← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 540

نجاح القاري شرح صحيح البخاري - كتاب الجنائز

يوسف أفندي زاده الأماسي

Полный текст (921 стр.). Показаны 502–541 · переход к 507.

стр. 502

باب: رِثَاءِ النَّبِىِّ ﷺ سَعْدَ بْنَ خَوْلَةَ قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ - رضى الله عنه - قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِى عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِى فَقُلْتُ إِنِّى قَدْ بَلَغَ بِى مِنَ الْوَجَعِ وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِى إلَّا ابْنَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَىْ مَالِى قَالَ «لَا». فَقُلْتُ بِالشَّطْرِ فَقَالَ «لَا» ثُمَّ قَالَ «الثُّلُثُ وَالثُّلْثُ كَبِيرٌ - أَوْ كَثِيرٌ - إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِى بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ في فِى امْرَأَتِكَ». فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِى قَالَ «إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، ثُمَّ لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِى هِجْرَتَهُمْ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ، يَرْثِى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ». قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (بابٌ) بالتنوين (رثَاءَ النَّبِىُّ ﷺ ) بلفظ الماضي، ورفع النبي على الفاعلية، ويرى "باب رِثَاءِ النبيّ ﷺ "، بكسر الراء وبالمد، ويروى بالقصر (١). وذكر الكرماني وجهًا آخر، وهو: "رَثْى النبيّ ﷺ " بفتح الراء وسكون المثلثة وبالياء (٢). وعلى الوجوه كلها، هو: مصدر رثى يرثي، وبإضافة الباب إليه قوله: (سَعْدَ بْنَ خَوْلَةَ) بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو ونصب على المفعولية، يقال: رثيت الميّت مرثية ورثاء ورثًا وريثًا: إذا عددت محاسنه ورثأت، بالهمز لغة فيه أيضًا (٣).

стр. 503

ويقال: رثى له أي: رق له، وقد أطلق الجوهري الرثاء على عدِّ محاسن الميت، مع البكاء على نظم الشعر فيه (١). فإن قيل: روى أحمد وابن ماجه من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المراثي" (٢)، وعند ابن أبي شيبة بلفظ" نهانا أن نتراثي" (٣)، فإذا نهى عنه فكيف يفعله؟ فالجواب: أنّه ليس مراده من الترجمة ما حمل النهي عليه مما فيه تهييج الحزن وتجديد اللوعة أو ما يظهر فيه تبرم، وما يفعل على الإجماع له أو ما يكثر منه، بل المراد هنا إنّما هو الإشفاق من النبيّ ﷺ ، من موت سعد بن خولة بمكة بعد أن هاجر منها، فكأنّه توجع عليه، وتحزّن لذلك، وهذا مثل قول القائل للحي: أنا أرثي لك مما يجري عليك، كأنّه يتحزّن له، وإنّ كثيرًا من الصحابة والعلماء يفعلونه، وقد قالت فاطمة بنت النبيّ ﷺ ، في مرثيته ﵊: مَاذَا عَلَى مَنْ شَمَّ تُرْبَةَ أَحْمَدٍ. . . أَلَا يَشَمَّ مَدَى الزَّمَانِ غَوَالِيَا صُبَّتْ عَلَيَّ مَصَائِبٌ لَوْ أَنَّهَا. . . صُبَّتْ عَلَى الأَيَّامِ عُدْنَ لَيَالِيَا (٤) (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التنيسي، (قال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ): الإمام، (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ): الزهري، (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ (٥)، عَنْ أَبِيهِ) سعد ﵁.

стр. 504

(قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَعُودُنِى) من العيادة، وهي: الزيارة، ولا يقال ذلك إلا لزيارة المريض. [١٥٢ أ/س] (عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ) سنة: عشر من الهجرة، سميت بذلك؛ لأنّه ﷺ ، ودعهم فيها، وسميت أيضًا حجّة البلاغ؛ لأنّه قال: " هل بلّغت؟ وحجة الإسلام؛ /لأنها الحجة التي فيها حج أهل الإسلام ليس فيها مشرك، هذا قول الزهري، وقال سفيان بن عيينة: كان ذلك يوم فتح مكة (١). وقال البيهقي: خالف سفيان الجماعة، فقال: عام الفتح، والصحيح في حجة الوداع (٢). (مِنْ وَجَعٍ) هو: اسم لكل مرض، والجمع أوجاع ووجاع، مثل جبل وأجبال وجبال، ووجع فلان ويوجع وييجع وياجع فهو وجع، وقوم وجعون ووجْعى، مثل مرضَى، ووجاع، ونساء وجاع أيضًا ووجعات، وبنو أسد يقولون: ييجع بكسر الياء (٣). [٦٧ ب/س] (اشْتَدَّ بِى) أي: قوى عليّ (فَقُلْتُ إِنِّى قَدْ بَلَغَ بِى مِنَ الْوَجَعِ) أي: بلغ أثر الوجع في غايته، وفي رواية: " أشفيت منه / على الموت"، أي: قاربت، ولا يقال: أشفى، إلا في الشر، بخلاف أشرف، وقارب (٤). (وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِى إلَّا ابْنَةٌ) وفي نسخة كتبت: "إلا أبنت"، يعني بصورة المثناة الفوقية لا بصورة الهاء. قيل: اسمها عائشة، كذا ذكره الخطيب وغيره (٥)، وليست بالتي روى عنها مالك، تيك أخت هذه، وهي تابعية، وعائشة صحابية.

стр. 505

قال العيني: وكان قد زعم من لا علم عنده أن مالكًا تابعي بروايته عنها، وليس كذلك (١). ثم إنّ قوله: "ولا ترثني إلا ابنة" معناه: من الولد وخواص الورثة وإلا فقد كان له عصبية، وقيل: معناه لا ترثني من أصحاب الفروض سواها، وقيل: من النساء، وهذا قاله قبل أن يولد له الذكور. (أَفَأَتَصَدَّقُ) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار، ويحتمل أن يريد به التنجيز أو التعليق بما بعد الموت، وفي رواية البخاري: "أفأوصي" بدل "أفأتصدق" (٢). (بِثُلُثَىْ مَالِى قَالَ:) ﷺ (لَا) أي: لا تتصدق بالثلثين، (فَقُلْتُ:) أتصدق (بِالشَّطْرِ) أي: النصف بدليل رواية أخرى للبخاري: "فأوصي بالنصف" (٣)، ويروى فالشطر بالفاء والرفع بالابتداء، والتقدير فالشطر أتصدق به (٤). وقيد الزمخشري في الفائق بالنصب بفعل مضمر أي: أوجب الشطر (٥). وقال السهيلي في أماليه: الخفض فيه أظهر من النصب؛ لأنّ النصب بإضمار فعل، والخفض مردود على قوله: "بثلثي مالي" (٦). (فَقَالَ:) ﷺ (لَا) أي: لا تتصدق بالشطر، (ثُمَّ قَالَ:) ﷺ (الثُّلُثُ) يجوز فيه الرفع على أنّه فاعل فعل محذوف أي: يكفيك، أو على أنّه مبتدأ محذوف الخبر، أو عكسه، والنصب على الإغراء أو على تقدير: اعط. [١٥٢ أ/ص] (وَالثُّلْثُ كَبِيرٌ) بالباء /الموحدة: مبتدأ أو خبر (أوْ)، قال: (كَثِيرٌ) بالمثلثة، (إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ) أي: تترك، وهذا من الذي أميت ماضيه، وقال القاضي عياض: رويناه بفتح الهمزة وكسرها، وكلاهما صحيح، انتهى، وجه الفتح: أنّها مصدرية، فهي مع صلتها في محل الرفع على الابتداء والخبر خير،

стр. 506

ووجه الكسر: أنها شرطية (١)، والأصل على ما قاله ابن مالك: إن تركت ورثتك أغنياء فهو خير، فحذف الفاء، والمبتدأ كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]، فالوصية على ما خرجه الأخفش، وكقوله ﷺ ، لأُبَيّ بن كعب: " فإنْ جاء صاحبها، وإلا فاستمتع بها" (٢). وقال ابن الجوزي: سمعناه من رواة الحديث بكسر "إن"، وقال لنا عبد الله بن أحمد النحوي: إنّما هو بفتح الألف ولا يجوز الكسر؛ لأنّه لا جواب له (٣). وقال القرطبي: روايتنا بفتح الهمز، وقد وهم من كسرها؛ لأنّها إن جعلها شرطًا لا جواب له، ويبقى خبر لا رافع له، وقد مرّ توجيه الكسر آنفا (٤). (وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً) أي: فقراء، قال ابن التين: العالة جمع عائل، وهو: الفقير، وقيل: العائل كثير العيال، حكاه الكسائي، وليس بمعروف (٥). (يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) أي: يمدون أكفهم إلى الناس بالسؤال، أو يطلبون الصدقة من أكف الناس، ثم عطف على قوله: "إنك أن تذرهم" وهو علّة للنهي عن الوصية بأكثر من الثلث، كأنّه قيل: لا تفعل؛ لأنّك إن مت فإن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم فقراء، وأن عشت تصدقت بما بقى من الثلث وأنفقت على عيالك وأجرت بذلك.

стр. 507

فقال: (وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِى بِهَا وَجْهَ اللَّهِ) أي: ذاته ورضاه، (إِلَاّ أُجِرْتَ) بضم الهمزة على البناء للمفعول (بِهَا) أي: بتلك النفقة (حَتَّى مَا تَجْعَلُ) أي: الذي تجعله (فِى في امْرَأَتِكَ) أي: في فمها. وقال ابن بطال والزركشي: تجعل برفع اللام، و"ما" كافة، كفّت حتى عن عملها (١). وتعقبه صاحب المصابيح: بأنه لا معنى للتركيب حينئذ إن تأملت، بل هي اسم موصول، وحتى عاطفة؛ أي: إلا أجرْت بتلك النفقة التي تبغي بها وجه الله، حتى بالشيء الذي تجعله في فم امرأتك. فإن قيل: يشترط في حتى العاطفة على المجرور أن يعاد الخافض (٢). [١٥٣ أ/س] فالجواب: أنّ ابن مالك قيّده بأن لا يتعين للعطف؛ نحو: عجبت من القوم حتى بنيهم (٣). قال ابن هشام: يريد أنّ الموضع الذي يصح أي: يحل فيه إلى محل حتى العاطفة، /ففيه يحتمل حتى أن تكون جارة، فيحتاج حينئذ إلى إعادة الجار عند قصد العطف؛ نحو: اعتكفت في الشهر حتى آخره، بمثال الخلاف المذكور وما في الحديث (٤). فإن قيل: لا يعطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الخافض.

стр. 508

فالجواب: أنّ المختار عن ابن مالك وغيره خلافه، وهو المذهب الكوفي؛ لكثرة شواهده نظمًا ونثرًا، على أنه يمكن أن يعطف على المنصوب المتقدم؛ أي: لن تنفق نفقة حتى الشيء الذي تجعله في فم امرأتك، إلا أُجرت (١). (فَقُلْتُ) أي: قال سعد ﵁: فقلت، وفي رواية: قلت (٢)، (يَا رَسُولَ اللَّهِ: أُخَلَّفُ) بضم الهمرة وفتح اللام المشددة على البناء للمفعول، يعني أخلف في مكة، (بَعْدَ أَصْحَابِى) المهاجرين المنصرفين معك، وفي رواية الكشميهني: أأخلف؟ بهمرة الاستفهام، قال أبو عمر: يحتمل أن يكون لما سمع النبيّ ﷺ ، يقول: "إنك لن تنفق نفقة "، وهو فعل مستقبل، أيقن أنّه لا يموت من مرضه ذاك أو ظن ذلك فاستفهمه هل يبقي بعد أصحابه؟ فأجابه ﷺ بضرب من قوله": لن تنفق نفقة تبغي بها وجه الله" (٣). (قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ) بعد أصحابك، (فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إلَّا ازْدَدْتَ بِهِ) أي: بالعمل الصالح (دَرَجَةً وَرِفْعَةً) قال القرطبي: هذا الاستفهام إنّما صدر من سعد ﵁، مخافة المقام بمكة إلى الوفاة، فيكون قادمًا في هجرته، كما نصّ عليه في بعض الروايات؛ إذ قال: " خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها (٤) ". فأجابه ﷺ : بأنّ ذلك لا يكون، وأنّه يطول عمره. (٥) فقال: (ثُمَّ لَعَلَّكَ) ذو (أَنْ تُخَلَّفَ) بأن يطول عمرك أي: أنك لن تموت بمكة، (حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ) من المسلمين بما يفتحه الله على يدك من بلاد الشرك، ويأخذه المسلمون من الغنائم. [٦٧ ب/ص] / (وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ) من المشركين الهالكين على يدك وعلى يد جندك، وكذلك كان، فإنّه عاش زيادة على أربعين سنة، حتى فتح العراق وغيره، وانتفع به المسلمون في دينهم ودنياهم، وتضرر به المشركون.

стр. 509

وقال ابن بطال: أتى سعد حين كان أميرًا على العراق بقوم ارتدوا، فاستتابهم فتاب بعضهم وأصرّ بعضهم فقتلهم، فانتفع به من تاب، وتضرّر به الآخرون (١). وهذا من معجزاته ﷺ ، حيث وقع الأمر على ما أخبر. ثم إن كلمة "لعلّ" معناها الترجي، لكن إذا أوردت عن الله أو رسوله تكون للتحقيق. [١٥٣ أ/ص] وقال البدر الدماميني: / وفي الحديث دخول "أن" على خبر لعل، وهو قليل، فيحتاج إلى التأويل (٢)، انتهى، وقد أشرنا إليه. (اللَّهُمَّ أَمْضِ) بقطع الهمزة، من الإمضاء، ويقال: أمضيت الأمر أي: نفذتهم، أي: أتمم، (لأَصْحَابِى هِجْرَتَهُمْ) التي هاجروها من مكة إلى المدينة، (وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ) بترك هجرتهم ورجوعهم عن مستقيم حالهم المرضية، فيخيب قصدهم ويسوء حالهم، ويقال: لكلّ من رجع إلى حال دون ما كان عليه رجع على عقبيه وحار، ومنه الحديث "أعوذ بك من الحور بعد الكور" (٣) أي: من النقصان بعد الزيادة، وكانوا يكرهون الإقامة في الأرض التي هاجروا منها وتركوها لله تعالى مع حبهم الإقامة فيها بالطبع. فمن ثمة خشي سعد بن أبي وقاص ﵁، أن يموت فيها وتوجع النبيّ ﷺ ، لسعد بن خولة ﵁؛ لكونه مات بها حيث قال ﷺ : (لَكِنِ الْبَائِسُ) بالموحدة والهمزة آخره سين مهملة الذي ناله البؤس، أي: شدة الفقر والحاجة أو الذي عليه أثر البؤس، وقد يكون بمعنى المفعول، كقوله: عيشة راضية. (سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ) بالرفع على أنه خبر "لكن" بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو، وقيل: إنّه أسلم ولم يهاجر من مكة حتى مات، وذكره البخاري فيمن شهد بدرًا وغيرها، وتوفي بمكة في حجة الوداع (٤).

стр. 510

وقوله: (يَرْثِى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي: يرقّ له (أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ) أي: لأجل موته بالأرض التي هاجر منها، وكان يهوي أن يموت بغيرها من كلام الزهري. وقيل: من كلام سعد بن أبي وقاص ﵁، وهو تفسير لقوله ﷺ : "لكن البائس سعد بن خولة"، فباعتبار التفسير يطابق الحديث الترجمة، ولا يردّ ما قاله الإسماعيلي: بأنّ هذا ليس من مراثي الموتى؛ لأن الرثاء في الترجمة بمعنى الرقة والاشفاق، كما تقدم ولا يرد أيضًا أنّه ليس بمرفوع، وإنّما هو مدرج من قول الزهري؛ لأنّه تفسير للمرفوع. ثم قوله: "أن مات" بفتح الهمزة، ولا يصح الكسر على إرادة الشرط؛ لأنّ الشرط لما يستقبل، وهو قد كان وانقضى، والله أعلم. قال أبو عمر: هذا حديث أتفق أهل العلم على صحة سنده، وجعله جهور الفقهاء أصلًا في مقدار الوصية، وأنّه لا يتجاوز بها الثلث، إذا ترك ورثة من بنين وعصبة (١). واختلفوا إذا لم يتركهما ولا وارثًا بنسب أو نكاح، فقال ابن مسعود ﵄: إذا كان كذلك جاز له أن يوصي بماله كله، وعن أبي موسى ﵁، مثله، وقال بقولهما قوم منهم مسروق وعبيدة وإسحاق (٢). [١٥٤ أ/س] واختلف في ذلك قول أحمد، /وذهب إليه جماعة من المتأخرين ممن لا يقول بقول زيد بن ثابت ﵁، في هذه المسألة، وعن عبيدة " (٣): إذا مات الرجل وليس عليه عقد لاحد ولا عصبة ترثه فإنه يوصي بماله (٤) كله حيث شاء"، وعن مسروق وشريك مثله، وعن الحسن وأبي العالية مثله، ذكره في "المصنف" (٥).

стр. 511

وقال القرطبي: وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه، وأحمد إسحاق ومالك في أحد قوليهما (١)، وقال زيد بن ثابت ﵁: "لا يجوز لأحد أن يوصي بأكثر من ثلثه إذا كان بنون، أو ورث كلالة، أو ورثه جماعة المسلمين؛ لأنّ بيت مالهم عصبة من لا عصبة له، وإليه ذهب جماعة (٢). وأجمع فقهاء الأمصار: أن الوصية بأكثر من الثلث إذا أجازها الورثة جازت وإن لم يجزها الورثة لم يجز منها إلا الثلث (٣)، وأبى ذلك أهل الظاهر فمنعوها وإن أجازها الورثة (٤)، وهو قول عبدالرحمن بن كيسان، وكذلك قالوا: إن الوصية للوارث لا يجوز، وإن أجازها الورثة، لحديث "لا وصية لوارث" (٥)، وسائر الفقهاء يجيزون ذلك إذا أجازها الورثة، ويجعلونها هبة (٦). وفي الحديث: دلالة على أن الثلث هو الغاية ينتهي إليها الوصية، وإن النقص عنه أفضل، ذكره جماعة من أهل العلم (٧). قال طاوس: إذا كانت ورثته قليلًا وماله كثيرًا فلا بأس أن يبلغ الثلث (٨)، واستحب طائفة الوصية بالربع، وهو مروي عن ابن عباس ﵄، وقال إسحاق: السنة الربع لقوله ﷺ : "الثلث

стр. 512

كثير"، إلا أن يكون رجل يعرف في ماله شبهة فيجوز له الثلث (١)، قال أبو عمر: لا أعلم لإسحاق حجة في قوله: "السنة الربع" (٢). وقال ابن بطال: أوصى عمر ﵁، بالربع. وأختار آخرون السدس (٣)، وقال إبراهيم: "كانوا يكرهون أن يوصوا بمثل نصيب أحد الورثة حتى يكون أقل" (٤)، رواه عنه ابن أبي شيبة بسند صحيح، وكان السدس أحب إليه من الثلث. وأوصى أنس ﵁، في ما ذكره في المصنف من حديث عبادة الصيدلاني، عن ثابت عنه "بمثل نصيب أحد ولده" (٥). وأجازه آخرون العشر وعن أبي بكر ﵁، أنّه يفضل الوصية بالخمس، وبذلك أوصى وقال: "رضيت لنفسي ما رضي الله لنفسه"، يعني: خمس الغنيمة (٦). واستحب جماعة الثلث محتجين بحديث الباب، وبحديث ضعيف رواه ابن وهب، عن طلحة بن عمرو، وتفرد بذكره مع ضعفه عن عطاء، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : "جعل لكم في الوصية ثلث أموالكم زيادة في اعمالكم" (٧)

стр. 513

[٦٨ ب/س] [١٥٤ أ/ص] /وفيه جواز ذكر المريض ما يجده لغرض صحيح من مداواة أو دعاء أو وصية ونحو ذلك، وإنما يكره من ذلك ما كان على سبيل التسخط ونحوه /فإنه قادح في أجر مرضه. وفيه ما ذهب إليه الجمهور في هبات المريض وصدقته وعتقه من أن ذلك من ثلثه لا من جميع ماله، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، ومالك، والليث، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وعليه أهل الحديث والرأي (١)، محتجين بحديث عمران بن حصين ﵁، "في الذي أعتق ستة أعبد في مرضه ولا مال له غيرهم ثم توفي فأعتق منهم رسول الله ﷺ ، اثنين وأرق أربعة" (٢). وقالت فرقة من أهل النظر وأهل الظاهر في الهبة المريض: أنّها من جميع المال، وقال ابن بطال: هذا القول لا نعلم أحدًا قال به من المتقدمين (٣). وفيه: استحباب عيادة المريض للإمام وغيره. وفيه: إباحة جمع المال، وأنه لا عيب في ذلك خلافًا لمن يدعيه من بعض المتصوفة. وفيه: الحث على صلة الرحم والإحسان إلى الأقارب، واستحباب الإنفاق في وجوه الخير، وأنّ الأعمال بالنيات، وأن المباح إذا قصد به وجه الله صار طاعة، ويثاب به، وقد نبّه عليه بأحسن الحظوظ الدنيوية التي يكون في العادة عند المداعبة، وهو وضع اللقمة في فم الزوجة، فإذا قصد بأبعد الأشياء عن الطاعة وجه الله ويحصل به الأجر، فغيره بالطريق الاولى. وفيه: من أعلام النبوة أنّه أطلعه الله : على أن سعدًا لا يموت حتى ينتفع به قوم ويضر به آخرون، على ما تقدم. وفيه: أن الإنفاق إنما يحصل فيه الأجر إذا أريد به وجه الله، والنفقة على العيال تحتمل وجهين:

стр. 514

الأول: أن يكون المعنى يكتب له بذلك أجر الصدقة. والثاني: أنه أراد أن يتصدق بماله أخبره أن ما يناله العيال فيه أجر كما في الصدقة (١). قال القرطبي: يفيد منطوقه: أن الأجر في النفقات لا يحصل إلا بقصد القربة وإن كانت واجبة، ومفهومه: أنّ من لم يقصد القربة لم يؤجر على شيء منها، والمعنيان صحيحان. وهل إذا انفق نفقة واجبة على الزوجة، أو الوالد الفقير، لم يقصد التقرب؛ هل تبرأ ذمته، أو لا؟ [١٥٥ أ/س] فالجواب: أنها تبرأ ذمته من المطالبة؛ لأن وجوب /النفقة من العبادات المعقولة المعني، فتجزئ بغير نية، كالديون، وأداء الأمانات، وغيرها من العبادات، لكن إذا لم ينو لم يحصل له أجر (٢). وفيه: فضيلة طول العمر للازدياد من الخير. وفيه: حكم الهجرة ولكنّه ارتفع وجوبها بعد الفتح، واستبعد القاضي عياض ارتفاع حكمها بعد الفتح، فقال: حكمها باق بعد الفتح أيضًا بهذا الحديث (٣). وقيل: إنما لزم المهاجرين المقام بالمدينة بعد الفتح؛ لنصرة النبيّ ﷺ ، وأخذ الشريعة عنه وشبه ذلك فلما انتقل ﷺ ، ارتحل أكثرهم منها. وقال القاضي عياض: قيل لا يحبط أجر هجرة المهاجر بقاؤه بمكة وموته بها إذا كان لضرورة، وإنما يحبطه ما كان بالاختيار. وقال قوم: موت المهاجر بمكة يحبط هجرته كيف ما كان، وقيل: لم يفرض الهجرة إلا على أهل مكة خاصة (٤). وفيه: أن طلب الغنى للورثة أرجح على تركهم عالة، ومن هنا أخذ بترجيح الغنى على الفقير. وفيه: جواز تخصيص عموم الوصية المذكورة في القران بالسنة، وهو قول الجمهور، والله أعلم (٥).

стр. 515

ثم هذا الحديث أخرجه المؤلف في (المغازي) و (الدعوات) و (الهجرة) و (الطب) و (الفرائض) و (الوصايا) و (النفقات)، وأخرجه مسلم في (الوصايا) وكذا أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (١).

стр. 516

باب: مَا يُنْهَى مِنَ الْحَلْقِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٩٦ - وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ حَدَّثَنِى أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِى مُوسَى - رضى الله عنه - قَالَ وَجِعَ أَبُو مُوسَى وَجَعًا فَغُشِىَ عَلَيْهِ، وَرَأْسُهُ في حَجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ أَنَا بَرِئٌ مِمَّنْ بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (باب: مَا يُنْهَى مِنَ الْحَلْقِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ. وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى) بفتح المهملة والكاف أبو صالح القَنْطري، بفتح القاف وسكون النون: البغدادي الزاهد، مات سنة: اثنتين وثلاثين ومائتين (١)، وفي بعض النسخ "قال"، وقال الحكم" أي: قال البخاري: وقال الحكم، ووقع في رواية أبي الوقت قبل قوله: " حدثنا يحيى بن حمزة"، قوله: "حدثنا الحكم" (٢). وقال الحافظ العسقلاني: وهو وهم، فإنّ الذين جمعوا رجال البخاري في صحيحه أطبقوا على ترك ذكره في شيوخه، فدل على أن الصواب رواية الجماعة بصيغة التعليق (٣). وقد وصله مسلم في صحيحه فقال: " حدثنا الحكم بن موسى" (٤)، وكذا ابن حبان فقال: " انا أبو يعلى ثنا الحكم" (٥).

стр. 517

[١٥٥ أ/ص] قال العيني: قيل: روى عنه ويؤيده رواية أبي الوقت والدارقطني أيضًا، ذكر الحكم والقاسم بن مخيمرة فيمن صرّح لهما البخاري، وقال ابن التين: إنما لم يسنده البخاري؛ لأنّه لا يخرج للقاسم بن مخيمرة، وزعم بعضهم: أنه لا يخرج للحكم أيضًا إلا هكذا /غير محتج بها (١). (قال يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ (٢)) بالمهملة والزاي: أبو عبد الرحمن، قاضي دمشق، مات سنة: ثمانين ومائة، (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ (٣)) هو: عبدالرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي الشامي، نسب إلى جده في هذه الرواية، وصرح به في رواية مسلم (٤)، مات سنة: أربع وخمسين ومائة. (أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ (٥)) بضم الميم الأولى وكسر الثانية بعدها راء، على صيغة التصغير: ابن عروة الكوفي، سكن الشام، مات سنة: مائة. (حَدَّثَهُ قَالَ حَدَّثَنِى) بالإفراد (أَبُو بُرْدَةَ) بضم الموحدة، واسمه: عامر، وقيل: الحارث (بْنُ أَبِى مُوسَى) الأشعري، واسمه: عبد الله بن قيس ﵁. (قَالَ وَجِعَ) بكسر الجيم أي: مرضى أبي (أَبُو مُوسَى وَجَعًا) بفتح الجيم ويرى "وجعًا شديدًا" (٦)، (فأغمى عَلَيْهِ) ويروى: "فغشي عليه" (٧). (وَرَأْسُهُ في حَجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ) الحجر بفتح الحاء وكسرها، وقال الجوهري: جمعه حجور (٨)، وفي المحكم: بحجره وحَجْرُه وحُجْرُه حضنه (٩)، وكذا في القاموس بتثليث الحاء (١٠).

стр. 518

وزاد مسلم "فصاحت" (١)، وله من وجه آخر من طريق أبي صخرة، عن أبي بردة وغيره قالا: "أغمى على أبي موسى، فأقبلت امرأته أم عبد الله تصيح برنة" (٢). [٦٨ ب/ص] / وذكر في كتاب النسائي امرأة أبي موسى هي أم عبد الله بنت أبي دومة (٣) ولأبي نعيم في المستخرج على مسلم من طريق ربعي قال: " أغمى على أبي موسى، فصاحت امرأته بنت أبي دومة" (٤). فثبت من ذلك أنها أم عبد الله بنت أبي دومة، وفي "تاريخ البصرة"، لعمر بن [شيبه] (٥): أن اسمها صفية بنت دمون، وأنها والدة أبي بردة بن أبي موسى، وأن ذلك وقع حيث كان أبو موسى أميرًا على البصرة من قبل عمر بن الخطاب ﵁. (فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ أَنَا) وكذا في رواية الكشميهني، وكذا في رواية مسلم، وفي رواية: "أني" (٦). (بَرِئٌ مِمَّنْ بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ) وفي رواية محمد ( ﷺ ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ) بالصاد المهملة وبالقاف (والسالقة) بالسين المهملة، لغة فيه، وكلاهما بمعنى، أى: التى ترفع صوتها عند المصيبة (٧). وفي المحكم: الصلقة، والصلق، والصلق: الصياح والولولة، وقد صلقوا، وأصلقوا، وصوت صلاق، ومصلاق: شديد (٨)، وعن ابن الأعرابي: الصلق ضرب الوجه، والأول أشهر (٩).

стр. 519

[١٥٦ أ/س] (وَالْحَالِقَةِ) أي: التي تحلق شعرها / (وَالشَّاقَّةِ) أي: التي تشق ثيابها عند المصيبة. وموضع الترجمة هو قوله: "الحالقة"، وخصها بالذكر في الترجمة دون غيرها؛ لكونها أبشع في حق النساء (١). وقوله: "برئ" بكسر الراء، يبرأ بالفتح، من البراءة، وأصل البراءة هو: الانفصال، وهو يحتمل أن يراد به ظاهره، وهو البراءة من فاعل ذلك الفعل. وقال المهلب: "برئ منه" أي: أنه لم يرض بفعله، فهو منه برئ في وقت ذلك الفعل، ولم يرد نفيه عن الإسلام (٢). وقال القاضي عياض: برئ من فعلهن أو مما يستوجبن من العقوبة، أو من عهدة ما لزمني من بيانه (٣). وفي رواية لمسلم: من طريق أبي صخرة: "أنا برئ ممن حلق وسلق وخرق" (٤)، أي: حلق شعره وصلق صوته، أي: رفعه وخرق ثوبه. وقال النووي: الندب، والنياحة، ولطم الخد، وشق الجيب، وخمش الوجه، ونشر الشعر، والدعاء بالويل، والثبور، كلها محرم باتفاق الأصحاب، ووقع في كلام بعضهم لفظ الكراهة (٥). وقال العيني: هذه كلها حرام عندنا، والذي يذكره بلفظ الكراهة فمراده كراهة التحريم (٦).

стр. 520

بَابٌ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» (١). قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (بَابٌ) بالتنوين، (لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحدة وتشديد المعجمة، الملقب ببندار، (قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ (٢)) هو: ابن مهدي، (قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو: الثوريّ، (عَنِ الأَعْمَشِ): سليمان بن مهران، (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ (٣)) بضم الميم وتشديد الراء، وقد مرّ في "علامات المنافق"، من "كتاب الإيمان"، (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو: ابن الأجدع. (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) هو: ابن مسعود ﵁، (عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ) أنّه (قَالَ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ) وكذا بقية الأعضاء، (وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ) من نوح وندبة وغيرهما مما لا يجوز شرعًا، والواو فيهما بمعنى: أو، كما مرّ؛ لأن كلا منها دال على عدم التسليم للقضاء، وقد مرّ الكلام في الحديث (٤).

стр. 521

باب: مَا يُنْهَى مِنَ الْوَيْلِ وَدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٩٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ». - قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (باب: مَا يُنْهَى مِنَ الْوَيْلِ) والمراد من الويل: أن يقول عند المصيبة: "وا ويلاه" (١). (وَدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ) وذكر دعوى الجاهلية بعد ذكر الويل تعميم بعد تخصيص؛ لأنّ دعوى الجاهلية متناول له, وكذا في الحديث, (عِنْدَ الْمُصِيبَةِ) وسقط لفظ الباب, والترجمة والحديث عند الكشميهني (٢). [١٥٦ أ/ص] (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قال حَدَّثَنَا أَبِى) حفص, (قال: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ /عَنْ عَبْدِ اللَّهِ): ابن مسعود ﵁ , (قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ) وفي نسخة: "النبي", ( ﷺ : لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ). فإن قيل: ليس في الحديث ذكر النهي من الويل. فالجواب: أن دعوى الجاهلية مستلزمة للويل، ولفظ: ليس منا في معنى النهي (٣).

стр. 522

وقال الحافظ العسقلاني: وكأنّه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرق الحديث (١)، ففي حديث أبي أمامة ﵁ عند ابن ماجه، وصححه ابن حبان: "أنّ رسول الله ﷺ , لعن الخامشة وجهها, والشاقة جيبها, والداعية بالويل والثبور" (٢) , والله أعلم.

стр. 523

بَابُ: مَنْ جَلَسَ عِنْدَ المُصِيبَةِ يُعْرَفُ فِيهِ الحُزْنُ قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٢٩٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ سَمِعْتُ يَحْيَى قَالَ أَخْبَرَتْنِى عَمْرَةُ قَالَتْ سَمِعْتُ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ لَمَّا جَاءَ النَّبِىَّ ﷺ قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٍ وَابْنِ رَوَاحَةَ جَلَسَ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ، وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ - شَقِّ الْبَابِ - فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ، وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، لَمْ يُطِعْنَهُ فَقَالَ انْهَهُنَّ. فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ قَالَ وَاللَّهِ غَلَبْنَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَزَعَمَتْ أَنَّهُ قَالَ «فَاحْثُ في أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ». فَقُلْتُ أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ، لَمْ تَفْعَلْ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ تَتْرُكْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْعَنَاءِ قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (بَابُ: مَنْ جَلَسَ عِنْدَ المُصِيبَةِ يُعْرَفُ فِيهِ الحُزْنُ) بضم التحتية وفتح الراء, على البناء للمفعول, أسند إلى "الحزن"، والجملة حال من الضمير الذي في: "جلس"، ولم يصرح البخاري بحكم هذه المسألة، ولكن يفهم من فعله ﷺ ؛ لأنّ إظهاره الحزن يدل على إباحته, ولا يمنع من ذلك, إلا إذا كان معه شيء من اللّسان أو اليد (١). (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بفتح النون المشددة العنزى، البصري، الزمن, (قال حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) هو: ابن عبدالمجيد الثقفي, (قَالَ سَمِعْتُ يَحْيَى (٢)) هو: ابن سعيد الأنصاري, (قَالَ:

стр. 524

أَخْبَرَتْنِى) بالإفراد, (عَمْرَةُ) بفتح المهملة وسكون الميم: بنت عبدالرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية. [٦٩ ب/س] (قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا جَاءَ النَّبِىَّ) بالنصب على المفعولية, ( ﷺ قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ) بالرفع على أنّه فاعل جاء, وهو زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن امرئ القيس الكلبي القضاعي, مولى رسول الله ﷺ , وذلك أنّ أمّه ذهبت تزور أهلها, فأغار عليهم خيل من بني القيس, فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد, فوهبته من رسول الله ﷺ ثم وجده أبوه فأختار المقام عند رسول الله ﷺ , فاعتقه /وتبناه فكان يقال: زيد بن محمد, وكان رسول الله ﷺ , يحبُّه حبًا شديدًا (١). وقال السهيلي: باعوا زيدًا بسوق حباشة, وهو من أسواق العرب، وزيد يومئذ ابن ثمانية أعوام (٢)، وأعتقه رسول الله ﷺ , وزوجه مولاته أم أيمن, واسمها: بركة, فولدت له أسامة بن زيد (٣). [١٥٧ أ/س] /وعن عائشة ﵂ , كانت تقول: "ما بعث رسول ﷺ , زيد بن حارثة في سرية إلا أمره عليهم, ولو بقي بعده لاستخلفه" (٤) , رواه أحمد، والنسائي، وابن أبي شيبة, وهو غريب جدًا.

стр. 525

(وَ) قتل (جَعْفَرٍ) هو: ابن أبي طالب, عم النبيّ ﷺ , وكان أكبر من أخيه علي ﵄ , بعشر سنين, أسلم جعفر ﵁ , قديمًا وهاجر إلى الحبشة, وقد أخبر عنه رسول الله ﷺ , بأنّه شهيد فهو يقطع له بالجنة (١). (وَ) قتل (ابْنِ رَوَاحَةَ) هو: عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو, أبو محمد, ويقال: أبو رواحة، أسلم قديمًا، وشهد العقبة, وبدرًا, وأحدًا, والخندق, والحديبية, وخيبرًا, وقد شهد له رسول الله ﷺ , بالشهادة فهو يقطع له بالجنة، (٢) , وقصّة قتلهم: أنّ رسول الله ﷺ ، أرسلهم في نحو ثلاثة آلاف إلى أرض البلقاء, من أطراف الشام, في جمادي الأولى من سنة: ثمان، واستعمل عليهم زيدًا, وقال: إنْ أصيب زيد فجعفر على الناس، فإنْ أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس، فخرجوا وخرج رسول الله ﷺ ، ليشيعهم فمضوا حتى نزلوا معان من أرض البلقاء، فبلغهم أنّ هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء, في مائة ألف من الروم، وانضم إليهم من لخم وجذام وبلقين وبهراء, ويلي مائة ألف، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها: مؤتة، بضم الميم وبالهمزة، وقيل: بلا همزة، ثمّ تلاقوا فاقتتلوا، فقاتل زيدًا براية رسول الله ﷺ , حتى قتل، فأخذها جعفر, فقاتل حتى قتل، فأخذها عبد الله بن رواحة, قال أنس، ﵁: إنّ رسول الله ﷺ , نعى الثلاثة, وعيناه تذرفان، ثم قال: أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم، وهو خالد بن الوليد ﵁ (٣) وعن خالد ﵁ لقد انقطت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف, فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية، (٤).

стр. 526

وسيجيئ ذلك كله في الكتاب، وجميع من قتل من المسلمين يومئذ أثني عشر رجلًا, وهذا أمر عظيم جدًا أن يقاتل جيشان متعاديان في الدين, أحدهما الفئة التي تقاتل في سبيل الله عدتها ثلاثة آلاف، وأخرى كافرة عدتها مائتا ألف, مائة ألف من الروم ومائة ألف من نصارى العرب (١). [١٥٧ أ/ص] (جَلَسَ) ﷺ أي: "في المسجد", كما في رواية /أبي داود (٢) , (يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ) جملة حالية. قال الطيبي: في "شرح المشكاة", كأنّه كظم الحزن كظمًا، فظهر منه ما لا بدّ منه لجبلة البشرية, يعني: ولهذا لم يقل حزينًا (٣). وهذا هو موضع الترجمة (٤) , وهو يدل على الإباحة, نعم إذا كان معه شيء من اللّسان أو اليد يحرم. قالت عائشة ﵂: (وَأَنَا أَنْظُرُ) جملة حالية, (مِنْ صَائِرِ الْبَابِ) بالصاد المهملة وبالهمزة بعد الألف, وفي آخره راء وقد فسره في الحديث بقوله: (شَقِّ الْبَابِ) بفتح الشين المعجمة، أي: موضع الذي ينظر منه, وجوز الكرماني كسرها (٥). وتعقبه القسطلاني: بأنّ معناه بالكسر الناحِية, وليس بمرادة هنا كما قاله ابن التين. والظاهر أن هذا التفسير من عائشة ﵂ , ويحتمل أن يكون ممن بعدها (٦). قال المازرى: كذا وقع في الصحيحين هنا صائر الباب, والصّواب صير, أي: بكسر الصاد, وسكون التحتية, وهو: الشق (٧). وقال ابن الجوزي والخطابي: صائر وصير، بمعنى واحد (٨).

стр. 527

(فَأَتَاهُ) ﷺ , (رَجُلٌ) قال الحافظ العسقلاني: لم أقف على اسمه, ويحتمل أن عائشة ﵂ , لم تصرح باسمه؛ لانحرافها عنه, وغض بصرها منه (١). (فَقَالَ: إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ) أي: امرأته أسماء بنت عميس الخثعمية (٢) , ومن حضر عندها من النساء من أقارب جعفر وأقاربها, ومن في معناهن, ولم يذكر أهل العلم بالأخبار ولجعفر امرأة غير أسماء. (وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ) حال من المستتر في قال, كذا في الصحيحين, وخبر "إن" محذوف تقديره: إن نساء جعفر يبكين أو ينحن. وقال الطيبي: قد حذفت ﵂ خبر "إن" من القول المحكي, بدلالة الحال عليه، يعني: قال ذلك الرجل: إن نساء جعفر فعلن كذا وكذا، مما حظره الشرع من البكاء الشنيع، والنياحة الفظيعة, إلى غير ذلك (٣). وقد وقع عند أبي عوانة من طريق سليمان بن بلال, عن يحيى: "قد كثر بكاؤهن", فإن لم يكن تصحيفًا فلا حذف ولا تقدير, ويؤيده ما عند ابن حبان من طريق عبيد الله بن عمرو, عن يحيى بلفظ: "قد أكثرن بكاءهن" (٤). (فَأَمَرَهُ) ﷺ , (أَنْ يَنْهَاهُنَّ) عن فعلهنَّ, (فَذَهَبَ) أي: فنهاهن, فلم يطعنه؛ لكونه لم يسند النهي إلى رسول ﷺ , (ثُمَّ أَتَاهُ) أي: أتى الرجل النبيّ ﷺ , المرة (الثَّانِيَةَ) فقال: إنهن (لَمْ يُطِعْنَهُ) هو حكاية قول الرجل أي: فذهب ونهاهن, ثم أتى النبيّ ﷺ , فقال: نهيتهن فلم يطعنني, ووقع في رواية أبي عوانة: فذكر أنهن لم يطعنه. [١٥٨ أ/س] (فَقَالَ) ﷺ : (انْهَهُنَّ) فانْهَهُنَّ, فذهب فنهاهنّ, فلم يطعنه للحمل على أنّ /ذلك النهي من قبل ذلك الرجل.

стр. 528

(ثم فَأَتَاهُ) أي: الرجل النبيّ ﷺ , المرة (الثَّالِثَةَ قال: غَلَبْنَنَا) بلفظ جمع المؤنث الغائبة, وفي رواية: بزيادة "والله لقد", وفي أخرى: "غلبتنا", بلفظ المفردة المؤنثة الغائبة (١). (يَا رَسُولَ اللَّهِ) قالت عمرة: (فَزَعَمَتْ) عائشة ﵂ , ومعنى زعمت: قالت, وقال الطيبي: أي ظنت (٢). وقال العيني: الزعم يطلق على القول المحقق, وعلى الكذب والمشكوك فيه, وينزل في كل موضع على ما يليق به (٣). [٦٩ ب/ص] (أَنَّهُ) ﷺ / (قَالَ) للرجل لما لم (٤) ينتهين: (فَاحْثُ) بضم المثلثة, أمر من حثا يحثو, وبكسرها, من حثى يحثي (٥). (فِى أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ) بالنصب على أنّه مفعول أحث، وفي رواية: الآتية: "من التراب". قال القرطبي: هذا يدلُّ على أنّهن رفعنَ أصواتهن بالبكاء, فلمّا لم ينتهين أمره أن يسدّ أفواههن بالتراب, وخصّ الأفواه بذلك؛ لأنّها محل النوح بخلاف الأعين مثلًا, انتهى (٦). ويحتمل أن يكون كناية عن المبالغة في الزجر, والمعنى: أعلمهن أنهنّ خائبات من الأجر المترتب على الصبر, لِما أظهرن من الجزع, كما يقال للخائب: لم يحصل في يده إلا التراب, لكن يبعد هذا الاحتمال قول عائشة الآتي. وقال القاضي عياض: هو بمعنى التعجيز، أي: أنهنّ لا يسكتن إلا بسدِّ أفواههنَّ، ولا تسدها إلا أن تملأ بالتراب, فإنْ أمكنك فافعل (٧).

стр. 529

وقال القرطبي: يحتمل أنهنَّ لم يطعن الناهي؛ لكونه لم يصرح لهن بأنَّ النبيّ ﷺ , نهاهنَّ فحملن ذلك على أنّه مرشد إلى المصلحة من قبل نفسه, أو علمن ذلك لكن غلب عليهن شدة الحزن لحرارة المصيبة (١). قال العيني: وهذا الذي قاله حسن، وهو اللائق في حق الصحابيات؛ لأنه يبعد أن يتمادين بعد تكرار نهيهن على محرم (٢). ثم الظاهر أنّه كان في بكاءهن زيادة على القدر المباح, فيكون النهي للتحريم, بدليل أنّه كرره وبالغ فيه، وأمر بعقوبتهن إن لم يسكتن, ويحتمل أن يكون بكاء مجردًا والنهي للتنزيه, ولو كان للتحريم لأرسل غير الرجل المذكور لمنعهن؛ لأنّه لا يقر على باطل ويبعد تمادي الصحابيات بعد تكرار النهي على فعل الأمر المحرَّم. وفائدة نهيهن عن الأمر المباح خشية أن يسترسلن فيه فيقضي بهذا إلى الأمر المحرم, لضعف صبرهن, فيستفاد منه جواز النهي عن المباح عند خشية إفضائه إلى ما يحرم (٣). [١٥٨ أ/ص] (فَقُلْتُ) أي: قالت عائشة ﵂: فقلت لرجل: (أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ) بالراء والغين المعجمة أي ألصق الله أنفك بالرغام بفتح الراء: وهو التراب (٤)، إهانة وإذلالًا دعت عليه من جنس ما أمر أن يفعل بالنسوة؛ لفهمها من قرائن الحال أنه أحرج النبيّ ﷺ ,/بكثرة تردده إليه في ذلك. (لَمْ تَفْعَلْ مَا أَمَرَكَ) به (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي: من نهيهن, وإن كان نهاهن؛ لأنّه لم يترتب على فعله الامتثال فكأنّه لم يفعله أي: لم يفعل الحثو بالتراب. وقال الحافظ العسقلاني: لفظة لم يعبر بها عن الماضي, وقولها ذلك وقع قبل أن يتوجه فمن أين علمت أنه لم يفعل, فالظاهر أنها قامت عندها قرينة, بأنّه لا يفعل, فعبّرت عنه بلفظ الماضي مبالغة

стр. 530

في نفي ذلك عنه، ووقع في رواية الآتية بعد أربعة أبواب: "فوالله ما أنت بفاعل" (١) , وكذا المسلم وغيره, فظهر أنّه من تصرف الرواة (٢). (وَلَمْ تَتْرُكْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , مِنَ الْعَنَاءِ) بفتح العين المهملة والنون وبالمد, وهو: المشقّة والتعب, وفي رواية لمسلم: "من العيّ" (٣) , بكسر العين المهملة وتشديد المثناة التحتية, ووقع في رواية العذري: "من الغي", بفتح المعجمة, ضد الرشد, قال القاضي عياض: ولا وجه له هنا (٤). ورد عليه: بأنّ له وجهًا, ولكنَّ الأوّل أليق؛ لموافقته لمعنى العناء الذي في رواية الأكثر (٥). وقال النووي: معناه أنك قاصر عما أمرت به, ولم تخبره ﷺ , بقصورك عن ذلك حتى يرسل غيرك فيستريح من التعب (٦). وهذا الحديث أخرجه المؤلف في (المغازي) أيضًا وأخرجه مسلم في (الجنائز) , وكذا أبو داود والنسائي. (٧) وفي الحديث: جواز الجلوس للعزاء بسكينة ووقار. وفيه: الحثُّ على الصبر. وقال الطبري: إن قال قائل: إنّ أحوال الناس في الصبر متفاوتة، فمنهم من يظهر حزنه على المصيبة في وجهه بالتغير له، وفي عينيه بانحدار الدموع، ولا ينطق بالسيئ من القول، ومنهم من

стр. 531

يجمع ذلك كله، ويزيد عليه إظهاره في مطعمه وملبسه، ومنهم من يكون حاله في المصيبة، وقبلها سواء، فأيّهم المستحق لاسم الصبر؟ قلت: قد أختلف الناس في ذلك, فقال بعضهم: المستحقّ لاسم الصبر هو: الذي يكون حاله عند المصيبة مثلها قبلها، ولا يظهر عليه حزن في جارحة ولا لسان, كما زعمت الصوفية: أنّ الولي لا يتم له الولاية إلا إذا تم له الرضى بالقدر, ولا يحزن على شيء, والنّاس في هذا الحال يختلفون، فمنهم من في قلبه الجلد وقلة المبالاة بالمصائب، ومنهم من هو بخلاف ذلك، فالذي يكون في طبعه الجزع، ويملك نفسه، ويستشعر للصبر, أعظم أجرًا من الذي يتجلّد. [١٥٩ أ/س] قال الطبري: روى عن ابن مسعود ﵁: أنّه لما نعي أخوه عتبة، قال: لقد كان /من أعز الناس عليّ، وما يسرني أنه بين أظهركم اليوم حيًا، قالوا: وكيف وهو من أعز الناس عليك؟ قال: إني لأنْ أوجر فيه أحبُّ إليّ من أن يؤجر فيّ (١). وقال ثابت: إنّ أصلة بن أشيم مات أخوه, فجاء رجل، وهو يطعم، فقال: يا أبا الصهباء، إنّ أخاك مات, قال: هلمّ فكلّ قد نعى إلينا, قال: والله ما سبقني إليك أحد ممن نعاه, قال: يقول الله : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزُّمَر: ٣٠] (٢) وقال الشعبي: كان شريح يدفن جنائز ليلًا, فيأتيه الرّجل حين يصبح فيسأله عن المريض، فيقول: هدأ (٣) لله الشكر، وأرجو أن يكون مستريحًا (٤).

стр. 532

وكان ابن سيرين يكون عند المصيبة كما هو قبلها، يتحدث ويضحك إلا يوم ماتت حفصة، فإنّه جعل يكشِّر، وأنت تعرف في وجهه, وسئل ربيعة ما منتهى الصبر؟ قال: أن يكون يوم تصيبه المصيبة مثله قبل أن تصيبه (١). [٧٠ ب/س] وأمّا جزع القلب وحزن النفس ودمع العين، فإنّ ذلك لا يخرج العبد عن معنى الصابرين إذا لم يتجاوزه إلى ما لا يجوز له فعله، لأنَّ نفوس بني آدم مجبولة على الجزع من المصائب, وقد مدح الله الصابرين ووعدهم /جزيل الثواب عليه، وتغيير الأجساد عن هيئاتها ونقلها عن طباعها الذي جبلت عليه لا يقدر عليه إلا الذي أنشأها. ورى المقبري عن أبي هريرة، مرفوعًا قال: "قال الله : إذا ابتليت عبدى المؤمن فلم يشكني إلى عواره, أنشطته من عقالي، وبدّلته لحمًا خيرًا من لحمه، ودمًا خيرًا من دمه" (٢). وفي الحديث أيضًا: دليل على أنّ المنهيّ عن المنكر إن لم ينته عوقب وأدب إن أمكن. وفيه: جواز نظر النساء المحتجبات إلى الرجال الأجانب، وفيه: جواز اليمين لتأكيد الخبر (٣) قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣٠٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِىٍّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - قَالَ قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا حِينَ قُتِلَ الْقُرَّاءُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَزِنَ حُزْنًا قَطُّ أَشَدَّ مِنْهُ

стр. 533

قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِىٍّ (١)): الفلّاس الصيرفي, (قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة, مصغّرًا, هو: ابن غَزْوان بفتح المعجمة وسكون الزاي, الضبيّ مولاهم, الكوفي (٢). (قال: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ عَنْ أَنَسٍ) أي: ابن مالك ﵁ , (قَالَ: قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , شَهْرًا حِينَ قُتِلَ الْقُرَّاءُ): جمع القارئ, وكانوا ينزلون الصفّة يتعلمون القرآن، عُمّار المساجد، وليوث الملاحم، بعثهم رسول الله ﷺ , إلى أهل نجد ليقرءوا عليهم القرآن، ويدعوهم إلى الإسلام، فلما نزلوا ببئر معونة قصدهم عامر بن الطفيل في أحياء من رعل، وذكوان، وعصية، فقاتلوهم فقتلوا أكثرهم (٣)، وذلك في السنة الرابعة من الهجرة. [١٥٩ أ/ص] (فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , حَزِنَ حُزْنًا /قَطُّ أَشَدَّ مِنْهُ) وقد تقدم الحديث في "باب: القنوات قبل الركوع", وبعده من أبواب الوتر.

стр. 534

باب: مَنْ لَمْ يُظْهِرْ حُزْنَهُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِىُّ الْجَزَعُ الْقَوْلُ السَّيِّئُ وَالظَّنُّ السَّيِّئُ. وَقَالَ يَعْقُوبُ ﵇ (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّى وَحُزْنِى إِلَى اللَّهِ). ١٣٠١ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضى الله عنه - يَقُولُ اشْتَكَى ابْنٌ لأَبِى طَلْحَةَ - قَالَ - فَمَاتَ وَأَبُو طَلْحَةَ خَارِجٌ، فَلَمَّا رَأَتِ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ هَيَّأَتْ شَيْئًا وَنَحَّتْهُ في جَانِبِ الْبَيْتِ، فَلَمَّا جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ كَيْفَ الْغُلَامُ قَالَتْ قَدْ هَدَأَتْ نَفْسُهُ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ. وَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ، قَالَ فَبَاتَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَصَلَّى مَعَ النَّبِىِّ ﷺ ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِىَّ ﷺ بِمَا كَانَ مِنْهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمَا في لَيْلَتِكُمَا». قَالَ سُفْيَانُ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَرَأَيْتُ لَهُمَا تِسْعَةَ أَوْلَادٍ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ (١). قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (مَنْ لَمْ يُظْهِرْ حُزْنَهُ) بضم الياء, من يظهر, على أنّه من الأفعال, وينصب "حزنه" على المفعولية (٢). (عِنْدَ) حلول (الْمُصِيبَةِ) فترك ما أبيح له من إظهار الحزن الذي لا إسخاط فيه لله تعالى, قهرًا للنفس بالصبر الذي هو خير, قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ [النحل: ١٢٦].

стр. 535

(وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ) أي: ابن سليم, (الْقُرَظِىُّ) بضم القاف وفتح الراء بعدها ظاء مشالة: المديني حليف الأوس, سمع زيد بن أرقم وغيره, قال قتيبة: بلغني أنّه ولد في حياة النبيّ ﷺ , وقال الواقدي: توفي بالمدينة سنة: سبع وعشرين (١) ومائة, وهو ابن ثمان وتسعين سنة (٢). (الْجَزَعُ) الذي حظّره الشرع, (الْقَوْلُ السَّيِّئُ) أي: الذي يبعث الحزن غالبًا, (وَالظَّنُّ السَّيِّئُ) أي: اليأس من تعويض الله المصاب في العاجل, وهو خير وأنفع له من الفائت أو الاستبعاد لحصول ما وعد به من الثواب على الصبر, ومناسبته للترجمة من حيث المقابلة وهي ذكر الشيء وما يضاده معه, وذلك: أنّ ترك إظهار الحزن من القول الحسن, والظن الحسن وإظهاره مع الجزع الذي حظره الشرع قول سيء, وظن سيء (٣). (وَقَالَ: يَعْقُوبُ) ﵇ , (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّى) البث: أصعب الهمّ الذي لا يصبر صاحبه على كتمانه, فيبعثه إلى الناس أي: ينشره. (وَحُزْنِى إِلَى اللَّهِ) لا إلى غيره, ومناسبته للترجمة من حيث إنّه ﵊, لما ابتلى بفراق يوسف ﵊, صبر ولم يشك إلى أحد ولا بثّ حزنه إلا إلى الله تعالى, فطابق الترجمة من هذه الحيثية. (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ (٤)) بكسر الموحدة وسكون المعجمة, والحَكَم بفتح المهملة والكاف: العبدي, وقد مرّ في باب: التهجُّد، (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ (٥)) الأنصاريّ, ابن أخي أنس بن مالك ﵁ , مات سنة: أربع وثلاثين ومائة.

стр. 536

(أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ اشْتَكَى) أي: مرض وليس المراد منه أنّه صدرت منه الشكوى, لكن لما كان الأصل أنّ المريض يحصل منه ذلك استعمل في كل مريض (١). [١٦٠ أ/س] (ابْنٌ لأَبِى طَلْحَةَ): زيد بن سهل الأنصاري, وابنه هو: أبو عمير, الذي كان النبيّ ﷺ , يمازحه /ويقول له: " يا (٢) أبا عمير ما فعل النغير (٣) ", كما سيأتي في "كتاب الأدب", بيّن ذلك ابن حبان في روايته من طريق: عمارة بن زاذان, عن ثابت (٤). وزاد من طريق جعفر بن سليمان, عن ثابت في أوله قصة تزويج أم سليم بأبي طلحة بشرط أن يسلم, وقال فيه: "فحملت فولدت غلامًا صبيحًا، فكان أبو طلحة يحبه حبًا شديدًا، فعاش حتى تحرّك فمرض، فحزن أبو طلحة حزنا شديدًا حتى تضعضع، وأبو طلحة يغدو ويروح على رسول الله ﷺ , فراح روحة" (٥) (- قَالَ - فَمَاتَ) ذلك الابن (وَأَبُو طَلْحَةَ خَارِجٌ) أي: من البيت وكان يكون عند النبي ﷺ في أواخر النهار كما أفادت الرواية السابقة، وفي رواية الإسماعيلي كان لأبي طلحة ولد فتوفي فأرسلت أم سليم أنسًا يدعو أبا طلحة وأمَرته أن لا يخبره بوفاة ابنه وكان أبو طلحة صائمًا" (٦). (فَلَمَّا رَأَتِ امْرَأَتُهُ) أم سليم أم أنس بن مالك ﵄ , (أَنَّهُ قَدْ مَاتَ, هَيَّأَتْ شَيْئًا) أي: أعدت طعامًا وأصلحته لأبي طلحة لصومه, وقيل: هيأت شيئًا من حالها وتزينت لزوجها تعرضًا

стр. 537

للجماع, وقيل: هيأت أمر الصبي بأن غسلته وكفّنته على ما جاء في رواية أبي داود الطيالسي عن مشايخه عن ثابت "فهيئات الصبي" (١). وفي رواية حميد عند ابن سعد "فتوفي الغلام فهيأت أم سليم أمره" (٢). وفي رواية عمار بن زاذان عن ثابت "فهلك الصبي فقامت أم سليم فغسلته وكفنته وحنطته وسجت عليه ثوبًا" (٣). (وَنَحَّتْهُ) بفتح النون والحاء المهملة المشددة أي: جعلته (فِى جَانِبِ الْبَيْتِ) وقيل: بعدته, وفي رواية جعفر عن ثابت: "فجعلته في مخدعها" (٤) , (فَلَمَّا جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ:) لها (كَيْفَ الْغُلَامُ؟ قَالَتْ: قَدْ هَدَأَتْ) بالهمز, أي: سكنت, (نَفْسُهُ) بسكون الفاء، كذا للأكثر. [٧٠ ب/ص] والمعنى: إنّ نفسه كانت قلقة منزعجة بعارض المرض، فسكنت بالموت، وظنّ أبو طلحة أنّ مرادها: سكنت بالنوم لوجود العافية، وفي رواية أبي ذر: "هدأ" بإسقاط التاء "نفسه"، /بفتح الفاء أي: سكن؛ لأن المريض يكون نفسه عاليًا, فإذا زال مرضه سكن، وكذا إذا مات (٥). وفي رواية أنس بن سيرين: "هو أسكن ما كان" (٦) , ونحوه في رواية جعفر عن ثابت, وفي رواية معمر عن ثابت: "أمسى هاديًا" (٧).

стр. 538

[١٦٠ أ/ص] وفي /رواية حميد: "بخير ما كان" (١) , والكلّ متقارب المعاني. (وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ) عنت أم سليم أنّه قد استراح من نكد الدنيا وتعبها, وهو من حسن المعاريض, وهو ما احتمل معنيين, وهذا من أحسنها؛ فإنها أخبرت بكلام لم تكذب فيه ولكن ورت به عنى المعنى الذي كان يحزنه, ألا ترى أن نفسه قد هدأت كما قالت بالموت وانقطاع النفس, وأوهمته أنه استراح من قلقه. وقال ابن بطال: هدأ نفسه من معاريض الكلام (٢)، وأرادت بسكون النفس: الموت, وظنّ أبو طلحة: أنّها تريد به سكون نفسه من المرض, وزوال العلة وتبدلها بالعافية, وأنّها صادقة فيما خيل إليه في ظاهر قولها وبارك الله لهما بدعائه ﷺ , فرزقا تسعة أولاد من القرّاء الصلحاء, وذلك بصبرها فيما نالها ومراعاتها زوجها, وإنّما لم تجزم بكونه استراح, بل قالت: أرجو أدبًا أو لم تكن عالمة بأن الطفل لا عذاب عليه, ففوضت الأمر إلى الله تعالى مع وجود رجائها بأنه استراح من نكد الدنيا (٣). (وَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ) أي: بالنسبة إلى ما فهمه من كلامها وإلا فهي صادقة بالنسبة إلى ما أرادت جزمًا, ولذا ورد "أن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" (٤). (قَالَ) أنس ﵁: (فَبَاتَ) أي: بات أبو طلحة مع امرأته المذكورة, وهذه كناية عن الجماع, لقوله: (فَلَمَّا أَصْبَحَ اغْتَسَلَ)؛ لأن الاغتسال غالبًا لا يكون إلا من الجماع, وقد وقع التصريح بذلك في رواية أنس بن سيرين: "فقرّبت إليه العشاء فتعشىّ, ثمّ أصاب منها" (٥).

стр. 539

وفي رواية حماد عن ثابت: "ثم تطيبت" (١) , زاد جعفر عن ثابت: "فتعرضت له حتى واقع بها" (٢). وفي رواية سليمان عن ثابت: "ثمّ تصنّعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك, فوقع بها" (٣) وفي رواية عبد الله بن عبد الله: "ثم تعرّضت له, فأصاب منها" (٤). وإنّما فعلت ما فعلت؛ إعانة لزوجها على الرضى والتسليم، ولو أعلمته بالأمر في أول الحال تنكد عليه وقته، ولم يبلغ الغرض الذي أرادته، ولعلّها عند موت الطفل قضت حقه من البكاء اليسير، والله أعلم. [١٦١ أ/س] (فَلَمَّا أَرَادَ) أبو طلحة (أَنْ يَخْرُجَ) من البيت (أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ) أي: الابن المذكور, (قَدْ مَاتَ) وفيه زيادة /عند مسلم من رواية سليمان بن المغيرة, عن ثابت عن أنس ﵁،: "قال: مات ابن لأبي طلحة، من أم سليم, فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بأبنه حتى أكون أنا أحدثه, قال: فجاء فقربت إليه عشاء، فأكل وشرب، فقال: ثم تصنّعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، فوقع بها، فلما رأت أنّه قد شبع وأصاب منها، قالت: يا أبا طلحة: أرأيت لو أن قومًا أعاروا أهل بيت عارية، فطلبوا عاريتهم، ألهم أم يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: فأحتسب ابنك، قال: فغضب وقال: تركتيني

стр. 540

حتى تلطخت، ثمّ أخبرتنى بابني, فانطلق حتى أتى رسول الله ﷺ ، فأخبره بما كان، فقال رسول الله ﷺ : "بارك الله لكما في ليلتكما", قال: فحملت (١) , الحديث بطوله. وفي رواية عبد الله فقالت: " يا أبا طلحة أرأيت قومًا اعاروا متاعهم, ثمّ بدالهم فيه فأخذوه فكأنهم وجدوا في انفسهم" (٢) زاد حماد في روايته عن ثابت" فأبوا أن يردوها، فقال أبو طلحة: ليس لهم ذلك، إن العارية مؤداة إلى أهلها، ثم اتفقا فقالت: " إن الله أعارنا فلانا ثم أخذه منا زاد حماد "فاسترجع" (٣). (فَصَلَّى مَعَ النَّبِىِّ ﷺ ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِىَّ ﷺ بِمَا كَانَ مِنْهُمَا) بالتثنية، وفي رواية الكشميهني: "منها" بضمير المؤنثة المفردة (٤). (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا) وفي رواية "لهما في ليلتهما", وفي رواية أنس بن سيرين: "اللهم بارك لهما", ولا تعارض؛ لأن الكل دعاء وفي رواية أنس بن سيرين من الزيادة: "فولدت غلامًا" (٥) , وفي رواية عبد الله بن عبد الله: "فجاءت بعبد الله بن أبي طلحة" وسيأتي الكلام على قصة تحنيكه وغير ذلك, حيث ذكره المؤلف في العقيقة (٦). (قَالَ سُفْيَانُ) أي: ابن عيينة بالإسناد المذكور, (فَقَالَ: رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) هو: عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج, كما عند البيهقي وسعيد بن منصور, عن مسروق, عن عباية بن رفاعة قال: "كانت أم أنس ﵄ , تحت أبي طلحة ﵁ ", فذكر القصة شبيهة بسياق ثابت, عن أنس

стр. 541

- ﵁ , وقال في آخره: " فولدت له غلامًا, قال عباية: فلقد رأيت لذلك الغلام سبع بنين كلّهم قد ختم القران". (١) وقال الحافظ العسقلاني: وأفادت هذه الرواية: أنّ في رواية سفيان تجوُّزًا في قوله: "لهما"؛ لأنه ظاهره أنه من ولدهما بغير واسطة, وإنما المراد من أولاد ولدهما المدعوِّ له بالبركة, وهو عبد الله بن أبي طلحة (٢). وتعقبه العيني: بأنا لا نسلم التجوز في رواية سفيان؛ لأنّه ما صرّح في قوله: "فقال رجل من الأنصار. . . إلخ" بأنْ قال: رأيت منهما أولهما تسعة أولاد, وقوله ﷺ : "يبارك لهما" لا يستلزم أن يكون التسعة منهما, فافهم (٣). (فَرَأَيْتُ تِسْعَةَ أَوْلَادٍ, كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ) وفي رواية: "فرأيت لهما", أي: لهما بواسطة ولدهما عبد الله بن أبي طلحة, وبهذا يندفع تعقب العيني للحافظ العسقلاني كما مرّ آنفًا. [٧١ ب/س] فإن قيل: قد وفع في رواية سفيان هنا "تسعة أولاد", بتقديم الفوقية على السين /وفي رواية عباية المذكورة سبع بنين. فالجواب: أنّ الظاهر أنّ المراد بالسبعة من ختم القران كلّه, وبالتسعة من قرأ معظمه (٤). وذكر ابن المديني: من أسماء ولد عبد الله بن أبي طلحة, وكذا ابن سعد وغيره من أهل العلم بالأنساب: إسحاق وإسماعيل, ويعقوب, وعمير, وعمر, ومحمد, وعبد الله, وزيد, والقاسم. (٥)
следующие страницы →