← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 540

نجاح القاري شرح صحيح البخاري - كتاب الجنائز

يوسف أفندي زاده الأماسي

Полный текст (921 стр.). Показаны 467–506 · переход к 472.

стр. 467

(وَلَكِنَّ) وفي رواية: "ولكن"، يروي بالتخفيف والتشديد (١)، (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، وَقَالَتْ: حَسْبُكُمُ) بسكون السين المهملة، أي: كافيكم، أيها المؤمنون، (الْقُرْآنُ: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) أي: لا تؤاخذ نفس بغير ذنبها، فإن قيل: الآية عامة، للمؤمن والكافر، ثم إنّ زيادة العذاب عذاب، فكما أنّ أصل العذاب لا يكون بفعل غيره فكذا زيادته، فلا يتم استدلالها بالآية. فالجواب: أن العادة فارقة بين الكافر والمؤمن، فإن الكفّار كانوا يرضون بالنياحة ويوصون بها (٢)، وكان ذلك مشهورًا في الجاهلية، وهو موجود في أشعارهم. كقول طرفة بن العبد: إذا مت فأنعيني بما أنا أهله وشقي علي الجيب يا أم معبد (٣). بخلاف المؤمنين، فإنّهم لا يرضون بالمعصية صدرت منه، أو من غيره، فلفظ "الميت" وإن كان مطلقًا مقيّد بالموصي وهو الكافر عرفًا وعادة (٤)، وعلى ذلك حمل الجمهور قوله: " إن الميت ليعذب ببكاء أهله "كما سيجيئ تفصيله إن شاء الله تعالى، وبهذا يرتفع المنافاة بين الخبريين الصحيحين، خبر عمر، وخبر عائشة ﵂. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: عِنْدَ ذَلِكَ) أي: عند انتهاء حديثه، عن عائشة ﵂، (وَاللَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى) أي: أن العبرة لا يملكها ابن آدم، ولا تسبب له فيها، فكيف يعاقب عليها فضلًا عن الميت؟ وقال الداودي: معناه: أن الله أذن في الجميل من البكاء، فلا يعذب على ما أذن فيه (٥).

стр. 468

[١٤٤ أ/س] وقال الطيبي: غرضه تقرير قول عائشة ﵂، أي: أنّ بكاء الإنسان وضحكه وحزنه وسروره من الله تعالى، يظهرها فيه، / فلا أثر له في ذلك (١). وقال الكرماني: لعلّ غرضه من هذا الكلام في هذا المقام: أن الكل بخلق الله وإرادته، فالأولى فيه أن يقال بظاهر الحديث، وأن له تعالى أن يعذبه بلا ذنب، ويكون البكاء عليه علامة، لذلك أو يعذبه بذنب غيره في الدنيا، لقوله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] وكذا في البرزخ؛ لا سيّما وهو السبب في وقوع الغير فيه، ولا يسأل عما يفعل، وأمّا آية الوزارة: فتختص بيوم القيامة (٢). (قَالَ ابْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ: وَاللَّهِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄، (شَيْئًا) أي: بعد ذلك يعني ما ردّ كلامه، قال الطيبي وغيره: ظهرت لابن عمر الحجة فسكت مُذعنا (٣)، وقال الزين ابن المنير: سكوته لا يدلّ على الإذعان، فلعلّه كره المجادلة في ذلك المقام (٤). وقال القرطبي: ليس سكوته لشكّ طرأ له بعد ما صرح برفع الحديث، ولكن احتمل عنده أن يكون الحديث قابلًا للتأويل، ولم يتعين له محملّ يحمله عليه إذ ذاك، أو كان المجلس لا يقبل المماراة ولم يتعين الحاجة إلى ذلك حينئذ (٥). ويحتمل أن يكون ابن عمر ﵄، فهم من استشهاد ابن عباس بالآية قبول روايته؛ لأنها (٦) يمكن أن يستدل بها في أن لله أن يعذب بلا ذنب ويكون بكاء الحيّ علامة لذلك، كما أشار إليه الكرماني (٧).

стр. 469

وقال الخطابي: الرواية إذا ثبتت لم يكن إلى دفعها سبيل بالظن، وقد رواه عمر وابنه ﵄، وليس فيما حكت عائشة ﵂، ما يرفع روايتهما؛ لجواز أن يكون الخبران صحيحين معًا، ولا منافاة بينهما، وأمّا احتجاجها بالآية، فإنّهم كانوا يوصون أهليهم بالنياحة، وكان ذلك مشهورًا منهم، فالميّت إنما تلزمه العقوبة بما تقدم من وصيته إليهم به، (١) وقد تقدم آنفًا. [٦٣ ب/ص] وقال النووي: أنكرت عائشة ﵂، روايتهما ونسبتهما إلى النسيان /والاشتباه، وأوّلت الحديث بأنّ معناه يعذب في حال بكاء أهله لا بسببه، كحديث اليهودية الآتي بعد هذا الحديث (٢). قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ قَالَتْ إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يَبْكِى عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَقَالَ «إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ في قَبْرِهَا». قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التنيسي (٣)، (قال أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الأمام (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ) أي: بن محمد بن عمرو بن حزم، وقد مرّ مرارًا. [١٤٤ أ/ص] (عَنْ أَبِيهِ (٤)) أبي بكر، (عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (٥)) الأنصارية، (أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ /تقول (٦)) أي: حين سألها ابن عباس ﵄، عن ذلك.

стр. 470

وهذا الحديث أيضًا في الواقع نفي لما قال عبد الله بن عمر ﵄: "إن الله ليعذب الميت ببكاء أهله عليه"، فالتقدير ما قال الرسول ﷺ ، ذلك (إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يَبْكِى عَلَيْهَا أَهْلُهَا، فَقَالَ: «إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ في قَبْرِهَا) ويدل عليه أن الحديث أخرجه مالك في "الموطأ" بلفظ: "ذكر لها أن عبد الله بن عمر ﵄، يقول: " إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه"، فقالت عائشة ﵂: يغفر الله لأبي عبدالرحمن، أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطا، إنّما مَرَّ. . . " (١) الحديث. وكذا أخرجه مسلم من حديث القاسم بن محمد، قال: لما بلغ عائشة ﵂، قول عمر وابن عمر ﵄، قالت: " إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونِّي عَنْ غَيْرِ كَاذِبَيْنِ، وَلَا مُكَذَّبَيْنِ، وَلَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ" (٢)، وفي رواية لمسلم أيضًا عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: ذكر عند عائشة ﵂، قول ابن عمر ﵄: أن الميت يعذب ببكاء أهله، فقالت: رحم الله أبا عبدالرحمن (٣)، سمع شيئًا فلم يحفظ، إنّما مرت على رسول الله ﷺ ، جنازة يهوديٍّ، وهم يبكون عليه، فقال: "أنكم تبكون، وإنّه ليعذب" (٤).

стр. 471

وفي رواية أخرى له ذُكر عند عائشة ﵄، أن ابن عمر ﵄، يرفع إلى النبي ﷺ ، "إنّ الميت يُعذب في قبره ببكاء أهله" فقالت: وَهلَ، إنما قال رسول الله ﷺ : " إنّه ليعذب بخطيئته أو بذنبه، وإن أهله ليبكون الآن" (١). وأخرجه أبو عوانة من رواية سفيان عن عبد الله بن أبي بكر كذلك، وزاد أن ابن عمر ﵄، لما مات رافع قال لهم: لا تبكوا عليه، فإن بكاء الحي على الميت عذاب على الميت، قالت عمرة: فسألت عائشة ﵂، عن ذلك، فقالت: يرحمه الله، إنما مرّ. . . " (٢)، فذكر الحديث ورافع هذا هو ابن خديج بن رافع بن عدى الأوسي الحارثي، أبو عبد الله وقيل: أبو صالح شهد أحدا، وأصابه يومئذ سهم (٣). قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ - وَهْوَ الشَّيْبَانِىُّ - عَنْ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ - رضى الله عنه - جَعَلَ صُهَيْبٌ يَقُولُ وَا أَخَاهُ. فَقَالَ عُمَرُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَىِّ». قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ (٤)): أبو عبد الله الخزاز، بزايين معجمتين، الكوفي قال البخاري: جاءنا نعيه سنة: خمس وعشرين ومائتين (٥).

стр. 472

(قال: حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ (١)) بضم الميم وسكون السين المهملة وكسر الهاء، أبو الحسن القرشي. (قال: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ): سليمان بن أبي سليمان، واسم أبي سليمان فيروز (٢)، (وَهْوَ الشَّيْبَانِىُّ) بفتح الشين المعجمة. (عَنْ أَبِى بُرْدَةَ (٣)) بضم الموحدة الحارث ويقال: عامر، (عَنْ أَبِيهِ (٤)): أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري ﵁. (قَالَ: لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ ﵁) بالجراحة التي مات فيها، وقد تقدم التفصيل في ذلك، (جَعَلَ صُهَيْبٌ) ﵁ (يَقُولُ: وَا أَخَاهُ) بألف الندبة وهاء السكت، (فَقَالَ عُمَرُ:) ﵁، منكرًا عليه بكاءه؛ لرفعه صوته بقوله: "وا أخاه"، خوفًا من استصحابه ذلك أو من زيادته عليه بعد موته. [١٤٥ أ/س] (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَىِّ) الظاهر أنّ المراد من الحيّ مقابل الميت، وقيل يحتمل /أن يكون المراد به القبيلة، ويكون اللّام فيه بدل الضمير، والتقدير يعذب ببكاء قبيلته، فيوافق قوله من الرواية الأخرى: " ببكاء أهله". وفي رواية لمسلم، عن أبي موسى قال: " لما أصيب عمر ﵁، أقبل صهيب ﵁، من منزله، حتى دخل على عمر ﵁، فقام بحياله يبكي، فقال له عمر ﵁: علام تبكي؟ أعليَّ تبكي؟ قال: إي والله، لَعليك يا أمير المؤمنين، قال: والله لقد علمت أن رسول الله ﷺ ، قال: " من يبكي عليه

стр. 473

يعذب"، قال: فذكرت ذلك لموسى بن طلحة، فقال: كانت عائشة ﵂، تقول: إنما كان أولئك اليهود" (١) أنتهى. وفي الحديث دلالة على أنّ الحكم ليس خاصًا بالكافر وعلى أنّ صهيبًا ﵁، أحد من سمع هذا الحديث من النبيّ ﷺ ، وكأنه نسيه حتى ذكره به عمر ﵁. وقال ابن بطال: إنْ قيل: كيف نهى صهيبًا عن البكاء، وأقرّ نساء بني المغيرة على البكاء على خالد، كما سيأتي في الباب الذي يليه؟ فالجواب: أنّه خشي أن يكون رفعه لصوته من باب ما نهي عنه، ولهذا قال في قصة خالد: مالم يكن نقع أو لقلقة (٢). (تكميل) اعلم أنّه قد أختلف العلماء في مسألة تعذيب الميت بالبكاء عليه، فمنهم من حمله على ظاهره، وهو البيّن من قصة عمر مع صهيب ﵄، كما مرّ وإن كان يحتمل أن يكون عمر ﵁، كان يرى أنّ المؤاخذة على الميت إذا كان قادرًا على النهي ولم يقع منه، فلذلك بادر إلى نهي صهيب ﵁، وكذلك نهى حفصة ﵂، كما رواه مسلم من طريق نافع، عن ابن عمر (٣) ﵄. وممن أخذ بظاهره: عبد الله بن عمر ﵄، فروى عبد الرزاق، من طريقه: أنّه شهد جنازة رافع بن خديج ﵁، فقال لأهله: إنّ رافعًا شيخ كبير لا طاقة له بالعذاب، وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه" (٤).

стр. 474

[٦٤ ب/س] ومنهم مَن ردّ حديث تعذيب الميت، وعارضه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] مثل عائشة ﵂، وممن روى عنه الإنكار /أبو هريرة ﵁، كما رواه أبو يعلى من طريق بكر بن عبد الله المزني، قال: قال أبو هريرة ﵁: "تاالله لئن انطلق رجل مجاهدًا في سبيل الله، فاستشهد فعمدت امرأته سفهًا وجهلًا، فبكت عليه، ليعذبن هذا الشهيد بذنب هذه السفيهة " (١)، قاله في مقام الإنكار وإلى هذا احتجّ جماعة من الشافعية منهم الشيخ أبو حامد وغيره (٢). روى البيهقي في سننه عن الشافعي أنّه قال: وما روت عائشة ﵂، أشبه أن يكون محفوظًا عنه ﷺ ، بدلالة الكتاب والسنة: أمّا الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. [١٤٥ أ/ص] /وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ _٨]، وقوله تعالى: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥)﴾ [طه: ١٥]. وأمّا السنة: فقوله ﷺ ، لرجل: " هذا ابنك"، قال: نعم قال: " أما إنّه لا يجني عليك ولا تجني عليه" فأعلم رسول الله ﷺ ، مثل ما أعلم الله من أن جناية كل امرئ عليه كعمله لا لغيره (٣). ومنهم من أوّل قوله: "ببكاء أهله" المؤلف، حيث قال: إذا كان النوح من سنته سواء أوصى به أو لم يوص على ما سبق تفصيله، قيل: وهو أوجه التأويلات.

стр. 475

ومنهم من حمل على الوصية بذلك، وبه قال المزني، وإبراهيم الحربي، وأخرون من الشافعية وغيرهم (١)، حتى قال أبو الليث السمرقندي: أنّه قول عامة أهل العلم (٢)، وكذا نقله النووي عن الجمهور، وهو مشهور في الجاهلية وموجود في أشعارهم، كقول طرفة بن العبد: إذا مت فأنعيني. . . . . . البيت (٣). وأعترض بأنّ التعذيب بسبب الوصيّة يستحق بمجرد صدور الوصية، والحديث دال على أنّه إنّما يقع عند وقوع الامتثال. وأجيب بأنّه ليس في السياق حصر، فلا يلزم من وقوعه عند الامتثال أن لا يقع إذا لم يمتثلوا مثلًا (٤). ومنهم من حمل على ترك الوصية بتركه، والنهي عنه، وهو قول: داود وطائفة، ولا يخفى محله إذا علم ما جاء في النهي عن النوح، وعرف أنّ أهله من شأنهم أن يفعلوا ذلك ولم يعلمهم بتحريمه ولا زجرهم عن تعاطيه، فإذا عذب على ذلك عذب بفعل نفسه لا بفعل غيره بمجرده (٥). ومنهم قال: إن المراد بقوله: "يعذب ببكاء أهله"، بنظير ما يبكيه أهله به من الأفعال المنهية التي يعددون عليه ويمدحونه بها، زعمًا منهم أنها محاسن، وهي في الشرع قبائح، كقولهم: يا مرمل النسوان، وموتم الولدان، ومخرب العمران، ومفرق الأخدان، ويرون ذلك شجاعة وفخرًا، وهو يعذب بفعله ذلك، وهو عين ما يمدحونه به، وهذا اختيار ابن حزم وطائفة، واستدل له بحديث ابن عمر ﵄، الآتي في "باب البكاء عند المريض:، وفيه: " ولكن يعذب بهذا أو أشار إلى لسانه (٦) "،

стр. 476

قال ابن حزم: فصحّ أنّ البكاء الذي يعذب به الإنسان /ما كان منه باللسان، إذ [يندبونه] (١) برياسته التي جار فيها، وشجاعته التي صرفها في غير طاعة الله، وجوده الذي لم يضعه في الحق، فأهله يبكون عليه بهذه المفاخر، وهو يعذب بذلك (٢). [١٤٦ أ/س] وقال الإسماعيلي: كثر كلام العلماء في هذه المسألة، وقال كل فيه مجتهدًا على ما (٣) حسب ما قدر له، ومن أحسن ما حضرني وجه لم أرهم ذكروه، وهو: أنّهم كانوا في الجاهلية يغيرون ويسبون ويقتلون، وكان أحدهم إذا مات بَكَتْهُ بواكيه بتلك الأفعال المحرمة، فمعنى الحديث: أن الميت يعذب بذلك الذي يبكي عليه أهله به؛ لأنّ الميت يندب بأحسن أفعاله وكانت محاسن أفعالهم ما ذكر، وهي زيادة ذنب في ذنوبه يستحق العذاب عليها انتهى. (٤)، فليتأمل. ومنهم من قال: معنى التعذيب توبيخ الملائكة له بما يندبه أهله به، كما روى أحمد من حديث أبي موسى ﵁، مرفوعًا: "الميت يعذب ببكاء الحي، إذا قالت النائحة: واعضداه، وا ناصراه، وا كاسباه، جبذ الميت وقيل له: آنت عضدها؟ آنت ناصرها؟ آنت كاسبها؟ (٥) "، ورواه ابن ماجه بلفظ "يتعتع به يقال: أنت كذلك؟ "

стр. 477

ورواه الترمذي بلفظ: " ما من ميّت يموت فيقوم ناديته، فتقول: وا جبلاه، وا سنداه، أو شبه ذلك-من القول- إلا وُكِّلَ به ملكان يلهزانه: أهكذا كنت؟ " (١)، وشاهده: ما روى المصنف في المغازي، من حديث النعمان بن بشير ﵁ قال: أغمى على عبد الله بن رواحة ﵁، فجعلت أخته تبكي وتقول: واجبلاه، واكذا، واكذا، فقال حين أفاق: " ما قلت شيئًا إلا قيل لي: أنت كذلك؟ " (٢). ومنهم من قال: معنى تعذيب الميت: أنّه يتألّم ويرقّ بما يقع من أهله من النياحة وغيرها، كما نتألّم ونرق ببكاء الأطفال، قال القرافي: وهو الأولى، انتهى (٣). وهذا اختيار أبي جعفر محمد بن جرير الطبري (٤) من المتقدمين، ورجّحه ابن المرابط، والقاضي عياض، ومن تبعه (٥)، ونصره ابن تيمية وجماعة من المتأخرين (٦)، واستشهدوا له بحديث قيلة بنت مخرمة إذ فيه: قلت: " يا رسول الله قد ولدته فقاتل معك يوم الزبدة، ثم أصابته الحمى فمات، وترك على البكاء، فقال رسول الله ﷺ ، أيغلب أحدكم أن يصاحب صويحبه في الدنيا معروفًا، فإذا مات استرجع فوالذي نفس محمد بيده: إنّ أحدكم يبكي فيستعبر (٧)، إليه صويحبه فيا عباد: الله لا

стр. 478

تعذبوا موتاكم"، وهذا طرف من حديث طويل حسن الإسناد، أخرجه ابن أبي خيثمة وابن أبي شيبة /والطبراني، وغيرهم (١). [٦٤ ب/ص] [١٤٦ أ/ص] قال ابن المرابط: حديث قيْلة نصّ في المسألة، فلا يعدل عنه، واعترض عليه ابن رشيد بأنه ليس نصًا، وإنما هو يحتمل فإن قوله: "فيستعبر إليه صويحبه"، ليس نصًا في أن المراد به الميّت، بل يحتمل أن يراد به صاحبه الحي، وأن الميّت يعذب حينئذ ببكاء الجماعة عليه، ويحتمل أن يجمع بين هذه التأويلات والتوجيهات فتنزل على الاختلاف الأشخاص، بأن يقال مثلًا: من كانت طريقته النوح فمشى أهله /على طريقته أو أوصاهم بذلك عذب بصنيعه، ومن كان ظالمًا فندب بأفعاله الجائرة عذّب بما ندب به، ومن كان يعرف من أهله النياحة وأهمل نهيهم عنها، فإن كان راضيًا بذلك التحق بالأول، وإن كان غير راض عذب بالتوبيخ لم أهمل النهي، ومن سلِم من ذلك كله واحتاط فنهى أهله عن المعصية ثم خالفوه وفعلوا ذلك كان تعذيبه تأمله بما يراه منهم من مخالفة أمره وإقدامهم على معصية ربهم (٢). وقال الكرماني: جاز التعذيب بفعل الغير في الدنيا لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] وكذا في عالم البرزخ، وأما آية [الوزارة] (٣) فإنّها في القيامة فقط، وحسّنه في توجيه الحديث، والله أعلم (٤).

стр. 479

(تذييل) قد أوّل بعضهم قوله: "ببكاء أهله" على أنّ الباء للحال، لا بمعني السبب أي: أن ابتداء عذاب الميت يقع عند البكاء أهله عليه، وذلك أنّ شدة بكائهم غالبًا إنما يقع عند دفنه، وفي تلك الحالة يسأل ويبتدأ به عذاب القبر وكان معنى الحديث: أن الميت يعذب حالة بكاء أهله عليه، ولا يلزم من ذلك أن يكون بكاؤهم سببًا لتعذيبه، حكاه الخطابي (١). ولا يخفى ما فيه من التكلف، ولعل قائله أخذ من قول عائشة ﵂: "إنما قال رسول الله ﷺ : إنه ليعذب بمعصيته أو بذنبه، وإنّ أهله يبكون عليه الآن" (٢)، أخرجه مسلم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه عنها ﵂. وعلى هذا يكون خاصًا ببعض الموتى، وهم الذين وجب عليهم العذاب بذنوب اقترحوها، وجرى من قضاء الله سبحانه فيهم أن يكون عذابه وقت البكاء عليهم لاستحقاقهم ذلك بذنوبهم، ويكون ذلك حالًا لا سببًا؛ لمخالفته القران هذا. [١٤٧ أ/س] وأوّله بعضهم على أن الراوي سمع بعض الحديث ولم يسمع بعضه /وأنّ اللام في الميّت لمعهود معين، كما جزم به القاضي أبو بكر الباقلاني وغيره، وحجّتهم ما في رواية عمرة، عن عائشة ﵂، (٣) وهو رابع أحاديث الباب، وقد رواه مسلم من الوجه الذي أخرجه منه البخاري، وزاد في أوّله ذكر لعائشة ﵂: أنّ ابن عمر ﵄، يقول: "إنّ الميّت ليعذّب ببكاء الحي عليه، فقالت عائشة ﵂: يغفر الله لأبي عبدالرحمن، أما أنّه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ، إنما مرَّ رسول الله ﷺ ، على يهودية. . . " (٤)، فذكرت الحديث. وأوّله بعضهم على أنَّ ذلك مختص بالكافر، وأنّ المؤمن لا يعذب بذنب غيره أصلًا، وهو ظاهر من رواية ابن عباس عن، عائشة ﵃، وهو ثالث أحاديث الباب، وفيها إشعار بأنّها لم ترد الحديث بحديث آخر، بل بما استشعرت هي من معارضة القران، قال الداودي: رواية ابن عباس عن

стр. 480

عائشة ﵂، تثبت ما نفته عمرة وعروة عنها، إلا أنّها خصته بالكافر؛ لأنّها أثبتت أنّ الميت يزاد عذابه ببكاء أهله، فأي فرق بين أن يزاد بفعل غيره أو يعذب ابتداء (١) انتهى، وقد مرّ الجواب عنه فيما سبق. وقال القرطبي: إنكار عائشة ﵂، ذلك، وحكمها على الراوي بالتخطئة أو النسيان، أو على أنّه سمع بعضًا ولم يسمع بعضًا، بعيد؛ لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة ﵃، كثيرون، وهم جازمون، فلا وجه للنفي من إمكان حمله على محمل صحيح (٢)، انتهى. وقد ذكرنا على التفصيل ما يمكن أن يكون محملًا صحيحًا، وإنّما أطنبنا في هذا المقام؛ لكونه من مزالق الأقدام، والله أعلم بالمراد.

стр. 481

باب: مَا يُكْرَهُ مِنَ النِّيَاحَةِ عَلَى الْمَيِّتِ قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: وَقَالَ عُمَرُ - رضى الله عنه - دَعْهُنَّ يَبْكِينَ عَلَى أَبِى سُلَيْمَانَ مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ أَوْ لَقْلَقَةٌ. وَالنَّقْعُ التُّرَابُ عَلَى الرَّأْسِ، وَاللَّقْلَقَةُ الصَّوْتُ. ١٢٩١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ عَلِىِّ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ الْمُغِيرَةِ - رضى الله عنه - قَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ «إِنَّ كَذِبًا عَلَىَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ «مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ». قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (باب مَا يُكْرَهُ مِنَ النِّيَاحَةِ) والنياحة: رفع الصوت بالندب (١)، وقيده بعضهم بالكلام المسجع، (عَلَى الْمَيِّتِ) أي: كراهة التحريم لما تقدّم من الوعيد عليه، قال الزين ابن المنير: كلمة "ما" موصولة، و"من" لبيان الجنس، فالتقدير: باب الذي يكره من البكاء الذي هو النياحة (٢) أنتهى. [١٤٧ أ/ص] وقال الحافظ العسقلاني: ويحتمل أن يكون "ما" مصدرية، و"من" تبعيضيّة، والتقدير: كراهية بعض النياحة، أشار إلى ذلك ابن المرابط وغيره (٣)، وكأنّه لمح إلى ما نقله ابن قدامة، عن أحمد في رواية: أن بعض النياحة لا تحرم؛ لأنه ﷺ ، لم ينه عمة جابر ﵁، لما ناحت، فدلّ على أنّ النياحة /إنما تحرم إذا انضاف إليها فعل من ضرب خد، أو شق جيب (٤).

стр. 482

وفيه نظر؛ لأنّه ﷺ ، إنّما نهى عن النياحة بعد هذه القصة؛ لأنّها كانت بأحد وقد قال في أحد: " لكن حمزة لا بواكي له"، ثمّ نهى عن ذلك وتوعد عليه، وقد روى ابن ماجه، وأحمد، والحاكم وصححه من طريق أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر ﵄،: أنّ رسول الله ﷺ ، مرّ بنساء بني عبد الأشهل يبكين هَلْكاهُن يوم أحد. فقال ﷺ : " لكن حمزة لا بواكي له"، فجاءت نساء الأنصار يبكين حمزة، فاستيقظ رسول الله ﷺ فقال: " ويحهن، ما انقلبن بعد مرورهن، فلينقلبن ولا يبكين على هالك بعد اليوم" (١). (وَقَالَ عُمَرُ): ابن الخطاب (﵁، دَعْهُنَّ يَبْكِينَ عَلَى أَبِى سُلَيْمَانَ) هو: كنية خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي، المسمى بسيف الله ﵁، (مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ) بفتح النون وسكون القاف آخره عين مهملة، (أَوْ لَقْلَقَةٌ) بلامين وقافين، وسيجيئ معناهما من المؤلف، وهذا تعليق وصله المؤلف في "تاريخه الأوسط"، من طريق الأعمش (٢). وكذا وصله البيهقي أيضًا من طريق الأعمش، عن شقيق قال: " لما مات خالد بن الوليد ﵁، اجتمع نسوة بني المغيرة يبكين عليه، فقيل لعمر ﵁: أرسل إليهن، فانههن، فقال عمر ﵁: " ما عليهن أن يهرقن دموعهن على أبي سليمان مالم يكن نقعًا أو لقلقة (٣) ". [٦٥ ب/س] قال العيني: قد أختلف أهل السير والأخبار مكان وفاة خالد بن الوليد ﵁ (٤) /قال الواقدي: مات خالد ﵁، في بعض قرى حمص على ميل من حمص في سنة: إحدى وعشرين (٥)، قال

стр. 483

صاحب المرآة: وهذا قول عامة المؤرخين. وذكر ابن الجوزي في "التلقيح"، قال: لما عزل عمر ﵁، خالدًا ﵁، لم يزل مرابطًا بحمص حتى مات (١). وقال إسحاق بن بشر: قال محمد: مات خالد بن الوليد ﵁، بالمدينة، فخرج عمر ﵁، في جنازته وإذا أمه تندب وتقول أبياتًا، أولها هو قولها: أنت خير من ألف ألف من القوم ... إذا ما كبت وجوه الرجال. فقال عمر ﵁: صدقت إن كان كذلك (٢). [١٤٨ أ/س] وكذا جماعة على أنّه مات بالمدينة، واحتجّوا في ذلك بما رواه سيف بن عمر، عن مبشر، عن سالم قال: حجّ عمر ﵁، واشتكى خالد بعده وهو خارج /المدينة، زائرًا لأمه، فقال لها: قدموني إلى مهاجري، فقدمت به المدينة، فلما ثقل وأظل قدوم عمر ﵁، لقيه لاق على مسيرة ثلاثة أيام، وقد صدر عمر ﵁، عن الحج، فقال له عمر: مَهيم؟ فقال: خالد بن الوليد ثقل لما به، فطوى ثلاثًا في ليلة، فأدركه حين قضى، فرقّ عليه، فاسترجع وجلس ببابه حتى جهز، وبكته البواكي، فقيل لعمر ﵁: ألا تسمع لهذا؟ فقال: وما على نساء آل الوليد أن يسفحن على خالد من دموعهن ما لم يكن نقع أو لقلقة؟ (٣).

стр. 484

وقال الموفق في "الأنساب"، عن محمد بن سلام قال: "لم يبق امرأة من نساء بني المغيرة إلا وضعت لمتها على قبر خالد" أي: حلقت رأسها وشققن الجيوب ولطمن الخدود وأطعمن الطعام ما نهاهن عمر ﵁، فهذا كله يقتضي موته بالمدينة" (١). وقالت عامة العلماء منهم الواقدي، وأبو عبيد، وإبراهيم بن المنذر، ومحمد بن عبد، وأبو عمرو المعصغري، وموسى بن أيوب، وأبو سليمان بن أبي محمد، وأخرون، أنّه مات بحمص سنة: إحدى وعشرين (٢)، وزاد الواقدي: وأوصى إلى عمر بن الخطاب ﵁ (٣). (وَالنَّقْعُ التُّرَابُ) أي: وضعه وصبه (٤)، (عَلَى الرَّأْسِ وَاللَّقْلَقَةُ الصَّوْتُ) يعني: المرتفع بالبكاء، وقال الإسماعيلي: النقع الصوت بالبكاء، وبهذا فسره البخاري، انتهى. وأنت كما ترى ما فسر البخاري النقع إلا بالتراب، قال صاحب التلويح: والذي رأيت في سائر نسخ البخاري، أنّه فسر النفع بالتراب (٥). وروى سعيد بن منصور، عن هشيم عن مغيرة، عن إبراهيم قال: النقع الشق (٦)، أي: شق الجيوب، وكذا قال وكيع، فيما رواه ابن سعد عنه. وقال الكساني: هو: صنعة الطعام في المأتم، كأنّه ظنّه من النقيعة، وهي: طعام المآتم، وقال أبو عبيد: النقيعة: طعام القدوم من السفر وهو المشهور (٧)، وفي المجمل: النقع: الصراخ ويقال: هو

стр. 485

النقيع (١)، وفي الصحاح: النقيع هو: الصراخ، ونقع الصوت واستنقع، أي: ارتفع (٢)، وفي "الموعب" نقع الصارخ بصوته، وأنقع: إذا تابعه، وفي "الجامع" و"الجمهرة": الصوت واختلاطه في حرب أو غيرها (٣). وقيل: صوت لطم الخدود، حكاه الأزهري (٤)، وقال الإسماعيلي: النقع لَعمري، هو الغبار؛ لكن ليس هذا موضعه، وإنّما هو هنا: الصوت العالي، واللقلقة: ترديد صوت النواحة انتهى (٥). وقال ابن الأثير: المرجّح أنّه وضع التراب على الرأس، وأمّا من فسّره بالصوت؛ فيلزم موافقته للقلقة، فحمل اللفظين على معنيين أولى من حملهما على معنى واحد (٦). وقيل: إن بينهما مغايرة من وجه فلا مانع من إرادة ذلك (٧)، والله أعلم. [١٤٨ أ/ص] (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) بضم النون: الفضل بن دكين، (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ (٨)) /بكسر العين المهملة في الأول وضمها في الثاني، مصغرًا غير مضاف: أبو الهذيل الطائي، وقد مرّ في "باب: من لم يتم الصفوف". (عَنْ عَلِىِّ بْنِ رَبِيعَةَ (٩)) بفتح الراء: الوالبي، بكسر اللام والموحدة، الأسدي، وليس له في البخاري غير هذا الحديث، (عَنِ الْمُغِيرَةِ (١٠)) بضم الميم وكسر الغين، هو: ابن شعبة (﵁).

стр. 486

ورجال إسناد الحديث كلّهم كوفيون، وصرّح في رواية مسلم بسماع سعيد من علي، ولفظه: "حدثنا علي بن ربيعة"، وقد أخرجه مسلم من وجه آخر، عن سعيد بن عبيد، وفيه: حدثنا علي بن ربيعة قال: " أتيت المسجد والمغيرة أمير الكوفة فقال سمعت. . . " (١) فذكره. ورواه أيضًا من طريق وكيع، عن سعيد بن عبيد، ومحمد بن قيس الأسدي، كلاهما عن علي بن ربيعة، قال: " أول من نيح عليه بالكوفة قرظة بن كعب" (٢). وفي رواية الترمذي: "مات رجل من الأنصار يقال له: قرظة بن كعب، ونيح عليه، فجاء المغيرة، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ما بال النوح في الإسلام (٣) " الحديث. وقَرَظَة بفتح القاف والراء والظاء المشالة: أنصاري خزرجي، كان أحد من وجهه عمر ﵁ إلى الكوفة لتفقه الناس، وكان على يده فتح الري واستخلفه علي على الكوفة، وجزم ابن سعد وغيره بأنه مات في خلافته (٤)، وهو قول مرجوح؛ لما ثبت في صحيح مسلم: أن وفاته حيث كان المغيرة بن شعبة أميرًا على الكوفة (٥)، وكانت إمارة المغيرة على الكوفة من قبل معاوية ﵁، من سنة: إحدى وأربعين إلى أن مات وهو عليها سنة: خمسين. (قَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ كَذِبًا) بفتح الكاف وكسر المعجمة (عَلَىَّ) بتشديد الياء (لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ) أي: غيري.

стр. 487

قال الكرماني: فإن قلت الكذب على غيره أيضًا معصية: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾ [الجن: ٢٣]. قلت: الكذب عليه كبيرة؛ لأنها على الصحيح ما توعد الشارع عليه بخصوصه، وهذا كذلك، بخلاف الكذب على غيره؛ فإنّه صغيرة مع أن الفرق ظاهر بين دخول النار في الجملة وبين جعل النار مسكنًا ومثوىً، سيّما وباب التفعّل يدل على المبالغة، ولفظ الأمر على الإيجاب، أو المراد بالمعصية في الآية الكبيرة أو الكفر بقرينة الخلود (١). انتهى، فليتأمل. [٦٥ ب/ص] فإن قيل: إن الذي يدخل عليه الكاف ينبغي أن يكون أعلى، وههنا /وليس كذلك. فالجواب: أن معناه: أن الكذب على الغير قد ألف واستسهل خطبه، وليس الكذب عليه ﷺ ، بالغًا مبلغ ذاك في الألفة والسهولة، فإذا كان دونه في السهولة فهو أشد منه في الإثم، (٢) والله أعلم. (مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) أي: فليتخذ مسكنه من النار؛ وذلك لكونه مقتضيًا شرعًا عامًا باقيًا إلى يوم القيامة. (سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: مَنْ يُنَحْ عَلَيْهِ) بضم التحتانية وفتح النون وبالجزم، على أن "من" شرطية من النوح، وأصله يناح. وقوله: (يُعَذَّبْ) على صيغة المجهول مجزوم أيضًا، ويروي يعذب بالرفع وهو الذي في اليونينية، على تقدير: فإنه يعذب، وفي رواية الكشميهني: "من يناح عليه يعذب" فمن موصولة، وفي رواية: "من نيح عليه" بكسر النون، وقوله: "يعذب" يروي بالجزم والرفع على أن "من" شرطية أو موصولة (٣).

стр. 488

وفي رواية الطبراني: عن علي بن عبد العزيز، عن أبي نعيم بلفظ: "إذا نيح على الميت عذب بالنياحة عليه" (١). [١٤٩ أ/س] (بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ) بالباء السببيّة، وكلمة "ما" مصدرية أي: بسبب النوح عليه، ويروى: "ما نيح عليه"، بغير الباء فما للمدة، أي: مدة النوح عليه، ويجوز أن يكون قوله: "بما نيح عليه" حالًا، وكلمة "ما" موصولة /أي: يعذب ملتبسًا بما ندب عليه من الألفاظ، مثل: يا جبلاه، يا كهفاه، يا عضداه، على سبيل التهكم (٢). وفي تقديم المغيرة ﵁، قبل التحديث بتحريم النوح أن الكذب عليه ﷺ ، أشد من الكذب على غيره إشارة إلى أن الوعيد على ذلك يمنعه أن يخبر عنه بما لم يقل ﷺ . قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبِى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ في قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ». تَابَعَهُ عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ. وَقَالَ آدَمُ عَنْ شُعْبَةَ «الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَىِّ عَلَيْهِ» قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو: عبد الله بن عثمان، (قَالَ: أَخْبَرَنِى) بالإفراد (أَبِى (٣)) هو: عثمان بن جبلة، بالجيم والباء الموحدة المفتوحتين: ابن أبي رواد، ابن أخي عبد العزيز، أبي رواد البصري، وأبو رواد (٤) اسمه: ثابت.

стр. 489

(عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ (١) عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) ويروي: "حدثنا سعيد بن المسيب" (٢)، (عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ): عمر بن الخطاب ﵁، (عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ في قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ) بكسر النون، والحديث أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه في (الجنائز) أيضًا (٣). (تَابَعَهُ) أي: تابع عبدان (عَبْدُ الأَعْلَى (٤)) هو: ابن حماد (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ (٥)) الأول من الزيادة، والثاني مصغر زرع (قال: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ (٦)) هو: ابن أبي عروبة، (قال حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) يعني: عن سعيد بن المسيب، وقد وصله أبو يعلى في مسنده: عن عبد الأعلى بن حماد كذلك (٧). (وَقَالَ آدَمُ) هو: ابن أبي أياس، (عَنْ شُعْبَةَ) يعني بإسناد حديث الباب؛ لكن بغير لفظ المتن، وهو قوله: (الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَىِّ عَلَيْهِ) وقد تفرد "آدم" بهذا اللفظ. وقد رواه أحمد عن محمد بن جعفر غندر، ويحيى بن سعيد القطان، وحجاج بن محمد كلهم عن شعبة كالأول (٨).

стр. 490

وكذا أخرجه مسلم عن محمد بن بشار، عن محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة، عن ابن عمر ﵄، [بحذف] (١)، عن سعيد بن المسيب، عن عمر ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قال: " الميت يعذب بما نيح عليه" (٢). وفي الباب: عن ابن مسعود ﵁، عند المؤلف: وسيأتي في الباب الآتي (٣)، وعن أبي موسى عند المؤلف وسيأتي أيضًا. وعن معقل بن مقرن ﵁، عند الكجي في "السنن الكبير" بسند صحيح قال: "لعن رسول الله ﷺ . . . . والشاقة جيبها واللاطمة وجهها" (٤). [١٤٩ أ/ص] وعن أبي مالك الأشعري ﵁، عند مسلم من رواية أبي سلام، أنّ أبا مالك الأشعري، حدّثه أن النبيّ ﷺ قال: " أربع في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، /والاستسقاء [بالأنواء] (٥)، النياحة" وقال: " النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب" (٦). ورواه ابن ماجه أيضًا ولفظه: "النياحة من أمر الجاهلية، وإنّ النائحة إذا ماتت، ولم تتب، قطع الله لها ثيابًا من قطران، ودرعًا من لهب النار" (٧). وعن أبي هريرة ﵁، عند الترمذي قال: قال رسول الله ﷺ : " أربع في أمتي من أمر الجاهلية [ليس] (٨) يدعهن الناس" (٩)، الحديث.

стр. 491

وعن ابن عباس ﵄، أخرجه ابن مردويه في تفسيره بإسناده عنه [ولا يعصينك في المعروف] قال: منعهن أن ينحن، وكان أهل الجاهلية يمزقن الثياب ويخدشن الوجوه ويقطعن الشعور ويدعون بالثبور والثبور الويل (١). وعن معاوية ﵁، أخرجه ابن ماجه: "خطب معاوية ﵁، بحمص، فذكر في خطبته: أن رسول الله ﷺ ، نهى عن النوح (٢). وعن أبي سعيد الخدري ﵁، أخرجه أبو داود قال: قال رسول الله ﷺ : " لعن الله النائحة والمستمعة" (٣). وعن أبي أمامة ﵁، أخرجه ابن ماجه: "أن رسول الله ﷺ ، لعن الخامشة وجهها، والشاقة جيبها، والداعية بالويل والثبور" (٤). وعن علي ﵁، أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" عنه عن النبيّ ﷺ : أنّه نهى عن النوح" (٥).

стр. 492

وعن جابر ﵁، أخرجه ابن أبي شيبة أيضًا عنه: أن النبي ﷺ قال: " إنما نهيت عن النوح" (١). وعن قيس بن عاصم ﵁، أخرجه النسائي عنه قال: " لا تنوحوا عليّ، فإن رسول الله ﷺ ، لم ينح عليه" (٢). وعن جنادة بن مالك ﵁، أخرجه الطبراني عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث من فعل الجاهلية لا يدعهن أهل الإسلام: استسقاء بالكواكب، وطعن في النسب، والنياحة على الميت" (٣). [٦٦ ب/س] وعن امرأة، من المبايعات، أخرجه أبو داود عنها، قالت: كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ / في المعروف الذي أخذ علينا: أن لا نعصيه فيه، أنْ لا نخمش وجهًا، ولا ندعوا ويلًا، ولا نشق جيبًا، ولا ننشرَ شعرًا (٤) ". وعن أنس ﵁، أخرجه النسائي عنه، أن رسول الله ﷺ : أخذ على النساء حين بايعهن أن لا ينحن" (٥) الحديث.

стр. 493

[١٥٠ أ/س] وعن عمرو بن عوف ﵁، أخرجه الطبراني /في الكبير عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث من أعمال الجاهلية لا يتركهن الناس: الطعن في الأنساب، والنياحة، وقولهم: مطرنا بنجم كذا وكذا" (١). وعن ابن عمر ﵄، أخرجه البيهقي: "أن رسول الله ﷺ لعن النائحة والمستمعة، والحالقة، والسالقة، والواشمة، والموتشمة، وقال: ليس للنساء في اتباع الجنازة أجر" (٢). وعن عمران بن حصين ﵁، أخرجه النسائي عنه قال: " الميت يعذب بنياحة أهله عليه" فقال له رجل: أرأيت رجلًا مات بخراسان وناح أهله عليه ههنا، أكان يعذب بنياحة أهله عليه؟ فقال: صدق رسول الله، وكذبت أنت" (٣). وعن العباس بن عبدالمطلب ﵁، أخرجه الطبراني عنه في "الكبير" قال: أخذ رسول الله ﷺ ، بيدي فقال: " يا عباس ثلاث لا يدعهن قومك: الطعن في النسب، والنياحة، والاستمطار بالأنواء" (٤).

стр. 494

وعن سليمان ﵁ أخرجه الطبراني عنه، عن النبي ﷺ ، قال: " ثلاثة من الجاهلية: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والنياحة" (١). وعن سمرة ﵁، أخرجه البزار عنه، عن النبيّ ﷺ ، قال: " الميت يعذب بما نيح عليه" (٢). وعن امرأة أبي موسى، أم عبد الله بنت أبي دومة، عند أبي داود، قالت: قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من حلق ومن سلق ومن خرق" (٣). قوله: "من حلق" أي: شعره عند المصيبة إذا حلت به (٤) "ومن سلق" أي رفع صوته عند المصيبة، وقيل: أن تصك المرأة وجهها وتمرشه، ويقال: صلق بالصاد، ومن خرق بالخاء المعجمة، أي: شقّ ثيابه عند المعصية (٥).

стр. 495

باب قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٩٣ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُنْكَدِرِ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - قَالَ جِئَ بِأَبِى يَوْمَ أُحُدٍ، قَدْ مُثِّلَ بِهِ حَتَّى وُضِعَ بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ سُجِّىَ ثَوْبًا فَذَهَبْتُ أُرِيدُ أَنْ أَكْشِفَ عَنْهُ فَنَهَانِى قَوْمِى، ثُمَّ ذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْهُ فَنَهَانِى قَوْمِى، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُفِعَ فَسَمِعَ صَوْتَ صَائِحَةٍ فَقَالَ «مَنْ هَذِهِ». فَقَالُوا ابْنَةُ عَمْرٍو أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو. قَالَ «فَلِمَ تَبْكِى أَوْ لَا تَبْكِى فَمَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ» (١) قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (باب) كذا وقع في رواية الأصيلي بلفظ الباب وحده، كأنه بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله، وليس بمذكور في رواية غيره (٢). (حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ): ابن المدني، (قال حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو: ابن عيينة، (قال حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُنْكَدِرِ): محمد، (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاري ﵁، (قَالَ: جِئَ بِأَبِى) عبد الله عمرو بن حرام ضد الحلال، استشهد يوم أحد، فأحياه الله وكلّمه، وقال: يا عبد الله ما تريد، قال: أرجع إلى الدنيا فأقتل مرة أخرى شهيدًا، ذكره الكرماني (٣). (يَوْمَ أُحُدٍ) حال كونه (قَدْ مُثِّلَ بِهِ) بضم الميم وتشديد المثلثة من التمثيل، يقال: مثل بالقتيل: إذا جدع أنفه، وأذنه، أو مذاكيره، أو شيء من أطرافه، والاسم: المُثْلَة بضم الميم وسكون

стр. 496

المثلثة، ويجوز مثل تخفيف المثلثة يقال: مَثَلْت بالحيوان أمْثُلُ به /مثلًا، قال ابن الأثير: فأمّا مثّل بالتشديد فهو للمبالغة (١). [١٥٠ أ/ص] (حَتَّى وُضِعَ بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ سُجِّىَ) بضم السين المهملة وكسر الجيم المشددة أي: غطى، وقوله: (ثَوْبًا) نصب بنزع الخافض أي: بثوب، (فَذَهَبْتُ) حال كوني (أُرِيدُ أَنْ أَكْشِفَ عَنْهُ) الثوب أي: أريد كشفه. (فَنَهَانِى قَوْمِى، ثُمَّ ذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْه، فَنَهَانِى قَوْمِى، فَأَمَرَ) وفي رواية: "فأمر به" (٢). (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي: برفعه، (فَرُفِعَ) على صيغة البناء للمفعول، (فَسَمِعَ) رسول الله ﷺ ، (صَوْتَ) امرأة (صَائِحَةٍ فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ) المرأة الصائحة، (فَقَالُوا: ابْنَةُ عَمْرٍو): فاطمة، وهي: أخت المقتول، عمة جابر؛ لأن جابرًا ﵁: ابن عبد الله بن عمرو بن حرام، ووقع في "الإكليل" للحاكم: أنّها هند بنت عمرو، وقال الحافظ العسقلاني: فلعلّ لها اسمين أو أحدهما اسمها، والآخر لقبها (٣). وتعقبه العيني: لا يلقب بالأسماء الموضوعة للمسميات، فإن صحّ ما في "الإكليل" فيحمل على أنهما كانتا أختين، وهما عمتا جابر ﵁ (٤). (أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو) شك من الراوي، وقال الحافظ العسقلاني: هو شك من سفيان، فتكون عمه المقتول عبد الله، وقال: والصواب بنت عمرو (٥). (قَالَ:) ﷺ ، (فَلِمَ تَبْكِى) بكسر اللام وفتح الميم، على أنّه استفهام عن الغائبة أي: لم تبكي هذه المرأة عليه (أَوْ لَا تَبْكِى) شك من الراوي، هل استفهم أو نهى، ويحتمل أن يكون نفيًا بمعنى النهي.

стр. 497

(فَمَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا) وفي رواية: "تظل" بدون الضمير (١)، (حَتَّى رُفِعَ) فلا ينبغي أن تبكي عليه مع حصول هذه المنزلة، بل ينبغي أن يفرح له بما صار إليه. ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنّ قوله ﷺ : "من هذه" لما سمع صوت صائحة إنكار في نفس الأمر، وإن لم يصرح به، وقد مر هذا الحديث في أوائل "باب الجنائز" (٢).

стр. 498

بَابٌ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الجُيُوبَ قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا زُبَيْدٌ الْيَامِىُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» (١). قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (بَابٌ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الجُيُوبَ) وإنّما ذكر شق الجيوب في الترجمة خاصة، مع أنّ المذكور في حديث الباب ثلاثة أشياء؛ تنبيهًا على أنّ النفي الذي حاصله التبري، يقع بكل واحد من الثلاثة، ولا يشترط وقوع المجموع (٢). ويدل عليه: ما رواه مسلم من حديث مسروق، عن عبد الله ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من ضرب الخدود، أو شق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية"، وله في رواية: بالواو (٣)، فإذا كانت روايتان إحداهما بـ"أو"، والأخرى: بـ"الواو"، وتحمل الواو على أو. وإنما خص شق الجيوب من بين الثلاثة بالذكر؛ لأنه أشد الثلاثة قبحًا وأبشعها، مع أنّ فيه خسارة المال من غير وجه (٤). [١٥١ أ/س] (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) /بضم النون: الفضل بن دكين، (قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو: الثوري، (قال: حَدَّثَنَا زُبَيْدٌ) بضم الزاي وفتح الموحدة وسكون التحتية آخره دال مهملة، هو: ابن الحارث بن

стр. 499

عبدالكريم، (الْيَامِىُّ (١)) بمثناة تحتية وميم مخففة، من بني يام بن رافع بن مالك/ من همدان، وفي رواية الكشميهني: " الأيامي"، بزيادة الهمزة في أوله (٢)، وقد مر في "باب خوف المؤمن"، من "كتاب الإيمان". [٦٦ ب/ص] (عَنْ إِبْرَاهِيمَ (٣)): النخعيّ، (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو: ابن الأجدع (٤)، (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) أي: ابن مسعود، (﵁ قَالَ: قَالَ الرسول:) وفي نسخة: " قال النبيّ"، ( ﷺ لَيْسَ مِنَّا) أي: ليس من أهل سنتنا وطريقتنا، ولا من المهتدين بهدينا، وليس المراد به خروجه عن الدين؛ لأنّ العاصي لا يكفر بها عند أهل السنة، اللهم إلا أن يعتقد حلّها. وعن سفيان: أنه كره الخوض في تأويله، وقال: ينبغي أن يمسك عنه؛ ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر (٥). وقال الكرماني: هو للتغليظ، اللهم إلا أن يفسر دعوى الجاهلية بما يوجب الكفر نحو تحليل الحرام، وعدم التسليم لقضاء الله ، فحينئذ يكون النفي حقيقة (٦). وقال ابن بطال: معناه ليس مقتديًا بنا ولا مستنًا (٧) بسنتنا (٨)، وقيل: معناه ليس على سيرتنا الكاملة وهدينا الكامل، أي: أنّه خرج من فرع من فروع الدين، وإن كان معه أصله (٩).

стр. 500

وقال الحافظ العسقلاني: ويظهر لي أن هذا النفي يفسره التَّبرِّي الآتي في حديث أبي موسى ﵁، بعد باب حيث قال: "أنا برئ ممن برء منه ﷺ " وأصل البراءة الانفصال من الشيء، فكأنّه توعده بأن لا يدخله في شفاعته مثلًا، وهذا يدلّ على تحريم ما ذكر في الحديث، من لطم الخدود وشق الجيوب، وغيرهما، وكأنّ السبب في ذلك ما تضمنه ذلك من عدم الرضى بالقضاء، فإن وقع التصريح بالاستحلال مع العلم بالتحريم، أو التسخط مثلًا بما وقع، فلا مانع من حمله على الإخراج من الدين. (١) (مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ) ويروي: "من ضرب الخدود" (٢)، وهو: جمع خدّ، وإنما جمع، وإن كان ليس للإنسان إلا خدان، باعتبار عموم "من" أو هو على حد قوله تعالى ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠] وقول العرب: شابت مفارقه، وليس له إلا مفرق واحد، وخص الخد بذلك؛ لكون اللطم أو الضرب يقع غالبًا في الخد وإلا فضرب بقية الوجوه كذلك (٣). (وَشَقَّ الْجُيُوبَ) بضم الجيم، جمع جيب، وهو: ما يفتح من الثوب ليدخل فيه الرأس، من جابه إذا قطعه، وقال الحافظ العسقلاني: المراد بشقه إكمال فتحه إلى آخره، وهي من علامات التسخط (٤). وتعقبه العيني: بأن الشقّ أعم من ذلك، فإذا شق جيبه من ورائه أو يمينه أو يساره، يكون داخلًا فيه أيضًا (٥). [١٥١ أ/ص] (وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ) وهي: زمان الفترة قبل الإسلام، وفي رواية مسلم "بدعوى أهل الجاهلية" (٦)، أي: من النياحة وغيرها، وكذا الندبة كقولهم: "واجبلاه"، وكذا الدعاء بالويل والثبور/.

стр. 501

ورجال إسناد الحديث كلهم كوفيون، وفيه: رواية تابعي عن تابعي عن صحابي، وقد أخرج متنه المؤلف في "مناقب قريش" أيضًا وأخرجه مسلم في"الإيمان" والترمذي في "الجنائز" وكذا النسائي وابن ماجه (١).

стр. 502

باب: رِثَاءِ النَّبِىِّ ﷺ سَعْدَ بْنَ خَوْلَةَ قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ - رضى الله عنه - قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِى عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِى فَقُلْتُ إِنِّى قَدْ بَلَغَ بِى مِنَ الْوَجَعِ وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِى إلَّا ابْنَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَىْ مَالِى قَالَ «لَا». فَقُلْتُ بِالشَّطْرِ فَقَالَ «لَا» ثُمَّ قَالَ «الثُّلُثُ وَالثُّلْثُ كَبِيرٌ - أَوْ كَثِيرٌ - إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِى بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ في فِى امْرَأَتِكَ». فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِى قَالَ «إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، ثُمَّ لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِى هِجْرَتَهُمْ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ، يَرْثِى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ». قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (بابٌ) بالتنوين (رثَاءَ النَّبِىُّ ﷺ ) بلفظ الماضي، ورفع النبي على الفاعلية، ويرى "باب رِثَاءِ النبيّ ﷺ "، بكسر الراء وبالمد، ويروى بالقصر (١). وذكر الكرماني وجهًا آخر، وهو: "رَثْى النبيّ ﷺ " بفتح الراء وسكون المثلثة وبالياء (٢). وعلى الوجوه كلها، هو: مصدر رثى يرثي، وبإضافة الباب إليه قوله: (سَعْدَ بْنَ خَوْلَةَ) بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو ونصب على المفعولية، يقال: رثيت الميّت مرثية ورثاء ورثًا وريثًا: إذا عددت محاسنه ورثأت، بالهمز لغة فيه أيضًا (٣).

стр. 503

ويقال: رثى له أي: رق له، وقد أطلق الجوهري الرثاء على عدِّ محاسن الميت، مع البكاء على نظم الشعر فيه (١). فإن قيل: روى أحمد وابن ماجه من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المراثي" (٢)، وعند ابن أبي شيبة بلفظ" نهانا أن نتراثي" (٣)، فإذا نهى عنه فكيف يفعله؟ فالجواب: أنّه ليس مراده من الترجمة ما حمل النهي عليه مما فيه تهييج الحزن وتجديد اللوعة أو ما يظهر فيه تبرم، وما يفعل على الإجماع له أو ما يكثر منه، بل المراد هنا إنّما هو الإشفاق من النبيّ ﷺ ، من موت سعد بن خولة بمكة بعد أن هاجر منها، فكأنّه توجع عليه، وتحزّن لذلك، وهذا مثل قول القائل للحي: أنا أرثي لك مما يجري عليك، كأنّه يتحزّن له، وإنّ كثيرًا من الصحابة والعلماء يفعلونه، وقد قالت فاطمة بنت النبيّ ﷺ ، في مرثيته ﵊: مَاذَا عَلَى مَنْ شَمَّ تُرْبَةَ أَحْمَدٍ. . . أَلَا يَشَمَّ مَدَى الزَّمَانِ غَوَالِيَا صُبَّتْ عَلَيَّ مَصَائِبٌ لَوْ أَنَّهَا. . . صُبَّتْ عَلَى الأَيَّامِ عُدْنَ لَيَالِيَا (٤) (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التنيسي، (قال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ): الإمام، (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ): الزهري، (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ (٥)، عَنْ أَبِيهِ) سعد ﵁.

стр. 504

(قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَعُودُنِى) من العيادة، وهي: الزيارة، ولا يقال ذلك إلا لزيارة المريض. [١٥٢ أ/س] (عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ) سنة: عشر من الهجرة، سميت بذلك؛ لأنّه ﷺ ، ودعهم فيها، وسميت أيضًا حجّة البلاغ؛ لأنّه قال: " هل بلّغت؟ وحجة الإسلام؛ /لأنها الحجة التي فيها حج أهل الإسلام ليس فيها مشرك، هذا قول الزهري، وقال سفيان بن عيينة: كان ذلك يوم فتح مكة (١). وقال البيهقي: خالف سفيان الجماعة، فقال: عام الفتح، والصحيح في حجة الوداع (٢). (مِنْ وَجَعٍ) هو: اسم لكل مرض، والجمع أوجاع ووجاع، مثل جبل وأجبال وجبال، ووجع فلان ويوجع وييجع وياجع فهو وجع، وقوم وجعون ووجْعى، مثل مرضَى، ووجاع، ونساء وجاع أيضًا ووجعات، وبنو أسد يقولون: ييجع بكسر الياء (٣). [٦٧ ب/س] (اشْتَدَّ بِى) أي: قوى عليّ (فَقُلْتُ إِنِّى قَدْ بَلَغَ بِى مِنَ الْوَجَعِ) أي: بلغ أثر الوجع في غايته، وفي رواية: " أشفيت منه / على الموت"، أي: قاربت، ولا يقال: أشفى، إلا في الشر، بخلاف أشرف، وقارب (٤). (وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِى إلَّا ابْنَةٌ) وفي نسخة كتبت: "إلا أبنت"، يعني بصورة المثناة الفوقية لا بصورة الهاء. قيل: اسمها عائشة، كذا ذكره الخطيب وغيره (٥)، وليست بالتي روى عنها مالك، تيك أخت هذه، وهي تابعية، وعائشة صحابية.

стр. 505

قال العيني: وكان قد زعم من لا علم عنده أن مالكًا تابعي بروايته عنها، وليس كذلك (١). ثم إنّ قوله: "ولا ترثني إلا ابنة" معناه: من الولد وخواص الورثة وإلا فقد كان له عصبية، وقيل: معناه لا ترثني من أصحاب الفروض سواها، وقيل: من النساء، وهذا قاله قبل أن يولد له الذكور. (أَفَأَتَصَدَّقُ) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار، ويحتمل أن يريد به التنجيز أو التعليق بما بعد الموت، وفي رواية البخاري: "أفأوصي" بدل "أفأتصدق" (٢). (بِثُلُثَىْ مَالِى قَالَ:) ﷺ (لَا) أي: لا تتصدق بالثلثين، (فَقُلْتُ:) أتصدق (بِالشَّطْرِ) أي: النصف بدليل رواية أخرى للبخاري: "فأوصي بالنصف" (٣)، ويروى فالشطر بالفاء والرفع بالابتداء، والتقدير فالشطر أتصدق به (٤). وقيد الزمخشري في الفائق بالنصب بفعل مضمر أي: أوجب الشطر (٥). وقال السهيلي في أماليه: الخفض فيه أظهر من النصب؛ لأنّ النصب بإضمار فعل، والخفض مردود على قوله: "بثلثي مالي" (٦). (فَقَالَ:) ﷺ (لَا) أي: لا تتصدق بالشطر، (ثُمَّ قَالَ:) ﷺ (الثُّلُثُ) يجوز فيه الرفع على أنّه فاعل فعل محذوف أي: يكفيك، أو على أنّه مبتدأ محذوف الخبر، أو عكسه، والنصب على الإغراء أو على تقدير: اعط. [١٥٢ أ/ص] (وَالثُّلْثُ كَبِيرٌ) بالباء /الموحدة: مبتدأ أو خبر (أوْ)، قال: (كَثِيرٌ) بالمثلثة، (إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ) أي: تترك، وهذا من الذي أميت ماضيه، وقال القاضي عياض: رويناه بفتح الهمزة وكسرها، وكلاهما صحيح، انتهى، وجه الفتح: أنّها مصدرية، فهي مع صلتها في محل الرفع على الابتداء والخبر خير،

стр. 506

ووجه الكسر: أنها شرطية (١)، والأصل على ما قاله ابن مالك: إن تركت ورثتك أغنياء فهو خير، فحذف الفاء، والمبتدأ كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]، فالوصية على ما خرجه الأخفش، وكقوله ﷺ ، لأُبَيّ بن كعب: " فإنْ جاء صاحبها، وإلا فاستمتع بها" (٢). وقال ابن الجوزي: سمعناه من رواة الحديث بكسر "إن"، وقال لنا عبد الله بن أحمد النحوي: إنّما هو بفتح الألف ولا يجوز الكسر؛ لأنّه لا جواب له (٣). وقال القرطبي: روايتنا بفتح الهمز، وقد وهم من كسرها؛ لأنّها إن جعلها شرطًا لا جواب له، ويبقى خبر لا رافع له، وقد مرّ توجيه الكسر آنفا (٤). (وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً) أي: فقراء، قال ابن التين: العالة جمع عائل، وهو: الفقير، وقيل: العائل كثير العيال، حكاه الكسائي، وليس بمعروف (٥). (يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) أي: يمدون أكفهم إلى الناس بالسؤال، أو يطلبون الصدقة من أكف الناس، ثم عطف على قوله: "إنك أن تذرهم" وهو علّة للنهي عن الوصية بأكثر من الثلث، كأنّه قيل: لا تفعل؛ لأنّك إن مت فإن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم فقراء، وأن عشت تصدقت بما بقى من الثلث وأنفقت على عيالك وأجرت بذلك.
следующие страницы →