كَانَتْ تَرْقُدُ حَتَّى تَدْخُلَ الشَّاةُ، فَتَأْكُلَ خَمِيرَهَا، أَوْ عَجِينَهَا، وَانْتَهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: اصْدُقِي رَسُولَ الله ﷺ حَتَّى أَسْقَطُوا لَهَا بِهِ (١)، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ الله! والله مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ الْأَحْمَرِ " (٢).
ويظهر أنَّ النَّبيَّ ﷺ كره أن يصرِّحَ بالأمر، فصرَّحَ به بعضُ أصحابه ﷺ ، فلمَّا تفطَّنت للأمر نَفَتْ أنَّها رأت فيها ما يسألون عنه أبداً، وأنَّها لا تعلم فيها إلّا الخُلُوص من العيب كما يعلم الصّائغُ من الذَّهب الأحمر الخُلُوص من العيب.
موقف النّبيّ ﷺ -
لم يَشُكَّ النَّبيُّ ﷺ ببراءة عائشة قطُّ، وحاشا للنَّبيِّ ﷺ من ذلك، وإنَّما تعيَّن عليه استشارة أهل بطانته، والتَّنقيب عن هذه القصَّة؛ لقطع دابر الطُّغيان واجتثاث شُبَه أهل الإفك بإقامة الحجَّة عليهم.
وإلّا فإنَّ براءة عائشة ﵂ محقَّقةٌ عنده ﷺ ، فالنَّبيُّ ﷺ أعلم النَّاس بعائشة ﵂، وبجميل أحوالها وارتفاعها عن الدَّنايا، فصحبة عائشة ﵂ له آكد مِنْ صحبة غيرها مِنْ نسائه، لكنَّه ﷺ لم يكن يحكم لنفسه إلّا بعد نزول الوحي، ولم يكن ليحكم على عائشة ﵂ برأي؛ لقوله تعالى: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ (١٠٥)﴾ [النِّساء]
وليس له ﷺ أن يتكلم في أَمْر ليس له به علم، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (٣٦)﴾ [الإسراء] فالنَّبيُّ ﷺ لا يُثْبِتُ أمراً، ولا ينفيه إلَّا بعلم كما أُمِر.
стр. 72
ثمّ إنَّ الإسلام دين الواقعيَّة، فالنَّبيُّ ﷺ يعلّمنا أنْ نأخذ بالأسباب ولا ننفكّ عنها. وإذا كان أفاضل الصَّحابة يقطعون بكذب أهلِ الإفكِ، ويجزمون ببراءَة عائشة ﵂، ويقولون: " لا نعلم إلّا خيراً " ويقولون: سُبْحَانَكَ ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦)﴾ [النُّور] فما الظَّنُّ بالنَّبيِّ ﷺ !
وموقف النَّبيِّ ﷺ لا يختلف كثيراً عن موقف أصحابهلا إله إلا الله، فقد ثبت أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لمّا وَقَفَ خطيباً على المنبر واستعْذَر مِن ابن أبيّ، شَهِدَ لعائشة ﵂ وصفوان ﵁ بالخير، قَالَتْ عائشة: فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: "يَا مَعْشَرَ المسْلِمِينَ، مَنْ يَعْذِرُنِي (١) مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي؟! فَوَالله مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْراً، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلاً مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْراً، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إلّا معي" (٢).
وفي رواية هشام بن عروة، قال: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: "لمّا ذُكِرَ مِنْ شَأْنِي الَّذِي ذُكِرَ وَمَا عَلِمْتُ بِهِ، قَامَ رَسُولُ الله ﷺ فِيَّ خَطِيبًا، فَتَشَهَّدَ، فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أُنَاسٍ أَبَنُوا (اتّهموا) أَهْلِي، وَايْمُ الله، مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي مِنْ سُوءٍ، وَأَبَنُوهُمْ بِمَنْ؟! والله مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَطُّ، وَلَا يَدْخُلُ بَيْتِي قَطُّ إِلَّا وَأَنَا حَاضِرٌ، وَلَا غِبْتُ فِي سَفَرٍ إِلَّا غَابَ مَعِي" (٣).
стр. 73
موقف أبي أيوب الأنصاري ﵁ -
عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: "لمَّا أُخْبِرَتْ عَائِشَةُ بِالْأَمْرِ، قَالَتْ: "يَا رَسُولَ الله، أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَنْطَلِقَ إِلَى أَهْلِي؟ فَأَذِنَ لَهَا، وَأَرْسَلَ مَعَهَا الْغُلَامَ، وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: سُبْحَانَكَ ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦)﴾ [النُّور] " (١)
والرَّجل الَّذي من الأنصار هو أبو أيوب الأنصاريّ: خالد بن زيد بن ثعلبة، مشهور بكنيته، شهد بدراً، والعقبة، وما بعدهما مع رسول الله ﷺ ، وخصَّه النَّبيُّ ﷺ بالنزول عليه لمَّا قدم المدينة، فأقام عنده إلى أن بُنِيَتْ بُيُوتُهُ ومسجده، وقد لزم الجهاد إلى أن توفيَّ في القسطنطينيّة سنة اثنتين وخمسين في الغزوة الّتي أغزاها معاوية بن أبي سفيان ﵁ ابنه يزيد.
ورَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق ابن حميد، عن سلمة، عن ابن إِسْحَاق، عن أبيه، عَنْ بَعْض رِجَال بَنِي النَّجَّار، أَنَّ أَبَا أَيُّوب، قَالَتْ لَهُ أُمّ أَيُّوب: " أَمَا تَسْمَع مَا يَقُولُ النَّاسُ فِي عَائِشَة؟ قَالَ: بَلَى، وَذَلِكَ الْكَذِب، أَكُنْتِ فَاعِلَةً ذَلِكَ يَا أُمّ أَيُّوب؟ قَالَتْ: لَا والله، ما كنت لأفعله، قَالَ: فَعَائِشَةُ والله خَيْر مِنْك" (٢).
من ردّ عن عرض أخيه
لا يخفى على أبي أيوب ﵁ ولا على مَنْ هو دونه أنَّ النَّبيَّ ﷺ رَغَّبَ في أن
стр. 74
يردَّ المسلم عن عرض أخيه، قال النَّبِيُّ ﷺ :
" مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ المسْلِمِ كَانَ حَقّاً عَلَى الله أَنْ يَرُدَّ عَنْهُ نَارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (١). وسيأتي بعد أسطار لأمِّ المؤمنين عائشة ﵂ أن تردَّ عن عِرْضِ حسّان ﵁.
الحِكمة من لبوث الوحي
اقتضت حكمة الله تعالى أَنْ حُبِسَ الوحيُ شهراً لا يُوحَى لِرَسُولِ الله ﷺ شيئاً في شأن عائشة ﵂؛ ليظهر الله تعالى ما في قلوب المؤمنين من حسن الظَّنِّ بالله تعالى ورسوله وأهل بيته، ويزيدهم إيماناً وثباتاً على الهدى، وليستدرج الله تعالى المنافقين، ويملي لهم، ويكشف سرائرهم، ويزدادوا إثماً، وليُظْهِر الله تعالى قَدْرَ رسول الله ﷺ وأهل بيته عنده؛ فقد تولَّى الله تعالى الدِّفاع عن رسوله وأهل بيته.
عائشة ﵂ تتمثَّل آي القرآن في النّوازل
كانت عائشة ﵂ تعلم أنَّ الشِّدَّة إذا تناهت كان وراءَها الفرجُ قريباً، فقد قضى الله تعالى أنَّ العُسْرَ بعده يُسْر، وتعلم أنَّ الصَّبْرَ محمودُ العواقب، و أنَّ الأمر إذا ضاق اتَّسع، وأنَّ الصَّبرَ الجميلَ يعقبه الخيرُ الجزيلُ، وأنَّ الصبر وإن كان مرّاً فإنَّ عاقبته حلوةٌ، وما الخير والخيرة إلَّا في التّقى والصَّبر؛ فصبرت واحتسبت، وفوَّضت أمرها إلى الله تعالى وحده، ولذلك تجدها تقول: "والله مَا أَجِدُ لَكُمْ مَثَلاً
стр. 75
إِلَّا قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ (١)،قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾ [يوسف] " (٢) وفي ذلك منْقَبة لعائشة شمَّاء، وفضيلة غرّاء؛ حيث صبرت صبراً جميلاً، كما قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥)﴾ [المعارج] وفي تمثّلها بآي القرآن في النَّوازل خلق عظيم؛ فيا لهفي ولهف المؤمنين على مَنْ كان خلقه القرآن الكريم!
عائشة ﵂ والصّفح الجميل
كذلك صفحت عائشة ﵂ الصَّفح الجميل، كما قال تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾ [الحجر] فلمَّا سمعت ﵂ عروة ﵁ يسبُّ حسان بن ثابت ﵁ بعد أن كثَّر عليها، أنكرت على عروة، وأمرته أن يكفَّ عن ذلك، ودافعت عن حسان بن ثابت ﵁، وذكرت من مناقبه أنَّه كان يدافع عن رسُولِ الله ﷺ ، ويردُّ عنه القول والأذى، فمن طريق أبي أسامة، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ: "أَنَّ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ كَانَ مِمَّنْ كَثَّرَ عَلَى عَائِشَةَ؛ فَسَبَبْتُهُ، فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتي، دَعْهُ فَإِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ " (٣).
نعم، فهو شاعر الرَّسول ﷺ ، المؤيَّد بروح القدس، أخرج البخاريّ وغيره عن الزّهريّ، قال: أخبرني أبو سلمة بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ: " أَنْشُدُكَ الله، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ ، يَقُولُ:
стр. 76
يَا حَسَّانُ، أَجِبْ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ " (١) وعَنْ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِحَسَّانَ: "اهْجُهُمْ ـ أَوْ هَاجِهِمْ ـ وَجِبْرِيلُ مَعَكَ " (٢).
تحريم سبّ الصَّحابة ﵁
فليحذر الَّذين يقعون في أعراض الصَّحابة لأجل زلّات غُفِرَتْ، فعدالة الصَّحابة لا تعني أنَّهم معصومون عن الخطأ، قال ﷺ : " كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، فَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ " (٣).
فما يدريك إذا أخطأ أحدهم أنَّه قد تَابَ، وتَابَ الله عليه، أو أنَّ الله تعالى قد غفر له بسابقته، أو أنَّ له حسنات يذهبْنَ السَّيِّئات، أو أنَّه حلَّت عليه الشَّفاعة، فالصَّحابة لا إله إلا اللهأحقُّ النَّاس بها.
ولذلك فإنَّ الخطأ منهم لا يبيح الطَّعن بهم والنَّيل منهم، فلهم مِن السَّوابق والفضائل والمناقب ما تُغْفَر بها الأخطاءُ، ولهم من الحسنات ما تُمْحى بها السَّيِّئاتِ ما ليس لأحد مِن بعدهم، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي؛ فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ " (٤).
فسبُّ الصَّحابة لا إله إلا الله محرَّم، وهو مِن الكبائر، ولا يستثنى مِن ذلك أيّاً مِن
стр. 77
الصَّحابة لا إله إلا الله، فقد قال ﷺ : "لَا تَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِي؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ " (١)، وقال ﷺ : "مَن سَبَّ أصحابي، فَعَليْهِ لعنةُ الله والملائكةِ والنَّاس أجمعين" (٢).
واعلم أنَّ سبَّ الصَّحابة فيه أذى لله تعالى؛ لأنَّ الله تعالى هو الَّذي اختارهم لصحبة نبيِّه ﷺ ، قال قتادة: " وَلَكِنْ أَحَقّ مَنْ صَدَّقْتُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ الله ﷺ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ الله لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ وَإِقَامَةِ دِينِهِ" (٣) وهو الَّذي زكَّاهم في كتابه الكريم، وضرب لهم مثلاً في التوّراة والإنجيل.
وفيه أذى للرَّسول ﷺ واتِّهام له أنَّه لم يحسن تربيتهم، وأنَّه ﷺ أثنى عليهم وليسوا أهلاً للثَّناء، وهذا ممنوع.
مَن تكلّم ومَن تولّى كبره
في آخر رواية هشام بن عروة أنَّ الَّذين تكلَّموا هم: حمنة، وحسّان، ومسطح لا إله إلا الله. وإنَّما أُخِذَ عليهم لأجل أنَّهم سمعوا وأصغوا، وأمَّا مَن اخْتَلَقَ الإفك وأذاعه وأشاعه فهو رأس المنافقين ابن أبيّ، تقول عائشة ﵂: "أمَّا زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ فَعَصَمَهَا اللهُ بِدِينِهَا فَلَمْ تَقُلْ إِلَّا خَيْراً، وَأَمَّا أُخْتُهَا حَمْنَةُ، فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ، وَكَانَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيهِ مِسْطَحٌ، وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَالمُنَافِقُ عَبْدُ الله بْنُ أُبَيٍّ،
стр. 78
وهو الَّذِي كَانَ يَسْتَوْشِيهِ وَيَجْمَعُهُ، وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ" (١).
نزول الوحي على النّبيّ ﷺ في بيت أبي بكر ﵁ ببراءتها ﵂ -
دَخَلَ النَّبيُّ ﷺ على بيت الصَّديق ﵁، فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدَ عائشة مُنْذُ قِيلَ مَا قِيلَ قَبْلَهَا. وقبل أن يُفَارقَ النَّبيُّ ﷺ مجلسه، وقبل أن يغادر أحدٌ من أهل البيت ممَّن كانوا حضوراً، أَخَذَت النَّبيَّ ﷺ شِدَّةٌ، وراح يتصبَّبُ عرقاً كأنَّه اللُّؤْلُؤ وهو في يوم شَاتٍ من ثقل ما أنزل عليه، فلمَّا كُشِفَ عنه، وهو يضحك، بشَّرَ عائشة ﵂ بأنَّ الله تعالى قد أنزل براءتها.
وما كانت عائشة ﵂ تظنُّ أنْ يُتَكلَّمَ في القرآن الكريم بأمرها، ويُقرأ به آناء اللَّيل وأطراف النَّهار في المساجد، ويُصلَّى به، لكنَّها ﵂ كانت ترجو أن يَرَى النَّبيُّ ﷺ في منامه رؤيا يبرِّئها اللهُ تعالى بها.
قَالَتْ عائشة ﵂: "ثُمَّ تَحَوَّلْتُ فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي، وَلَكِنْ والله مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللهَ مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى، وَلَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ (٢) مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ الله ﷺ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي الله بِهَا.
قَالَتْ: فوالله مَا رَامَ (ما برح مجلسه) رَسُولُ الله ﷺ وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ
البَيْتِ حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنْ البُرَحَاءِ (٣) حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ
стр. 79
الْجُمانِ مِنْ الْعَرَقِ (١) وَهُوَ فِي يَوْمٍ شَاتٍ مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي يُنْزَلُ عَلَيْهِ.
قَالَتْ: فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ سُرِّيَ عَنْهُ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَكَانَتْ أَوَّلُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا: يَا عَائِشَةُ، أَمَّا الله فَقَدْ بَرَّأَكِ.
فَقَالَتْ أُمِّي: قُومِي إِلَيْهِ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: لَا والله لَا أَقُومُ إِلَيْهِ (٢) وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا الله ، فَأَنْزَلَ الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ (١١)﴾ [النُّور] الْعَشْرَ الْآيَاتِ كُلَّهَا " (٣).
عائشة ﵂ تضيف معرفة النّعمة بكلّيتها إلى الخالق دون الخلق
ويلاحظ في قول عائشة ﵂: "وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا الله " نَفْي معرفة النِّعمة عن
أحد من الخلق، وإضافتها بكلِّيتها إلى الخالق وحده، وهذا من كمال التَّوحيد؛ فإفراد الله تعالى بالحمد في هذا المقام فيه تجريد التّوحيد، فالله تعالى وحده الَّذي أنعم بإنزال براءة ساحتها.
وفيه تجريد المتابعة للنَّبيِّ ﷺ والتمسَّك بقوله ﷺ ، فهو الَّذي أمرها أن تفرد الله تعالى بالحمد؛ ففي رواية: "فَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ لِي: "يَا عَائِشَةُ، احْمَدِي الله، فَقَدْ بَرَّأَكِ الله" (٤). وقولها يدلّ على حسن سمعها، ووفور عقلها، وعقول كلّ قوم على قدْر زمانهم!
стр. 80
أبو بكر الصديق ﵁ يعفو عن مسطح ﵁ ويصفح
كان أبو بكر الصِّدِّيق ﵁ وقَّافاً عند كتاب الله تعالى، يعمل به ولا يتجاوزه اقتداءً برسول الله ﷺ ، فلمَّا أنزل الله تعالى براءة عائشة ﵂، أقسم أبو بكرٍ ﵁ أن لا ينفقَ على مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ ﵁ بعد أن قال الَّذي قال في عائشة ﵂، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ إلى قوله: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ (٢٢)﴾ [النُّور].
فقَالَ أَبُو بَكْرٍ: " بَلَى والله إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ الله لِي" وعَادَ له ﵁ بما كان يصنعُ، ففي آخر حديث عروة عن عائشة، قالت: " فَلَمَّا أَنْزَلَ الله هَذَا فِي بَرَاءَتِي، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ (وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ): والله
لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ ما قال، فَأَنْزَلَ الله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾ [النُّور] قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى والله إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ الله لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: والله لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا" (١). فثبت بذلك وقوع المغفرة لمن غَفَرَ إلى مَنْ أساءَ إليه وصفح عنه.
الحُكم فيمن قذف طيّبة طابة ﵂ بعد أن أنزل الله تعالى براءتها
لا يمكن لأحدٍ مِن النَّاس ـ وضيعاً كان أو رفيعاً ـ أن يَنْأَى بنفسه عن أذى
النَّاس وشرورهم مهما تخلَّق بأخلاق الكِرام؛ فمن العوام كالأنعام، ومِن الرَّعَاع
стр. 81
كالسَّمِّ النّاقِع، ومن الخَلْق خَلْق هان عليهم أمر الله تعالى ونهيه ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ (٦٧)﴾ [الزّمر]، ومنهم مَنْ لم يعرف فضل النَّبيِّ ﷺ وصحبه ﵃، فكيف لهم أن يعرفوا فضلك، أو أن ينزلوك منزلتك؟!
وهذا الأذى والبلاء الَّذي لحق بطيِّبة طَابَة عائشة ﵂ تكاد تذوب منه القلوب، وتذهل له العقول، فكيف بمن تجرَّعه أَنْفَاساً، وشَرِبَه عَلَلًا بَعْدَ نَهَلٍ؟! قال ابن القيّم ﵀:"واتَّفقت الأمَّة على كفر قاذفها" (١).
قلت: ذلك لأنَّ الطَّعن بأمِّ المؤمنين ﵂ بعد أن برَّأها الله تعالى في كتابه فيه تكذيب صريح لكلام الله تعالى الَّذي برَّأها، وفيه أذىً للرَّسول ﷺ ، بدليل قوله ﷺ : "مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي؟! "وأذيَّة الرَّسول ﷺ حرام بالاتِّفاق.
كذلك فيه تنقُّص للرَّسول ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ (٢٦)﴾ [النُّور] وما كان الله تعالى ليجعلها زوجة النَّبيِّ ﷺ لولا أنَّها مبرّأة وطيِّبة من سلالة طيِّب، كما قال تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ (٢٦)﴾ [النُّور] فقد كانت أحبَّ أزواج رسول الله ﷺ إليه، وما كان رسول الله ﷺ أن يحبَّ إلَّا طيّباً.
وبالجملة، الوَقِيعَة في عائشة ﵂ فيها أذىً لله تعالى وللرَّسول ﷺ ، وفيها أذى للمؤمنين والمؤمنات، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ
وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾ [النُّور].
من دلالات الآيات وعظاتها وهداياتها
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ وهو أعظم ما يكون مِنَ الكَذِبِ على عائشة ﵂، والاسم الموصول (الَّذين) ظَاهِر في إرادة جماعة، وفي لفظ (جاؤوا) إشارة إلى أنَّ الإفْك لا أصل لَه، وإنَّما جاؤوا بِه مِن عند أنفسهم ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ جماعة منكم، وعلى رأسهم رأس المنافقين ابن أبيّ. قلت: وقد عُدَّ ابن أبيّ في المؤمنين وليس منهم، وهو أسلوب معروف في العربيَّة كما قال تعالى عن إبليس: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ (٣١)﴾ [الحجر] فقد عُدّ إبليس في الملائكة وهو ليس منهم.
﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ الخِطَابَ وإن كان عامّاً لكلِّ مؤمن سَاءَه ذلك، لكن فيه تسلية خاصَّة للنَّبيِّ ﷺ ، وأبي بكر، وعائشة، وأمِّ رومان، ومسطح لا إله إلا الله.
﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فلا عجب أن تحطَّ البلايا وتنزل الرَّزايا بالأنبياء والأولياء؛ سأل سَعْد ﵁ النَّبيَّ ﷺ ، قَالَ: "قلت: يَا رَسُولَ الله، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ مِنْ النَّاسِ" (١) وذلك لما فيها من الخير الخفيّ والجليّ، قال ﷺ "إِنَّ الرَّجُلَ لتَكُون لَهُ عِنْدَ الله المَنْزِلَةُ، فَمَا يَبْلُغُهَا بِعَمَلٍ، فَلَا يَزَالُ الله يَبْتَلِيهِ بِمَا يَكْرَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ إِيَّاهَا" (٢).
стр. 84
والخير من وجوه: منها الأجر العظيم للنَّبيِّ ﷺ ولأمِّ المؤمنين عائشة ﵂ ولأبي بكر وآله، الَّذين أوذوا وصبروا.
ومنها الشَّرف العظيم لأمِّ المؤمنين؛ فالله تعالى أنزل براءَتها في قرآن يُتْلى، ولهذا لمَّا دخل ابنُ عبَّاس عليها ﵂، وهي على فراش الموت، أثنى عليها وقال: " زَوْجَةُ رَسُولِ الله ﷺ ، وَلَمْ يَنْكِحْ بِكْرًا غَيْرَكِ، وَنَزَلَ عُذْرُكِ مِنْ السَّمَاءِ" (١).
ومنها إعلاءُ قَدْرِ المؤمنين الَّذين قَدَّمُوا حُسْنَ الظَّنِّ وحسن العَهْد بأمّ المؤمنين ﵂، والثَّناءُ عليهم من الله تعالى، وعِظَةٌ للمؤمنين إلى قيام السَّاعة من الإِقدام على مثل هذا الحديث خشية أنْ تزلَّ الأقدام، ووجوب التَّحفظ في الأمور والتَّثبُّت من الأخبار، فقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات]، وتنبيه عائشة ﵂ ومَنْ أُوذي مثلها وأصيب بمصابها أنَّ ذلك ليس شرّاً، وإنَّما هو خير وعاقبته حسنة، ولذلك جاء الخطاب عامّاً، وسيق للتَّأسِّي بما جرى لعائشة أمّ المؤمنين ﵂.
ومِنَ الوجوه فضح المنافقين وما يضمرونه من شرٍّ للنَّبِيِّ ﷺ وأهل بيته وللمؤمنين، والتَّعريف بخطرهم والتَّحذير منهم، وتثقيل ميزان عائشة ﵂ وميزان صفوان ﵁، مِن الطَّاعنين التَّابعين لهم بغير إحسان، المخالفين لأمر الرحمن ﷻ ، الوارثين لنفاق ابن أبيّ.
فضلاً عن أنَّ هذه الآيات أحوج مَا يكون العباد للعمل بها حتَّى قيام
стр. 85
السَّاعة، والله إذا أراد أمراً أصابه، ولولا هذه الحادثة الَّتي لا تعدو أمر الله تعالى لضاعت فوائد وفوائد.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ هذا حُكْم الله تعالى، أن تحملَ كلُّ نفسٍ ما اكتسبت، كما قال تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ (٢٨٦)﴾ [البقرة]، وكما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ [المدّثر].
﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ أي معظمه ﴿مِنْهُمْ﴾ أي من العصبة، وهو المنافق ابن أبيّ ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)﴾ لأنَّه أذاع ما أذاع مِنَ الإفك عداوةً للنَّبيِّ ﷺ ، ويلاحظ تَغَايُر العقوبة بين مَنْ تَكَلَّم وبين مَنْ تولَّى كبره.
﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ لولا: للتَّحضيض والتَّنديم والتَّنديد، فالله تعالى يحضُّ المؤمنين ويحثُّهم على تقديم حُسْنِ الظَّنِّ عند سماع مثل هذا الحديث الَّذي ليس عليه شهود، فلا ينبغي لمؤمن أن يطعن في أخيه المؤمن الَّذي هو في منزلة نفسه. وجَعَلَ الغير مقام النَّفس (بأنفسهم)، فالمؤمنون كَنَفْسٍ وَاحِدة، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ (١١)﴾ [الحجرات] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ (٢٩)﴾ [النِّساء].
وكان مِن حقِّ (لولا) أن يليها الفعل (ظنَّ) مِن غير فاصل، لكن فَصَلَ بينهما قوله: (إذ سمعتموه) والظَّرف يجوز فيه، لأنَّ الظَّرفَ لا ينفكُّ عنه ما يَقَعُ فيه. والغرض مِنْ تقديم الظَّرف (إذ) العناية به والاهتمام بمدلوله، فقد كان ظنُّ الخير واجباً من أوَّل زَمَنِ سَمَاعِ حديث الإفك، فالواجب تقديم الأهمِّ في الذِّكر،
стр. 86
فلمَّا كان ذِكْرُ الوقت أهمَّ وجب تقديمه. وقدّم ظرف الزَّمان (إذ) المتعلِّق بالفعل (ظنَّ) على الفعل (سَمِعَ) للغرض نفسه، وهو الاهتمام بإنكار حديث الإفك من أوَّل زَمَنِ سَمَاعِهِ.
وأسند فعل الظَّنِّ إلى المؤمنين، فقال: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وَعَدَلَ عن إسناده إلى الضَّمير، فلم يقل (ظننتم) على مقتضى الظَّاهر مع أنَّه أوجز، وهذا يعرف في علم المعاني بالالتفات، ووجه حسن الالتفات أنَّه عَدَلَ عن الضَّمير إلى الظَّاهر ليكون أبلغ في التَّعنيف والتَّنديم، وليصرِّح بلفظ الإيمان الَّذي يشتركون به، والمقتضي أن لا يصدِّق مؤمنٌ على مؤمنٍ شيئاً من الإفك والبهتان إلّا ببيِّنة وبرهان.
وقوله: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ يفهم منه كذلك أنَّ هذا الكلام إنْ كانوا لا يرضونه لأنفسهم، فأمّ المؤمنين أولى بالبراءَة منه، وبأَنْ يظنُّوا بها عفافاً كظنِّهم بأنفسهم.
وقوله: ﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)﴾ استئناف غرضه حضُّ المؤمنين إلى المبادرة إلى تكذيب حديث الإفك، فالظَّنُّ الواجب للمؤمن أَمَام أَبْيَنِ الكَذِبِ هذا أن يُسَارِعَ إلى تكذيب قائله، فهو كَذِبٌ ظاهر لا يليق بما عليه أمِّ المؤمنين ﵂ من الإيمان الوازع عن مثل هذا البهتان، فأمّ المؤمنين ليست كأحد من النِّساء في الشَّرف والمنزلة، كما قال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ (٣٢)﴾ [الأحزاب] فشرف المنزلة مَانِعٌ عن مثل هذا الإفك، فهي قدوة حسنة كسائر أمَّهات المؤمنين، ومن يُقْتَدَى به لا يُصدَّق عليه هذا الكذب.
وكان مِنَ الصَّحابة ﵃ مَنْ سَمِعَه فسكت، ومنهم مَنْ تكلَّم متعجباً مِنْ
стр. 87
قائله، ومنهم مَنْ سارع إلى تكذيبه والإنكار على قائله، وهم السَّواد الأعظم.
وقوله: ﴿هَذَا إِفْكٌ﴾ باسم الإشارة، يجسِّد المعنى ويجلِّيه ويبرزه في أبشع صورة ويحضره في ذهن السَّامع حسّاً، فكأنَّ الكذب ماثلٌ أمام أعينهم بما فيه من قبح وظلم بيِّن لا يليق بالمؤمنين، ولعلَّ ذلك سرُّ الإعراض عن الضَّمير، فلم يقل: (هو إفك)، وقد جاء ذكر حديث الإفك باسم الإشارة في موضعين آخرين للغرض نفسِه، فقد جاء في قوله: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾، وقوله: ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦)﴾ لما في الإشارة إليه من تجسيد للمعنى، والله أعلم.
﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ﴾ هلّا جَاؤوا على ما زعموا مِن الإفك ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ إنْ كانوا صادقين، والشَّهادة هذه مطلقة، وجاءت مقيَّدة في مثل قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ (٢٨٢)﴾ [البقرة] فليس المرادُ أربعةَ شهداء حتّى لو كانوا مجروحين، وإنَّما أربعة شهداء عدول.
﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ﴾ الفاء: استئنافيَّة، وإذ: شرطيَّة، أي فإذا عجزوا عن الإتيان بأربعة شهداء ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ في حكمه وشريعته ﴿هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)﴾ لا غيرهم.
وصيغة الحصر في جواب الشَّرط في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ للمبالغة، وكأنَّ الكَذِبَ انْحَصَرَ فيهم. وضمير الفصل (هم) أفاد الاختصاص، فما يُنْسَبُ إلى المسند إليه ثابت له دون غيره، والمسند إليه هو المبتدأ (أولئك)، وما ينسب إليه هو الكذب.
стр. 88
والغرض من اسم الإشارة (فأولئك) الإشارة إليهم لمزيد تعيينهم بصفة الكذب تحذيراً لنا مِن أمثالهم، أمَّا التَّقييد والتَّعيين في شبه الجملة الظَّرفيَّة (عِنْدَ الله) فلزيادة ثبوت كذبهم وتحقُّقه. وأضيف ظرف المكان إلى لفظ الجلالة للتَّعظيم، وكلُّ ذلك من باب تعظيم حرمة عِرْضِ المسلم.
ونتعلَّمُ من الآية أنَّ الواجِبَ ألّا نُصَدِّقَ مَنْ يرمي مُؤْمِناً بفاحشة إلَّا أنْ يأتيَ بأربعة شهداء، فإن لم يأتِ بهم، قلنا له: أنت عند الله تعالى من الكاذبين.
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ لولا: حرف امتناع لوجود، وفضل: مبتدأ حذف خبره، وتقديره موجود، أي لولا فضل الله عليكم موجود ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ﴾ خضتم وأكثرتم ﴿فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤)﴾ لكنَّ فضل الله عليكم ورحمته موجودة في الدُّنيا والآخرة، وهذا وعد ضمنيٌّ من الله تعالى بالفضل والمغفرة لهم دون الَّذي تولَّى كبره؛ فالآية مصرِّحة بأنَّ العذاب لا يَمَسُّ كُلَّ مَنْ تكلَّم، وإنَّما يمسُّ مَنْ تولَّى كِبْرَه، وهو ابنُ أبيّ، كما قَال تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)﴾ فالعذاب العظيم مختصٌّ بِمَنْ تولَّى كبره دون غيره، لأنَّه إنَّما قال ما قال ليعيب الرَّسول ﷺ ويغيظه عن قصد؛ كراهة لما جاء به مِنَ الحقِّ.
﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ الآية فيها زجر عن أمرين محظورين: تلقُّف مثل هذا الكلام ونقله، والقَول بلا علم. ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ صغيراً ﴿وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)﴾ في الإثم، فهو من الكبائر.
стр. 89
﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ﴾ هلَّا قلتم إذ سمعتموه ﴿مَا يَكُونُ لَنَا﴾ ما يحلُّ لنا ﴿أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ ولم يقل (به)، وإنَّما جاء باسم الإشارة (هذا) لتجسيد الحديث والدَّلالةِ على ظهوره، وأنَّه مع هذا لا يكون لنا أن نتكلَّم به وإن ظهر واشتهر، وذَاعَ وشَاعَ. وقوله (ما يكون) أقوى في الدَّلالة على عدم الجواز مِن (ما ينبغي) لأنَّ (ينبغي) من أفعال المطاوعة، والله تعالى أعلم.
﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦)﴾ والتَّسبيح مجازٌ عن التَّعجُّب وذريعة له، وعلاقته السَّببية، فكل مَنْ تعجَّب مِنْ أمر، قال: (سبحان الله!). و (سُبْحان) اسم مصدر و (بُهْتان) مصدر، وكلاهما على وزن (فُعْلان) وفيهما دلالة بالغة على المبالغة في إنكار حديث الإفك، والتَّعجب من عِظَمِ أمره.
﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ﴾ بالأمر والنَّهي، والتَّحذير والتَّذكير، والتَّرغيب والتَّرهيب ﴿أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾ لنظير القول في عائشة ﵂، وهذا من باب الزَّجر ﴿أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧)﴾ جَعَلَ شَرْطَ الإيمان ترك القذف، فإنَّ الإيمان يمنع مِن ذلك، وفيه تهييج لهم على سماع وعظه سبحانه، وإذا جاءت العِظَات مِنَ الله تعالى فنعمَّا هي، ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ (٥٨)﴾ [النِّساء].
ولعلَّه خصَّ المؤمنين بالوعظ دون غيرهم، لأنَّهم الَّذين ينتفعون به، والله أعلم. فما أحوجنا إلى القرآن ولفظه، وما أفقرنا إلى تدبُّره ووعظه!
﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ ويوضِّح لكم الأحكام، وهذا من رحمة الله تعالى لعباده المؤمنين، فالقرآن فيه مَوعِظَةٌ، وشِفَاءٌ، وهدىً، ورحمةٌ، قال تعالى:
стр. 90
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [يونس] وَاعْجَب كيف هجر كثير من النَّاس هذا الخير الجزيل والعطاء الجميل! ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨)﴾ له الحكمة البالغة، والحجَّة الدَّامغة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الاسم الموصول (الَّذين) يعمُّ كلَّ مَنْ يتَّصف بصفة صلة الموصول ابتداءً بابن أبيّ وأصحابه، وانتهاءً بمن تَبِعَهُ وشايعه. والآية صريحة في وجوب حسن الاعتقاد بالمؤمنين وسلامة القلب لهم، فقد جعل الوعيد على محبَّة شيوع الفاحشة في المؤمنين؛ لما فيها من فساد النيَّة، وخبث الطويَّة، وفيها تحذير من إشاعة الفاحشة ونشرها في المؤمنين، وفي معناها قوله ﷻ : ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ (١٤٨)﴾ [النِّساء]. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ وإذا كان هذا حال من يحبُّ أن تشيع الفاحشة، فكيف بحال مَن ارتكب ما هو أعظم من ذلك؟! ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾.
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾ [النُّور] الواو: استئنافيَّة، و (لولا): حرف امتناع لوجود، و (فضل): مبتدأ حُذِف خبره وجوباً، وتقديره موجود. وجواب الشَّرط محذوف، والتَّقدير فيه لهلكتم، ونحوه، ولعلَّه حُذِفَ للعلم بِه توخِّياً للإيجاز، أو أنَّه ترك للتَّعظيم والتَّهويل؛ حتَّى تذهب النَّفس في تقديره كلَّ مذهب، فهو أمر هائل لا يُبْلَغُ كُنْهُه ولا يُنَال آخِرُه.
стр. 91
القواعد الحسان لمن سمع حديث الإفك والبهتان
جاء حديث الإفك صيانة للمجتمع من خَرْص الخرَّاصين، وأقاويل المنافقين. ومَنْ نَظَرَ بعين عقله، وسمع بأذن قلبه، خرج بخمس قواعد حسان، حقيق أن يأخذ بها كلُّ إنسان سمع حديث الإفك والبهتان، أوَّلها: أن لا يصغي المرء إلى حديث الإفك ولا يطرق أُذُنه، وأن ينزِّه سمعه ويحمى بصره، حتّى لا يكون شريكاً فيه، وقد تقدّم قول زينب أمّ المؤمنين ﵂: "أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي".
ثانيها: جدير به أنْ يَعْرِضَ حديث الإفك على نفسه، فإذا كان لا يصدِّقه على نفسه، فمن الأولى أن لا يصدّقه على غيره من المؤمنين، فلا يظنّ بهم إلّا خيراً، ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا (١٢)﴾ [النّور].
ثالثها: أن يرجع إلى الأمر المعلوم المحقَّق عنده من إيمان المؤمنين الوازع والمانع عن البهتان، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ [الأحزاب]، فوجاهته عند الله تدفع عنه وتبرِّئه، وقوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ (٣٢)﴾ [الأحزاب]، فشرف المنزلة يدفع عنهنَّ الإفك ويفضحه.
رابعها: أن لا ينقل حديث الإفك ويذيعه إذا لم يكن في ذلك مصلحة للأمَّة، وقد عاب الله تعالى على نَاسٍ سُوءَ سَمْعهم وقَوْلهم وأكلهم، فقال تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ (٤١)﴾ [المائدة]، وقال
تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ (٤٢)﴾ [المائدة].
خامسها: يلزمه أن يطالب ناقل الشَّائعة بالدَّليل والبرهان، وقد قَال الله
стр. 92
تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)﴾ [النّور]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات].
الحكمة من نزول براءة عائشة ﵂ وحياً يتلى
قد يسأل سائل: لماذا لم تكن براءة عائشة ﵂ وحياً على قلب رسول الله ﷺ أو رؤيا رآها، وإنَّما وحياً يُتْلَى؟!
والجواب: جاءت براءَتها محكمةً في كتاب الله تعالى حتَّى تكون براءةُ عائشة ﵂ ثابتةً قطعاً لا ظنّاً، والمؤمنون إذا تليت عليهم آيات الله تعالى تزيدهم إيماناً، كما قال ﷻ : ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ (١) إِيمَانًا (٢)﴾ [الأنفال].
أمَّا المنافقون الَّذين على قلوبهم أغطية وفي آذنهم صَمَمٌ، فلو جئتهم بكلِّ آية لا يؤمنون بها، ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧)﴾ [الكهف]، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾ [المائدة].
فحتَّى يومنا هذا هناك مَنْ يَصْرِفُ الآياتِ عن براءة عائشة ﵂، ويزعم أنَّها نزلت في براءة مارية ﵂ ممَّا رمتها به عائشة ﵂، وهذا كلام غليظ تَنْبُو عنه
стр. 93
الأسماع، وعليه جفوة أشدُّ مِنْ جَفْوةِ الجاهليَّة.
أمَّا مارية أمّ ولد رسول الله ﷺ فلا تُتَّهم بشيء، والنَّبيُّ ﷺ تزوَّجها في السَّنة السَّابعة من الهجرة، وحديث الإفك كان في السَّنة الخامسة من الهجرة، فكيف تنزل الآيات فيها، وهي مقيمة على دين قومها، ولا علم له ﷺ ولا علم لعائشة ﵂ بها؟! فما ذاك إلَّا من التَّجنِّي.
أيضاً الَّذين جاؤوا بالإفك جماعة، فألفاظ القرآن تدلُّ على ذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾.
أيضاً القاذف رجل وليس امرأة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)﴾ [النّور].
وقد نقل ابن الجوزيّ إجماع أهل السُّنَّة على أنَّها نزلت في براءة عائشة ﵂، قال: "أجمع المفسرون أن هذه الآية وما يتعلق بها بعدها نزلت في قصة عائشة ﵂، وفي حديث الإفك أن هذه الآية إلى عشر آيات نزلت في قصَّة عائشة " (١).
ونقل ابن أبي الحديد التَّواتر على أنَّها نزلت في عائشة ﵂، قال:"وجَحْدهم لإنزالِ ذلك في عائشة جَحْدٌ لما يُعْلَمُ ضرورة من الأخبار المتواترة" (٢).
فإيَّاك أنْ تعود لمثل كلام ابن أبيّ بعد نزول القرآن صريحاً في بَراءة عائشة
стр. 94
فَتَجِب لك النَّار، فبراءة عائشة نتعبّد الله تعالى بها في كتاب الله تعالى، وهذا الكلام لا ينبري لمعاداته، ولا يجترئ على ردِّه ومجاراته، ولا ينكره إلّا مَن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩)﴾ [العنكبوت].
ولكن لمن تقول هذا، فمن الخلق مَنْ لا يَذْهَنُ شَيْئاً، ولا يَعِي رأياً، وَلا يفقه قَوْلاً، ولا يُبْصرُ شيئاً ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا (١٧٩)﴾ [الأعراف].
لم يؤذون عائشة ﵂ -؟!
الَّذين آذوا عائشة في عهد النَّبيِّ ﷺ جماعَةٌ من المنافقين كُرْهاً في النَّبيِّ ﷺ وعداوةً له، وبغضاً لأبيها أبي بكر الصِّديق ﵁ السَّابق بالتَّصديق، ولم يقصدوا عائشة ﵂، وإنَّما كانوا يريدون النَّيل من النَّبيِّ ﷺ الَّذي نجح في الدَّعوة في المدينة، ومظاهرة الكفَّار على المسلمين.
ولذلك فِي مَرْجِعِ النَّبيِّ ﷺ مِنْ هَذِهِ الْغَزْوَةِ، قَالَ رَأْسُ المُنَافِقِينَ ابْنُ أُبَيّ: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، وعنى بالأعزِّ نفسه، وبالأذلِّ النَّبيَّ ﷺ ، فهو يريد أن يُخرجَ النَّبيَّ ﷺ من المدينة كما أخرجه الَّذين كفروا من مكَّة.
أخرج البخاريّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁، قَالَ: " كُنْتُ مَعَ عَمِّي فَسَمِعْتُ عَبْدَ الله بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ يَقُولُ: لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ الله حَتَّى يَنْفَضُّوا، وَقَالَ أَيْضاً: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ
стр. 95
لِعَمِّي، فَذَكَرَ عَمِّي لِرَسُولِ الله ﷺ فَأَرْسَلَ رَسُولُ الله ﷺ إِلَى عَبْدِ الله بْنِ أُبَيٍّ وَأَصْحَابِهِ، فَحَلَفُوا مَا قَالُوا، فَصَدَّقَهُمْ رَسُولُ الله ﷺ وَكَذَّبَنِي، فَأَصَابَنِي هَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ، فَجَلَسْتُ فِي بَيْتِي فَأَنْزَلَ الله : ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ (١)﴾ [المنافقون] إلى قوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ (٧)﴾ إلى قوله: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ (٨)﴾، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ الله ﷺ ، فَقَرَأَهَا عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الله قَدْ صَدَّقَكَ " (١).
فلا يستبعد أنَّ الَّذين يحملون على عائشة ﵂ الأحقاد، في كلِّ الأزمان والأحقاب، إنَّما غرضهم مظاهرة الكفَّار على المسلمين؛ فمعاونةُ الكفَّار على المسلمين خَصْلَةٌ مِن النِّفاق وشُعْبة من شُعَبِه، قَال الله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾ [النّساء]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤)﴾ [المجادلة].
أمَّا الَّذين تكلَّموا بالإفك من المؤمنين، مثل: مسطح، وحسَّان، وحمنة، فلم يقصدوا أذى النَّبيِّ ﷺ ، بخلاف ابن أبيّ وأصحابه، الَّذين قصدوا إيذاءَه ﷺ ومحاربته.
أمَّا الَّذين وَرِثوا نِفَاقَ ابن أبيٍّ، سواء مَنْ ذَهَبَ بهم الماضي الغابر، أو مَنْ
стр. 96
بَرِمَ بهم الحاضر، فَغَرَضُهم من الطَّعن بأمِّ المؤمنين ﵂، الطَّعن والتَّشكيك في السُّنَّة الَّتي روتها ونقلتها عن رسول الله ﷺ ، لأنَّ الطَّعن في الرَّاوي طعنٌ في المرويِّ، والتَّشكيك في النَّاقل تشكيك في المنقول.
فأمّ المؤمنين عائشة مِن بين السَّبعة المكثرين عن النَّبيِّ ﷺ رواية، ومُسْنَدُها ﵂ يَبْلُغُ أَلْفَيْنِ وَمائَتَيْنِ وَعَشْرَةِ أَحَادِيْثَ، وانفردت عنهم بأنَّ جلَّ الأحاديث الَّتي روتها تلقَّتها عن النَّبيِّ ﷺ مشافهةً، كذلك تناولت السُّنن الفعليَّة لقربها من النَّبيِّ ﷺ وطول ملازمتها له ﷺ ، حتّى قِيلَ إِنَّ رُبْعَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مَنْقُولٌ عَنْهَا ﵂.
وهؤلاء الوارثون لابن أبيّ لا يستطيعون إظهار العداوة للنَّبيِّ ﷺ مواجهة، فيجرحون عائشة ﵂ محاربة للسُّنن القوليَّة والفعليَّة الَّتي ورثتها عن رسول الله ﷺ ، وبلَّغتها عنه ﷺ .
ولا يغيب أنَّ في حِرص عائشة ﵂ على الحديث، وحفظها وروايتها له وتبليغها عن النَّبيِّ ﷺ منقبة عظيمة لها، فقد كان همّها حفظ الحديث وتبليغه، فوردها النَّاس وتلقُّوه منها، وتاجروا فيه، فربح البيع، وربحت التِّجارة.
هذا وقد دعا النَّبيُّ ﷺ لمن سَمِعَ كلامَه ووعاه وبلَّغه بالنُّضرة، فقال ﷺ : " نَضَّرَ الله امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَحْفَظُ لَهُ مِنْ سَامِعٍ" (١).
فأمّ المؤمنين عائشة ﵂ ممَّن بلَّغ عنه مَنْ غَابَ، وممَّن حظي بهذا الدُّعاء المُسْتَجَاب، وهي ممَّن امتثل قوله ﷺ :
стр. 97
" بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً (١) " (٢).
فطوبى لمن تشرَّف بالبلاغ عنك يا رسُولَ الله! وأوَّلهم الصَّحابة ﵃، حملة العلم، ونقلة الدِّين، وأمان الأمَّة.
واعلم أنَّ عائشة ﵂ أوذيت في حياتها وبعد مماتها؛ لأنَّ لها شأواً عالياً في الإسلام، فالرِّيح لا تلطمُ عواصفُها إلَّا العالي من الشَّجر، كما قال الشَّاعر:
إنَّ الرِّياحَ إذا اشتدَّتْ عواصِفُها فليس تَرْمِي سِوى العَالي مِنَ الشَّجَرِ
أو كما قال آخر:
فالرِّيحُ تحطمُ إنْ هبَّت عواصِفُها دوح الثِّمار وينجو الشِّيحُ والرَّتَم
ثلاث من كن فيه كن عليه
اعلم أنَّ أهل الحقِّ يُعَادَوْنَ، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ (١١٢)﴾ [الأنعام]، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ (٣١)﴾ [الفرقان].
واعلم أنَّ أهل الحقِّ يُستَهزأ بهم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا (٤١)﴾ [الفرقان] ولذلك قال هؤلاء المستهزئون ما حكاه الله تعالى عنهم: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١)﴾ [الفرقان]. ولا يخفى خروج الاستفهام إلى معنى التَّحقير، وأنَّ اسم الإشارة (هذا) للقريب، والغرض التَّحقير
стр. 98
بالقرب أيضاً، ومثله قوله تعالى حكاية عنهم: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ (٣٦)﴾ [الأنبياء]، وقول مَنْ قال منهم: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا (٥٣)﴾ [الأنعام].
فإيذاء النَّبيِّ ﷺ ، ورمي أصحابه ﵃، وإيذاء المؤمنين في عائشة ﵂ مِن السُّنن، ذلك أنَّ أهل الحقِّ لهم أعداء، ولذلك قال ورقة للنَّبيِّ ﷺ : " لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ " (١).
لكن الباغي عليه تدور الدَّوائر، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ (٢٣)﴾ [يونس] والسُّوء لا يقع فيه إلَّا فاعله، والمكر لا يحيق إلَّا بصاحبه ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ (٤٣)﴾ [فاطر].
ولذلك قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كُنَّ عَلَيْهِ: الْبَغْيُ، وَالنَّكْثُ، والمكْرُ " قال : ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ (٢٣)﴾ [يونس]، وقال: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ (١٠)﴾ [الفتح]، وقال: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ (٤٣)﴾ [فاطر].
فمَنْ ظَلَمَ عائشة ﵂ ممَّن سَلَفَ ومضى وغبر، أو ممَّن خَلَفَ وأدبر واستكبر،
فإنَّما بغيه على نفسه، وإنَّما حسابه عند ربِّه.
стр. 99
وهذه سنن ماضية لا تتبدَّل ولا تتغيَّر، ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ
فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣)﴾ [فاطر].
واعلم أنَّ من سُنَنِ الله تعالى أنَّ الرُّسل تبتلى ثمَّ تكون لهم العاقبة، قال هِرَقْلُ لِأَبِي سُفْيَانَ:"وسَأَلْتُكَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ قَاتَلْتُمُوهُ، فَتَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالًا، يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَنَالُونَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمْ الْعَاقِبَةُ" (١).
ومِنْ سُنَنِ الله تعالى أن يُبْتلى المتَّقون، ثمَّ يجعل الله تعالى العاقبة لهم، قال تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص]، ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾ [طه].
حَنانَيْكَ ربَّنا، اجعلنا مِنَ المتَّقين الَّذين قلت فيهم: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١)﴾ [الدّخان] وقلت فيهم: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر].
قذف المحصنات من السّبع الموبقات
القذف لغة: الرَّمي مطلقاً بحجر أو سهم ونحوهما ممَّا يؤذي، ثمَّ اسْتُعِير للقذف باللِّسان، لأنَّه يشبه الأذى الحسيّ، فخرج اللِّسان مخرج اليد، فهو في المقال كناية عن الشَّتم. والقذف اصطلاحاً: الرَّمي بزنا، واشتهر فِي هذا المعنى حتَّى غلب عليه.
стр. 100
وجاء التَّعبير عن القذف بالرَّمي ثلاث مرَّات في ثلاث آيات مِن سورة النَّور، قَال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ (٤)﴾ [النّور]، وقَال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ (٦)﴾ [النّور]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ (٢٣)﴾ [النّور] وهو من بلاغة القرآن؛ فإنَّ الكلمة إذا خرجت من اللِّسان لا يقوى اللِّسان على العودة بها أو ردِّها، فهي كالحجر ونحوه ممَّا يُرمى، فلا تعود اليْدُ قادرة على ردِّه.
واتَّفق الفُقَهاءُ على تحريم القَذْفِ، وأنَّه من الكبائر، والأصل في تحريمه الكتاب والسُّنَّة، فمن الكتاب آيات بيِّنات، منها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النّور]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النّور].
واختلف العلماء فيمن نزلت هذه الآية على أقوال أربعة: الأوّل أنَّها نزلت في عائشة ﵂، والثَّاني: أنَّها في أزواج النَّبيِّ ﷺ ، والثَّالث: أنَّها في المهاجرات، والرَّابع: أنَّها عامَّة في أزواج النَّبيِّ ﷺ وغيرهنَّ.
وقوله تعالى: ﴿الْغَافِلَاتِ﴾ أي لا علم لهنَّ بما رمين به، كناية عن براءتهنَّ، وقوله: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ فيه تشنيع على الَّذين يقذفونهنَّ كذباً؛ لأن وصف الإيمان وازع لهنَّ عن الوقوع في هذا الإفك المفترى.
ومن أدلَّة تحريمه من السُّنَّة قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ، قَالُوا
:
ما هي بأَوَّل بركتكم يا آلَ أَبِي بكر
بَارَكَ الله تعَالى لِلنَّاسِ بأبي بكر ﵁ وعائشة ﵂، ففضلهما وتكرار البركة منهما وكثرة الخير بسببهما ثابت في الكتاب والسُّنَّة، فما نَزَلَ بعائشة مِنْ أَمْرٍ تَكْرَهه إِلَّا جَعَلَ الله تعالى لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْراً، فضياع عقدها وما نَشَأَ عنه من حديث الإفك نزل بسببه آيات محكمات، فيها من الأَحكام والإِحكام ما فيها، فمَا كَانَ أَعْظَمَ بَرَكَةَ عِقْدِها!
وقد ضاع عقدها في غزاة أخرى، وكان سبباً في نزول آية التَّيمُّم، قالَتْ عائشة ﵂: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ، أَوْ بِذَاتِ الجَيْشِ، انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى التِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَأَتَى النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ فَقَالُوا: أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ الله ﷺ وَبِالنَّاسِ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ؟
فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ الله ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ، فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ الله ﷺ وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، قَالَتْ: فَعَاتَبَنِي، وَقَالَ مَا شَاءَ الله أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ الله ﷺ عَلَى فَخِذِي، فَنَامَ رَسُولُ الله ﷺ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ الله آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا.
فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَعَثْنَا البَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ، فَوَجَدْنَا العِقْدَ تَحْتَهُ" (١).
* * *
стр. 103
القسم الثّالث
نفحات من استدراكات أمّ المؤمنين ﵂ -
رجوع الصّحابة ﵃ إليها ﵂ -
عائشة ﵂: حبيبة الحبيب المصطفى ﷺ ، أَعْلَم وأفقه نساء الأمة قاطبة، ازَّيَّنت كُتُبُ الصِّحاح بفتاويها، وحفلت برواياتها.
كان كبار الصحابة وأعلامهم يستفتونها ويرجعون إليها، وكانت تناظِر الرَّاسخين منهم وتردُّ عليهم، ولم لا؟! فهي زوج النَّبيِّ ﷺ ، لزمته في السَّفر والحضر، واطَّلعت وعلمت منه مِن المسائل والفضائل ما لم يعلمها غيرها.
وممّا يُظهِر سِعَةَ عِلْمِها رجوعُ كبارِ الصَّحابة والتَّابعين إليها في بعض المسائل، فهذا أبوها أبو بكر الصِّدِّيق ﵁ يَرْجِعُ إليها في مَرَضِهِ الَّذي مات فيه، ويسألها عن قَدْرِ كَفَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وعن يوم موته ﷺ ، روى البخاري عن عائشة ﵂، قالت:
" دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَقَالَ: فِي كَمْ كَفَّنْتُمْ النَّبِيَّ ﷺ ؟ قَالَتْ: فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ (١) لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ، وَقَالَ لَهَا: فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ الله ﷺ ؟ قَالَتْ: يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالَتْ: يَوْمُ الِاثْنَيْنِ، قَالَ: أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ، فَنَظَرَ إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ، بِهِ رَدْعٌ (٢) مِنْ زَعْفَرَانٍ، فَقَالَ: اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا، وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ فَكَفِّنُونِي فِيهَا، قُلْتُ: إِنَّ
هَذَا خَلَقٌ، قَالَ: إِنَّ الْحَيَّ أَحَقُّ بِالجدِيدِ مِنْ الميِّتِ، إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ، فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى
стр. 104
أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ وَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ " (١).
ولعلَّه ﵁ أراد إلى جانب حقيقة السُّؤال أنْ يوطِّئ لعائشة ﵂؛ لِتصْبِرَ على فَقْدِهِ، ممّا يُظْهِرُ فراسته وثباته حين وفاته.
استدراكها ﵂ ومقاييس نقد الحديث عندها
لا عجبَ أنْ تُسْهِمَ عائشةُ ﵂ في حِفْظِ السُّنَّة، فهي معدودة في علماء الصَّحابة ﵃، ومن المكثرين بين الصَّحابة في علم الحديث رواية ودراية.
وروايتها الحديث منقبة عظيمة لها، فهي أحفظ الصَّحابيَّات وأكثرهنَّ في رواية الحديث عن رسول الله ﷺ ، وليس لواحدة من الصَّحابيَّات قَدْرُها في رواية الحديث ولا ما يقاربه.
رَوَتْ عائشة ﵂ عن النَّبيِّ ﷺ الكثير الطَّيِّبَ، وروت عن أَبِيهَا، وعن عُمَرَ، وفَاطِمَةَ الزَّهراء، وسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاص، وأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْروغيرهم، وروى عنها مِن الصًّحابة عُمَرُ، وابنه عَبْدُ الله، وأبو هريرة، وأبو موسى الأَشْعَرِيّ، وابْنُ عبَّاس وغيرهم، ومن كبار التَّابعين حدَّث عنها سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، ومَسْرُوق، وَآخَرُونَ كَثِيرُونَ.
وهي رائدة نساء الأمَّة في توثيق السُّنَّة على الإطلاق، وأسوة في نقد الحديث باستدراكاتها، ولا غَرْوَ؛ فقد تربَّت في بيت أبي بكر الصِّدِّيق ﵁، وفي بيت النَّبيِّ ﷺ مهبط الوحي، ومَعِين العِلْم.
ولا ريب أنَّها تدرك وجه خيريَّة السُّنَّة نظماً ومعنى واعتقاداً وقولاً وفعلاً،
أَفْعَلَ ذَلِكَ" (١) فَدَخَل عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَأَخْبَرها عن قَوْلِ ابنِ عُمَرَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: "أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ الله ﷺ عِنْدَ إِحْرَامِهِ، ثُمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا " (٢).
وفي رواية، قَالَتْ: "يَرْحَمُ الله أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ الله ﷺ فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِماً يَنْضَخُ طِيبًا " (٣).
وفي استرحامها ودعائها لابن عمر دلالة على سَهْوه، وفيه إظهار لعذره، فلو استحضر فِعْلَ النَّبيِّ ﷺ ما قال ذلك. وحاصل كلامها ﵂ أنَّها كانت تطيِّب النَّبِيَّ ﷺ قبل الإحرام بالحجِّ، وكانت تطيِّبه لحلِّه قبل أن يفيض بأطْيَب طِيْب تيسَّر لها، روى مسلم عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: "كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَيَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ " (٤).
ومن عرضها السُّنَّة على السُّنَّة استدراكها على أمَّهات المؤمنين، روى البخاري عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: " أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ الله ﷺ أَرَدْنَ أَنْ يَبْعَثْنَ عُثْمَانَ ﵁ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ يَسْأَلْنَهُ مِيرَاثَهُنَّ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَلَيْسَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ؟! " (٥). وفي الحديث دليل على فقه عائشة ﵂، وسعة حفظها، وبثّها للعلم، واطّلاعها على ما لم يطَّلع عليه غيرها
стр. 108
من أمَّهات المؤمنين ﵅.
ومِنْ ذلك استدراكها على أخيها عبد الرّحمن، روى مسلم عَنْ سَالم مَوْلَى شَدَّادٍ قَالَ: " دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَدَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ﵄، فَتَوَضَّأَ عِنْدَهَا، فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، أَسْبِغْ
الوُضُوءَ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ" (١).
أرادت ﵂ أن تذكِّر أخاها عبد الرّحمن ﵁ بوجوب غسل الرِّجلين بكمالها، وأنَّ المسح لا يجزئ، ولعلَّ عبد الرّحمن ﵁ كان في عجلة من أمره، فقد كان خارجاً في جنازة الصَّحابيِّ الجليل سعد بن أبي وقَّاص، فلمسلم عن سالم مَوْلَى المهْرِيِّ، قَالَ: " خَرَجْتُ أَنَا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فِي جَنَازَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَمَرَرْنَا عَلَى بَابِ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، فَذَكَرَ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ " (٢).
ومن المقاييس عرض الحديث على حديث عندها، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَائِشَةَ فَدَخَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالَتْ: "أَنْتَ الَّذِي تُحَدِّثُ أَنَّ امْرَأَةً عُذِّبَتْ فِي هِرَّةٍ لَهَا رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَسْقِهَا؟ فَقَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْهُ ـ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَتْ: هَلْ تَدْرِي مَا كَانَتِ المَرْأَةُ؟ إِنَّ الْمَرْأَةَ مَعَ مَا فَعَلَتْ، كَانَتْ كَافِرَةً، وَإِنَّ المُؤْمِنَ أَكْرَمُ عَلَى الله مِنْ أَنْ يُعَذِّبَهُ فِي هِرَّةٍ " (٣).
ولعلّ عذر أبي هريرة ﵁ أنَّه لم يسمع مناسبة الحديث، فعلَّة دخولها النَّار
стр. 109
إلى جانب ما فعلته في الهرة كُفْرها، ولعلَّ ما يُؤَيِّدُ كَوْنَهَا كَافِرَةً مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ في مسنده (١)، والبيهقي في البعث والنّشور (٢)، وهو موافق لما رواه أحمد. وهذه المرأة هي الّتي رآها النَّبيُّ في النَّار، وهي من بني إسرائيل كما في صحيح مسلم أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قال: "وَعُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ، فَرَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ لَهَا، رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ" (٣).
ومِنَ العلماء مَنْ يرى أنّه ليس في حديث النَّبيِّ ﷺ ما يقتضي كفرها، وأنَّها إنَّما عُذّبت بسبب إصرارها على حبس الهرّة وسجنها حتَّى ماتت، وأنّ الإصرار على الصّغائر وعدم المبالاة بها والمجاهرة بها يصيّرها كبائر، وأنّ عائشة ﵂ خولفت. فالمسألة لا تخلو من خلاف، والحاصل إذا كان هذا حال مَنْ عذَّب هرّة، فما حال مَنْ عذَّب العباد؟!
ومن المقاييس عرضها السُّنَّة على وقائع التَّاريخ، فقد روى الشَّيخان عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الْأَسْوَدِ، قَالَ: "ذَكَرُوا عِنْدَ عَائِشَةَ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ وَصِيًّا، فَقَالَتْ: مَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ، وَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ إِلَى صَدْرِي أَوْ قَالَتْ حَجْرِي، فَدَعَا بِالطَّسْتِ، فَلَقَدْ انْخَنَثَ (مَالَ) فِي حَجْرِي، فَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ! " (٤).
стр. 110
وهذا يدلُّكَ على أنَّ هناك فئة حاقدة كانت تلفِّق الأحاديث على رسُولِ الله ﷺ منذ ذلك العهد؛ لِتُوقِع الفرقة والعداوة بين المسلمين، ولذلك قامت عائشة ﵂ كغيرها من أكابر الصَّحابة بجهود جمَّة في توثيق السُّنَّة.
ومعلوم أنَّ عليّاً ﵁ نفسه كان يردُّ هذه الفرية، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: قِيلَ لَعَلِيٍّ: أَلَا تَسْتَخْلِفُ؟ قَالَ: "مَا اسْتَخْلَفَ رَسُولُ الله ﷺ فَأَسْتَخْلِفُ عَلَيْكُمْ، وَإِنْ يُرِدِ الله ﵎ بِالنَّاسِ خَيْراً، فَسَيَجْمَعُهُمْ عَلَى خَيْرِهِمْ كَمَا جَمَعَهُمْ بَعْدَ نبيِّهِم ﷺ على خَيْرِهِمْ" (١).
قلت: وطالما أنَّ الله تعالى تكفَّل بحفظ القرآن، فالسُّنَّة محفوظة بالتَّبعيَّة، ومِن حفظ الله للسُّنَّة أن قيَّد الله تعالى لها رجالاً من أمثال أبي هريرة، وعبد الله بن عبّاس، وعبد الله بن مسعود، وغيرهم كثير ﵃، ونساءً مِنْ أمْثَال أمَّهات المؤمنين: عائشة، وأمّ سلمة، وسودة، وحفصة، وزينب، وجويرية، وأمّ حبيبة، وميمونة، وصفيَّة ﵅، وبنت النَّبيِّ ﷺ فاطمة الزَّهراء ﵂، وصحابيّات من أمثال: خنساء بنت خذام، ولبابة بنت الحارث، وأم هانئ بنت أبي طالب أخت عليّ، وأسماء بنت أبي بكر الصِّدِّيق، وأمّ قيس بنت محصن أخت عكاشة الّذي طلب من النَّبيِّ ﷺ أن يدعو الله أن يجعله من الَّذين يدخلون الجنَّة بغير حساب، وغيرهنَّ كثير ﵅.