← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 540

نجاح القاري شرح صحيح البخاري - كتاب الجنائز

يوسف أفندي زاده الأماسي

Полный текст (921 стр.). Показаны 362–401 · переход к 367.

стр. 362

[١١٧ أ/ص] وقال طاوس: "يغيب رأسُ المحرمِ إذا مات" (١)، وقال الحسنُ: /"إذا مات المحرمُ؛ فهو حلالٌ" (٢)، ومن حديث مجاهد عن عامر: "إذا مات المحرم (٣) ذهب إحرامه" (٤). ومن حديث إبراهيم عن عائشة: "إذا مات المحرم ذَهَبَ إحرام صاحبكم" (٥)، وقاله عكرمة (٦) -بسند جيد-. وحكى ابن حزم أنه صحَّ عن عائشة ﵂ تحنيط الميت المحرم إذا مات وتطييبه وتخمير رأسه (٧)، وعن جابر عن أبي جعفر قال: "المحرم يُغَطَّى رأسُهُ، ولا يُكْشَفُ" (٨). قال ابن بطال: "وفي الحديث أن من شَرَعَ في طاعةٍ، ثم حال بينه وبين إتمامها الموت يرجى له أن الله -تعالى- يكتبه في الآخرة من أهل ذلك العمل، ويقبله منه إذا صحت النية، ويشهد له قوله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] " (٩).

стр. 363

باب: الحَنُوطِ لِلْمَيِّتِ . قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: حدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عن أَيُّوبَ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ -رضى الله عنهما-، قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَةَ؛ إِذْ وَقَعَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَأَقْصَعَتْهُ - أَوْ قَالَ فَأَقْعَصَتْهُ -، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فإنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا». قَالَ الشَّارِحُ ﵀: [٥٢ ب/ص] (باب) حكم (الحنوط للميت) وقد مرَّ تفسير الحنوط، قال الأزهري: ويدخل فيه الكافور، وذريرة القصب، والصندل الأحمر والأبيض (١) (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) (٢) هو ابن سعيد (٣) (قال حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابن زيد (عن أَيُّوبَ) السختياني (عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عن ابْنِ عَبَّاسٍ -رضى الله عنهما- قَالَ بَيْنَمَا) بالميم (رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَأَقْصَعَتْهُ) بتقديم الصاد على العين المهملة من القصع: وهو كسر العطش فاستعير لكسر الرقبة (٤) (أَوْ قَالَ: فَأَقْعَصَتْهُ) بتقديم العين على الصاد من الإقعاص، وهو إعجال الهلاك، أي: لم يلبث أن مات (٥)، /وقال الجوهري: يقال ضربه؛ فأقعصه، أي: قتله مكانه، ويقال: قصع القملة، أي: قتلها، وقصع

стр. 364

الماء عطشه، أي: أذهبه وسكنه (١) (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ) قال القاضي عياض: أكثر الروايات ثوبيه بالهاء (٢) (وَلَا تُحَنِّطُوهُ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فإنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا) وهذا الحديث بعينه هو الحديث السابق سندًا ومتنًا غير أنَّ شيخه هنا: قتيبة بن سعيد، وهناك أبو النعمان، وقد مرَّ الكلام فيه (٣).

стр. 365

باب: كَيْفَ يُكَفَّنُ المُحْرِمُ ؟. قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٦٧ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عن أَبِى بِشْرٍ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهم -: أَنَّ رَجُلًا وَقَصَهُ بَعِيرُهُ، وَنَحْنُ مَعَ النَّبي ﷺ ، وَهْوَ مُحْرِمٌ؛ فَقَالَ النَّبي ﷺ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُمِسُّوهُ طِيبًا، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ؛ فإنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقيَامَةِ مُلَبِّيا». قَالَ الشَّارِحُ ﵀: [١١٨ أ/س] (باب) بالتنوين (كَيْفَ يُكَفَّنُ المُحْرِمُ؟) إذا مات، وقد سقطت هذه الترجمة في رواية (١)، قال الزين ابن المنير: ضمن هذه الترجمة الاستفهام عن الكيفية مع أنها مبينة لكنها لما كانت تحتمل أن تكون خاصة بذلك الرجل، وأن تكون عامة لكل محرم آثر المصنف الاستفهام، وقال الحافظ العسقلاني: والذي يظهر أنَّ المراد بقوله: / كيف يكفن؟ كيفية التكفين، ولم يرد الاستفهام، وكيف يظن به أنه يتردد فيه، وقد جزم قبل ذلك بأنه عام في حق كل محرم، حيث ترجم بجواز التكفين في ثوبين (٢)، وتعقبه العيني بأن قوله: لم يرد به الاستفهام غير صحيح؛ لأنَّ "كيف" للاستفهام الحقيقي في الغالب، ومعناه السؤال عن الحال، وعدم تردد البخاري في باب التكفين في ثوبين، لا يستلزم عدم تردده في هذا الباب (٣).

стр. 366

(حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمد بن الفضل السدوسي (١) (قال: أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضاح بن عبد الله اليشكري (٢) (عن أَبِى بِشْرٍ (٣)) بكسر الموحدة، وسكون المعجمة: جعفر بن أبي وحشية، وقد مرَّ في كتاب (العلم) (عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عن ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهم -: أَنَّ رَجُلًا وَقَصَهُ بَعِيرُهُ) أي: كسر عنقه؛ فمات لكن نسبته إلى البعير مجاز إن مات من الوقعة عنه، وإن أثرت ذلك فيه بفعلتها فحقيقة (وَنَحْنُ مَعَ النَّبي ﷺ ) الواو فيه للحال كما في قوله (وَهْوَ مُحْرِمٌ) بالحج عند الصخرات بعرفة (فَقَالَ النَّبي ﷺ : " اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ) وفي رواية ثوبيه بالهاء، وفيه: استحباب تكفين المحرم في ثياب إحرامه، وأنه لا يكفن في المخيط، وقد مرّ الكلام فيه (٤). (وَلَا تُمِسُّوهُ) بضم المثناة الفوقية، وكسر الميم من أمس (طِيبًا، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فإنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّدًا) بدال مهملة بدل المثناة التحتية، كذا في رواية الأكثرين من التلبيد، وهو أن يجعل المحرم في رأسه شيئًا من الصمغ؛ ليلتصق شعره فلا يشعث في الإحرام (٥)، وأنكر القاضي

стр. 367

عياض رواية التلبيد، وقال: ليس له معنى، وقال: الصواب ملبيًا (١)، وتعقبه العيني: بأن له معنى، وهو أنَّ الله يبعثه على هيئته التي مات عليها (٢). قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٦٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عن عَمْرٍو وَأَيُّوبَ، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهم -، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ النَّبي ﷺ بِعَرَفَةَ؛ فَوَقَعَ عن رَاحِلَتِهِ - قَالَ أَيُّوبُ فَوَقَصَتْهُ، وَقَالَ عَمْرٌو: فَأَقْصَعَتْهُ - فَمَاتَ فَقَالَ: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فإنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ -قَالَ أَيُّوبُ: يُلَبِّى، وَقَالَ عَمْرٌو: مُلَبِّيًا-» (٣). قَالَ الشَّارِحُ ﵀: [١١٨ أ/ص] (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهد (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو ابن درهم الجهضمي البصري (عن عَمْرٍو) هو ابن دينار (وَأَيُّوبَ) هو السختياني كلاهما (عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) الأسدي مولاهم الكوفي (عن ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهم - قَالَ: كَانَ رَجُلٌ وَاقِفٌ) بالرفع على إن كان تامة، ويروى واقفًا بالنصب على أنها ناقصة (مَعَ النَّبي ﷺ بِعَرَفَةَ) عند الصخرات (فَوَقَعَ عن رَاحِلَتِهِ - قَالَ أَيُّوبُ) السختياني في روايته (فَوَقَصَتْهُ) بالقاف بعد الواو من الوقص، / وهو كسر العنق -كما مرَّ- (وَقَالَ عَمْرٌو) أي: ابن دينار (فَأَقْصَعَتْهُ) بتقديم الصاد على العين، وفي رواية: فأقعصته بتقديم العين، وقد مَرَّ تفسيرهما (فَمَاتَ: فَقَالَ: "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ") بالنون (وَلَا تُحَنِّطُوهُ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فإنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قال أيوب السختياني في روايته (يُلَبِّى) بصيغة المضارع المبني للفاعل (وَقَالَ عَمْرٌو) أي: ابن دينار (مُلَبِّيًا) على صيغة اسم الفاعل، والفرق بينهما: أن الفعل يدل على التجدد، والاسم يدل على الثبوت.

стр. 368

باب: الْكَفَنِ فِي الْقَمِيصِ الَّذِى يُكَفُّ أَوْ لَا يُكَفُّ، وَمَنْ كُفِّنَ بِغَيْرِ قَمِيصٍ . قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٦٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ عن ابْنِ عُمَرَ- رضى الله عنهما-: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَىٍّ لَمَّا تُوُفِي جَاءَ ابْنُهُ إِلَى النَّبي ﷺ ؛ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ، وَصَلِّ عَلَيْهِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ، فَأَعْطَاهُ النَّبي ﷺ قَمِيصَهُ فَقَالَ: «آذِنِّي أُصَلِّى عَلَيْهِ». فَآذَنَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّىَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ- رضى الله عنه-؛ فَقَالَ أَلَيْسَ اللَّهُ نَهَاكَ أَنْ تُصَلِّىَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ فَقَالَ: «أَنَا بَيْنَ خِيْرَتَيْنِ قَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾»، فَصَلَّى عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (باب الْكَفَنِ) أي: كفن الميت حال كونه (فِي الْقَمِيصِ الَّذِى يُكَفُّ أَوْ لَا يُكَفُّ) بضم المثناة التحتية، وفتح الكاف، وتشديد الفاء، من كففت الثوب أي خطت حاشيته (١). وقال ابن التين: وضبطه بعضهم بفتح الياء، وضم الكاف، وتشديد الفاء، وقيل: بفتح الياء، وسكون الكاف، وكسر الفاء، من الكفاية؛ فأصلهما يكفي أو لا يكفي، وقيل: هذا لحن إذ لا موجب لحذف الياء، وقد جزم المهلب بأنَّه الصواب، وأنَّ الياء سقطت من الكاتب سهوًا (٢)، وفيه: أنَّ سقوط الياء في مثل هذا اكتفاء بالكسر (٣)، وقد جاء في التنزيل أيضًا كما في قوله -تعالى-: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾ [الفجر: ٤] قال ابن التين: والأول هو الأشبه.

стр. 369

وتعقبه ابن رشيد بأنَّ الثاني هو الصواب، قال: والذي يظهر لي أنَّ البخاري لاحظ قوله -تعالى-: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] يعني: أن النَّبيَّ ﷺ ألبس عبد الله بن أُبي قميصه سواء كان يكف عنه العذاب أو لا يكف؛ استصلاحًا للقلوب المؤلفة، ومن هذا يُؤخذ التبرك بآثار الصالحين سواء علمنا أنه يؤثر في حال الميت أو لا، قال: ولا يصح أن يراد به سواء كان الثوب مكفوف الأطراف، أو غير مكفوف؛ لأنَّ ذلك وصف لا أثر له (١). وأما الضبط الثالث: فقد قال ابن بطال: المراد طويلًا كان القميص، أو قصيرًا؛ فإنه يجوز الكفن فيه (٢)، ووجهه بعضهم: بأن عبد الله كان مفرط الطول، وكان النَّبي ﷺ معتدل الخلق، وقد أعطاه مع ذلك قميصه؛ ليكفن فيه، ولم يلتفت إلى كونه ساتر الجميع بدنه أولا، وأما قول ابن رشيد: إن مكفوف الأطراف لا أثر له، فغير مسلم، بل المتبادر إلى الذهن أنه مراد البخاري كما فهمه ابن التين -كما (٣) سيأتي- في فوائد الحديث. [٥٣ ب/س] [١١٩ أ/س] (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) /هو ابن مسرهد (قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطان (عن عُبَيْدِ اللَّهِ) هو على صيغة التصغير ابن عمر العمري (٤). (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ، عن ابْنِ عُمَرَ- رضى الله عنهما-: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَىٍّ) / بضم الهمزة، وفتح الموحدة، وتشديد التحتية، ابن سلول رأس المنافقين، وأبي: هو أبو مالك بن الحارث بن عبيد، وسلول: امرأة من خزاعة، هي أم أبي مالك بن الحارث، وأم عبد الله بن أبي خولة بنت المنذر بن حرام من بني النجار، وكان عبد الله سيد الخزرج في الجاهلية، وكان عبد الله هذا هو الذي تولى كبره في قصة الصديقة ﵂، وهو الذي قال: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]،

стр. 370

وقال: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧]، ورجع يوم أحد بثلث العسكر إلى المدينة بعد أن خرجوا مع رسول الله ﷺ . (لَمَّا تُوُفِي) قال الواقدي: مرض عبد الله بن أبي في ليال بقين من شوال، ومات في ذي القعدة سنة تسع منصرف رسول الله ﷺ من تبوك، وكان مرضه عشرين ليلة، وكان رسول الله ﷺ يعوده فيها؛ فلما كان اليوم الذي توفي فيه دخل عليه رسول الله ﷺ وهو يجود بنفسه، فقال: قد نهيتك عن حبِّ يهود، فقال: أبغضهم أسعد بن زرارة فما نفعه، ثُمَّ قال يا رسول الله: ليس بحين عتاب! هو الموت، فإنَّ مِتُّ؛ فاحضر غسلي، وأعطني قميصك الذي يلي جسدك؛ فكفننِّي فيه، وصلّ علىَّ، واستغفر لي؛ ففعل ذلك به رسول الله ﷺ (١). وفي رواية عبد الرزاق عن معمر، والطبري مِنْ طَريقِ سعيد كلاهما عن قتادة، قال: أرسل عبد الله بن أبي إلى النَّبيِّ ﷺ ؛ فلما دخل عليه قال: أهلكك حب يهود، قال يا رسول الله: إنما أرسلت إليك لتستغفر لي، ولم أرسل إليك لتوبخني، ثُمَّ سأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه (٢). قال الحافظ العسقلاني: وهو مرسل مع ثقة رجاله (٣)، ويعضده ما أخرجه الطَّبراني مِنْ طَريقِ: الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: لما مرض عبد الله بن أبي جاره النَّبي ﷺ فقال: "امْنُنْ عَلَيَّ، فَكَفِّنِّي فِي قَمِيصِكَ وَصَلِّ عَلَيَّ" (٤)، قال الحافظ العسقلاني: وكأنه أراد

стр. 371

بذلك دفع العار عن ولده وعشيرته بعد موته، فأظهر الرغبة في صلاة النَّبيِّ ﷺ عليه ووقعت إجابته على سؤاله على حسب ما ظهر من حاله إلى أن كشف الله الغطاء عن ذلك -كما سيأتي إن شاء الله تعالى- قال: وهذا /من أحسن الأجوبة المتعلقة بهذه القصة (١). [١١٩ أ/ص] (جَاءَ ابْنُهُ) عبد الله بن عبد الله، وكان اسمه الحُباب بضم المهملة وتخفيف الموحدة، وفي آخره موحدة أيضًا؛ فسماه رسول الله ﷺ بعبد الله كاسم أبيه، وهو من فضلاء الصحابة وخيارهم، شهد المشاهد، واستشهد يوم اليمامة في خلافة أبي بكر الصديق ﵁ (٢) (إِلَى النَّبي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية سقط لفظ يا رسول الله (٣) (أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ) أي: أكفن عبد الله بن أبي فيه، وهو مجزوم على أنه جواب الأمر (وَصَلِّ عَلَيْهِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ) ووقع عند الطبري مِنْ طَريقِ الشعبي لما احتضر عبد الله جاء ابنه إلى النَّبي ﷺ فقال: " يا نبي الله إنَّ أبي احتضر؛ فأحب أن تحضره وتصلي عليه" (٤)، وكأنَّه كان يحمل أمر أبيه على ظاهر الإسلام؛ فلذلك التمس من النَّبيِّ ﷺ أن يحضر عنده ويصلي عليه، وقد سبق ما يدل على أنه فعل ذلك بعهد من أبيه، والله أعلم. (فَأَعْطَاهُ) أي: النَّبي ﷺ ابنه (قَمِيصَهُ) فإنْ قيل: ما الحكمة في دفع قميصه له، وهو كان رئيس المنافقين؟ فالجواب بأمور منها: أنه كان ذلك إكرامًا لولده، ومنها: أنه ﷺ ما سئل شيئًا فقال: لا، ومنها: أنه ﷺ قال: إن قميصي لن يغني عنه من الله شيئًا، إني أؤمل من الله أن يدخل في الإسلام كثير بهذا السبب، فروى أنَّه أسلم من الخزرج ألف لما رواه يطلب الاستشفاء بثوب رسول الله ﷺ والصلاة عليه، وقال أكثر العلماء: إنما ألبسه قميصه مكافأة لما صنع في إلباس العباس عمِّ النَّبي ﷺ قميصه يوم بدر، وكان العباس ﵁ طوالًا؛ فلم يجدوا له قميصًا يصلح له إلا

стр. 372

قميص ابن أبيِّ، فكافأه ﷺ بذلك كيلا يكون لمنافق عليه لم يكافئه عليها (١)، وقال بعضهم: إن ذلك كان قبل نزول قوله -تعالى-: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] وأما قول المهلب: فعله ﷺ رجاء أن يكون معتقدًا لبعض ما كان يظهر من الإسلام فنفعه الله بذلك، فهفوة ظاهرة، وذلك أن الإسلام لا يتبعض، حقيقة؛ فإنَّ اعتقاد بعضه شرط في البعض الآخر والإخلال ببعضه إخلال بجملته (٢)، وقد أنكر الله تعالى على من آمن بالبعض كما أنكر على من كفر بالكل بقوله -تعالى-: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠] (٣). [١٢٠ أ/س] /فإنَّ قلت: هذا الحديث صريح في أنه ﷺ أعطى قميصه ابن عبد الله بن أبي، وفي رواية للبخاري: عن جابر ﵁، على ما سيأتي أنه أخرج بعدما أدخل حفرته، فوضعه على ركبته، ونفث فيه من ريقه، وألبسه قميصه، وكان أهل عبد الله بن أبي خشوا على النَّبي ﷺ المشقة في حضوره؛ فبادروا إلى تجهيزه قبل وصول النَّبيِّ ﷺ ؛ فلما وصل ووجدهم قد دلُّوه في حفرته، أمر بإخراجه إنجاز الوعد في تكفينه في القميص والصلاة عليه، وأيضًا في رواية الواقدي: أن عبد الله بن أبي هو الذي أعطاه النَّبي ﷺ القميص. فالجواب أن رواية الواقدي لا تقاوم رواية البخاري (٤)، وأما التوفيق بين رواية ابن عمر ورواية جابر ﵃ فقيل: إن معنى قوله: في حديث ابن عمر ﵄: فأعطاه، أي: وعد له بذلك، فأطلق على الوعد اسم العطية مجاز التحقق وقوعها، وقال ابن الجوزي: يجوز أن يكون أعطاه قميصين قميصًا لكفن، ثُمَّ أخرجه فألبسه غيره، والله أعلم (٥).

стр. 373

[٥٣ ب/ص] (فَقَال) ﷺ (آذِنِّي) بالمد، وكسر الزال المعجمة، وتشديد النون: أمر من الإيذان، أي: أعلمني (١) (أُصَلِّى عَلَيْهِ) بعدم الجزم على الاستئناف، ويروي / أصل بالجزم جوابًا للأمر (٢) (فَآذَنَهُ) أي أعلمه ابنه (فَلَمَّا أَرَادَ) ﷺ (أَنْ يُصَلِّىَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ) بن الخطاب (﵁) بثوبه (فَقَالَ أَلَيْسَ اللَّهُ نَهَاكَ أَنْ تُصَلِّىَ) أي: عن الصلاة (عَلَى الْمُنَافِقِينَ) فهم ذلك عمر ﵁ من قوله -تعالى-: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]؛ لأنه لم يتقدم نهي عن الصلاة على المنافقين بدليل أنَّه قال في آخر الحديث: فنزلت ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤]، وفي تفسير براءة من وجه آخر عن عبيد لله، فقال: "تصلي عليه، وقد نهاك الله أن تستغفر لهم؟ " (٣)، وقال الإسماعيلي: الاستغفار والدعاء يسمى صلاة (٤). [١٢٠ أ/ص] (فَقَالَ) ﷺ (أَنَا بَيْنَ خِيْرَتَيْنِ) تثنية خيرة على وزن عنبة اسم من قولك: اختاره الله، أي: أنا مخير بين أمرين: هما الاستغفار، وعدمه؛ فأيهما أردت اختاره، وقال الداودي: هذا اللفظ أعني قوله: " أنا بين خيرتين" غير محفوظ؛ لأنه خلاف ما رواه أنس ﵁، وأرى رواية أنس هي المحفوظة، لأنه قال هنا: "أليس نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟ "، ثُمَّ قال: فنزلت ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ الآية، جعل النهي بعد قوله: " أليس الله نهاك" (٥)؟ فيكون النهي نازلًا على رأي عمر/ ﵁ هذا، وقد مرَّ أن عمر ﵁ فهم ذلك النهي من قوله -تعالى-: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التوبة: ١١٣] (قَالَ) الله -تعالى- وهو بيان لقوله: أنا بين خيرتين (﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾). قال: البيضاوي يريد التساوي بين الأمرين في عدم الإفادة، كما نصَّ عليه بقوله: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، روى أنَّه ﷺ قال: إن الله قد رخص لي فلأستغفرنَّ لهم أكثر

стр. 374

من سبعين، ففهم ﷺ من السبعين العدد المخصوص؛ لأنه الأصل، فنزلت: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]، فتركه (١). فإنَّ قيل: كيف خفِي على رسول الله ﷺ ، وهو أفصح العرب، وأخبرهم بأساليب الكلام، وتمثيلاته، والذي يفهم من ذكر هذا العدد كثرة الاستغفار، كيف، وقد تلاه بقوله ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله؛ فبين الصارف عن المغفرة لهم حتَّى قال: قد رخص لي؛ فسأزيد على السبعين؟ فالجواب: أنه لم يخف عليه ذلك، ولكنه خُيِّلَ بما قل إظهارًا لغاية رحمته ورأفته على من بعث إليه، كقول إبراهيم ﵇: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾ [إبراهيم: ٣٦] وفي إظهار النَّبي ﷺ الرأفة والرحمة لطفًا لأمته ودعاءً لهم إلى ترحم بعضهم على بعض، والله أعلم (٢). وكذا الجواب عن الإشكال بأنَّه ﷺ كيف استغفر بعد قوله -تعالى-: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]، وهو متقدم على الآية التي فهم منها التخيير؛ فإنَّه نزل بعد موت أبي طالب حين قال ﷺ : "والله لأستغفرن لك مالم أُنْهَ عنه"، ومحصل الجواب أن المنهي عنه استغفار مرجو الإجابة حتَّى يكون المقصود تحصيل المغفرة لهم، كما في أبي طالب بخلاف استغفاره للمنافقين؛ فإنه استغفار قصد به تطييب قلوب المؤلفة قلوبهم (٣). (فَصَلَّى) ﷺ (عَلَيْهِ) أي: على عبد الله بن أبي (فَنَزَلَتْ) آية ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] لأنَّ الصلاة دعاء للميت واستغفار له، وهو ممنوع في حق الكافر، وإنما لم ينه عن التكفين في قميصه، ونهي عن الصلاة؛ لأنَّ الضنة بالقميص مخلٌّ بالكرم، وزاد أبو ذر في روايته: ولا تقم على قبره، أي: ولا تقف على قبره للدفن أو الزيارة (٤). وفي الحديث: جواز التكفين في القميص سواء كان القميص مكفوف الأطراف أو لا، ومنهم من قال: لا يجوز إلا إذا كانت أطرافه غير مكفوفة، أو كان غير مزرر؛ ليشبه الرداء وردَّ البخاري

стр. 375

ذلك بالترجمة المذكورة، وفي الخلافيات للبيهقي مِنْ طَريقِ ابن عون قال: كان محمد بن سيرين يستحب أن يكون قميص الميت كقميص الحي مكففًا مزررًا (١)، [١٢١ أ/س] وفيه أيضًا: النهي عن الصلاة على الكافر الميت وهل يجوز غسله وتكفينه ودفنه أو لا؟ فقال ابن التين: من مات له والد كافر لا يغسله ولده المسلم، ولا يدخله قبره؛ إلا أنْ يخاف أن يضيع؛ /فيواريه نص عليه مالك في المدونة (٢)، وروى أن عليًا ﵁ جاء إلى رسول الله ﷺ ؛ فأخبره أن أباه مات فقال: "اذهب فواره" (٣)، ولم يأمره بغسله، وروى أنه أمر بغسله، ولا أصل له كما قال القاضي عبد الوهاب (٤). وقال الطبري: يجوز أنْ يقوم على قبر والده الكافر لإصلاحه ودفنه، قال: وبذلك صح الخبر، وعمل به أهل العلم (٥)، وقال ابن حبيب: لا بأس أن يحضره ويلى أمر تكفينه؛ فإذا كفن دفنه (٦).

стр. 376

وقال صاحب "الهداية": وإن مات الكافر، وله ابن مسلم يغسله ويكفنه ويدفنه، بذلك أمر علىٌّ ﵁ في حق أبيه أبي طالب (١)، وهذا أخرجه ابن سعد في "الطبقات"؛ فقال: أخبرنا محمد بن عمر الواقدي، حدثني معاوية بن عبد الله بن عبيد بن رافع، عن أبيه، عن جده، عن عليٍّ ﵁ قال: لما أخبرت رسول الله ﷺ بموت أبي طالب بكى، ثُمَّ قال لي: اذهب فاغسله وكفنه وواره"، قال: ففعلتُ ثُمَّ أتيته، فقال لي: اذهب فاغتسل، قال: وجعل رسول الله ﷺ يستغفر له أيامًا، ولا يخرج من بيته حتَّى نزل جبريل ﵇ بهذه الآية: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] الآية (٢). [٥٤ ب/س] وقال صاحب "الهداية": لكن يغسل غسل الثوب النجس، ويلفف في خرقة من غير مراعاة سنة التكفين من اعتبار عدد وغير حنوط (٣)، وبه قال الشافعي (٤)، وقال مالك وأحمد: ليس لولي الكافر غسله ولا دفنه (٥)، ولكن قال مالك: له موارته (٦)، ويستوي في ذلك: الذمي، والمعاهد، والمستأمن بخلاف الحربي والمرتد الزنديق؛ إذ لا حرمة لهم، وقد ثبت أمره ﷺ بإلقاء/ قتلى بدر في القليب بهيئتم. وفيه أيضًا فضيلة عمر ﵁، وفي قوله ﵁: "أليس الله نهاك أن تصلي على المنافقين؟ " جواز الشهادة على الإنسان بما فيه في الحياة والموت عند الحاجة، وإن كانت مكروهة، وفيه أيضًا: جواز المسألة للشيء تبركًا.

стр. 377

وهذا الحديث: أخرجه المؤلف في "اللباس"، و"التفسير" أيضًا، وأخرجه مسلم أيضًا في "اللباس"، و"التوبة"، والتِّرْمِذِي في "التفسير"، وكذا النسائي فيه وفي الجنائز، وكذا ابن ماجه (١). قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٧٠ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إسماعيل، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عن عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرًا- رضى الله عنه- قَالَ: أَتَى النَّبيَّ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَىٍّ بَعْدَ مَا دُفِنَ فَأَخْرَجَهُ، فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إسماعيل) بن زياد النهدي الكوفي (٢) (قال: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) هو سفيان بن عيينة (٣) (عن عَمْرٍو) هو ابن دينار (سَمِعَ جَابِرًا) هو ابن عبد الله الأنصاري ﵁ (قَالَ أَتَى

стр. 378

النَّبي ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَىٍّ) بالنصب مفعول أتى (بَعْدَ مَا دُفِنَ)، /وهذا يدل على أنه ﷺ ما جاء إلا بعد أن دفنوه؛ فلذلك قال (فَأَخْرَجَهُ) أي: من قبره، وقد مر فيما سبق أن أهل عبد الله بن أبي خشوا على النَّبيِّ ﷺ المشقة في حضوره؛ فبادروا إلى تجهيزه قبل وصول النَّبيِّ ﷺ . [١٢١ أ/ص] (فَنَفَثَ فِيهِ) أي: في جلده (مِنْ رِيقِهِ) وفي تفسير الثعلبي: لما مات عبد الله بن أبي انطلق ابنه ليؤذن به النَّبي ﷺ ؛ فقال له ما اسمك؟ قال الحباب: قال: أنت عبد الله والحباب شيطان، ثُمَّ شهده النَّبي ﷺ ، ونفث في جلده ودلاه في قبره، فما لبث النَّبي ﷺ إلا يسيرا حتَّى نزل عليه: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] الآية (١). وفي تفسير أبي بكر بن مردويه من حديث ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس ﵄، عن عمر ﵁ جاء عبد الله بن عبد الله؛ فقال يا رسول الله: إن عبد الله قد وضع موضع الجنائز؛ فانطلق، فصلى عليه (٢). (وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ) قد مر في حديث ابن عمر ﵄ ما يتعلق بهذا من المباحث، وفي الحديث: جواز إخراج الميت من قبره لحاجة، وفي "التوضيح" لابن الملقن، وهو دليل لابن القاسم الذي يقول بإخراجه إذا لم يصل عليه للصلاة ما لم يخش التغيير، وقال ابن وهب: إذا سُوي عليه التراب فات إخراجه، وقاله يحيى بن يحيى أيضًا (٣). وقال أشهب: إذا أهيل عليه التراب فات إخراجه، ويصلى عليه في قبره (٤)، وفي "المبسوط" و"البدايع" لو وضع الميت في قبره لغير القبلة، أو على شقة الأيسر، أو جعل رأسه في موضع رجليه، وأهيل عليه التراب لا ينبش قبره لخروجه من أيديهم؛ فإنَّ وضع اللبن ولم يهل التراب عليه ينزع اللبن

стр. 379

ويراعي السنة في وضعه، ويغسل -إن لم يكن غسل (١) -، وهو قول أشهب، ورواية ابن نافع، عن مالك (٢)، وقال الشافعي: يجوز نبشه إذا وضع لغير القبلة (٣). وأما نقل الميت من موضع إلى موضع: فكرهه جماعة وجوزه آخرون، فقال: إن نُقِلَ ميلًا أو ميلين؛ فلا بأس به (٤)، وقيل: ما دون السفر، وقيل: لا يكره السفر أيضًا، وعن عثُمَّان ﵁، أنه أمر بقبور كانت عند المسجد أن تحول إلى البقيع، وقال: توسعوا في مسجدكم، وعن محمد أنه إثْم ومعصية. [١٢٢ أ/س] وقال المازري: ظاهر مذهبنا جواز نقل الميت من بلد إلى بلد (٥)، وقد مات سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بالعقيق، ودفنا بالمدينة (٦)، وفي "الحاوي"قال الشافعي: لا أحب نقله إلا أن يكون بقرب مكة، أو المدينة، أو بيت المقدس؛ فاختار أن ينقل إليها /لفضل الدفن فيها (٧). وقال البغوي والبندنيجي: يكره نقله (٨)، وقال القاضي حسين والدارمي: يحرم نقله، قال النووي: هذا هو الأصح (٩)، ولم ير أحمد بأسًا أن يحول (١٠) الميت من قبره إلى غيره، وقال: قد نبش معاذ امرأته، وحول طلحة، وخالف الجماعة في ذلك (١١).

стр. 380

(تتمة) وفي التلويح لمغلطاي كان البخاري فهم من قول جابر: ﵁ فأخرجه بعد دفنه، وألبسه قميصه أنه كان دفن بغير قميص، فلهذا بوَّب: ومن كُفِّن في غير قميص. انتهى. وهذا بناء على الترجمة التي في نسخته التي ادعى أنها كذلك في نسخة سماعه، حيث قال: باب الكفن في القميص، ومن كفن بغير قميص، وقال: كذا في نسخة سماعنا، وهذا ويجوز أن يكون أعطاه قميصين، ويجوز أيضًا أن يكون خلع عنه القميص الذي كُفِّنَ فيه، وألبسه قميصه ﷺ ، والله -تعالى- أعلم (١). ثُمَّ إنه أخرج هذا الحديث البخاري في "اللباس" و"الجهاد" أيضًا، وأخرجه مسلم في "التوبة"، والنسائي في "الجنائز" أيضًا. (٢)

стр. 381

باب: الكَفَنِ بِغَيْرِ قَمِيصٍ . قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عن هِشَامٍ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ - رضى الله عنها -، قَالَتْ: "كُفِّنَ النَّبي ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابِ سَحُولَ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ". قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (باب: الكَفَنِ بِغَيْرِ قَمِيصٍ) كذا في رواية الأكثرين، وسقطت هذه الترجمة في رواية المستملي (١)، (حَدَّثَنَا: أَبُو نُعَيْمٍ) الفَضْلُ بن دكين (٢). (قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو الثوري (عن هِشَامٍ عن) أبيه (عُرْوَةَ) بن الزبير بن العوام (عن عَائِشَةَ) أم المؤمنين، ﵂ (قَالَتْ: كُفِّنَ النَّبي ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابِ سَحُولَ) بضم السين: جمع سحل، وهو: الثواب الأبيضُ (٣) النَّقيُّ، أي: ثلاثة أثواب بيض نقية. قال الحافظ العسقلاني: "ولا يكون إلا من قُطْنٍ (٤) "، وقال الكرماني: "وإنما لم يجعل هنا بمعنى القربة؛ لأنَّ تقديره حينئذ من سحول، وحذف حرف الجر من الاسم الصريح غير فصيح، ولو صحت الرواية بالإضافة؛ فهو ظاهر" (٥).

стр. 382

(كُرْسُفٍ) بضمِّ الكاف، والسين، وبينهما راء ساكنة: عَطْف بيان لسحول (لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ) تقدم ما يتعلق بهذا الحديث من الكلام (١). قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عن هِشَامٍ، حَدَّثَنِي: أَبِى عن عَائِشَةَ - رضى الله عنها -: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ". - قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابن مُسَرْهَدٍ (قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو: ابن سعيد القطان (عن هِشَامٍ عن أَبِيهِ)، وفي روايةٍ قال: حدثني أبي عروة بن الزبير بن العوام (عن عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ) (٢).

стр. 383

بابٌ: الكَفَنِ بِلَا عِمَامَةٍ قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٧٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُفِّنَ في ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (الكَفَنِ بِلَا عِمَامَةٍ) كذا في رواية الأكثرين، وعند المستملي: (بابٌ: الكَفَنِ بِلَا عِمَامَةٍ)، والأول أولى؛ لئلا تتكرر الترجمة بلا فائدة، وفي بعض النسخ لا توجد هذه الترجمة أصلًا (١). [٥٤ ب/ص] [١٢٢ أ/ص] (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو: ابن أبي أويس عبد الله الأصبحي (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، (مَالِكٌ) /الإمام (عَنْ هِشَامِ /بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُفِّنَ في ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ) في "طبقات" ابن سعد، عن الشعبي "إزار ورداء ولفافة" (٢). (لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ (٣)) وقد تقدم هذا الحديث بزيادة يمانية في (باب: الثياب البيض للكفن) (٤).

стр. 384

بابٌ: الْكَفَنِ مِنْ جَمِيعِ الْمَال قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: وَبِهِ قَالَ: عَطَاءٌ، وَالزُّهْرِي، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَقَتَادَةُ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: الْحَنُوطُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: يُبْدَأُ بِالْكَفَنِ، ثُمَّ بِالدَّيْنِ، ثُمَّ بِالْوَصِيَّةِ. وَقَالَ سُفْيَانُ: أَجْرُ الْقَبْرِ، وَالْغَسْلِ؛ هُوَ مِنَ الْكَفَنِ. ١٢٧٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتِىَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - رضى الله عنه - يَوْمًا بِطَعَامِهِ؛ فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ -وَكَانَ خَيْرًا مِنِّي-؛ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إلَّا بُرْدَةٌ، وَقُتِلَ حَمْزَةُ أَوْ رَجُلٌ آخَرُ خَيْرٌ مِنِّي؛ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إلَّا بُرْدَةٌ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عُجِّلَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا في حَيَاتِنَا الدُّنْيَا، ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِى. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (بابٌ) بالتنوين (الْكَفَنِ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ) يعني: لا من الثلث كما ذهب إليه حلاس بن عمرو (١)، وذكر الطحاوي أنّه أحد قولي سعيد بن المسيب وقول طاوس؛ فإنهما قالا: الكفن من الثلث، وعن طاوس: من الثلث إن كان قليلًا (٢). (وَبِهِ) أي: بكون الكفن من جميع المال (قَالَ عَطَاءٌ) هو: ابن أبي رباح، وصله: الدارمي، من طريق ابن المبارك، عن ابن جريج، عنه قال: "الحنوط والكفن من رأس المال" (٣).

стр. 385

(والزُّهْرِي) هو: محمد بن مسلم بن شهاب (١)، وصله: عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري وقتادة قالا: "الكفن من جميع المال" (٢)، (وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) قال عبد الرزاق عن عطاء: "الكفن والحنوط من رأس المال"، وقاله عمرو بن دينار (٣). (وَقَتَادَةُ) هو: ابن دعامة السدوسي، وهو أيضًا قال مثل ما قال عطاء والزهري، وقد مرَّ آنفًا. (وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: الْحَنُوطُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ) أي: لا من الثلث، ذكره عبد الرزاق، وقد مرَّ. (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) أي: النخعي (يُبْدَأُ بِالْكَفَنِ) أي: وبمؤنة التجهيز (ثُمَّ بِالدَّيْنِ) أي: بالدين اللازم له لله -تعالى-، أو لآدمي؛ لأنه أحوط للميت (ثُمَّ بِالْوَصِيَّة) (٤) ثم ما بقي؛ فهو للورثة، وإنما يبدأ بالكفن؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يستفسر في حديث حمزة ومصعب بن عمير ﵄ هل عليهما دين؟ ولو لم يكن مقدمًا على الدَّينِ لاستفسر؛ لأنّه موضع الحاجة إلى البيان، وسكوت الشارع في موضع الحاجة إلى البيان بيان (٥). [١٢٣ أ/س] فإن قيل: يرد عليه العبد الجاني والمرهون /والمستأجر في بعض الروايات، والمشترى قبل القبض إذا مات المشترى قبل أداء الثمن، فإن ولي الجناية والمرتهن والمستأجر والبائع أحق بالعين من تجهيز الميت وتكفينه، فإن فضل شيء من ذلك يصرف إلى التجهيز والتكفين. فالجواب أن هذا كله ليس بتركة لأن التركة ما يتركه الميت من الأموال صافيًا عن تعليق حق الغير بعينه، وههنا تعلق حق الغير بعينه قبل أن تكون تركة (٦).

стр. 386

فإن قيل: فما وجه تقديم الوصية على الدين ذكرًا في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]. فالجواب: أنّ تقديمها لكونها قربة، والدَّين مذموم غالبًا، ولكونها مشابهة للإرث من جهة أخذها بلا عوض، وشاقة على الورثة. وأمّا الدين فنفوسهم مطمئنة إلى أدائه، فقدمت عليه بعثًا على وجوب إخراجها والمسارعة إليه؛ ولهذا عطف بـ"أو" للتسوية بينهما في الوجوب، وليفيد تأخر الإرث عن أحدهما، كما يفيد تأخره عنهما بمفهوم الأولى (١)، والله أعلم. (وَقَالَ سُفْيَانُ) هو: الثوري (أَجْرُ الْقَبْرِ) أي: أجر حفر القبر، (وَ) أجر (الْغَسْلِ هُوَ مِنَ الْكَفَنِ) (٢) أي: من جنس الكفن أو بعض الكفن، والغرض أن حكمه حكم الكفن في كونه من رأس المال لا من الثلث، وهذا التعليق وصله الدارمي (٣). (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّي (٤)) أبو محمد الأزرقي، ويقال: الزرقي صاحب تاريخ مكة، وقد مرّ في "باب لا يستنجي بالحجارة". (قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ (٥)) بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف ﵁، وقد مر في "باب تفاضل أهل الإيمان". (عَنْ) ابيه (سَعْدٍ) كان قاضي المدينة، مات سنة: خمس وعشرين ومائة (٦).

стр. 387

(عَنْ أَبِيهِ) إبراهيم بن عبدالرحمن (١)، (قَالَ: أُتِىَ) على صيغة البناء للمفعول، (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) أحد العشرة المبشرة، أسلم قديمًا على يد الصديق ﵁، وهاجر الهجرتين، وشهد المشاهد وثبت يوم أحد، وجرح عشرين جراحة وأكثر، وصلى رسول الله ﷺ خلفه يوم تبوك، مات سنة: اثنتين وثلاثين، ودفن بالبقيع ﵁ (٢). [١٢٣ أ/ص] (يَوْمًا بِطَعَامِهِ) بالضمير الراجع إليه، (فَقَالَ: قُتِلَ) على البناء للمفعول (مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ) بضم الميم وسكون الصاد وفتح العين المهملتين، وعمير بضم المهملة مصغر عمرو، القرشي العبدري، كان من أجلة الصحابة، ﵃، بعثه رسول الله ﷺ إلى المدينة يقرئهم القران، ويفقههم في الدين، وهو أول من جمع الجمعة /بالمدينة قبل الهجرة، وكان في الجاهلية من أنعم الناس عيشًا وألينهم لباسًا وأحسنهم جمالًا، فلما أسلم زهد في الدنيا وتقشف وتخشن، وفيه نزل: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، قتل يوم أحد شهيدًا ﵁ (٣). قال عبدالرحمن بن عوف ﵁ (٤): (وَكَانَ) أي: مصعب ﵁ (خَيْرًا مِنِّى) قاله تواضعًا وهضمًا لنفسه كما قال ﷺ : " لا تفضلوني على يونس بن متى" (٥) وإلا فعبد الرحمن ﵁ من العشرة المبشرة. (فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إلَّا بُرْدَةٌ) بلفظ واحد البرود، وهو رواية الكشميهني، وفي رواية (٦) غيره "إلا برده" بالضمير العائد إليه (٧).

стр. 388

والبُردة بضم الموحدة: النمرة، كالمئزر يتزر به، وربما كان لأحدهم بردتان يتزر بأحدهما ويرتدى بالأخرى، وربما كانت كبيرة، وقيل: كل شملة مخططة من ميازر العرب (١). وقال القتبي: هي بردة تلبسها الآماء (٢)، وقال ثعلب: هي ثوب مخطط تلبسه العجوز (٣)، وقيل: كساء ملون. وقال الفراء: هي دراعة تلبس أو تجعل على الرأس فيها لونان سواد وبياض (٤). وهذا هو موضع الترجمة؛ لأن الظاهر أنّه لم يوجد له ما يملكه إلا البردة المذكورة، وسيأتي في حديث خباب بلفظ "ولم يترك إلا نمرة" (٥)، وكفَّنَه فيها ﷺ ، ولم يلتفت إلى غريم ولا إلى وصيّة، ولا إلى وارث، فعلم أنّ التكفين مقدم، وأنّه من جميع المال. (وَقُتِلَ حَمْزَةُ) أي: ابن عبد المطلب، عم رسول الله ﷺ ، وأخوه من الرضاعة، يقال له: أسد الله، وحين أسلم أعتز الإسلام بإسلامه، استشهد يوم أحد، وهو سيد الشهداء، وفضائله كثيرة جدًا (٦). (أَوْ رَجُلٌ آخَرُ) قال الحافظ العسقلاني: لم أقف على اسمه، ولم يقع في أكثر الروايات إلا ذكر مصعب وحمزة ﵄ (٧)، وكذا أخرجه أبو نعيم من مستخرجه من طريق منصور بن أبي مزاحم، عن إبراهيم بن سعد (٨).

стр. 389

[٥٥ ب/س] (خَيْرٌ مِنِّي فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إلَّا بُرْدَةٌ / وفي رواية الكشميهني هنا "إلا برده" بالضمير (١). قال عبدالرحمن بن عوف ﵁: (لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عُجِّلَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا في حَيَاتِنَا الدُّنْيَا) يعني: أصبنا ما كتب لنا من الطيبات في دنيانا، فلم يبق لنا بعد استيفاء حظّنا شيء منها، (ثُمَّ جَعَلَ) عبد الرحمن ﵁ (يَبْكِى) خوفًا من تأخر اللحاق بالأخيار الأبرار. وعن عمر ﵁: " لو شئت لدعوت بصلانق وصناب وكراكر واسنمة (٢) ولكني رأيت الله نعى على قوم طيباتهم فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ " [الأحقاف: ٢٠]، وَعنهُ قَالَ: " لَو شِئْت لَكُنْت أطيبكُم طَعَامًا وَأَحْسَنُكُمْ لباسًا وَلَكِنِّي اُسْتُبْقِيَ طَيِّبَاتِي" (٣). [١٢٤ أ/س] وعن رسول الله ﷺ أنّه دخل على أهل الصفة وهم يرقعون ثيابهم بِالْأدمِ ما يجدون لها وقاعًا فقال: " أنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى، ويغدي عليه بجفنة ويراح بأخرى، ويستر بينه كما تستر الكعبة"، قالوا: نحن يومئذ خير قال: " بل أنتم اليوم خير" (٤). والمراد هو الاستمتاع، والتنعم الذي يشغل الالتذاذ به الدين وتكاليفه، حتى يعكف همته على استيفاء اللّذات، أمّا من تمتع بنعم الله، ورزقه الذي خلقه تعالى لعباده، ليقووا ذلك على دراية العلم والقيام بالعمل، (٥) /وكان ناهضًا بالشكر، فهو عن ذلك بمعزل (٦).

стр. 390

وإنّما كان خوف عبد الرحمن وبكاؤه ﵁، وإن كان أحد العشرة المشهود لهم بالجنة كما كان عليه الصحابة ﵃ من الإشفاق والخوف من التأخر عن اللّحاق بالدرجات العلى وطول الحساب. وفي الحديث ما ترجم به المؤلف من أنّ الكفن من جميع المال كما سبق، وهو قول الجمهور، وأختلف فيما إذا كان عليه دين مستغرق، هل يكون كفنه ساتر الجميع بدنه أو للعورة فقط؟ والمرجح هو الأول، ونقل ابن عبد البر الإجماع على أنّه لا يجزئ ثوب واحد يصف ما تحته من البدن (١). وفي الحديث ما يدل على جواز التكفين في ثوب واحد عند عدم غيره، والأصل ستر العورة، قال المهلب وابن بطال: وإنّما استحب رسول الله ﷺ لحمزة ومصعب ﵄ التكفين في الثوب الذي ليس بسابغ؛ لأنهما قتلا فيهما قتلا، وفيهما يبعثان أن شاء الله تعالى (٢). وفي هذا الجزم نظر، بل الظاهر أنّه لم يجد له غيرها، كما هو مقتضي الترجمة (٣). وفيه: أنّ العالم ينبغي له أن يذكر سيرة الصالحين، وتَقَلُّلِهِمْ من الدنيا؛ ليَقِلَّ رغبته فيها، ويبكي خوفًا من تأخر لحاقه بالأخيار، ويشفق من ذلك. وفيه: أنّه ينبغي للمرء أن يتذكر نعم الله عنده، ويعترف بالتقصير عن أداء شكرها، ويتخوف أن يقاص بها في الآخرة ويذهب تنعمه فيها (٤). ورجال إسناد الحديث الثلاثة مدنيون، وشيخ المؤلف مكي ومن أفراده، وقد أخرج متنه المؤلف في المغازي أيضًا (٥).

стр. 391

باب: إِذَا لَمْ يُوجَدْ إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٧٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ - رضى الله عنه - أُتِىَ بِطَعَامٍ وَكَانَ صَائِمًا فَقَالَ قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّى، كُفِّنَ في بُرْدَةٍ، إِنْ غُطِّىَ رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِنْ غُطِّىَ رِجْلَاهُ بَدَا رَأْسُهُ - وَأُرَاهُ قَالَ - وَقُتِلَ حَمْزَةُ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّى، ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ - أَوْ قَالَ أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا - وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا، ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِى حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ (١). قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (بابٌ) بالتنوين، (إِذَا لَمْ يُوجَدْ) للميّت (إِلَاّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ) يعني: يقتصر عليه ولا ينتظر إلى شيء آخر. (حَدَّثَنَا بْنُ مُقَاتِلٍ) وفي رواية: محمد بن مقاتل المروزي المجاور بمكة (٢)، (قال أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو: ابن المبارك المروزي، (قال: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) أي: ابن الحجاج، (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ) بن عبدالرحمن بن عوف ﵁، (أَنَّ) أباه (عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ) ﵁ (أُتِىَ بِطَعَامٍ) بإسقاط هاء الضمير، (وَكَانَ) عبدالرحمن ﵁ يومئذ (صَائِمًا فَقَالَ قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ) ﵁ (وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّى، كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ) وفي رواية: في برده، بالضمير، (إِنْ غُطِّىَ) على البناء للمفعول (رَأْسُهُ) بالرفع نائب عن الفاعل، (بَدَتْ) ظهرت (رِجْلَاهُ، وَإِنْ غُطِّىَ رِجْلَاهُ بَدَا) ظهر (رَأْسُهُ - وَأُرَاهُ) بضم الهمزة أي: أظنه.

стр. 392

[١٢٤ أ/ص] (قَالَ: - وَقُتِلَ حَمْزَةُ) عمّ النبيّ ﷺ (وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّى)، وروى الحاكم في مستدركه من حديث أنس ﵁، أنّ حمزة / ﵁ كفن أيضًا كذلك (١). (ثُمَّ بُسِطَ) على البناء للمفعول (لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ) شكّ من الراوي، (أَوْ قَالَ أُعْطِينَا) على البناء للمفعول أيضًا (مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا - وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا) يعني: خفنا أن ندخل في زمرة من قيل فيهم ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨] يعني: من كانت العاجلة همّه، ولم يرد غيرها كالكفرة وأكثر الفسقة، تفضلنا عليه من منافعها بما نشاء لمن نريد، فتقيّد الأمر بتقييدين: أحدهما: تقييد المعجّل بالمشيّة. والثاني: تقييد المعجّل له بإرادته، وهكذا الحال ترى كثيرًا من هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضًا منه، وكثيرًا منهم يتمنوّن ذلك البعض وقد حرموه، فاجتمع عليهم فقر الدنيا وفقر الآخرة. وأما المؤمن التقي: فقد اختار مراده، وهو غنى الآخرة، فما يبالى أوتى حظًا من الدنيا أو لم يؤت، فإن أوتي فيها وإلا فربما كان الفقر خيرًا له وأعون على مراده. وقوله: " لِمَنْ نُرِيدُ " بدل من "له"، وهو بدل البعض من الكل، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها حقها من السعي وكفاءها من الأعمال الصالحة وهو مؤمن، فأولئك كان سعيهم مشكورًا، أشترط ثلاث شرائط في كون السعي مشكورا، إرادة الآخرة بأن يعقد بها همه ويتجافى عن دار الغرور، والسعي فيما كلف من الفعل والترك، والإيمان الصحيح الثابت. وعن بعض المتقدمين: من لم يكن معه ثلاث لم ينفعه عمله إيمان ثابت، ونية صادقة، وعمل مصيب، وتلا هذه الآية، وشكر الله هو الثواب على الطاعة (٢).

стр. 393

(ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِى حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ) في وقت الإفطار. والتكفين في الثواب الواحد كفن الضرورة، وحالة الضرورة مستثناة في الشرع وفي (المبسوط): ولو كفنوه في ثوب واحد فقد أساؤا؛ لأن في حيوته تجوز صلاته في إزار واحد مع الكراهة، فكذا بعد الموت إلا عند الضرورة، بأن لم يوجد غيره كما في مسالة حمزة ومصعب ﵄ (١).

стр. 394

باب: باب إِذَا لَمْ يَجِدْ كَفَنًا إلَّا مَا يُوَارِى رَأْسَهُ أَوْ قَدَمَيْهِ غَطَّى رَأْسَهُ قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٧٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا شَقِيقٌ حَدَّثَنَا خَبَّابٌ - رضى الله عنه - قَالَ هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللَّهِ، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ، فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا. قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ إلَّا بُرْدَةً إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَأَمَرَنَا النَّبِىُّ ﷺ أَنْ نُغَطِّىَ رَأْسَهُ، وَأَنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِرِ. (١). - قَالَ الشَّارِحُ ﵀: [٥٥ ب/ص] (بابٌ) بالتنوين، أي: هذا باب يذكر فيه (إِذَا لَمْ يَجِدْ) مَن يتولّى أمر الميت (كَفَنًا إلَّا مَا يُوَارِى) أي: يستر (رَأْسَهُ) مع بقية جسده، إلا قدميه (أو) يواري (قَدَمَيْهِ) مع بقية جسده إلا رأسه، كأنّه قال: ما يوارى جسده إلا رأسه، أو ما (٢) يواري /جسده إلا قدميه، ومعنى حديث الباب يقتضي ذلك التفسير؛ لأنّه إذا لم يوار إلا رأسه أو قدميه فقط كان تغطية عورته أحق (٣) والله أعلم. [١٢٥ أ/س] / (غَطَّى رَأْسَهُ) ويروى: " غطى به" أي بذلك الكفن "رأسه".

стр. 395

(حَدَّثَنَا عُمَرُ) بضم العين: (بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) بن طلق بن معاوية، أبو حفص النخعيّ، (قال: حَدَّثَنَا أَبِى) حفص بن غياث، (قال: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، (قال: حَدَّثَنَا شَقِيق) بفتح المعجمة وبالقافين: أبو وائل بن سلمة الأسدي، (قال: حَدَّثَنَا خَبَّابٌ) بفتح المعجمة وتشديد الموحدة، وفي أخره موحدة أيضًا، هو: ابن الأرت، بفتح الهمزة والراء وتشديد المثناة الفوقية، أبو يحيى، ويقال: أبو عبد الله (١)، وقدر مر في باب: رفع البصر إلى الإمام ﵁. ورجال هذا الإسناد كلهم كوفيون، وفيه: رواية الابن عن الأب، وفيه: رواية التابعي عن التابعي. وقد أخرج متنه المؤلف في (الهجرة)، وفي (الرقاق)، وفي (المغازي) أيضًا، وأخرجه مسلم في (الجنائز)، وأبو داود في (الوصايا) مختصرًا، والترمذي في (المناقب)، والنسائي في (الجنائز) -أيضًا (٢). (قَالَ هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ ) والمراد بالمعيّة: الاشتراك في الحكم الإلهي إذ لم يكن معه ﷺ حينئذ إلا أبو بكر وعامر بن فهيرة ﵄. (نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللَّهِ) أي: ذاته لا الدنيا، والجملة حالية، (فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ) وفي رواية: " وجب أجرنا على الله" أي: وجوبًا شرعيًا بما وعد بقوله الصدق، لا وجوبًا عقليًا إذ لا يجب على الله شيء (٣).

стр. 396

(فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا) يعني: لم يكسب من الدنيا شيئًا من الغنائم التي تناولها من إدراك الفتوح، بل قصر نفسه عن شهواتها؛ لينالها موفّرة في الآخرة، (مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ) بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، يجتمع مع النبيّ ﷺ في قصي. (وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ) بفتح الهمزة وسكون المثناة التحتية، وفتح النون، أي: أدركت ونضجت (لَهُ ثَمَرَتُهُ) وفي: رواية ثمرة بدون الضمير. يقال: نِيع الثمر ينيع نيعًا وينوعًا فهو يانع، وكذلك أينع، وثمر ينيع أي: نضيج (١)، وقال الفرّاء: أينع أكثر من ينع، وقال القزاز: يونع أيناعًا فهو مونع، وقال الجوهري: جمع اليانع ينع مثل صاحب وصحب (٢). (فَهُوَ يَهْدِبُهَا) بفتح المثناة التحتيّة وسكون الهاء وكسر الدال المهملة وضمّها، وجوّز فتحها أيضًا وبالموحّدة أي: يجتنيها، وقال ابن سيده: هدب الثمرة يهدبها هدبًا اجتباها (٣)، وعبّر بالمضارع؛ ليفيد استمرار الحال الماضية والآتية، واستحضارًا له في مشاهدة السامع. [١٢٥ أ/ص] (قُتِلَ) أي: مصعب ﵁ (يَوْمَ أُحُدٍ) /والذي قتله هو: عبد الله بن قمئة، عن نيف وأربعين سنة، والجملة استينافية. (فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ) وزاد أبو ذر: "به" (٤). (إِلَاّ بُرْدَةً إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ وَإِذَا غَطَّيْنَا) بها (رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ) لقصرها. (فَأَمَرَنَا النَّبِىُّ ﷺ أَنْ نُغَطِّىَ رَأْسَهُ) بطرف البردة (وَأَنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِرِ) بكسر الهمزة وسكون الذال المعجمة وكسر الخاء المعجمة وفي آخره راء.

стр. 397

قيل: هو نبت بمكة، قيل: والحق أنّه ليس بمخصوص بمكة، بل هو: نبت حجازيّ طيب الرائحة ينبت بأرض الحجاز في السهول، والحزون وإذا جفّ أبيضّ، وذكر أبو حنيفة في كتاب "النبات": أن له أصلًا مندفن، وله قضبان دقاق، دفر الريح، وهو مثل الأسل أسل الكولان يعني: الذي يعمل منه الحُصُر، إلا أنّه أعرض وأصغر كعوبًا، وله ثمرة كأنها مكاسح القصب، إلا أنّه أرقّ وأصغر، وله كعوب كثيرة (١). قال ابن بطال: وفي الحديث: أن الثوب إذا ضاق فتغطيه رأس الميت ولى من رجليه؛ لأنّه أفضل، وفيه: بيان ما كان عليه صدر هذه الأمة. وفيه: أن الصبر على مكابدة الفقر وصعوبته من منازل الأبرار ودرجات الأخيار، وفيه: أن الثوب إذا ضاق عن تغطية رأسه وعورته، غطيت بذلك عورته وجعل على سائر بدنه من الإذخر؛ لأن ستر العورة واجب في الحياة والموت، والنظر إليها ومباشرتها باليد محرم إلا من حل له من الزوجين، كذا قال المهلب (٢). وقال العينيّ: هذا عند من يقول: أنّ الكفن يكون ساترًا لجميع البدن، وأنّ الميت يصير كله عورة، ومذهبنا أنّ الآدمي محترم حيًا وميتًا، فلا يحل للرجال غسل النساء ولا للنساء غسل الرجال الأجانب بعد الوفاة (٣). وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنّ الميّت يؤزر بإزار سابغ، كما يفعله في حياته إذا أراد الاغتسال، وفي ظاهر الرواية: يشق عليهم غسل ما تحت الإزار، فيكتفي بستر العورة الغليظة بخرقة (٤). وفي البدائع: يغسل عورته تحت الخرقة بعد أن يلف على يديه خرقة، ويستنجي عند أبي حنيفة، كما كان يفعله في حال حياته، وعندهما لا يستنجي (٥).

стр. 398

[١٢٦ أ/س] وفي المحيط، والروضة: لا يستنجي عند أبي يوسف (١)، وفهم من هذا كلّه أنّ الميت لا يصير كلّه عورة، /وإنّما يعتبر حاله حال حياته، وفي حال حياته عورته من السرة إلى الركبة، والركبة، عورة عندنا، وهذا هو الأصل في الميت أيضًا ولكن يكتفي بستر العورة الغليظة وهي القبل والدبر تخفيفًا، وهو الصحيح من المذهب، وبه قال مالك وكره في المدونة (٢).

стр. 399

باب: مَنِ اسْتَعَدَّ الْكَفَنَ في زَمَنِ النَّبِىِّ ﷺ فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ . قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٧٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ - رضى الله عنه - أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتِ النَّبِىَّ ﷺ بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ فِيهَا حَاشِيَتُهَا - أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ قَالُوا الشَّمْلَةُ. قَالَ نَعَمْ. قَالَتْ نَسَجْتُهَا بِيَدِى، فَجِئْتُ لأَكْسُوَكَهَا. فَأَخَذَهَا النَّبِىُّ ﷺ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ، فَحَسَّنَهَا فُلَانٌ فَقَالَ اكْسُنِيهَا، مَا أَحْسَنَهَا. قَالَ الْقَوْمُ مَا أَحْسَنْتَ، لَبِسَهَا النَّبِىُّ ﷺ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتَهُ وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ. قَالَ إِنِّى وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ لأَلْبَسَهَا إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِى. قَالَ سَهْلٌ فَكَانَتْ كَفَنَهُ. (١). قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (باب مَنِ اسْتَعَدَّ الْكَفَنَ) أي: أعدّه وليست السين للطلب (فِى زَمَنِ النَّبِىِّ ﷺ فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ) على صيغة البناء للمفعول، ويرى على صيغة البناء للفاعل، وهو: النبيّ ﷺ ، وحكى الزين ابن المنير عن بعض الرواة: فلم ينكره بهاء الضمير بدل عليه (٢). (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبي (٣)، (قال: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى حَازِمٍ (٤)) هو: عبدالعزيز بن أبي حازم بالمهملة والزاي، وقد تقدّم في "باب نوم الرجل في المسجد".

стр. 400

(عَنْ أَبِيهِ (١)) أبي حازم: سلمة بن دينار الأعرج القاضي، من عباد أهل المدينة وزهادهم، (عَنْ سَهْلٍ) هو: ابن سعد الساعدي ﵁ (٢)، (أَنَّ امْرَأَةً) قال الحافظ العسقلاني/: لم أقف على اسمها (٣). [٥٦ ب/س] (جَاءَتِ النَّبِىَّ ﷺ بِبُرْدَةٍ) وهي: كساء كانت العرب تلتحف به فيه خطوط، ويجمع على برد كغرفة وغرف، وقال ابن قرقول: هي النمرة (٤). (مَنْسُوجَةٍ فِيهَا حَاشِيَتُهَا) مرفوع بقوله: " منسوجة"، واسم المفعول يعمل عمل فعله كاسم الفاعل، هكذا قال الشرّاح (٥)، وأراه أنّه مرفوع على أنّه مبتدأ مؤخر لقوله: " فيها"، أو فاعل له؛ لاعتماده على الموصوف، فأفهم. قال الداودي: يعني أنّها لم تقطع من ثوب فيكون بلا حاشية، وقيل: حاشية الثوب هدبه فكأنّه أراد أنّها جديدة لم يقطع هدبها ولم تلبس بعد، وقال القزاز: حاشيتا الثوب ناحيتاه اللتان في طرفيهما الهدب (٦). وقال الجوهري: الحاشية واحدة حواشي الثوب، وهي جوانبه (٧). (تَدْرُونَ) وفي رواية: " أتدرون"، بهمزة الاستفهام (٨)، وهو: مقول سهل ﵁، بيّنه أبو غسان عن أبي حازم كما أخرجه البخاري في "الأدب"، ولفظه: " فقال سهل للقوم: أتدرون" (٩)، (مَا

стр. 401

الْبُرْدَةُ قَالُوا الشَّمْلَةُ قال) سهل ﵁: (نَعَمْ) هي: الشملة، وفي تفسير البردة بالشملة تجوز؛ لأن البردة كساء، والشّملة: ما يشتمل به، وهي أعمّ لكن؛ لما كان أكثر اشتمالهم بها أطلقوا عليها اسمها. [١٢٦ أ/ص] وقوله: " تدرون" إلى قوله "نعم"، جملة معترضة في كلام المرأة المذكورة، (قَالَتْ:) أي: المرأة المذكورة للنبيّ ﷺ ، (نَسَجْتُهَا) أي: البردة (بِيَدِي) /حقيقة أو مجازًا (فَجِئْتُ لأَكْسُوَكَهَا فَأَخَذَهَا النَّبِىُّ ﷺ ) حال كونه (مُحْتَاجًا إِلَيْهَا) أي: إلى تلك البردة، ويروى هو محتاج إليها، بالرفع على أنّه خبر مبتدأ محذوف أي: محتاج إليها، وأن شئت تقول: وهو محتاج إليها؛ إذ الجملة الاسمية إذا وقعت حالًا وكانت مشتملة على الضمير العائد إلى ذي الحال جاز فيه الأمران: الواو وتركها، وكأنهم عرفوا كونه محتاجًا إليها بقرينة حالية دلت على ذلك أو بتقديم قول صريح كذلك (١). (فَخَرَجَ) ﷺ (إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ) يعني متّزرًا بها، وفي رواية الطبراني: عن هشام بن سعد، عن أبي حازم "فأتزر بها ثم خرج" (٢)، وفي رواية ابن ماجه: عن هشام بن عمار، عن عبدالعزيز "فخرج إلينا فيها" (٣). (فَحَسَّنَهَا) أي: نسبها إلى الحسن وهو فعل ماض من التحسين في الروايات كلها هنا، وفي رواية للبخاري في اللّباس من طريق يعقوب بن عبدالرحمن، عن أبي حازم: " فجسّها" (٤)، بالجيم وتشديد السين بغير نون، وكذا وقع في رواية الطبراني من طريق أخرى عن ابن أبي حازم (٥)، وكذا للإسماعيلي.
следующие страницы →