← Тараджим

Тараджим · id 539

الأثر الثمين في نصرة عائشة - رضي الله عنها - أم المؤمنين

أحمد محمود الشوابكة

Полный текст (265 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الْغَوْر، وَمَكَّة مِنْ تِهَامَة. ونجد أهل المدينة مِن جهة المشرق، وهي بادية العراق ونواحيها، وهذا معروف في كتب المعاجم والبلدان والأنساب والحديث وغيرها. ومن الأدلَّة على أنَّ نجد أهل المدينة من جهة المشرق دعاءُ النَّبيِّ ﷺ على قبائل مِن مُضَر كانوا مقيمين بأرض نجد وما والاها، قال ﷺ : "اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ. وَأَهْلُ المَشْرِقِ يَوْمَئِذٍ مِنْ مُضَرَ مُخَالِفُونَ لَهُ " (١). فقولهم: وَفِي نَجْدِنَا، وقوله ﷺ : "هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ" المراد جهة المشرق، ومصداق ذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ أخبر أنَّ قرن الشَّيطان يطلع مِن قبل المشرق حيث الفتنة، كما تقدَّم آنفاً، روى مسلم عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ المشْرِقِ، يَقُولُ: "أَلَا إِنَّ الفِتْنَةَ هَاهُنَا، أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَاهُنَا، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ " (٢). وعلَّة امتناع النَّبيِّ ﷺ عن الدُّعاء لأهل نجد (أهل المشرق) تحذيرهم من الفِتَنِ، لحملهم على ترك ملابستها ومزاولتها لأنّها من جهتهم. وشواهد الحال تؤكِّد أنَّ الفتن كان منشأها من المشرق، فمَنْ قَتَلَ الخليفة عمر ﵁ غِيلة جاء مِن قِبَل المشرق، ومَنْ أجلب على الخليفة عثمان ﵁ واجتمع عليه جلّهم جاء مِن هناك. وحادثة الجمل وقعت في ناحية المشرق، ومن المشرق ظهر الخوارج، وطلعت معظم الفرق الضَّالّة، وفيها قتل الخليفة علي ﵁ وابنه سبْط

стр. 142

رسول الله ﷺ ، وغير ذلك، وما زالوا يبكون ويتباكون: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾ [التّوبة]. نقض قولهم: عائشة ﵂ تروي أنّ النَّبِيَّ ﷺ حاول التَّردِّي من رؤوس شواهق الجبال قالوا: روى البخاري عن عائشة ﵂ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يريد أنْ يُلقِي نفسه من ذروة جبل، فقد روى عن مَعْمَر، قال الزّهري: فأخبرني عروة، عن عائشة ﵂ وساق حديث بدء الوحي إلى قوله: " وفتر الوحيُ فَتْرَةً ". وزاد الزّهري: "حَتَّى حَزِنَ النَّبِيُّ ﷺ ـ فِيمَا بَلَغَنَا ـ حُزْنًا غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُؤوسِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ، فَكُلَّمَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ لِكَيْ يُلْقِيَ مِنْهُ نَفْسَهُ، تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ رَسُولُ الله حَقّاً، فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ، وَتَقِرُّ نَفْسُهُ، فَيَرْجِعُ، فَإِذَا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الوَحْيِ غَدَا لِمِثْلِ ذلك، فَإِذَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذلك" (١). قالوا: وهذا يعارض عِصْمَةَ النَّبِيِّ ﷺ ، كذلك يعارض ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة عن النَّبِيِّ ﷺ ، قال: " مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ في نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا "؟! (٢). قالوا: وإذا لم يكن هذا الخبرُ الَّذي رواه البخاري صحيحاً، فكيف يوصف كتابه بالصَّحيح، وهو يطعن على رسُولِ الله ﷺ ويتَّهمه أنَّه كان يريد قتل

стр. 143

نفسه كما روت عائشة ﵂؟! قلت: هذا كلام مَنْ ليس له درايةٌ بعلم الحديث، فقصَّة التَّردِّي مِن رؤوس شَواهِقِ الجبال مِنَ الوَهْم عزوها للبخاري، فهي من بلاغات الزُّهْرِيّ، وليس مِنْ حديث عائشة ﵂، ووجودها في صحيح البخاري لا يعني أنَّها صحيحة على شرطه، ولكن صنيع البخاريّ يوهم مَنْ لا عِلْمَ له أنَّها على شرطه، فليس كلُّ كلمة في الصَّحيح على شرط البخاريّ. فهناك أحاديث مسندة صحيحة، وأخرى معلَّقة سقط من أوَّل الإسناد راوٍ فأكثر على التَّوالي، وقد تجد الحديث معلَّقاً في موضع وموصولاً في موضع آخر من كتابه، ومنها ما لا يوجد إلّا معلَّقاً، وقد جمعها الحافظ في كتابه "تغليق التّعليق" وهي قليلة، وجلُّها صحيح. وقد علَّقها البخاري بصيغتين: صيغةِ الجزم، وصيغة التَّمريض، وما علَّقه بصيغة الجزم فصحيح إلى من علَّقه عنه، ثم النَّظر فيما بعد ذلك، وما كان منها بصيغة التَّمريض ممّا لم يوردْه في موضع آخر فلا يوجدُ فيه ما يلتحقُ بشرطِه إلّا القليلُ، وقد علّقها بهذه الصِّيغة كونه يذكرُها بالمعنى، ولكن فيها الصَّحيح، وفيها ما هو حسن، وفيها دون ذلك. وهناك الموقوفات، وهي أقوال الصَّحابة أو التَّابعين، ومنها الصَّحيح ومنها دون ذلك، وهذا يعرفُه أهلُ الحديثِ، ولا يجهلُهُ طُلّابُ العِلْمِ، وفي منأى عنه أهلُ الجهل. ففي آخر حديثِ عائشة ﵂، زاد الزُّهري:"فيما بلغنا" وعلى ذلك فهذا من

стр. 144

بلاغات الزُّهري، وليس مِن حديث عائشة ﵂، والزُّهريّ مِن الطَّبقة الرَّابعة أي من الطَّبقة الّتي تلي الوسطى من التَّابعين، وبينه وبين النَّبِيِّ ﷺ واسطة أو واسطتان أو أكثر، وغالب روايات الزُّهري إذا قال: "بلغنا" الإعضال، أو الإرسال. والمُعْضَل: هو ما سقط من سنده راويان أو أكثر على التَّوالي، والمرسَل ـ عند الفقهاء والأصوليين ـ ما رفعه غيرُ الصَّحابيِّ، وسمِّي بالمرسَل لأنَّ صاحِبَه أطلقَهُ، ولم يقيِّدْه بالصَّحابيِّ الَّذي رواه عنه. ومِنْ أهل الحديث مَنْ يرى أنَّ ما أرسَله صِغَارُ التَّابعين منقطع، والحاصل المعضَل والمرسل والمنقطع من أنواع الضَّعيف، ومرسل الزّهري هذا شبه الرِّيح. قلت: وقد ذكر البخاري حديث (بدء الوحي) في غير موضع من كتابه، فقد ذكره في كتاب التّفسير، وكتاب بدء الوحي، وكتاب بدء الخلق، وكتاب الأدب، وهذه الزِّيادة لم يذكرها إلّا في أوَّل كتاب التَّعبير، ولعلَّه ذكرها لينبِّه إلى مخالفتها لما صحَّ عنده من حديث بدء الوحي. فالبخاري ﵀ سمَّى كتابه "الجامع الصَّحيح المسند المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيَّامه" ومن قوله (الصَّحيح) فهم العلماء أنَّه ما أدخل إلّا ما صحَّ ممّا ساق إسناده، وأنّه احترز عن إدخال الضَّعيف، ومن قوله (المسند) أنَّ مراده الأصليّ تخريج الأحاديث المتّصل إسنادها بالصَّحابة ﵃ إلى الرَّسول ﷺ ، وأنَّ الحديث الصَّحيح: مَا رواه عَدْلٌ متْقِن ضَابِطٌ عن مِثْلِهِ إلى منتهاه بإسنادٍ متَّصل من غير شذوذٍ ولا علَّة. كما فهم العلماءُ من عمله في كتابه أنَّه اشترط على رواته: المعاصرَة واللِّقاء، أي معاصرة الرَّاوي مَنْ يروي عنه، وثبوت لقائه له، وأنَّ

стр. 145

ما وقع في كتابه من غير شرطِه، فإنَّما وقع عرضاً لا أصلاً ومقصوداً. قلت: ومِنَ الخطأ الشَّنيع والغلط الفظيع أنْ يقرأَ هؤلاءِ في الجامع الصَّحيح، وهم لا يعرفون مصطلح كاتبه، فهذا يوقع الاضْطِرَابَ فِي الفَهْمِ. وقصَّةُ التَّردِّي هذه أوردها الألباني في "الضَّعيفة" وقال: "بلاغ الزّهري ليس على شرط البخاري" (١). وهي بلا شكّ من زيادات الزّهري كما جزم بذلك الحافظ في "الفتح"، وقال: "وهو من بلاغات الزّهري وليس موصولاً " (٢). قلت: وبلاغ الزّهري لم يأت من طريق موصول تقوم به حُجَّة، ولا يحتاج إلى توجيه، فلا ينبغي الانشغال بالفرع طالما لم يسلم الأصل، أيضاً مهما بلغ الرَّاوي مِن الضَّبط والإتقان والورع، فإنَّه يدخل حديثه الشُّذوذ والعلَّة، فالخطأ والتَّصحيف قلَّ أن يَعْرى عنه لبيبٌ أو حصيف، وهذا معلوم لدى المشتغلين في عِلَلِ الحديث. وقد ثبت في الصَّحيحين عن الزّهري نفسِه أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تحدَّث عن فترة الوحي وحزنه، ولم تَرِدْ كلمةٌ واحدةٌ عن قصَّة التَّردِّي، قَالَ مُحَمَّدُ بنُ شِهَابٍ (الزّهري): فَأَخْبَرَنِي أَبو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله الْأَنْصَارِيَّ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ ـ قَالَ فِي حَدِيثِهِ: " بَيْنَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا الملكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَفَرِقْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي،

стр. 146

زَمِّلُونِي، فَدَثَّرُوهُ، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدّثر] قَالَ أَبو سَلَمَةَ: وَهِيَ الأَوْثَانُ الَّتِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْبُدُونَ، قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ الوَحْيُ" (١). والخلاصة قصّة التَّردِّي ذكرها البخاريّ في أوَّل كتاب التَّعبير، في آخر حديث عائشة في بدء الوحي من طريق معمر: قال الزّهري: فأخبرني عروة عن عائشة. . . فساق الحديث إلى قوله: (وفتر الوحي) وزاد الزهري: " حَتَّى حَزِنَ النَّبِيُّ ﷺ ـ فِيمَا بَلَغَنَا ـ " القصَّة. وأخرج الحديث بهذه الزِّيادة أحمد في مسنده من طريق معمر به، وأخرجه مُسْلِم مِنْ نفس الطَّريق، لكنَّه لم يسق لفظه، وإنما أحال به على لفظ رواية يونس عن ابن شهاب، وليس فيه الزِّيادة. وكذلك أخرجه مسلم وأحمد من طريق عقيل، قال ابن شهاب به دون الزِّيادة، وأخرجه البخاري في أول الصَّحيح عن عقيل به. وهذا يدلُّك على أنَّ القصَّة تفرَّد معمر بها دون يونس وعقيل، فهي شاذَّة، فضلاً عن أنَّها مرسلة معضلة؛ فإن القائل: " فيما بلغنا " إنما هو الزُّهري. نقض قولهم: عائشة ﵂ كانت سبباً في طلاق الْجَوْنِيَّةِ وموتها كمدا قالوا: عائشة ﵂ احتالت وخادعت النَّبيَّ ﷺ وكانت سبباً في طلاق أسماء بنت النّعمان الجَوْنِيَّة، وأنَّ أسماء ماتت كمداً لأجل ذلك.

стр. 147

قالوا: فقد روى ابن سعد، قَالَ: أخبرنا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْغَسِيلِ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، عَنْ أَبِيهِ وَكَانَ بَدْرِيًّا، قَالَ: " تَزَوَّجَ رَسُولُ الله ﷺ أَسْمَاءَ بِنْتَ النُّعْمَانِ الْجُونِيَّةَ، فَأَرْسَلَنِي فَجِئْتُ بِهَا، فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ أَوْ عَائِشَةُ لِحَفْصَةَ: اخْضِبِيهَا أَنْتِ، وَأَنَا أُمَشِّطُهَا. فَفَعَلْنَ، ثُمَّ قَالَتْ لَهَا إِحْدَاهُمَا: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يُعْجِبُهُ مِنَ المَرْأَةِ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ أَنْ تَقُولَ أَعُوذُ بالله مِنْكَ. فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ وَأَغْلَقَ الْبَابَ وَأَرْخَى السِّتْرَ مَدَّ يَدَهُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: أَعُوذُ بالله مِنْكَ. فَتَالَ بِكُمِّهِ عَلَى وَجْهِهِ فَاسْتَتَرَ بِهِ، وَقَالَ: عُذْتِ مُعَاذًا. ثَلاثَ مَرَّاتٍ. قال هِشَامُ بن محمَّد: فحدثني زُهَيْر بن معاوية الجعفيّ: أنها ماتت كَمَداً " (١). قلت: وهذا الحديث في سنده هشام بن محمَّد بن السَّائب الكلبي (٢)، متَّهم بالوضع كأبيه، وقد أخرجه الحاكم في "المستدرك" وسكت عنه، وقَال الذَّهبي في "التَّلخيص": سنده واهٍ (٣)، وذكره الألباني في "الضَّعيفة" وقال: موضوع (٤). وهو كما قال؛ فإنَّ متن الحديث يخالف ما أخرجه البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ ﵁ قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى انْطَلَقْنَا إِلَى حَائِطٍ يُقَالُ لَهُ الشَّوْطُ (٥)، حَتَّى انْتَهَيْنَا

стр. 148

إِلَى حَائِطَيْنِ، فَجَلَسْنَا بَيْنَهُمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اجْلِسُوا هَا هُنَا. وَدَخَلَ وَقَدْ أُتِيَ بِالْجَوْنِيَّةِ، فَأُنْزِلَتْ فِي بَيْتٍ فِي نَخْلٍ فِي بَيْتِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ النُّعْمَانِ بْنِ شَرَاحِيلَ، وَمَعَهَا دَايَتُهَا حَاضِنَةٌ لَهَا، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ ، قَالَ: هَبِي نَفْسَكِ لِي، قَالَتْ: وَهَلْ تَهَبُ الملِكَةُ نَفْسَهَا لِلسُّوقَةِ (١)؟! قَالَ: فَأَهْوَى بِيَدِهِ يَضَعُ يَدَهُ عَلَيْهَا لِتَسْكُنَ، فَقَالَتْ: أَعُوذُ بالله مِنْكَ (٢)، فَقَالَ: قَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: يَا أَبَا أُسَيْدٍ، اكْسُهَا رَازِقِيَّتَيْنِ (٣) وَأَلْحِقْهَا بِأَهْلِهَا" (٤). قلت: وليس في الحديث أنَّ عائشة أو حفصة ﵄ وراء ما حَدَثَ؛ فليس لهما ذكرٌ أصلاً، ولو كان شيء من هذا لَعُلِمَ بالنَّقل الصَّحيح، ولكن ماذا تقول لمن عَدَّ نفسه عالماً فقيهاً، وإماماً نبيهاً، وراح يتجاسر في ألفاظه. نقض قولهم: إنها ﵂ لا تسأل عن دين وإنّما تسأل عن متاع قالوا: عائشة لا تُسْأَلُ عن دين، وإنَّما تسأل عن متاع الدُّنيا، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ (٥٣)﴾ [الأحزاب]، قَالوا: فالآية فيها قيدان: قيد في السَّائل أَنْ يَسْأَلَ عن مَتَاع، وقيد في المسؤول ـ وهنَّ أمَّهات المؤمنين ـ أن يُسْأَلْنَ مِنْ وراء حجاب. قلت: الغريب أنَّ هذا الكلام هناك مَنْ يتداعى عليه، ويأخذه على أنَّه

стр. 149

كلامٌ مُسَلَّم به، ولا شِيَةَ فيه، وهو مِنْ كلام الَّذين اتَّخذوا القرآن عِضِين، الَّذين يفرّقون بين آي الكتاب، كما قَال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ (٨٥)﴾ [البقرة]، خلاف مَنْ قَال الله تعالى فيه: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ (١١٩)﴾ [آل عمران]. فكيف يسوغ تأويلهم وقد أمر الله تعالى زوجات النَّبيِّ ﷺ أمَّهات المؤمنين ﵅ أن يذكرْنَ ويبلِّغْنَ ما يُتْلى في بيوتهنَّ مِنَ القرآن والسُّنَّة، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ (٣٤)﴾ [الأحزاب] والمعنى اذكرْنَ في أنفسكنَّ ما يتلى في بيوتكنَّ من القرآن والسُّنَّة، واذكرنه لغيركنَّ على وجه الوعظ والتَّعليم والتَّبليغ. وعائشة ﵂ أَوْلاهنَّ بذلك وأخصُّهنَّ؛ فلم ينزل الوحيُ على رسُولِ الله ﷺ وهو في لحاف امرأة غيرها، فقد قال النَّبيُّ: " يَا أُمَّ سَلَمَةَ، لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ؛ فَإِنَّهُ والله مَا نَزَلَ عَلَيَّ الْوَحْيُ وَأَنَا فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ غَيْرِهَا" (١) كما أنَّها ﵂ كانت صغيرة في العمر، والصَّغير أحفظ، ولم تنشغل بولد. وقوله ﷺ : "لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ " يدلّ على أنَّ إيذاء عائشة ﵂ فيه إيذاءٌ للنَّبيِّ ﷺ ! ثمَّ إنَّهم فهموا معنى المتاع على أنَّه كلُّ ما يُنْتَفعُ بِه مِن عُروضِ الدُّنيا! وَفِي المَتَاعِ أَقْوَالٌ منها: حَاجَةٌ، أو فَتْوَى. وَهَذَا يَدُلُّك عَلَى جواز مُسَاءَلَتِهِنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ فِي حَاجَةٍ، أَوْ مَسْأَلَةٍ يُسْتَفْتَى فِيهَا. وأيّاً كان معنى المتاع، فهو عامّ في كلِّ ما

стр. 150

يُطْلَب مِنْ أمور دينهم ودنياهم. ولذلك كانت أمَّهات المؤمنين يذكرن ما أمرهنَّ الله به، وكان الصَّحابة ﵃ يسألونهنّ خاصَّة عائشة، ولعلَّ هذا ممَّا رفع مِن قدْرهنَّ، فما زال النَّاس يترضَّون عنهنَّ وعمَّن ﵃. والحجاب في الآية: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ المراد به حجاب البيوت، حيث المرأة مبتذلة في بيتها، فأوجب الله تعالى على المؤمنين إذا سألوا أمَّهات المؤمنين أنْ يسألوهنَّ مِن وراء حجاب (سِتْر)، ولذلك كانت أمُّ المؤمنين عائشة تعلِّم النَّاس مِنْ وراء حجاب امتثالاً لأمر الله تبارك تعالى، ففي الصَّحيحين عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: "سَمِعْتُ عَائِشَةَ ـ وهي مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ ـ تُصَفِّقُ، وَتَقُولُ: كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْي رَسُولِ الله ﷺ بِيَدَيّ " (١) الحديث. كما أمر الله تعالى أمَّهات المؤمنين ـ والنّساء تبع لهنَّ ـ بالحجاب إذا خَرَجْنَ مِنْ بيوتهنَّ، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ (٥٩)﴾ [الأحزاب]، فآية الحجاب عند المخاطبة في المساكن، وآية الجلابيب عند الخروج من المساكن. قلت: وكيف لا تُسْألُ أمُّ المؤمنين عائشة ﵂ عن دين، وقد قيل لمسروق: هل كانت عَائِشةُ تُحْسِنُ الفرائِضَ؟ قال: "والَّذي نفسي بيده، لقد رأيْتُ مَشْيَخةَ

стр. 151

أَصْحَابِ محمَّد ﷺ يسألونها عن الفرائض" (١). وقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: "كانت عائشةُ أفْقَهَ النَّاسِ، وأعلمَ النَّاسِ، وأَحْسَنَ النَّاسِ رأياً في العامَّةِ" (٢)، وقال أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى عن أبيه: " ما أَشْكَلَ علينا أَمْرٌ فسألنا عنه عائشة إلا وَجَدْنا عندها فيه عِلْماً " (٣)، وقال هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ: "ما رأيْتُ امرأةً أعلم بطبٍّ ولا بفقهٍ ولا بشعر مِن عائشة" (٤)، وقال الزُّهْرِيُّ: "لو جُمِعَ عِلْمُ نساء هذه الأمَّةِ فيهنَّ أزواج النَّبيِّ ﷺ كان عِلْمُ عائشة أكثرَ من علمهنّ" (٥). نقض قولهم: لم ينزل في عائشة ﵂ شيء من القرآن قالوا: لم ينزل في آل أبي بكر شيء من القرآن، فضلاً عن أن ينزل في عائشة، لما روى البخاري عن عائشة، قالت: "مَا أَنْزَلَ الله فِينَا شَيْئاً مِنْ الْقُرْآنِ". قلتُ: هذا كلام مَنْ لم يتعلَّم الوقف والوصل، فهو يقف على كلام لم يتمَّ معناه لتعلّقه بما بعده لفظاً ومعنى، وهذا وقف قبيح لأنَّه أفاد معنى غير مراد

стр. 152

لتوقُّف ما بعده عليه ليتمَّ به المعنى، فالرِّواية عند البخاري عن يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ قَالَ: "كَانَ مَرْوَانُ عَلَى الْحِجَازِ اسْتَعْمَلَهُ مُعَاوِيَةُ، فَخَطَبَ فَجَعَلَ يَذْكُرُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ؛ لِكَيْ يُبَايَعَ لَهُ بَعْدَ أَبِيهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ شَيْئًا، فَقَالَ خُذُوهُ فَدَخَلَ بَيْتَ عَائِشَةَ ﵂؛ فَلَمْ يَقْدِرُوا، فَقَالَ مَرْوَانُ: إِنَّ هَذَا الَّذِي أَنْزَلَ الله فِيهِ: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي (١٧)﴾ [الأحقاف] فَقَالَتْ عَائِشَةُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ: مَا أَنْزَلَ الله فِينَا شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ، إِلَّا أَنَّ الله أَنْزَلَ عُذْرِي" (١). فمراد عائشة ﵂ أنَّه لم ينزل في ذمِّهم شيء من القرآن، وإنَّما نزل عذرها وبراءتها ممَّا نَسَبَ أهلُ الإفك. فالوقف والابتداء قد يحيل الكلام إلى معنى غير مقصود، ومَنْ تعمَّد ذلك ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ (١١٧)﴾ [المؤمنون]. ومنهم مَنْ شَغَبَ، فقال: قَوْلها: "مَا أَنْزَلَ الله فِينَا" يدلُّك على أنَّ قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ (٤٠)﴾ [التَّوبة] ليس المراد به أبا بكر ﵁، وليس كما زعم، فالمراد بقول عائشة: "فِينَا" أي في بني (أولاد) أبي بكر، لا في أبي بكر وآله، ثمَّ إنَّها تنفي نزول آيات في ذمّهم، ولا تنفي نزول آيات بالكليَّة. فالصِّدِّيق ﵁ صاحب النَّبيِّ ﷺ في الحضر والأسفار، وجاره في الرَّوضة الشَّريفة المحاطة بالأنوار، نزل فيه قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ (٤٠)﴾ [التّوبة]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ (٢٢)﴾ [النّور]، وقوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧)﴾ [الّليل].

стр. 153

وقد استدلّ العلماء بقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧)﴾ [الّليل] ومعه قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (١٣)﴾ [الحجرات] على أنَّ أبا بكر الصِّدِّيق ﵁ ما طلعت الشَّمس ولا غربت بعد النَّبيِّين على رجل أفضل منه. ولكن لمن تقول هذا؟! إنَّ أهل الأهواء لو جئتهم بكلِّ آية ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا (١٥)﴾ [الحجر]، وصدق الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)﴾ [النّمل]. نقض قولهم: عائشة ﵂ زوجة النبي ﷺ في الدنيا لا في الآخرة قالوا: عائشة ﵂ زوجة النَّبيِّ ﷺ في الدُّنيا لا في الآخرة؛ واحتجّوا بأنَّها بدَّلت وغيَّرت مِنْ بعده ﷺ . قلت: وحُجَتُهُمْ دَاحِضَةٌ؛ فقد ثبت في الصَّحيحين أنَّ رَسُولَ الله ﷺ لمَّا أُمِرَ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بين المقام معه أو مفارقته لهنَّ بَدَأَ بعائشة ﵂، فَقَالَ: " إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ، قَالَتْ: وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ إِنَّ الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ، قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الأحزاب]، قَالَتْ: فَقُلْتُ: فَفِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟! فَإِنِّي أُرِيدُ الله وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، قَالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ

стр. 154

- ﷺ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ" (١). فأمَّهات المؤمنين كلُّهنَّ اخترْنَ اللهَ ورسولَه والدَّار الآخرة، وكلهنَّ محسنات أعدَّ الله لهنَّ أجراً عظيماً. وقد حظر الله تعالى عليهنَّ أنْ يتزوَّجن بعد موته ﷺ ، وقصرَهُنَّ عليه ﷺ ؛ ليبقين أزواجه في الآخرة، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا (٥٣)﴾ [الأحزاب]. ومن المعلوم أنَ زوجة المؤمن في الدُّنيا زوجته في الآخرة، لقوله ﷺ : "المرأة لآخر أزواجها" (٢) ولقوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ (٢٣)﴾ [الرّعد]، وقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦)﴾ [يس]، وقوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠)﴾ [الزّخرف] فإذا كان هذا للمؤمنين، فما بالك بالنَّبيِّ ﷺ وأمَّهات المؤمنين! وهناك أحاديث صحيحة صريحة تدحض قول مَنْ زعم أنَّ عائشة ﵂ زوجة النَّبيِّ ﷺ في الدّنيا لا في الآخرة، فقد بشَّرها النَّبيُّ ﷺ أنَّها زوجته في الدّنيا والآخرة، منها ما رواه ابن حبّان وغيره بسند صحيح، عن ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَاءَ بِي جِبْرِيلُ ﵇ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فِي خِرْقَةِ حَرِيرٍ فَقَالَ: " هَذِهِ

стр. 155

زَوْجَتُكَ فِي الدُّنيا والآخرة" (١). وما رواه الحاكم عن عائشة ﵂: أنّ رسول الله ذكر فاطمة ﵂، قَالَتْ: فَتَكَلَّمْتُ أَنَا فَقَالَ: "أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي زَوْجَتِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؟ قُلْتُ: بَلَى والله، قَالَ: فَأَنْتِ زَوْجَتِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ" (٢). أمَّا من زعم أنّ عائشة ﵂ ظهر منها في حياته ﷺ ما يوجب كفْرها، فيدحضه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ (١٠)﴾ [الممتحنة].فلو ظهر منها شيء من ذلك ما أمسك النَّبيُّ ﷺ بعصمتها. هذا وهناك مطاعن أخرى، وشبهات لا تكاد تنقضي، وحسبنا ما رددنا عليه، ليَقِفَ العاقلُ على أطلالِ الباطل، ويطَّلع على آثارِ فِكْرٍ عاطل، لتبقى النَّفسُ مستكينةً للحقِّ مُبْصِرةً للصِّدق، والحقُّ أحقُّ أن يتَّبع، والباطل حقيق بأَنْ يُتْرَكَ ولا يستمع، وفيما أشرت غنى لمن وفَّقه الله تعالى ووعى، وفيما رويناه عن عائشة أصدق ردّ وأبلغه. أحاديث موضوعة في حقِّ عائشة ﵂ - ولَّد المولِّدون، ووضع الوضَّاعون أحاديث كثيرة يطعنون بها على عائشة ﵂ وغيرها حتَّى شبعوا من لحوم الغوافل، وأذاعَ وأشَاعَ هذه الأخبار مَنْ ضيَّع وأضاع، ولعمر الله لو تابوا وأصلحوا لكان خيراً لهم، فويل لآكلي لحوم النَّاس،

стр. 156

﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ [الهمزة]. ومِن هذه الأحاديث: " خذوا شَطْرَ دينكم عَنْ هذه الحميراء " (١) وهو موضوع، ومنها حديث: "يا حميراء، لا تغتسلي بالماء المشْمِس، فإنَّه يُورِثُ البرص" (٢). وحديث: "يا عائشة، اتخذت الدُّنيا بطنك؟! أكثر من أكلة كلّ يومٍ سرف، والله لا يحبُّ المسْرِفين" (٣). وحديث: "يا عائشة، اهجري المعاصي، فإنَّها أفْضَلُ من الهجرة، وحافظي على الصَّلاة، فإنَّها أفْضَلُ مِنَ الجهاد" (٤). ومنها أنَّ رَسُول الله ﷺ دخل على عائشة و فاطمة، وقد جرى بينهما كلام، فقال ﷺ : "ما أَنْتِ بمنتهية يا حميراء عن ابنتي؟ إنَّ مثلي ومثلك كأبي زرع مع أم زرع " (٥). ومنها: "إذا أردت اللّحوق بي، فليكفك مِن الدُّنيا كزاد الراكب، وإيَّاكِ ومجالسةَ الأغنياءِ، ولا تستخلقي ثوباً حتى ترقعيه" (٦). وهناك أحاديث

стр. 157

أخرى، وفيما ذكرنا غِنَى لمن وَعَى وارْعَوى. هذا وليس أبغض إلى الوضَّاعين مِن أهل الحديث، الَّذين نخلوا الرِّوايات وميَّزوا الطَّيِّبَ مِن الخبيث، وقد أحسن القائل: أَهْلُ الْحَدِيثِ هُمُ أَهْلُ النَّبِيِّ وَإِنْ لَمْ يَصْحَبُوا نَفْسَهُ أَنْفَاسَهُ صَحِبُوا فطوبى لأهل الحديث الَّذين دعا لهم رسولُ الله ﷺ بالنّضرة، فقال: " نَضَّرَ الله امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، فَإِنَّهُ رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ منه" (١). ويا حسرة على مَن يظنّ أنَّ الكذب يفيء عليه مغنماً، أو أنَّ الصِّدق يخسر فيه درهماً، أو يجرّ عليه مغرماً؛ فلو جاء يوم القيامة بكلّ معذرة يعتذر بها ما تقبّل منه، ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾ [القيامة]. ويفتّ في عضدك، ويقلق مرقدك، أن تجد مَنْ يتأشَّب إلى الوضَّاعين الّذين مَا اشْتَمَلَتِ النِّسَاءُ عَلَى ذِي لَهْجَةٍ أَكْذَبَ مِنْهم، ويقتفي أثرهم وينشر خبرهم. لقد خسر الَّذين اكتتبوا هذه الأحاديث، ويمّموا وجوه النَّاس إليها، وجعلوا كلام الله تعالى ورسوله ﷺ وراء ظهورهم: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ [البقرة]. أين تذهب عنهم هذه الآيات: ﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١)﴾ [يونس]، ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ (١٢)﴾ [يس]، ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ

стр. 158

عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾ [الجاثية]. فليحذر الَّذين يبغون الغوائل، ويخلطون الحقَّ بالباطل، فعملهم إلى بوار، ومصيرهم إلى القهّار ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠)﴾ [فاطر]. ماذا قال ابنُ عبّاس ﵁ حين اشتكت عائشة ﵂ وحين حضرتها الوفاة لمَّا اشتكت عائشة ﵂ جاءَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ فَقَالَ: " يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، تَقْدِمِينَ عَلَى فَرَطِ صِدْقٍ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ" (١). أي ستلحقين بالأحبة: النَّبيِّ ﷺ وأَبِي بَكْرٍ ﵁، فقد سبقاك وهيّآ لك المنزل في الجنة، فَقَطَعَ ابْنُ عبَّاس لعائشة بدخول الجنَّة، ولَا يُقَال ذَلِك إلَّا بتوقيف. وثبت أن ابْنُ عَبَّاسٍ اسْتَأْذَنَ عَلَى عَائِشَةَ قَبْلَ مَوْتِهَا وَهِيَ مَغْلُوبَةٌ، قَالَتْ: "أَخْشَى أَنْ يُثْنِيَ عَلَيَّ، فَقِيلَ: ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمِنْ وُجُوهِ المُسْلِمِينَ، قَالَتْ: ائْذَنُوا لَهُ، فَقَالَ: كَيْفَ تَجِدِينَكِ؟ قَالَتْ: بِخَيْرٍ إِنِ اتَّقَيْتُ، قَالَ: فَأَنْتِ بِخَيْرٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ يَنْكِحْ بِكْرًا غَيْرَكِ، وَنَزَلَ عُذْرُكِ مِنَ السَّمَاءِ وَدَخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ خِلَافَهُ، فَقَالَتْ: دَخَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأَثْنَى عَلَيَّ، وَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ نِسْيًا مَنْسِيًّا (٢) " (٣). وهذه الشّهادة عندما تأتي من ابْنِ عَبّاسٍ ﵁ لها دلالتها؛ فهو من شهداء الله تعالى في الأرض، وما كان ليشهد لها ﵁ لولا علمه بذلك!

стр. 159

القسم السادس عدالة الصحابة لا إله إلا الله وأدلّة العدالة عدالة الصحابة لا إله إلا الله المراد بعدالة الصَّحابة أنَّهم لا يتعمَّدون الكَذِبَ على رسُولِ الله ﷺ ، لما شَهِدَ اللهُ لهم به مِنْ سَلامَة قلوبهم، وصدقِ إيمانهم، وحسن تَقْواهم، ولما مدحهم به في آيات يَكْثُرُ إيرادُها، ولما ثبت عن النَّبيِّ ﷺ من عظيم مناقبهم، وعلوِّ مراتبهم، وفضل سوابقهم في أحاديث يطول تعدادها. فهم عدول بتعديل الله تعالى لهم ورسوله ﷺ ، وكلُّهم عدول مَنْ سَبَقَ إسلامُه منهم وَمَنْ تأخَّر، ومَنْ هاجر ومَنْ ناصر، ومن قاتل معه ﷺ ومَنْ لم يُقَاتل، ومَنْ لازمه ﷺ ومَنْ لم يلازمه، ومَنْ مَاتَ في حياته ﷺ ومَنْ مات بعد وفاته ﷺ ، ومَنْ لابس الفتن منهم ومَنْ اعتزلها؛ لأنَّه لا يجوز أن يمدحهم الله تعالى ويثني عليهم الرَّسولُ ﷺ وهم على غير ذلك، والقدح في عدالة أحدهم ذريعة لردِّ كلام الله تعالى، وكلام الرَّسول ﷺ . ولا نغلو فيهم، فليس المراد بعدالتهم أنَّهم معصومون عن الخطأ، فالصَّحابة غير معصومين عن الخطأ في آحادهم، لكنَّ الله تعالى أجارهم عن الخطأ في إجماعهم، لقوله ﷺ : "إنَّ اللهَ قد أَجَارَ أُمَّتي مِن أنْ تَجْتَمِعَ على ضَلالة " (١). قلت: ولذلك لمَّا ثارت الفِتَنُ بعد استشهاد عثمان ﵁ لم يكن هناك إجماع من الصَّحابة لا إله إلا الله على ملابستها أو اعتزالها، لكنَّ كلمتهم اجتمعت على معاوية ﵁

стр. 160

لمَّا تنازل الحسن ﵁ عن الخلافة له تحقيقاً لقول النَّبيِّ ﷺ : " إنّ ابني هذا سيِّد، ولعلَّ اللهَ أن يُصْلِحَ به بين فئتين عظيمتين مِن المسلمين" (١)، وسمِّي ذلك العامُ عامَ الجماعة، وهذا يؤكِّد صحَّة خلافة معاوية ﵁؛ لأنَّ الله تعالى أجار أمَّة النَّبيِّ ﷺ من الاجتماع على ضلالة، وقد اجتمعوا على معاوية ﵁، فلا ريب أنَّهم اجتمعوا على حقٍّ، فما بال أقوام لا ينتهون عن ثَلْبِ معاوية ﵁ إلى السَّاعة، وقد اجتمع عليه خَيْرُ النَّاس يومها وربِّ النَّاس؟! أدلّة العدالة ومِنْ أدلَّةِ عدالتهم مِنَ التَّنزيل، قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾ [الحجرات] وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزّمر] وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ (٤)﴾ [الفتح] وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾ [الأنفال]، وقوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى (٥٩)﴾ [النّمل]، وقوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (٥٤)﴾ [المائدة]، وقوله تعالى: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ [الأنفال] في آيات كثيرة متكاثرة.

стр. 161

ومن أدلَّة عدالتهم من السُّنَّة، قولُ النَّبيِّ ﷺ : "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ " (١). وصدق رَسُولُ الله ﷺ ، فقد خَلَفَهم خَلْفٌ لا يتورَّعون في كلامهم، وتجرَّؤوا على الله في أيمانهم. ومن أدلَّة عدالتهم قوله ﷺ : "النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ، أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي، أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ " (٢). والمعنى أنَّ بقاءَ النُّجوم أمانٌ للسَّماء، فإذا النّجوم انكدرت، جاء السَّماءَ ما تُوعَدُ فانفطرت وانشقت، وبقاء النَّبيِّ ﷺ أمان لأصحابهلا إله إلا الله، فلمَّا ذهب ﷺ جاء أصحابه ﵃ ما يوعدون من الفتن، وبقاء الصَّحابة ﵃ كان أماناً للأمَّة، فلمَّا ذهب الصَّحابة ﵃ جاء أمَّةَ النَّبيِّ ﷺ ما يوعدون من اشتداد الفتن، واختلاف القلوب، وغير ذلك، وهذه كلّها من علامات النُّبوَّة، لوقوع ما أنذر به ﷺ . وقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ، فَيَقُولُونَ: فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ رَسُولَ الله ﷺ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ، فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ الله ﷺ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ

стр. 162

مِنْ النَّاسِ، فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ " (١). فهذه أدلَّة قاطعة على أفضليَّة الصَّحابة على كلِّ مَنْ جاء مِنْ بعدهم، ثم الَّذين رأوا الصَّحابة وهم التَّابعون لهم بإحسان، ثمَّ أتباع التَّابعين. ويؤبِّد هذا المعنى قول الله تعالى في التَّابعين: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾ [الجمعة]. هذا وقد أفرد المحدِّثون كتباً لفضائل الصَّحابة ﵃، وأبواباً لفضائل المهاجرين والأنصار وبعض أصحاب النَّبيِّ ﷺ بما يغني عن إعادته. ويكفي المهاجرين شرفاً أنَّ الله تعالى سمَّاهم الصَّادقين، فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر] وأنّه أمر المؤمنين أن يكونوا معهم، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التَّوبة]. ويكفي الأنصار شرفاً أنَّ الله تعالى جعلهم المفلحين، فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر].

стр. 163

الصّحابة ﵃ شهداء الله تعالى عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قال: "مَرُّوا بِجَنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْراً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَجَبَتْ. ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرّاً، فَقَالَ: وَجَبَتْ. فَقَالَ: عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁: مَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْراً، فَوَجَبَتْ لَهُ الجنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرّاً، فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ الله فِي الأَرْضِ " (١). وفي رواية، قال ﷺ : "شَهَادَةُ القَوْمِ المُؤْمِنُونَ شُهَدَاءُ الله فِي الأَرْضِ" (٢). وفي وَسَطِ سورة البقرة، في الآية الثَّالثة والأربعين بعد المائة أثنى الله تعالى على الصَّحابة بأن جَعَلَهُمْ أُمَّةً وسطاً خِيَاراً عُدُولاً في أقوالهم وأفعالهم، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا (٣) (١٤٣)﴾ [البقرة]، وبهذا استحقَّ الصَّحابة أن يكونوا شهداءَ الله تعالى على النَّاس يوم القيامة، ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا (١٤٣)﴾ [البقرة]. وفي سورة الحجّ: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ (٧٨)﴾ [الحجّ]. فالصَّحابة ﵃ شهداء الله تعالى، فكيف يجوز لأحد أن يجرح شهود الله تعالى؟! فإن قال قائل: فقد ضيَّع الصَّحابة إيمانهم بعد النَّبيِّ ﷺ ، قلنا: أما تقرأ القرآن، أما تقرأ قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة]. وإذا كان بالنَّاس رؤوفاً رحيماً، فكيف بالصَّحابة ﵃.

стр. 164

ما أمر الله تعالى به مَن جاء مِن بعد الصَّحابة لا إله إلا الله أَثْنَى اللهُ تعالى على أصحاب النَّبِيِّ ﷺ في غير آية ثناءً أوجب محبَّتهم، فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ (٤)﴾ [الفتح]، وقال تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ (١٧٤)﴾ [آل عمران]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [الأنفال] في آيات يطول ذكرها. ونَدَبَ إلى اتِّباعهم بإحسان، والدُّعاء لهم والاستغفار، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا (١٠)﴾ [الحشر]. فكلُّ مَنْ جاء مِنْ بعد الصَّحابة مِنَ التَّابعين مأمورٌ بالدُّعاء والاستغفار لأصحاب النَّبِيِّ ﷺ عامَّة، فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ عمَّ كلَّ مَنْ جاء مِنْ بعد الصَّحابة إلى قيام السَّاعة، وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ عمَّ كلَّ أصحاب النَّبيِّ ﷺ . ولذلك فإنَّ مِنْ أَمارات التَّابعين للصَّحابة بإحسان أنَّهم يستغفرون لإخوانهم السَّابقين بالإيمان، ويسألون الله تعالى ألّا يكون في قلوبهم غلّ لهم، عرفاناً بحقِّهم وفضلهم؛ فقد وَرِثوا عنهم ما تلقّوه عن النَّبِيِّ ﷺ قولاً وعملاً، واعتقاداً، ومنهجاً. ومِنْ أَمارات مَنْ لم يتَّبعهم بإِحسان أنَّهم يسبُّون الصَّحابة الكرام، وقد

стр. 165

أُمِروا بالاستغفار لهم، ذلك أنَّ في قلوبهم مرضاً، ومن أعظم خبث القلوب وأمراضها أن تجد فيها غلّا للّذين ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ (١٠٠)﴾ [التَّوبة]. روى مسلم عن عروة، قال: قَالَتْ لي عَائِشَةُ ﵂: " يَا ابْنَ أُخْتِي، أُمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَبُّوهُمْ" (١). وتعجب حين تعلم أنَّ كثيراً من النَّاس يبحثون عن عِلاج لأمراض الأبدان، وهم في الحقيقة يحتاجون إلى علاج لأمراض القلوب، الَّتي امتلأت غيظاً وحقداً وضغناً وحسداً وزيغاً وزيفاً ونفاقاً وعُجْباً وفخراً وكبراً وهمّاً وحسرةً وأمراض القلوب أشدّ خطراً من أمراض الأبدان؛ فأمراض الأبدان غاية أمرها أنَّها قد تفضي بصاحبها إلى الموت، أمَّا أمراض القلوب فقد تفضي إلى الشَّقاء في الدَّارين، لأنَّ معينها الشّبهات والشّهوات! والقرآن الكريم فيه شفاء مِن أمراض القلوب الَّتي في الصّدور، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [يونس]. فالقرآن الكريم فيه من الآيات البيِّنات والبراهين القاطعات ما يجعل النَّاظر فيه يُخْرِجُ الحقَّ مِنْ خَاصِرَةِ البَاطِلِ، وقاصد الحقِّ لا يعمى. والقرآن يعمّ شفاءَ القلوب والأبدان بإذن الله تعالى وتقديره، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ

стр. 166

وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى (٤٤)﴾ [فصّلت]، وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء]، لكن ما كلّ أحدٍ يوفَّق للاستشفاء به. ومن النَّاس مَنْ يجعل القرآن آخر الأسباب، وَحَقِيقٌ بكتاب الله تعالى الَّذي عَلِمْنا بَعْضَ شَأْنِه أَنْ يُسْتَشْفَى بِه مِنْ كُلِّ دَاءٍ، وأنْ يُقَدَّم على كلِّ دواء، والله أعلم. فإيَّاك أن تكون ممَّن يخالف أمر الله تعالى، فتقع في أعراض الصَّحابة ﵃، وتقيم الأحقاد في القلب لهم، فالإسلام حرَّم حمل الأحقاد والأضغان، وكُنْ من التَّابعين لهم بإحسان، ممَّن يستغفرون لمن سبقهم في الإيمان. واعلم أنَّ الصَّحابة أسلم النَّاس قلوباً وأنقاهم سِيرة وسَريرة، وأنَّ القرآن نصَّ على طهارة قلوبهم، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى (٣)﴾ [الحجرات]، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ (٢٢)﴾ [المجادلة]. واعلم أنَّ الله تعالى رضي عن الصَّحابة السَّابقين الأوَّلين ولم يشترط، لكنَّه اشترط على التَّابعين لهم أن يتَّبعوهم بإحسان، فقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ (١٠٠)﴾ [التَّوبة]. واعلم أنَّنا لا نأخذ عقيدتنا في الصَّحابة لا إله إلا الله مِنْ كتب التَّاريخ وروايات المؤرِّخين، وإنَّما نأخذ عقيدتنا فيهم مِن كتاب الله تعالى، القائِل فيهم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ

стр. 167

اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ (٢٩)﴾ [الفتح]. فلا نقبل روايات تطعن في سلامة قلوبهم، والله تعالى يقول: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ [الفتح]. ولا نقبل روايات تاريخيَّة تشكِّك في تقواهم، وقد شهد الله تعالى لهم أنَّهم أهل للتَّقوى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا (٢٦)﴾ [الفتح] ولذلك اختارهم الله تعالى لدينه وصحبة نبيِّه ﷺ لعلمه بهم. ولا نقبل روايات تقدح في إيمانهم، والله تعالى يقول: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾ [المجادلة]. ولا نقبل روايات تزعم أنَّهم ارتدُّوا بعد وفاته ﷺ وأنَّهم في النَّار، والله يقول: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى (١٠)﴾ [الحديد] فهم موعودون بالجنَّة، فكيف وعدهم الله الحسنى لولا عِلْمه سبحانه أنَّهم سيظلُّون على الإيمان؟! وكيف يدخلون النَّار، والله تعالى يقُول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا

стр. 168

يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾ [الأنبياء]. ولا نقبل روايات تشكِّك في فوزهم وفلاحهم في الدُّنيا والآخرة، والله تعالى يقول: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف]. ولا نقبل روايات تتَّهمهم بالكفر والفسوق والعصيان بعد الإيمان، والله تعالى يقول: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧)﴾ [الحجرات]. ولا نقبل روايات تدعو إلى معاداتهم، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا (٥٥)﴾ [المائدة] فهم يستحقّون الموالاة. فإن احتجّوا بما شجر بين الصَّحابة قلنا: ما شجر بينهم لا ينقضُ عدالتهم، ولا يقْدَحُ في إيمانهم؛ لأنَّ ثناءَ الله تعالى عليهم قد مضى وانقضى، فهو سبحانه أعلم بهم وبحالهم وببقائهم على الهدى والتُّقى، قَال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (٣)﴾ [المائدة]. وما شجر بين الصَّحابة بعد كمال الدِّين لا يُبَدِّل كلماتِ الله تعالى، قال تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ (٦٤)﴾ [يونس] وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ (١١٥)﴾ [الأنعام] وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ (٢٧)﴾ [الكهف] فالدِّين بعد

стр. 169

أن كَمُلَ لا يُزَادُ فيه ولا ينقص ولا يُبَدَّل ولا يُحرَّف، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧)﴾ [يونس]. واعلم أنَّ لهم فيما شَجَرَ بينهم أعذاراً، حسبك منها سلامة قلوبهم، وصفاء سريرتهم، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾ [الحجرات]. فاعذر، وتبيَّن، واحْفَظْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَأْتِ الله بقلب سليم، فكم من لائم، وهو مُلِيمُ، ولله القائل: تأنَّ ولا تَعْجَلْ بِلومِكَ صَاحِباً لعلَّ لَهُ عُذْراً وأنْتَ تَلُومُ ولا تسمع إلى أولئك الَّذين أعمى الهوى قلوبهم، فاختلقوا الرِّوايات، ووضعوا القصص والحكايات؛ لإيغار الصُّدور، وإلهابِ المشاعر، وإثارة الأحقاد على أصحاب النَّبِيِّ ﷺ : ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦)﴾ [الزّمر]. واعلم أنَّ النَّقص فيمن تزيّوا عن خِدَاعٍ بزيّ العلماء، لا في أصحاب النَّبيِّ ﷺ الأجلّاء، المُثْنَى عليهم في التَّوراة والإنجيل والقرآن. وكفى برهاناً على عدالتهم مِنَ السُّنَّة قوله ﷺ في حَجَّة الوَدَاع: " هَذَا لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الغَائِبَ " (١). فلو كان فيهم مجروح واحد لما أمرهم النَّبِيُّ ﷺ جميعاً بالبلاغ عنه، ولذلك

стр. 170

لا يجوز التُّوقُّفُ أو التردُّد في عدالة أحد منهم، فَأَمْرُه ﷺ إيَّاهم بالبلاغ عنه جملة واحدة دون استثناء لا شكَّ فيه نصٌّ صريحٌ على عدالتهم جميعاً. وفي الحديث تصريح بوجوب تبليغ العلم ونقله وهو من فرائض الكفاية، وهذا ما قَامَ به أصحابُ النَّبِيِّ ﷺ ، فخير من بلَّغ بعد النَّبِيِّ ﷺ أصحابهلا إله إلا الله، فقد دعوا إلى ما دعا إليه ﷺ ، فأدوا الأمانة، وبلَّغوا الرِّسالة، وهذا القرآن الَّذي بين أيدينا، إنَّما نقله إلينا أصحابه لا إله إلا الله، فاجْهَدْ في اتِّباع سبيلهم، ولا تكن مع الجاهلين. وهذا الصَّحابيّ الجليل عَائِذ بْن عَمْرو ﵁ ينصّ على أنَّ الصَّحابة ﵃ كلّهم أجمعون صفوة عدول، روى مسلم أَنَّ عَائِذَ بْنَ عَمْرٍو، دَخَلَ عَلَى عُبَيْدِ الله بْنِ زِيَادٍ، فَقَالَ: "أَيْ بُنَيَّ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، يَقُولُ: إِنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ الْحُطَمَةُ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ، فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ فَإِنَّمَا أَنْتَ مِنْ نُخَالَةِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَقَالَ: وَهَلْ كَانَتْ لَهُمْ نُخَالَةٌ؟ إِنَّمَا كَانَتِ النُّخَالَةُ بَعْدَهُمْ، وَفِي غَيْرِهِمْ" (١). فإن احتجّوا على عدم عدالتهم جميعاً بقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح].وتمسَّكوا بأنَّ (مِنْ) في قوله تعالى (منهم) تفيد التَّجزئة والتَّبعيض، أي أنَّ بعضهم وعِد بالمغفرة والأجر العظيم، وليس كلّهم. فهذا كلام مَنْ يجهل اللّغة، فحرف الجرّ (مِن) يأتي على خمسة عشر وجهاً، أحدها بيان الجنس، فالحقّ أنَّ (مِن) في الآية بيانيّة للتّبيين لا للتّبعيض، فهي تبيّن أنّ جنس الصّحابة موعود بالمغفرة والأجر العظيم. وإنْ احتجّوا بما رواه مسلم عن حذيفة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "فِي أَصْحَابِي

стр. 171

اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقًا، فِيهِمْ ثَمَانِيَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الجنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ" (١). فالمعنى الَّذين يُنْسَبُون إلى صحبتي، ويتشبَّهون بأصحابي، فهو على المجاز، ولذلك احترز ﷺ ، فقال:"فِي أَصْحَابِي" ولم يقل: (مِن أصحابي) أي يدخلون في زمرة الصَّحابة وليسوا منهم، وذلك مثل قولنا: إبليس كان في الملائكة وليس منهم، وهؤلاء كانوا اثني عشر منافقاً في الصَّحابة، ولا يصحّ أن يُقَال: كانوا منهم. وكان حذيفة بن اليمان ﵃ قد خُصَّ بِمَعْرِفَةِ أَسْمَاءِ هؤلاء المُنَافِقِينَ، فهو صَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ. واعلم أنَّ الله تعالى قد رفع قَدْرَ الصَّحابة، فجعل إيمانهم معياراً ومقياساً لمن يأتي مِنْ بعدهم، فقال سبحانه: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ (١٣٧)﴾ [البقرة]. والآية في معناها أقوال أحدها: فإن آمنوا إيماناً مثل إيمانكم، فقد اهتدوا، فبقدرِ القُربِ من إِيمانهم لا إله إلا اللهتكون الهِداية، وهكذا. ذلك أنَّ الله ﷻ أخبر عن إيمانهم مقروناً بإيمان النَّبيِّ ﷺ ، فقال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة] واعلم أنَّ اللهَ تعالى أعلى شَأْنَهم، فأمر نبيَّه ﷺ بِخَفْضِ الجناح لهم، فقال له

стр. 172

: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ [الشّعراء]، وأمره بالدُّعاء لهم، فقال: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ (١٠٣)﴾ [التّوبة]، وأن يكون بهم حفيّاً فيبدأهم بالسَّلام، فقال: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ (٥٤)﴾ [الأنعام]، وأن يصبر نفسه معهم، فقال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ (٢٨)﴾ [الكهف]. وأمره أن يعفو عنهم، وأن يستغفر لهم، وأن يشاورهم في الأمر، فقال له: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ (١٥٩)﴾ [آل عمران]. وقد علَّمنا الله تعالى العَفْوَ عنهم عمَّا كان منهم، فقد عفا سبحانه عن الَّذين تولّوا منهم يوم أُحد، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)﴾ [آل عمران]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾ [آل عمران]. فاعف عن زلّاتهم إن وجدت فهم بَشَر، واستغفر لهم، فجدير بالعفو مَنْ عفا الله تعالى عنه. فإذا عرفت أنَّ الآيات تكاثرت في بيان فضلهم فلا عذر لك عند الله تعالى إذا وقعت فيهم، أو في أحد منهم، ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ (٢٧٥)﴾ [البقرة]. واعلم أنَّ الله تعالى لم يأمر باتِّباع كتب التَّاريخ، وإنَّما قال لنبيِّه ﷺ : ﴿اتَّبِعْ

стр. 173

مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ (١٠٦)﴾ [الأنعام]. وأمره أن يقول: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠)﴾ [الأنعام]، وأمرنا الله تعالى بما أمر به نبيَّه ﷺ ، فقال: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ (٥٥)﴾ [الزّمر]. ولذلك قال النَّبيُّ ﷺ لأصحابه في حَجَّة الوَدَاع: "وقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابَ الله. وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ، وَأَدَّيْتَ، وَنَصَحْتَ، فَقَالَ ـ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ، وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ ـ: اللَّهُمَّ اشْهَدِ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ" (١). قلت: وصدق الرَّسولُ ﷺ ، فقد ضَلَّ مِنْ بعده ﷺ مَنْ لم يعتصم بكتاب الله تعالى، ومَن لم يَأْتمَّ برسول الله ﷺ . كذلك لم يأمر الله تعالى بالاكتفاءبتقليد الآباء والإعراض عمَّا أنزله، قَال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ [البقرة]، وللآية نظائر ذمَّ الله تعالى فيها تقليد مَنْ لا علم له ولا هدى، وذمّ فيها مَنْ لا غرض له في التّقى، قال تعالى: ﴿ا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾ [المائدة]، وقال تعالى: ﴿ا وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ

стр. 174

كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾ [لقمان] وقال تعالى: ﴿ا قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤)﴾ [الزّخرف]. لذلك تجد في التنزيل مدح مَنْ لم يقلِّد مَنْ لا علم له، قال تعالى: ﴿ا الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزّمر]. ولم يأمر الله تعالى بالاستمساك بالرِّوايات الموضوعة، وإنّما قال ﷻ لنبيِّه ﷺ : ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣)﴾ [الزّخرف]، والَّذي أوحي إليه فيه ثناء وإطراء على الصَّحابة الأجلَّاء. هذا هو الحقّ ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ (٣٢)﴾ [يونس]. واعلم أنَّه مع صحَّة هذه النُّصوص كُلِّها، وقطعية ثبوتها ودلالتها لا اعتبارَ لخلافِ مَنْ خالف أيّاً كان. ولا أدري كيف يضْرِب صَفْحاً عن هذه الأدلَّة مَنْ شمَّ رائحة العلم! ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا (١٠٤)﴾ [الأنعام]. تحذير النَّبيِّ ﷺ من دعاة لا يهتدون بهداه ولا يستنون بسنته أخبر الصَّادقُ الأمين ﷺ عن شرٍّ سيأتي مِنْ بعده، ثم يعقبه خَيْرٌ لكن فيه دَخَنٌ، أي ليس خيراً خالصاً ولا نقيّاً، بل فيه كدر يشوبُ صَفْوَه، ثمَّ يكون من بعد هذا الخير شرٌّ خَالِص.

стр. 175

أخرج البخاريّ عن أبي إِدْرِيس الْخَوْلَانِيّ، أَنَّهُ سَمِعَ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ، يَقُولُ : " كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ الله ﷺ عَنِ الخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ، مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللهُ بِهَذَا الخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ، قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ، قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ، دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا، قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ، حَتَّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ" (١). وفي رواية مسلم: "يَكُونُ بَعْدِى أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ " (٢). ولعلَّه ﷺ عنى بالشَّرِّ الأوَّل الفتن الَّتي وقعت بعد استشهاد عثمان ﵁، وعنى بالخير التَّحكيم (الصُّلح) الّذي جرى بين عليّ ومعاوية، أو عام الجماعة الَّذي تنازل فيه الحسن ﵁ عن الخلافة لمعاوية ﵁، واجتمعت فيه كلمة المسلمين، لكن لم يكن الخير خالصاً يومها لخِلاف مَنْ خَالفَ مِنَ الخوارج.

стр. 176

أمَّا الشَّر الثَّاني، فقد صرَّحَ بِه ﷺ ، وهو ظهورُ دُعَاةٍ على أبواب جهنَّم، على اعتبار ما يكون ويؤول إليه حالهم، وكان هذا بعد معاوية ﵁، ولعلَّهم الخوارج، وبعض أمراء الطَّوائف والفرق، وأئمَّة الجور، وعلماء السُّوء في ذلك الزَّمان. وعلى هذا فكلُّ مَنْ دعا إلى ضلالة، أو دعا إلى غير سنَّة النَّبيِّ ﷺ والخلفاء الرّاشدين من بعده، أو هَدَى بغير هَدْي الله تعالى ورسوله ﷺ ، فهو من الدُّعاة على أبواب جهنَّم. ويفهم من الحديث أنَّه إذا لم يكن للمسلمين جماعة تجمعهم ولا إمام يأمّهم، وكانوا فرقاً مختلفة متفرِّقة لا ريح فيها، فإنَّه يجب اعتزال هذه الفرق، وقد قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا (١٠٣)﴾ [آل عمران]. ومن المعلوم أنَّ النُّصوص الشَّرعيَّة تأمر باتِّباع النَّبيِّ ﷺ ، والأخذ بسنَّتة وعدم مخالفتها لما جاء من الوعيد الشَّديد في ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣)﴾ [الأنفال] وتأمر باتّباع سبيل المؤمنين (الصَّحابةلا إله إلا الله)، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النّساء]. واعلم أنَّ مَنْ لم يتَّبع سبيل المؤمنين اتَّبع غير سبيلهم، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النُّور]. واعلم أنَّه لا يقوم إيمانُ عَبْد يؤمن بالله إلَّا على شهادتين: شهادة التَّوحيد، وهي شهادة أن لا إله إلَّا الله، وشهادة الاتِّباع، وهي شهادة أنَّ محمَّداً رسول الله.

стр. 177

وكلُّ مُتَّبَعٍ بعده ﷺ فإنَّما اتِّباعه فرعٌ لاتِّباع النَّبيِّ ﷺ ، وخير متَّبِعٍ ومُتَّبَعٍ بعد النَّبيِّ ﷺ أصحابه ﵃، فاجهد في اتِّباع سبيلهم، واقتفاء أثرهم، وترسُّم خطاهم. واعلم أنَّ هذه الفِرَق الّتي ضربت خيامها ومدَّت أطنابها في كلِّ مكان لم تكن في عهد النَّبِيِّ ﷺ على اختلاف أسمائها، فقد مات ﷺ والأمَّة جميع، كذلك عهد الشَّيخين ﵄، والله تعالى يقول: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ (٧٨)﴾ [الحجّ]. فأخبر الله تعالى أنَّه سمَّى أصحابَ النَّبيِّ ﷺ المسلمين مِن قَبْل القرآن وفي القرآن؛ لِمَا سَبَقَ في علمه أنَّه سيتَّخذهم شهداء على النَّاس يوم القيامة، فهم ورثة النَّبيِّ ﷺ في البلاغ وإقامة الحجج على النَّاس. فإذا كان الله تعالى قد سمَّاهم المسلمين من قبل، وارتضى لهم هذا الاسم الجامع المانع، فلماذا نتسمَّى بكلِّ هذه الأسماء؟! فإن قيل: حتَّى نميز أهل الحقِّ. قلنا: حَنانَيْكَ، هذا مقصد نبيل، لكن حَسْبنا ما سمَّانا الله تعالى. فإن قيل: فكيف نُعْرَف؟ قلنا: نعرف بالمسلمين على ما كان عليه النَّبيُّ ﷺ وأصحابه ﵃؛ فمفهوم كلمة المسلمين أشمل جمعاً، وأجمع شملاً. والله تعالى أمَر باتِّباع الصِّراط المستقيم، ولم يأمُرْ باتِّباع السُّبل والفرق، فقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ (١٥٣)﴾ [الأنعام]. ولذلك نقرأ في صلاتنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ

стр. 178

عَلَيْهِمْ (٧)﴾ [الفاتحة] والَّذين أنعم الله تعالى عليهم وَرَدَ ذِكْرُهم في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النِّساء]. أخرج أحمد عن ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: " خَطَّ لَنَا رَسُولُ الله ﷺ خَطّاً، ثُمَّ قَالَ: هَذَا سَبِيلُ الله، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ سُبُلٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ (١٥٣)﴾ [الأنعام] " (١). وقد حذَّر النَّبيُّ ﷺ من شرِّ أئمَّةِ الضَّلال، فقال ﷺ : "إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الأَئِمَّةَ المُضِلِّينَ " (٢) أي الزَّائغين المميلين عن الحقِّ، فإيَّاك أن تغترَّ بهم. هذا وقد قال الله تعالى في أئمَّة الضَّلال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١)﴾ [القصص] وقال في أئمَّة الهدى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)﴾ [الأنبياء] فحريّ بنا أن نفرِّق بينهم. فالنَّجاة النَّجاة باتِّباع آثار الرَّسول ﷺ وسُنَنِه السَّنِيَّة، والانتباهَ الانتباهَ مِن اتِّباع السُّبُل، وحَذَارَيْكَ مِنْ أصحاب الرَّأي والهوى، الَّذين على قلوبهم أكنَّة عن فقه الكتاب والسُّنَّة، قَالَ ﷺ : "إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ،

стр. 179

وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤوسًا جُهَّالاً، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ فَضَلُّوا، وَأَضَلُّوا" (١). وإنَّنا نجد ذلك واقعاً في زماننا، لكن مع وجود مقابله، فالمراد استحكام الجهل في علم الكتاب والسُّنَّة، ودُرُوس العِلْم، وذَهَابُ العلماء. وهذا الحديث الشَّريف قاله النَّبيُّ ﷺ في حَجَّة الوَدَاع، وفيه ذمٌ للَّذين يُفْتُون برأيهم استكباراً وأنفة أن يقولوا لا نعلم، وذمُّ مَنْ يبادر ويسارع إلى الفتوى بغير علم، وفيه الحثُّ على طلب علم الكتاب والسُّنَّة وأخذه عن أهله، وفيه بيان فضل العلماء، وأنَّ ذهابهم نذيرُ شرٍّ، وفيه النَّهي عن اتّخاذ الجُهَّال رؤوساً وأئمَّة. وقد أخبر النَّبيُّ ﷺ أنَّ مِن أشراط السَّاعة رفع العلم، وكثرة الجهل، وذلك بقبض العلماء، وغلبة السُّفهاء، قال ﷺ :"إنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَكْثُرَ الْجَهْلُ " (٢). وأخرج البخاري عن مرداس مرفوعاً، قَال: قَالَ ﷺ : "يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ، وَيَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ أَوْ التَّمْرِ لَا يُبَالِيهِمْ اللهُ بَالَةً" (٣). أي في آخر الزَّمان يُقْبَضُ الصَّالِحُونَ أَسْلَافًا، وَيَفْنَى الصَّالِحُونَ الْأَوَّلُ

стр. 180

فَالْأَوَّلُ، ويبقى مَنْ لا خَيْرَ فيه، ممَّن لا يَعْرِفُ معروفاً ولا ينكر منكراً، لا يرفع الله تعالى لهم قَدْراً، ولا يقيم لهم وزناً، ولا يعبأ بهم. فاتَّبع الهدى باقتفاء أثر النَّبيِّ ﷺ وأصحابه لا إله إلا الله، وانهض بحبِّ الصَّالحين؛ خشية أن تكون ممَّن لا يباليه الله تعالى بَالَةً، ولا يكترث به! أعظم الكذب! نهى الله تعالى عن الكذب وذمَّ أهله، فقال ﷻ : ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠)﴾ [الذَّاريات]، وقال: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧)﴾ [الجاثية]، وقال: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ (١٠٥)﴾ [النَّحل]. والكذب أنواع ومراتب ودرجات، أعظمها الكَذِبُ على الله تعالى، ثمَّ الكذب على رسوله ﷺ ، ثمَّ على سائر الخلق بَدْءاً بالوالدين. ومِنَ الكذب العظيم على الله تعالى القول عليه سبحانه بغير علم، قَال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف]. فذكر الله تعالى في هذه الآية المحرَّمات، وجعلها أربع مراتب، وبدأ بالأدنى ثمَّ الأعلى فالأعلى، وجعل القول عليه بغير علمٍ في الدَّرجة العليا منها، وهي: الفواحش، والإثم والبغي، والشِّرك، ثمَّ الأعظم تحريماً، وهو القول عليه ـ سبحانه ـ بغير علم، ويعمّ القول في آياته، وأسمائه، وصفاته، وشرعه، وأحكامه.
следующие страницы →