميَّزوا الطَّيب من الخبيث! وكم من رَجُلٍ يجادلك في آية، وقد نَصَّبَ نَفْسَه إماماً في التَّفسير، وهو لا يعرف القواعدَ الَّتي يحتاجُ المفسِّرُ إليها، فهو يجهل أنَّ المفسِّرَ يحتاج إلى معرفة: اللُّغة، والنَّحو، والصَّرف، والاشتقاق، وعلم المعاني، وعلم البيان، وعلم البديع، وعلم القراءات، وعلم أصول الدِّين، وعلم أصول الفقه، وعلم أسباب النُّزول، وعلم النَّاسخ والمنسوخ، ومعرفة الأحاديث المبيِّنة لتفسير المجمل والمبهم وهذه العلوم كان يعرفها الصَّحابة والتَّابعون بالطَّبع، وطال على كثير من أهل زمانِنا معرفتها بالطَّبع أو الاكتساب.

стр. 137

وكم رجلٍ يجادلك في حديث، وهو لا يدري أنَّ عِلْمَ الحديث رواية ودراية لو أنفق عمره ما أدرك لَه نهاية، ومع هذا تجده لا يتورَّع عن غَمْزِ ولمز العلماء، ولو أنَّه نظر في كُتُبِهم لَعَدَّ نفسه من الصُّمِّ البُكْم الَّذين لا يعقلون، ولكن شَقَّ عليه الغوصُ في بحارهم الزَّاخرة، وبعدت عليه الشُّقَّة، فتخلَّف وناصبهم العداوة. ومِن العَجَبِ العُجَاب، وممَّا يمزِّق الأفئدة ويدمي قلوب ذوي الألباب، أن تجد مَنْ يَكْذِب على أمِّ المؤمنين عائشة ﵂ والصّحابة ﵃، ويتفيهق ويملأ جوفه بالكلام؛ إظهاراً لفضيلته، وتزكية لنفسه، على حساب مَنْ زكَّاهم الله تعالى ورسوله ﷺ : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ (٤٩)﴾ [النّساء]. نقض قولهم: إنَّ النَّبيّ ﷺ قال لعائشة ﵂: تقاتلي عليّاً وأنت له ظالمة! قالوا: إنَّ النَّبيَّ ﷺ أخبر أنَّ عائشة ستقاتل عليّاً وهي له ظالمة، فقد قال لها ﷺ : " تقاتلي عليّاً، وأنت له ظالمة ". قلت: هذا حديث لا أصل له، فقد فتَّشت كتب القوم فلم أجد له ذِكراً، والظَّاهر أنَّه وهم، فالحديث قاله ﷺ للزّبير ﵁، أخرج الحاكم في "المستدرك" أنَّ الزّبير ﵁ خَرَجَ يريد عليّاً، فقال له عليّ: "أَنْشُدُكَ اللهَ، هل سمعت رسُولَ الله ﷺ ، يقول: تقاتله و أنت له ظالم؟ فقال: لم أذْكُرْ، ثم مضى الزُّبير منصرفاً " (١). قلت: والغريب أنَّ الحاكم صحَّحه، والأغرب أنَّ الذَّهبي وافقه، مع أنَّ

стр. 138

في سنده عبد الملك بن محمّد الرَّقاشي، قَال فيه الحافظ: صدوق يخطئ تغيَّر حفظه لمَّا سكن بغداد (١)، وفي سنده عبد الله بن محمَّد بن عبد الملك الرّقاشي، ذكره العقيلي في كتاب الضّعفاء، ونقل قول البخاري: فيه نظر (٢). وشيخه عبد الملك بن مسلم، قال عنه الحافظ: ليّن الحديث (٣). ومتنه لا يثبت؛ فلو ثبت لوقع ما أخبر به النَّبيُّ ﷺ مِنَ القتال بينهما، فلم يقع قتال، بل تنحَّى الزّبير وانصرف راجعاً إلى المدينة، وَغَدَرَ به وَقَتَلَهُ ابن جرموز ظَهْراً (غِيْلَةً) بوادي السّباع على سبعة فراسخ من البصرة. فإن صحَّ الحديث لتعدّد طرقه (٤) فما جعل الزُّبير ﵁ يرجع سوى هذا الحديث. وكيف لعليّ ﵁ أن يقاتله، وهو يعلم أنَّ قاتله في النَّار؟! روى أحمد عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: " اسْتَأْذَنَ ابْنُ جُرْمُوزٍ عَلَى عَلِيٍّ ﵁، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: ابْنُ جُرْمُوزٍ يَسْتَأْذِنُ، قَالَ: ائْذَنُوا لَهُ، لِيَدْخُلْ قَاتِلُ الزُّبَيْرِ النَّارَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، يَقُولُ: إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا، وَحَوَارِيّ الزُّبَيْرُ" (٥).

стр. 139

نقض قولهم: إنّ النَّبيَّ ﷺ أشار إلى بيت عائشة ﵂ وقال: هنا الفتنة قالوا: روى البخاري عَنْ عَبْدِ الله ﵁، قَالَ: قَامَ النَّبِيُّ ﷺ خَطِيبًا، فَأَشَارَ نَحْوَ مَسْكَنِ عَائِشَةَ، فَقَالَ: "هُنَا الفِتْنَةُ ثَلَاثًا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ " (١). وروى مسلم عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ مِنْ بَيْتِ عَائِشَةَ، فَقَالَ: "رَأْسُ الْكُفْرِ مِنْ هَاهُنَا" (٢). وأوهموا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما أشار إلى بيت عائشة ﵂، وأنَّه عنى بالفتنة عائشة، وأنَّ الحديث فيه ذمٌّ لها. والقارئ البصير يعلم أنَّ النَّبيَّ ﷺ إنّما أشار نحو مسكن عائشة ﵂ ولم يُشِرْ إلى مسكنها، فهناك فرق بين القول الشَّريف (نحو) والقول الخبيث (إلى)، ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ (١٠٠)﴾ [المائدة] فهل يعقل أن يشير النَّبِيُّ ﷺ إلى بيت عائشة ﵂، الَّذي هو بيته ﷺ ، ويصفه بهذا الوصف؟! ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦)﴾ [النُّور]. والإشارة الشَّريفة إنَّما هي إلى المشرق إلى العراق، لأنَّها مشرقُ أهل المدينة كما ورد في أحاديث صريحة صحيحة، فقد روى مسلم عن سَالِم بْن عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ يَقُولُ: "يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ مَا أَسْأَلَكُمْ عَنْ الصَّغِيرَةِ وَأَرْكَبَكُمْ لِلْكَبِيرَةِ! سَمِعْتُ أَبِي عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: إِنَّ الْفِتْنَةَ تَجِيءُ مِنْ هَاهُنَا ـ وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ نَحْوَ المشْرِقِ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ ـ وَأَنْتُمْ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، وَإِنَّمَا قَتَلَ مُوسَى الَّذِي قَتَلَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ خَطَأً، فَقَالَ الله ـ ـ لَهُ:

стр. 140

﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا (٤٠)﴾ [طه] " (١). أمَّا قولهم: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ خرج من بيت عائشة ﵂، فَقَالَ: "رَأْسُ الْكُفْرِ مِنْ هَاهُنَا" فلم يتمّوا الحديث زيادة في التَّلبيس والتَّعمية، والحديث عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ مِنْ بَيْتِ عَائِشَةَ، فَقَالَ: " رَأْسُ الْكُفْرِ مِنْ هَاهُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ ـ يَعْنِي المشْرِقَ ـ" (٢). وللبخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَ: " رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ المشْرِقِ " (٣). ومنهم مَنْ شَغَبَ بأنَّ الفتن من جهة نَجْد، قالوا: فقد روى البخاريّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: "ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَفِي نَجْدِنَا، قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا، قَالُوا يَا رَسُولَ الله، وَفِي نَجْدِنَا، فَأَظُنُّهُ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ" (٤). قلنا: نعم، الحديث أخرجه البخاريّ مِن رواية أزهر السَّمَّان مرفوعاً، لكن ليس المراد بنجد بلاد نجد المشهورة، فهذا مِن الوهم، فليس المراد موضعاً مخصوصاً، فأصل كلمة نجد مَا ارتفع وأشرف مِن الأرض، بخلاف الغَوْر فَإِنَّهُ مَا انْخَفَضَ مِنْهَا، فما ارتفع يسمَّى نجداً، وما انخفض يسمَّى غوراً، وَتِهَامَة كُلُّهَا مِنْ

стр. 141

الْغَوْر، وَمَكَّة مِنْ تِهَامَة. ونجد أهل المدينة مِن جهة المشرق، وهي بادية العراق ونواحيها، وهذا معروف في كتب المعاجم والبلدان والأنساب والحديث وغيرها. ومن الأدلَّة على أنَّ نجد أهل المدينة من جهة المشرق دعاءُ النَّبيِّ ﷺ على قبائل مِن مُضَر كانوا مقيمين بأرض نجد وما والاها، قال ﷺ : "اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ. وَأَهْلُ المَشْرِقِ يَوْمَئِذٍ مِنْ مُضَرَ مُخَالِفُونَ لَهُ " (١). فقولهم: وَفِي نَجْدِنَا، وقوله ﷺ : "هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ" المراد جهة المشرق، ومصداق ذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ أخبر أنَّ قرن الشَّيطان يطلع مِن قبل المشرق حيث الفتنة، كما تقدَّم آنفاً، روى مسلم عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ المشْرِقِ، يَقُولُ: "أَلَا إِنَّ الفِتْنَةَ هَاهُنَا، أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَاهُنَا، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ " (٢). وعلَّة امتناع النَّبيِّ ﷺ عن الدُّعاء لأهل نجد (أهل المشرق) تحذيرهم من الفِتَنِ، لحملهم على ترك ملابستها ومزاولتها لأنّها من جهتهم. وشواهد الحال تؤكِّد أنَّ الفتن كان منشأها من المشرق، فمَنْ قَتَلَ الخليفة عمر ﵁ غِيلة جاء مِن قِبَل المشرق، ومَنْ أجلب على الخليفة عثمان ﵁ واجتمع عليه جلّهم جاء مِن هناك. وحادثة الجمل وقعت في ناحية المشرق، ومن المشرق ظهر الخوارج، وطلعت معظم الفرق الضَّالّة، وفيها قتل الخليفة علي ﵁ وابنه سبْط

стр. 142

رسول الله ﷺ ، وغير ذلك، وما زالوا يبكون ويتباكون: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾ [التّوبة]. نقض قولهم: عائشة ﵂ تروي أنّ النَّبِيَّ ﷺ حاول التَّردِّي من رؤوس شواهق الجبال قالوا: روى البخاري عن عائشة ﵂ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يريد أنْ يُلقِي نفسه من ذروة جبل، فقد روى عن مَعْمَر، قال الزّهري: فأخبرني عروة، عن عائشة ﵂ وساق حديث بدء الوحي إلى قوله: " وفتر الوحيُ فَتْرَةً ". وزاد الزّهري: "حَتَّى حَزِنَ النَّبِيُّ ﷺ ـ فِيمَا بَلَغَنَا ـ حُزْنًا غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُؤوسِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ، فَكُلَّمَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ لِكَيْ يُلْقِيَ مِنْهُ نَفْسَهُ، تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ رَسُولُ الله حَقّاً، فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ، وَتَقِرُّ نَفْسُهُ، فَيَرْجِعُ، فَإِذَا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الوَحْيِ غَدَا لِمِثْلِ ذلك، فَإِذَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذلك" (١). قالوا: وهذا يعارض عِصْمَةَ النَّبِيِّ ﷺ ، كذلك يعارض ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة عن النَّبِيِّ ﷺ ، قال: " مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ في نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا "؟! (٢). قالوا: وإذا لم يكن هذا الخبرُ الَّذي رواه البخاري صحيحاً، فكيف يوصف كتابه بالصَّحيح، وهو يطعن على رسُولِ الله ﷺ ويتَّهمه أنَّه كان يريد قتل

стр. 143

نفسه كما روت عائشة ﵂؟! قلت: هذا كلام مَنْ ليس له درايةٌ بعلم الحديث، فقصَّة التَّردِّي مِن رؤوس شَواهِقِ الجبال مِنَ الوَهْم عزوها للبخاري، فهي من بلاغات الزُّهْرِيّ، وليس مِنْ حديث عائشة ﵂، ووجودها في صحيح البخاري لا يعني أنَّها صحيحة على شرطه، ولكن صنيع البخاريّ يوهم مَنْ لا عِلْمَ له أنَّها على شرطه، فليس كلُّ كلمة في الصَّحيح على شرط البخاريّ. فهناك أحاديث مسندة صحيحة، وأخرى معلَّقة سقط من أوَّل الإسناد راوٍ فأكثر على التَّوالي، وقد تجد الحديث معلَّقاً في موضع وموصولاً في موضع آخر من كتابه، ومنها ما لا يوجد إلّا معلَّقاً، وقد جمعها الحافظ في كتابه "تغليق التّعليق" وهي قليلة، وجلُّها صحيح. وقد علَّقها البخاري بصيغتين: صيغةِ الجزم، وصيغة التَّمريض، وما علَّقه بصيغة الجزم فصحيح إلى من علَّقه عنه، ثم النَّظر فيما بعد ذلك، وما كان منها بصيغة التَّمريض ممّا لم يوردْه في موضع آخر فلا يوجدُ فيه ما يلتحقُ بشرطِه إلّا القليلُ، وقد علّقها بهذه الصِّيغة كونه يذكرُها بالمعنى، ولكن فيها الصَّحيح، وفيها ما هو حسن، وفيها دون ذلك. وهناك الموقوفات، وهي أقوال الصَّحابة أو التَّابعين، ومنها الصَّحيح ومنها دون ذلك، وهذا يعرفُه أهلُ الحديثِ، ولا يجهلُهُ طُلّابُ العِلْمِ، وفي منأى عنه أهلُ الجهل. ففي آخر حديثِ عائشة ﵂، زاد الزُّهري:"فيما بلغنا" وعلى ذلك فهذا من

стр. 144

بلاغات الزُّهري، وليس مِن حديث عائشة ﵂، والزُّهريّ مِن الطَّبقة الرَّابعة أي من الطَّبقة الّتي تلي الوسطى من التَّابعين، وبينه وبين النَّبِيِّ ﷺ واسطة أو واسطتان أو أكثر، وغالب روايات الزُّهري إذا قال: "بلغنا" الإعضال، أو الإرسال. والمُعْضَل: هو ما سقط من سنده راويان أو أكثر على التَّوالي، والمرسَل ـ عند الفقهاء والأصوليين ـ ما رفعه غيرُ الصَّحابيِّ، وسمِّي بالمرسَل لأنَّ صاحِبَه أطلقَهُ، ولم يقيِّدْه بالصَّحابيِّ الَّذي رواه عنه. ومِنْ أهل الحديث مَنْ يرى أنَّ ما أرسَله صِغَارُ التَّابعين منقطع، والحاصل المعضَل والمرسل والمنقطع من أنواع الضَّعيف، ومرسل الزّهري هذا شبه الرِّيح. قلت: وقد ذكر البخاري حديث (بدء الوحي) في غير موضع من كتابه، فقد ذكره في كتاب التّفسير، وكتاب بدء الوحي، وكتاب بدء الخلق، وكتاب الأدب، وهذه الزِّيادة لم يذكرها إلّا في أوَّل كتاب التَّعبير، ولعلَّه ذكرها لينبِّه إلى مخالفتها لما صحَّ عنده من حديث بدء الوحي. فالبخاري ﵀ سمَّى كتابه "الجامع الصَّحيح المسند المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيَّامه" ومن قوله (الصَّحيح) فهم العلماء أنَّه ما أدخل إلّا ما صحَّ ممّا ساق إسناده، وأنّه احترز عن إدخال الضَّعيف، ومن قوله (المسند) أنَّ مراده الأصليّ تخريج الأحاديث المتّصل إسنادها بالصَّحابة ﵃ إلى الرَّسول ﷺ ، وأنَّ الحديث الصَّحيح: مَا رواه عَدْلٌ متْقِن ضَابِطٌ عن مِثْلِهِ إلى منتهاه بإسنادٍ متَّصل من غير شذوذٍ ولا علَّة. كما فهم العلماءُ من عمله في كتابه أنَّه اشترط على رواته: المعاصرَة واللِّقاء، أي معاصرة الرَّاوي مَنْ يروي عنه، وثبوت لقائه له، وأنَّ

стр. 145

ما وقع في كتابه من غير شرطِه، فإنَّما وقع عرضاً لا أصلاً ومقصوداً. قلت: ومِنَ الخطأ الشَّنيع والغلط الفظيع أنْ يقرأَ هؤلاءِ في الجامع الصَّحيح، وهم لا يعرفون مصطلح كاتبه، فهذا يوقع الاضْطِرَابَ فِي الفَهْمِ. وقصَّةُ التَّردِّي هذه أوردها الألباني في "الضَّعيفة" وقال: "بلاغ الزّهري ليس على شرط البخاري" (١). وهي بلا شكّ من زيادات الزّهري كما جزم بذلك الحافظ في "الفتح"، وقال: "وهو من بلاغات الزّهري وليس موصولاً " (٢). قلت: وبلاغ الزّهري لم يأت من طريق موصول تقوم به حُجَّة، ولا يحتاج إلى توجيه، فلا ينبغي الانشغال بالفرع طالما لم يسلم الأصل، أيضاً مهما بلغ الرَّاوي مِن الضَّبط والإتقان والورع، فإنَّه يدخل حديثه الشُّذوذ والعلَّة، فالخطأ والتَّصحيف قلَّ أن يَعْرى عنه لبيبٌ أو حصيف، وهذا معلوم لدى المشتغلين في عِلَلِ الحديث. وقد ثبت في الصَّحيحين عن الزّهري نفسِه أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تحدَّث عن فترة الوحي وحزنه، ولم تَرِدْ كلمةٌ واحدةٌ عن قصَّة التَّردِّي، قَالَ مُحَمَّدُ بنُ شِهَابٍ (الزّهري): فَأَخْبَرَنِي أَبو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله الْأَنْصَارِيَّ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ ـ قَالَ فِي حَدِيثِهِ: " بَيْنَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا الملكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَفَرِقْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي،
следующие страницы →