← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 540

نجاح القاري شرح صحيح البخاري - كتاب الجنائز

يوسف أفندي زاده الأماسي

Полный текст (921 стр.). Показаны 292–331 · переход к 297.

стр. 292

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) والمراد بأبي عبد الله هو: البخاري نفسه، أي: مستشهدًا لتقليل مدة الدخول ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (١)، ومن أقوى الدليل على أن المراد ذلك: حديث عبد الرحمن بن بشير الأنصاري مرفوعًا: "من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم يرد النار؛ إلا عابر سبيل" يعني: الجواز على الصراط (٢). وجاء مثله في حديث سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه مرفوعًا: "من حرس وراء المسلمين في سبيل الله متطوعًا لم ير النار بعينه؛ إلا تحلة القسم؛ فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ ". أخرج هذين الحديثين الطَّبراني (٣). [١٠٣ أ/ص] واختلف في موضع /القسم من الآية؛ فقيل هو مقدر، أي: والله إن منكم، وقيل: معطوف على القسم الماضي في قوله -تعالى-: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ [مريم: ٦٨]، أي: ووربك إنْ منكم، وقيل: هو مستفاد من قوله -تعالى-: ﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ [مريم: ٧١]، أي: قسمًا واجبًا كذا رواه الطبري، وغيره مِنْ طَريقِ مرة عن ابن مسعود ﵁، ومِنْ طَريقِ ابن أبي نجيح عن مجاهد، ومِنْ طَريقِ سعيد عن قتادة في تفسير هذه الآية (٤).

стр. 293

وقال الطيبي: يحتمل أن يكون المراد بالقسم ما دل على القطع والبت من السياق؛ فإنَّ قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ﴾ [مريم: ٧١] تذييل، وتقرير لقوله ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾ فهو بمنزلة القسم، بل أبلغ لمجيء الاستثناء بالنفي والإثبات (١). ثُمَّ إنه اختلف السلف في المراد بالورود في الآية فقيل هو الدخول روى أحمد، والنسائي، والحاكم من حديث جابر مرفوعًا الورود الدخول "لا يبقى برّ ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردًا وسلامًا" (٢). ورواه ابن أبي شيبة أيضًا، وزاد كما كانت على إبراهيم حتَّى إن للنار أو لجهنم ضجيجًا من بردهم، " ثُمَّ ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيًا" (٣). وروى التِّرْمِذِي وابن حبان مِنْ طَريقِ السدى: سمعت مرة الهمداني يحدث، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: "قال رسول الله ﷺ : يرد الناس النار أو يلجونها، ثُمَّ يصدرون عنها بأعمالهم؛ فأولهم كلمح البرق، ثُمَّ كالريح، ثُمَّ كخضر الفرس، ثُمَّ كالراكب في رحله، ثُمَّ كشد الرجل، ثُمَّ

стр. 294

كمشيه". هذا حديث حسن رواه شعبة، عن السدى، ولم يرفعه. قال عبد الرحمن بن مهدي: قلْتُ لشعبة: إنَّ إسرائيل عن السدى، عن مرة، عن عبد الله يرفعه، قال: شعبة، وقد سمعته من السدى مرفوعًا، ولكنِّي أدعه عمدًا (١). [٤٦ ب/ص] وقيل: المراد بالورود: الممر عليها، روى ذلك /الإمام أبو الليث السمرقندي بسنده إلى كعب، قال: " هل تدرون ما قوله ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، قالوا: ما كنا نرى ورودها إلا دخولها، قال: لا، ولكن ورودها أن يجاء بجهنم، كأنها متن إهالة؛ حتَّى استوتْ عليها أقدام الخلائق برهم وفاجرهم، نادى منادٍ، خذي أصحابك، وذري أصحابي؛ فتجلب بكل ولي لها، وهي أعلم بهم من الوالد بولده، وينجو المؤمنون ندية أبدانهم" (٢). [١٠٤ أ/س] وهذان القولان أصح ما ورد في ذلك، ولا تنافي بينهما؛ لأنَّ من عَبَّرَ بالدخول تجوز به /عن المرور، ووجهه أنَّ المارَّ عليها فوق الصراط في معنى من دخلها (٣). وقوله: متن إهالة، أي: ظهرها، والإهالة بكسر الهمزة كل شيء من الإدهان مما يؤتدم به، وقيل: هو ما أذيب من الإلية والشحم، وقيل: الدسم الجامد (٤)، ورُوِيَ: دواية بضم الدال المهملة، وفتح الهمزة، وهي الجديدة التي تعلوا اللبن والمرق (٥) هذا.

стр. 295

وقيل: المراد بالورود: الدنو منها، وقيل: الإشراف عليها، وقيل: المراد به ما يصيب المؤمن في الدنيا من الحمى، وهو محكي عن مجاهد بأنه قال: الحمى حظ المؤمن من النار (١)، وفي الحديث: "الحمى من فيح جهنم" (٢). وقيل: الورود مختص بالكفار، واستدل على ذلك بقراءة بعضهم ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ وحكى ذلك عن ابن عباس ﵂ أيضًا، وقال أبو عمر: ظاهر قوله ﷺ فتمسه النار يدل على أن المراد بالورود الدخول؛ لأنَّ المسيس حقيقة في المماسة، ثُمَّ قال: روى عن ابن عباس وعلي ﵃: أنَّ الورود الدخول (٣)، وكذا رواه أحمد بن حنبل (٤) عن جابر ﵁. انتهى (٥). ويدل على صحة ذلك ما رواه مسلم من حديث أم مبشر "أنَّ حفصة قالت للنبي ﷺ لما قال لا يدخل أحد شهد الحديبية النار-: أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فقال لها أليس الله يقول: ثُمَّ ننجي الذين اتقوا" (٦)، يعني: ينجي الله الذين اتقوا من جملة من يدخلها؛ ليعلموا فضل النعمة بما شاهدوا فيه أهل العذاب، وأما قوله -تعالى-: ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء: ١٠١] فالمراد عن عذابها.

стр. 296

وعن جابر بن عبد الله ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ عن ذلك؛ "فقال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: بعضهم لبعض أليس وعدنا ربنا أن نرد النار، فقال لهم قد وردتموها، وهي خامدة" (١). وفي الحديث: أنَّ من حلف أن يفعل كذا، ثُمَّ فعل منه شيئًا -ولو قل- بُرَّتْ يمينه خلافًا لمالك، قاله: عياض، وغيره (٢). وهذا الحديث أخرجه مسلم في (الأدب)، والنسائي في (التفسير)، وابن ماجه في (الجنائز) (٣)، والله أعلم. وفي الباب حديث معاذ عند ابن أبي شيبة في مصنفه عن النَّبي ﷺ : "أنه قال: أوجب ذو الثلاثة، قالوا: ذو الاثنين يا رسول الله، قال: وذو الاثنين (٤) ". ورواه أحمد والطَّبراني أيضًا.

стр. 297

وحديث عتبة بن عبد الله عند ابن ماجة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا تلقوه من أبواب الجنة الثُمَّانية من أيها شاء دخل" (١). [١٠٤ أ/ص] /وحديث مطرف بن شخير ﵁ عند مسدد، وفي مسنده قال: قال رسول الله ﷺ للأنصار: "ما الرقوب فيكم، قالوا: الذي لا ولد له"، وقال رسول الله ﷺ : "ليس ذاكم بالرقوب، الرقوب: الذي يقدم على ربه، ولم يقدم أحدًا من ولده (٢) ". الحديث. وحديث أبي ذر ﵁ عند النسائي من رواية الحسن عن صعصعة بن معاوية، قال: لقيت أبا ذرٍّ، قلت: حدثني، قال: نعم، قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلمين يموت بينهما ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحنث؛ إلا غفر الله لهما بفضل رحمته إياهم" (٣). وحديث عُبادة بن الصامت ﵁ عند أبي دواد الطيالسي أن رسول الله ﷺ قال: "والنفساء يجرها ولدها يوم القيامة بسرره إلى الجنة" (٤)، وحديث عقبة بن عامر ﵁ عند الطَّبراني في الكبير، من حديث أبي عشانة المعاقري: أنه سمع عقبة بن عامر ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "من أثكل ثلاثة من صلبه؛ فاحتسبهم على الله وجبت له الجنة (٥). ورواه أحمد أيضًا (٦).

стр. 298

وحديث قرة بن إياس ﵁ عند النسائي من حديث معاوية بن قرة عن أبيه: "أن رجلًا أتى النَّبي ﷺ ، ومعه ابن له فقال: أتحبه؛ فقال: أحبك الله كما أحبه، فمات ففقده فسأل عنه ما يسرك أن لا تأتي بابًا من أبواب الجنة إلا وجدته عنده يسعى يفتح لك (١) ". وحديث أبي أُمامة ﵁ عند ابن أبي شيبة في مصنفه عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مؤمنين يموت لهما ثلاثة من الأولاد لم يبلغوا الحلم؛ إلا أدخلهما الله الجنة بفضل رحمته إياهم" (٢). وحديث الحارث بن وقيش، ويقال: أقيش ﵁ عند ابن أبي شيبة في مصنفه أن رسول الله ﷺ قال: "ما من مسلمين يموت لهما أربعة أفراط؛ إلا أدخلهما الله الجنة، قالوا (٣): يا رسول الله، وثلاثة، قال: وثلاثة، قالوا: واثنان، قال: واثنان (٤) " وحديث عمرو بن عبسة عند الطَّبراني في الكبير سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من مؤمن ولا مؤمنة يقدم الله له ثلاثة أولاد من صلبه لم يبلغوا الحنث؛ إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم" (٥).

стр. 299

وحديث معاوية بن حيدة عند ابن حبان في الضعفاء عنه عن النَّبي ﷺ قال: "سوداء ولود، خير من حسناء لا تلد، إني تكاثركم الأمم؛ حتَّى إنَّ السقط؛ ليظل محبنطئا على باب الجنة؛ فيقال: ادخل، فيقول: أنا وأبوي، فيُقال: أنت وأبويك (١) ". وحديث عبد الرحمن بن بشير ﵁ عند الطَّبراني، قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لن يلج النار إلا عابر سبيل"، يعني: الجواز على الصراط (٢). [١٠٥ أ/س] [٤٤ ب/س] وحديث زهير بن علقمة ﵁ (٣) /عند الطَّبراني في الكبير قال: "جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله ﷺ في ابن /لها مات؛ فكأن القوم عنفوها، فقالت: يا رسول الله مات لي ابنان، فقال النَّبي ﷺ : والله لقد احتظرت (٤) من النار احتظارًا شديدًا" (٥). ورواه البزار أيضًا. وحديثُ عثُمَّان بن أبي العاص عند الطَّبراني أيضًا، قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد استجن جُنَّةٌ حَصِينَةٌ مِنَ النَّارِ، رجل سلف بين يديه ثلاثة من صلبه في الإسلام" (٦)، وقد مر أيضًا.

стр. 300

وحديث ابن النضر السلمي، عند مالك في الموطأ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد؛ فيحتسبهم، إلا كانوا له جنة من النار، فقالت امرأة عند رسول الله ﷺ : أو اثنان، قال: أو اثنان" (١)، قال ابن عبد البر: ابن النضر هذا مجهول في الصحابة والتابعين، واختلف الرواة للموطأ؛ فبعضهم يقول: عن ابن النضر، وهو الأكثر، وبعضهم يقول: عن أبي النضر، ولا يُعْرَفُ إلا بهذا الحديث (٢). وحديث سفينة، عند أبي إسحاق بن إبراهيم البغدادي في كتاب (رواية الأكابر عن الأصاغر)، قال: "قال رسول الله ﷺ : بخ بخ خمس ما أثقلهن في الميزان: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وفرط صالح تفرطه" (٣). وحديث حوشب بن طحفة الحميري عند ابن منده في كتاب (الصحابة)، وابن قانع في معجم (الصحابة)، عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: "من مات له ولد؛ فصبر، واحتسب، قيل له: ادخل الجنة بفضل ما أخذنا منك" (٤)، اللفظ لابن قانع.

стр. 301

وحديث الحسحاس بن بكر عند أبي موسى المديني (١) الذي ذيل به على الصحابة لابن مندة عن النَّبي ﷺ قال: "من لقي الله بخمس عوفي من النار، وأُدخل الجنة، سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وولد يحتسب" (٢). وحديث عبد الله بن عمر عند الطَّبراني: "قال: إن رجلًا من الأنصار كان له ابن يروح معه إذا راح إلى النَّبي ﷺ ، فقالَ نبي الله ﷺ عنه، فقال: أتحبه، قال: يا نبي الله نعم، فأحبك الله، كما أحبه؛ فقال: إن الله أشد لي حبًا منك له، فلم يلبث أنْ مات ابنه، فراح إلى نبي الله ﷺ ، وقد أقبل عليه ابنه، فقال له رسول الله ﷺ : "أجزعت، قال: نعم، فقال له رسول الله ﷺ : أولا ترضى أن يكون ابنك مع ابني إبراهيم يلاعبه تحت ظل العرش، قال: بلى يا رسول الله" (٣). [١٠٥ أ/ص] وحديث عائشة ﵂ عند الطَّبراني في الأوسط: "من قَدَّمَ ثلاثة من الولد صابرًا محتسبًا حجبوه /من النار" (٤).

стр. 302

وحديث رجل لم يسم عند ابن أبي شيبة في مصنفه عن النَّبي ﷺ : "أنه قال لامرأة أتته بصبي لها، فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يبقيه، فقد مضى لي ثلاثة، فقال: أمذ (١) أسلمت، قالت: نعم، قال: جنة حصينة من النار" (٢). إلى غير ذلك من الأحاديث؛ فبلغت مبلغ التواتر.

стр. 303

باب: قَوْلِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ عندَ القَبْرِ: اصْبِرِي . قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٥٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رضى الله عنه-، قَالَ: مَرَّ النَّبيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ عندَ قَبْرٍ؛ وَهِىَ تَبْكِى، فَقَالَ: «اتَّقِى اللَّهَ وَاصْبِرِى». - قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (باب: قَوْلِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ عندَ القَبْرِ: اصْبِرِي) والقصد من هذه الترجمة: جواز مخاطبة الرجال للنساء بما فيه موعظة، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، أو تعزية. وعَبَّرَ (بالرجل) إشارة إلى أن ذلك لا يختص بالنَّبي ﷺ ، وإن كان ما في الحديث قوله ﷺ ، وأطلق المرأة لتتناول العجوز والشابة، لما يترتب عليه من المصالح الدينية، واقتصر على ذكر الصبر دون التقوى؛ لأنه المتيسر، حينئذ المناسب لما هي فيه (١). (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابن أبي إياس (٢) (قال حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي: ابن الحجاج (قال حَدَّثَنَا ثَابِتٌ) البناني (٣) (عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رضى الله عنه- قَالَ: مَرَّ النَّبي ﷺ بِامْرَأَةٍ عندَ قَبْرٍ، وَهِىَ) أي: والحال أنها (تَبْكِى، فَقَالَ) ﷺ لها (اتَّقِى اللَّهَ) بأن لا تجزعي؛ فإنَّ الجزع يحبط الأجر (٤)، (وَاصْبِرِى) فإنَّ الصبر يجزك الأجر، قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزُّمَر: ١٠] أي بغير مكيال ولا ميزان، وهو تمثيل للتكثير.

стр. 304

وعن ابن عباس ﵂: لَا يُهْتَدَى إلَيْهِ حِسَابُ الْحِسَابِ ولا يعرف (١). وعن النَّبيِّ ﷺ : "ينصب الله الموازين يوم القيامة؛ فيؤتى بأهل الصلاة، فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الصدقة؛ فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الحج؛ فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل البلايا؛ فلا ينصب لهم ميزان، ولا ينشر لهم ديوان، ويصب عليهم الأجر صبًّا، قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ حتَّى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل" (٢)، والله أعلم. [١٠٦ أ/س] وقال ابن بطال: أراد ﷺ أن لا يجتمع عليها مصيبتان: مصيبة فقد الولد، ومصيبة فقد الأجر الذي يبطله الجزع؛ فأمرها بالصبر الذي لا بد للجازع من الرجوع إليه بعد سقوط أجره، ولذا قال ﷺ : "الصبر عند الصدمة الأولى" يعني أن الصبر عند قوة المصيبة أشد، فالثواب عليه أكثر؛ لأنه إذا طالت /تسلى المصائب، فيصير الصبر طبعًا؛ فلا يؤجر عليه مثل ذلك، وقيل: مصيبة لم يذهب فرح ثوابها ألم حزنها، فهي المصيبة الدائمة، والحزن الباقي (٣). وقال الحسن: الحمد لله الذي آجرنا على ما لا بد لنا منه (٤)، وفي الحديث: جواز زيارة القبور، وفيه: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وفيه: الدلالة على تواضعه ﷺ وكونه لم ينهرها، وفيه:

стр. 305

أنَّ النهي عن البكاء بعد الموت، وفيه: الموعظة للباكي بتقوى الله والصبر. والحديث أخرجه: أبو داود، والتِّرْمِذِي، والنسائي (١) أيضًا.

стр. 306

باب: غُسْلِ الْمَيِّتِ وَوُضُوئِهِ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ . قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: وَحَنَّطَ ابْنُ عُمَرَ -رضى الله عنهما- ابْنًا لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَحَمَلَهُ وَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رضى الله عنهما-: "الْمُسْلِمُ لَا يَنْجُسُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا". وَقَالَ سَعْدٌ: "لَوْ كَانَ نَجِسًا مَا مَسِسْتُهُ". وَقَالَ النَّبي ﷺ : «الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ». ١٢٥٣ - حَدَّثَنَا إسماعيل بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عن أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عن مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ الأنصاريَّةِ - رضى الله عنها - قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَتِ ابْنَتُهُ؛ فَقَالَ: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مَنْ ذَلِكَ -إِنْ رَأَيْتُنَّ- ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي»، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ؛ فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ؛ فَقَالَ: «أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ». قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (باب غُسْلِ الْمَيِّتِ وَوُضُوئِهِ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ) بكسر السين المهملة، وإسكان الدال المهملة، وفي آخره راء: شجر النبق يدق أوراقه، ويستعمل في الحمامات (١). وهذه الترجمة مشتملة على أمور: الأول: غسل الميت، واختلف فيه؛ فقال أصحابنا: هو واجب على الأحياء بالسنة، وإجماع الأمة: أما السنة؛ فقوله ﷺ : "للمسلم على المسلم ست حقوق"، وذكر منها: "إذا مات أن

стр. 307

يغسله" (١)، وقد أجمعت الأمة على هذا، وفي شرح (الوجيز) الغسل، والتكفين، /والصلاة: فرض كفاية بالإجماع (٢)، وكذا نقل النووي الإجماع: على أن غسل الميت فرض كفاية (٣). [٤٧ ب/ص] وقال الحافظ العسقلاني: وهو ذهول شديد؛ فإنَّ الخلاف مشهور جدًا عند المالكية حتَّى أن القرطبي رجح في شرح مسلم أنَّه سنة (٤)، ولكن الجمهور على وجوبه وقد ردَّ ابن العربي على من لم يقل بذلك، أي: بالوجوب، وقال: توارد به القول والعمل، وغسل الطاهر المطهر؛ فكيف من سواه (٥). وقال العيني: إن قوله: أي قول القرطبي سنة، معناه: سنة مؤكدة، وهي في قوة الوجوب؛ فلا ذهول هذا (٦)، وأصل وجوب غسل الميت ما رواه عبد الله بن أحمد في المسند: "أن آدم ﵇ غسلته الملائكة، وكفنوه، وحنطوه، وحفروا له، وألحدوا، وصلوا عليه، ثُمَّ دخلوا قبره؛ فوضعوه فيه، ووضعوا عليه اللبن، ثُمَّ خرجوا من قبره، ثُمَّ حثوا عليه التراب، ثُمَّ قالوا: يا بني آدم هذا سبيلكم (٧) "، ورواه البيهقي بمعناه (٨).

стр. 308

[١٠٦ أ/ص] وأما سبب وجوب غسل الميت؛ فقيل: هو الحدث، فإنَّ الموت سبب لاسترخاء المفاصل (١)، وقال الشيخ أبو عبد الله الجرجاني، وغيره من مشايخ العراق: إنما وجب لنجاسة الميت؛ إذ الآدمي له دم مسفوح كسائر الحيوانات، ولهذا يتنجس البئر بموته فيها، وفي (البدائع)، عن محمد بن شجاع: أن الآدمي لا ينجس بالموت كرامة له؛ لأنه لو تنجس لما حكم بطهارته بالغسل كسائر الحيوانات /التي حكم بنجاستها بالموت (٢)، وسيأتي قول ابن عباس ﵂ "أنَّ المؤمن لا ينجس حيًا وميتًا". وقال بعض الحنابلة: ينجس بالموت، ولا يطهر بالغسل (٣)، وينجس الثوب الذي ينشف به كسائر الميتات، وهذا باطل بلا شك، وخرق للإجماع (٤)، والمشهور عند الجمهور: أنه غسل تعبدي يشترط فيه ما يشترط في سائر الاغسال الواجبة والمندوبة، وقيل: شرع احتياطًا لاحتمال أن يكون عليه جنابة، وفيه نظر؛ لأنَّ لازمه أن لا يشرع غسل من هو دون البلوغ، وهو خلاف الإجماع، والله أعلم (٥). الثاني: وضوء الميت؛ فوضوؤه سنة، كما في الاغتسال في حالة الحياة، غير أنَّه لا يمضمض، ولا يستنشق عندنا؛ لأنهما متعسران (٦)، وقال صاحب (المغني): ولا يدخل الماء فاه، ولا منخريه في قول أكثر أهل العلم، وهو قول: سعيد بن جبير، والنخعي، والثوري، وأحمد. وقال الشافعي: يمضمض ويستنشق، كما يفعله الحي (٧). وقال النووي: المضمضة جعل الماء في فيه (٨). قال العيني: وهذا خلاف ما قاله أهل

стр. 309

اللغة؛ فقال الجوهري المضمضة تحريك الماء في الفم (١)، وإمام الحرمين لم يصوب من قال مثل ما قال النووي (٢). الثالث: استعمال السدر، والحكم فيه عندنا أن الماء يغلي بالسدر أو بالحرض، وهو الإشنان مبالغة في التنظيف، فإنْ لم يكن السدر أو الإشنان؛ فالماء القراح (٣)، وذكر في (المحيط)، و (المبسوط): أنَّه يغسل أولًا بالماء القراح، ثُمَّ بالماء الذي يطرح فيه السدر، وفي الثالثة: يجعل الكافور في الماء ويغسل (٤)، هكذا روى عن ابن مسعود ﵁، وعند سعيد بن المسيب، والنخعي، والثوري: يغسل في المرة الأولى والثانية بالماء القراح، والثالثة بالسدر (٥). وقال الشافعي: يختص السدر بالأولى (٦)، وبه قال ابن الخطاب من الحنابلة، وعن أحمد: يستعمل السدر في الثلاث كلها؛ وهو قول عطاء، وإسحاق، وسليمان بن حرب (٧). وقال الزين ابن المنير: جعلهما آلة لغسل الميت، وهو مطابق لحديث الباب؛ لأنَّ قوله بماء وسدر يتعلق بقوله: اغسلنها (٨)، وظاهرٌ أن السدر يخلط في كل مرة من مرات الغسل، وهو مشعر بأن غسل الميت للتنظيف لا للتطهير؛ لأنَّ الماء المضاف لا يتطهر به. انتهى (٩).

стр. 310

[١٠٧ أ/س] وقد يمنع لزوم كون الماء يصير مضافًا بذاك لاحتمال أن لا يغير السدر وصف الماء بأن يمعك بالسدر، ثُمَّ يغسل بالماء في كل مرة؛ فإنَّ لفظ الخبر لا يأبى ذلك (١)، وقال القرطبي: يجعل السدر في ماء، ويخضخض إلى أن يخرج رغوته، ويدلك به جسده، ثُمَّ يصب عليه الماء القراح؛ فهذه غسلة (٢)، وأعلى ما ورد في ذلك /ما رواه أبو داود مِنْ طَريقِ قتادة، عن ابن سيرين: أنه كان يأخذ الغسل، عن أم عطية؛ فيغسل بالماء والسدر مرتين، والثالثة: بالماء والكافور (٣)، قال ابن عبد البر: كان يقال كان ابن سيرين أعلم التابعين بذلك (٤). وقال ابن العربي: من قال الأولى: بالماء والقراح، والثانية: بالماء والسدر، أو العكس، والثالثة: بالماء والكافور؛ فليس هو في لفظ الحديث. انتهى (٥). وكأن قائله أراد أن يقع إحدى الغسلات بالماء الصرف المطلق؛ لأنه المطهر في الحقيقة، وأما المضاف؛ فلا. وتمسك بظاهر الحديث: ابن شعبان، وابن الفرضي، وغيرهما من المالكية؛ فقالوا: غسل الميت إنما هو للتنظيف؛ فيجري بالماء المضاف كماء الورد ونحوه، قالوا: وإنما يكره من جهة السرف (٦)، وكرهت الشافعية، وبعض الحنابلة الماء المسخن (٧)، وخير مالك ذكره في (الجواهر)، وفي بعض كتب الشافعية، قيل: المسخن أولى بكل حال، وهو قول إسحاق. وفي الدراية: وعند الشافعي، وأحمد: الماء البارد أفضل إلا أن يكون عليه وسخ، أو نجاسة لا يزول إلا بالماء الحار، أو يكون البرد شديدًا (٨). فإنَّ قيل ترجم المؤلف: بالوضوء، ولم يأت له بحديث.

стр. 311

فالجواب: أنَّه اعتمد على المعهود من الاغتسال عن الجنابة، ويمكن أنْ يقال: إنَّه اعتمد على ما ورد في بعض طرق حديث الباب حديث أم عطية: "أبدَانَ بميامنها ومواضع الوضوء منها" (١)، وكأنه أراد أن الوضوء لم يرد الأمر به مجردًا، وإنما ورد البداءة بأعضاء الوضوء؛ كما يشرع في غسل الجنابة، أو أراد أنَّ الاقتصار على الوضوء لا يجزئ الورود الأمر بالغسل (٢). [٤٨ ب/س] وقال الزين ابن المنير بعد ما ذكر الوجه الأول: أو أراد وضوء الغاسل أي: لا يلزمه وضوء، ولهذا /ساق أثر ابن عمر ﵂ وتعقبه الحافظ العسقلاني: بأنَّ في عود الضمير إلى الغاسل، ولم يتقدم له ذكر بعد، إلا أن يُقال تقدير الترجمة: باب غسل الحي الميت؛ لأنَّ الميت لا يتولى ذلك بنفسه؛ فيعود الضمير إلى المحذوف (٣)، وهذا كما قال العيني: تعسف، وإن كان له وجه على رجوع الضمير إلى أقرب الشيئين إليه أولى (٤). (وَحَنَّطَ) بالحاء المهملة، وتشديد النون، أي: طيب بالحنوط، واستعمله، وهو كل شيء خلط (٥) للميت خاصة، كذا قاله الكرماني (٦)، وتبعه الحافظ العسقلاني (٧)، وفي الصحاح: الحنوط ذريرة، وهو طيب للميت (٨)، وقال العيني: الحنوط عطر مركب من أنواع الطيب يجعل على رأس الميت ولحيته ولبقية جسده -إن تيسر- (٩)، وفي المحيط لا بأس بسائر الطيب في الحنوط غير الزعفران والورس في حق الرجال، ولا بأس بهما في حق النساء (١٠)؛ فيدخل فيه المسك، وأجازه أكثر

стр. 312

العلماء، وأمر به علي ﵁، واستعمله: أنس، وابن عمر، ﵃ وابن المسيب (١)، وبه قال مالك والشافعي، وأحمد، وإسحاق (٢). وكرهه: عطاء، والحسن، ومجاهد، وقالوا: إنَّه ميتة (٣). واستعماله في حنوط النَّبي ﷺ حجة عليهم، وفي (الروضة): ولا بأس بجعل المسك في الحنوط، وقال النخعي: يوضع الحنوط على الجبهة والراحتين والركبتين والقدمين، وفي (المفيد): وإن لم يفعل؛ فلا يضر، وقال ابن الجوزي والقرافي: يستحب في المرة الثالثة شيء من الكافور، قال: وقال أبو الحنيفة: لا يستحب (٤). قال العيني: نقلهما ذلك عنه خطأ (٥) [١٠٧ أ/ص] (ابْنُ عُمَرَ) ابن الخطاب ﵁ (ابْنًا لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ) أحد العشرة المبشرة العدوي القرشي، أسلم قديمًا، ومات بالعقيق، ونقل إلى المدينة، ودفن بها /سنة إحدى وخمسين (٦)، واسم ابنه هذا عبد الرحمن، كذا في نسخة أبي الجهم العلاء بن موسى عن الليث عن نافع: أنه رأى عبد الله بن عمر ﵂ حنط عبد الرحمن بن سعيد بن زيد ﵃. (٧) (وَحَمَلَهُ وَصَلَّى) عليه (وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) وهذا التعليق وصله: مالك في موطأه، عن نافع: أن ابن عمر ﵂ حنط ابنًا لسعيد بن زيد، وحمله، ثُمَّ دخل المسجد؛ فصلى ولم يتوضأ (٨).

стр. 313

ومطابقته للترجمة من حيث إن التحنيط يستلزم الغسل، ومن حيث إنَّ قوله: لم يتوضأ يدل على أن الغاسل ليس عليه وضوء؛ فيطابق الترجمة على تقدير (١) عود الضمير في قوله: ووضوؤه إلى الغاسل المذكور حكمًا، وقال الحافظ العسقلاني: وقيل: تعلق هذا الأثر، وما بعده بالترجمة من جهة أن المصنف يرى أنَّ المؤمن لا ينجس بالموت، وإن غسله إنما هو للتعبد؛ لأنه لو كان نجسًا لم يطهره الماء والسدر، ولا الماء وحده، ولو كان نجسًا ما مسَّه ابن عمر ﵂، ولغسل ما مسه من أعضائه (٢)، وتعقبه العيني بأنه ليس بين هذا الأثر، وبين الترجمة من هذه الجهة البعيدة تعلق أصلًا، نعم هذا الذي ذكره يصلح أن يكون وجه التطابق بين الترجمة، وبين أثر ابن عباس ﵂ الآتي ذِكْرُهُ إذ إيراده أثر ابن عباس ﵂ في هذا الباب يدلُّ على أنه يرى رأي ابن عباس ﵂، ويفهم منه أن غسل الميت عنده أمر تعبدي هذا (٣)، وأنت خبير بأن ما ذكره الحافظ العسقلاني ليس من البعد بهذه المثابة، ثُمَّ قال الحافظ العسقلاني، وكأنه أشار إلى تضعيف ما أخرجه أبو داود من طريق عمرو بن عمير عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "من غسل الميت؛ فليغتسل، ومن حمله؛ فليتوضأ" (٤). رواته ثقات إلا عمرو بن عمير؛ فليس بمعروف. وروى التِّرْمِذِي وابن حبان مِنْ طَريقِ: سهل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ نحوه (٥)، وهو معلول؛ لأنَّ أبا صالح لم يسمعه من أبي هريرة، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه الصواب، عن أبي

стр. 314

هريرة: موقوف (١). وقال أبو داود بعد تخريجه: هذا منسوخ ولم يبين ناسخه (٢). وقال الذهلي فيما حكاه الحاكم في تاريخه: ليس في من غسل ميتًا؛ فليغتسل حديث ثابت. انتهى (٣). [١٠٨ أ/س] وقد اخْتُلِفَ في الذي يغسل الميت؛ فقال بعض أهل العلم من أصحاب النَّبي ﷺ ، وغيرهم إذا غسل ميتًا؛ فعليه الغسل، وقال: بعضهم عليه الوضوء (٤). وقال مالك بن أنس: استحب الغسل من غسل الميت، ولا أرى ذلك واجبًا (٥)، وهكذا قال الشافعي (٦) وقال أحمد: من غسل ميتًا، أرجو أن لا يجب عليه الغسل؛ /فأما الوضوء، فأقل ما فيه، أي: فهو أقلُّ ما في غسل الميت، وقال إسحاق: لا بدَّ من الوضوء (٧). وقد روى عن عبد الله بن المبارك أنه قال لا يغتسل ولا يتوضأ من غسل الميت، وقال مالك في (العتبية): أدركت النَّاس على أنَّ غاسلَ الميت يغتسل، واستحسنه ابن القاسم وأشهب، وقال ابن حبيب: لا غسل عليه، ولا وضوء (٨)، وفي (التوضيح): وللشافعي قولان: الجديد: هذا، والقديم: الوجوب (٩)، وبالغسل قال ابن المسيب وابن سيرين والزهري، قاله: ابن المنذر (١٠)، وقال الخطابي: لا

стр. 315

أعلم أحدًا قال بوجوب الغسل فيه (١)، وأوجب أحمد وإسحاق الوضوء منه، والجمهور على عدم وجوب واحد منهما، ثُمَّ إنه لا يشترط غسل الغاسل، ولا وضوؤه حين يباشر الغسل، ولو كان جنبًا، أو حائضًا، أو كافرًا ذكره القهستاني. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: الْمُسْلِمُ لَا يَنْجُسُ) بفتح الجيم، ويقال بضمها (حَيًّا وَلَا مَيِّتًا) وجه مطابقته للترجمة قد ذكر؛ فلا نعيده، وهذا التعليق وصله: ابن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس ﵂: "أنَّه قال: لا تنجسوا موتاكم؛ فإنَّ المؤمن ليس بنجس حيًا، ولا ميتًا" (٢)، وقوله: "لا تنجسوا" أي: لا تقولوا إنهم نجس. ورواه سعيد بن منصور أيضًا عن سفيان نحوه موقوفًا (٣)، ورواه الحاكم مرفوعًا بإسناده إلى ابن عباس ﵂ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تنجسوا موتاكم؛ فإنَّ المسلم لا ينجس حيًا، ولا ميتًا"، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (٤). [٤٨ ب/ص] وقد أخرجه الدارقطني من رواية عبد الرحمن بن يحيى المخزومي عن سفيان أيضًا مرفوعًا (٥). (وَقَالَ سَعْدٌ) أي: ابن أبي وقاص ﵁، /وفي رواية: وقال سعيد بزيادة الياء، قال الحافظ العسقلاني: والأول أولى (٦)، وقال العيني: والأول أشهر وأصح (٧) (لَوْ كَانَ نَجِسًا) بكسر الجيم (مَا مَسِسْتُهُ) بكسر السين الأولى، ووجه مطابقته ظاهر: مما تقدم.

стр. 316

وهذا التعليق وصله: ابن أبي شيبة، عن يحيى بن سعيد القطان، عن الجعد، عن عائشة بنت سعد، قالت: "أوذن سعد تعني: أباها بجنازة سعيد بن زيد ﵁، وهو بالعقيق؛ فجاءه، فغسله، وكفنه، وحنطه، ثُمَّ أتى داره؛ فاغتسل، ثُمَّ قال: لم أغتسل من غسله، ولو كان نجسًا ما مسسته، أو ما غسلته، ولكني اغتسلت من الحر" (١). [١٠٨ أ/ص] وفي رواية: لو علمت أنه نجس لم أمسه (٢)، ذكره سمويه في فوائده (٣)، مِنْ طَريقِ أبي واقد المدني، /وفي هذا الأثر فائدة حسنة: وهي أن العالم إذا عمل عملًا يخشى أن يلتبس على من رآه ينبغي له أن يعلمهم بحقيقة الأمر؛ لئلا يحملوه على غير محمله (٤). (وَقَالَ النَّبي ﷺ الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ) هذا طرف من حديث أبي هريرة ﵁، وقد تقدم موصولًا في (باب: الجنب يمشي في السوق) من كتاب (الغسل)، قال: لقيني رسول الله ﷺ وأنا جنب-؛ فأخذ بيدي، فمشيت معه؛ حتَّى قعد، فانسللت* (٥)، فأتيت الرحل؛ فاغتسلت، ثُمَّ جئت -وهو قاعد-؛ فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟ فقلت له، فقال ﷺ : "سبحان الله يا أبا هريرة (٦) إن المؤمن لا ينجس" (٧).

стр. 317

ووجه الاستدلال به: أنَّ صفة الإيمان لم تسلب بالموت، وإذا كانت باقية؛ فهو غير نجس، ووقع في نسخة الصنعاني هنا، قال أبو عبد الله -وهو البخاري نفسه-: النجس القذر، وأراد بذلك نفِي هذا الوصف، وهو النجس عن المسلم حقيقة وحكمًا. (حَدَّثَنَا إسماعيل بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن أبي أويس ابن أخت مالك (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عن أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عن مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ (١)) وفي رواية ابن جريج، عن أيوب، سمعت ابن سيرين، وسيأتي في (باب: كيف الإشعار؟) (٢)، وقد رواه أيوب أيضًا عن حفصة بنت سيرين، كما سيأتي بعد أبواب (٣)، وهذا حديث أم عطية، عن محمد وحفصة ابني سيرين، وحفظت منه حفصة ما لم يحفظ محمد كما سيأتي مبينًا. وقال ابن المنذر ليس في أحاديث غسل الميت أعلى من حديث أم عطية، وعليه عوَّل الأئمة (٤). (عن أُمِّ عَطِيَّةَ) اسمها نسيبة بضم النون بنت كعب، ويقال: بنت الحارث (٥) (الأنصاريَّةِ) وقد شهدت غسل ابنة رسول الله ﷺ ، وحكت ذلك فأتقنت، وكانت تغسل الميتات. ورجال إسناد

стр. 318

هذا الحديث: ما بين مدني، وبصري، وفيه رواية: تابعي، عن تابعي، عن صحابية، وقد أخرج متنه مسلم أيضًا في (الجنائز)، وكذا أبو داود والتِّرْمِذِي والنسائي (١). [١٠٩ أ/س] (قَالَتْ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَتِ) على صيغة المجهول (ابْنَتُهُ) هي زينب زوج أبي العاص بن الربيع والدة أمامة، وأمامة هي التي كان رسول الله ﷺ يحملها في الصلاة؛ فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها، وزينب أكبر بنات رسول الله ﷺ تزوَّج بها أبو العاص بن الربيع؛ فولدت له عليًا وأمامة، وتوفيت زينب في سنة ثُمَّان؛ قاله الواقدي، وقال قتادة عن ابن حزم: في أول سنة ثُمَّان (٢)، وحكاه الطبري في الذيل (٣)، ولم يقع في رواية البخاري ابنته هذه مسماة نعم قد وردت مسماة عند مسلم مِنْ طَريقِ عاصم الأحول عن حفصة عن أم عطية ﵂ قالت: "لما ماتت زينب بنت رسول الله ﷺ ، قال لنا رسول الله ﷺ : اغسلنها" (٤)، /فذكر الحديث، وهذا هو المروي الأكثر. وحكى ابن التين عن الداودي: أنَّ البنت المذكورة هي أم كلثوم زوج عثُمَّان ﵂، ولم يذكر مستنده.

стр. 319

وتعقبه المنذري بأنَّ أم كلثوم توفيت والنَّبي ﷺ ببدر؛ فلم يشهدها (١)، وهو غلط منه؛ فإنَّ التي توفيت حينئذ رقية، وعزاه النووي تبعًا لعياض إلى بعض أهل السير (٢). قال الحافظ العسقلاني: وهو قصور شديد؛ فقد أخرجه ابن ماجة، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الوهاب الثقفي عن أيوب، ولفظه: "دخل علينا ونحن نغسل ابنته أم كلثوم" (٣)، وهذا الإسناد على شرط الشيخين، ويمكن الجمع: بأن تكون أم عطية حضرتهما جميعًا؛ (٤) فقد جزم ابن عبد البر في ترجمتها بأنها كانت غاسلة الميتات، والله أعلم (٥). (فَقَالَ) ﷺ (اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا) وفي رواية هشام بن حسان عن حفصة: اغسلنها وترًا ثلاثًا، أو خمسًا (٦)، وكلمة "أو" هنا للتنويع، والنص على الثلاث أولًا إشارة إلى أن المستحب الإيتار، ألا ترى أنه نقلهن من الثلاث إلى الخمس دون الأربع، وقال الحافظ العسقلاني: "أو" هنا للترتيب، لا للتخيير (٧). وتعقبه العيني: بأنه لم ينقل عن أحد أن أو يجيء للترتيب، وقد ذكر النحاة أن "أو" تأتي لاثني عشر معنى، وليس فيها ما يدل على أنها تجيء للترتيب (٨). والظاهر: أنه أخذه من الطيبي؛ فإنَّه نقل من المظهر شرح المصابيح أن "أو" فيه للترتيب دون التخيير؛ إذ لو حصل النقاء بالغسلة الأولى استحب التثليث، وكره التجاوز عنه؛ فإنْ حصل

стр. 320

بالثانية، أو الثالثة استحب التخميس، وإلا فالتسبيع والمنع باقٍ فيه، وكذا في نقل الطيبي عن المظهر نظر؛ إذ هو مخالف للنحو (١). (أَوْ أَكْثَرَ مَنْ ذَلِكَ) بكسر الكاف؛ لأنَّه خطاب للمؤنث، أي: من الخمس، أي: سبعًا كما في رواية أيوب عن حفصة "ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا" (٢)، وسيأتي في الباب الذي يليه، وليس في الروايات أكثر من السبع؛ إلا في رواية أبي داود "أو سبعًا، أو أكثر من ذلك -إن رأيتنه-" (٣). [١٠٩ أ/ص] [٤٩ ب/س] ويُستفاد من هذا: استحباب الإيتار بالزيادة على السبع؛ لأنَّ ذلك أبلغ في التنظيف، وكره أحمد مجاورة السبع، وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا قال بمجاورة السبع، وساق مِنْ طَريقِ قتادة أن ابن سيرين كان يأخذ الغسل عن أم عطية: ثلاثًا، وإلا خمسًا، وإلا فسبعًا، قال؛ فرأينا أن الأكثر من ذلك سبع (٤)، /وقال الماوردي: الزيادة على السبع سرف (٥)، وقال أبو حنيفة: لا يزاد على الثلاث (٦)، وقال ابن المنذر: بلغني أن جسد الميت يسترخي بالماء؛ /فلا أحب الزيادة على ذلك (٧). (إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ) من الرأي أي: إن أدى بكن اجتهادكن إلى أكثر من ثلاث، أو خمس للإنقاء؛ لا للتشهي؛ فإنَّ ذلك يكون من قبيل الإسراف، كما في ماء الطهارة، وقال ابن المنذر: إنما فوض الرأي إليهن بالشرط المذكور، وهو الإيتار (٨)، وحكى ابن التين عن بعضهم قال: يحتمل قوله: إن رأيتن أن يرجع إلى الأعداد المذكورة، ويحتمل أن يكون معناه: أنْ رأيتن أن تفعلن ذلك، وإلا

стр. 321

فالإنقاء يكفي، أي: ولو بواحد، ثُمَّ الزيادة على الثلاثة مختصة بالميت دون الحي؛ فإنه لا يزيد على الثلاث، والفرق أن طهارة الحي محض تعبد، وهنا لمقصود هو الإنقاء (١). (بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) الباء يتعلق بقوله: اغسلنها، قال الطيبي: ناقلًا عن المظهر قوله بماء وسدر لا يقتضي استعمال السدر في جميع الغسلات، والمستحب استعماله (٢) في الكرة الأولى؛ ليزيل الأقذار، ويمنع من تسارع الفساد (٣)، وقال ابن العربي: قوله بماء وسدر أصل في جواز التطهير بالماء المضاف إذا لم يسلب الإطلاق (٤)، وقال ابن التين: قوله بماء وسدر هو السنة في ذلك والخطمي مثله؛ فإنَّ عدم فما يقوم مقامه كالأشنان والنطرون، قيل: ولا معنى لطرح ورق السدر في الماء، كما يفعله العامة، بل يحك الميت بالسدر، ويصب عليه الماء؛ فتحصل طهارته بالماء (٥) وعن ابن سيرين أنه كان يأخذ الغسل عن أم عطية فيغسل بالماء والسدر مرتين والثالثة بالماء والكافور، ومنهم من ذهب إلى أن الغسلات كلها بالماء والسدر، وهو قول أحمد ذكره أبو عمر (٦). (وَاجْعَلْنَ فِي) الغسلة (الآخِرَةِ) ويروي الأخيرة (كَافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ) وهو شك من الراوي، والأول محمول على الثاني؛ لأنه نكرة في سياق الإثبات؛ فيصدق بكل شيء منه؛ ولو قليلًا، وظاهره جعل الكافور في الماء، وبه قال البعض، وقال النخعي والكوفيون: إنما يجعل الكافور في الحنوط أي بعد انتهاء الغسل والتجفيف (٧)، قيل: والحكمة في الكافور مع كونه يطيب مواضع استعماله أنَّ الجسم يتصلب به، وتنفر الهوام من رائحته، وفيه: إكرام الملائكة، ويرتدع ما يتحلل من الفضلات، ويمنع إسراع الفساد إليه لشدة برودته، وهذا هو السر في جعله في الأخيرة؛ إذ لو كان في الأول مثلًا لأذهبه الماء.

стр. 322

[١١٠ أ/س] وهل يقوم المسك مع الكافور؟ قال الحافظ العسقلاني: إن نظر إلى مجرد التطيب؛ فنعم، وإلا فلا (١)، وقال العيني: بل ينظر إن كان يوجد فيه ما ذكر من الأمور في الكافور ينبغي أن يقوم، وإلا فلا إلا عند الضرورة؛ /فيقوم غيره مقامه (٢). (فَإِذَا فَرَغْتُنَّ) من غسلها (فَآذِنَّنِي) بمد الهمزة، وكسر المعجمة، وتشديد النون الأولى المفتوحة، وكسر الثانية: أمر لجماعة الإناث أي: أعلمنني (٣) (فَلَمَّا فَرَغْنَا) بصيغة الماضي لجماعة المتكلمين، وفي رواية؛ فلما فرغن بصيغة الماضي الغائب للجمع المؤنث (٤) (آذَنَّاهُ) بمد الهمزة، وفتح المعجمة، وتشديد النون أي: أعلمناه (فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ) بفتح المهملة، وقد تكسر، وهي لغة هذيل، وسكون القاف، والجمع: آحق وآحقاء وحقاء (٥). وقال الحافظ العسقلاني: والحقو في الأصل معقد الإزار أي: الخصر، وأطلق على الإزار مجازًا سمي به ما يشدُّ على الحقو توسعًا، وفي رواية ابن عون، عن محمد بن سيرين بلفظ؛ فنزع من حقوه إزاره، والحقو في هذا على حقيقته (٦)، وقال العيني: هو مشترك بين المعنيين، والدليل على ذلك أنَّ الجوهري قال: الحقو الإزار، وثلاثة أحق، ثُمَّ قال: والحقو أيضًا الخصر، ومشد الإزار (٧)، والله أعلم (٨). (فَقَالَ أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ) أمر من الإشعار، وهو إلباس الثوب الذي يلي بشرة الإنسان، أي: اجعلهن هذا الإزار شعارها، وسمي: شعارًا؛ لأنه يلي شعر الجسد، والدثار ما فوق الشعار (٩)، والحكمة فيه -والله أعلم- التبرك بآثاره الشريفة، وإنما آخره إلى فراغهن من الغسل، ولم يناولهن إياه أولًا؛ ليكون قريب العهد من جسده الشريف، حتَّى لا يكون بين انتقاله من جسده إلى جسدها

стр. 323

فاصل، قال العيني: وهذا هو الأصل في التبرك بآثار الصالحين، واختلف في صفة إشعارها إياه؛ فقيل: يجعل لها مئزرًا، وقيل: تلف فيه (١). وفي الحديث: استحباب استعمال السدر والكافور في حق الميت، وفيه: جواز استعمال المسك، وكل ما شابهه من الطيب، وأجاز المسك: أكثر العلماء، وأمرَ علي ﵁ به في حنوطه، وقال: هو من فضل حنوط النَّبي ﷺ (٢)، واستعمله: أنس، وابن عمرم، وسعيد بن المسيب (٣). وكرهه: عمر، وعطاء، والحسن، ومجاهد. وقال عطاء والحسن: إنَّه ميتة (٤)، وفي استعمال الشارع له في حنوطه حجة عليهم، وقد مّرَّ أيضًا، وقال أصحابنا: المسك حلال للرجال والنساء، وفيه أيضًا ما يدل على أن النساء أحق بغسل المرأة من الزوج، وبه قال الحسن والثوري والشعبي وأبو حنيفة (٥)، والجمهور على خلافه، وهو قول الثلاثة والأوزاعي وإسحاق (٦). [١١٠ أ/ص] /وفي (التوضيح): وقد وصت فاطمة ﵂ زوجها عليًا ﵁ بذلك (٧)، وكان بحضرة الصحابة، ولم ينكر أحد فصار إجماعًا (٨)،

стр. 324

[٤٩ ب/ص] وقال العيني: فيه نظر؛ لأنَّ صاحب المبسوط والمحيط والبدائع وآخرون (١) قالوا: إنَّ ابن مسعود ﵁ سأل في ذلك؛ فقال: إنها زوجته في الدنيا والآخرة، وعنى بذلك أن الزوجية باقية بينهما لم تنقطع بالموت. قالوا: وفيه نظر؛ لأنه لو بقيت الزوجية بينهما لما تزوج أمامة بنت زينب بعد موت فاطمة ﵂ وقد مات عن أربع حرائر، ووصية فاطمة عليًا ﵂ بغسلها. رواه البيهقي، وابن الجوزي، وفي إسناده عبد الله بن نافع، قال يحيى: ليس بشيء، وقال النسائي: متروك. وأما المرأة إذا غسلت زوجها، وهي معتدة؛ فهو جائز في العدة (٢)، /وفيه أيضًا جواز تكفين المرأة في ثوب الرجل (٣). (تتمة) قوله: اغسلنها، قال: بزيزة استدل به على وجوب غسل الميت وهو مبني على أن قوله: فيما بعد إن رأيتن ذلك، هل يرجع إلى الغسل، أو إلى العدد؟ والثاني: أرجح؛ فثبت المدعى (٤). قال ابن دقيق العيد: لكن قوله: ثلاثًا ليس للوجوب على المشهور من مذاهب العلماء، ويتوقف الاستدلال به على تجويز إرادة المعنيين المختلفين بلفظ واحد؛ لأنَّ قوله: ثلاثًا غير مستقل بنفسه؛ فلا بد أن يكون داخلًا تحت صيغة الأمر؛ فيراد بلفظ الأمر الوجوب بالنسبة إلى أصل الغسل والندب بالنسبة إلى الإيتار. انتهى (٥).

стр. 325

وقواعد الشافعية لا تأبى عن ذلك، لكن قواعد الحنفية لا تساعده، من ثم ذهب الكوفيون وأهل الظاهر والمزني إلى إيجاب الثلاث، وقالوا: إن خرج منه شيء بعد ذلك يغسل موضعه، ولا يعاد غسل الميت. وجاء عن الحسن مثله: أخرجه عبد الرزاق، عن هشام بن حسَّان، عن ابن سيرين، قال: "يغسل ثلاثًا؛ فإنَّ خرج منه شيء بعد، فخمسًا؛ فإنَّ خرج منه شيء غسل سبعًا"، قال هشام، وقال الحسن: يغسل ثلاثًا؛ فإنَّ خرج منه شيء غسل ما خرج ولم يزد على الثلاث (١)، [١١١ أ/س] وقيل: وجه الثلاث بعد ما حصل النقاء بالغسلة الواحدة المبالغة فيه؛ ليلقي الله -تعالى- بأكمل الطهارات، وجعل الكافور فيه؛ ليكون طيب الرائحة عند اللقاء، وقد أمر رسول الله ﷺ بالغسل يوم الجمعة لمن ليس عليه نجاسة /زيادة في التطهير؛ لمناجاة ربه، فالميت أحوج إلى ذلك للقاء الله والملائكة (٢).

стр. 326

باب: مَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُغْسَلَ وِتْرًا . قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عن أَيُّوبَ، عن مُحَمَّدٍ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ-؛ فَقَالَ: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي»، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ فَقَالَ: «أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ». فَقَالَ أَيُّوبُ وَحَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ بِمِثْلِ حَدِيثِ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ: «اغْسِلْنَهَا وِتْرًا». وَكَانَ فِيهِ: «ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا»، وَكَانَ فِيهِ أَنَّهُ قَالَ: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا»، وَكَانَ فِيهِ أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: وَمَشَطْنَاهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (باب مَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُغْسَلَ وِتْرًا) كلمة ما مصدرية، وكذا كلمة أَنْ، أي: (باب: استحباب غسل الميت وترًا)،، وقال الزين ابن المنير: يحتمل أن يكون ما مصدرية، أو موصولة، والثاني أظهر، وتعقبه الحافظ العسقلاني بقوله: وفيه نظر؛ لأنَّه لو كان المراد ذلك لوقع التعبير بمن التي لمن يعقل (١)، واعترض عليه العيني: بأنه نظر يستحق العمى؛ لأنَّ المراد من الترجمة: بيان استحباب غسل الميت وترًا، لا بيان من يستحب ذلك؛ فإنَّ حديث الباب بطريقته في بيان الاستحباب لا في

стр. 327

بيان المستحب، وغيره (١)، أقولُ: ما قاله العيني في ذاته حق، ولكن لا يدفع النظر الذي أورده الحافظ العسقلاني على ابن المنبر كما لا يخفي على المتدبر. (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ (٢)) ذكر بلا نسبة في أكثر الروايات، وفي رواية الأصيلي محمد بن المثني (٣)، وقال ابن السكن: هو محمد بن سلام (٤)، وأخرجه الإسماعيلي من رواية محمد بن الوليد، وهو التستري، ولقبه: حمدان، وهو من شيوخ البخاري أيضًا والله أعلم (٥). (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) هو ابن عبد المجيد (الثَّقَفِي) بالمثلثة، والقاف المفتوحين، وبالفاء البصري (٦) (عن أَيُّوبَ) السختياني (عن مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (عن أُمِّ عَطِيَّةَ) نسيبة الأنصارية المذكورة آنفًا ﵂ (قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ) زينب أم أمامة ﵂ (فَقَالَ «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) بكسر الكاف، يعني: إن رأيتن ذلك كما صرح في الرواية السابقة (بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي) المرة (الآخِرَةِ كَافُورًا) وفي الرواية السابقة

стр. 328

كافورًا، أو شيئًا من كافور (فَإِذَا فَرَغْتُنَّ) من غسلها (فَآذِنَّنِي) بالمد، وكسر الذال، أي: أعلمنني (فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ) أي: أعلمناه (فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ) أي: إزاره (فَقَالَ أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ) أي: اجعلنه شعارًا لها أي ثوبًا يلي جسدها (فَقَالَ) بالفاء، وفي رواية: وقال بالواو، وفي أخرى: قال بدونهما (أَيُّوبُ) السختياني، وربما يظن أنه معلق، وليس كذلك، بل بالإسناد السابق، وقد رواه الإسماعيلي بالإسنادين معًا موصولًا (١). [١١١ أ/ص] (وَحَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ بِمِثْلِ حَدِيثِ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ) أي: بنت سيرين أخت محمد بن سيرين (اغْسِلْنَهَا وِتْرًا)؛ لأنَّ الله وتر يحب الوتر، وقال ابن بطال: معنى أمر بالوتر؛ ليستشعر المؤمن في جميع أعماله أن الله واحد لا شريك له (٢)، وهذا هو موضع الترجمة كما لا يخفى، وأما في رواية محمد بن سيرين؛ /فيؤخذ المطابقة من قوله: "ثلاثًا أو خمسًا"؛ فإنه في معنى قوله: وترًا (وَكَانَ فِيهِ) أيضًا (ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا) فزاد هذه الأخيرة، ولم يقل أو أكثر من ذلك؛ إذ لم يجتمعا إلا عند أبي داود كما مَرَّ (وَكَانَ فِيهِ) أيضًا (أَنَّهُ) ﷺ (قَالَ: ابدأوا) بجمع المذكر تغليبًا للذكور؛ لأنهن كن محتاجات إلى معاونة الرجال من حمل الماء إليهن ونحوه والخطاب (٣) باعتبار الأشخاص، ويروى ابْدَأْنَ بلفظ خطاب جمع المؤنث وهو ظاهر (٤) (بِمَيَامِنِهَا) جمع ميمنة، وكان النَّبي ﷺ يحبُّ التيامن في شأنه كلِّه حتَّى في تنعله وترجله (وَ) ابدأن أيضًا (مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ) زاد أبو داود "منها" (٥) (وَكَانَ فِيهِ) أيضًا (أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ) ﵂ (قَالَتْ وَمَشَطْنَاهَا) بالتخفيف أي: سرَّحنا شعرها (ثَلَاثَةَ قُرُونٍ) انتصاب بنزع الخافض أي: بثلاثة قرون، أو على الظرفية أي: في ثلاثة

стр. 329

قرون، والقرون: جمع القرن، وهو الخصلة من الشعر (١)، وحاصل المعنى جعلنا شعرها ثلاث ضفائر بعد أن حللناها بالمشط. وفي رواية: "فصيرنا ناصيتها، وقرينها ثلاثة قرون، وألقينا خلفها" (٢)، وهذا مذهب الشافعية (٣)، وأحمد (٤)، وعندنا معشر الحنفية يجعل ضفيرتين على صدرها فوق الدرع (٥). قال العيني: ليس في الحديث إشارة من النَّبي ﷺ إلى ذلك، وإنما المذكور فيه هو الإخبار من أم عطية أنها مشطت شعرها ثلاثة قرون، وكونها فعلت ذلك بأمر النَّبي ﷺ احتمال، والحكم لا يثبت به؛ لأنَّ ما ذكر زينة، والميت مستغن عنها. فإنَّ قيل: جاء في حديث ابن حبان: "واجعلن لها ثلاثة قرون" (٦). [٥٠ ب/س] فالجواب: أنَّ هذا أمر بالتضفير، ونحن لا ننكر التضفير، وإنما ننكر جعلها خلف ظهرها؛ لأنَّ هذا التصنيع زينة، والميت ممنوع عنها، ألا ترى إلى عائشة ﵂ قالت: "علام تنصون ميتكم؟ " (٧). أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم، عنها، /وتنصون: من نصوت

стр. 330

الرجل انصوه نصوا إذا مددت ناصيته (١)، وأرادت عائشة ﵂ منه أن الميت لا يحتاج إلى التسريح ونحوه؛ لأنه للبلى والتراب، والله أعلم (٢).

стр. 331

باب: يُبْدَأُ بِمَيَامِنِ المَيِّتِ . قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٥٥ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إسماعيل بْنُ إبراهيم، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عن حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ - رضى الله عنها -، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي غَسْلِ ابْنَتِهِ «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا». قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (باب) بالتنوين (يُبْدَأُ) على البناء للمفعول (بِمَيَامِنِ المَيِّتِ) عند غسله، وتفاؤلًا؛ لأن يكون من أصحاب اليمين، وكأنه أطلق الترجمة؛ ليشعر بأن غير الغسل يلحق به قياسًا عليه. [١١٢ أ/س] / (حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن المديني (١) (قال: حَدَّثَنَا إسماعيل بْنُ إبراهيم) بن علية (٢) (قال: حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو الحذاء (٣) (عن حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ (٤)) أخت
следующие страницы →