← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 540

نجاح القاري شرح صحيح البخاري - كتاب الجنائز

يوسف أفندي زاده الأماسي

Полный текст (921 стр.). Показаны 2–191 · переход к 1.

стр. 2

- أ - ¬بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

- ب - ¬ إهداء إلى من رباني على الفضيلة، وسهر على رعايتي، وحرص على تقديمي في درب العلم والدي العزيز. وإلى من بذلت لي دعاءها المخلص في سجودها، وأكرمتني بحبها، وضحت من أجلي براحتها الغالية والدتي الحنون. رب احفظهما وارحمهما كما ربياني صغيرًا، واجزهما عنّي وعن إخوتي خير الجزاء. وإلى من جعل الله تعالى بينها وبيني مودة ورحمة ... وإلى من أشار عليّ بالكتابة في هذا البحث. أُهدي ثمرة هذا الجهد العلمي المتواضع. الباحث

стр. 4

- جـ - ¬ شكر وتقدير هذا، وإنّ الشكر والحمد لصاحبه ومستحقه الذي أنعم عليّ بنعم كثيرة لا تحصى ولا تعد، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل:٥٣]، فله سبحانه الحمد والشكر حمداً وشكراً لا منتهى لحده. وبعد شكر المولى أرى لزاماً علي أن أزجي الشكر الجزيل، والثناء العاطر إلى أساتذتي في قسم الشريعة كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، سيّما الذين تركوا في نفسي أثراً طيباً. ولشيخي الفاضل الأستاذ الدكتور: رفعت فوزي عبد المطلب، الذي مهما أثنينا عليه من كلمات الشكر والثناء فلن نعطيه حقه؛ إزاء ما قدم لي ولغيري وسيقدم من علم وجهد وتوجيه، وفتح باب مكتبته أمام طلابه، وما كان له من رحابة صدر حتى أتممت هذا البحث. ولكل من ساعدني أو وقف معي بدعوة صادقة أرسلها بظهر الغيب، أو بإعارة كتاب، أو إهداء نصيحة. الباحث

стр. 155

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الجَنَائِزِ باب: في الْجَنَائِزِ، وَمَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ . قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: وَقِيلَ لِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: أَلَيْسَ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ، قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ لَيْسَ مِفْتَاحٌ إِلَاّ لَهُ أَسْنَانٌ؛ فَإِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ فُتِحَ لَكَ، وَإِلَاّ لَمْ يُفْتَحْ لَكَ. [٧٦ أ/س] قال الشارح ﵀: [٣٣ ب/ص] / (بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب الجنائز)، وفي رواية بتقديم كتاب الجنائز على البسملة على قياس مفتتح سور القرآن، وفي أخرى: "باب ما جاء في الجنائز"، وفي أخرى: "بابٌ في الجنائز"، بالتنوين في باب (١). والجنائز: جمع جنازة، وهي بفتح الجيم: اسم للميت المحمول، وبكسرها: اسم للنعش الذي يحمل عليه الميت (٢).

стр. 156

وقال بعكسه؛ حكاه صاحب "المطالع" (٣)، وقيل: هما لغتان فيهما (٤). وقال الأزهري (٥): "لا يُسمَّى السرير جنازة؛ حتى يشدَّ الميِّت عليه مكفَّنًا، فإذا لم يكنْ عليه ميت؛ فهو سرير، ونعش" (٦). وقيل: لا يُقال نعش أيضًا إلا إذا كان عليه ميت، ذكره الحافظ العسقلاني (٧)، واشتقاقه من جَنَزه يجنزه، وبابه باب: ضَرَبَ؛ إذا ستره. ذكره ابن فارس (٨).

стр. 157

وقال الحافظ العسقلاني: أورد المؤلف كتاب الجنائز بين الصَّلاة والزَّكاة لتعلقها بهما؛ لأنَّ الذي يُفعل بالميِّتِ مِن غسل وتكفين وغير ذلك، أهمُّه الصَّلاة عليه؛ لما فيها مِن الدعاء له بالنجاة من العذابِ ولا سيَّما /عذاب القبر الذي سيدفن فيه (١). [٧٦ أ/ص] [٣٤ ب/س] وقال العينيّ: "للإنسان حالتان: حالة الحياة، وحالة الممات، /ويتعلَّق بكل منهما أحكام العبادات وأحكام المعاملات؛ فمن العبادات: الصَّلاة المتعلقة بالأحياء، ولما فرغ عن بيان ذلك؛ شرع في بيان الصلاة المتعلقة بالموتى". (٢) (وَمَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ) عند خروجه من الدنيا (لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ)، ولفظ: "آخرُ" بالرفع اسم كانَ، وخبرها: قوله: (لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ). ويروى بنصب "آخرَ" (٣) على أنَّه: خبر كان المقدَّم، وساغ كون كلمة: (لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ) مسند إليه؛ لأنَّ المراد بها لفظها؛ فهي في حكم المفرد، ولم يذكر جواب "مَنْ"، وهو في الحديث مذكور، وهو قولُه: (دَخَلَ الجَنَّة)، وقد رواه أبو داود والحاكم من طريق كُثَيِّر بن مرة الحضرميِّ، عن معاذ بن جبل ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنِ كَانَ آخرُ كَلامِهِ لا إلَهَ إلا اللهُ دَخَلَ الجَنَّةَ" (٤).

стр. 158

وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وروى أبو بكر بن أبي شيبة، عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " أعلم أنَّه مَن شهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة" (١). وفي "مسند مسدَّد (٢) ": عن معاذ ﵁ أنَّ النبيّ ﷺ قال: " يا معاذ، قال: لبيك يا رسول الله، قالها ثلاثًا، قال: بشرِّ الناس؛ أنَّه مَن قال: لا إله إلا الله، دخل الجنة" (٣). وروى أبو يعلى في "مسنده": عن أبي حَرب عن زَيدِ بن خَالدِ الجُهنيِّ قال: "أشهد على أبي قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي: أنَّه مَن شهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة"؛ (٤) وكأنَّه لم يثبت عند البخاريِّ حديث على شرطه في هذا الباب؛ فاكتفى بما يدلُّ عليه.

стр. 159

وقال الكرمانيُّ: قوله: "لا إله إلا الله" أي: هذه الكلمة، والمراد: هي وضميمتها: محمد رسول الله (١). وقال العينيُّ: ظاهرُ الحديث أنَّه في حقِّ المشرك، فإنَّه إذا قال: لا إلَهَ إلا اللهُ، يُحْكَمُ بإسلامه؛ فإذا استمر على ذلك إلى أن مات دخل الجنة؛ وأمّا الذين ينكرون نبوَّة سيدنا محمد ﷺ ، ويدعون أنه مبعوث للعرب خاصَّة؛ فإنَّه لا يحكم بإسلامهم بمجرد قولهم: لا إله إلا الله، فلا بدَّ مِن ضميمته محمد رسول الله. وجمهور العلماء اشترطوا لصحة إسلامهم-بعد التلفظ بالشهادتين-أن يقول: تبرَّأتُ عَنْ كُلِّ دين سوى دين الإسلام؛ ومراد البخاريِّ من هذه الترجمة: أنَّ مَن قال: لا إله إلا الله، من أهل الشرك، ومات لا يشرك بالله شيئًا؛ فإنَّه يدخل الجنة، كما يدلُّ عليه حديث الباب (٢). وقال بعض العلماء: إنَّه كان قبل نزول الفرائض والأوامر والنواهي، وقال ابنُ رشيد: يحتمل أن يكون مراد البخاريِّ: الإشارة إلى أنَّ من قال: لا إلَهَ إلا اللهُ عِنْدَ الموت مخلصًا كان ذلك مسقطًا لما تقدم له، والإخلاص يستلزم التوبة والندم، ويكون النطق علمًا على ذلك (٣). [٧٧ أ/س] وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّه يلزم مما قاله أنَّ من قال: لا إلَهَ إلا اللهُ؛ واستمر عليه، ولكنَّه لم يذكره /عند الموت، لم يدخل تحت هذا الوعد الصادق، انتهى (٤). وأنت خبير بأنَّ ما قاله ابن رشيد أهون مما قاله العيني من أنَّه في حق المشرك.

стр. 160

قال الزين بن المنير (١): "هذا الخبر يتناول بلفظه من قالها؛ فَبَغَتَهُ الموتُ، أو طالتْ حياتُه؛ لكنَّه لم يتكلم بشيء غيرها، ويُخْرِجُ بمفهومه: مَنْ تَكَلَّمَ لكنَّه استصحب حكمها من غير تجديد نطق بها؛ فإن عمل أعمالًا سيِّئةً كان في المشيئة، وإنْ عمل عملًا صالحًا؛ ففي سعة رحمة الله تعالى، إذ لا فرق بين الإسلام والقطعي، وبين الحكمي المستصحب"، انتهى (٢). وحكى الترمذيُّ عن عبد اللهِ بن مبارك: أنّه لُقَّن عند الموت، فأُكْثِرَ عليه، فقال: إذا قلتُ مرة؛ فأنا على ذلك مالم أتكلم بكلام (٣). وهذا يدلُّ على أنَّه كانَ يرى التفرقة في هذا المقام، وروى ابن أبي حاتم في ترجمة أبي زرعة: "أنَّه لما احتضر أرادوا تلقينه؛ فتذاكروا حديث معاذ ﵁، فحدَّثهم به أبو زرعة بإسناده، وخرجت روحه في آخر قوله: "لا إله إلا الله".، ﵀ (٤). فإنْ قيل: لمَ حذف البخاريّ جواب "مَنْ" في الترجمة؛ مع أنَّ لفظ الحديث: " مَن كانَ أخر كلامه لا إلَهَ إلا اللهُ دخلَ الجنة"؟

стр. 161

فالجوابُ: أنَّه قد قيل مراعاة لتأويل وهب بن منبه؛ لأنَّه لما قيل له: " أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ "، قال: "بلى، ولكنْ ليس مفتاحٌ إلا له أسَنَان. . . إلى آخره"، فكأنَّه أشار بهذا إلى أنَّه لا بدَّ مِن الطاعاتِ، وأنَّ بمجرَّدِ القول به بدون الطاعاتِ لا يَدْخُلُ الجنَّة. فظنَّ هذا القائلُ أنَّ رأى البخاريِّ في هذا مثل رأى وهب بن منبِّه؛ فلذلك حذف لفظ" دخل الجنَّةَ"، الذي هو جواب "مَنْ"، والذي يظهر أنَّ حذفه إنَّما كان اكتفاءً بما ذُكِرَ في حديث الباب؛ فإنَّه صرَّح بأنَّ من مات -ولم يشرك بالله شيئًا-؛ فإنَّه يدخلُ الجنَّة -وإنْ ارتكب الذنبين العظيمين المذكورين فيه- (١)، مع أنَّ الداوديَّ (٢) قال: "قول وهب محمول على التشديد، أو لعلَّه لم يبلغه حديث أبي ذر ﵁، وهو حديث الباب (٣) ". ثمَّ الظَّاهر مِن حديث معاذ المذكور مِن حديث أبي هريرة ﵁ الذي في صحيح مسلم: "لَقِّنُوا موتاكُمْ لا إلَهَ إلا اللهُ" (٤)، الحديث. أي: من قَرُبَ موتُه؛ كقوله -تعالى-: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] أنَّه يذكر عند المحتضر قول: "لا إلَهَ إلا الله"؛ ليتذكرَ، بلا زيادة عليه، فلا تُسنُّ زيادة (محمدٌ رسولُ اللهِ)؛ لظاهر الأخبار.

стр. 162

وقيل: تُسَنُّ زيادته، وقال الأسنويُّ (١): لو كانَ المحتضر كافرًا لُقِّن بالشهادتين، وأُمِرَ بهما -والله أعلم- (٢). (وَقِيلَ لِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ) (٣) -بكسر الموحَّدةِ، وقد مرَّ في " كتاب العلم"-: (أَلَيْسَ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ) تعني كلمتي الشهادة؟ قال الزين بن المنير: قول: (لا إلَهَ إلا اللهُ) لقب جرى على النطق بالشهادتين شرعًا (٤). (مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ) يجوز نصب "مفتاح" على أنَّه خبر ليس، ويجوز رفعه على أنَّه اسم ليس، وخبره مقدَّم عليه. (قَالَ) -أي: وهب- (بَلَى، وَلَكِنْ لَيْسَ مِفْتَاحٌ إِلَاّ لَهُ أَسْنَانٌ، فَإِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ) جياد؛ فهو من بابِ حَذِفِ النَّعْتِ؛ إِذْ دلَّ السِّياقُ عليه؛ لأنَّ مسمى المفتاح لا يعقل إلا بأسنان. (فُتِحَ لَكَ، وَإِلَّا): بأنْ جئت بمفتاح ليس له ذلك (لَمْ يُفْتَحْ لَكَ)، وذكر أبو نعيم الأصفهانيِّ في كتابه "أحوال الموحدِّين (٥) " أنَّ أسنان هذا المفتاح: هي الطَّاعاتُ الواجبةُ المنضَّمةُ إلى كلمةِ

стр. 163

التَّوحيدِ: مِن القيامِ بطاعةِ الله -تعالى-، وتأديتها، ومفارقة معاصي الله -تعالى- /ومجانبتها (١)؛ وشبَّهها بأسنان المفتاح من حيثُ الاستعانةُ بها في فتح المغلقات، /وتيسير المستصعبات. [٣٣ ب/ص] [٧٧ أ/ص] قال الزركشيُّ (٢): "أراد بها القواعد التي بُني الإسلام عليها (٣) ". وتعقَّبه صاحب المصابيح (٤) بأنَّ من جملة القواعد كلمتي الشهادة التي عبَّر عنها بالمفتاح؛ فكيف تعدُّ بعد ذلك في الإنسان (٥)؟ وقال بعد ذلك: " وإلا لم تفتح لك "، معناه: فتحًا تامًّا، أو لم تفتح في أول الأمر، وهذا بالنسبة إلى الغالب، وإلَّا فالحقُّ أنَّ أهل الكبائر في مشيئة الله -تعالى-، وأنَّ من قال: " لا إله إلا الله "، مخلصًا أتى بمفتاح وله أسنان، لكن مَن خلط ذلك بالكبائر حتَّى مات مصرًّا عليها لم يكن أسنانه قويَّة؛ فربما طال علاجه؛ بخلاف مذهب الرافضة والإباضية، وأكثر الخوارج يقولون: إنَّ أصحاب الكبائر يُخلَّدون في النار بذنوبهم، والقرآنُ ناطقٌ بتكذيبهم، قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وحديث الباب أيضًا يكذِّبهم، وقد مضتْ أحاديث تدلُّ على أنَّ قائل: "لا إلَهَ إلا اللهُ" يدخل الجنَّة غير مقيَّدة بشيء، ومن ذلك في "صحيح مسلم " من حديث عثمان ﵁ مرفوعًا: " مَنْ

стр. 164

ماتَ وهُوَ يعلمُ أن لا إلَه إلا الله دَخَلَ الجنَّة". (١) نعم الأعمال علامات ودلائل على ذلك، والله أعلم. أما أثر وهب هذا؛ فقد وصله المؤلِّف في " التاريخ (٢) "، وأبو نعيم في " الحلية " مِن طريق محمد بن سعيد بن رمَّانة، بضمِّ الرَّاء وتشديد الميم، وبعد الألف نون قال: أخبرني أبي قال: قيل لوهب بن منبه فذكره. (٣) وكأن القائل لوهب بن منبه أشار إلى ما رواه ابن إسحاق في " السيرة ": أنَّ النبيَّ ﷺ لما أرسلَ العلاء بن الحضرميِّ قالَ له: إذا سألت عن مفتاح الجنة؛ فقل: مفتاحها لا إله إلا الله، (٤) وروى عن معاذ بن جبل ﵁ مرفوعًا أخرجه البيهقيُّ في " الشعَبِ " بنحوه، وزادَ: " لكن مِفْتاح بلا أسنانٌ، فإنْ جئتَ بمفتاحٍ له أسنانٌ فُتِحَ لك، وإلا لم يفتحْ لك" (٥)، وهذه الزِّيادةُ: نظير ما أجاب به وهبٌ؛ فيحتمل أنْ تكون مدرجة في حديث معاذ ﵁ (٦).

стр. 165

وأخرج سعيد بن منصور بسند حسن، عن وهب بن منبه قريبًا مِن كلامه هذا، ولفظه: " مثل الداعي بلا عمل الرامي بلا وتر" (١). قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٣٧ - حَدَّثَنَا: مُوسَى بْنُ إسماعيل، حَدَّثَنَا: مَهْدِىُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا: وَاصِلٌ الأَحْدَبُ عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ أَبِى ذَرٍّ - رضى الله عنه -، قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَتَانِى آتٍ مِنْ رَبِّى فَأَخْبَرَنِي - أَوْ قَالَ: بَشَّرَنِي - أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِى لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ»، قُلْتُ وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ؛ قَالَ «وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ». قال الشارح ﵀: [٧٨ أ/س] (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسماعيل): أبو سلمة المنقريُّ التبوذكيُّ (٢)، وقد مرَّ غير مرَّةٍ، (قال: (٣) حَدَّثَنَا: مَهْدِىُّ) -بفتح الميم- (/بْنُ مَيْمُونٍ) البصريِّ الأزديِّ (٤)، وقد مرَّ في باب" مَن إذا لم يتم السجود"، (قال: (٥) حَدَّثَنَا: وَاصِلٌ): اسم فاعل من الوصول -هو ابن حيَّان: بفتح المهملة،

стр. 166

وتشديد المثناة التحتيَّة وبالنون -، (الأَحْدَبُ) (١) ضدَّ الأقعس، وقد مرَّ في باب " المعاصي من الجاهليِّة" من كتاب" الإيمان ". (عَنِ الْمَعْرُورِ) بفتح الميم وسكون العين المهملة، وبالرّاء المكررة، (بْنِ سُوَيْدٍ) (٢) بضم السين المهملة على صيغة التصغير آخره دال مهملة، وقد تقدَّم أيضًا في الباب المذكور (عَنْ أَبِى ذَرٍّ) (٣) جندب بن جنادة الغفاري ﵁، (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَتَانِى آتٍ مِنْ رَبِّى)، والمراد به جبرائيل ﵇، وفسَّره به في " التوحيد " من طريق شعبة، عن واصل حيث قال: " أتاني جبرائيل ﵇ فبشَّرني، أنَّه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنّة ". (٤) الحديث. وأورده المؤلِّف في" اللِّباس " من طريق أبي الأسود، عن أبي ذر ﵁ قال: أتيت النبيَّ ﷺ وعليه ثوب أبيض وهو نائم-؛ ثم استيقظ (٥)؛ فذكر الحديث، وهذا يدلُّ على أنَّه أتاه في المنام، ورواه الإسماعيليُّ من طريق مهديِّ، في أوَّله قصَّة قال: كنَّا مع رسول الله ﷺ في مسير له، فلمَّا كان في بعض اللَّيل تنحَّى؛ فلبث طويلًا، ثمَّ أتانا؛ فقال: أتاني آتٍ، الحديث. (فَأَخْبَرَنِى - أَوْ قَالَ بَشَّرَنِى)، وجزم في" التوحيد " بقوله: " فبشّرني" (أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِى) أي: من أمَّة الإجابة، ويحتمل أن يكون أعم من ذلك أي: أمَّة الدعوة، وهو متجه أيضًا (٦).

стр. 167

(لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا) (١)، وأورده المؤلِّف في "اللِّباس " بلفظ: "ما من عبد قال: (لا إله إلَّا الله)، ثمَّ مات على ذلك" (٢)، الحديث؛ ولم يورده المؤلِّف هنا جريًا على عادته في إيثار الخفيِّ على الجليِّ، وذلك أنَّ نفي الشرك يستلزم إثبات التوحيد، ويشهد له استنباط عبد الله بن مسعود ﵁ في ثاني حديثي الباب بقوله: " من مات يشرك بالله شيئا دخل النار"، قال القرطبيُّ: "معنى نفي الشرك أن لا يتَّخذ مع الله شريكًا في الألوهيَّة؛ لكنَّ هذا القول صار بحكم العرف عبارة عن الإيمان الشرعيِّ. (٣) " [٧٨ أ/ص] (دَخَلَ الْجَنَّةَ) قال أبو ذر: ﵁ (قُلْتُ)، وفي روايةٍ: " فقلت" (٤): (وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ)، وقد يتبادر إلى الذهن أنَّ القائل: هو النبيُّ ﷺ ، والمقول له الملك الذي بشَّره، وليس كذلك؛ بل القائل: هو أبو ذر، كما أشير إليه، والمقول له هو النبيُّ ﷺ كما بيَّنه المؤلِّف/ في اللّباس. (٥) وعند الترمذيِّ قال أبو ذرٍّ ﵁: "يا رسول الله. . . الخ، (٦) "، وحرف الاستفهام فيه مقدَّر تقديره أدَخَل الجنة -وإن زنى، وإن سرق-؟ وجملة الشَّرط في محلِّ النصب على الحال، وكأنَّ أبا ذرٍّ ﵁ قال: مستبعدًا؛ لأنَّ في ذهنه قول رسول الله ﷺ : "لا يزني الزّاني حين يزني وهو مؤمن"، (٧) وما في

стр. 168

معناه؛ لأنَّ ظاهره معارض لظاهر هذا الخبر؛ لكنَّ الجمع بينهما على قواعد أهل السنَّة يحمِّل هذا على الإيمان الكامل، ويحمِّل حديث الباب على عدم التخليد في النّار. (قَالَ) ﷺ : (وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ) يدخل الجنَّة، ولا يلزم من مفهومه أنَّ من لم يزن، ولم يسرق؛ لم يدخل الجنَّة؛ لأنَّه من قبيل "نِعمَ العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه" (١). فمن لم يزن، ولم يسرق؛ فهو أولى بالدُّخول ممن زنى وسرق، ويمكن أن يكون القائل الأوَّل هو: النبيُّ ﷺ ، والمقول له هو: الملك الذي بشَّره؛ فيكون ﷺ قاله مستوضحًا، وقاله أبو ذر مستبعدًا كما تقدَّم آنفًا. والحكمة في الاقتصار على الزنا والسرقة: الإشارة إلى جنس حق الله -تعالى-، وحق العبد، والله أعلم. وفي الحديث: حجَّة لأهل السنّة أنَّ أصحاب الكبائر لا يقطع لهم بدخول النار، وأنهم إن دخلوها خرجوا منها، وقال ابن بطَّال: من مات على اعتقاد لا إله إلا الله، وإن بَعُدَ قوله لها عن موته إذا لم يقل بعدها خلافها حتى مات؛ فإنَّه يدخل الجنّة (٢). وقال الزين ابن المنير: حديث أبي ذرٍّ ﵁ من أحاديث الرَّجاء التي أفضى الاتكال ببعض الجهلة إلى الإقدام على الموبقات، وليس هو على ظاهره: فإنَّ القواعد استقرَّت على أنَّ حقوق

стр. 169

الآدميِّين لا تسقط بمجرَّد الموت على الإيمان؛ ولكنْ لا يلزم مِن عدم سقوطها أنْ لا يتكفل الله بها عمَّن يريد أن يدخله الجنَّة، ومن ثمة رد ﷺ على أبي ذرٍّ ﵁ استبعاده (١). [٣٥ ب/س] فقال في رواية: " على رَغم أنف أبي ذرٍّ" (٢)، بفتح الرَّاء وسكون المعجمة، ويقال: /بضمِّها وكسر [ها] (٣)، وهو مصدر رغَم، بفتح الغين وكسرها، مأخوذ من الرغام، وهو التُّراب (٤)؛ وكأنَّه دعا عليه بأنْ يلصق أنفه بالتراب من غير أن يريد حقيقته، فيحتمل أن يكون المراد بقوله: " دخل الجنة" أي: صار إليها: إمَّا ابتداء من أوَّل الحال، وإمَّا بعد أن يقع ما يقع من العذاب؛ فنسأل الله العفو والعافية. وفي الحديث أيضا دلالة على أنَّ الكبائر لا تسلب اسم الإيمان: فإنَّ من ليس بمؤمن لا يدخل الجنة وفاقا، وأنّها لا تحبط الطاعات. [٧٩ أ/س] ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنَّه يدُّل على: أنَّ من مات، ولم يشرك بالله شيئًا؛ فإنَّه يدخل الجنة، وهو معنى قوله في الترجمة: " من كان آخر كلامه (لا إله إلا الله) ": فإنَّ ترك الإشراك هو التوحيد، /والقول: "بلا إله إلا الله" هو التوحيد بعينه. ورجال إسناد الحديث ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وقد أخرج متنه المؤلِّف في" التوحيد " أيضًا، وأخرجه مسلم في " الإيمان "، والنسائي في " اليوم والليلة "، والترمذيُّ أيضًا. (٥)

стр. 170

قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٣٨ - حَدَّثَنَا: عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا: أَبِى، حَدَّثَنَا: الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا: شَقِيقٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شيئًا دَخَلَ النَّارَ»، وَقُلْتُ أَنَا: "مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ". (١) - قال الشارح ﵀: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) النخعيُّ (٢)، (قال: (٣) حَدَّثَنَا أَبِى) حفص بن غياث بن طلق (٤). (قال: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (٥)، (قال: حَدَّثَنَا شَقِيقٌ) ابن سلمة أبو وائل (٦)، (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) ابن مسعود ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شيئًا)، وسقط في رواية قوله: " شيئًا " (٧).

стр. 171

(دَخَلَ النَّارَ) قال ابن مسعود ﵁: (وَقُلْتُ أَنَا: مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ)؛ لأنَّ انتفاء السبب يوجب انتفاء المسبب، فإذا انتفى الشرك انتفى دخول النار، وإذا انتفى دخول النار يلزم دخول الجنة؛ إذْ لا دار بين الجنة والنار (١)، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [لنساء: ٤٨]. وفي رواية أبي حمزة، عن الأعمش، في تفسير البقرة: "من مات وهو يدعو من دون الله نِدًّا، وفي أوله: قال ﷺ كلمة، وقلت أنا أخرى: قال: من مات يجعل لله نِدًّا دخل النار، وقلت: من مات لا يجعل لله نِدًّا دخل الجنة". (٢) وفي رواية وكيع وابن نمير عند مسلم بالعكس، بلفظ: "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة"، وقلت أنا: "من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار". (٣) وقال في " التلويح: وهذا يردُّ قول من قال: إن ابن مسعود ﵁ سمع أحد الحكمين فرواه، وضمَّ إليه الحكم الآخر قياسًا على القواعد الشرعيَّة، والذي يظهر أنَّه نسي مرَّة، وحفظ أخرى، فرواهما مرفوعين كما فعله غيره من الصحّابة ﵃ (٤). كما روى جابر ﵁ عند مسلم بلفظ " قيل يا رسول الله: ما الموجبتان؟ قال: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار". (٥).

стр. 172

وقال الحافظ العسقلاني: لم تختلف الرِّوايات في" الصحيحين " في أنَّ المرفوع الوعيد والموقوف الوعد (١). وزعم الحميدى في الجمع وتبعه مغلطاى (٢) في " شرحه "، ومن أخذ عنه: أنَّ في رواية مسلم من طريق وكيع وابن نمير بالعكس (٣)، وهو الذي ذكر آنفًا، وكأنَّ سبب الوهم في ذلك ما وقع عند أبي عوانة والإسماعيلي من طريق وكيع بالعكس (٤)،؛ لكن بيَّن الإسماعيليّ أنَّ المحفوظ عن وكيع كما في" البخاريّ ": قال: إنّما المحفوظ أنَّ الذي قلبه هو أبو معاوية وحده، وبذلك جزم ابن خزيمة في" صحيحه " (٥)، والصّواب رواية الجماعة، وكذلك أخرجه" أحمد "من طريق عاصم (٦)، وابن خزيمة من طريق يسار (٧)، وابن حبان من طريق المغيرة (٨)، كلُّهم عن شقيق، وهو الذي يقتضيه النظر؛ لأنَّ

стр. 173

جانب الوعيد ثابت بالقرآن، وجاءت السنَّة على وفقه فلا يحتاج إلى استنباط، بخلاف جانب الوعد فإنَّه في مقام البحث، إذْ لا يصحُّ حمله على ظاهره، كما تقدَّم؛ وكأنَّ ابن مسعود ﵁ لم يبلغه حديث جابر الذي أخرجه مسلم بلفظ: " قيل: يا رسول لله ما الموجبتان؟ " (١)، الحديث. [٧٩ أ/ص] وقال النوويُّ: "الجيد أنْ يقال: سمع ابن مسعود ﵁ اللفظين من النبيِّ ﷺ ؛ ولكنَّه في وقت حفظ أحدهما وتيقنه، ولم يحفظ الآخر؛ فرفع المحفوظ وضمَّ الآخر إليه وفي وقت بالعكس، قال: فهذا جمع /بين روايتي ابن مسعود ﵁، وموافقة لرواية غيره في رفع اللّفظين" انتهى (٢). قال الحافظ العسقلانيُّ: وهذا الذي قاله محتمل بلا شك، لكن فيه بُعْدًا مع اتحاد مخرج الحديث؛ فلو تعدَّد مخرجه إلى ابن مسعود لكان احتمالًا قريبًا مع أنَّه مستغرب من انفراد راوٍ من الرواة دون رفقته وشيخهم ومن فوقه، فنسبة السهو إلى شخص ليس بمعصوم أولى من هذا التعسُّف. (٣) ومطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث يفهم منه: أنَّ الذي يموت ولا يشرك بالله شيئا دخل الجنة كما استنبطه منه ابن مسعود ﵁ " والذي لا يشرك بالله هو القائل لا إله إلا الله"، وكأنَّ المؤلِّف: أراد أن يفسِّر معنى قوله: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله "، بالموت على الإيمان حكمًا أو لفظًا (٤).

стр. 174

ورجال إسناد هذا الحديث كلُّهم كوفيُّون، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وقد أخرج متنه المؤلِّف في " التفسير " و "الأَيمان والنذر "، وأخرجه مسلم في " الإيمان "، والنسائيّ في " التفسير". (١) وفي الباب عن أبي الدرداء ﵁ أخرجه مسدد في " مسنده " بإسناده إلى أبي مريم قال: سمعت أبا الدرداء ﵁ يحدِّث عن النبيِّ ﷺ قال: " ما مِن رجل يشهد أن لا إله إلا الله، ومات لا يشرك بالله شيئا إلا دخل الجنة، أو لم يدخل النار"، قلت: وإن زنى وإن سرق، قال: وإن زنى وإن سرق، ورغم أنف أبي الدرداء " (٢)، وأبو مريم الثقفيّ قاضي البصرة، ذكره ابن حبان في " الثقات" (٣).

стр. 175

بَابُ: الأَمْرِ بِاتِّبَاعِ الجَنَائِزِ. قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٣٩ - حَدَّثَنَا: أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا: شُعْبَةُ عَنِ الأَشْعَثِ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ عَنِ الْبَرَاءِ -رضى الله عنه -، قَالَ: أَمَرَنَا النَّبي ﷺ بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ؛ أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ، وَرَدِّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَنَهَانَا عَنْ آنِيَةِ الْفِضَّةِ، وَخَاتَمِ الذَّهَبِ، وَالْحَرِيرِ، وَالدِّيبَاجِ، وَالْقَسِّيِ، وَالإِسْتَبْرَقِ. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (بَابُ الأَمْرِ بِاتِّبَاعِ الجَنَائِزِ)، ولم يبين حكم هذا الأمر لأنَّ قولَه: "أمرنا" أعمُّ من أن يكون للوجوب أو للندب، كما سيجيء الكلام فيه -إن شاء الله تعالى-. (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطيالسي (١) (قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجاج (٢) (عَنِ الأَشْعَثِ) بفتح الهمزة، وسكون المعجمة، وفتح المهملة والمثلثة، وهو ابن الشعثاء المحاربي (٣)، وقد مَرَّ في باب التيمن في الوضوء.

стр. 176

[٣٥ ب/ص] (قَالَ سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيْدٍ) بضم المهملة، وفتح الواو، وسكون المثناة التحتية (بْنِ مُقَرِّنٍ) (١) بضم الميم، وفتح القاف، /وكسر الرَّاء المشدَّدة، وبالنون الكوفي (عَنِ الْبَرَاءِ) (٢)، وفي رواية عن البرَاءِ بن عازب (٣) (﵁) ولمسلم من طريق زهير بن معاويةَ عن أي: (٤) الأشعث عن معاويةَ بن سويد قال: دخلتُ على البرَاء بن عازب ﵁ فسمعته يقول: أمرنا. . . " الحديث (٥)، ورجال إسناد هذا الحديث ما بين بصري، وواسطي، وكوفي. [٨٠ أ/س] وقد أخرج متنه المؤلف في المظالم، واللباس، والطب، والنذور، والنكاح، والاستئذان، والأشربة، وأخرجه مسلم في "الأطعمة"، والتِّرْمذي في "الاستئذان، واللِّباس"، /والنسائي في "الجنائز، والإيمان، والنذور، والزينة"، وابن ماجه في "الكفارات، واللباس" (٦).

стр. 177

(قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ،) وفي رواية: رَسولِ الله (١) ( ﷺ بِسَبْعٍ) أي: بسبع خصال (وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ)، والمشي معها إلى حين دفنها بعد الصلاة عليها، أما الصلاة؛ فهي من فروض الكفاية عند الجمهور، وقال أصبغ (٢) من المالكية: الصلاة على الميت سنة (٣). وقال الداودي: اتباع الجنائز حملها بعض الناس عن بعض، قال: وهو واجب على ذي القرابة الحاضر والجار، ويراه للتأكيد لا للوجوب الحقيقي. ثُمَّ الاتِّباع على ثلاثةِ أقسام: الأول: أن يصلي فقط؛ فله قيراط. والثاني: أن يذهب فيشهد دفنها؛ فله قيراطان. والثالث: أن يلقنه. (٤) قال العينيُّ: والتلقينُ عِنْدَنا عند الاحتضار، وقد عُرِفَ في الفروع، وكذلك المشي خلف الجنازة أفضل عندنا (٥).

стр. 178

وفي التوضيح: المشي أمامها بقربها أفضل عندنا من الاتباع (١)، وبه قال أحمد؛ لأنه شفيع، وحق الشفيع أن يتقدم، وعند المالكية ثلاثة أقوال: التقديم، والتأخر، وتقدم الماشي وتأخر الراكب، وأما النساء؛ فيتأخرون بلا خلاف (٢)، ومشهود مذهبهم كمذهبنا. واحتجَّتِ الشافعيةُ فيما ذهبوا إليه بحديث أخرجه الأربعة عن عبد الله بن عمر ﵃ قال: "رأيتُ النَّبي ﷺ ، وأبا بكر، وعمر ﵃، يمشون أمام الجنازة" (٣)، وبه قال القاسم، وسالم بن عبد الله، والزهري، وشريح، وخارجة بن زيد، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعلقمة، والأسود، وعطاء، ومالك، ويُحْكى ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن عمر، وأبي هريرة، والحسن بن علي، وابن الزبير، وأبي قتادة، وأبي أسيد (٤). وذهب إبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وسُوَيْد بن غفلة، ومسروق، وأبو قلابة، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وإسحق، وأهل الظاهر إلى: أن المشي خلف الجنازة أفضل (٥)،

стр. 179

ويُرَوى ذلك عن على بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبي الدرداء، وأبي أُمامة، وعمرو بن العاص ﵃. واحتجوا في ذلك بما رواه أبو داود بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: " لا تتبع الجنازةُ بصوتٍ ولا نارٍ"، وزاد هارونُ شيخ أبي داود، ولا مشي بين يديها (١)، واحتجوا أيضًا بحديثِ سَهْلِ بن سعد ﵁: "أن النَّبي ﷺ كان يمشى خلفَ الجنازة"، رواه ابن عَدي في الكامل (٢). [٨٠ أ/ص] وبحديث أبي أمامةَ ﵁ قال: سأل أبو سَعيدٍ الخدري عليَّ بن أبي طالب ﵃: "/المشي خلف الجنازة أفضل، أم أمامها؟ ". فقال علي ﵁: "والذي بعث محمدًا بالحق إنَّ فضل الماشي خلفها على الماشي أمامها؛ كفضل الصلاة المكتوبة على التطوع"، فقال أبو سعيد: ﵁ "أبرأيكَ تقولُ، أم شيء سمعتَه من رسولِ اللهِ ﷺ ؟ " فغضب، وقال: "لا والله، بل سمعتُ غيرَ مرَّةٍ، ولا اثنين، ولا ثلاث؛ حتى سبعًا"، فقال أبو سعيد ﵁: "إني رأيتُ أبا بكر، وعمر ﵃ يمشيان أمامها"، فقال:

стр. 180

"يغفرُ الله لهما؛ لقد سمعا ذلك من رسول الله ﷺ كما سمعتُه، وإنهما -والله- لخير هذه الأمة؛ ولكنهما كَرِها أن يجمع النَّاس ويتضايقوا، فأحبَّا أن سهَّلا على النَّاس"، رواه عبدالرزاق في (مصنفه) (١). وروى عبد الرَّزاقِ أيضًا: أخبرنا معمرٌ عن طاووس عن أبيه قال: "ما مشي رسولُ اللهِ ﷺ حتَّى مات إلا خلف الجنازة (٢) ". وروى ابن أبي شيبة، ثنا: عيسى بن يونس، عن ثور، عن شريح (٣)، عن مسروق قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ لكلِ أمةٍ قربانًا، وإن قربان هذه الأمة موتاها؛ فاجعلوا موتاكم بين أيديكم (٤). وروى الدارقطني من حديث: عبيد الله بن كعب، عن أبيه كعب بن مالك، قال: "جاء ثابت بن قيس بن شماس إلى رسول الله ﷺ ؛ فقال: إنَّ أمَّه توفيتْ، وهي نَصرانية، وهو يحب أن يحضرها، فقال له ﷺ : اركب دابتك، وسر أمامها؛ فإنَّك إذا كنتَ أمامها لم تكن معها (٥) ".

стр. 181

وروى ابن أبي شيبة بإسناده إلى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ أن أباه قال له: "كن خلف الجنارة؛ فإن مقدمها للملائكة، ومؤخرها لبني آدم" (١). [٨١ أ/س] وهذه الأحاديث المذكورة -وإن كانت ضعيفة-؛ لكنها تتقوى بكثرتها؛ فتصلح للاحتجاج، مع أن لنا فيه حديثًا رواه البخاريُّ عن أبي هريرة ﵁ قال رسولُ الله ﷺ : "من اتبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا، وكان معها حتَّى يُصلي عليها، ويفرغ من دفنها؛ فإنَّه يرجعُ من الأجر بقيراطين (٢) " والاتباع لا يكون إلا إذا مشى خلفها؛ فدل ذلك على أن الجنازة متبوعة، وقد جاء هذا اللفظ صريحًا في حديث رواه أبو داود عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: "الجنازة متبوعة"، ورواه التِّرْمذي، /وابن ماجه، وأحمد، وإسحق، وأبو يعلى، وابن أبي شيبةَ (٣)؛ وأما أثر طاوس؛ فإنه -وإن كان مرسلًا فهو حجة عندنا-.

стр. 182

وحديثهم الذي احتجوا، وهو حديثُ ابنِ عمر ﵁ قد اختلف فيه أئمة الحديث بحسب الصحة والضعف، وقد رُوي متصلًا ومرسلًا؛ فذهب ابن المبارك إلى ترجيح الرواية المرسلة على المتصلة، رواه التِّرْمذي، وغيره عنه (١)، وقال النسائي بعد تخريجه للرواية المتصلة: "هذا خطأ، والصواب: أنه مُرْسَلٌ (٢) "، وقال التِّرْمذي: "وأهل الحديث كلُّهم يَرَونَ أن الحديث المرسل في ذلك أصح (٣) ". [٣٦ ب/س] فإن قيل: روى التِّرْمذي، حدثنا: محمد بن المثنى، ثنا: محمد بن بكر، ثنا: يونس بن يزيد عن الزهريِّ، عن أنس بن مالك ﵁: "أن النَّبي ﷺ /كان يمشي أمام الجنازة، وأبو بكر، وعمر، وعثمان ﵃ ". فالجواب أنه قال التِّرْمذي: "سألتُ محمدًا عن هذا الحديث؛ فقال: هذا أخطأ فيه محمد بن بكر، وإنما يُرْوى هذا عن يونس عن الزهري أن النَّبي ﷺ ، وأبا بكر، وعمر ﵃ كانوا يمشون أمام الجنازة (٤) "، فإذا صح الأمرُ على ذلك؛ فلا يبقى لهم حجة فيه؛ لأن المرسل ليس بحجة عندهم (٥). وتأويلهم الاتباع بالأخذ في طريق الجنازة والسعي لأجلها، كما يقال: الجيش يتبع السلطان، أي: تتوخى موافقته، وإن تقدَّم كثيرٌ منهم في المشي والركوب، فصرف اللفظ عن ظاهره بلا داعٍ إليه، والله أعلم.

стр. 183

(وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ) بالجر عطفًا على الاتباع، أي: زيارته، من عدتُ المريضَ أعودُه عيادةً؛ إذا زرتُه، وسألتُ عن حاله، وعاد إلى فلانٍ يعود عودة وعودًا؛ إذا رجع، وفي المثل: العود أحمد (١)؛ وهي سنة. [٨١ أ/ص] وقيل: واجبة بظاهر حديث أبي هريرة ﵁ الآتي، وَقَدْ روى في ذلك جماعة من الصحابة ﵃، وهم: أبو موسى، وثوبان، وأبو هريرة، وعلى بن أبي طالب، وأبو أمامةَ، وجابر بن عبد الله، وجابر بن عتيك، وأبو مسعود، وأبو سعيد، وعبد الله بن عمر، وأنس، وأسامة بن زيد، وزيد بن أرقم، وسعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وابن عمرو، وأبو أيوب، وعثمان، وكعب بن مالك، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده، وعمر بن خطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، والمسيب بن حزن، وسلمان، وعثمان بن أبي العاص، /وعوف بن مالك، وأبو الدرداء، وصفوان بن عسال، ومعاذ بن جبل، وجبير بن مطعم، وعائشة، وفاطمة الخزاعية، وأم سليم، وأم العلاء ﵃ (٢). فحديث أبي موسى عند البخاريِّ: "عودوا المريض، وأطعموا الجايع، وفكوا العاني (٣) ". وحديث ثوبان عند مسلم: "أن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في مخرفة الجنة حتى يرجع، قيل: يا رسولَ الله، وما مخرفة الجنة؟ قال: جناها"، والمخرفة: البستان، يعني: يستوجب الجنة ومخارفها (٤).

стр. 184

وحديث أبي هريرةَ ﵁ سيأتي في هذا الباب -إن شاء الله تعالى-. وحديث علىٍّ بن أبي طالب عند التِّرْمذي: "ما من عبد يَعودُ مسلمًا إلا أتبعه الله سبعين ألف ملك يصلون عليه، أي ساعة من النهار، وكانت حتى يمسي، وأي ساعة من الليل كانت حتى يصبح (١) ". وحديث أبي أمامةَ عند أحمد: "من تمام عيادة المريض أن يضع أحدُكمْ يَدَهُ على جبهته أو يده، ويسأله كيف هو (٢)؟ ". وحديث جابر بن عبد الله عند أحمد أيضًا "من عاد مريضًا لم يزل يخوض الرحمة حتى يجلس؛ فإذا جلس اغتمس فيها (٣) ". وحديث جابر بن عتيك عند أبي داود: "أن رسول الله ﷺ عاد عبد الله بن ثابت؛ فذكر الحديث مطولًا (٤) ".

стр. 185

وحديث أبي مسعود عند الحاكم: "للمسلم على المسلم أربعُ خلال: يشمتُه إذا عَطس، ويُجيبُه إذا دَعاه، ويُشهده إذا مات، ويعودُه إذا مَرِضَ (١) ". وحديث أبي سعيد عند ابنِ حبانَ: "عُودا المريضَ واتَّبعوا الجنائز (٢) ". وحديث عبد الله بن عمر عند مسلم: "من يعود منكم سعد بن عبادة، فقام، وقمنا (٣) معه، ونحن بضعة عشر (٤) ". وحديث أنس عند البخاري قال: "كان غلامٌ يهودي يخدمُ النَّبي ﷺ فَمَرِضَ، فأتاه النَّبي ﷺ يعودُه فقعد عند رأسه، فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم، فأسلم، فخرج النَّبي ﷺ ، وهو يقول: الحمدُ للهِ الَّذي أنقذَهُ مِنَ النَّار (٥) ". وحديث أسامةَ بن زيد عند الحاكم، قال: "خرج رسولُ الله ﷺ يعودُ عبدَ الله بن أُبَي في مرضِه الَّذي ماتَ فيه (٦) ".

стр. 186

[٨٢ أ/س] وحديث زيدِ ابن أرقم عنده أيضًا: "عادني رسول الله ﷺ من وجع كان بعيني (١) "، /وقال الحاكم: صحيح على شرطهما. وحديث سعد بن أبي وقاص عند الحاكم أيضًا قال: "اشتكيت بمكةَ؛ فجاءني رسول الله ﷺ يعودني، ووضع يده على جبهتي (٢) ". وحديث ابن عباس عنده أيضًا: "من عاد أخاه المسلم؛ فليقعد عند رأسه. . . الحديث (٣) "، وقال: صحيح على شرط البخاريِّ. وحديث ابن عمرو عنده أيضًا: "إذا عاد أحدكم مريضًا؛ فليقل: "اللهم اشف عبدك (٤) "، وقال: صحيح على شرط مسلم. وحديث أبي أيوب عند ابن أبي الدنيا قال: "عاد رسول الله ﷺ رجلًا من الأنصار؛ فأكب عليه يسأله، فقال: يا رسول الله ما غمضت منذ سبع ليالٍ، ولا أحد يحضرني، فقال: رسول الله ﷺ أي أخي اصبر تخرج من ذنوبك كما دخلت فيها (٥) ".

стр. 187

وحديث عثمان عند. . . . (١)؟ قال: "دخل عليَّ رسولُ اللهِ ﷺ يعودُني وأنا مريضٌ، فقال: أعيذك بالله الأحدِ الصَّمَدِ (٢) الحديث"، وسَنَدُهُ جَيدٌ. وحديث كعب بن مالك عند الطبرانيِّ في الكبير: "من عاد مريضًا خاض في الرحمة، فإذا جلس استنقع فيها (٣) ". وحديث عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عند الطبراني أيضًا: "من عاد مريضًا، فلا يزال في الرحمة حَتَّى إذا قعد عنده استنقع (٤) فيها، ثُمَّ إذا خرج من عنده؛ فَلا يَزالُ يخوض فيها حتَّى يروح من حيث خرج (٥) ". وحديث عمر بن الخطاب عند ابن مردويه: "قال: يا رسول الله ما لنا من الأجر في عيادة

стр. 188

المريض؟ فقال: إن العبد إذا عاد المريض خاض في الرحمة إلى حقوه" (١). وحديث أبي عبيدة بن الجراح عند ابن أبي شيبة في مصنفه قال: "قال رسول الله ﷺ : من عاد مريضًا، أو أماط أذى من الطريق؛ فحسنة بعشر أمثالها (٢) ". وحديث سلمان عند الطبراني قال: "دخل عليَّ رسول الله ﷺ يعودُني؛ فلما أراد أن يخرج قال: يا سلمانُ كشف الله ضرَّك، وغَفَرَ ذَنْبَك، وعافاك في دينك، وجسدك إلى أجلك (٣) ". وحديث عثمان بن أبي العاص عند الحاكم في المستدرك: "جاءني رسولُ الله ﷺ يعودُني مِن وَجَعٍ اشتدَّ بي (٤) ".

стр. 189

[٣٦ ب/ص] وحديث عوف بن مالك /عند الطبراني: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: عُودُوا المريضَ، واتَّبِعوا الجنازةَ (١) ". [٨٢ أ/ص] وحديث /أبي الدرداءِ عند الطبراني أيضًا: "قال النَّبي ﷺ : إنَّ الرَّجل إذا خرج يعود أخًا له مؤمنًا خاض في الرحمة إلى حقويه؛ فإذا جلس عند المريض؛ فاستوى جالسًا غمرته الرحمة (٢) ". وحديث صفوان بن عسال عند الطبراني أيضًا قال: "قال رسول الله ﷺ : من زار أخاه المؤمن خاض في الرحمة حتى يرجعَ، ومن زار أخاه المريض خاضَ في رياضِ الجنة حتى يرجع (٣) ". وحديث معاذ بن جبل عند الطبرانيِّ أيضًا قال: "قال رسولُ الله: ﷺ خمسٌ من فعل واحدة منهنَّ كان ضامنًا على الله : من عاد مريضًا، أو خرج مع الجنازة، أو خرج غازيا، أو دخل على إمامه يريد تعزيره وتوقيره، أو قعد في بيته؛ فسلم النَّاس منه، وسلم من الناس (٤) ".

стр. 190

وحديث جُبير بن مطعم عنده أيضًا قال: "رأيتُ رسولَ الله ﷺ عادَ سعيد بن العاص؛ فرأيت رسول الله ﷺ يكمده بخرقة (١) ". وحديث عائشة ﵂ عند سيف في كتاب الردة: قالت: "قال رسول الله ﷺ العيادة سنة، عودوا غبًا؛ فإن أُغمي على مريض؛ فحتى يفيق (٢) ". وحديث فاطمة الخزاعية عند ابن أبي الدنيا قالت: "عاد رسول الله ﷺ امرأة من الأنصار فقال: كيف نجدك؟ قالت: بخير يا رسول الله. . . الحديث (٣) ". وحديثُ أمِّ سليم عند ابن أبي الدنيا في كتاب (المرض، والكفارات) قالتْ: "مرضتُ؛ فعادني رسول الله ﷺ ، فقال: يا أُمَّ سُليم أتعرفين النار، والحديد، وخبث الحديد، قلت: نعم يا رسول

стр. 191

الله، فقال: يا أُمَّ سليم؛ فإنَّك إن تخلصي من وجعك هذا تخلصي منه؛ كما تخلص الحديد من النار من خبثه (١) ". وحديث أم العلاء عند أبي داود قالت: "عادني رسول الله ﷺ وأنا مريضة- (٢). . . الحديث". ثُمَّ إن عيادة المريض سنة كما تقدم؛ سواء كان المريض الرمد، وغيره من الأمراض، وسواء الصديق، والعدو، ومن يعرفه، ومن لا يعرفه، ولو ذميًّا، وإذا كان قريبًا أو جارًا يتأكدُ ذلك؛ وفاء بصلة الرحم، وحق الجوار؛ لعموم الأخبار، والظاهر أن المعاهد والمستأمن كالذمي. [٨٣ أ/س] وفي استحباب عيادة أهل البدع المنكرة، وأهل الفجور، والمكوس-إذا لم يكن قرابة، ولا جوار، ولا رجاء توبة-نظر فإنا مأمورون بمهاجرتهم، /ولتكن العيادة غبا، فلا يواصلها كلُّ يومٍ، إلا أن يكون مغلوبًا، وهذا في غير القريب والصديق ونحوهما ممن يستأنس به المريض، أو يتبرك به، أو يشق عليه عدم رؤيته كل يوم، أما هؤلاءِ؛ فيواصلونها مالم ينهوا، أو لم يعلموا كراهته (٣) وقول الغزاليّ: " إنما يعاد بعد ثلاث لخبر ورد فيه رد بأنه موضوع ذكره القسطلاني (٤)، ويدعو له، وينصرف، ويستحب في دعائه أن يقول: "أسأل الله العظيم ربِّ العرش العظيم أن يشفيك (٥) سبع مرات"،
следующие страницы →