← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 540

نجاح القاري شرح صحيح البخاري - كتاب الجنائز

يوسف أفندي زاده الأماسي

Полный текст (921 стр.). Показаны 432–471 · переход к 437.

стр. 432

قال الزين ابن المنَيِّر: قدم المصنف ترجمة زيارة القبور على غيرها من أحكام تشييع الجنازة وما بعد ذلك، مما يتقدم الزيارة؛ لأن الزيارة يتكرر وقوعها فجعلها أصلًا ومفتاحًا لتلك الأحكام وأشار أيضًا إلى أنّ مناسبة ترجمة زيارة القبور بباب اتباع النساء الجنائز أشد من غيرها (١)، والله أعلم.

стр. 433

باب: قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ «يُعَذَّبُ الْمَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» إِذَا كَانَ النَّوْحُ مِنْ سُنَّتِهِ قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: باب قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ «يُعَذَّبُ الْمَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» إِذَا كَانَ النَّوْحُ مِنْ سُنَّتِهِ. لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا). وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ سُنَّتِهِ، فَهُوَ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ - رضى الله عنها - (لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى). وَهُوَ كَقَوْلِهِ (وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ) ذُنُوبًا (إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ) وَمَا يُرَخَّصُ مِنَ الْبُكَاءِ في غَيْرِ نَوْحٍ. وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا». وَذَلِكَ لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (باب قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ «يُعَذَّبُ الْمَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ) المتضمن للنوح المنهي عنه، (عَلَيْهِ) وليس المراد مع العين؛ لجوازه، وإنّما المراد البكاء الذي يتبعه النوب والنوح، كما أشرنا إليه آنفًا، فإنّ ذلك إذا أجتمع سمي بكاءً. قال الخليل: مَن قصر البكاء، ذهب به إلى معنى الحزن، ومَن مده ذهب به إلى معنى الصراخ (١)، كذا قال القسطلاني (٢). وفيه: أنّه على تقدير ثبوته لا يظهر وجه التقييد بالبعضية، وقال الحافظ العسقلاني: هذا يعني التقييد بالبعضية تقييد من المصنف، وحملٌ منه؛ لرواية ابن عباس ﵄ المقيدة بالبعضية على رواية ابن عمر ﵄، المطلقة، كما ساقه في الباب عنهما (٣).

стр. 434

وتعقبه العيني: بأنّه ليس تقييدًا من المصنف، بل هما حديثان، أحدهما مطلق والآخر مقيّد، فترجم بلفظ الحديث المقيد تنبيها على أنّ الحديث المطلق محمول على المقيد؛ لأنّ الدلائل دلت على تخصيص العذاب ببعض البكاء لا بكله؛ لأن البكاء بغير نوح مباح، كما سيأتي بيانه، إن شاء الله تعالى (١). (إِذَا كَانَ النَّوْحُ) والمراد به ما كان من البكاء بصياح وعويل، وما يلتحق بذلك من لطم خد أو شق جيب وغير ذلك من المنهيات، (مِنْ سُنَّتِهِ) هذا ليس من الحديث المرفوع، بل هو من كلام المؤلف قاله استنباطًا وتفقهًا، وبقيّة السياق يرشد إلى ذلك، وهذا الذي جزم به هو أحد الأقوال في تأويل الحديث الآتي (٢). واختلف في ضبط قوله: "من سنته"، فللأكثر في الموضعين: بضم المهملة وتشديد النون وبالتاء المثناة الفوقيّة، أي: من عادته وطريقته (٣). وقال ابن قرقول: أي: مما سنه واعتاده، إذ كان من العرب من يأمر بذلك أهله، وضبطه بعضهم بفتح المهملة بعدها موحدتان، أي: من أجله. [١٣٤ أ/ص] /قال: صاحب "المطالع" (٤): حكى عن أبي الفضل محمد بن ناصر: أنّ الأول تصحيف، والصواب هو الثاني، قال: وأيّ سنّة للميت (٥). [٥٩ ب/ص] وقال الزين ابن المنير: بل الأوّل أولى؛ لإشعاره / بالعناية بذلك، إذ لا يقال: من سنّته إلا عند غلبة ذلك عليه واشتهاره به (٦).

стр. 435

وقال الحافظ العسقلاني: وكأن البخاري ألهم هذا الخلاف فأشار إلى ترجيح الأول، حيث استشهد بالحديث الذي فيه؛ لأنّه أوّل من سنّ القتل، فإنّه يثبت ما استبعده ابن ناصر بقوله: وأيّ سّنة للميت (١). وقال الزركشي: هذا منه، أي: من المؤلف، حمل النهي عن ذلك على أنّه يوصي بذلك فيعذب بفعل نفسه (٢). وتعقّبه صاحب مصابيح الجامع: بأنّ الظاهر أنّ البخاري لا يعني الوصية، وإنّما يعني: العادة، يدل عليه قوله: من سنته، إذْ السنّة الطريقة والسيرة يعني: إذا كان الميت قد عود أهله أن يبكوا على من يفقدونه في حياته، وينوحوا عليه بما لا يجوز، وأقرّهم على ذلك، وأن لم يوص، فإنْ وصّى فهو أشد (٣). (لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا (قُوا أَنْفُسَكُمْ) بترك المعاصي وفعل الطاعات، (وَأَهْلِيكُمْ) بأن تأخذوهم بما تأخذون به أنفسكم، وتنصحوهم وتؤدبوهم، وفي الحديث: "رحم الله رجلًا قال يا أهلاه: صلاتكم صيامكم زكاتكم مسكينكم يتيمكم جيرانكم، لعلّ الله يجمعهم معه في الجنة" (٤)، وقيل: إن أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة من جهل أهله (٥).

стр. 436

(نَارًا) وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦]، أي: نوعًا من النار لا تتقد إلا بالناس والحجارة، كما يتقد غيرها بالحطب، وعن ابن عباس ﵄، يعني: حجارة الكبريت، وهي أشدّ الأشياء حرًا إذا أوقد عليها (١). ووجه الاستدلال بالآية: أنّ هذا الأمر عام في جهات الوقاية ومن جملتها أن لا يكون الأصل مولعًا بأمر منكر كالنوح مثلًا، فإذا كان مولعًا به فأهله يقتدون به، فهو صار سببًا لفعل أهله ذلك المنكر، فما وقى أهله من النار، فخالف الأمر فيعذب بذلك، وكذا إذا عرف أنّ لأهله عادة بفعل منكر من نوح أو غيره، وأهمل نهيهم عنه فيكون لم يَقِ نفسه ولا أهله (٢). [١٣٥ أ/س] (وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ :) مما تقدّم موصولًا في حديث لابن عمر ﵄، في الجمعة (٣)، (كُلُّكُمْ رَاعٍ) وهو: الحافظ المؤتمن الملتزم لصلاح ما قام عليه وما هو تحت نظره، فكلّ من /كان تحت نظره شيء فهو مطلوب بالعدل فيه، والقيام بمصالحه في دينه ودنياه، فإن وفّى ما عليه من الرعاية حصل له الحظ الأوفر والجزاء الأكبر، وإنْ كان غير ذلك طالبه كل أحد من رعيته بحقه. (وَمَسْئُولٌ) في الآخرة (عَنْ رَعِيَّتِهِ) هل وفى حقوقهم أو لا، ووجه الاستدلال به: أنّ الرجل إذا كان راعيًا لأهله وجاء منه منكر يتبعه أهله على ذلك، أو رآهم يفعلون منكرًا ولم ينههم عن ذلك، فإنّه يسأل عنه يوم القيامة؛ لأنّ ذلك كان من سنته. فإن قيل: كيف استدلّ البخاري بهذه الآية، والحديث على ما ذهب إليه من حمل حديث الباب عليه من تعذيب الميت ببعض بكاء أهله، إذا كان من سنته، فإن الآية والحديث يقتضيان العموم؟

стр. 437

فالجواب: أنّه لا مانع في سلوك طريق الجمع من تخصيص بعض العمومات، وتقييد بعض المطلقات، فالآية والحديث وإن كانا دالّين على تعذيب كل ميت بكل بكاء، لكن دلّت أدلة أخرى على تخصيص ذلك ببعض الميّت وبعض البكاء، ويتقيّد ذلك بمن كانت تلك سنته، أو أهمل النهي عن ذلك، وأما من لم يكن له علم بما يفعله أهله من المنكر أو أدّى ما عليه، بأن نهاهم فلم ينتهوا، فهذا لا مؤاخذة عليه بفعل غيره، ولهذا قال عبد الله بن المبارك: إذا كان ينهاهم في حياته ففعلوا شيئًا من ذلك بعد وفاته لم يكن عليه شيء (١). ومن ثمة قال المؤلف: (فَإِذَا لَمْ يَكُنْ) النوح (مِنْ سُنَّتِهِ) أي: كمن لا شعور عنده بأنهم يفعلون شيئًا من ذلك، أو نهاهم عنه فلم ينتهوا (فَهُوَ) أي: فلا مؤاخذة عليه، بل هو (كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂) مستدلّة لما أنكرت على عمر ﵁ حديثه المرفوع الآتي، إن شاء الله تعالى قريبًا، بقوله تعالى: (﴿وَلَا تَزِرُ﴾) أي: لا تحمل، (﴿وَازِرَةٌ﴾) نفس حاملة ذنبًا (﴿وِزْرَ﴾) ذنب نفس (﴿أُخْرَى﴾)، [فاطر: ١٨]. وحاصله: أنّ كلّ نفس يوم القيامة لا تحمل إلا وزرها الذي اقترفته، لا تؤخذ نفس بذنب نفس كما تأخذ جبابرة الدنيا الولي بالولي، والجار بالجار، وهذا حمل من المؤلف؛ لإنكار عائشة ﵂، على إنكار عموم التعذيب لكل ميت يبكي عليه. [١٣٥ أ/ص] (وَهُوَ) أي: ما استدلت به عائشة ﵂، من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]، (كقوله) تعالى: (﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ ذُنُوبًا)، وليس قوله: " ذنوبًا"، من التلاوة، وإنّما هو في تفسير مجاهد (٢)، فنقله المؤلف، والمعني: /وإن تدع نفس اثقلتها أوزارها أحدًا من الآحاد، (﴿إِلَى حِمْلِهَا﴾) أي: إلى أن يحمل بعض ما عليها من الأوزار والآثام، (﴿لَا يُحْمَلْ﴾) بالجزم على جواب

стр. 438

"أن"، ﴿مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر: ١٨]، ولو كان أي: المدعو المفهوم من قوله: " وإن تدع مثقلة"، وإنما ترك ذكره؛ ليعمّ كلّ مدعو، واستقام إضمار العام مع أنّه لا يصح أن يكون العام ذا قربى للمثقلة؛ لأنّه من العموم الكائن على البدل لا على الشمول. "ذا قربى"، أي: ذا قرابتها من أب أو أم أو ولد أو أخ، وهذا يدلّ على ألا غياث يومئذ لمن استغاث من الكفار، حتى إن نفسًا قد أثقلتها الأوزار لو دعت إلى أن يخفف بعض وقرها لم تجب ولم تغث، وموقع التشبيه بين الآيتين أنّ الأولى دلت على أنّ النفس المذنبة لا يؤاخذ غيرها بذنبها، فكذلك الثانية دلت على أن النفس المذنبة لا يحمل عنها غيرها شيئًا من ذنوبها ولو طلبت ذلك ودعت إليه. وأمّا قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، ففي الضالين المضلين، وإنّهم يحملون أثقال أضلال الناس مع أثقال ضلالهم، وذلك كله أوزارهم ما فيها شيء من وزر غيرهم، ألا ترى كيف كذّبهم الله تعالى في قولهم: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ بقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [العنكبوت: ١٢]. [٦٠ ب/س] ثم قوله وهو كقوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ إلى آخره، إنّما وقع في رواية / أبي ذر وحده، كما قاله الحافظ العسقلاني (١). (وَمَا يُرَخَّصُ مِنَ الْبُكَاءِ) في المصيبة (فِى غَيْرِ نَوْحٍ) هذا عطف على أول الترجمة، وقال الكرماني: أو هو عطف على "كما قالت"، أي: فهو كما يرخص في عدم العذاب (٢)، وكلمة "ما" يجوز أن يكون موصولة، وأن تكون مصدرية. وترخيص البكاء في غير نوح جاء في حديث أخرجه الطبراني في "الكبير" بإسناده إلى عامر بن سعد قال: دخلت عرشًا، وفيه: قرظة بن كعب، وأبو مسعود الأنصاري، فذكر حديثًا لهما وفيه

стр. 439

قالا: " إنّه قد" رخص لنا البكاء عند المصيبة من غير نوح" (١)، وصحّحه الحاكم، ولكن ليس إسناده على شرط البخاري؛ فلذلك لم يذكره واكتفى بالإشارة إليه، واستغنى عنه بأحاديث الباب الدالة على مقتضاه. [١٣٦ أ/س] وقَرَظَة، بفتح القاف والراء والظاء: المشالة أنصاري خزرجي، كان أحد من وجهه عمر ﵁، إلى الكوفة ليتفقه الناس، وكان على يده فتح الري، /واستحلفه علي ﵁، على الكوفة، وقال ابن سعد وغيره: مات في خلافة علي ﵁ (٢). (وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ) على صيغة المجهول، (ظُلْمًا) نصب على التمييز، أي: من حيث الظلم، (إِلَاّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ) المراد به (٣) قابيل: الذي قتل أخاه شقيقه هابيل ظلمًا وحسدًا، وروى أنّه أوحى الله تعالى إلى آدم ﵊: أن يزوج كل واحد منهما توأمة الآخر، وكانت توأمة قابيل أجمل واسمها أقليما، فحسد عليها أخاه وسخط، فقال لهما آدم: قربا قربانًا، فمِن أيّكما قبل تزوجها، فقبل قربان هابيل بأنّ نزلت نار فأكلته، فازداد قابيل حسدًا وسخطًا، وتوعده بالقتل، حتى قتله، فهو أوّل قتيل قتل على وجه الأرض من بني آدم، ولما قتله تركه بالعراء لا يدري ما يصنع، فخاف عليه السباع فحمله في جراء على ظهره سنة حتى أروح وانتن، وعكفت عليه السباع، فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر، فحفر له بمنقاره ورجليه، ثمّ ألقاه في الحفرة، فقال: يا ويلتى أعجزت أن أفعل مثل ذلك، وروى أنّه لما قتله أسودّ جسده، وكان أبيض فسأله آدم ﵇، عن أخيه، فقال: ما كنت عليه وكيلًا، فقال: بل قتلته، ولذلك أسود

стр. 440

جسدك، وروى أنّ آدم ﵇، مكث بعد قتله مائة سنة، لا يضحك، وقيل: قتل، وهو ابن عشرين سنة، وكان قتله عند عقبة حراء، وقيل: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم (١). (كِفْلٌ) بكسر الكاف، أي: نصيب وحظ، وقال الخليل: الضعف (٢)، (دَمِهَا وَذَلِكَ) أي:: كون الكفل على ابن آدم الأول (بأنّه (٣)) أي: بسبب أنّ ابن آدم الأول (أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ) أي: قتل النفس ظلمًا وحسدًا. وهذا الحديث طرف من حديث ابن مسعود ﵁ وصله المصنف (٤) في الديات (٥) وغيرها، وهو من قواعد الإسلام موافق لحديث "من سنّ في الإسلام سنّة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء"، أخرجه مسلم عن جرير ﵁ (٦). [١٣٦ أ/ص] ثمّ وجه الاستدلال بهذا الحديث: أنّ القاتل المذكور يشارك من صنع صنيعه؛ لكونه فتح له الباب، ونهج /له الطريق، فكذلك من كانت طريقته النوح على الميت يكون قد فتح لأهله هذا الطريق، فيؤاخذ على فعله الأول. وحاصل ما أراد البخاري في هذه الترجمة: أنّ الشخص لا يعذب بفعل غيره، إلا إذا كان له فيه تسبب، فمن قال بجواز تعذيب شخص بفعل غيره فمراده هنا، ومن نفاه فمراده ما إذا لم يكن له فيه تسبب أصلًا.

стр. 441

وفيه: الردّ على القائل بأنّ الإنسان لا يعذب إلا بذنب يباشره بقوله أو فعله، ولا يعذب بما كان له فيه تسبب (١) والله أعلم. قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ وَمُحَمَّدٌ قَالَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِى عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ - رضى الله عنهما - قَالَ أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِىِّ ﷺ إِلَيْهِ إِنَّ ابْنًا لِى قُبِضَ فَائْتِنَا. فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلَامَ وَيَقُولُ «إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ». فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّبِىُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ - قَالَ حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ - كَأَنَّهَا شَنٌّ. فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ. فَقَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا فَقَالَ «هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ في قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ (٢)) بفتح العين وسكون الموحدة عبد الله بن عثمان أبو عبد الرحمن. (وَمُحَمَّدٌ) هو: ابن مقاتل، (قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو: ابن مبارك، (قال: أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ (٣)) الأحول، (عَنْ أَبِى عُثْمَانَ (٤)): عبدالرحمن بن مَلّ، بفتح الميم وتشديد اللام

стр. 442

النهدي، وقد مر في الصلاة كفارة، وفي رواية شعبة في أواخر "الطب"، عن عاصم: سمعت أبا عثمان" (١) (قَالَ حَدَّثَنِى) بالإفراد، (أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ): بن حارثة (٢) حبّ رسول الله ﷺ ، ومولاه وأمه أم أيمن، واسمها بركة، حاضنة النبي ﷺ ، ومولاته وورثها من أبيه، وأعتقها حين تزوج خديجة، وزوجها لزيد مولاه، فولدت له أسامة (٣)، وقد مر في إسباغ الوضوء. (قَالَ: أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِىِّ ﷺ ) هي: زينب، كما وقع في رواية: أبي معاوية، عن عاصم المذكور في مصنف ابن أبي شيبة (٤) وكذا ذكره ابن بشكوال (٥)، (إِلَيْهِ) ﷺ ، (إِنَّ ابْنًا لِى قُبِضَ) على صيغة المجهول أي: قرب من أن يقبض، فهو مجاز باعتبار أنّه في حال القبض، ويدل عليه أن في رواية حماد "أرسلت تدعوه إلى ابنها في الموت". قيل: إن الابن المذكور هو: علي بن أبي العاص بن الربيع كذا كتب الدمياطي بخطه في الحاشية. ونظر فيه الحافظ العسقلاني: بأنّه لم يقع مسمى في شيء من طرق هذا الحديث، وأيضًا فقد ذكر الزبير بن بكار (٦)، وغيره من أهل العلم بالأخبار: أن عليًا المذكور عاش حتى ناهز الحلم، وأن

стр. 443

النبيّ ﷺ ، أردفه على راحلته يوم فتح مكة، ومثل هذا لا يقال في حقه صبيّ عرفًا، وإنْ جاز من حيث اللغة (١). [٦٠ ب/ص] [١٣٧ أ/س] وتعقبه العيني: بأنه لا يلزم من عدم إطلاقه على أن الابن المذكور هو علي في طرق هذا الحديث أن لا يطلع عليه غيره في طريق من الطرق التي لم يطلع هو عليها، ومن أين له إحاطة جميع طرق هذا الحديث أو غيره؟ والدمياطي حافظ متقن وليس ذكر هذا من عنده لأنّ مثل هذا توقيفي فلا دخل للعقل فيه، فلو لم يطلع عليه لم يصرح به، /وقوله: لا يقال في حقه صبي عرفًا، ممنوع؛ بل يقال: إلى أن يقرب من البلوغ عرفًا، وأما الصبي في اللغة: فقد قال ابن سيده في المحكم: الصبي من لدن / يولد إلى أن يفطم، والجمع أصْبِيَةٌ، وصِبْيَةٌ وصِبْيان (٢) هذا (٣). وقال الحافظ العسقلاني: ووجدت في الأنساب للبلاذري أنّ عبد الله بن عثمان بن عفان ﵄ من رقية بنت النبيّ ﷺ ، لما مات وضعه النبيّ ﷺ ، في حجره وقال: "إنما يرحم الله عباده الرحماء" (٤)، وفي مسند البزار من حديث أبي هريرة ﵁، قال: ثقل ابن لفاطمة ﵂، فبعثت إلى النبيّ ﷺ " (٥) فذكر نحو حديث الباب. وفيه: مراجعة سعد بن عبادة في البكاء، فعلى هذا فالابن المذكور محسن بن علي ﵄، وقد أتفق أهل العلم بالأخبار: أنه مات صغيرًا في حياة النبي ﷺ ، فهذا أولى أن يفسر به الابن

стр. 444

المذكور إنْ ثبت أنّ القصة كانت لصبي ولم يثبت أنّ المرسلة زينب ﵂؛ لكن الصواب في حديث الباب (١)، أنّ المرسلة زينب، وأنّ الولد صبية كما ثبت في مسند أحمد عن معاوية بالسند المذكور لفظه "أتى النبي ﷺ بأمامة (٢) بنت زينب- وهي لأبي العاص بن الربيع- ونفسها تقعقع كأنها في شن" (٣). ووقع في رواية بعضهم: أُمَيْمَة، بالتصغير، وهي: أمامة المذكورة، فقد أتفق أهل العلم بالنسب: أن زينب لم تلد لأبي العاص إلا عليًا وأمامة فقط. فإن قيل: إن أهل العلم بالأخبار قد اتفقوا على أنّ أمامة بنت أبي العاص من زينب بنت النبيّ ﷺ ، عاشت بعد النبيّ ﷺ ، حتى تزوجها علي بن أبي طالب ﵁، بعد وفاة فاطمة ﵂، ثم عاشت عنده حتى قتل عنها. فالجواب: أنه قد سبق أنّ المراد بقوله: قبض، أي: قارب أن يقبض، فعلى هذا يكون الله تعالى أكرم نبيه ﷺ ، لمّا سلّم لأمر ربه، وصبر ابنته ولم يملك مع ذلك عينيه من الرحمة والشفقة، بأن عافى ابنة ابنته في ذلك الوقت، فخلصت من تلك الشدة، وعاشت تلك المدة (٤)، فهذا ينبغي أن يذكر في دلائل النبوة. وفي رواية شعبة: "أن ابنتي قد حضرت" (٥)، وعند أبي داود من طريقه "أن ابني أو ابنتي" (٦) وقوله: "أو ابنتي" شك من الراوي، والصواب قول من قال: "ابنتي" لا ابني، ويؤيّده ما راوه الطبراني في ترجمة عبدالرحمن بن عوف ﵁، في "المعجم الكبير" من طريق الوليد بن إبراهيم بن

стр. 445

عبدالرحمن بن عوف، عن أبيه، عن جده قال: " استُعِزّ بأمامة بنت أبي العاص، فبعثت زينب /بنت رسول الله ﷺ ، إليه تقول له. . . . " (١)، فذكر نحو حديث أسامة، وفيه مراجعة سعد في البكاء، وقوله: استُعِزّ، بضم المثناة الفوقية وكسر العين المهملة وتشديد الزاي، أي: اشتد بها المرض، وأشرفت على الموت (٢). [١٣٧ أ/ص] هذا وقال العيني: الصواب قول من قال: "ابني" لا: "ابنتي"، كما نص عليه في رواية البخاري من طريق عبد الله بن المبارك، وجمع البرماوي بين ذلك باحتمال تعدد الواقعة، والله أعلم (٣). (فَائْتِنَا فَأَرْسَلَ) ﷺ ، (يُقْرِئُ) عليها (السَّلَامَ) بضم الياء وروى بفتحها، وقال ابن التين: ولا وجه له إلا أنْ يريد يقرأ عليك (٤)، وذكر الزمخشري عن الفراء يقال: قرأت ﵇ وأقرأته السلام. وقال الأصمعيّ: لا يقال: أقرأته السلام، وقال الزمخشري: والعامة يقول: قرأت السلام، بغير همرة، وهو خطأ (٥). (وَيَقُولُ: إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى) يحتمل أن يكون كلمة "ما" موصولة في الموضوعين، ومفعول "أخذ وأعطى"، مقدر ونكته حذفه لفظًا، هي الدلالة على العموم، فيدخل فيه "أخذ الولد" و"إعطاؤه" وغيرهما، ويحتمل أن تكون مصدرية، والتقدير: إن لله الأخذ والإعطاء، وهو أيضًا أعمّ من إعطاء الولد وأخذه.

стр. 446

والمعنى: أن الذي أراد الله أن يأخذه هو الذي كان أعطاه، فإنْ أخذه أخذ ما هو له، فلا ينبغي الجزع؛ لأن مستودع الأمانة لا ينبغي له أن يجزع إذا استعيدت منه، وقدّم الأخذ على الإعطاء وإن كان متأخرًا في الواقع؛ لأن المقام يقتضيه (١). (وَكُلٌّ) أي: وكل من الأخذ والإعطاء، أو أهو أعمّ منهما، (عِنْدَهُ) أي: في علمه تعالى فهو من مجاز الملازمة مقَدّر (بِأَجَلٍ مُسَمًّى) أي: معلوم، والأجل: يطلق على الحد الأخير، وعلى مجموع العمر أيضًا والحاصل: أنّ له الخلق كله، وبيده الأمر كله، وكلّ شيء عنده مقدّر بأجل مسمى، فإنّه لما خلق اللوح والقلم أمر القلم أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، لا معقب لحكمه. (فَلْتَصْبِرْ) أمر للمؤنث الغائبة (وَلْتَحْتَسِبْ) أي: تنوى بصبرها طلب الثواب من ربها ليحسب لها ذلك من عملها الصالح. [١٣٨ أ/س] (فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ) ﷺ ، (تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا) جملة وقعت حالًا من فاعل أرسلت ووقع في حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁: "أنها راجعته مرتين"، وأنّه إنما قام في ثالث مرة وكأنها ألحت عليه /في ذلك دفعًا لما يظنه بعض الجهلة أنها ناقصة المكانة عنده، أو ألهمها الله تعالى أن حضور نبيه عندها يدفع عنها ما هي فيه من الألم ببركة دعائه وحضوره ﷺ ، فحقق الله ظنها وترك الإجابة أولًا؛ لأنه كان في شغل ذلك الوقت، أو كان امتنع من الإجابة مبالغة في إظهار التسليم لربه، أو كان لبيان الجواز في أنّ من دعي لمثل ذلك لم يجب عليه الإجابة، بخلاف الوليمة مثلًا، وأما إجابته ﷺ ، بعدما ألحت عليه، فلما ذكر من دفع ما يظنه بعض الجهلة، أو أنّه لما رآها عزمت عليه بالقسم حن عليها فأجابه (٢). (فَقَامَ) ﷺ ، (وَمَعَهُ) بإثبات الواو، وفي رواية: " معه" بحذفها (٣)، (سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) بضم العين المهملة: الخزرجي، كان سيدًا جوادًا ذا رياسة، غيورًا، مات بالشام، ويقال: إنه قتله الجن.

стр. 447

وفيه البيت المشهور من لسان الجن: قَدْ قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْرَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَهْ. . . وَرَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْنِ فَلَمْ نُخْطِ فُؤَادُهْ (١). [٦١ ب/س] / (وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) بضم الميم، وقد مرّ في أول "كتاب الإيمان"، (وَأُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ) بضم الهمرة وفتح الموحدة، وقد مر في باب ما يذكر من ذهاب موسى من "كتاب العلم"، (وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) المذكور في "باب ما يذكر في الفخذ" من "كتاب الصلاة"، (وَرِجَالٌ) آخرون ﵃، ذكر منهم في غير هذه الرواية، عبادة بن الصامت، وهو في رواية عبدالواحد في أوائل التوحيد (٢) وفي رواية شعبة: أن أسامة راوى الحديث ﵁، كان معهم (٣)، وكذا في رواية عبدالرحمن بن عوف ﵁، أنّه كان معهم، ووقع في رواية: شعبة في الأيمان والنذور"، وأَبِي أو أُبَي"، فالأوّل بفتح الهمزة وكسر الموحدة وتخفيف الياء، فعلى هذا كان زيد بن حارثة ﵁، معهم، والثّاني بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد الياء، وهو: أُبَيّ بن كعب، ورواية البخاري ترجح الثاني؛ لأنّه ذكر فيها بلفظ: " وأُبَيّ بن كعب"، وكان الشك من شعبة؛ لان ذلك لم يقع في رواية غيره، والله أعلم [١٣٨ أ/ص] (فَرُفِعَ) بالراء من الرفع، وفي رواية حماد: " فدفع"، بالدال (٤)، وبيّن في رواية شعبة: أنّه وضع في حجره ﷺ ، (٥) وفيه حذف إيجاز، والتقدير: فمشوا إلى أن وصلوا إلى بيتها، فاستأذنوا /فأذن لهم فدخلوا فرفع (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، الصَّبِىُّ) وفي رواية عبدالواحد بلفظ "فلما دخلنا ناولوا رسول الله ﷺ الصبي" (٦).

стр. 448

(وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ) بتائين في أوله، وفي بعض النسخ "تقعقع" (١)، قيل: هي من القعقعة والظاهر: أنها من التقعقع أيضًا، لكنّه حذف إحدى التائين، وهي جملة حالية أي: تضطرب وتتحرك، أي: كلما صارت إلى حالة لم تلبث أن تصير وتنتقل إلى حالة أخرى؛ لقربه من الموت. والقعقعة: حكاية صوت الشيء اليابس إذا حرك، قال الأزهري: يقال للجلد اليابس إذا تخشخش، فحكى صوت حركاته قعقع قعقعة (٢) وقال ابن الأعرابي (٣): القعقعة، والعقعقة، والشخشخة، والخشخشة، والحفحفة، والفحفحة، والشنشنة، والنشنشة، كلّها حركة القرطاس والثوب الجديد (٤). وفي الصحاح: العقعقة حكاية صوت السلاح (٥)، وفي "نوادر أبي مسحل": أخذته الحمى بقعقعة أي برعدة (٦)، وفي الجامع للقزاز: العقعقة: الصوت الحجارة والخطاف والبكرة والمحور، وفي المحكم: قعقعته حركته (٧). (قَالَ) أي: أبو عثمان النهدي: (حَسِبْتُهُ) أي: أسامة ﵁، (أَنَّهُ قَالَ - كَأَنَّهَا شَنٌّ) بفتح المعجمة وتشديد النون: القربة الخلقة اليابسة، والجمع شنان (٨)، وضبطه بعضهم بكسر الشين وليس بشيء.

стр. 449

وفي رواية حماد "ونفسه تقعقع كأنها في شن" (١) ووجه هذه الرواية أنّه شبه البدن بالجلد اليابس الخلق، وحركة الروح فيه، كما يطرح في الجلد من حصاة ونحوها، وأما وجه الرواية الأولى: فهو أنّه شبه النفس بنفس الجلد، وهو أبلغ في الإشارة إلى شدة الضعف، والأول أظهر في التشبيه، والله أعلم (٢). (فَفَاضَتْ) وفي رواية: "وفاضت"، بالواو (٣)، (عَيْنَاهُ) ﷺ ، بالبكاء، يعني نزل منهما الدمع، وهذا هو موضع الترجمة؛ لأن البكاء العاري عن النوح لا يؤاخذ به الباكي ولا الميت. (فَقَالَ سَعْدٌ) هو: ابن عبادة المذكور، وصرّح به في رواية عبدالواحد (٤)، ووقع في رواية ابن ماجه من طريق عبد الواحد "فقال عبادة بن الصامت" (٥)، والصواب ما في الصحيح. [١٣٩ أ/س] (يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا) أي: فيضان العين كأنه استغرب ذلك منه؛ لأنه يخالف ما عهده منه من مقاومة المصيبة /بالصبر وفي رواية عبدالواحد "فقال سعد بن عبادة: أتبكي" (٦)، وزاد أبو نعيم في المستخرج: "وتنهي عن البكاء" (٧). (فَقَالَ:) ﷺ (هَذِهِ) أي: الدمعة التي تراها من خزن القلب بغير تعمد ولا استدعاء (رَحْمَةٌ) أي: أثر رحمة، (جَعَلَهَا اللَّهُ) تعالى (فِى قُلُوبِ عِبَادِهِ) أي: رحمة على المقبوض تبعث على التأمل فيما هو عليه، وليس كما توهمت من الجزع وقلة الصبر، وفي بعض النسخ قال: "إنه

стр. 450

رحمة" أي: إن فيضان الدمع أثر رحمة، وفي لفظ: "في قلوب من شاء من عباده" (١)، وقد صحّ أن الله تعالى خلق مائة رحمة، فأمسك عنده تسعًا وتسعين، وجعل في عباده رحمة، فبها يتراحمون ويتعاطفون، وتحنّ الأم على ولدها، فإذا كان يوم القيامة جمع تلك الرحمة إلى التسعة والتسعين فأظل بها الخلق حتى أن إبليس رأس الكفر يطمع، لما يرى من رحمة الله، (٢). (فإِنَّمَا) وفي رواية: "وإنما"، بالواو (٣)، (يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ) نصب على "إنما" في قوله: "فإنما" كافة، أو رفع على أنها موصولة أي: إن الذي يرحمهم الله من عباده الرحماء، ومن في قوله: "من عباده" بيانية، وهي حال من المفعول قدمت عليه؛ ليكون أوقع، وفي رواية شعبة في أواخر الطب "ولا يرحم الله من عباده إلا الرحماء" (٤)، وهو: جمع رحيم، من صيغ المبالغة ومقتضاه: إن رحمة الله تعالى تختص بمن اتصف بالرحمة، وتحقق بها، بخلاف من فيها أدنى رحمة؛ لكن ثبت في حديث عبد الله بن عمر ﵄، عند أبي داود وغيره: "الراحمون يرحمهم الرحمن" (٥) والراحمون، جمع راحم، فيدخل فيه كل من فيه أدنى رحمة. فإن قيل: ما الحكمة في إسناد فعل الرحمة في حديث الباب إلى الله وأسناده في حديث أبي داود إلى الرحمن؟ فالجواب: أنّ لفظ الجلالة دال على العظمة، وقد عرف بالاسقراء أنّه حيث ورد يكون الكلام مسوقًا للتعظيم، فلما ذكر هنا ناسب ذكر من كثرت رحمته وعظمته؛ ليكون الكلام جاريًا على

стр. 451

نسق التعظيم، بخلاف الحديث الآخر، فإنّ لفظ الرحمن دال على العفو، فناسب أن يذكر معه كل ذي رحمة، وإن قلّت، والله أعلم (١). [٦١ ب/ص] ورجال إسناد الحديث ما بين مروزي وبصري، وقد أخرج / متنه في (الطب) و (النذور) و (التوحيد)، وأخرجه مسلم في (الجنائز)، وكذا أبو داود والنسائي وابن ماجه (٢). وفي الحديث من الفوائد: جواز استحضار ذوي الفضل للمحتضر؛ لرجاء بركتهم ودعائهم. وجواز القسم عليهم لذلك، وجواز المشي إلى التعزية والعيادة بغير إذنٍ، بخلاف الوليمة. [١٣٩ أ/ص] واستحباب /إبرار القسم (٣)، وأمر صاحب المصيبة بالصبر قبل وقوع الموت؛ ليقع وهو مستشعر بالرضى مقاومًا للحزن بالصبر، وتقديم السلام على الكلام، وعيادة المريض، ولو كان مفضولًا أو صبيًا أو صغيرًا. وإن أهل الفضل لا ينبغي أن ييأس من فضلهم ولو ردوا أول مرة، واستفهام التابع من إمامه عما أشكل عليه مما يتعارض ظاهره، وحسن الأدب في السؤال، لتقديمه قوله: "يا رسول الله" على الاستفهام، والترغيب في الشفقة على خلق الله والرحمة لهم، والترهيب من قساوة القلب وجمود العين.

стр. 452

وجواز البكاء من غير نوح ونحوه (١). وروى الترمذي في "الشمائل" من رواية سفيان الثوري، والنسائي من رواية أبي الأحوص كلاهما، عن عطاء بن السائب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، قال: " أخذ رسول الله ﷺ ، ابنة له تقضي فأحتضنها -أي: ضمها إلى صدره -فوضعها بين يديه فماتت وهي بين يديه وصاحت أم أيمن فقال- يعني النبي ﷺ : "أتبكين يا أم أيمن عند رسول الله ﷺ ؟ فقال: ألست أراك تبكي؟ قال: " إني لست أبكي، إنما هي رحمة، إنّ المؤمن بكل خير على كل حال، إنّ نفسه تنزع من بين جنبيه، وهو يحمد الله تعالى (٢) ". ولابن عباس حديث آخر رواه أبو داود الطيالسي قال: " بكت النساء على رقية ﵂، فجعل عمر ﵁، ينهاهن، فقال رسول الله ﷺ : "مه يا عمر" ثم قال: " إياكم ونعيق الشيطان: فإنه يكون من العين، ومن القلب فمن الرحمة، وما يكون من اللسان واليد فمن الشيطان" قال: وجعلت فاطمة ﵂، تبكي على شفير قبر رقية، فجعل رسول الله ﷺ ، يمسح الدموع عن

стр. 453

وجهها باليد أو بالثياب" (١)، ورواه البيهقي في "سننه": ثم قال: وهذا وإن كان غير قوي فقوله في الحديث الثابت: " إن الله لا يعذب بدمع العين"، يدلّ على معناه ويشهد له بالصحة (٢). [١٤٠ أ/س] وروى الطبراني من رواية شريك عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد قال: " شهدت صنيعًا فيه أبو مسعود وقرظة بن كعب، وجوار يغنين، فقلت: سبحان الله [أتفعلون] (٣) /هذا وأنتم أصحاب محمد ﷺ ، وأهل بدر؟ فقالوا: رخص لنا في الغناء في العرس، والبكاء في غير نياحة" (٤). وروى النسائي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: " مات ميت من آل الرسول ﷺ ، فاجتمع النساء يبكين عليه، فقام عمر ﵁، ينهاهن ويطردهن، فقال رسول الله ﷺ : "دعهن يا عمر فإن العين دامعة، والقلب المصاب، والعهد قريب" (٥). وروى ابن ماجه من رواية شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، قالت: لما توفي ابن رسول الله ﷺ إبراهيم بكى رسول الله ﷺ ، فقال المعزي: إما أبو بكر، وإما عمر ﵄: أنت أحق من عظم الله حقه، قال رسول الله ﷺ : "تدمع العين، وتحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب،

стр. 454

لولا أنّه وعد صادق، وموعود جامع، وأن الآخر تابع للأول، لوجدنا عليك يا إبراهيم أفضل مما وجدنا، وإنا بك لمحزونون" (١). قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِىٍّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه - قَالَ شَهِدْنَا بِنْتًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ - قَالَ فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ قَالَ - فَقَالَ «هَلْ مِنْكُمْ رَجُلٌ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ». فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ أَنَا. قَالَ «فَانْزِلْ». قَالَ فَنَزَلَ في قَبْرِهَا. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسندي (٢)، (قال حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ (٣)): عبدالملك بن عمرو العقدي، وقد تقدما في "باب أمور الإيمان". (قال حَدَّثَنَا فُلَيْحُ (٤)) بضم الفاء، هو: ابن سليمان الخزاعي، قال الواقدي: اسمه عبد الملك وفليح لقبه، وقد مرّ في "كتاب العلم".

стр. 455

(عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِىٍّ): ابن أسامة العامري (١)، (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: شَهِدْنَا بِنْتًا لِرَسُولِ اللَّهِ) ويروي: " للنبي"، ( ﷺ ) أي: جنازتها، وكانت سنة: تسع، وهي أم كلثوم، زوج عثمان بن عفان ﵄، رواه الواقدي عن فليح بن سليمان، بهذا الإسناد، أخرجه ابن سعد في الطبقات، في ترجمة أم كلثوم (٢). وكذا الدولابي في "الذرية الطاهرة" (٣)، وكذلك رواه الطبراني والطحاوي من هذا الوجه (٤). ورواه حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس ﵁، فسماها رقية، أخرجه البخاري في "التاريخ الأوسط" (٥)، والحاكم في مستدركه (٦) قال البخاري: ما أدري ما هذا، فإن رقية ﵂، ماتت والنبيّ ﷺ ببدر، ولم يشهد جنازتها (٧). وقال الحافظ العسقلاني: ووهم حماد في تسميتها (٨)، وأغرب الخطابي فقال: هذه البنت كانت لبعض بنات رسول الله ﷺ ، فنسبت إليه، وكأنه ظن أنّ الميت في حديث أنس هي المحتضرة في حديث أسامة ﵁، وليس كذلك، كما عرفته (٩).

стр. 456

[١٤٠ أ/ص] (قَالَ) أنس ﵁: (وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، جَالِسٌ عَلَى) جانب/ (الْقَبْرِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ) بفتح الميم قال ابن التين: المشهور في اللغة أن ماضيه دَمَعَ بفتح الميم، فيجوز في مستقبله تثليث الميم (١)، وذكر أبو عبيد لغة أخرى، أنّ ماضيه مكسور العين، فيتعين الفتح في مستقبله (٢)، وهذا هو موضع الترجمة. (قَالَ - فَقَالَ) ﷺ (هَلْ مِنْكُمْ رَجُلٌ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ) بالقاف والفاء، من المقارفة، زاد ابن المبارك عن فليح: "أراه يعني الذنب" ذكره المؤلف في باب من يدخل قبر المرأة تعليقًا (٣) وصله الإسماعيلي، وكذا قال شريح بن النعمان: عن فليح، أخرجه أحمد عنه (٤)، ولذا قال الخطابي: معناه لم يذنب (٥). [٦٢ ب/س] وقيل: لم يجامع أهله تلك الليلة، وبه جزم ابن حزم، وقال /معاذ الله أن يتبجح أبو طلحة عند رسول الله ﷺ ، بأنه لم يذنب تلك الليلة، انتهى (٦). ويقويه أنّ في رواية ثابت بلفظ "لا يدخل القبر أحد قارف أهله البارحة، فتنحى عثمان ﵁ " (٧). وحكى عن الطحاوي: أنّه قال: لم يقارف تصحيف، والصواب: لم يقاول (٨)، أي: لم ينازع غيره في الكلام؛ لأنهم كانوا يكرهون الحديث بعد العشاء.

стр. 457

وتعقب بأنّه تغليط للثقة بغير مستند وكأنّه استبعد أن يقع من عثمان ﵁، ذلك لحرصة على مراعاة الخاطر الشريف النبوي. ويجاب عنه باحتمال أن يكون مرض المرأة طال، واحتاج عثمان ﵁ إلى الوقاع، ولم يكن يظن أنها تموت تلك الليلة، وليس في الخبر ما يقتضي أنه واقع بعد موتها، بل ولا حين احتضارها، والعلم عند الله تعالى (١). قال الكرماني: لعل الحكمة فيه على تقدير تفسير المقارفة بالمجامعة هي: أنّه لما كان النزول في القبر لمعالجة أمر النساء، لم يرد أن يكون النازل فيه القريب العهد بمخالطة النساء؛ لتكون نفسه مطمئنة ساكنة، كالناسية للشهوة (٢). ويقال: إن عثمان ﵁، باشر في تلك الليلة جارية له، فعلم رسول الله ﷺ ، بذلك فلم يعجبه، حيث شغل عن المريضة المحتضرة بها، وهي أم كلثوم زوجته، بنت النبيّ ﷺ ، فأراد أن لا ينزل في قبرها معاقبة عليه، فكنى به عنه (٣). [١٤١ أ/س] (فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ:) زيد بن سهل الأنصاري الخزرجي، شهد المشاهد، وقال رسول الله ﷺ : " لصوت أبي طلحة في الجيش، خير من مائة رجل" (٤)، وقتل يوم حنين عشرين رجلًا، وأخذ أسلابهم، وكان يحثو بين يدي رسول الله ﷺ ، في الحرب، ويقول: نفسي لنفسك الفداء ووجهي لوجهك الوقاء، لم ينثر كنانته بين يديه، وكان رسول الله ﷺ ، يرفع رأسه من خلفه؛ ليرى مواقع النبل / فكان يتطاول بصدره؛ ليقي به رسول الله ﷺ ، (٥) وقد مر في "باب: ما يذكر من الفخذ".

стр. 458

(أَنَا) لم أقارف الليلة (قَالَ:) ﷺ ، لأبي طلحة ﵁، (فَانْزِلْ، قَالَ: فَنَزَلَ في قَبْرِهَا) وفي "الاستيعاب" في ترجمة أم كلثوم ﵂، استأذن أبو طلحة أن ينزل في قبرها فأذن له (١). وفي الحديث: جواز البكاء كما ترجم له بقوله، وما يرخص من البكاء في غير نوح. وفيه: إدخال الرجال المرأة قبرها؛ لكونهم أقوى على ذلك من النساء. وفيه: إيثار البعيد العهد عن الملاذ في مواراة الميت، ولو كان امرأة على الأب والزوج. وفيه: جواز الجلوس على شفير القبر عند الدفن، وهو قول أنس بن مالك (٢)، وزيد بن ثابت وعلي ﵃ (٣). وقال ابن مسعود ﵁ وعطاء: لا يجلس عليه (٤)، وبه قال الشافعي (٥)، والجمهور؛ لقوله ﷺ : "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فيخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر" أخرجه مسلم (٦). وظاهر إيراد المحاملي وغيره أنه حرام (٧)، ونقله النووي في شرح مسلم، عن الأصحاب (٨)، وتأوّل مالك، وخارجة بن زيد على الجلوس لقضاء الحاجة، وهو بعيد (٩).

стр. 459

وفي التوضيح: لا يوطأ إلا لضرورة ويكره أيضًا الاستناد إليه احترامًا (١)، وقال: لو تولى النساء شأنها في القبر فحسن، نصّ عليه في الأم (٢). وفيه فضيلة لعثمان ﵁ (٣)، لا يثاره الصدق، وإن كان عليه فيه (٤) غضاضة. قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ قَالَ تُوُفِّيَتِ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ - رضى الله عنه - بِمَكَّةَ وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا، وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهم - وَإِنِّى لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا - أَوْ قَالَ جَلَسْتُ إِلَى أَحَدِهِمَا. ثُمَّ جَاءَ الآخَرُ، فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِى فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمَرَ - رضى الله عنهما - لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ أَلَا تَنْهَى عَنِ الْبُكَاءِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ». - قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو: عبد الله بن عثمان، وقد مرّ عن قريب، (قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو: ابن المبارك (قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ (٥)) عبدالملك بن عبدالعزيز. (قَالَ أَخْبَرَنِى) بالإفراد، (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ (٦)) بالتكبير في الابن والصغير في الأب، وأبو مليكة بالتصغير أيضًا اسمه: زهير.

стр. 460

(قَالَ تُوُفِّيَتِ) على صيغة المجهول أي: قبضت، (ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ ﵁ بِمَكَّةَ) هي: أم أبان وقد صرح بها مسلم بإسناده إلى عبد الله بن عبيد الله قال: " كنت جالسًا إلى جنب ابن عمر ﵄، ونحن ننتظر جنازة أم أبان بنت عثمان ﵁، وعنده عمرو بن عثمان، فجاء ابن عباس ﵄، يقوده قائد، فأراه أخبر بمكان ابن عمر ﵄، فجاء حتى جلس إلى جنبي، فكنت بينهما، فإذا صوت من الدار، فقال ابن عمر ﵄، كأنه يعرض على عمرو أن يقوم، فينهاهم: سمعت رسول الله ﷺ ، /يقول: " إن الميت ليعذب ببكاء أهله" (١)، الحديث. [١٤١ أ/ص] (وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا) جنازتها، (وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ): ابن الخطاب، (وَابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄، (وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا) أي: بين ابن عمر وابن عباس ﵃، (أَوْ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى أَحَدِهِمَا) شك ابن جريج، وقد مرّ في رواية مسلم: "كنت جالسًا إلى جنب ابن عمر ﵄ " وأمّا جلوسه بينهما، وهما أفضل منه، مع أنّ الأدب أن المفضول لا يجلس بين الفاضلين؛ فمحمول على عذر، إما لأنّ ذلك أوفق (٢) بالجائي بعده، وإما لغيره. (ثُمَّ جَاءَ الآخَرُ، فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِى) زاد مسلم "فإذا صوت من الدار" وعند الحميدي من رواية عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة "فبكى النساء" (٣) فظهر السبب من قول ابن عمر لعمرو بن عثمان ما (٤) قال. (فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمَرَ) ﵄ (لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ) أخي ابنة عثمان ﵁: (أَلَا تَنْهَى عَنِ الْبُكَاءِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ).

стр. 461

ولمسلم من حديث عمرة بنت عبدالرحمن، سمعت عائشة ﵂، ذكر لها أنّ عبد الله بن عمر ﵃، يقول: "إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه" (١) الحديث. [٦٢ ب/ص] واللفظان مرفوعان، فهل يحمل المطلق على المقيد ويكون عذابه ببكاء أهله عليه فقط أو يكون الحكم للرواية العامة وأنه يعذب ببكاء الحي عليه سواء كان من أهله أو لا، والظاهر أنّه عام لا يختص بأهله بدليل النائحة التي ليست من أهل الميت بل أهله أعذر في البكاء عليه، لقوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه النسائي، وابن ماجه عنه قال: " مات ميت من آل رسول الله ﷺ فاجتمع /النساء يبكين عليه، فقام عمر ينهاهن ويطردهن، فقال رسول الله ﷺ : دعهن يا عمر، فإنّ العين دامعة، والقلب مصاب، والعهد قريب" (٢) وهذا التعليل الذي رخص لأجله في البكاء خاص بأهل الميت فقوله: " ببكاء أهله عليه" خرج مخرج الغالب الشائع، إذْ المعروف أنّه إنّما يبكي على الميت أهله (٣). ثم إنّه يمكن أن يكون قوله: الحي، احترازًا عن غير الحي من الجمادات، لقوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩)﴾ [الدخان: ٢٩]، فمفهومه: أنّ السماء والأرض يقع منهما البكاء على غيرهم. [١٤٢ أ/س] /وفي الحديث: "ما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض" (٤).

стр. 462

وقد روى ابن مردويه في تفسيره من رواية يزيد الرقاشي، عن النبي ﷺ قال: " ما من مؤمن إلا له بابان في السماء، باب يخرج منه رزقه، وباب يدخل فيه كلامه وعمله، فإذا مات فقداه وبكيا عليه، وتلا هذه الآية: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] (١) فعلى ظاهر الآية والحديث يكون ذلك البكاء على الميّت ولا عذاب عليه بسببه إجماعًا. وقال الزمخشري: ذلك على سبيل التمثيل والتخييل، وكذلك ما يروى عن ابن عباس ﵄، من بكاء مصلى المؤمن، وآثاره في الأرض، ومصاعد عمله، ومهابط رزقه في السماء: تمثيل، ونفي ذلك عنهم في قوله: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ تهكم بهم وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده، فيقال فيه: بكت عليه السماء والأرض، فإنّه إذا مات رجل خطير قالت العرب في تعظيم مهلكه: بكت عليه السماء والأرض، وبكته الريح، وأظلّمت له الشمس. وعن الحسن: فما بكي عليهم الملائكة والمؤمنون، بل كانوا بهلاكهم مسرورين، يعني: فما بكى عليهم أهل السماء وأهل الأرض، وما كانوا منظرين لما جاء وقت هلاكهم لم ينظروا إلى وقت آخر، ولم يمهلوا إلى الآخرة، بل عجل لهم في الدنيا (٢). ثم إن قول ابن عمر ﵄ "أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه" مطلق سواء كان بنوح أو لا، لكن في بعض طرق حديث ابن عمر ﵄، في "مصنف" ابن أبي شيبة: "من نيح عليه فإنّه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة" (٣)، فيحمل المطلق على المقيد فيكون البكاء الذي يكون سببًا لتعذيب الميت، هو البكاء الذي يكون بنوح ونحوه، كما أشار إليه البخاري في الترجمة. قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٨٧ - فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَدْ كَانَ عُمَرُ - رضى الله عنه - يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَدَّثَ قَالَ صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ - رضى الله عنه - مِنْ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كُنَّا

стр. 463

بِالْبَيْدَاءِ، إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ فَقَالَ اذْهَبْ، فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ قَالَ فَنَظَرْتُ فَإِذَا صُهَيْبٌ، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ ادْعُهُ لِى. فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ فَقُلْتُ ارْتَحِلْ فَالْحَقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِى يَقُولُ وَاأَخَاهُ، وَاصَاحِبَاهُ. فَقَالَ عُمَرُ - رضى الله عنه - يَا صُهَيْبُ أَتَبْكِى عَلَىَّ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄، (قَدْ كَانَ عُمَرُ): ابن الخطاب ﵁، (يَقُولُ: بَعْضَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَدَّثَ) أي: ابن عباس ﵄، (قَالَ: صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ) ﵁ (مِنْ مَكَّةَ) قافلًا من حجة، (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ) بفتح الموحدة وسكون التحتانية، هي: المفازة، ولكن المراد هنا مفازة خاصة بين مكة والمدينة (١). [١٤٢ أ/ص] (إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ) كلمة "إذا" للمفاجأة والركب أصحاب الإبل العشرة، فما فوقها مسافرين (٢)، أي: /فاجأهم عمر ﵁، (تَحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ) بفتح السين المهملة وضم الميم: شجرة عظيمة من شجر العضاة (٣). (فَقَالَ: اذْهَبْ، فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ، قَالَ: فَنَظَرْتُ، فَإِذَا صُهَيْبٌ) بضم الصاد، هو: ابن سنان، بالنونين، ابن قاسط، بالقاف، كان من النَمر، بفتح النون، وكانوا بأرض الموصل، فأغارت الروم على تلك الناحية، فسبته وهو غلام صغير، فنشأ بالروم، فاشتراه عبد الله بن جُدعان

стр. 464

بضم الجيم وإسكان الدال المهملة: التيمي، فأعتقه، ثم أسلم بمكة، وهو من السابقين إلى الإسلام، المعذبين في الله تعالى، وهاجر إلى المدينة، ومات بها سنة ثمان وثلاثين ﵁ (١). (فَأَخْبَرْتُهُ) أي: أخبرت عمر ﵁، بذلك، (فَقَالَ: ادْعُهُ لِى. فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ فَقُلْتُ) له: (ارْتَحِلْ) بكسر الحاء المهملة أمر من الارتحال، (فَالْحَقْ) بفتح الحاء المهملة: أمر من اللّحوق (بأَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ) وفي رواية: " أمير المؤمنين"، بدون الباء (٢). (فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ) ﵁، يعني بالجراحة التي مات بها، وفي رواية أيوب: أن ذلك كان عقيب الحجة المذكورة، ولفظه: "فلما قدمنا لم يلبث عمر ﵁، أن أصيب" (٣)، وفي رواية عمرو بن دينار "لم يلبث أن طعن" (٤). [١٤٣ أ/س] طعنه أبو لؤلؤة فيروز غلام المغيرة بن شعبة، وهو قائم في صلاة الصبح بسكين مسمومة ذات طرفين، وطعن معه ثلاثة عشر رجلًا، توفي منهم سبعة، وعاش الباقون، ثم قتل العلج نفسه وسار، إلى لعنة الله وغضبه، وشرب عمر ﵁، لبنًا فخرج من جرحه، فعلم أنّه لا يعيش فأوصى بالخلافة، وجعلها شورى بين ستة: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبدالرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، ﵃، وحسب الدين الذي أخذ من بيت المال لمصالح نفسه، في مدة خلافته، فوجده ستًا وثمانين ألف درهم، فقال لأبنه عبد الله: إن وفى مال عمر به فأدوه منه، وإلا فسل في بني عدي، ثم بعثه إلى عائشة ﵂، فقال: قل: يقرأ عمر عليك السلام، ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرًا، وقل: يستأذن عمر أن يدفن مع صاحبيه، فجاء فسلم واستأذن، فدخل فوجدها تبكي، فقال لها، فأذنت، وقالت: كنت أردته لنفسي، ولأوثرنه اليوم على نفسي، فلما أقبل عبد الله من عندها، قيل لعمر: هذا عبد الله، /قال: أرفعوني، فأسنده رجل، فقال: ما

стр. 465

لديك؟ فقال: الذي تحب، قد أذنت قال: الحمد لله، ما كان شيء أهم إليّ من هذا، فإذا أنا قبضت فاحملوني، ثمّ سلّم يا عبد الله، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذن لي فأدخلوني، وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين، فلما قبض حمل على سرير رسول الله ﷺ ، وصلى عليه صهيب ﵁، ونزل في قبره ابنه عبد الله، وعثمان بن عفان، وسعيد بن زيد، وعبدالرحمن بن عوف ﵃، ودفن يوم الأحد، هلال محرم سنة: أربع وعشرين وكان /خلافته عشر سنين وخمسة أشهر واحدى وعشرون يومًا، وعمره على الصحيح، ثلاث وستون سنة (١) ﵁. [٦٣ ب/س] (دَخَلَ صُهَيْبٌ) حال كونه (يَبْكِى) حال كونه (يَقُولُ وَا أَخَاهُ، وَا صَاحِبَاهُ) كلمة: وا، للندبة، والألف في أخرهما ليس مما يلحق الأسماء الستة لبيان الإعراب، بل هو مما يزاد في آخر المندوب؛ لتطويل مد الصوت، والهاء ليست بضمير بل هاء السكت، وشرط المندوب أن يكون معروفًا، فلا بد من القول بأن الإخوة والصاحبية له كانا معروفين، حتى يصح وقوعهما في الندبة (٢). (فَقَالَ عُمَرُ - رضى الله عنه -: يَا صُهَيْبُ أَتَبْكِى عَلَىَّ) بهمزة الاستفهام الإنكاري، (وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) قيده بالبعضية، فحمل على ما فيه نياحة، جمعًا بين الأحاديث على ما تقدم. قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٨٨ - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ - رضى الله عنه - ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ - رضى الله عنها - فَقَالَتْ رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ، وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ». وَقَالَتْ حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى). قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ

стр. 466

- رضى الله عنهما - عِنْدَ ذَلِكَ وَاللَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى. قَالَ ابْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ وَاللَّهِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - شَيْئًا. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ ﵁ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ ﵂) هذا صريح في أن حديث عائشة ﵂، من رواية ابن عباس عنها، ورواية مسلم توهم أنّه من رواية ابن أبي مليكة عنها، وأن القصة كانت بعد موت عائشة ﵂؛ لقوله: "فجاء ابن عباس ﵄، يقوده قائده" فإنّه إنما عمي في وآخر عمره، ويؤيّد كون ابن أبي مليكة لم يحمله عنها أنّ عند مسلم في آخر القصة، قال ابن أبي مليكة: حدثني القاسم بن محمد، لما بلغ عائشة ﵂، قول عمر، وابن عمر، قالت: "إنكم لتحدثوني عن غير كَاذِبَيْنِ، وَلَا مُكَذَّبَيْنِ، ولكن السمع يُخطئ" (١)، وهذا يدلّ على أنّ ابن عمر ﵄، كان قد حدث به مرارًا، وسيأتي في الحديث الذي بعده، أنه حدّث بذلك أيضًا لما مات رافع بن خديج ﵁. [١٤٣ أ/ص] (فَقَالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ) قال الطيبي: /هذا من الآداب الحسنة على منوال قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] فاستغربت من عمر ﵁، ذلك القول، فجعلت قولها: " يرحم الله عمر" تمهيدًا، ودفعًا لما يوحش من نسبته إلى الخطأ (٢). (وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ (٣)) يحتمل أن يكون جزم عائشة ﵂، بذلك؛ لكونها سمعت صريحا من رسول الله ﷺ ، اختصاص العذاب بالكافر، أو فهمت الاختصاص بالقرائن.

стр. 467

(وَلَكِنَّ) وفي رواية: "ولكن"، يروي بالتخفيف والتشديد (١)، (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، وَقَالَتْ: حَسْبُكُمُ) بسكون السين المهملة، أي: كافيكم، أيها المؤمنون، (الْقُرْآنُ: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) أي: لا تؤاخذ نفس بغير ذنبها، فإن قيل: الآية عامة، للمؤمن والكافر، ثم إنّ زيادة العذاب عذاب، فكما أنّ أصل العذاب لا يكون بفعل غيره فكذا زيادته، فلا يتم استدلالها بالآية. فالجواب: أن العادة فارقة بين الكافر والمؤمن، فإن الكفّار كانوا يرضون بالنياحة ويوصون بها (٢)، وكان ذلك مشهورًا في الجاهلية، وهو موجود في أشعارهم. كقول طرفة بن العبد: إذا مت فأنعيني بما أنا أهله وشقي علي الجيب يا أم معبد (٣). بخلاف المؤمنين، فإنّهم لا يرضون بالمعصية صدرت منه، أو من غيره، فلفظ "الميت" وإن كان مطلقًا مقيّد بالموصي وهو الكافر عرفًا وعادة (٤)، وعلى ذلك حمل الجمهور قوله: " إن الميت ليعذب ببكاء أهله "كما سيجيئ تفصيله إن شاء الله تعالى، وبهذا يرتفع المنافاة بين الخبريين الصحيحين، خبر عمر، وخبر عائشة ﵂. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: عِنْدَ ذَلِكَ) أي: عند انتهاء حديثه، عن عائشة ﵂، (وَاللَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى) أي: أن العبرة لا يملكها ابن آدم، ولا تسبب له فيها، فكيف يعاقب عليها فضلًا عن الميت؟ وقال الداودي: معناه: أن الله أذن في الجميل من البكاء، فلا يعذب على ما أذن فيه (٥).

стр. 468

[١٤٤ أ/س] وقال الطيبي: غرضه تقرير قول عائشة ﵂، أي: أنّ بكاء الإنسان وضحكه وحزنه وسروره من الله تعالى، يظهرها فيه، / فلا أثر له في ذلك (١). وقال الكرماني: لعلّ غرضه من هذا الكلام في هذا المقام: أن الكل بخلق الله وإرادته، فالأولى فيه أن يقال بظاهر الحديث، وأن له تعالى أن يعذبه بلا ذنب، ويكون البكاء عليه علامة، لذلك أو يعذبه بذنب غيره في الدنيا، لقوله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] وكذا في البرزخ؛ لا سيّما وهو السبب في وقوع الغير فيه، ولا يسأل عما يفعل، وأمّا آية الوزارة: فتختص بيوم القيامة (٢). (قَالَ ابْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ: وَاللَّهِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄، (شَيْئًا) أي: بعد ذلك يعني ما ردّ كلامه، قال الطيبي وغيره: ظهرت لابن عمر الحجة فسكت مُذعنا (٣)، وقال الزين ابن المنير: سكوته لا يدلّ على الإذعان، فلعلّه كره المجادلة في ذلك المقام (٤). وقال القرطبي: ليس سكوته لشكّ طرأ له بعد ما صرح برفع الحديث، ولكن احتمل عنده أن يكون الحديث قابلًا للتأويل، ولم يتعين له محملّ يحمله عليه إذ ذاك، أو كان المجلس لا يقبل المماراة ولم يتعين الحاجة إلى ذلك حينئذ (٥). ويحتمل أن يكون ابن عمر ﵄، فهم من استشهاد ابن عباس بالآية قبول روايته؛ لأنها (٦) يمكن أن يستدل بها في أن لله أن يعذب بلا ذنب ويكون بكاء الحيّ علامة لذلك، كما أشار إليه الكرماني (٧).

стр. 469

وقال الخطابي: الرواية إذا ثبتت لم يكن إلى دفعها سبيل بالظن، وقد رواه عمر وابنه ﵄، وليس فيما حكت عائشة ﵂، ما يرفع روايتهما؛ لجواز أن يكون الخبران صحيحين معًا، ولا منافاة بينهما، وأمّا احتجاجها بالآية، فإنّهم كانوا يوصون أهليهم بالنياحة، وكان ذلك مشهورًا منهم، فالميّت إنما تلزمه العقوبة بما تقدم من وصيته إليهم به، (١) وقد تقدم آنفًا. [٦٣ ب/ص] وقال النووي: أنكرت عائشة ﵂، روايتهما ونسبتهما إلى النسيان /والاشتباه، وأوّلت الحديث بأنّ معناه يعذب في حال بكاء أهله لا بسببه، كحديث اليهودية الآتي بعد هذا الحديث (٢). قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ قَالَتْ إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يَبْكِى عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَقَالَ «إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ في قَبْرِهَا». قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التنيسي (٣)، (قال أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الأمام (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ) أي: بن محمد بن عمرو بن حزم، وقد مرّ مرارًا. [١٤٤ أ/ص] (عَنْ أَبِيهِ (٤)) أبي بكر، (عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (٥)) الأنصارية، (أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ /تقول (٦)) أي: حين سألها ابن عباس ﵄، عن ذلك.

стр. 470

وهذا الحديث أيضًا في الواقع نفي لما قال عبد الله بن عمر ﵄: "إن الله ليعذب الميت ببكاء أهله عليه"، فالتقدير ما قال الرسول ﷺ ، ذلك (إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يَبْكِى عَلَيْهَا أَهْلُهَا، فَقَالَ: «إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ في قَبْرِهَا) ويدل عليه أن الحديث أخرجه مالك في "الموطأ" بلفظ: "ذكر لها أن عبد الله بن عمر ﵄، يقول: " إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه"، فقالت عائشة ﵂: يغفر الله لأبي عبدالرحمن، أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطا، إنّما مَرَّ. . . " (١) الحديث. وكذا أخرجه مسلم من حديث القاسم بن محمد، قال: لما بلغ عائشة ﵂، قول عمر وابن عمر ﵄، قالت: " إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونِّي عَنْ غَيْرِ كَاذِبَيْنِ، وَلَا مُكَذَّبَيْنِ، وَلَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ" (٢)، وفي رواية لمسلم أيضًا عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: ذكر عند عائشة ﵂، قول ابن عمر ﵄: أن الميت يعذب ببكاء أهله، فقالت: رحم الله أبا عبدالرحمن (٣)، سمع شيئًا فلم يحفظ، إنّما مرت على رسول الله ﷺ ، جنازة يهوديٍّ، وهم يبكون عليه، فقال: "أنكم تبكون، وإنّه ليعذب" (٤).

стр. 471

وفي رواية أخرى له ذُكر عند عائشة ﵄، أن ابن عمر ﵄، يرفع إلى النبي ﷺ ، "إنّ الميت يُعذب في قبره ببكاء أهله" فقالت: وَهلَ، إنما قال رسول الله ﷺ : " إنّه ليعذب بخطيئته أو بذنبه، وإن أهله ليبكون الآن" (١). وأخرجه أبو عوانة من رواية سفيان عن عبد الله بن أبي بكر كذلك، وزاد أن ابن عمر ﵄، لما مات رافع قال لهم: لا تبكوا عليه، فإن بكاء الحي على الميت عذاب على الميت، قالت عمرة: فسألت عائشة ﵂، عن ذلك، فقالت: يرحمه الله، إنما مرّ. . . " (٢)، فذكر الحديث ورافع هذا هو ابن خديج بن رافع بن عدى الأوسي الحارثي، أبو عبد الله وقيل: أبو صالح شهد أحدا، وأصابه يومئذ سهم (٣). قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ - وَهْوَ الشَّيْبَانِىُّ - عَنْ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ - رضى الله عنه - جَعَلَ صُهَيْبٌ يَقُولُ وَا أَخَاهُ. فَقَالَ عُمَرُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَىِّ». قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ (٤)): أبو عبد الله الخزاز، بزايين معجمتين، الكوفي قال البخاري: جاءنا نعيه سنة: خمس وعشرين ومائتين (٥).
следующие страницы →