← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 540

نجاح القاري شرح صحيح البخاري - كتاب الجنائز

يوسف أفندي زاده الأماسي

Полный текст (921 стр.). Показаны 397–436 · переход к 402.

стр. 397

قيل: هو نبت بمكة، قيل: والحق أنّه ليس بمخصوص بمكة، بل هو: نبت حجازيّ طيب الرائحة ينبت بأرض الحجاز في السهول، والحزون وإذا جفّ أبيضّ، وذكر أبو حنيفة في كتاب "النبات": أن له أصلًا مندفن، وله قضبان دقاق، دفر الريح، وهو مثل الأسل أسل الكولان يعني: الذي يعمل منه الحُصُر، إلا أنّه أعرض وأصغر كعوبًا، وله ثمرة كأنها مكاسح القصب، إلا أنّه أرقّ وأصغر، وله كعوب كثيرة (١). قال ابن بطال: وفي الحديث: أن الثوب إذا ضاق فتغطيه رأس الميت ولى من رجليه؛ لأنّه أفضل، وفيه: بيان ما كان عليه صدر هذه الأمة. وفيه: أن الصبر على مكابدة الفقر وصعوبته من منازل الأبرار ودرجات الأخيار، وفيه: أن الثوب إذا ضاق عن تغطية رأسه وعورته، غطيت بذلك عورته وجعل على سائر بدنه من الإذخر؛ لأن ستر العورة واجب في الحياة والموت، والنظر إليها ومباشرتها باليد محرم إلا من حل له من الزوجين، كذا قال المهلب (٢). وقال العينيّ: هذا عند من يقول: أنّ الكفن يكون ساترًا لجميع البدن، وأنّ الميت يصير كله عورة، ومذهبنا أنّ الآدمي محترم حيًا وميتًا، فلا يحل للرجال غسل النساء ولا للنساء غسل الرجال الأجانب بعد الوفاة (٣). وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنّ الميّت يؤزر بإزار سابغ، كما يفعله في حياته إذا أراد الاغتسال، وفي ظاهر الرواية: يشق عليهم غسل ما تحت الإزار، فيكتفي بستر العورة الغليظة بخرقة (٤). وفي البدائع: يغسل عورته تحت الخرقة بعد أن يلف على يديه خرقة، ويستنجي عند أبي حنيفة، كما كان يفعله في حال حياته، وعندهما لا يستنجي (٥).

стр. 398

[١٢٦ أ/س] وفي المحيط، والروضة: لا يستنجي عند أبي يوسف (١)، وفهم من هذا كلّه أنّ الميت لا يصير كلّه عورة، /وإنّما يعتبر حاله حال حياته، وفي حال حياته عورته من السرة إلى الركبة، والركبة، عورة عندنا، وهذا هو الأصل في الميت أيضًا ولكن يكتفي بستر العورة الغليظة وهي القبل والدبر تخفيفًا، وهو الصحيح من المذهب، وبه قال مالك وكره في المدونة (٢).

стр. 399

باب: مَنِ اسْتَعَدَّ الْكَفَنَ في زَمَنِ النَّبِىِّ ﷺ فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ . قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٧٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ - رضى الله عنه - أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتِ النَّبِىَّ ﷺ بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ فِيهَا حَاشِيَتُهَا - أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ قَالُوا الشَّمْلَةُ. قَالَ نَعَمْ. قَالَتْ نَسَجْتُهَا بِيَدِى، فَجِئْتُ لأَكْسُوَكَهَا. فَأَخَذَهَا النَّبِىُّ ﷺ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ، فَحَسَّنَهَا فُلَانٌ فَقَالَ اكْسُنِيهَا، مَا أَحْسَنَهَا. قَالَ الْقَوْمُ مَا أَحْسَنْتَ، لَبِسَهَا النَّبِىُّ ﷺ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتَهُ وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ. قَالَ إِنِّى وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ لأَلْبَسَهَا إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِى. قَالَ سَهْلٌ فَكَانَتْ كَفَنَهُ. (١). قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (باب مَنِ اسْتَعَدَّ الْكَفَنَ) أي: أعدّه وليست السين للطلب (فِى زَمَنِ النَّبِىِّ ﷺ فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ) على صيغة البناء للمفعول، ويرى على صيغة البناء للفاعل، وهو: النبيّ ﷺ ، وحكى الزين ابن المنير عن بعض الرواة: فلم ينكره بهاء الضمير بدل عليه (٢). (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبي (٣)، (قال: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى حَازِمٍ (٤)) هو: عبدالعزيز بن أبي حازم بالمهملة والزاي، وقد تقدّم في "باب نوم الرجل في المسجد".

стр. 400

(عَنْ أَبِيهِ (١)) أبي حازم: سلمة بن دينار الأعرج القاضي، من عباد أهل المدينة وزهادهم، (عَنْ سَهْلٍ) هو: ابن سعد الساعدي ﵁ (٢)، (أَنَّ امْرَأَةً) قال الحافظ العسقلاني/: لم أقف على اسمها (٣). [٥٦ ب/س] (جَاءَتِ النَّبِىَّ ﷺ بِبُرْدَةٍ) وهي: كساء كانت العرب تلتحف به فيه خطوط، ويجمع على برد كغرفة وغرف، وقال ابن قرقول: هي النمرة (٤). (مَنْسُوجَةٍ فِيهَا حَاشِيَتُهَا) مرفوع بقوله: " منسوجة"، واسم المفعول يعمل عمل فعله كاسم الفاعل، هكذا قال الشرّاح (٥)، وأراه أنّه مرفوع على أنّه مبتدأ مؤخر لقوله: " فيها"، أو فاعل له؛ لاعتماده على الموصوف، فأفهم. قال الداودي: يعني أنّها لم تقطع من ثوب فيكون بلا حاشية، وقيل: حاشية الثوب هدبه فكأنّه أراد أنّها جديدة لم يقطع هدبها ولم تلبس بعد، وقال القزاز: حاشيتا الثوب ناحيتاه اللتان في طرفيهما الهدب (٦). وقال الجوهري: الحاشية واحدة حواشي الثوب، وهي جوانبه (٧). (تَدْرُونَ) وفي رواية: " أتدرون"، بهمزة الاستفهام (٨)، وهو: مقول سهل ﵁، بيّنه أبو غسان عن أبي حازم كما أخرجه البخاري في "الأدب"، ولفظه: " فقال سهل للقوم: أتدرون" (٩)، (مَا

стр. 401

الْبُرْدَةُ قَالُوا الشَّمْلَةُ قال) سهل ﵁: (نَعَمْ) هي: الشملة، وفي تفسير البردة بالشملة تجوز؛ لأن البردة كساء، والشّملة: ما يشتمل به، وهي أعمّ لكن؛ لما كان أكثر اشتمالهم بها أطلقوا عليها اسمها. [١٢٦ أ/ص] وقوله: " تدرون" إلى قوله "نعم"، جملة معترضة في كلام المرأة المذكورة، (قَالَتْ:) أي: المرأة المذكورة للنبيّ ﷺ ، (نَسَجْتُهَا) أي: البردة (بِيَدِي) /حقيقة أو مجازًا (فَجِئْتُ لأَكْسُوَكَهَا فَأَخَذَهَا النَّبِىُّ ﷺ ) حال كونه (مُحْتَاجًا إِلَيْهَا) أي: إلى تلك البردة، ويروى هو محتاج إليها، بالرفع على أنّه خبر مبتدأ محذوف أي: محتاج إليها، وأن شئت تقول: وهو محتاج إليها؛ إذ الجملة الاسمية إذا وقعت حالًا وكانت مشتملة على الضمير العائد إلى ذي الحال جاز فيه الأمران: الواو وتركها، وكأنهم عرفوا كونه محتاجًا إليها بقرينة حالية دلت على ذلك أو بتقديم قول صريح كذلك (١). (فَخَرَجَ) ﷺ (إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ) يعني متّزرًا بها، وفي رواية الطبراني: عن هشام بن سعد، عن أبي حازم "فأتزر بها ثم خرج" (٢)، وفي رواية ابن ماجه: عن هشام بن عمار، عن عبدالعزيز "فخرج إلينا فيها" (٣). (فَحَسَّنَهَا) أي: نسبها إلى الحسن وهو فعل ماض من التحسين في الروايات كلها هنا، وفي رواية للبخاري في اللّباس من طريق يعقوب بن عبدالرحمن، عن أبي حازم: " فجسّها" (٤)، بالجيم وتشديد السين بغير نون، وكذا وقع في رواية الطبراني من طريق أخرى عن ابن أبي حازم (٥)، وكذا للإسماعيلي.

стр. 402

(فُلَانٌ) قال المحب الطبري: هو عبدالرحمن بن عوف ﵁ كما في الطبراني (١)؛ لكن قال الحافظ العسقلاني: ولم أره في المعجم الكبير لا في مسند سهل ولا عبد الرحمن، ونقله ابن الملقن عن المحب في شرح العمدة وكذا قال لنا شيخنا الحافظ أبو الحسن الهيثمي: أنّه وقف عليه، لكن لم يستحضر مكانه أنتهى (٢). وأخرج الطبراني الحديث المذكور، عن أحمد بن عبدالرحمن بن بشار، عن قتيبة بن سعيد، عن يعقوب بن عبدالرحمن، عن أبي حازم، وقال في آخره: قال قتيبة: " هو سعد بن أبي وقاص ﵁ (٣) ". وقد أخرج البخاري في (اللّباس)، والنسائي في (الزينة)، عن قتيبة ولم يذكرا ذلك عنه (٤). وفي رواية ابن ماجه: " فجاء فلان رجل سماه يومئذ" (٥)، وهذا يدلّ على أنّ الراوي سّماه ونسيه، وفي رواية أخرى للطبراني: أنّ السائل المذكور أعرابي، ولكن في سنده زمعة بن صالح (٦) وهو ضعيف (٧)، ويمكن أن يقال بتعدّد القصّة، لكنّه بعيد، والله أعلم. [١٢٧ أ/س] (فَقَالَ اكْسُنِيهَا، مَا أَحْسَنَهَا) بفتح النون على التعجب، وفي رواية ابن ماجه: "ما أحسن هذه البردة اكسنيها، قال: نعم فلما دخل طواها وأرسل بها إليه" (٨)، وللمؤلف في اللباس /من طريق

стр. 403

يعقوب بن عبدالرحمن بلفظ "فقال نعم فجلس ما شاء الله في المجلس، ثم رجع فطواها، ثم أرسل بها إليه" (١). (قَالَ (٢) الْقَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ) كلمة ما هنا: نافية، (لَبِسَهَا النَّبِىُّ ﷺ ) حال كونه (مُحْتَاجًا إِلَيْهَا) وفي نسخة: " محتاج إليها"، وقد سبق وجهه وفي رواية ابن ماجه: " والله ما أحسنت كسيها النبيّ ﷺ محتاجًا إليها" (٣). (ثُمَّ سَأَلْتَهُ) إياها (وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ) سائلًا، وكذا وقع في رواية ابن ماجه: بتصريح (٤) وفي رواية أبي غسان في الأدب "لا يسأل شيئًا فيمنعه" (٥)، أي: يعطي كل من يطلب ما يطلبه. وقد وقعت تسمية المعاتب له من الصحابة من طريق هشام بن سعد، عند الطبراني ولفظه: قال سهل: "فقلت للرجل: لم سألته وقد رأيت حاجته إليها؟ فقال: رأيت ما رأيتم، ولكني أردت أن أخبأها حتى أكفن فيها" (٦). (قَالَ إِنِّى وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ) ﷺ (لأَلْبَسَهَا) أي: لأجل أن ألبسها، (إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِى) وفي رواية أبي غسان فقال: " رجوت بركتها حين لبسها النبيّ" ﷺ (٧)، وفي رواية للطبراني عن زمعة بن صالح: " أنّه ﷺ أمر أن يصنع له غيرها، فمات قبل أن يفرغ" (٨). (قَالَ سَهْلٌ) ﵁ (فَكَانَتْ كَفَنَهُ).

стр. 404

وفي الحديث: جواز التبرك بآثار الصالحين، وجواز إعداد الشيء قبل وقت الحاجة أليه من كفن ونحوه في حال الحياة؛ لأنّ أفضل ما ينظر فيه الرجل في وقت المهل وفسحة الأجل الاعتداد للمعاد قال ﷺ : " أفضل المؤمنين إيمانًا أكثرهم للموت ذكرًا، وأحسنهم له استعدادًا" (١). وقال بعضهم: لا يستحبّ للإنسان أن يعدّ لنفسه كفنًا؛ لئلا يحاسب عليه؛ لكن ذلك ليس مختصًا بالكفن، بل سائر أمواله كذلك، لكن الحق أنّه مندوب وحسن إذا كان من جهة يقطع بحلها أو من أثر أهل الخير والصلاح، إلا أنّه لا يجب تكفينه فيه، كما اقتضاه كلام القاضي أبي الطيب وغيره، بل للوارث إبداله؛ لأنّه ينتقل إلى الوارث، فلا يجب عليه ذلك (٢). [٥٦ ب/ص] وهل يلحق بذلك حفر القبر في حياته، فقال ابن بطال: قد حفر جماعة من الصالحين قبورهم قبل الموت/ بأيديهم يتوقعوا حلول الموت بهم (٣)، وردّ عليه الزين ابن المنبر: بأنّه لم يقع من أحد من الصحابة ﵁، ولو كان مستحبًا لكثر فيهم (٤). [١٢٧ أ/ص] وتعقّبه العيني: بأنّه لا يلزم من عدم وقوعه من الصحابة عدم جوازه؛ لأنّ ما رآه المسلمون حسنًا فهو عندالله حسن، ولا سيما وقد فعله قوم من الصلحاء الأخيار (٥). وفي الحديث أيضًا حسن خلق النبيّ ﷺ / وسعة جوده وقبوله الهديّة. قال المهلب: وفيه: جواز ترك مكافأة الفقير على هديته (٦)، وفيه نظر، فإنّ المكافأة كانت عادة للنبيّ ﷺ مستمرّة، فلا يلزم من السكوت عنها أن لا يكون فعلها على أنّه ليس في سياق الحديث

стр. 405

الجزم بكون ذلك هديّة؛ لاحتمال عرضها إياه لأجل الشراء، ولئن سلمنا أنها كانت هدية فلا يلزم أن يكون المكافأة على الفور. قال: وفيه جواز الاعتماد على القرائن، ولو تجردت لقولهم: " فأخذها محتاجًا إليها"، وفيه نظر أيضًا؛ لاحتمال سبق القول منه بذلك، كما تقدّم. قال أيضًا: وفيه الترغيب في المصنوع بالنسبة إلى صانعه إذا كان ماهرًا، وفيه نظر أيضًا؛ لاحتمال أنّها أرادت بنسبتها إليها إزالة ما يخشى من التدليس هذا. وفيه: جواز استحسان الإنسان ما يراه من الملابس وغيرها، إمّا ليعرف صاحبه قدرها، أو ليعرض له بطلبه من حيث يسوغ له ذلك. وفيه: مشروعية الإنكار عند مخالفة الآداب ظاهرًا وإن لم يبلغ المنكر درجة التحريم. وفيه: قبول السلطان الهدية من الفقير. وفيه جواز السؤال من السلطان. وفيه ما كان النبيّ ﷺ من أنّه لا يرد سائلًا بل يعطي ما يطلبه وإن كان محتاجًا إليه، فيدخل بذلك في جملة المؤثرين على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﷺ (١). ورجال إسناد الحديث مدنيون، إلا أنّ عبد الله بن مسلمة سكن البصرة، وقد أخرج متنه ابن ماجه في اللباس (٢) أيضًا (٣).

стр. 406

باب: اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الجَنَائِزِ قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٧٨ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أُمِّ الْهُذَيْلِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا (١). قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (باب: اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الجَنازَة) وفي رواية: " الجنائز" بالجمع (٢)، ولم يبيّن الحكم فيه، هل هو جائز أو غير جائز أو مكروه؛ لاختلاف العلماء فيه؛ لأن قول أم عطية يحتمل أن يكون نهي تحريم، أو نهي تنزيه، على أن ظاهر قولها: " ولم يعزم علينا"، أن يكون النهي نهي تنزيه، وقد ورد في هذا الباب أحاديث تدل على جوازه، كما سترد عليك إن شاء الله تعالى، فلأجل هذا الاختلاف أطلق البخاري الترجمة ولم يقيدها بحكم، بخلاف اتباع الجنائز للرجال (٣). (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ) بفتح القاف في الأول وضم العين المهملة وسكون القاف في الثاني: السُوائيِّ العامري الكوفي (قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو: الثوري، (عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ) بفتح المهملة وتشديد المعجمة وبالمد، (عَنْ أُمِّ الْهُذَيْلِ) هي: حفصة بنت سيرين، (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) هي: نسيبة، وقد تقدم كل واحد منهم. [١٢٧ أ/س] / (نُهِينَا) وفي رواية: "أنها قالت: نهينا" (٤)، بضم النون وكسر الهاء وقد تقدم من رواية هشام بن حسان، عن حفصة، عنها بلفظ: " كنا نهينا" (٥).

стр. 407

ورواه يزيد بن أبي حكيم، عن الثوري بإسناد هذا الباب بلفظ: "نهانا رسول الله ﷺ "، أخرجه الإسماعيلي، وفيه ردّ على من قال: لا حجة في هذا الحديث؛ لأنّه لم يسم الناهي فيه، وتقوية لما رواه الشيخان وغيرهما: أنّ كل ما ورد بهذه الصيغة فحكمه حكم المرفوع (١). وقد روى الطبراني من طريق إسماعيل بن عبدالرحمن بن عطية، عن جدته أم عطية، قالت: " لما دخل رسول الله ﷺ المدينة جمع النساء في بيت، ثم بعث إلينا عمر ﵁، فقال: إني رسول رسول الله ﷺ إليكن، بعثني لأبايعكن على أن لا تسرقن" الحديث وفي أخره: "وأمرنا أن نخرج في العيدين العواتق، ونهانا أن نخرج في جنازة" (٢)، وهذا يدل على أن حديث الباب مرسل الصحابي (٣). (عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا) على صيغة المجهول، أي: لم يوجب ولم يفرض ولم يشدد ولم يؤكد علينا في المنع كما أكّد علينا في غيره من المنهيات فكأنّ المعنى أنّها قالت: كره لنا (٤) اتباع الجنائز من غير تحريم. وقال القرطبي: ظاهر الحديث يقتضي أنّ النهي للتنزيه، وبه قال جمهور أهل العلم (٥)، وقال ابن المنذر: روينا عن ابن مسعود، وابن عمر، وعائشة، وأبي أمامة ﵃، أنهم كرهوا ذلك للنساء وكرهه أيضًا إبراهيم، والحسن، ومسروق، وابن سيرين، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق (٦). وقال الثوري: اتباع النساء الجنائز بدعة، وعن أبي حنيفة: لا ينبغي ذلك للنساء (٧)، وروى إجازة ذلك عن ابن عباس ﵄، والقاسم، وسالم، والزهري، وربيعة، وأبي الزناد (٨).

стр. 408

ورخص فيه مالك، وكرهه للشابة (١)، وعند الشافعيّ مكروه وليس بحرام، ونقل العبدري: عن مالك، يكره إلا أن يكون الميت ولدها أو والدها أو زوجها، وكانت ممن يخرج مثلها لمثله (٢). [١٢٨ أ/ص] وقال ابن حزم: لا يمنعن من اتباعها، وآثار النهي عن ذلك لا تصح؛ لأنّها إمّا عن مجهول، أو مرسلة، أو عمن لا يحتج به، وأشبه شيء فيه حديث الباب، وهو غير مسند؛ لأنّا لا ندري من هو الناهي، ولعلّه بعض الصحابة، ثم لو صح مسندًا لم يكن فيه حجة للحرمة /بل غايته الكراهة، على أن النهي في الحديث يراد به ترك ما كانت الجاهلية عليه من زور الكلام، ونسبة الأفعال إلى الدهر وغيره وقد صح خلافه روى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة ﵁: " أنّه ﷺ كان في جنازة فرأى عمر ﵁ امرأة، فصاح بها، فقال رسول الله ﷺ : "دعها يا عمر، فإنّ العين دامعة، والنفس مصابة، والعهد قريب". وقد أخرجه الحاكم، وقال: هذا صحيح على شرط الشيخين (٣). [٥٧ ب/س] وقال العيني: وفيه نظر؛ لأنّ البيهقي نصّ على انقطاعه (٤)، وفي سنده سلمة بن الأزرق قال ابن القطان: سلمة هذا / لا يعرف حاله، ولا أعرف أحدًا من مصنفي الرجال ذكره (٥). وروى الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: " قبرنا مع رسول الله ﷺ رجلًا، فلما رجعنا وحاذينا بابه إذا هو بامرأة لا نظنه عرفها، فقال: " يا فاطمة من أين جئت؟ " قالت: جئت من أهل الميّت، رحمت إليهم ميّتهم، وعزيّتهم. قال: "فلعلك بلغت معهم الكدى؟

стр. 409

" قالت: معاذ الله أنْ أبلغ معهم الكدى، وقد سمعتك تذكر فيه ما تذكر، قال: " لو بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يرد جد أبيك"، والكُدى بضم الكاف وتخفيف الدال مقصورًا: المقابر (١)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (٢)، فأنكر عليها بلوغ الكدى ولم ينكر عليها التعزية. وقال الداودي: قولها: "نهينا عن اتباع الجنائز"، أي إلى أنْ تصل إلى القبور، وقولها: "ولم يعزم علينا"، أي: أن لا نأتي أهل الميت فنعزيهم ونترحم على ميتهم من غير أن يتبع جنازته، ويؤيّده حديث الحاكم الذي ذكر آنفًا (٣). وقال المحب الطبري: يحتمل أن يكون المراد بقولها: "ولم يعزم علينا"، أي: كما عزم على الرجال بترغيبهم في اتباعها بحصول القيراط ونحو ذلك، انتهى (٤). قال العيني: والحق أنّ المرأة لا توجر في حضور الجنازة (٥)، وقال الحازمي: أما اتباع الجنائز فلا رخصة لهن فيه (٦).

стр. 410

وقد روى عن يزيد بن أبي حبيب: " أنَّ رسول الله ﷺ حضر جنازة رجل، فلما وضعت ليصلي عليها أبصر امرأة فسأل عنها، فقيل: هي أخت الميت، فقال لها: " ارجعي فلم تصل عليها حتى توارت" (١)، وقال لامرأة أخرى: "ارجعي وإلا رجعت" (٢).

стр. 411

باب: إِحْدَادِ المَرْأَةِ عَلَى غَيْرِ زَوْجِهَا قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٧٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ تُوُفِّىَ ابْنٌ لأُمِّ عَطِيَّةَ - رضى الله عنها - فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ دَعَتْ بِصُفْرَةٍ، فَتَمَسَّحَتْ بِهِ وَقَالَتْ نُهِينَا أَنْ نُحِدَّ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ إلَّا بِزَوْجٍ. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: [١٢٩ أ/س] (بَابُ إِحْدَادِ المَرْأَةِ عَلَى غَيْرِ زَوْجِهَا) الإحداد: بكسر الهمزة، من أحدت المرأة على زوجها تحد، فهي محدّة إذا حزنت عليه، /ولبست ثياب الحزن، وتركت الزينة من لباس وطيب وغيرهما، مما كان من دواعي الجماع كالحناء والكحل، وكذلك حدت المرأة من الثلاثي، تحد من باب نصر ينصر، وتحد من باب ضرب يضرب، فهي حادة (١). وقال الجوهري: أحدت المرأة أي: امتنعت من الزينة والخضاب بعد وفاة زوجها، وكذلك حدت حدادًا، ولم يعرف الأصمعي إلا أحدت فهي محد (٢). وفي بعض النسخ: باب حداد المرأة، بغير همزة على لغة الثلاثي، وفي بعضها: باب حدّ المرأة (٣)، ثم المشهور أنّه بالحاء المهملة، ويروي الإجداد بالجيم من جددت الشيء إذا قطعته؛ لأنّها تنقطع عن الزينة وما كانت عليه (٤).

стр. 412

وأباح الشارع للمرأة أن تُحدّ على غير الزوج ثلاثة أيام؛ لِما يغلب من لَوْعة الحزن، ويَهجم من أليم الوَجد، وليس ذلك بواجب بالاتفاق، قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن الزوج لو طالبها بالجماع في تلك الأيام التي أبيح لها الإحداد فيها لم يحلّ لها منعه (١). وقوله: "على غير زوجها"، يعمّ كلّ ميّت غير الزوج سواءً كان قريبًا أو أجنبيًا (٢). وأمّا الإحداد لموت الزوج فواجب عندنا، سواء كانت حرة أو أمة وسواء كانت أم ولد أو مكاتبة وكذلك يجب على المطلّقة طلاقًا بائنًا (٣)، ولذا لم يقيّد البخاري الترجمة بالموت. وقال: مالك (٤)، والشافعيّ (٥)، وأحمد: لا يجب (٦)، ولا يجب على المطلّقة قبل الدخول، والمطلّقة الرجعية (٧)، وذكر في السراجية: أنّ المطلّقة الرجعية يستحب لها التزين والتطيب ولبس أحسن الثّياب لترغيب الزوج، ولا على ذميّة ولا صغيرة عندنا أيضًا (٨). (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابن مسرهد، وقد تكرر ذكره (٩)، (قال: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ (١٠)) بكسر الموحدة، وسكون الشين المعجمة، وبتشديد الضاد المعجمة المفتوحة: ابن لاحق أبو إسماعيل وقد مرّ ذكره في باب: قول النبي ﷺ ربّ مبلّغ.

стр. 413

(قال: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ (١)) بفتح اللام في الأول: التميمي، وقد مر في باب: من لم يتشهد في سجدتي السهو. (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ تُوُفِّىَ ابْنٌ لأُمِّ عَطِيَّةَ) نسيبة ﵂، (فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ) كذا في رواية المستملي على الأصل، وفي رواية الأكثرين: "يوم الثالث"، من باب إضافة الموصوف إلى الصفة (٢)، (دَعَتْ بِصُفْرَةٍ) الصفرة في الأصل لون الأصفر، والمراد ههنا: نوع من الطيب فيه صفرة (٣)، (فَتَمَسَّحَتْ بِهِ، وَقَالَتْ: نُهِينَا) وروى عبد الرزاق عن أيوب، عن ابن سيرين بلفظ: "أمرنا أن لا نحد على هالك فوق ثلاث" (٤)، وفي رواية الطبراني من طريق قتادة، عن ابن سيرين، عن أم عطية، قالت: "سمعت رسول الله ﷺ يقول:. . . فذكر معناه" (٥). [١٢٩ أ/ص] (أَنْ نُحِدَّ) بضم النون من الإحداد أي: نهينا عن الإحداد على ميّت (أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ) بلياليها، (إِلَاّ بِزَوْجٍ) أي: بسببه، وفي رواية الكشميهني: " إلا لزوج"، باللام بدل الموحدة، /ووقع في العدد، إلا على الزوج، وكلّها بمعنى التسبيب (٦). قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٨٠ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى قَالَ أَخْبَرَنِى حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِى سَلَمَةَ قَالَتْ لَمَّا جَاءَ نَعْىُ أَبِى سُفْيَانَ مِنَ الشَّأْمِ دَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ -

стр. 414

رضى الله عنها - بِصُفْرَةٍ في الْيَوْمِ الثَّالِثِ، فَمَسَحَتْ عَارِضَيْهَا وَذِرَاعَيْهَا وَقَالَتْ إِنِّى كُنْتُ عَنْ هَذَا لَغَنِيَّةً، لَوْلَا أَنِّى سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا». قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ (١)) بضم الحاء عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي، أبو بكر الأسدي (قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو: ابن عيينة، (قال: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى) بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي، أحد الفقهاء مات سنة ثلاث وثلاثين ومائة بمكة (٢). (قَالَ: أَخْبَرَنِى) بالإفراد (حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ) بضم الحاء: أبو أفلح، بالفاء وبالحاء المهملة، المدني (٣)، (عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِى سَلَمَةَ) ويروى: " بنت أبي سلمة": عبد الله بن عبد الأسد المخزومية، ربيبة النبيّ ﷺ أخت عمر بن أبي سلمة، أمهما أم المؤمنين أم سلمة ﵂. [٥٧ ب/ص] (قَالَتْ: لَمَّا جَاءَ نَعْىُ) بفتح النون، وسكون العين المهملة، وتخفيف المثناة التحتية، هو: الخبر بموت الشخص، ويروي بكسر العين، وتشديد المثناة، (أَبِى سُفْيَانَ): صخر بن حرب، والد معاوية ﵁، (مِنَ الشَّامِ) قال الحافظ العسقلاني: وفيه نظر؛ لأنّ أبا سفيان مات بالمدينة بلا خلاف بين أهل العلم بالأخبار، والجمهور على أنّه مات سنة: اثنتين وثلاثين، وقيل: ثلاث وثلاثين، ولم أر في شيء من طرق هذا الحديث/ تقييده بذلك إلا في رواية سفيان بن عيينة هذه، وأظنّها وهمًا، وكنت أظنّ أنّه حذف منه لفظ" ابن"؛ لأنّ الذي جاء نعيه من الشام، وأم حبيبة في الحياة، هو

стр. 415

أخوها يزيد بن أبي سفيان، الذي كان أميرًا على الشام، لكن رواه المصنف في "العدد" من طريق مالك، ومن طريق سفيان الثوري، كلاهما عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن حميد بن نافع بلفظ: "حين توفي أبوها ـ أبو سفيان بن حرب ـ" (١)، فظهر أنّه لم يسقط منه شيء، ولم يقل فيه واحد منهما من الشام. وكذا أخرجه ابن سعد في ترجمة أم حبيبة، من طريق صفيّة بنت أبي عبيد عنها (٢)، ثمّ وجدت الحديث في مسند ابن أبي شيبة من طريق حميد بن نافع بلفظ: "جاء نعي لأخي أم حبيبة، أو حميم لها" (٣)، وكذا رواه الدارميّ عن هشام بن القاسم، عن شعبة، لكن بلفظ: "أنّ أخًا لأم حبيبة مات، أو حميمًا لها" (٤)، ورواه أحمد عن حجاج ومحمد بن جعفر، عن شعبة بلفظ: "أن حميمًا لها مات" (٥)، بغير تردد، وإطلاق الحميم على الأخ أقرب من إطلاقه على الأب، ولا مانع من تعدد القصة لزينب مع أم حبيبة عند وفات أخيها يزيد، ثم عند وفاة أبيها أبي سفيان أنتهى (٦). [١٣٠ أ/س] (دَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ): رملة بنت أبي سفيان، أخت معاوية /أم المؤمنين ﵂، ماتت بالمدينة سنة: أربع وأربعين، (بِصُفْرَةٍ) وفي رواية مالك: "بطيب فيه صفرة خلوق"، وزاد فيه "فدهنت منه

стр. 416

جارية، ثم مست بعارضيها" (١)، (فِى الْيَوْمِ الثَّالِثِ، فَمَسَحَتْ عَارِضَيْهَا): هما جانبا الوجه فوق الذقن إلى ما تحت الأذن، (وَذِرَاعَيْهَا وَقَالَتْ: إِنِّى كُنْتُ عَنْ هَذَا لَغَنِيَّةً) فيه إدخال لام الابتداء على خبر كان الواقعة خبرًا؛ لأنّ (لَوْلَا أَنِّى سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ) بضم أوله وكسر ثانيه، من الإحداد، (عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ) أي: ثلاث ليال، كما جاء مصرحًا به في رواية (٢)، (إِلَاّ عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ) وجوبًا للإجماع على إرادته، (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) هل المراد منه الأيام والليالي؟ فيه قولان للعلماء: أحدهما: وهو قول الجمهور: أنّ المراد الأيام بلياليها، والآخرون أنّ المراد الليالي، وأنّها تحلّ في اليوم العاشر، وهو قول: يحيى بن أبي كثير (٣)، والأوزاعي، والتقييد بذلك خرج على الغالب، وإلا فالحامل بالوضع سواء قصرت المدة أو طالت (٤). قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٨١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِى سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» قَالَ الشَّارِحُ ﵀:

стр. 417

(حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو: ابن أبي أويس أخت مالك، قال: (حَدَّثَنِى) بالإفراد، (مَالِكٌ) الإمام، (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ (١)) بفتح الحاء، وسكون الزاي، (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ) هو: ابن أفلح، (عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِى سَلَمَةَ [أنها] (٢) أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ ) أي: لما بلغها موت أبيها أبي سفيان، على ما مر، (فَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) هو من باب التهييج؛ لأنّ المؤمن هو الذي ينتفع بخطاب الشارع وينقاد له، فهذا الوصف لتأكيد التحريم، ومفهومه: أنّ خلافه مناف للإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾ [المائدة: ٢٣]، فإنّه يقتضي تأكيد أمر التوكل بربطه بالإيمان، وقوله: (تُحِدُّ) بحذف أنْ الناصبة ورفع الفعل مثل: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، (عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ) من الليالي (إِلَاّ عَلَى زَوْجٍ) أي: فإنّها تحد عليه، (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) فالظرف متعلق بمحذوف في المستثنى دل عليه الفعل المذكور في المستثنى منه، والاستثناء متصل، إن جعل بيانًا لقوله: " فوق ثلاث"، فيكون المعنى: لا يحل لامرأة تحد أربعة أشهر /وعشرًا على ميت، إلا على زوج، ومنقطع إن جعل معمولًا لـ"تحد"، مضمرًا، أي: لكن تحد على زوج أربعة أشهر وعشرًا كما قدرناه (٣). [١٣٠ أ/ص] قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٨٢ - ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حِينَ تُوُفِّىَ أَخُوهَا، فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ ثُمَّ قَالَتْ مَا لِى بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ «لَا

стр. 418

يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» (١) قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (ثُمَّ دَخَلْتُ) أي قالت زينب بنت أم سلمة: ثمّ دخلت أنا، وهو مصرّح به في الرواية التي في العدد (٢)، (عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ) وكذلك في رواية مسلم والنسائي "ثم دخلت" (٣)، كلمة "ثم"، وظاهره أنّ هذه القصة وقعت بعد قصة أم حبيبة، ولا يصح ذلك؛ لأنّ زينب ماتت قبل أبي سفيان بأكثر من عشر سنين، على الصحيح المشهور عند أهل العلم، بالأخبار، فيحتمل على أنّها لم ترد ترتيب الوقائع، وإنّما أرادت ترتيب الأخبار، وذلك كما يقال: بلغني ما صنعت اليوم، ثمّ ما صنعت أمس أعجب، أي: ثمّ أخبرك أنّ الذي صنعته أمس أعجب، وكذا رواية الفاء كما في رواية أبي داود والترمذي "فدخلت" (٤)، وقد وقع في رواية لأبي داود (٥)، بالواو (٦)، وذلك لا يقتضي الترتيب (٧).

стр. 419

(حِينَ تُوُفِّىَ أَخُوهَا) قال الشيخ زين الدين (١): فيه إشكال؛ لأن لزينب ثلاثة أخوة: عبد الله مكبرًا، وعبيد الله مصغرًا، وعبد، بغير إضافة، وهو: أبو أحمد مشهور بكنيته، وكان شاعرًا أعمى، ولا جائز أن يكون عبد الله مكبرًا؛ لأنّه استشهد بأحد، وكانت زينب إذ ذاك صغيرة جدًا لا تعقل ولا تضبط؛ لأنّ أباها ـ أبا سلمة ـ مات بعد بدر، وتزوج النبيّ ﷺ أمها ـ أم سلمة ـ وهي صغيرة ترضع، كما سيأتي في الرضاع: أنّ أمّها حلت من عدتها من أبي سلمة بوضع زينب هذه، فأنتفى أن يكون هو المراد هنا، وإن كان وقع في كثير [في الموطأ] (٢) بلفظ: "حين توفي أخوها عبد الله" (٣)، كما أخرجه الدارقطني من طريق ابن وهب، وغيره عن مالك. [٥٨ ب/س] ولا جائزًا أيضًا أن يكون عبيدالله مصغرًا؛ فإنّه أسلم قديمًا، وهاجر بزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان إلى الحبشة، ثم تنصّر هناك، ومات في سنة خمس أو ست، فتزوّج النبيّ ﷺ ، بعده أم حبيبة في سنة: ست أو سبع، إلا أن يقال: لا مانع أن يحزن المرء على قريبه الكافر، ولا سيما إذا تذكّر سوء مصيره، وذلك الحزن بالجبلة والطبع، فيعتذر فيه ولا يلام به، وقد بكى النبيّ ﷺ ، لما رأى قبر أمه توجعًا، ولعلّ الرّواية التي في "الموطأ" حين توفي أخوها عبد الله، كانت عبيد الله / بالتصغير، فلم يضبطها الكاتب. [١٣١ أ/س] وأما عبد، بغير إضافة: فقد جزم ابن إسحاق وغيره من أهل العلم، بالأخبار بأنّه مات بعد أخته زينب بسنة، وروى ابن سعد في ترجمتها في الطبقات من وجهين: أنّ أبا أحمد حضر جنازة زينب مع عمر ﵁ (٤)، فأنتفى أن يكون هو المراد ويحتمل /أن يكون أخًا لزينب بنت جحش من أمها أو من الرضاع، والله أعلم (٥).

стр. 420

(فَدَعَتْ) أي: زينب بنت جحش، (بِطِيبٍ فَمَسَّتْ) وفي رواية: به (١)، أي: شيئًا من جسدها، وسيأتي في العدد "فمست منه" (٢). (ثُمَّ قَالَتْ: مَا لِى بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ) يقول، كما في رواية (٣): (لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا). واستدل به بعض الحنفية على وجوب إحداد المرأة على الزوج. وقال الرافعي: في الاستدلال به نظر؛ لأنّ الاستثناء من النفي أثبات، وإنّما هو الحل على الزوج بعد الثلاث، فأين الوجوب (٤)؟ وأجيب: بأن ظاهر اللفظ وأن كان هكذا، ولكن حمل على الوجوب؛ لإجماع العلماء عليه. فإن قيل: الحسن البصري لا يرى وجوب الإحداد؟ فالجواب: أنّه لم يصح هذا عن الحسن (٥)، قاله ابن العربي (٦). فإن قيل: روى أحمد في مسنده من حديث أسماء بنت عميس، قالت: دخل علي رسول الله ﷺ ، اليوم الثالث من قتل جعفر، فقال: "لا تحدي بعد يومك هذا (٧) ".

стр. 421

فالجواب: أنّ هذا الحديث مخالف للأحاديث الصحيحة في الإحداد، فهو شاذ لا يعمل به للإجماع على خلافه، وما أجيب به من أن جعفر بن أبي طالب كان قتل شهيدًا، والشهداء أحياء عند ربهم؛ فلذلك نهى زوجته عن الإحداد عليه بعد الثلاث، فمنظور فيه؛ لأنّ الشهيد حي في حق الآخرة لا في حق الدنيا، إذ لو كان حيًا في حق الدنيا لما كان يجوز تزوج نسائه، ولا كان يقسم تركته. وفي الحديث دلالة لمذهب أبي حنيفة وأبي ثور: أنّه لا يجب الإحداد على الزوجة الذمية؛ لأنّه قيد ذلك بقوله: " تؤمن بالله"، ولا على الصبية؛ لأنّه لا تسمى امرأة إلا بعد البلوغ (١).

стр. 422

باب: بَابُ زِيَارَةِ القُبُور قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٨٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه - قَالَ مَرَّ النَّبِىُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ تَبْكِى عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ «اتَّقِى اللَّهَ وَاصْبِرِى». قَالَتْ إِلَيْكَ عَنِّى، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِى، وَلَمْ تَعْرِفْهُ. فَقِيلَ لَهَا إِنَّهُ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم. فَأَتَتْ بَابَ النَّبِىِّ ﷺ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ فَقَالَتْ لَمْ أَعْرِفْكَ. فَقَالَ «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى» (١) قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (باب) مشروعية (زِيَارَةِ القُبُورِ) وكأنّه لم يصرح بالحكم؛ لما فيه من الخلاف على ما يأتي بيانه -إن شاء الله تعالى-.ويحتمل أن يكون عدم التصريح؛ لاحتمال أن تكون المرأة المذكورة في الحديث تأخرت بعد الدفن عند القبر والزيارة، وإنّما تطلق على القصد إلى القبر للدعاء لصاحبه (٢). [١٣١ أ/ص] (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو: ابن أبي أياس، (قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي: ابن الحجاج، (قال: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ) البناني، (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (قَالَ: مَرَّ النَّبِىُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ) قال الحافظ العسقلاني: لم أقف على اسمها (٣). (تَبْكِى عِنْدَ قَبْرٍ) وزاد في رواية: يحيى بن أبي كثير، عند عبد الرزاق: "فسمع منها ما يكره من نوح وغيره" (٤)، ولم يعرف صاحب القبر أيضًا لكن في رواية /مسلم ما يشعر بأنّه

стр. 423

ولدها ولفظه: "أتى على امرأة تبكي على صبي لها" (١)، وفي رواية عبد الرزاق: "قد أصيبت بولدها" (٢). (فَقَالَ:) وفي رواية أبي نعيم في المستخرج: "فقال يا أمة الله" (اتَّقِى اللَّهَ وَاصْبِرِى) قال القرطبي: الظاهر أنّه كان في بكائها قدر زائد من نوح أو غيره؛ فلذلك أمرها بالتقوى، وهو الخوف من الله (٣)، ويؤيده إنّ في مرسل يحيى بن أبي كثير: "فسمع منها ما يكره فوقف عليها" (٤). وقال الطيبي: قوله: أتقي الله، توطئة لقوله: واصبري كأنّه قال لها خافي غضب الله إن لم تصبري، ولا تجزعي ليحصل لك الثواب (٥). (قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّى) قولها: " إليك"، من أسماء الأفعال أي: تنحَّ عني، وأبْعِدْ، (فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ) على صيغة المجهول، (بِمُصِيبَتِى) وسيأتي في الأحكام من وجه آخر عن شعيبة، بلفظ "فإنك خلو من مصيبتي" (٦)، والخِلْو، بكسر الخاء المعجمة، وسكون اللام، أي: خال، وفي رواية مسلم "ما تبالي بمصيبتي" (٧)، وفي رواية أبي يعلى من حديث أبي هريرة ﵁، أنها قالت: "يا عبد الله إنا الحراء والثكلى، ولو كنت مصابًا عذرتني" (٨). (وَلَمْ تَعْرِفْهُ) جملة حالية أي: قالت للنبي ﷺ ما قالت، والحال أنّها لم تعرف النبيّ ﷺ ، إذ لو عرفته لما خاطبته بهذا الخطاب.

стр. 424

(فَقِيلَ لَهَا) أي: للمرأة المذكورة: (إِنَّهُ النَّبِىُّ ﷺ ) فكان القائل لها واحد ممن كان هناك، وفي رواية الأحكام: "فمرّ بها رجل فقال لها: إنّه رسول الله" (١)، وفي رواية أبي يعلى: "قال: فهل تعرفينه؟ قالت: لا" (٢)، وللطبراني في "الأوسط" من طريق عطيّة، عن أنس ﵁، أنّ الذي سألها هو: الفضل بن العباس ﵄ (٣)، وزاد مسلم في رواية له: "فأخذها مثل الموت" (٤)، أي: من شدّة الكرب الذي أصابها لما عرفت أنّه رسول الله ﷺ ، خجلًا منه، ومهابة، وإنّما اشتبه عليها النبيّ ﷺ ؛ لأنّه من تواضعه لم يكن يستتبع الناس وراءه إذا مشى كعادة الملوك والكبراء مع ما كانت فيه من شاغل الوجد والبكاء. (فَأَتَتْ بَابَ النَّبِىِّ ﷺ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ) يمنعون الدخول عليه، وفي رواية الأحكام "بوابًا" (٥) بالإفراد. قال الطيبي: فائدة هذه الجملة أنه لما قيل لها أنه النبيّ ﷺ استشعرت خوفًا وهيبة في نفسها فتصورت أنّه مثل الملوك له حاجب أو بواب يمنع الناس من الوصول إليه، فوجدت الأمر بخلاف ما تصورته (٦). [١٣٢ أ/س] (فَقَالَتْ:) معتذرة /مما سبق منها حيث قالت: "إليك عني"، (لَمْ أَعْرِفْكَ) وفي حديث أبي هريرة ﵁ فقالت: "والله ما عرفتك"، أي فأعذرني من تلك الردة وخشونتها. (فَقَالَ) لها ﷺ : (إِنَّمَا الصَّبْرُ) أي الصبر الكامل، ليصح معنى الحصر (عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى) وفي رواية الأحكام "عند أول صدمة"، ولمسلم نحوه (٧).

стр. 425

[٥٨ ب/ص] وأصل الصدم ضرب الشيء الصلب على مثله، ثم استعير لكل أمر مكروه، ومصيبة واردة على القلب، فكأنه ﷺ ، قال: / دعي الاعتذار، فإنّ من شيمتي أن لا أغضب إلا لله، وأنظري إلى تفويتك من نفسك الجزيل الثواب بالجزع وعدم الصبر عند أول فجاءة المصيبة، فأغتفر لها ﷺ ، تلك الردة؛ لصدورها عنها في حال مصيبتها وعدم معرفتها به، وبين لها أنّ الصبر الذي يكون صبرًا على الحقيقة ويترتب عليه الثواب، هو الصبر الذي يكون عند الصدمة الأولى، وأما بعد ذلك فربما لا يكون صبرًا بل يكون سلوة، كما يقع لكثير من أهل المصائب، بخلاف أول وقوع المصيبة، فإنّه يصدم القلب بغتة فلا يكون السكون عند ذلك، والرضى بالمقدور صبرًا على الحقيقة (١). وقال الخطابي: المعني: أن الصبر الذي يحمد عليه صاحبه ما كان عند مفاجأة المصيبة، بخلاف ما بعد ذلك فإنه على طول الأيام يسلو (٢)، وقيل: إنّ المراد لا يؤجر على المصيبة؛ لأنّها ليست من صنعه (٣)، وإنّما يؤجر على حسن نيته وجميل صبره. وقال ابن بطال: أراد أن لا يجتمع عليها مصيبة الهلاك وفقد الأجر (٤). وقد أخرج هذا الحديث المصنف في الأحكام أيضًا، وأخرجه مسلم في الجنائز، وكذا أبو داود والترمذي (٥). ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنّه ﷺ ، لم ينه المرأة المذكورة عن زيارتها قبر ميتها، وإنما أمرها بالصبر والتقوى، لما رأى من جزعها، ولم ينكر عليها الخروج من بيتها، وهو أعم من أن يكون خروجها لتشييع ميتها فتأخرت بعد الدفن، فقامت عند القبر أو أنشأت قصد زيارته بالخروج، فدل

стр. 426

ذلك على (١) جواز زيارة القبور مطلقًا، سواء كان الزائر رجلًا أو امرأة، وسواء كان المزور مسلمًا أو كافرًا؛ لعدم الفصل في ذلك (٢). [١٣٢ أ/ص] وقال النووي: وبالجواز قطع الجمهور (٣)، وقال الماوردي - صاحب الحاوي-: لا يجوز زيارة قبر الكافر، مستدلًا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] (٤)، وهذا غلط، وفي الاستدلال بالآية نظر لا يخفى، قاله الحافظ /العسقلاني (٥). واعلم أنّهم اختلفوا في زيارة القبور، فقال الحازمي: أهل العلم قاطبة على الإذن في ذلك للرجال (٦). وقال ابن عبد البر: الإباحة في زيارة القبور إباحة عموم كما كان النهي عن زيارتها نهي عموم، ثم ورد النسخ في الإباحة على العموم، فجائز للرجال والنساء زيارة القبور (٧)، وروى في الإباحة أحاديث كثيرة. منها: حديث بريدة، أخرجه مسلم قال: قال رسول الله ﷺ : " نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" (٨)، ورواه الترمذي أيضًا، ولفظه: "قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه، فزوروها فإنها تذكر الآخرة" (٩).

стр. 427

ومنها: حديث ابن مسعود ﵁، أخرجه ابن ماجه عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروا القبور؛ فإنّها تزهد في الدنيا، وتذكر الآخرة" (١). ومنها: حديث أنس ﵁ أخرجه ابن أبي شيبة عنه قال: "نهى رسول الله ﷺ ، عن زيارة القبور، ثم قال: زوروها، ولا تقولوا: هجرًا" (٢)، يعني سوءًا. ومنها: حديث أبي هريرة ﵁، أخرجه أبو داود عنه قال: "زار النبيّ ﷺ ، قبر أمه فبكى، وأبكى من حوله، فقال: " استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزورها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت" (٣)، ورواه مسلم أيضًا مختصرًا. ومنها: حديث عائشة ﵂، أخرجه ابن ماجه عنها: "أن رسول الله ﷺ رخص في زيارة القبور" (٤). ومنها: حديث حبّان الأنصاري ﵁، أخرجه الطبراني في الكبير قال: "خطب رسول الله ﷺ ، يوم خيبر"، الحديث وفيه: "وأحل لهم ثلاثة أشياء كان نهاهم عنها: أحل لهم لحوم الأضاحي، وزيارة القبور" (٥).

стр. 428

وعند ابن عبد البر، بسند صحيح: "ما من أحد يمر بقبر أخيه، المؤمن كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه، إلا عرفه ورد ﵇" (١). ولما أخرج الترمذي حديث بريدة ﵁ قال: والعمل على هذا عند أهل العلم لا يرون بزيارة القبور بأسًا، وهو قول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق (٢). [١٣٣ أ/س] ولما روى حديث أبي هريرة ﵁: "أنّ رسول الله ﷺ لعن زوّارات القبور"، قال: هذا حديث حسن صحيح، /ثم قال: وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبيّ ﷺ ، في زيارة القبور، فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء، وقيل: إنّما يكره زيارة القبور للنساء؛ لقلة صبرهن وكثرة جزعهن (٣). وروى أبو داود، عن ابن عباس ﵄ قال: " لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" (٤)، وأحتجّ بهذا الحديث قوم فقالوا: إنّما الإباحة في زيارة القبور للرجال دون النساء. وقال ابن عبد البر: يمكن أن يكون هذا قبل الإباحة، قال: وتوقي ذلك للنساء المتجمِّلات أحب إلي، وأمّا الشواب فلا تؤمن الفتنة عليهن، وبهنّ حيث خرجن ولا شيء للمرأة أحسن من

стр. 429

لزوم قعر بيتها، ولقد كره أكثر العلماء خروجهن إلى الصلوات، فكيف إلى المقابر وما أظن سقوط فرض الجمعة عليهن إلا دليلًا على إمساكهن عن الخروج فيما عداها، قال: وأحتجّ من أباح زيارة القبور للنساء بحديث عائشة ﵂، رواه في التمهيد من رواية بسطام بن مسلم عن، أبي التيّاح، عن عبد الله بن أبي مليكة: أن عائشة ل، أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين: من أين أقبلت (١)؟ قالت: نعم كان ينهى عن زيارتها ثم أمر بزيارتها (٢). [٥٩ ب/س] وفرّق قوم بين قواعد النساء وبين شبابهن، وبين أن ينفردن بالزيارة أو يخالطن الرجال /، فقال القرطبي: أمّا الشواب فحرام عليهن الخروج، وأمّا القواعد، فمباح لهن ذلك، قال: وجائز ذلك لجميعهن إذا انفردن بالخروج عن الرجال، قال: ولا يختلف في ذلك إن شاء الله تعالى، وقال القرطبي أيضًا: حمل بعضهم حديث الترمذي في المنع على من يكثر الزيارة؛ لأنّ زوارات للمبالغة، ويمكن أنْ يكون أنّ النساء إنّما يمنعن من إكثار الزيارة لما يؤدي إليه الإكثار من تضييع حقوق الزوج والتبرج والشهرة والشبه بمن يلازم القبور؛ لتعظيمها، ولما يخاف عليها من الصراخ والنوح والبكاء على ما جرت به عادتهن، وعلى هذا يفرق بين الزائرات والزوارات (٣). [١٣٣ أ/ص] وفي "التوضيح": وحديث بريدة صريح في نسخ زيارة القبور، والظاهر أن الشعبي والنخعي لم يبلغهما أحاديث الإباحة، وكان الشارع ﷺ /يأتي قبور الشهداء عند رأس الحول فيقول: " السلام

стр. 430

عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار" (١)، وكان أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ يفعلون ذلك، ذكره ابن أبي الدنيا (٢). وذكر ابن أبي شيبة، عن علي وابن مسعود وأنس ﵃ إجازة بالزيارة (٣)، وكانت فاطمة ﵂ تزور قبر حمزة ﵁، كل جمعة، وكانت عائشة ﵂ يزور قبر أخيها عبدالرحمن ﵁، وقبره بمكة ذكره عبد الرزاق (٤). وقال ابن حبيب: لا بأس بزيارة القبور والجلوس إليها، والسلام عليها عند المرور بها، وقد فعل ذلك رسول الله ﷺ (٥)، وسئل مالك عن زيارة القبور، فقال: قد كان نهي عنه، ثمّ أذن فيه، فلو فعل ذلك إنسان ولم يقل إلا خيرًا، لم أر بذلك بأسًا (٦). وفي "التوضيح": والأمّة مجمعة على زيارة قبر نبينا ﷺ ، وأبي بكر وعمر ﵄،، وكان ابن عمر ﵄ إذا قدم من سفر أتى قبره المكرم، فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه" (٧).

стр. 431

ومعنى النهي عن زيارة القبور: إنّما كان في أول الإسلام عند قربهم بعبادة الأوثان واتخاذ القبور مساجد، فلمّا استحكم الإسلام وقوى في قلوب الناس وأمنت عبادة القبور والصلاة إليها، نسخ النهي عن زيارتها؛ لأنّها تذكر الآخرة وتزهد في الدنيا. وعن طاوس: كانوا يستحبون أن لا يتفرقوا عن الميت سبعة أيام، لأنّهم يفتنون ويحاسبون في قبورهم سبعة أيام (١). والحاصل: أنّ زيارة القبور مندوبة للرجال مكروهة للنساء، بل حرام في هذا الزمان، ولا سيّما نساء مصر؛ لما في خروجهن من الفساد والفتنة كذا قال العيني (٢). وأقول: وأفسد منهن نساء بلدتنا القسطنطينية نعوذ بالله من مكرهن وكيدهن فإن كيدهن عظيم. وفي الحديث غير ما ذكر من الفوائد ما كان عليه ﷺ ، من التواضع والرفق بالجاهل، وترك مؤاخذة المصاب، وقبول اعتذاره. وفيه: أنّ الحاكم لا ينبغي له أن يتخذ من يحجبه عن حوائج الناس. [١٣٤ أ/س] وفيه: ملازمة الأمر بالمعروف /والنهي عن المنكر، وأنّ من أمر بمعروف ينبغي له أن يقبل، وإن لم يعرف الآمر. وفيه: أن الجزع من المنهيات؛ لأمره ﷺ ، لها بالتقوى مقرونًا بالصبر. وفيه: الترغيب في احتمال الأذى عند بذل النصيحة ونشر الموعظة. وفيه: أنّ المواجهة بالخطاب إذا لم تصادف المَنْويَّ لا أثر لها، وبَنى عليه بعضهم ما إذا قال: يا هند أنت طالق فصادف عمرة، أنّ عمْرَة لا تطلق (٣). تنبيه:

стр. 432

قال الزين ابن المنَيِّر: قدم المصنف ترجمة زيارة القبور على غيرها من أحكام تشييع الجنازة وما بعد ذلك، مما يتقدم الزيارة؛ لأن الزيارة يتكرر وقوعها فجعلها أصلًا ومفتاحًا لتلك الأحكام وأشار أيضًا إلى أنّ مناسبة ترجمة زيارة القبور بباب اتباع النساء الجنائز أشد من غيرها (١)، والله أعلم.

стр. 433

باب: قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ «يُعَذَّبُ الْمَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» إِذَا كَانَ النَّوْحُ مِنْ سُنَّتِهِ قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: باب قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ «يُعَذَّبُ الْمَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» إِذَا كَانَ النَّوْحُ مِنْ سُنَّتِهِ. لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا). وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ سُنَّتِهِ، فَهُوَ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ - رضى الله عنها - (لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى). وَهُوَ كَقَوْلِهِ (وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ) ذُنُوبًا (إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ) وَمَا يُرَخَّصُ مِنَ الْبُكَاءِ في غَيْرِ نَوْحٍ. وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا». وَذَلِكَ لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (باب قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ «يُعَذَّبُ الْمَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ) المتضمن للنوح المنهي عنه، (عَلَيْهِ) وليس المراد مع العين؛ لجوازه، وإنّما المراد البكاء الذي يتبعه النوب والنوح، كما أشرنا إليه آنفًا، فإنّ ذلك إذا أجتمع سمي بكاءً. قال الخليل: مَن قصر البكاء، ذهب به إلى معنى الحزن، ومَن مده ذهب به إلى معنى الصراخ (١)، كذا قال القسطلاني (٢). وفيه: أنّه على تقدير ثبوته لا يظهر وجه التقييد بالبعضية، وقال الحافظ العسقلاني: هذا يعني التقييد بالبعضية تقييد من المصنف، وحملٌ منه؛ لرواية ابن عباس ﵄ المقيدة بالبعضية على رواية ابن عمر ﵄، المطلقة، كما ساقه في الباب عنهما (٣).

стр. 434

وتعقبه العيني: بأنّه ليس تقييدًا من المصنف، بل هما حديثان، أحدهما مطلق والآخر مقيّد، فترجم بلفظ الحديث المقيد تنبيها على أنّ الحديث المطلق محمول على المقيد؛ لأنّ الدلائل دلت على تخصيص العذاب ببعض البكاء لا بكله؛ لأن البكاء بغير نوح مباح، كما سيأتي بيانه، إن شاء الله تعالى (١). (إِذَا كَانَ النَّوْحُ) والمراد به ما كان من البكاء بصياح وعويل، وما يلتحق بذلك من لطم خد أو شق جيب وغير ذلك من المنهيات، (مِنْ سُنَّتِهِ) هذا ليس من الحديث المرفوع، بل هو من كلام المؤلف قاله استنباطًا وتفقهًا، وبقيّة السياق يرشد إلى ذلك، وهذا الذي جزم به هو أحد الأقوال في تأويل الحديث الآتي (٢). واختلف في ضبط قوله: "من سنته"، فللأكثر في الموضعين: بضم المهملة وتشديد النون وبالتاء المثناة الفوقيّة، أي: من عادته وطريقته (٣). وقال ابن قرقول: أي: مما سنه واعتاده، إذ كان من العرب من يأمر بذلك أهله، وضبطه بعضهم بفتح المهملة بعدها موحدتان، أي: من أجله. [١٣٤ أ/ص] /قال: صاحب "المطالع" (٤): حكى عن أبي الفضل محمد بن ناصر: أنّ الأول تصحيف، والصواب هو الثاني، قال: وأيّ سنّة للميت (٥). [٥٩ ب/ص] وقال الزين ابن المنير: بل الأوّل أولى؛ لإشعاره / بالعناية بذلك، إذ لا يقال: من سنّته إلا عند غلبة ذلك عليه واشتهاره به (٦).

стр. 435

وقال الحافظ العسقلاني: وكأن البخاري ألهم هذا الخلاف فأشار إلى ترجيح الأول، حيث استشهد بالحديث الذي فيه؛ لأنّه أوّل من سنّ القتل، فإنّه يثبت ما استبعده ابن ناصر بقوله: وأيّ سّنة للميت (١). وقال الزركشي: هذا منه، أي: من المؤلف، حمل النهي عن ذلك على أنّه يوصي بذلك فيعذب بفعل نفسه (٢). وتعقّبه صاحب مصابيح الجامع: بأنّ الظاهر أنّ البخاري لا يعني الوصية، وإنّما يعني: العادة، يدل عليه قوله: من سنته، إذْ السنّة الطريقة والسيرة يعني: إذا كان الميت قد عود أهله أن يبكوا على من يفقدونه في حياته، وينوحوا عليه بما لا يجوز، وأقرّهم على ذلك، وأن لم يوص، فإنْ وصّى فهو أشد (٣). (لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا (قُوا أَنْفُسَكُمْ) بترك المعاصي وفعل الطاعات، (وَأَهْلِيكُمْ) بأن تأخذوهم بما تأخذون به أنفسكم، وتنصحوهم وتؤدبوهم، وفي الحديث: "رحم الله رجلًا قال يا أهلاه: صلاتكم صيامكم زكاتكم مسكينكم يتيمكم جيرانكم، لعلّ الله يجمعهم معه في الجنة" (٤)، وقيل: إن أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة من جهل أهله (٥).

стр. 436

(نَارًا) وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦]، أي: نوعًا من النار لا تتقد إلا بالناس والحجارة، كما يتقد غيرها بالحطب، وعن ابن عباس ﵄، يعني: حجارة الكبريت، وهي أشدّ الأشياء حرًا إذا أوقد عليها (١). ووجه الاستدلال بالآية: أنّ هذا الأمر عام في جهات الوقاية ومن جملتها أن لا يكون الأصل مولعًا بأمر منكر كالنوح مثلًا، فإذا كان مولعًا به فأهله يقتدون به، فهو صار سببًا لفعل أهله ذلك المنكر، فما وقى أهله من النار، فخالف الأمر فيعذب بذلك، وكذا إذا عرف أنّ لأهله عادة بفعل منكر من نوح أو غيره، وأهمل نهيهم عنه فيكون لم يَقِ نفسه ولا أهله (٢). [١٣٥ أ/س] (وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ :) مما تقدّم موصولًا في حديث لابن عمر ﵄، في الجمعة (٣)، (كُلُّكُمْ رَاعٍ) وهو: الحافظ المؤتمن الملتزم لصلاح ما قام عليه وما هو تحت نظره، فكلّ من /كان تحت نظره شيء فهو مطلوب بالعدل فيه، والقيام بمصالحه في دينه ودنياه، فإن وفّى ما عليه من الرعاية حصل له الحظ الأوفر والجزاء الأكبر، وإنْ كان غير ذلك طالبه كل أحد من رعيته بحقه. (وَمَسْئُولٌ) في الآخرة (عَنْ رَعِيَّتِهِ) هل وفى حقوقهم أو لا، ووجه الاستدلال به: أنّ الرجل إذا كان راعيًا لأهله وجاء منه منكر يتبعه أهله على ذلك، أو رآهم يفعلون منكرًا ولم ينههم عن ذلك، فإنّه يسأل عنه يوم القيامة؛ لأنّ ذلك كان من سنته. فإن قيل: كيف استدلّ البخاري بهذه الآية، والحديث على ما ذهب إليه من حمل حديث الباب عليه من تعذيب الميت ببعض بكاء أهله، إذا كان من سنته، فإن الآية والحديث يقتضيان العموم؟
следующие страницы →