(فَمَاتَ بِاللَّيْلِ) قبل أن يبلغ النَّبي ﷺ بني سالم بن عوف، كما تقدم (فَدَفَنُوهُ لَيْلًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ) أي: دخل رسول الله ﷺ في الصباح (أَخْبَرُوهُ بموته)، ودفنه ليلًا؛ (فَقَالَ) ﷺ (مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تُعْلِمُونِي) من الإعلام، أي: بشأنه (قَالُوا كَانَ اللَّيْلُ) بالرفع: على أن كان تامة (فَكَرِهْنَا - وَكَانَتْ ظُلْمَةٌ) بالرفع أيضًا، وجملة كانت: اعتراض بين الفعل، ومفعوله، وهو: (أَنْ نَشُقَّ عَلَيْكَ) أي: كرهنا المشقة عليك، (فَأَتَى) النَّبي ﷺ (قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ).
[٩٧ أ/س]
وفي الحديث: عيادة المريض، وقد مر الكلام مستقصى، وفيه: جواز دفن الميت بالليل، ورَوى التِّرْمِذِي من حديث عطاء، عن ابن عباس ﵂ /"أن النَّبي ﷺ دخل قبرًا ليلًا؛ فأسرج له بسراج، فأخذ من قبل القبلة، وقال رحمك الله، إن كنت لأواهًا، تلّاء للقرآن، وكبر عليه أربعًا" ثُمَّ قال التِّرْمِذِي: ورخص أكثر أهل العلم في الدفن بالليل (١).
[٤٣ ب/س]
وروى ابن أبي شيبة في المصنف بإسناده عن أبي ذر ﵁ قال" كان رجل يطوف بالليل يقول: إوه إوه، قال: أبو ذَّر؛ فخرجت ليلة؛ فإذا النَّبي ﷺ في المقابر يدفن ذلك الرجل، /ومعه مصباح" (٢).
وفيه: الإذن بالجنازة والإعلام بها، وقد مر بيانه مع الخلاف فيه، وفيه: تعجيل الجنازة؛ فإنهم ظنوا أن ذلك أكد من إيذانه.
стр. 258
وفيه: جوازُ الصلاةِ على القبر، وفيه: خلاف، وقال التِّرْمِذِي: العمل على هذا، أي: بالصلاة على القبر عند أكثر أهل العلم من أصحاب النَّبي ﷺ وغيرهم، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وقال بعض أهل العلم: لا يُصلي على القبر، وهو قول: مالك بن أنس، وقال عبد الله بن المبارك: إذا دُفِنَ الميت، ولم يصل عليه، صلى في القبر، وقال أحمد، وإسحاق: يصلى على القبر إلى شهر. (١)
وقال ابن التين: جمهور أصحاب مالك على الجواز خلافًا لأشهب وسحنون؛ فإنَّهُما قالا: إِنْ نَسِيَ، أي: يصلي على ميت؛ فلا يصل على قبره، فليدع له، وقال: ابن القاسم، وسائر أصحابنا يُصَلَّى على القبر؛ إذا فاتت الصلاة على الميت، فإذا لم تفت، وكان قد صلى عليه؛ فلا يصلى عليه، وقال ابن وهب، عن مالك: ذلك جائز، وبه قال: الشافعي، وابن عبد الحاكم، وأحمد، وإسحاق، وداود، وسائر أصحاب الحديث (٢).
وكرهها: النخعي، والحسن، وهو قول: أبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والحسن بن حي، والليث بن سعد (٣).
وقال صاحب الهداية: وإن دُفِنَ الميت -ولم يصل عليه- لا يخرج منه، ويصلي عليه مالم يعلم أنه تفرق (٤)، وهكذا في المبسوط (٥)، وإذا شكَّ في ذلك، نصَّ الأصحاب على أنه لا يُصلى عليه،
стр. 259
وبه قال: الشافعي، وأحمد، وهو قول: عمر، وأبي موسى، وعائشة ﵃، وكذا هو قول: ابن سيرين، والأوزاعي (١).
وهل يشترط في جواز الصلاة على قبره كونه مدفونًا بعد الغسل؟ الصحيح أنه يشترط، وروى ابن سماعة عن محمد أنَّه لا يشترط، وفي المحيط: لو صلى عليه من لا ولاية عليه يصلى على قبره (٢)، ويصلي عليه قبل أن يتفسخ، والمعتبر في ذلك أكبر الرأي أي: غالب الظن؛ فإنْ كان غالب الظن أنه تفسخ لا يصلي عليه، وإن كان غالب الظن أنه لم يتفسخ يُصلي عليه، وإذا شك لا يصلي عليه (٣).
وعن أبي يوسف يُصلى عليه إلى ثلاثة أيام وبعدها لا يُصلى عليه (٤).
[٩٧ أ/ص]
/وللشافعية ستة أوجه: أولها: إلى ثلاثة أيَّام، ثانيها: إلى الشهر، كقول: أحمد، ثالثها: ما لم يَبْلَ جسده. رابعها: يصلي عليه من كان من أهل الصلاة يوم موته، خامسها: يصلي عليه من كان من أهل فرض الصلاة عليه، سادسها: يصلي عليه أبدًا؛ فعلى هذا تجوز الصلاة على قبور الصحابة، ومن قبلهم اليوم، واتفقوا على تضعيفه (٥)، وممن صرح به: الماوردي، والمحاملي، والفوراني، والبغوي، وإمام الحرمين، والغزالي (٦).
стр. 260
فإنْ قيل: في صحيح البخاري عن عقبة بن عامر ﵁ "أنَّه ﷺ صلى على قتلى أحد بعد ثَماني سنين" (١)، فالجواب ما قاله السرخسي في المبسوط، وغيره أنَّ ذاك محمول على الدعاء (٢)، ولكنه غير سديد؛ لأنَّ الطحاوي روى عن عقبة بن عامر ﵁ "أنَّه ﷺ خرج يومًا؛ فصلى على قتلى أحد صلاته على الميت" (٣)، والجواب السديد أنَّ أجسادهم لم تبل حينئذ (٤)، والله أعلم وأما قبور الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-؛ فلا يُصلى عليها لخبر الصحيحين "لعن الله اليهود أتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٥).
стр. 261
باب: فَضْلِ مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ فَاحتسب، وَقَالَ اللَّهُ ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ .
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀:
١٢٤٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عن أَنَسٍ -رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ النَّبي: ﷺ «مَا مِنَ النَّاسِ مِنْ مُسْلِمٍ يُتَوَفِي لَهُ ثَلَاثٌ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ، إِلَاّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ».
قَالَ الشَّارِحُ ﵀:
(باب: فَضْلِ مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ) قال الزين ابن المنير: عَبَّرَ المؤلف بالفضل؛ ليجمع بين الأحاديث الثلاثة التي أوردها في الباب؛ لأنَّ في الأول: دخول الجنة، وفي الثاني: الحجب عن النار، وفي الثالث: تقييد الولوج بتحلة القسم، وفي كل منها ثبوت الفضل لمن وقع [لك] (١) ذلك، ويجمع بينها بأن يُقال: الدخول لا يستلزم الحجب؛ ففي ذكر الحجب فائدة زائدة لا يستلزم (٢) الدخول من أول وهلة.
وأما الثالث: فالمراد بالولوج الورود، وهو المرور على النار (٣)، كما سيأتي الكلام فيه عند قوله: "ألا تحلة القسم"، والمار عليها على أقسام: منهم من لا يسمع حسيسها؛ وهم الذين سبقت لهم الحسنى من الله، كما في القرآن؛ فلا تنافي بين الولوج والحجب.
وعَبَّرَ بقوله: ولد، ليتناول الواحد فصاعدًا، وإن كان حديث الباب قد قيد بثلاثة أو اثنين؛ فإنَّه قد وقع في بعض طرقه ذكر الواحد، ففي حديث جابر بن سمرة مرفوعًا "من دَفَنَ ثلاثة؛ فصبر
стр. 262
عليهم واحتسب (١) وجبت له الجنة"، فقالت أم أيمن: أو اثنين؟ فقال: أو اثنين، فقالت: أو واحد؛ فسكت، ثُمَّ قال: أو واحد". أخرجه الطَّبراني في الأوسط (٢).
[٩٨ أ/س]
وحديث ابن مسعود ﵁ مرفوعًا "من قَدَّمَ ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث، كانوا له حصنًا حصينًا من النار" قال أبو ذر: قدمت اثنين، قال: واثنين، /قال أُبَيّ بن كعب: قدمتُ واحدًا، قال: وواحدًا "أخرجه التِّرْمِذِي، وقال: غريب (٣).
وعنده من حديث ابن عباس ﵂ رفعه: "من كان له فرطان من أمتي أدخله الله بهما الجنة"؛ فقالت عائشة: ﵂ فمن كان له فرط من أمتك؟ قال: "ومن كان له فرط يا موفقة" قالت: فمن لم يكن له فرط من أمتك؟ قال: "أنا فرط أمتي، لن تصابوا بمثلي". وقال: هذا حديث حسن غريب (٤).
قال الحافظ العسقلاني: وليس في شيء في هذه الطرق ما يصلح للاحتجاج، بل وقع في رواية شريك التي علَّق المصنف إسنادها -كما سيأتي-، ولم تسأله عن الواحد (٥).
стр. 263
وروى النسائي، وابن حبان مِنْ طَريقِ حفص بن عبيد الله، عن أنس ﵁ أنَّ المرأةَ التِّي قالت: واثنان، قالت بعد ذلك: يا ليتني قلتُ: وواحد (١).
وروى أحمد مِنْ طَريقِ محمود بن لبيد عن جابر رفعه: "من مات له ثلاثة من الولد؛ فاحتسبهم دخل الجنة" قلنا: يا رسول الله: واثنان؟ قال: واثنان، قال محمود: قلتُ لجابر ﵁: أراكم لو قلتم واحد، لقال: وواحد، قال: وأنا اظن ذاك"، ورواه البيهقي أيضًا (٢).
[٤٣ ب/ص]
وهذه الأحاديث الثلاثة أصح من تلك الثلاثة لكن روى المؤلف: من حديث أبي هريرة ﵁ /كما سيأتي في الرقاق مرفوعًا "يقول الله : ما لعبدي المؤمن عندي جزاء، إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثُمَّ احتسبه إلا الجنة" (٣)، وهذا يدخل فيه الواحد، فما فوقه، وهو أصح ما ورد في ذلك (٤).
стр. 264
(فَاحتسب) وفي نسخة: فاحتسبه (١)، أي: صبر راضيًا بقضاء الله -تعالى- راجيًا لفضله ورحمته وغفرانه.
والاحتساب: من الحسب، كالاعتداد: من العدة، وإنما قيل لمن ينوى بعمله وجه الله: احتسبه؛ لأنَّ
له حينئذ أنْ يعتمد بعمله؛ فجعل في حال مباشرة الفعل؛ كأنه معتد به، والاحتساب في الأعمال الصالحة وعند المكروهات: البدار إلى طلب الأجر وتحصيله بالتسليم والصبر، أو باستعمال أنواع البر والقيام بها على وجه المرسوم فيها، طلبًا للثواب المرجوّ منها (٢).
ولم يقع التقييد بذلك في أحاديث الباب، وأنَّه أشار إلى ما وقع في بعض طرقه أيضًا، كما في حديث جابر بن سمرة المذكور قبل، وكذا في حديث جابر بن عبد الله.
وفي رواية: ابن حبان، والنسائي مِنْ طَريقِ حفص بن عبيد الله بن أنس، عن أَنَسٍ ﵁ رفعه "من احتسب من صلبه ثلاثة دخل الجنة" (٣) الحديث.
ولمسلم مِنْ طَريقِ سهيل بن صالح، عن أبيه، عن أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا "لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد؛ فتحتسبهم إلا كانوا جنة من النار" (٤).
[٩٨ أ/ص]
ولأحمد /والطَّبراني من حديث عقبة بن عامر ﵁ رفعه "من أعطى ثلاثة من صلبه؛ فاحتسبهم على الله، وجبت له الجنة"، وفي رواية: "من ثكل ثلاثة" (٥) الحديث.
стр. 265
وفي الموطأ عن أبي النضر السلمي رفعه "لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد؛ فيحتسبهم إلا كانوا له جنة من النار (١) ".
وقد عرف من القواعد الشرعية أن الثواب يترتب على النية؛ فلا بدَّ من قيد الاحتساب، فالأحاديث المطلقة محمولة على المقيدة، لكن في معجم الطَّبراني عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا "من مات له ولد، ذكرًا أو أنثى، [مسلم] (٢) أو لم يسلم، رضي أم (٣) لم يرض، صبر أم لم يصبر؛ لم يكن له ثواب إلا الجنة (٤) " لكن إسناده ضعيف.
(وَقَالَ اللَّهُ) وفي رواية: وقول الله بالجر على قوله: من مات ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٥] أي: ولنصيبنكم إصابة تشبه فعل المختبر لأحوالكم، هل تصبرون، وتثبتون على ما أنتم عليه من الطاعة، وتسلمون لأمر الله، وحكمه أم لا؟ والبلاء معيار كالمحك يظهر به جوهر النفس، هل تصبر وتثبت، أم تجزع وتقلق؟ ﴿بِشَيْءٍ﴾ قليل، وفيه: إيذان بأنَّ كل بلاء أصاب الإنسان -وإنْ جلَّ- ففوقه ما يقل بالنسبة إليه، وتخفيف عليهم بأن رحمته معهم في كل حال لا تزايلهم حتَّى في حال البلاء، فلو عرفوا ذلك لشكروا في موضع الصبر، ولهذا شكر العرفاء، وحمدوا لله -تعالى-، كما شكر غيرهم على النعماء، وإنما وعدهم ذلك قبل كونه ليعلموا ثواب الصبر، ويوطنوا عليه
стр. 266
نفوسهم ﴿مِنَ الْخَوْفِ﴾ أي: خوف العدو؛ كالخوف الذي أصابهم يوم الخندق، حتَّى بلغت القلوب الحناجر.
﴿وَالْجُوعِ﴾ أي: القحط الذي أصابهم؛ فكان يمضي على أحدهم أيام لا يجد طعامًا ﴿وَنَقْصٍ﴾ بتنوين التقليل والتحقير عطف على شيء، أو على الخوف ﴿مِنَ الْأَمْوَالِ﴾ يعني: ذهاب أموالهم بالهلاك والخسران، ويقال: المراد موت الماشية ﴿وَالْأَنْفُسِ﴾ بالموت، والقتل، والأمراض.
﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ أي: نقص الثُمَّار لا يخرج الثُمَّرة كما كانت تخرج أو تصيبها الآفة، ويقال: الثُمَّرات هي الأولاد إذ الولد ثُمَّرة القلب، وعن الشافعي: الخوف: خوف الله، والجوع: صيام شهر رمضان، والنقص من الأموال: الزكاة، والصدقات، ومن الأنفس: الأمراض، ومن الثمَّرات أموت الأولاد (١).
[٩٩ أ/س]
﴿وَبَشِّرِ﴾ والخطاب لرسول الله ﷺ ، أو لكلِّ من يتأتى منه البشارة ﴿الصَّابِرِينَ﴾ الذين يصبرون على هذه المصائب والشدائد، ذُكِرَتْ في هذه الآية الحابسين أنفسهم عليها، ثُمَّ وصفهم الله -تعالى- بقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ صبروا، ولم يجزعوا ﴿قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ﴾ نحن عبيد الله، وفي ملكه، إن عيشنا /فعليه رزقنا، وإن متنا فإليه مردنا ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة: ١٥٦] بعد الموت، ونحن راضون بحكمه، وليس المراد مجرد القول باللسان، بل لا بد معه من الإذعان بالجنان.
وعن النَّبي ﷺ "من استرجع عند المصيبة، جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفًا صالحًا يرضاه" (٢).
стр. 267
وروى أنه طفيء سراج رسول الله ﷺ ؛ فقال: "إنا لله وإنا إليه راجعون، فقيل: أمصيبة هي، قال: "نعم كل شيء يؤذي المؤمن، فهو له مصيبة" (١).
وعن النَّبي ﷺ "إذا مات ولد العبد، قال الله -تعالى- للملائكة: أقبضتم ولد عبدى، فيقولون: نعم، فيقول: أقبضتم ثمَّرة قلبه، فيقولون: نعم، فيقول الله : ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك، واسترجع؛ فيقول الله -تعالى-: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسموه بيت الحمد" (٢).
والمبشر به محذوف يدل عليه قوله -تعالى-: ﴿أُولَئِكَ﴾ يعني: أهل هذه الصفة الجليلة ﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ والصلاة من الله على ما قيل عبارة عن ثلاثة أشياء: توفيق الطاعة، والعصمة عن المعصية، ومغفرة الذنوب، فبالصلاة الواحدة تكون لهم هذه الأشياء الثلاثة.
وقد وعد لهم الصلوات الكثيرة، فمقدار ذلك لا يعلمه إلا الله ﵎ ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ أي: لطف وإحسان في غاية الكمال، والمعنى: عليهم رأفة بعد رأفة ورحمة أي رحمة ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ
стр. 268
الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٧] الموفقون لطريق الصواب، حيث استرجعوا وسلموا لأمر الله -تعالى-.
وروى عن سعيد بن جبير أنه قال: لم يكن الاسترجاع إلا لهذه الأمة، ألا يرى أن يعقوب ﵇ قال: يا أسفِي على يوسف؛ فلو كان له الاسترجاع لقال ذلك ذكره أبو الليث في تفسيره (١).
[٤٤ ب/س]
وروى عثُمَّان بن عطاء عن أبيه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "/من ذكر مصيبة، أو ذكِرَت عنده؛ فاسترجع، جدد الله ثوابها كيوم أُصِيبَ بها" (٢).
وعن عطاء بن أبي رباح قال: قال رسول الله ﷺ : "من أصابته مصيبة؛ فليذكر مصيبته فيَّ، فإنها من أعظم المصائب" (٣).
стр. 269
وروى هذان الحديثان عن عليِّ بن أبي طالب ﵁ (١).
ورُوِيَ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّه قال: نعم العدلان، ونعم العلاوة؛ فالعدلان قوله -تعالى-: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ والعلاوة قوله -تعالى-: (٢) ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٧] ق: (٣) ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٧] (٤) والعِدلان بكسر المهملة أي: المثلان والعِلاوة بكسرها أيضًا ما يعلق على البعير بعد تمام الحمل (٥).
[٩٩ أ/ص]
وقد روى نحوه مرفوعًا أخرجه الطَّبراني في الكبير من حديث ابن عباس ﵂ قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت أمتي شيئًا لم يُعْطَهُ أحد من الأمم عند المصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون، إلى قوله: المهتدون، قال: إن المؤمن إذا أسلم لأمر الله -تعالى-، واسترجع كُتِبَ له ثلاث خصال من الخير، والصلاة من الله والرحمة، وتحقيق سبيل الهدى (٦) "، وذكر المؤلف: هذه الآية تأكيدًا لقوله: فاحتسب؛ لأنَّ الاحتساب لا يكون إلا بالصبر، ولفظ المصيبة عام، /فتتناول المصيبة بالولد.
стр. 270
(حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) عبد الله بن عمرو (قال حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) هو ابن سعيد (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ) هو ابن صهيب، وصرح به في رواية ابن ماجه (١)، والإسماعيلي من هذا الوجه (عن أَنَسٍ) هو ابن مالك ﵁، ورجال إسناد هذا الحديث كلهم بصريون، وقد أخرج متنه النسائي، وابن ماجه في الجنائز أيضًا (٢).
(قَالَ: قَالَ النَّبي ﷺ : «مَا مِنَ النَّاسِ مِنْ مُسْلِمٍ» كلمة من الأولى بيانية، والثانية زائدة، وقد سقطت في أواخر الجنائز (٣)، ومسلم اسم ما، والاستثناء الآتي ساد مسد الخبر، وقيد بالمسلم؛ ليخرج الكافر، وسيأتي ما يتعلق به -إن شاء الله تعالى- (يُتَوَفِي) على صيغة البناء للمفعول، أي: يموت (لَهُ)، وفي رواية ابن ماجه: «ما من مسلمين يتوفِي لهما» (٤).
(ثَلَاثةٌ) أي: ثلاثة أولاد، ويروى ثلاث بحذف التاء؛ لأنَّ المميز إذا كان محذوفًا يجوز في لفظ العدد التذكير والتأنيث (٥).
وقد اختلف في مفهوم العدد هل هو حجة أو لا؟ فعلى قول من لا يجعله حجة لا يمتنع حصول الثواب المذكور بأقل من ثلاثة، ولو جعل حجة؛ فليس نصًا قاطعًا، بل دلالته ضعيفة يقدم عليها غيرها عند معارضتها، وقد وقع في بعض طرق الحديث التصريح بالواحد كما تقدم.
(لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ) بكسر الحاء المهملة، وسكون النون، وفي آخره مثلثة؛ كذا في جميع الروايات، وحكى ابن قرقول صاحب "المطالع"، عن الداودي أنَّه ضبطه بفتح المعجمة، والباء
стр. 271
الموحدة، أي: لم يبلغوا أن يعلموا المعاصي، قال: ولم يذكره كذلك غيره (١)، والمحفوظ هو الأول، والمعنى: لم يبلغ الحلم؛ فيكتب عليهم الآثام.
قال أبو المعالي في "المنتهى" بلغ الغلام الحنث، أي: بلغ مبلغًا يجري عليه الطاعة والمعصية (٢)، وفي "المحكم" الحنث: الحلم (٣)، وقال الخليل: بلغ الغلام الحنث، أي: جرى عليه القلم، والحنث: الذنب (٤)، قال الله -تعالى-: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦)﴾ [الواقعة: ٤٦]، وقيل: المراد بلغ إلى زمان يؤاخذ بيمينه إذا حنث.
وقال الراغب: عَبَّرَ بالحنث عن البلوغ لما كان الإنسان يؤاخذ بما يرتكبه فيه بخلاف ما قبله (٥)، وخص الإثم بالذكر؛ لأنه الذي يحصل بالبلوغ، لأنَّ الصبي قد يثاب.
[١٠٠ أ/س]
(إِلَاّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ) أي: بفضل رحمة الله للأولاد، وقال ابن التين: قيل: إن الضمير في رحمته للأب؛ لكونه كان يرحمهم في الدنيا، فيجازى بالرحمة في الآخرة /والأول أولى (٦)، ويؤيده أن في رواية ابن ماجه من هذا الوجه "بفضل رحمة الله إياهم" (٧)، وفي رواية النسائي من حديث أبي ذر ﵁: "إلا غفر الله لهما بفضل رحمته (٨) ".
стр. 272
وللطبراني وابن حبان من حديث الحارث بن أقيش (١)، وهو بقاف ومعجمة مصغرًا مرفوعًا " ما من مسلمين يموت لهما أربعة أولاد إلا أدخلهما الله الجنة بفضل رحمته (٢) "، وكذا في حديث عمرو بن عبسة، كما سيُذْكَرُ قريبًا، فكان هذا القائل لم يطلع على هذه الأحاديث المذكورة، وتصرف فيما قاله (٣).
وقال الكرماني: الظاهر أنَّ المراد بقوله إياهم: المسلم الذي توفِي أولاده لا الأولاد، وإنما جمع باعتبار أنَّه نكرة في سياق النفي، فيفيد العموم (٤)، وهذا الذي زعم أنه ظاهر، بل في غير هذه الطريق ما يدل على أن الضمير للأولاد؛ ففي حديث عمرو بن عبسة عند الطَّبراني "إلا أدخله الله برحمته هو وإياهم الجنة" (٥).
стр. 273
وفي حديث أبي ثعلبة الأشجعي: "أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهما (١) "، قاله بعد قوله: "من مات له ولدان"، فوضح بذلك أن الضمير في قوله: "إياهم" للأولاد، لا للآباء؛ فإنَّ الأحاديث يفسر بعضها بعضًا، والله أعلم.
وقال أبو العباس القرطبي: وإنما خُصَّ الصغير بذلك لأنَّ الشفقة عليه أعظم، والحب له أشد، والرحمة له أوفر هذا (٢)، ومقتضاه أنَّ من بلغ الحنث لا يحصل لمن فقده ما ذكر من هذا الثواب، وإن كان في فقد الولد مطلقًا أجر في الجملة، وبهذا صرح كثير من العلماء، وفرقوا بين البالغ، وغيره بأنَّه يتصور منه العقوق المقتضي لعدم الرحمة بخلاف الصغير؛ فإنه لا يُتَصور منه ذلك؛ إذ ليس هو بمخاطب (٣).
وقال الزين ابن المنير: بل يدخل الكبير في ذلك مِنْ طَريقِ الفحوى؛ لأنه إذا ثبت ذلك في الطفل الذي هو كل على أبويه، فكيف لا يثبت في الكبير الذي بلغ معه السعي، ووصل له منه النفع، وتوجه إليه الخطاب بالحقوق؟ قال: ولعل هذا هو السر في ترك البخاري التقييد بذلك في الترجمة (٤) انتهى.
قال الحافظ العسقلاني: ويقوي الأول قوله: بفضل رحمته إياهم؛ لأنَّ الرحمة للصغار أكثر لعدم حصول الإثم منهم (٥).
وتعقبه العيني بأن رحمة الله -تعالى- واسعة تشمل الصغير والكبير؛ فلا يقتضي التقييد، فافهم.
стр. 274
[١٠٠ أ/ص]
[٤٤ ب/ص]
وهل يلتحق بالصغار من بلغ مجنونًا مثلا، واستمر على ذلك، فمات؟ قال العيني: الظاهر أنه يلتحق بهم /لعدم الخطاب (١)، وقال الحافظ العسقلاني: فيه توقف لأنَّ كونه لا إثْم عليه يقتضي الالتحاق، وخفة /موته على أبويه تقتضي عدمه.
فإنَّ قيل: من الناس من يكره ولده، ويتبرم به، ولا سيما إذا كان ضيق الحال؛ فهل يشمله هذا الثواب أيضًا؟
فالجواب: أنَّه لما كان الولد مظنة المحنة والشفقة نيط الحكم به، وإنْ تخلف في بعض الأفراد؛ فإنَّ حكمة الحكم تراعي في الجنس لا في الشخص (٢).
فإنَّ قيل: هل يدخل أولاد الأولاد، سواء كانوا أولاد البنين أو أولاد البنات في هذا الحكم لصدق الاسم عليهم أو لا يدخلون؛ لأنَّ إطلاق الأولاد عليهم ليس حقيقة؟
فالجواب أن الحديث الذي أخرجه النسائي مِنْ طَريقِ حفص بن عبيد الله، عن أنس ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "من احتسب ثلاثة من صلبه (٣) في الإسلام" يدل على أنهم لا يدخلون، وكذلك حديث عثُمَّان بن أبي العاص: "لقد استجن جنة حصينة من النار رجل سلف بين يديه ثلاثة من صلبه (٤) في الإسلام"، ولكن الظاهر أن أولاد البنين يدخلون، وأولاد البنات لا يدخلون، كذا قال العيني، وفيه نظر ظاهر (٥)؛ فإنْ قيل: من مات له أولاد في الكفر ثُمَّ أسلم هل يدخل فيه؟ فالجواب: إنَّ ظاهر الحديث يقتضي أن لا يدخل؛ لأنَّ فيه التقييد بالإسلام.
стр. 275
وكذا حديث أبي ثعلبة الأشجعي المروي في مسند أحمد والمعجم الكبير، "قلت: يا رسول الله مات لي ولدان في الإسلام؛ فقال ﷺ : "من مات له ولدان في الإسلام أدخله الله الجنة (١) ".
وحديث عمرو بن عبسة عند أحمد، وغيره قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من وُلِدَ له ثلاثة أولاد في الإسلام، فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم" (٢).
لكن يدل على الدخول حديث: "أسلمت على ما أسلفت من خير" (٣). والله أعلم.
وفي الحديث: إنَّ أطفال المسلمين في الجنة؛ لأنه يبعد أن الله يغفر للآباء بفضل رحمته للأبناء ولا يرحم الأبناء.
قال في "التوضيح": وهذا إجماع، ولا عَبَّرَة بالمجبرة، حيث جعلوهم في المشيئة.
في أطفال المشركين اختلاف بين العلماء، فذهب جماعة إلى التوقف في أطفال المشركين في الجنة أو نار منهم ابن المبارك وحماد وإسحاق (٤)، ونقله البيهقي في "الاعتقاد" عن الشافعي (٥).
وقال ابن عبد البر: وهو مقتضى صنيع مالك، وليس عنه في هذا المسألة شيء منصوص إلا أن أصحابه صرَّحوا بأن أطفال المسلمين في الجنة وأطفال الكفار في المشيئة (٦).
стр. 276
وذهب قوم إلى أنَّهم في النار حكاه ابن حزم عن الأزارقة من الخوارج (١).
وآخرون: إلى أنهم يكونون في برزخ بين الجنة والنار؛ لأنَّهم لم يعملوا حسنات يدخلون بها الجنة، ولا سيِّئات يدخلون بها النار.
وآخرون: إلى أنهم خدم أهل الجنة، وفيه حديث عن أنس ﵁ ضعيف أخرجه أبو داود الطيالسي وأبو يعلى (٢)، وللطبراني والبزار من حديث سمرة مرفوعًا: "أولاد المشركين خدَّام أهل الجنة (٣) "، وقيل: إنهم يصيرون ترابًا روى ذلك عن ثُمَّامة (٤) بن أشرس (٥).
стр. 277
وقيل: إنهم في النار حكاه القاضي عياض عن أحمد، وغلطه ابن تيمية بأنَّه قول لبعض أصحابه، ولا يحفظ عن الإمام أصلا (١).
[١٠١ أ/س]
وقيل: إنَّهم يمتحنون في الآخرة /بأن يرفع لهم نار، فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا (٢)، ومن أبى عذِّبَ أخرجه البزار من حديث أنس وأبي سعيد ﵂ (٣) وأخرجه الطَّبراني من طرق (٤) صحيحة (٥)، وحكى البيهقي في كتاب "الاعتقاد" (٦) أنه المذهب الصحيح، أي: للشافعي، وتعقب بأنَّ الآخرة ليست دار تكليف، فلا عمل فيها، ولا ابتلاء.
وأجيب بأنَّ ذلك بعد أن يقع الاستقرار في الجنة والنار، وأما في عرصات القيامة؛ فلا مانع من ذلك، وقد قال -تعالى- ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢].
стр. 278
وفي الصحيحين (١): أنَّ الناس يؤمرون بالسجود؛ فيصير ظهر المنافق طبقًا، فلا يستطيع أن يسجد (٢). والصحيح المختار الذي صار إليه المحققون أنهم في الجنة (٣).
فإنَّ قيل: قد روى أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا قيس بن الربيع، عن يحيى بن إسحاق، عن عائشة ﵂: "أن النَّبي ﷺ أتي بصبي من الأنصار؛ ليصلي عليه، فقالت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل سوءًا قط، ولم يدره، فقال: يا (٤) عائشة أولًا تدرين أن الله ﵎ خلق الجنة، وخلق لها أهلًا، وخلقها لهم، وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار، وخلق لها أهلًا، وهم في أصلاب آبائهم" (٥).
وروى عن سلمة بن يزيد الجعفي، قال: "قلتُ يا رسول الله: إنَّ أمنا ماتت في الجاهلية، وإنَّها وأدت أختًا لنا لم يبلغ الحنث في الجاهلية، فهل ذلك نافع أختنا؟ فقال رسول الله ﷺ : أم أن الوائدة والموؤدة؛ فإنهما في النار إلا أنْ تدركَ الإسلام" (٦).
стр. 279
وروى بقية عن محمد بن يزيد (١) الألهاني، قال: سمعت عبد الله بن قيس، قال: سمعت عائشة ﵂ سألت رسول الله ﷺ عن ذراري المسلمين؛ "فقال مع آبائهم، قلتُ: بلا عمل، قال: الله أعلم بما كانوا عاملين، وسألته عن ذراري المشركين؛ فقال: مع آبائهم، قلت: بلا عمل، قال: الله أعلم بما كانوا عاملين" (٢).
فالجواب أنَّ حديث قيس بن الربيع، وحديث بقية ضعيفان؛ لأنهما متكلم فيهما، وحديث سلمة بن يزيد -وإن كان صحيحًا- لكنَّه يحتمل أن يكون خرج على جواب السائل في الروضة على غير مقصوده، ومع صحتها أنَّ ذلك قيل: إنْ يعلم ﷺ أنهم في الجنة؛ فلما علم ذلك أثبته بحديث شفاعة الأطفال (٣).
[١٠١ أ/ص]
ويعارضها أيضًا ما في الصحيح من حديث الرؤيا، "وأما الرجل الذي في الروضة: إبراهيم ﵇، وأما الولدان حوله؛ فكل مولود يولد على الفطرة، قيل: يا رسول الله، وأولاد المشركين، قال: وأولاد المشركين" (٤)، وفي لفظ: "وأما الشيخ في أصل الشجرة؛ فإبراهيم ﵇، /والصبيان حوله أولاد الناس" (٥).
[٤٥ ب/س]
وروى الحاكم عن أبي هريرة ﵁ على شرط الشيخين يرفعه "أولاد المؤمنين في جبل في الجنة /يكفلهم إبراهيم ﵇ حتَّى يرد إلى آبائهم يوم القيامة" (٦).
وروى ابن عبد البر في التمهيد مِنْ طَريقِ: أبي معاذ، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: "سألتْ خديجةُ ﵂ النَّبيَّ ﷺ عن أولاد المشركين؛ فقال: هم مع آبائهم، ثُمَّ سألته بعد
стр. 280
ذلك؛ فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين، ثُمَّ سألته بعدما استحكم الإسلام، ونزلت ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]؛ فقال: هم على الفطرة، أو في الجنة" (١)، وأبو معاذ هذا هو سليمان بن أرقم، وهو ضعيف (٢)، ولو صح لكان قاطعًا للنزاع.
وذكر محمد بن سنجر في مسنده، ثنا هودة، ثنا عوف، عن خنساء بنت معاوية، قالت: حدثني [عمر] (٣) ﵁، قال: قلتُ: يا رسول الله من في الجنة، قال: النَّبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والوئيد في الجنة (٤) "
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "سألتُ ربي في اللاهين يعني: الأطفال من ذرية المشركين أن لا يعذبهم فأعطانيهم" (٥).
وروى الحجاج بن نضر (٦)، عن المبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن أنس ﵁ يرفعه: "أولاد المشركين خدم أهل الجنة (٧) ".
стр. 281
وروى الحكيم في نوادر الأصول، عن أبي طالب الهروي، ثنا يوسف بن عطية، ثنا أنس بلفظ: "كل مولود من ولد كافر أو مسلم؛ فإنهم إنما يولدون على فطرة الإسلام كلهم" (١).
وفي حديث عياض المجاشعي أن رسول الله ﷺ قال في خطبته: "إنَّ الله -تعالى- أمرني أن أعلمكم، وقال: "إني خلقت عبادي كلهم حنفاء؛ فأتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وأمرتهم أن يشركوا بي، وحرمت عليهم ما أحللت لهم" (٢).
(فائدة) وفي معرفة الصحابة لابن منده عن شراحيل المنقري أن رسول الله ﷺ قال: "من توفي له أولاد في سبيل الله دخل بفضل حسنتهم الجنة (٣) ".
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀:
١٢٤٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَصْبَهَانِيِّ، عن ذَكْوَانَ عن أَبِى سَعِيدٍ رضى الله عنه أَنَّ النِّسَاءَ قُلْنَ لِلنَّبيِّ ﷺ اجْعَلْ لَنَا يَوْمًا؛ فَوَعَظَهُنَّ، وَقَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَ لَهَا ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ كَانُوا حِجَابًا مِنَ النَّارِ»، قَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَانِ، قَالَ: «وَاثْنَانِ».
-
قَالَ الشَّارِحُ ﵀:
(حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابن إبراهيم الأزدي القصاب (٤)، وقدم غير مرة.
стр. 282
(قال (١) حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) هو ابن الحجاج (قال حَدَّثَنَا)،وفي رواية: أخبرنا (٢)
[١٠١ أم/س]
(عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَصْبَهاني (٣)) بكسر الهمزة وفتحها، وبالفاء وبالباء الموحدة أربع، لغات قاله: الكرماني (٤)، وقال العيني: /بالياء الموحدة في لسان العجم، وبالفاء في استعمال العرب (٥)، واسم والد عبد الرحمن: عبد الله، قال البخاري في "التاريخ": إنَّ أصله من أصبهان، لما فتحها أبو موسى ﵁، وقال: غيره كان يتجر إلى أصبهان؛ فقيل له الأصبهاني، ولا منافاة بين القولين (٦)، ويروى عبد الرحمن الأصبهاني بدون لفظة "ابن" (٧).
(عن ذَكْوَانَ) هو أبو صالح السمان (٨)، ويُقال له: الزيات أيضًا، وهو المذكور في الإسناد المعلق الذي يليه (عن أَبِى سَعِيدٍ) الخدري ﵁، ورجال هذا الإسناد ما بين بصري وواسطي وكوفي ومدني، وقد أخرج متنه المؤلف في (العلم)، وأخرجه مسلم والنسائي أيضًا (٩) (أَنَّ النِّسَاءَ) وفي رواية مسلم: "إنهن كن من نساء الأنصار (١٠) ".
стр. 283
(قُلْنَ لِلنَّبي ﷺ : اجْعَلْ لَنَا يَوْمًا) فجعل لهنَّ يومًا (فَوَعَظَهُنَّ) فيه، فقوله: فوعظهن عطف على قوله: فجعل لهن يومًا (١) المقدر هنا (وَقَالَ) بالواو، وفي رواية: فقال بالفاء (٢)، وهذا القول من جملة ما قال لهنَّ (أَيُّمَا امْرَأَةٍ) إنما خص المرأة بالذكر لأنَّ الخطاب حينئذ (٣) كان للنساء، وليس له مفهوم لما في بقية الطرق (مَاتَ لَهَا ثَلَاثَةٌ)، وفي رواية ثلاث (٤)، وقد تقدم توجيهه.
(مِنَ الْوَلَدِ) بفتحتين: يتناول الذكر، والأنثى، والمفرد، والجمع (كَانُوا) وفي رواية كُنَّ (٥) أنِّثَ باعتبار النفس أو النسمة، وقال الكرماني: القياس كانوا، ولكن الأطفال كالنساء في كونهم غير عاقلين، أو المراد كانت النساء المحجوبات (٦)، وفيه: أن النساء عاقلات غير أن في عقولهن قصورًا، وكون الحجاب بمعنى المحجوبات غير ظاهر أيضًا (لها) وفي رواية سقط لفظ لها (كَانُوا حِجَابًا مِنَ النَّارِ) وظاهره: أنه يخرج منه السقط، لكن روى ابن ماجه عن معاذ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: "والذي نفسي بيده، إنَّ السقط ليجر أمه بسرره إلى الجنة، إذا احتسبت (٧) "، والسرر: بفتحتين ما تقطعه القابلة من السرة (٨).
وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن علىِّ ﷺ قال: قال رسول ﷺ : "إن السقط ليراغم ربه إن أدخل أبويه النار، حتَّى يقال له: أيُّها السقط المراغم ربه أدخل أبويك الجنة؛ فيجرهما بسرره حتَّى
стр. 284
يدخلهما الجنة". ورواه ابن ماجة، وأبو يعلى عنه أيضًا (١).
[١٠١ أم/ص]
(قَالَتِ امْرَأَةٌ) هي أم سليم الأنصارية والدة أنس بن مالك ﵂، كما رواه الطَّبراني بإسناد جيد عنها، قالتْ: قال رسول الله ﷺ ذات يوم وأنا عنده-: ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة /بفضل رحمته إياهم" (٢) فقلت: (وَاثْنَانِ، قَالَ) ﷺ (وَاثْنَانِ)، وهو عَطْفٌ على قوله: ثلاثة، ومثله: يسمى بالعطف التلقيني، أي: قل يا رسول الله، واثنان، ونظيره قوله -تعالى-: حكاية عن إبراهيم ﵇ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) [البقرة: ١٢٤].
وقال الحافظ العسقلاني: واثنان، أي: وإذا مات اثنان ما الحكم؟ فقال: واثنان، أي: وإذا مات اثنان؛ فالحكم كذلك (٣).
وتعقبه العيني بأن فيه كثرة الحذف المخلة بالفصاحة (٤)، وفي رواية مسلم من هذا الوجه: واثنين (٥) بالنصب، أي: وما أمر اثنين، وفي رواية سهيل: أو اثنان، وهو ظاهر في التسوية بين الثلاثة والاثنين في الحكم (٦).
стр. 285
وممن سأل عن ذلك أم أيمن ﵂، وقد تقدم. ووقع لأم بشر الأنصارية السؤال عن ذلك أيضًا؛ فروى الطَّبراني مِنْ طَريقِ: ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ دخل على أم مبشر؛ فقال: يا أم مبشر، من مات له ثلاثة من الولد دخل الجنة؛ فقالت: يا رسول الله، واثنان؛ فسكت، ثُمَّ قال: نعم، واثنان" (١).
وفي حديث ابن عباس ﵂ أنَّ عائشة ﵂ ممن سأل عن ذلك أيضًا، وحكى ابن بشكوال أنَّ أمَّ هانئ أيضًا سألتْ عن ذلك (٢).
[٤٥ ب/ص]
فإنْ قيل: سؤالهن عن ذلك كان في مجلس واحد، أو في مجالس، فالجواب: أنَّه يحتمل كلا منهما، وقال الحافظ العسقلاني في تعدد القصة بعد: لأنه ﷺ /لما سئل عن الاثنين بعد الثلاث، وأجاب بأن الاثنين كذلك؛ فالظاهر أنه كان أوحى إليه في الحال (٣)، وبذلك جزم ابن بطال وغيره، فإذا كان كذلك كان الاقتصار على الثلاثة بعد ذلك مستبعدًا جدًا؛ لأنَّ مفهومه يخرج الاثنين اللذين ثبت لهما ذلك الحكم بالوحي بناء على القول بمفهوم العدد.
نعم قد تقدم في حديث جابر بن عبد الله ﵁ أنه ممن سأل عن ذلك أيضًا، وروى الحاكم والبزار من حديث بريدة أن عمر ﵁ سأل عن ذلك أيضًا، ولفظه "ما من امرئ ولا امرأة يموت لهما ثلاثة أولاد؛ إلا أدخله الله الجنة، فقال عمر: يا رسول الله، واثنان، قال: واثنان". قال الحاكم
стр. 286
صحيح الإسناد (١)، فيظهر من هذا تعدد القصة؛ لأنَّ خطاب النساء بذلك لا يستلزم علم الرجال به. والله أعلم (٢).
وقال ابن بطال: وهذا محمول على أنَّه أوحى إليه بذلك في الحال، ولا بعد أن ينزل عليه الوحي في أسرع من طرفة عين (٣)، ويحتمل أنَّه قد كان العلم عنده بذلك؛ لكنه أشفق عليهم أنْ يتكملوا؛ لأنَّ موت الاثنين غالبًا أكثر من موت الثلاثة، كما وقع في حديث معاذ وغيره في الشهادة بالتوحيد، ثُمَّ لما سئل عن ذلك لم يكن له بد من الجواب (٤).
وقال ابن التين تبعًا للقاضي عياض: هذا الحديث يدل على أن مفهوم العدد ليس بحجة لأنَّ الصحابية من أهل اللسان، ولم تعتبره إذ لو اعتبرته لانتفِي الحكم عندها عما عدا الثلاثة، لكنها جوزت ذلك؛ فسألت (٥).
وقال الحافظ العسقلاني: والظاهر أنها اعتبرت مفهوم العدد، إذ لو لم تعتبره لم تسأل، والتحقيق أن دلالة مفهوم العدد ليست نصية بل بطريق الاحتمال؛ فلذلك وقع السؤال عن ذلك (٦).
وقال القرطبي: وإنما خصت الثلاثة بالذكر؛ لأنها أول مراتب الكثرة؛ فبعظم المصيبة يكثر الأجر، فإذا زاد عليها يخف أمرها لكونها تصبر كالعادة، كما قيل - شعر- روَّعت بالبين حتَّى ما أروع له (٧). انتهى.
стр. 287
وقال الحافظ العسقلاني: وهذا مصير منه إلى انحصار الأجر المذكور في الثلاثة ثُمَّ في الاثنين بخلاف الأربعة والخمسة، وهو جمود شديد؛ فإنَّ من مات له أربعة؛ فقد مات له ثلاثة ضرورة، لأنهم إن ماتوا دفعة واحدة، فقد مات له ثلاثة وزيادة ولا خفاء بأن المصيبة بذلك (١) أشد، وإن ماتوا واحدًا واحدًا؛ فإنَّ الأجر يحصل له عند موت الثالث بمقتضى وعد الصادق.
[١٠٢ أ/س]
فيلزم على قول القرطبي أن من مات له الرابع أن يرتفع عند (٢) ذلك الأجر، مع تجدد المصيبة، وكفي بهذا فسادًا، والحق أن تناول الخبر الأربعة، فما فوقها من باب الأولى والأحرى، ويؤيد ذلك أنَّهم لم يسألوا عن الأربعة، /ولا ما فوقها؛ لأنه كالمعلوم عندهم أن المصيبة إذا كثرت كان الأجر أعظم. والله أعلم (٣).
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀:
١٢٥٠ - وَقَالَ شَرِيكٌ، عن ابْنِ الأَصْبَهاني، حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ، عن أَبِى سَعِيدٍ، وَأَبِى هُرَيْرَةَ -رضى الله عنهما- عن النَّبيِّ ﷺ ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ».
قَالَ الشَّارِحُ ﵀:
(وَقَالَ شَرِيكٌ) هو ابن عبد الله (٤) (عن ابْنِ الأَصْبَهاني) هو عبد الرحمن المذكور سابقًا (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان الزيات، وقد مر أيضًا (عن أَبِى سَعِيدٍ وَأَبِى هُرَيْرَةَ) ﵂ (عن النَّبي ﷺ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ) أي: قيد أبو هريرة ﵁ ثلاثة بقوله: "لم يبلغوا الحنث"، وأبو سعيد ﵁ أطلقها.
стр. 288
وهذا التعليق وصله: ابن أبي شيبة، قال: حدثنا شريك، حدثنا عبد الرحمن بن الأصبهاني، قال: أتاني أبو صالح يعزيني عن ابن لي، فأخذ يحدث، عن أبي سعيد، وأبي هريرة ﵂ (١) أنَّ النَّبي ﷺ قال "ما من امرأة تدفن ثلاثة أفراط إلا كانوا لها حجابًا من النار، فقالت امرأة: يا رسول الله قدمت اثنين، قال: واثنين، ولم تسأله عن الواحد". قال أبو هريرة: (٢) ﵁ من لم يبلغ الحنث" (٣). يعني: أنَّ الفرط من لم يبلغ الحنث، وظاهر هذا السياق أنَّ هذه الزيادة عن أبي هريرة ﵁ موقوفة، ويحتمل أن يكون المراد أن أبا هريرة وأبا سعيد ﵂ اتفقا على السياق المرفوع، وزاد أبو هريرة في حديثه هذا القيد، وهو مرفوع أيضًا.
وقد تقدم في العلم مِنْ طَريقِ أخرى عن شعبة بالإسناد الأول، وقال في آخره: وعن ابن الأصبهاني، سمعت أبا حازم، عن أبي هريرة ﵁، وقال: "ثلاثة لم يبلغوا الحنث" (٤). والله أعلم (٥).
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀:
١٢٥١ - حَدَّثَنَا عَلِىٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيُّ، عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عن أَبِى هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- عن النَّبيِّ ﷺ قَالَ «لَا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ، فَيَلِجَ النَّارَ إِلَاّ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا).
قَالَ الشَّارِحُ ﵀:
(حَدَّثَنَا عَلِىٌّ) هو ابن المدني (قال حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عيينة (قَالَ سَمِعْتُ الزهْرِي) محمد بن مسلم بن شهاب (عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عن أَبِى هُرَيْرَةَ) ﵁ (عن النَّبي ﷺ قَالَ «لَا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ) رجل أو امرأة، وقيد الإسلام شرط أنه لا نجاة للكافر بموت أولاده، وإنما ينجو من النار
стр. 289
بالإيمان والسلامة من المعاصي (١) (ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ، فَيَلِجَ النَّارَ) أي: فيدخلها بنصب المضارع؛ لأنَّ المضارع ينصب بأن المقدرة بعد الفاء بعد النفي.
وحكى الطيبي: إنما تنصب الفاء الفعل المضارع بتقدير: أن إذا كان ما قبلها سببًا لما بعدها، وليس هنا موت الأولاد ولا عدمه سببًا لولوج أبيهم النار (٢)، وبيان ذلك كما نبه عليه صاحب (المصابيح) في شرح (الجامع): أنَّك تعمد إلى الفعل الذي هو غير موجب؛ فتجعله موجبًا، وتدخل عليه إن الشرطية، وتجعل الفاء، وما بعدها من الفعل جوابًا، كما تقولُ في قوله -تعالى-: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي) [طه: ٨١] إن تطغوا فيه، فحلول الغضب /حاصل.
[١٠٢ أ/ص]
وفي قوله: ما تأتينا فتحدثنا أن تأتنا، فالحديث واقع هنا إذا قلت: أن يمت لمسلم ثلاثة من الولد، فولوج النار حاصل لم يستقم المعنى، قال الطيبي، وكذا الشيخ أكمل الدين، فالفاء هنا بمعنى الواو التي للجمع، والمعنى: لا يجتمع لمسلم موت ثلاثة من الولد، وولوجه النار.
[٤٦ ب/س]
ونظيره ما ورد: "ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض، ولا في السماء، وهو السميع العليم، فيضره شيء" (٣) بالنصب، والمعنى: ولا يجتمع قول عبد هذه الكلمات في هذين الوقتين، وضر شيء إياه، ثُمَّ قال الطيبي: إن كانت الرواية على النصب؛ /فلا محيد عن ذلك، وإن كانت على الرفع؛ فيدل على أنه لا يوجد ولوج النار عقيب موت الأولاد إلا مقدارًا يسيرًا. ومعني فاء التعقيب كمعنى الماضي في قوله -تعالى-: ﴿وَنَادَى
стр. 290
أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤] في أنَّ ما سيكون بمنزلة الكائن، وأن ما أخبر به الصادق عن المستقبل؛ فهو الواقع (١).
وقال الحافظ العسقلاني: هذا قد تلقاه جماعة عن الطيبي وأقره عليه، وفيه نظر؛ لأنَّ السببية حاصلة بالنظر إلى الاستثناء، لأنَّ الاستثناء بعد النفي إثبات؛ فكأن المعنى: أن تخفيف الولوج مسبب عن موت الأولاد هو ظاهر؛ لأنَّ الولوج عام، وتخفيفه يقع بأمور منها موت الأولاد بشرطه، وما ادعاه أن الفاء بمعنى الواو التي للجمع فيه نظر. انتهى (٢).
وتعقبه العيني: بأنا لا نسلم حصول السببية بالنظر إلى الاستثناء؛ لأنَّ الولوج هنا ليس على حقيقته بالاتفاق، بل بمعنى الورود، وفي معناه أقول: تأتي -إن شاء الله تعالى-، وكون الاستثناء بعد النفي إثباتًا محل نزاع كما بين في موضعه، وكون الفاء بمعنى الواو مسوغ لا نزاع فيه؛ فإنَّ الحروف ينوب بعضها عن بعض، ولم يمنع أحد عن ذلك، ألا ترى أنَّ الفراء والأخفش وأبا عبيدة: جوزوا مجيء إلا بمعنى الواو، وجعلوا منه قوله -تعالى-: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) [البقرة: ١٥٠] أي: ولا الذين ظلموا، فلذا قال بعض الشراح في قوله: إلا تحلة القسم، إن إلا بمعنى الواو أي: لا يلج النار لا قليلًا ولا كثيرًا، ولا تحلة القسم هذا؛ فليتأمل (٣).
[١٠٣ أ/س]
وقال ابن الحاجب والدماميني (٤): واللفظ له أنه يجوز النصب بعد الفاء الشبيهة بفاء السببية بعد النفي، وإن لم تكن السببية حاصلة كما قالوا في أحد وجهي "ما تأتينا؛ فتحدثنا" أنَّ النفي يكون /في الحقيقة راجعًا إلى الحديث لا إلى الإتيان، أي: ما يكون منك إتيان يعقبه حديث، وإنْ حصل مطلق الإتيان؛ فكذلك هنا أي: أن النار لم تكن تعقب موت الأولاد، بل وجب دخول الجنة، إذ ليس بين الجنة والنار منزلة أخرى (٥).
стр. 291
(إِلَاّ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ) بفتح المثناة، وكسر المهملة، وتشديد اللام، أي: ما ينحل به القسم، وهو اليمين، وهو مصدر حلل اليمين، أي: كفرها، يُقال: حلل: تحليلًا، وتحلة، وتحلًا، بغير هاء، وهو شاذ يقول العرب ضربه تحليلًا؛ إذا لم يبالغ في ضربه، وهذا مثل في قليل المفرط القلة، وهو أن يباشر من الفعل الذي يقسم عليه المقدار الذي يبر قسمه به، كما إذا حلف على النزول بمكان؛ فوقع وقعة خفيفة أجزأته، فتلك تحلة قسمه، وقال أهل اللغة: يُقال فعلته تحلة القسم، أي: قدر ما حللت به يميني، ولم أبالغ (١).
وقال الخطابي: حَلَلْتُ القسم تحلّةً أي أبْرَرْتها (٢)، قال القرطبي: واختلف في المراد بهذا القسم، فقيل: هو معين، وقيل غير معين، وإنما معناه التقليل لأمر ولوجها، وهذا اللفظ يستعمل في هذا، يُقالُ: ما ينام فلان، إلا كتحليل الألية، ويُقال: ما ضربه إلا تحلة القسم؛ إذا لم يبالغ في الضرب، وقال جمهور العلماء: المراد به قوله -تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] (٣).
قال الخطابي: معناه لا يدخل النار؛ ليعاقب بها، ولكنه يدخلها مجتازًا، ولا يكون ذلك الجواز إلا قدر ما يحلل الرجل به يمينه (٤)، ويدل على ذلك ما رواه: عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري في آخر هذا الحديث "إلا تحلة القسم" يعني: الورود (٥).
وفي سنن سعيد بن منصور عن سفيان بن عيينة في آخره، ثُمَّ قرأ سفيان: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ ومِنْ طَريقِ زمعة بن صالح، عن الزهري في آخره، قيل: وما تحلة القسم، قال: قوله الله تعالى ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ وكذا وقع في رواية كريمة: في أصل البخاري (٦).
стр. 292
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) والمراد بأبي عبد الله هو: البخاري نفسه، أي: مستشهدًا لتقليل مدة الدخول ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (١)، ومن أقوى الدليل على أن المراد ذلك: حديث عبد الرحمن بن بشير الأنصاري مرفوعًا: "من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم يرد النار؛ إلا عابر سبيل" يعني: الجواز على الصراط (٢).
وجاء مثله في حديث سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه مرفوعًا: "من حرس وراء المسلمين في سبيل الله متطوعًا لم ير النار بعينه؛ إلا تحلة القسم؛ فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ ". أخرج هذين الحديثين الطَّبراني (٣).
[١٠٣ أ/ص]
واختلف في موضع /القسم من الآية؛ فقيل هو مقدر، أي: والله إن منكم، وقيل: معطوف على القسم الماضي في قوله -تعالى-: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ [مريم: ٦٨]، أي: ووربك إنْ منكم، وقيل: هو مستفاد من قوله -تعالى-: ﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ [مريم: ٧١]، أي: قسمًا واجبًا كذا رواه الطبري، وغيره مِنْ طَريقِ مرة عن ابن مسعود ﵁، ومِنْ طَريقِ ابن أبي نجيح عن مجاهد، ومِنْ طَريقِ سعيد عن قتادة في تفسير هذه الآية (٤).
стр. 293
وقال الطيبي: يحتمل أن يكون المراد بالقسم ما دل على القطع والبت من السياق؛ فإنَّ قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ﴾ [مريم: ٧١] تذييل، وتقرير لقوله ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾ فهو بمنزلة القسم، بل أبلغ لمجيء الاستثناء بالنفي والإثبات (١).
ثُمَّ إنه اختلف السلف في المراد بالورود في الآية فقيل هو الدخول روى أحمد، والنسائي، والحاكم من حديث جابر مرفوعًا الورود الدخول "لا يبقى برّ ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردًا وسلامًا" (٢).
ورواه ابن أبي شيبة أيضًا، وزاد كما كانت على إبراهيم حتَّى إن للنار أو لجهنم ضجيجًا من بردهم، " ثُمَّ ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيًا" (٣).
وروى التِّرْمِذِي وابن حبان مِنْ طَريقِ السدى: سمعت مرة الهمداني يحدث، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: "قال رسول الله ﷺ : يرد الناس النار أو يلجونها، ثُمَّ يصدرون عنها بأعمالهم؛ فأولهم كلمح البرق، ثُمَّ كالريح، ثُمَّ كخضر الفرس، ثُمَّ كالراكب في رحله، ثُمَّ كشد الرجل، ثُمَّ
стр. 294
كمشيه". هذا حديث حسن رواه شعبة، عن السدى، ولم يرفعه. قال عبد الرحمن بن مهدي: قلْتُ لشعبة: إنَّ إسرائيل عن السدى، عن مرة، عن عبد الله يرفعه، قال: شعبة، وقد سمعته من السدى مرفوعًا، ولكنِّي أدعه عمدًا (١).
[٤٦ ب/ص]
وقيل: المراد بالورود: الممر عليها، روى ذلك /الإمام أبو الليث السمرقندي بسنده إلى كعب، قال: " هل تدرون ما قوله ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، قالوا: ما كنا نرى ورودها إلا دخولها، قال: لا، ولكن ورودها أن يجاء بجهنم، كأنها متن إهالة؛ حتَّى استوتْ عليها أقدام الخلائق برهم وفاجرهم، نادى منادٍ، خذي أصحابك، وذري أصحابي؛ فتجلب بكل ولي لها، وهي أعلم بهم من الوالد بولده، وينجو المؤمنون ندية أبدانهم" (٢).
[١٠٤ أ/س]
وهذان القولان أصح ما ورد في ذلك، ولا تنافي بينهما؛ لأنَّ من عَبَّرَ بالدخول تجوز به /عن المرور، ووجهه أنَّ المارَّ عليها فوق الصراط في معنى من دخلها (٣).
وقوله: متن إهالة، أي: ظهرها، والإهالة بكسر الهمزة كل شيء من الإدهان مما يؤتدم به، وقيل: هو ما أذيب من الإلية والشحم، وقيل: الدسم الجامد (٤)، ورُوِيَ: دواية بضم الدال المهملة، وفتح الهمزة، وهي الجديدة التي تعلوا اللبن والمرق (٥) هذا.
стр. 295
وقيل: المراد بالورود: الدنو منها، وقيل: الإشراف عليها، وقيل: المراد به ما يصيب المؤمن في الدنيا من الحمى، وهو محكي عن مجاهد بأنه قال: الحمى حظ المؤمن من النار (١)، وفي الحديث: "الحمى من فيح جهنم" (٢).
وقيل: الورود مختص بالكفار، واستدل على ذلك بقراءة بعضهم ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ وحكى ذلك عن ابن عباس ﵂ أيضًا، وقال أبو عمر: ظاهر قوله ﷺ فتمسه النار يدل على أن المراد بالورود الدخول؛ لأنَّ المسيس حقيقة في المماسة، ثُمَّ قال: روى عن ابن عباس وعلي ﵃: أنَّ الورود الدخول (٣)، وكذا رواه أحمد بن حنبل (٤) عن جابر ﵁. انتهى (٥).
ويدل على صحة ذلك ما رواه مسلم من حديث أم مبشر "أنَّ حفصة قالت للنبي ﷺ لما قال لا يدخل أحد شهد الحديبية النار-: أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فقال لها أليس الله يقول: ثُمَّ ننجي الذين اتقوا" (٦)، يعني: ينجي الله الذين اتقوا من جملة من يدخلها؛ ليعلموا فضل النعمة بما شاهدوا فيه أهل العذاب، وأما قوله -تعالى-: ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء: ١٠١] فالمراد عن عذابها.
стр. 296
وعن جابر بن عبد الله ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ عن ذلك؛ "فقال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: بعضهم لبعض أليس وعدنا ربنا أن نرد النار، فقال لهم قد وردتموها، وهي خامدة" (١).
وفي الحديث: أنَّ من حلف أن يفعل كذا، ثُمَّ فعل منه شيئًا -ولو قل- بُرَّتْ يمينه خلافًا لمالك، قاله: عياض، وغيره (٢).
وهذا الحديث أخرجه مسلم في (الأدب)، والنسائي في (التفسير)، وابن ماجه في (الجنائز) (٣)، والله أعلم.
وفي الباب حديث معاذ عند ابن أبي شيبة في مصنفه عن النَّبي ﷺ : "أنه قال: أوجب ذو الثلاثة، قالوا: ذو الاثنين يا رسول الله، قال: وذو الاثنين (٤) ". ورواه أحمد والطَّبراني أيضًا.