← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 540

نجاح القاري شرح صحيح البخاري - كتاب الجنائز

يوسف أفندي زاده الأماسي

Полный текст (921 стр.). Показаны 537–576 · переход к 542.

стр. 537

للجماع, وقيل: هيأت أمر الصبي بأن غسلته وكفّنته على ما جاء في رواية أبي داود الطيالسي عن مشايخه عن ثابت "فهيئات الصبي" (١). وفي رواية حميد عند ابن سعد "فتوفي الغلام فهيأت أم سليم أمره" (٢). وفي رواية عمار بن زاذان عن ثابت "فهلك الصبي فقامت أم سليم فغسلته وكفنته وحنطته وسجت عليه ثوبًا" (٣). (وَنَحَّتْهُ) بفتح النون والحاء المهملة المشددة أي: جعلته (فِى جَانِبِ الْبَيْتِ) وقيل: بعدته, وفي رواية جعفر عن ثابت: "فجعلته في مخدعها" (٤) , (فَلَمَّا جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ:) لها (كَيْفَ الْغُلَامُ؟ قَالَتْ: قَدْ هَدَأَتْ) بالهمز, أي: سكنت, (نَفْسُهُ) بسكون الفاء، كذا للأكثر. [٧٠ ب/ص] والمعنى: إنّ نفسه كانت قلقة منزعجة بعارض المرض، فسكنت بالموت، وظنّ أبو طلحة أنّ مرادها: سكنت بالنوم لوجود العافية، وفي رواية أبي ذر: "هدأ" بإسقاط التاء "نفسه"، /بفتح الفاء أي: سكن؛ لأن المريض يكون نفسه عاليًا, فإذا زال مرضه سكن، وكذا إذا مات (٥). وفي رواية أنس بن سيرين: "هو أسكن ما كان" (٦) , ونحوه في رواية جعفر عن ثابت, وفي رواية معمر عن ثابت: "أمسى هاديًا" (٧).

стр. 538

[١٦٠ أ/ص] وفي /رواية حميد: "بخير ما كان" (١) , والكلّ متقارب المعاني. (وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ) عنت أم سليم أنّه قد استراح من نكد الدنيا وتعبها, وهو من حسن المعاريض, وهو ما احتمل معنيين, وهذا من أحسنها؛ فإنها أخبرت بكلام لم تكذب فيه ولكن ورت به عنى المعنى الذي كان يحزنه, ألا ترى أن نفسه قد هدأت كما قالت بالموت وانقطاع النفس, وأوهمته أنه استراح من قلقه. وقال ابن بطال: هدأ نفسه من معاريض الكلام (٢)، وأرادت بسكون النفس: الموت, وظنّ أبو طلحة: أنّها تريد به سكون نفسه من المرض, وزوال العلة وتبدلها بالعافية, وأنّها صادقة فيما خيل إليه في ظاهر قولها وبارك الله لهما بدعائه ﷺ , فرزقا تسعة أولاد من القرّاء الصلحاء, وذلك بصبرها فيما نالها ومراعاتها زوجها, وإنّما لم تجزم بكونه استراح, بل قالت: أرجو أدبًا أو لم تكن عالمة بأن الطفل لا عذاب عليه, ففوضت الأمر إلى الله تعالى مع وجود رجائها بأنه استراح من نكد الدنيا (٣). (وَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ) أي: بالنسبة إلى ما فهمه من كلامها وإلا فهي صادقة بالنسبة إلى ما أرادت جزمًا, ولذا ورد "أن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" (٤). (قَالَ) أنس ﵁: (فَبَاتَ) أي: بات أبو طلحة مع امرأته المذكورة, وهذه كناية عن الجماع, لقوله: (فَلَمَّا أَصْبَحَ اغْتَسَلَ)؛ لأن الاغتسال غالبًا لا يكون إلا من الجماع, وقد وقع التصريح بذلك في رواية أنس بن سيرين: "فقرّبت إليه العشاء فتعشىّ, ثمّ أصاب منها" (٥).

стр. 539

وفي رواية حماد عن ثابت: "ثم تطيبت" (١) , زاد جعفر عن ثابت: "فتعرضت له حتى واقع بها" (٢). وفي رواية سليمان عن ثابت: "ثمّ تصنّعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك, فوقع بها" (٣) وفي رواية عبد الله بن عبد الله: "ثم تعرّضت له, فأصاب منها" (٤). وإنّما فعلت ما فعلت؛ إعانة لزوجها على الرضى والتسليم، ولو أعلمته بالأمر في أول الحال تنكد عليه وقته، ولم يبلغ الغرض الذي أرادته، ولعلّها عند موت الطفل قضت حقه من البكاء اليسير، والله أعلم. [١٦١ أ/س] (فَلَمَّا أَرَادَ) أبو طلحة (أَنْ يَخْرُجَ) من البيت (أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ) أي: الابن المذكور, (قَدْ مَاتَ) وفيه زيادة /عند مسلم من رواية سليمان بن المغيرة, عن ثابت عن أنس ﵁،: "قال: مات ابن لأبي طلحة، من أم سليم, فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بأبنه حتى أكون أنا أحدثه, قال: فجاء فقربت إليه عشاء، فأكل وشرب، فقال: ثم تصنّعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، فوقع بها، فلما رأت أنّه قد شبع وأصاب منها، قالت: يا أبا طلحة: أرأيت لو أن قومًا أعاروا أهل بيت عارية، فطلبوا عاريتهم، ألهم أم يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: فأحتسب ابنك، قال: فغضب وقال: تركتيني

стр. 540

حتى تلطخت، ثمّ أخبرتنى بابني, فانطلق حتى أتى رسول الله ﷺ ، فأخبره بما كان، فقال رسول الله ﷺ : "بارك الله لكما في ليلتكما", قال: فحملت (١) , الحديث بطوله. وفي رواية عبد الله فقالت: " يا أبا طلحة أرأيت قومًا اعاروا متاعهم, ثمّ بدالهم فيه فأخذوه فكأنهم وجدوا في انفسهم" (٢) زاد حماد في روايته عن ثابت" فأبوا أن يردوها، فقال أبو طلحة: ليس لهم ذلك، إن العارية مؤداة إلى أهلها، ثم اتفقا فقالت: " إن الله أعارنا فلانا ثم أخذه منا زاد حماد "فاسترجع" (٣). (فَصَلَّى مَعَ النَّبِىِّ ﷺ ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِىَّ ﷺ بِمَا كَانَ مِنْهُمَا) بالتثنية، وفي رواية الكشميهني: "منها" بضمير المؤنثة المفردة (٤). (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا) وفي رواية "لهما في ليلتهما", وفي رواية أنس بن سيرين: "اللهم بارك لهما", ولا تعارض؛ لأن الكل دعاء وفي رواية أنس بن سيرين من الزيادة: "فولدت غلامًا" (٥) , وفي رواية عبد الله بن عبد الله: "فجاءت بعبد الله بن أبي طلحة" وسيأتي الكلام على قصة تحنيكه وغير ذلك, حيث ذكره المؤلف في العقيقة (٦). (قَالَ سُفْيَانُ) أي: ابن عيينة بالإسناد المذكور, (فَقَالَ: رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) هو: عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج, كما عند البيهقي وسعيد بن منصور, عن مسروق, عن عباية بن رفاعة قال: "كانت أم أنس ﵄ , تحت أبي طلحة ﵁ ", فذكر القصة شبيهة بسياق ثابت, عن أنس

стр. 541

- ﵁ , وقال في آخره: " فولدت له غلامًا, قال عباية: فلقد رأيت لذلك الغلام سبع بنين كلّهم قد ختم القران". (١) وقال الحافظ العسقلاني: وأفادت هذه الرواية: أنّ في رواية سفيان تجوُّزًا في قوله: "لهما"؛ لأنه ظاهره أنه من ولدهما بغير واسطة, وإنما المراد من أولاد ولدهما المدعوِّ له بالبركة, وهو عبد الله بن أبي طلحة (٢). وتعقبه العيني: بأنا لا نسلم التجوز في رواية سفيان؛ لأنّه ما صرّح في قوله: "فقال رجل من الأنصار. . . إلخ" بأنْ قال: رأيت منهما أولهما تسعة أولاد, وقوله ﷺ : "يبارك لهما" لا يستلزم أن يكون التسعة منهما, فافهم (٣). (فَرَأَيْتُ تِسْعَةَ أَوْلَادٍ, كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ) وفي رواية: "فرأيت لهما", أي: لهما بواسطة ولدهما عبد الله بن أبي طلحة, وبهذا يندفع تعقب العيني للحافظ العسقلاني كما مرّ آنفًا. [٧١ ب/س] فإن قيل: قد وفع في رواية سفيان هنا "تسعة أولاد", بتقديم الفوقية على السين /وفي رواية عباية المذكورة سبع بنين. فالجواب: أنّ الظاهر أنّ المراد بالسبعة من ختم القران كلّه, وبالتسعة من قرأ معظمه (٤). وذكر ابن المديني: من أسماء ولد عبد الله بن أبي طلحة, وكذا ابن سعد وغيره من أهل العلم بالأنساب: إسحاق وإسماعيل, ويعقوب, وعمير, وعمر, ومحمد, وعبد الله, وزيد, والقاسم. (٥)

стр. 542

وفي الحديث: عدم إظهار الحزن عند المصيبة، وهو فقه الباب، كما فعلت أم سليم, فإنّها اختارت الصبر وقهرت نفسها. وفيه: منقبة عظيمة لأم سليم بصبرها ورضاها بقضاء الله تعالى ﵂. وفيه: جواز الأخذ بالشدة وترك الرخصة لمن قدر عليها، وأنّ ذلك مما ينال به رفيع الدرجات وجزيل الأجر. وفيه: أنّ المرأة تتزين لزوجها تعرضًا للجماع. وفيه: أن من ترك شيئًا لله تعالى وآثر ما ندب إليه, وحضّ عليه من جميل الصبر, أنّه يعوض خيرًا مما فاته، ألا ترى إلى قوله: " فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرأوا القران". وفيه: مشروعية المعاريض الموهمة إذا دعت الضرورة إليها، وشرط جوازها أن لا يبطل حقًا لمسلم، وفيه: إجابة دعوة النبيّ ﷺ . وفيه: بيان حال أم سليم من الجلد وجودة الرأي وقوة العزم, وسيأتي في "الجهاد" و"المغازي" أنّها كانت تشهد القتال, وتقوم بخدمة المجاهدين, إلى غير ذلك مما انفردت به عن معظم النسوة ﵂.

стр. 543

باب: الصَّبْرِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: وَقَالَ عُمَرُ ﵁ نِعْمَ الْعِدْلَانِ، وَنِعْمَ الْعِلَاوَةُ ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٧]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥]. ١٣٠٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ , قَالَ: «الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى». قَالَ الشَّارِحُ ﵀: [١٦٢ أ/س] (باب) يجوز فيه التنوين والإضافة إلى قوله: (الصَّبْرِ) وحينئذ يكون مجرورًا, وأمّا على التنوين: فيكون مرفوعًا على الابتداء, /وخبره قوله: (عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى) أي: هو المطلوب المبشر عليه بالصلوات والرحمة, ومن هنا يظهر مناسبة إيراد أثر عمر ﵁ , في هذا الباب. (وَقَالَ عُمَرُ) أي: ابن الخطاب ﵁ , (نِعْمَ الْعِدْلَانِ) بكسر العين أي: المثلان, وأمّا العدل بفتح العين, فهو: ما عادل الشيء من غير جنسه. (١) (وَنِعْمَ الْعِلَاوَةُ) بكسر العين أيضًا وهو: ما يعلّق على البعير بعد تمام الوقر (٢) , نحو السقاء وغيره (٣). وقال ابن قرقول: العدل في الأصل نصف الحمل على أحد شقي الدابة، والحمل العدلان، والعلاوة ما جعل بينهما (٤). و"نعم" كلمة مدح, و"العدلان" فاعله "ونعم العلاوة" عطف عليه والمخصوص بالمدح, هو قوله: "الذين إلى آخره" وهو مثل ضرب للجزاء على الصبر, فالعدلان: عدل البعير أو الدابة،

стр. 544

والعلاوة: الغرارة التي توضع في وسط العدلين مملوءة، فكما حملت هذه الراحلة [وسعها] (١) , فإنّها لم يبق موضع يحمل عليه، فكذلك الصابر أعطى أجره وافرًا وافيًا كاملًا, قاله الداودي (٢). (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ) مما يصيب الإنسان من مكروه, (قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ) عبيدًا وملكًا, (وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) [البقرة: ١٥٦] في الآخرة, فلا يضيع عمل عامل, وليس الصبر المذكور في قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)﴾ [البقرة: ١٥٥] الاسترجاع باللسان فقط, بل وبالقلب, بأنّ يتصور ما خلق له وأنّه راجع إلى ربه, ويتذكر نعمه عليه ليرى ما أبقى عليه أضعاف ما استرد منه؛ ليهون على نفسه ويستسلم, والمبشّر به محذوف يدلّ عليه قوله: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ) أي: مغفرة أو ثناء, (مِنْ رَبِّهِمْ) قال أبو الليث: الصلاة من الله تعالى ثلاثة أشياء: توفيق الطاعة، والعصمة عن المعصية، ومغفرة الذنوب، فبالصّلاة الواحدة تكون لهم هذه الثلاثة، فقد وعد الله لهم الصلوات الكثيرة، فمقدار ذلك لا يعلمه إلا الله ﵎ (٣). (وَرَحْمَةٌ) لطف عظيم, وإحسان جسيم, (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) [البقرة: ١٥٧] للحق والصواب, حيث استرجعوا واستسلموا لقضاء الله تعالى. قال المهلب: العدلان الصلوات والرحمة والعلاوة, أولئك هم المهتدون (٤). ورواه الحاكم في روايته المذكورة موصولًا عن عمر ﵁ , بلفظ: "أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة, نعم العدلان, وأولئك هم المهتدون نعم العلاوة" (٥) , وكذا اخرجه البيهقي عن الحاكم (٦) , واخرجه عبد بن حميد في "تفسيره" من وجه آخر.

стр. 545

[١٦٢ أ/ص] وقال الزين ابن المُنَيِّر: ويؤيِّده وقوعهما بعد على المُشعرة بالحمل (١) , وقيل: العدلان إنا لله وإنا إليه راجعون, والعلاوة: الثواب عليها, /وقال ابن التين: قال أبو الحسن: العدل الواحد, قول المصاب: "إنا لله" إلى آخره, والعدل الثاني: "الصلوات عليهم من الله تعالى"، والعلاوة: "وأولئك هم المهتدون", وهو ثناء من الله عليهم (٢). وقال الكرماني: والظاهر أنّ المراد بالعدلين القول وجزاؤه, أي: قول الكلمتين ونوعا الثواب, وهما مثلان في أن العدل الأول مركب من كلمتين, والثاني من النوعين من الثواب (٣). واعلم: أنّ الصبر ذكر في القران الكريم في: خمس وتسعين موضعًا، ومن أجمعها هذه الآية ومن أدقها: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤] , قرن هاء الصابر بنون العظمة, ومن أبهجها قوله: " ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٤] " (٤) وقد روى نحو قول عمر ﵁ , مرفوعًا أخرجه الطبراني في "الكبير": من حديث ابن عباس ﵄ , قال: قال رسول الله ﷺ : " أعطيت أمتي شيئًا لم يعطه أحد من الأمم عند المصيبة " إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ " (٥) , إلى قوله " الْمُهْتَدُونَ ", قال: فأخبر أنّ المؤمن إذا سلَّم لأمر الله, واسترجع كتب له ثلاث خصال من الخير: الصلاة من الله, والرّحمة, وتحقيق سبل الهدى (٦) , والله أعلم.

стр. 546

(وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجر عطفًا على الصبر, أي: وباب قوله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا) على حوائجكم (بِالصَّبْرِ) أي: بانتظار النجح والفرج, فتوكلا على الله تعالى, أو على ما يستقبلكم من أنواع المكاره والبلايا بالصبر, أي: حبس النفس على ما تكره من غير جزع ولا فزع. [٧١ ب/ص] (وَالصَّلَاةِ) أي: بالالتجاء إليها, فإنها جامعة لأنواع العبادات/ النفسانية والبدنية والمالية, من الطهارات وستر العورة وصرف المال فيهما, والتوجه إلى الكعبة, والعكوف للعبادة, وإظهار الخشوع بالجوارح, وإخلاص النية بالقلب, ومجاهدة الشيطان, ومناجاة الحقّ, وقراءة القران والتكلم بالشهادتين, وكفّ النفس عن الأطيبين, ولما كان فيها هذه الخصائل كانت معونة على ما تنازع إليه النفس من حبّ الرياسة, وغيرها وعلى ما تكرهه من البلايا. وقيل المراد: بالصبر في الآية الصوم الذي هو صبر على المفطرات، لمِا فيه من كسر الشهوة وتصفية النفس قاله مجاهد (١). [١٦٣ أ/س] (وَإِنَّهَا) أي: الاستعانة بهما, أو الصلاة وتخصيصًا برد الضمير إليها لتعظيم شأنها, واستجماعها ضروبًا من الصبر, (لَكَبِيرَةٌ) شديدة ثقيلة /شاقة, (إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) [البقرة: ٤٥] , المتواضعين المخبتين الذليلة قلوبهم، قيل: الخاشع الذي يرى أثر الذل والخضوع عليه، والخشوع في اللغة: السكون (٢). قال الله تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: ١٠٨] وقيل: الخشوع هيئة في النفس يظهر منها في الجوارح سكون وتواضع, وقيل: الخشوع في الصوت والبصر، والخضوع في البدن (٣). وأخرج أبو داود بإسناد حسن, عن حذيفة ﵁ , قال: "كان رسول الله ﷺ , إذا حزبه أمر صلى" (٤).

стр. 547

وروى الطبريّ في "تفسيره", بإسناد حسن, عن ابن عباس ﵄ , أنّه نعى أخوه قثم, وهو في سفر، فاسترجع, ثم تنحّى عن الطريق، فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام وهو يقول: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ (١). ومن أسرار الصلاة أنها تعين على الصبر لما فيها من الذكر والدعاء والخضوع كما مر. وقال الطبري: الصبر منع النفس محابها وكفّها عن هواها, ولذلك قيل: لمن لم يخرج، صابر لكفه نفسه, وقيل لرمضان: شهر الصبر لكف الصائم نفسه عن المطعم والمشرب (٢) (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحدة وتشديد المعجمة, (قال: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) بضم الغين المعجمة, هو لقب محمد بن جعفر, (قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي: ابن الحجاج (عَنْ ثَابِتٍ) البناني. [١٦٣ أ/ص] (قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا) هو: ابن مالك ﵁ , يروي (عَنِ النَّبِىِّ ﷺ , قَالَ: الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى.) يعني: أن الصبر المحمود هو ما كان عند مفاجأة المصيبة, فإن مفاجأة المصيبة بغتة تزعزع القلب، وتزعجه بصدمتها، فإن صبر للصدمة الأولى انكسرت حدتها، وضعفت قوتها، فهان عليه استدامة الصبر، فأمّا إذا طالت الأيام على المصاب، وقع السلو وصار الصبر، حينئذ طبعًا، فلا يؤجر عليه مثل ذلك، والصابر على الحقيقة من صبر نفسه، وحبسها عن شهواتها، وقهرها عن الحزن والجزع، والبكاء الذي فيه راحة النفس، وإطفاء نار الحزن، فإذا قابل سورة الحزن وهجومه، بالصبر الجميل، وتحقق أن لا خروج له عن قضائه تعالى، وأنّه يرجع إليه, وعلم يقينًا أن الآجال لا تقديم فيها ولا تأخير، وأن المقادير بيده تعالى, ومنه استحق حينئذ جزيل الأجر، /فضلًا منه تعالى. وعدّ من الصابرين الذين وعدهم الله بالمغفرة والرحمة.

стр. 548

وإذا جزع ولم يصبر، أثم وأتعب نفسه، ولم يرد من قضاء الله تعالى شيئًا، ولو لم يكن من فضل الصبر إلا الفوز بدرجة المعية، أنّ الله مع الصابرين، لكفى, فنسأل الله العفو والعافية والرضى والمحبة، إن الله يحب الصابرين. واعلم: أن المصيبة كير العبد الذي يسبك فيها [حاصله] (١)، فإمّا أن يخرج ذهبًا أحمر، وإمّا أن يخرج خبثًا كله، كما قيل: سبكناه ونحسبه لجينا. . . . فأبدى الكير عن خبث الحديد (٢). فإن لم ينفعه هذا الكير في الدنيا. . . . فبين يديه الكير الأعظم. فإذا علم العبد أنّ إدخاله الكير في الدنيا وسبكها خيرًا له من ذلك الكير والسبك، وأنّه لا بدّ من أحد الكيرين، فليعلم قدر نعم الله تعالى عليه في الكير العاجل، فالعبد إذا امتحنه الله بمصيبة فصبر عند الصدمة الأولى، فليحمد الله تعالى على أنّ أهله, لذلك [وثبيه] عليه. وقد اختلف: هل المصائب مكفرات أو مثيبات؟ فذهب الشيخ عز الدين بن عبد السلام في طائفة، إلى أنه: إنّما يثاب على الصبر عليها؛ لأنّ الثواب إنّما يكون على فعل العبد، والمصائب لا صنيع له فيها، وقد يصاب الكافر مثل ما يصيب المسلم (٣). وذهب آخرون إلى أنّه يثاب عليها لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]. ولحديث الصحيحين: "والذي نفسي بيده ما على الأرض مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه، إلا حط الله به عنه خطاياه كما تحط الشجرة اليابسة ورقها" (٤).

стр. 549

ولحديث" ما من مصيبة تصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة، إلا كفّر الله بها خطاياه" (١). فالغم على المستقبل، والحزن على الماضي، والنصب الوصب في المرض (٢). وقال بعض العلماء: الصبر ثلاثة أوجه: صبر على الشدة والمصيبة، وصبر على الطاعة وهو أشد من الأول وأجره أكثر، وصبر على المعصية, وهو أشد من الأول والثاني، وأجره أكثر منهما (٣).

стр. 550

باب: قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : «إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ» قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ «تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ». ١٣٠٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ حَدَّثَنَا قُرَيْشٌ - هُوَ ابْنُ حَيَّانَ - عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه - قَالَ دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِى سَيْفٍ الْقَيْنِ - وَكَانَ ظِئْرًا لإِبْرَاهِيمَ ﵇ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَذْرِفَانِ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - رضى الله عنه - وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ «يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ». ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ ﷺ «إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ». رَوَاهُ مُوسَى عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . قَالَ الشَّارِحُ ﵀: [١٦٤ أ/س] (باب قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ ) لأبنه إبراهيم (إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ) ولم يقع /هذه الترجمة ولا التعليق الآتي من ابن عمر ﵁ , في رواية الحموي (١) , (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ : تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ). ومطابقة هذا الأثر للترجمة من حيث إنّ المصاب إذا كان محزونًا تدمع عينه, وكان ابن عمر ﵄ , أخذه من بعض معنى الحديث الذي رواه, ويأتي عقيب هذا الباب, ولفظه: "إن الله لا

стр. 551

يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب" (١)؛ وذلك لأن عدم تعذيب الله تعالى/بدمع العين وحزن القلب يستلزم أنها إذا وجدا لا يعذب بهما. [٧٢ ب/س] وباللفظ المذكور روى مسلم من حديث أنس ﵁ , قال: قال رسول الله ﷺ : " ولد لي الليلة غلام، فسميته إبراهيم", الحديث وفيه: " فقال ﷺ : تدمع العين ويحزن القلب" (٢). ووقع كذلك في حديث رواه ابن ماجه, عن أسماء بنت يزيد، قالت: "لما توفى ابن رسول الله ﷺ , إبراهيم (٣) , بكى رسول الله ﷺ ". الحديث، وفيه: "تدمع العين, ويحزن القلب" (٤). وكذا وقع في حديث رواه ابن حبان, عن أبي هريرة ﵁ , قال: " لما توفى ابن رسول الله ﷺ ", الحديث وفيه: "القلب يحزن، والعين تدمع" (٥). ووقع أيضا في حديث رواه الطبراني عن أبي أمامة ﵁ , قال: " جاء رجل إلى النبيّ ﷺ , حين توفى إبراهيم" الحديث, وفيه: " يحزن القلب, وتدمع العين, ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا على إبراهيم لمحزونون" (٦)

стр. 552

وأخرج الطبراني أيضا, عن السائب بن يزيد: " أنّ النبيّ ﷺ , لما هلك ابنه طاهر" الحديث, وفيه: "إن العين تذرف، وإن الدمع يغلب، وإن القلب يحزن، ولا نعصى الله " (١). (حَدَّثَنَا) وفي رواية: "حدثني", بالإفراد (٢) , (الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ (٣)): ابن الوزير الجُذامي بضم الجيم وخفة المعجمة, الجَرْوي, بفتح الجيم وسكون الراء, نسبة إلى جروة: قرية من قرى تنيس, وكان أبوه أميرها, فتزهّد الحسن, ولم يأخذ من تركة أبيه شيئًا, وكان يقال: إنّه نظير قارون في المال, قال الدارقطني: لم ير مثلة فضلًا وزهدًا، مات بالعراق سنة: سبع وخمسين مائتين, وهو من طبقة البخاري, ومات بعده بسنة, وليس عنده سوى هذا الحديث وحديثين آخرين في "التفسير", وهو من أفراد البخاري (٤). [١٦٤ أ/ص] (قال حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ (٥)) /منصرفًا وغير منصرف: أبو زكريا التنيسي الإمام الرئيس, أدركه البخاري, ولم يلقه؛ لأنه مات قبل أن يدخل مصر سنة: ثمان ومائتين، وقد روى عنه الشافعي مع جلالته, ومات قبله بمدة (٦). (قال حَدَّثَنَا قُرَيْشٌ) بضم القاف وبالشين المعجمة, (هُوَ ابْنُ حَيَّانَ) بالمهملة من الحيوة أبو بكر العِجلي بكسر العين البصرى (٧).

стр. 553

(عَنْ ثَابِتٍ) البناني, (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه - قَالَ دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ) وفي رواية مع النبيّ ( ﷺ عَلَى أَبِى سَيْفٍ) بفتح السين المهملة وسكون التحتانية, (الْقَيْنِ) بفتح القاف وسكون التحتانية آخره نون, هو: صفة لأبي سيف، واسمه: البراء بن أوس الأنصاري والقين الحداد, قال ابن سيده قيل: كل صانع: قين, والجمع: أقيان، وقيون, ويقال: قان يقين قيانة: صار قينًا, وقان الحديدة: عملها, وقان الإناء يقنيه قينًا: أصلحه، والمقين المزين (١). (وَكَانَ ظِئْرًا) بكسر المعجمة وسكون الهمزة بعدها راء, أي: مرضعًا وأطلق عليه ذلك؛ لأنّه كان زوج المرضعة وأصل الظئر من ظأرت الناقة, إذا عطفت على غير ولدها, فقيل ذلك للتي ترضع ولد غيرها, وأطلق ذلك على زوجها؛ لأنّه يشاركها في تربيته غالبًا. وفي المحكم: الظئر العاطف على ولد غيرها من الناس، والإبل الذكر والأنثى في ذلك سواء والجمع أَظْؤُرٌ وأَظْآرٌ وظُؤُورٌ وظُؤُورَةٌ وظُؤَارٌ الأَخيرةٌ من الجمع العزيز وظُؤْرَةٌ عند سيبويه: اسم للجمع, وقيل: الجمع من الإبل ظؤار, ومن النساء ظؤورة (٢). وفي الصحاح: والجمع ظُؤار على وزن فُعال بالضم (٣) وقال الأزهري: لا يجمع على فعلة إلا ثلاثة أحرف, ظئر وظؤرة, وصاحب وصحبة, وفاره وفرهة (٤). (لإِبْرَاهِيمَ): ابن النبيّ ﷺ , وقد وقع التصريح بذلك في رواية سليمان بن المغيرة المعلقة بعد هذا, ولفظه عند مسلم في أوله: "ولد لي في الليلة غلام، فسميته باسم أبي إبراهيم", ثم دفعه إلى أم سيف، امرأة قين بالمدينة يقال له: أبو سيف، فانطلق رسول الله ﷺ , فاتبعته فانتهى إلى أبي سيف

стр. 554

وهو ينفخ بكيره، وقد امتلأ البيت دخانًا، فتسرّعت المشي بين يدى رسول الله ﷺ ، فقلت: يا أبا سيف: /امسك جاء رسول الله ﷺ " (١). [١٦٥ أ/س] ولمسلم أيضًا من طريق عمرو بن سعيد عن أنس ﵁: ما رأيت أحدًا كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ , كان إبراهيم مسترضعًا في عوالي المدينة، فكان ينطلق ونحن معه, فيدخل البيت, وإنه ليدخن، وكان ظئره قينا" (٢). وقال القاضي عياض: هو البراء بن أوس, وأم سيف زوجته, هي أم بردة خولة بنت المنذر (٣). وقلت: جمع بذلك بين ما وقع في هذا الحديث الصحيح وبين قول الواقدي فيما رواه ابن سعد في "الطبقات" عنه, عن يعقوب بن أبي صعصعة, عن عبد الله بن عبدالرحمن بن أبي صعصعة: " لما ولد إبراهيم تنافست فيه الأنصار أيتهن ترضعه, فدفعه رسول الله ﷺ , إلى أم بردة بنت المنذر بن زيد بن لبيد, من بني عدى بن النجار, وزجها البراء بن أوس بن خالد بن الجعد من بني عدي بن النجار أيضًا (٤) , فكانت ترضعه, وكان رسول الله ﷺ يأيته في بني النجار (٥) انتهى. قال الحافظ العسقلاني: وما جمع به غير مستبعد إلا أنّه لم يأت عن أحد من الأئمة التصريح بأن البراء بن أوس يكني أبا سيف, ولا أن أبا سيف يسمى البراء بن أوس (٦). (فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ) وفيه مشروعية تقبيل الولد وشمه, وليس فيه دليل على فعل ذلك بالميت؛ لأنّ هذه إنما وقعت قبل موت إبراهيم نعم روى أبو داود وغيره أنه ﷺ ,

стр. 555

قبل عثمان بن مظعون بعد موته (١) , وصححه الترمذي (٢) , وروى البخاري: أن أبا بكر ﵁ , قبل النبيّ ﷺ , بعد موته, فلأصدقائه وأقاربه تقبيله. [٧٢ ب/ص] (ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ) أي: على أبي سيف (بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ) أي: يخرجها ويدفعها كما يجود الإنسان بإخراج ماله (٣) , وفي بعض طرقه: يكيد بنفسه, قال صاحب العين: أي: يسوق به (٤)، وقيل: معناه يقارب / بها الموت, وقال أبو مروان بن سراج: قد يكون من الكيد وهو القيء, يقال منه: كاد يكيد, شبه تقلع نفسه عند الموت بذلك (٥). [١٦٥ أ/ص] (فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَذْرِفَانِ) بالذال المعجمة وكسر الراء وبالفاء, من ذرفت العين تزف /إذا جرى دمعها (٦). (فَقَالَ لَهُ) أي: لرسول الله ﷺ , (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ وَأَنْتَ) معطوف علي محذوف تقديره: الناس لا يصبرون عند المصائب, ويتفجعون, وأنت تفعل كفعلهم, (يَا رَسُولَ اللَّهِ) مع حثّك على الصبر, ونهيك عن الجزع.

стр. 556

قال الطيبي: فيه معنى التعجب, كأنّه تعجب لذلك منه, واستغرب لمقاومته المصيبة وعهده منه أنّه يحث على الصبر, وينهى عن الجزع فأجابه ﷺ (١) , (فَقَالَ: «يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا) أي: الحالة التي شاهدتها مني (رَحْمَةٌ) أي: رقة وشفقة على الولد تنبعت عن التأمل فيما هو فيه, لا ما توهمت من الجزع وقلة الصبر. ووقع في حديث عبدالرحمن بن عوف نفسه, فقلت: يا رسول الله (٢) تبكي؟ أولم تنه عن البكاء؟ وزاد فيه: "إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة خمش وجوه، وشق جيوب، ورنّة شيطان، وإنّما هذا رحمة ومن لا يَرحم لا يُرحم" (٣). وفي رواية محمود بن لبيد, فقال: "إنما أنا بشر", وفي رواية: عبد الرزاق من مرسل مكحول: "إنّما أنهى الناس عن النياحة: أن يندب الرجل بما ليس فيه" (٤). (ثُمَّ أَتْبَعَهَا) ﷺ , (بِأُخْرَى) وفي رواية الإسماعيلي: "ثم أتبعها والله بأخرى" بزيادة القسم أي: أتبع الدمعة الأولى بالأخرى, وأتبع الكلمة الأولى المجملة, وهي قوله: " إنها رحمة" بكلمة أخرى مفصلة وهي قوله: "إن العين. . . ", إلى آخره, ويؤيد الثاني ما تقدم من طريق عبدالرحمن ومرسل مكحول. (فَقَالَ) رسول الله, ( ﷺ : إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ) بالنص والرفع, (يَحْزَنُ) لرقته من غير سخط لقضاء الله تعالى, (وَلَا نَقُولُ إلَّا مَا يَرْضَى) من الرضى, أو من الإرضاء, (رَبُّنَا) بالرفع أو

стр. 557

النصب, (وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ) وفي حديث عبدالرحمن بن عوف, ومحمود بن لبيد: "ولا نقول ما يسخط الرب", وزاد في حديث عبدالرحمن في آخره: "لولا أنّه أمر حق ووعد صدق, وسبيل نأتيه, وإنّ آخرنا سيلحق أولنا لحزنا عليك حزنًا هو أشد من هذا" (١). [١٦٦ أ/س] ونحوه في حديث أسماء بنت يزيد, ومرسل مكحول, وزاد في آخره "وفضل رضاعه في الجنة" (٢) , وفي آخر الحديث /محمود بن لبيد, وقال: " إن له مرضعًا في الجنة" (٣) ومات وهو ابن ثمانية عشر شهرًا. وذكر الرضاع وقع في آخر حديث أنس ﵁ , عند مسلم من طريق عمرو بن سعيد عنه, إلا أن ظاهر سياقه الإرسال فلفظه: "قال عمرو: فلما توفي إبراهيم قال رسول الله ﷺ : "إن إبراهيم ابني, وإنه مات في الثدي, وإن له لظئرين يكملان رضاعه في الجنة" (٤). ثمّ إنّه ﷺ , أضاف الفعل إلى الجارحة تنبيها على أنّ مثل هذا لا يدخل تحت قدرة العبد، ولا يكلف الانكفاف عنه، وكأنّ الجارحة امتنعت، فصارت هي الفاعلة لا هو, ولهذا قال: "وإنا بفراقك لمحزونون", فعبّر بصيغة المفعول لا بصيغة الفاعل، أي ليس الحزن من فعلنا، ولكنه واقع بنا من غيرنا، ولا يكلف الإنسان بفعل غيره. والفرق بين الدمع العين، ونطق اللسان: أن النطق يملك بخلاف الدمع، فهو للعين كالنظر ألا ترى أن العين إذا كانت مفتوحة نظرت شاء صاحبها أو أبى، فالفعل لها, ولا كذلك اللسان, قاله ابن المنير (٥).

стр. 558

(رَوَاهُ) أي: أصل الحديث (مُوسَى) أي: ابن إسماعيل التبوذكي, (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ (١)) بضم الميم وكسر الغين المعجمة, (عَنْ ثَابِتٍ) البناني, (عَنْ أَنَسٍ) هو: ابن مالك (٢) , (﵁ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ) وقد وصله البيهقي في "الدلائل" (٣). وفي الحديث: ذكر إبراهيم ابن النبي ﷺ , وموته، ومجموع أولاد النبيّ ﷺ , ثمانية: القاسم وبه كان يكني، والطاهر, والطيب، ويقال: إن الطاهر هو الطيب، وإبراهيم, وزينب زوجة ابن أبي العاص، ورقية, وأم كلثوم زوجا عثمان، وفاطمة زوج علي بن أبي طالب ﵃، وجميع أولاده من خديجة، ﵂، إلا إبراهيم فإنّه من مارية القبطية (٤). وقال الزهري: قال رسول الله ﷺ : "لو عاش إبراهيم لوضعت الجزية عن كل قبطي" (٥). وعن مكحول: أنّ رسول الله ﷺ , قال في إبراهيم: "لو عاش ما رقّ له خال" (٦). واتفقوا على أنّ مولده كان في ذي الحجة سنة: ثمان، واختلفوا في وقت وفاته، فجزم الواقدي: بأنه مات يوم الثلاثاء لعشر ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة: عشر (٧). [١٦٦ أ/ص] وقال ابن حزم: أنّه مات قبل النبيّ ﷺ , بثلاثة أشهر (٨)، وقيل: بلغ ستة عشر شهرًا وثمانية أيام وقيل: سبعة عشر /شهرًا, وقيل: ستة عشر شهرًا وستة أيام.

стр. 559

وفي سنن أبي داود: "توفي وله سبعون يومًا" (١)، وعن محمود بن لبيد: توفي وله ثمانية عشر شهرًا" (٢)، وفي رواية جابر عن عامر عن البراء: "أنه صديق شهيد" (٣). وعن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب: "أول من دفن بالبقيع ابن مظعون, ثم أتبعه إبراهيم" (٤). وعن رجل من آل علي بن أبي طالب, لما دفن إبراهيم قال النبيّ ﷺ : هل من أحد يأتي بقربة؟ فأتى رجل من الأنصار بقربة ماء, فقال: رشها على قبر إبراهيم" (٥). واختلف في الصلاة عليه فصحَّحه ابن حزم (٦) , وقال أحمد: منكر جدًا (٧).

стр. 560

وقال السدى: سألت أنسًا ﵁ أصلى النبي ﷺ على ابنه إبراهيم؟ قال: " لا أدري" (١). [٧٣ ب/س] وروى عن عطاء عن ابن عجلان عن أنس ﵁ , أنّه كبّر/ عليه أربعًا (٢) وهو أفقه, أعني: عطاء. وعن جعفر بن محمد عن أبيه "أنّه صلى" (٣) , وهي مرسلة, فيجوز أن يكون اشتغل بالكسوف عن الصلاة. وحكى الحافظ أبو العباس العراقي: أنّ معناه لم يصلِّ عليه بنفسه وصلى عليه غيره (٤). وقيل: لأنّه لا يصلي على نبيِّ وقد جاء عنه ﷺ : "أنّه لو عاش كان نبيًا" (٥) وقال أبو العباس: كل هذه ضعيفة والصلاة عليه أثبت (٦).

стр. 561

وفي الحديث: جواز الإخبار عن الحزن وإن كان كتمه أولى, وجواز البكاء المجرد على الميت قبل موته, ويجوز بعد موته أيضًا؛ لأنّه ﷺ ، بكى على قبر بنت له، رواه البخاري, وزار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله (١)، رواه مسلم, ولكنه قبل الموت أولى بالجواز، لأنّه بعد الموت يكون أسفًا على ما فات, والله أعلم.

стр. 562

بَابُ: البُكَاءِ عِنْدَ المَرِيضِ قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣٠٤ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِى عَمْرٌو, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ الأَنْصَارِىِّ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ فَأَتَاهُ النَّبِىُّ ﷺ , يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رضى الله عنهم - فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ في غَاشِيَةِ أَهْلِهِ فَقَالَ «قَدْ قَضَى». قَالُوا لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَبَكَى النَّبِىُّ ﷺ فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ النَّبِىِّ ﷺ بَكَوْا فَقَالَ «أَلَا تَسْمَعُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ - أَوْ يَرْحَمُ وَإِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ». وَكَانَ عُمَرُ - رضى الله عنه - يَضْرِبُ فِيهِ بِالْعَصَا، وَيَرْمِى بِالْحِجَارَةِ وَيَحْثِى بِالتُّرَابِ. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (بَابُ: البُكَاءِ عِنْدَ المَرِيضِ) وفي نسخة: "على المريض" (١)، وسقط لفظ: باب في رواية أبي ذر. وقال الزين ابن المنير: المريض أعم من أن يكون أشرف على الموت, أو هو في مبادئ المرض لكن البكاء إنما يقع عند ظهور العلامات المخوفة, كما في قصّة سعد بن عبادة, في حديث هذا الباب (٢). (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ) بفتح الهمزة والموحدة بينهما صاد مهملة وفي آخره غين معجمة: أبو عبد الله بن الفرج, مات يوم الأحد لأربع بقين من شوال, سنة: خمس وعشرين ومائتين (٣). (عَنِ ابْنِ وَهْبٍ) عبد الله (قَالَ أَخْبَرَنِى) بالإفراد, (عَمْرٌو) هو: ابن الحارث المصري (٤) , (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ الأَنْصَارِىِّ (٥)) قاضي المدينة.

стр. 563

[١٦٧ أ/س] (عَنْ /عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ): ابن الخطاب, (﵄ قَالَ: اشْتَكَى) أي: مرض (سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) بضم العين المهملة وتخفيف الموحدة, (شَكْوَى لَهُ) بغير تنوين. وقال الكرماني: أي: أشتكى سعد عن مزاجه لمرض له (١). (فَأَتَاهُ النَّبِىُّ ﷺ ) حال كونه (يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ, وَسَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵃ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ) النبيّ ﷺ , ومن معه. (فَوَجَدَهُ في غَاشِيَةِ أَهْلِهِ) بالغين والشين المعجمتين, قال الخطابي: هذا يحتمل وجهين: أن يراد به القوم الحضور عنده الذين هم غاشيته, أي: يغشونه للخدمة والزيارة. وأن يراد ما يتغشّاه من كرب الوجع الذي به انتهى (٢). وقال العيني: لفظ أهله يأبى المعنى الثاني [بل] (٣) , يتأتى هذا على رواية العامة بإسقاط أهله, نعم: يؤيده رواية مسلم بلفظ "في غشية" (٤). وقال الكرماني: أي في إغمائه, وقال التوربشتى (٥): في شرح المصابيح: الغاشية الداهية من شرّ أو مرض أو مكروه, والمراد به ههنا: ما كان يغشاه من كرب الوجع الذي فيه لا الموت لأنّه برئ من هذا المرض وعاش بعده زمانًا (٦). (فَقَالَ) ﷺ : (قَدْ قَضَى) بحذف همزة الاستفهام, أي: أقد خرج من الدنيا؟ ظنَّ أنّه مات فسأل عن ذلك, (قَالُوا:) وفي رواية: "فقالوا", بالفاء (٧) , (لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَبَكَى النَّبِىُّ ﷺ ,

стр. 564

فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ) الحاضرون (بُكَاءَ النَّبِىِّ ﷺ , بَكَوْا فَقَالَ) ﷺ : (أَلَا تَسْمَعُونَ) لا يقتضي المفعول؛ لأنّه جعل كالفعل اللّازم أي: ألا يوجدون السّماع (١). وقوله: (إِنَّ اللَّهَ) بكسر الهمزة استئناف, كذا قرره ابن حجر والبرماوي كالكرماني (٢). وتعقبه العيني بقوله: ما المانع أن يكون "أنّ" بالفتح في محل المفعول, بقوله: تسمعون, وهو الملائم لمعني الكلام (٣) هذا، ولكن إذا ثبت الرواية بالكسر فلا يبقي للتعقّب وجه. [١٦٧ أ/ص] والظاهر أنّ هذه القصة كانت بعد قصة إبراهيم ابن النبيّ ﷺ ؛ لأنّ عبدالرحمن بن عوف ﵁ , كان معهم في هذه ولم يعترض بمثل ما أعترض به هناك, فدلّ على أنّه تقرَّر عنده العلم بأنّ مجرد البكاء بدمع العين من غير زيادة على ذلك لا يضرُّ, لكنّه لما فهم من بعضهم الإنكار بيّن لهم الفرق بين الحالتين, /فقال: "ألا تسمعون أنّ الله" (٤) , (لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ -) إذا قال سوءًا من القول وهجرًا, (أَوْ يَرْحَمُ) بهذا إن قال خيرًا واستلم لقضاء الله تعالى, ويحتمل أن يكون معناه: "أو يرحم", إنْ لم ينفذ الوعيد فيه, ويروى بالنصب فيكون" أو" بمعنى "إلى" أي: يعذب إلى أن يرحمه الله؛ لأنّ المؤمن لا بدّ أن يدخل الجنة آخرًا, وفي رواية "أو يرحم الله", بزيادة لفظ الجلالة (٥). (وَإِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) بخلاف الحي؛ فإنّه لا يعذب ببكاء الحي عليه, وإنّما يعذب الميت ببكاء الحي عليه إذا تضمن ما لا يجوز شرعًا وكان الميت سببًا فيه على ما تقدم فيما سبق. (وَكَانَ عُمَرُ) أي: ابن خطاب, (﵁) وهو عطف على "اشتكى", فيكون موصولًا بالإسناد السابق إلى ابن عمر ﵄ , (يَضْرِبُ فِيهِ) أي: في البكاء بالصفة المنهي عنها بعد الموت

стр. 565

(بِالْعَصَا، وَيَرْمِى بِالْحِجَارَةِ وَيَحْثِى بِالتُّرَابِ) تأسيًا بأمره ﷺ , بذلك في نساء جعفر, كما مرّ, وسيأتي. وفي الحديث: استحباب عيادة الفاضل المفضول، واستحباب عيادة المريض. وفيه: النهي عن المنكر وبيان الوعيد عليه. وفيه: جواز البكاء عند المريض والترجمة معقودة لذلك. وفيه: جواز اتباع القوم الباكي في البكاء. والله أعلم.

стр. 566

بَابُ: مَا يُنْهَى عَنِ النَّوْحِ وَالْبُكَاءِ وَالزَّجْرِ عَنْ ذَلِكَ قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣٠٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَتْنِى عَمْرَةُ قَالَتْ سَمِعْتُ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - تَقُولُ لَمَّا جَاءَ قَتْلُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، جَلَسَ النَّبِىُّ ﷺ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ، وَأَنَا أَطَّلِعُ مِنْ شَقِّ الْبَابِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ فَأَمَرَهُ بِأَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ ثُمَّ أَتَى فَقَالَ قَدْ نَهَيْتُهُنَّ، وَذَكَرَ أَنَّهُنَّ لَمْ يُطِعْنَهُ، فَأَمَرَهُ الثَّانِيَةَ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ، ثُمَّ أَتَى، فَقَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ غَلَبْنَنِى أَوْ غَلَبْنَنَا الشَّكُّ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَوْشِبٍ - فَزَعَمَتْ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «فَاحْثُ في أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ». فَقُلْتُ أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ، فَوَاللَّهِ مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْعَنَاءِ. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (باب مَا يُنْهَى عَنِ النَّوْحِ) أي: باب النهي عنه فكلمة: "ما" مصدريّة, وفي رواية: "من النوح", فكلمة "ما" موصولة و"من" بيانية (١). (وَالْبُكَاءِ) الذي يرفع الصوت, وغيره مما لا يجوز, (وَالزَّجْرِ عَنْ ذَلِكَ) أي: الردع عنه، قال الزين ابن المنير: عطف الزجر على النهي؛ للإشارة إلى المؤاخذة الواقعة في الحديث بقوله: "فاحث في أفواههن التراب" (٢) (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ (٣)) بفتح المهملة وسكون الواو وفتح الشين المعجمة وبالموحدة, ثقة من أهل الطائف نزل الكوفة لم يرد عنه من أصحاب الكتب الستّة غير البخاري ذكره الأصيلي (٤).

стр. 567

[٧٣ ب/ص] / (قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) هو: ابن عبد المجيد الثقفي, (قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريّ. [١٦٨ أ/س] (قَالَ: أَخْبَرَتْنِى) بالإفراد, (عَمْرَةُ): بنت عبدالرحمن, (قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ /تَقُولُ: لَمَّا جَاءَ قَتْلُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٍ) هو: ابن أبي طالب, (وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ) في غزوة مؤتة, إلى النبيّ ﷺ , (جَلَسَ النَّبِىُّ ﷺ ) في المسجد حال كونه, (يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ, وَأَنَا أَطَّلِعُ مِنْ شَقِّ الْبَابِ) بفتح الشين المعجمة أي: الموضع الذي ينظر منه. (فَأَتَاهُ رَجُلٌ) لم يعرف اسمه, (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ) ويروى: "أي رسول الله" (١) , (إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ) أي: امرأته أسماء بنت عميس, ومن حضر عندها, من النسوة، وخبر "إنّ" محذوف يدل عليه قوله: (وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ) الزائد على القدر المباح, أي: يبكين وينحنَّ, (فَأَمَرَهُ) النبيّ ﷺ , (بِأَنْ يَنْهَاهُنَّ) عن ذلك ويروى: "أن ينهاهن", بحذف الموحدة (٢) (فَذَهَبَ الرَّجُلُ) إليهن, (ثُمَّ أَتَى) ﷺ (فَقَالَ له: قَدْ نَهَيْتُهُنَّ, وَذَكَرَ أَنَّهُنَّ) ويروى: " أنّه", أي الشأن (٣) (لَمْ يُطِعْنَهُ) لكونه لم يصرح لهن بأنّ النبيّ ﷺ , نهاهنَّ, (فَأَمَرَهُ) ﷺ , المرّة (الثَّانِيَةَ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ) الرجل إليهن, (ثُمَّ أَتَى) النبيّ ﷺ , (فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ غَلَبْنَنِى) بياء المتكلم, (أَوْ غَلَبْنَنَا) بنون المتكلم والموحدة ساكنة فيهما. قال البخاري: (الشَّكُّ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَوْشِبٍ) نسبة إلى جده, ويروى: " من محمد بن عبد الله بن حوشب", على الأصل, قالت عمرة: (فَزَعَمَتْ) أي: قالت عائشة ﵂: (أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ) للرجل: (فَاحْثُ) بضم المثلثة من حثا يحثوا وبالكسر من حثي يحثي, (فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ) وفي رواية: "من التراب" (٤). قالت عائشة ﵂: (فَقُلْتُ) للرجل: (أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ) أي: ألصقه بالتراب؛ إهانة وإذلالًا, (فَوَاللَّهِ مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ) أي: لما أمرك رسول الله ﷺ , من النهى الموجب لانتهائهنّ, (وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , مِنَ الْعَنَاءِ) بفتح العين والمدِّ, أي: من جهة العناء, وهو التعب, أو

стр. 568

خاليًا منه, وقد مرّ الحديث في "باب: من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن"، وتقدم التفصيل هناك. قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْد الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ أَخَذَ عَلَيْنَا النَّبِىُّ ﷺ عِنْدَ الْبَيْعَةِ أَنْ لَا نَنُوحَ، فَمَا وَفَتْ مِنَّا امْرَأَةٌ غَيْرَ خَمْسِ نِسْوَةٍ أُمِّ سُلَيْمٍ وَأُمِّ الْعَلَاءِ وَابْنَةِ أَبِى سَبْرَةَ امْرَأَةِ مُعَاذٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوِ ابْنَةِ أَبِى سَبْرَةَ وَامْرَأَةِ مُعَاذٍ وَامْرَأَةٍ أُخْرَى. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْد الْوَهَّابِ (١)) هو: الحجبيّ, (قال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) وسقط في رواية لفظ: "بن زيد" (٢). [١٦٨ أ/ص] (قال حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السختياني, وفي رواية: /"عن أيوب" (٣) , (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو: ابن سيرين, (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ): نسيبة ﵂ , (قَالَتْ: أَخَذَ عَلَيْنَا النَّبِىُّ ﷺ , عِنْدَ الْبَيْعَةِ) بفتح الموحدة, وهي المعاهدة لما بايعهن على الإسلام, (أَنْ لَا نَنُوحَ) على ميت أي: بأن لا ننوح, فـ"أن" مصدرية, وهذا هو موضع الترجمة؛ لأنّ النوح لو لم يكن منهيًا عنه لما أخذ ﷺ , عليهن في البيعة تركه (٤). (فَمَا وَفَتْ) أي: بترك النوح, (مِنَّا (٥)) أي: ممن بايع معها في الوقت الذي بايعت فيه من النسوة, وليس المراد أنّه يترك النياحة من النساء المسلمات, غير الخمس المذكورة.

стр. 569

(غَيْرَ خَمْسِ نِسْوَةٍ) برفع غير ونصبه, (أُمِّ سُلَيْمٍ) بضم السين وفتح اللام, خبر مبتدأ محذوف أي: أحدها: أم سليم, أو هو مجرور, بدل من خمس, وكذا يجوز الوجهان فيما بعده واسم أم سليم: سهلة, على اختلاف فيه, وهي ابنة ملحان, ووالدة أنس ﵂. (وَأُمِّ الْعَلَاءِ) بفتح العين بالمدِّ: الأنصاريّة, وقد تقدّم ذكرها في الباب الثالث, من "كتاب الجنائز", (وَابْنَةِ أَبِى سَبْرَةَ) بفتح السين المهملة وسكون الموحدة, (امْرَأَةِ مُعَاذٍ) أي: ابن جبل ﵂ , (وامرأتان) ويروي: " وامرأتين", بالجر على ما تقدم (١). (أَوِ ابْنَةِ أَبِى سَبْرَةَ وَامْرَأَةِ مُعَاذٍ) شك من الراوي هل ابنة أبي سبرة هي امرأة معاذ أو غيرها؟ وقال الحافظ العسقلاني: والذي يظهر لي أنّ الرواية بواو العطف أصح؛ لأن امرأة معاذ بن جبل ﵁ , هي: أمُّ عمرو, وبنت خلّاد بن عمرو السلمية, ذكرها ابن سعد, وعلى هذا: فابنة أبي سبرة غيرها (٢). وأمّا ابنة أبي سبرة: فهي إمّا أم كلثوم, أو هند بنت سهل الجهينة, على ما ذكره ابن سعد (٣) , ووقع في الذيل لأبي موسى, "وأم معاذ" بدلُ "امرأة معاذ "والصّواب ما في الصحيح "وامرأة معاذ". (وَامْرَأَةٍ أُخْرَى) ولعلها هي أم عطية ﵂ , رواية الحديث، ويؤيده رواية الطبراني من طريق عاصم, عن حفصة, عن أم عطية بلفظ: "فما وفت غيرى وغير أم سليم" (٤). ورجال الحديث كلهم بصريون. وقد أخرجه مسلم والنسائي (٥) أيضًا, وسيأتي الكلام عليه في "تفسير سورة الممتحنة", إن شاء الله تعالى.

стр. 570

بَابُ القِيَامِ لِلْجَنَازَةِ قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣٠٧ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الزُّهْرِىُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ». قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ الزُّهْرِىُّ: أَخْبَرَنِى سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . زَادَ الْحُمَيْدِىُّ: «حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ». قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (بَابُ القِيَامِ لِلْجَنَازَةِ) إذا مرت بمن ليس معها، وإنما لم يشر إلى الحكم؛ لأن فيه اختلافًا على ما نذكره إن شاء الله تعالى. [١٦٩ أ/س] (حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن المديني (قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عيينة (قال: حَدَّثَنَا الزُّهْرِىُّ) محمد بن مسلم بن شهاب (عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ) /عبدالله بن عمر بن الخطاب ﵁ (عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ) بفتح الراء وكسر الموحدة، صاحب الهجرتين، وقد مر في كتاب تقصير الصلاة. (عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا) سواء كانت لمسلم أو كافر؛ إعظامًا للذي يقبض الأرواح، على ما سيجيء تفصيله. (حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ) بضم المثناة الفوقية وفتح الخاء المعجمة وكسر اللام المشددة أي: تجعلكم خلفها، وتتجاوزكم وتترككم وراءها، وإسناد التخليف إلى الجنازة على سبيل المجاز؛ لأن المراد حاملها (١). [٧٤ ب/س] ثم المراد بالتخليف ليس التخصيص بكون الجنازة تتقدم؛ بل المراد مفارقتها سواء خلفت القائم وراءها أو خلفها القائم وراءه، وهو من قولك: خلفت فلانًا ورائي فتخلف عني؛ أي: تأخر، / من التخليف.

стр. 571

وأما خلَفت بتخفيف اللام فمعناه: صرت خليفة عنه، تقول: خلفت الرجل في أهله إذا قمت بعده فيهم وقمت عنه بما كان يفعله، وخلف الله لك بخير وأخلف عليك خيرًا أي: أبدلك بما ذهب منك وعوضك عنه، والخلَف بتحريك اللام والسكون: كل من يجيء بعد من مضى، إلا أنه بالتحريك في الخير وبالتسكين في الشر، يقال خلَف صدق وخلْف سوء (١) قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: ٥٩] (قَالَ سُفْيَانُ) أي: ابن عيينة (قَالَ الزُّهْرِىُّ) محمد بن مسلم (أَخْبَرَنِى) بالإفراد (سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ) عبدالله بن عمر ﵄ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ). قال الحافظ العسقلاني: هذا السياق لفظ الحميدي في مسنده، ويحتمل أن يكون على بن عبدالله حدث به على السياقين، فقال مرة: "عن سفيان، حدثنا الزهري عن سالم"، وقال مرة: " قال الزهري أخبرني سالم" وفائدة ذكر هذا الطريق بيان أن الأولى بالعنعنة، وهذه بلفظ الإخبار فيفيد التقوية (٢). (زَادَ الْحُمَيْدِىُّ) أبو بكر بن عبدالله المكي (عن سفيان (٣)) أي: ابن عيينة. يعني بهذا الإسناد، وقد رواه الحميدي موصولًا في مسنده (٤)، وأخرجه أبو نعيم في مستخرجه (٥). (حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ) بزيادة قوله: "أو توضع" والمراد بالوضع الوضع على الأرض أو وضعها في اللحد، فقد اختلف فيه الروايات.

стр. 572

فقال أبو داود في سننه عقيب حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال ﷺ : "إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع". [١٦٩ أ/ص] روى هذا /الحديث الثوري عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال فيه: "حتى توضع بالأرض" ورواه أبو معاوية عن سهيل: "حتى توضع في اللحد" قال أبو داود: "وسفيان أحفظ من أبي معاوية" (١). ورواه جرير عن سهيل فقال: "توضع حسب" وزاد: قال سهيل: ورأيت أبا صالح لا يجلس حتى توضع عن مناكب الرجال" (٢). أخرجه أبو نعيم في المستخرج بهذه الزيادة، وهو في مسلم بدونها. وفي المحيط للحنفية: الأفضل أن لا يقعد حتى يهال عليها التراب، وحجتهم رواية أبي معاوية، ورجح الأول عند البخاري بفعل أبي صالح؛ لأنه راوي الخبر وهو أعرف بالمراد منه، ورواية أبي معاوية مرجوحة كما قال أبو داود، والله أعلم (٣). وفي الباب ما أخرجه الطحاوي من حديث أبان بن عثمان أنه مرت به جنازة فقام لها، وقال: إن عثمان ﵁ مرت به جنازة فقام لها، وقال: "إن رسول الله ﷺ مرت به جنازة فقام لها" ورواه أحمد، والبزار، أيضًا (٤).

стр. 573

وما أخرجه الطحاوي أيضًا عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إذا صلى أحدكم على جنازة ولم يمش معها، فليقم حتى تغيب عنه، وإن مشى معها فلا يقعد حتى توضع" (١). وما رواه ابن ماجه من حديث أبي سلمةَ عن أبي هريرة ﵁ قال: مُرَّ على النبي ﷺ بجنازة فقام وقال: قوموا فإن للموت فزعًا " (٢). وما رواه النسائي من حديث زيد بن ثابت: "أنهم كانوا جلوسًا مع رسول ﷺ فطلعت جنازة، فقام رسول الله ﷺ وقام من (٣) معه فلم يزالوا قيامًا حتى بعدت" (٤). وما رواه ابن أبي شيبة من حديث عبدالله بن سخبرة، أن أبا موسى ﵁، أخبرهم أن النبي ﷺ "كان إذا مرت به جنازة قام حتى تجاوزه" (٥).

стр. 574

فاحتج قوم بهذه الأحاديث على أن الجنازة إذا مرت بأحد يقوم لها؛ وهم: المسور بن مخرمة، وقتادة، ومحمد بن سيرين، والشعبي، والنخعي، وإسحاق بن إبراهيم، وعمرو بن ميمون (١). وقال أبو عمر في التمهيد: جاءت آثار صحاح ثابتة توجب القيام للجنازة، وقال بها جماعة من السلف والخلف ورووها غير منسوخة. وقالوا: لا يجلس من اتبع الجنازة حتى توضع عن أعناق الرجال؛ منهم الحسن بن علي، وأبو هريرة، وابن عمر، وابن الزبير، وأبو سعيد الخدري، وأبو موسى الأشعري ﵃. وذهب إلى ذلك الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق. وبه قال محمد بن الحسن ﵏ (٢). وقال الطحاوي: وخالفهم آخرون في ذلك فقالوا: ليس على من مرت به جنازة أن يقوم لها ولمن تبعها أن يجلس وإن لم توضع (٣). [١٧٠ أ/س] وأراد بالآخرين - على ما قال العيني - عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة، والأسود، ونافع بن جبير، /وأبا حنيفة، ومالكًا، والشافعي وأبا يوسف ومحمدًا. وهو قول عطاء بن أبي رباح ومجاهد وأبي إسحاق. ويروي ذلك عن علي بن أبي طالب، وابنه الحسن، وابن عباس، وأبي هريرة ﵃، قاله الحازمي. (٤)

стр. 575

وقال القاضي عياض: ومنهم من ذهب إلى التوسعة والتخيير وليس بشيء؛ وهو قول أحمد، وإسحاق، وابن حبيب، وابن الماجشون من المالكية (١). وهؤلاء الذين قالوا: ليس على من مرت به جنازة أن يقوم لها، ذهبوا إلى أن الأمر بالقيام منسوخ وتمسكوا في ذلك بأحاديث؛ منها: ما أخرجه مسلم في صحيحه عن علي ﵁: "أن رسول الله ﷺ كان يقوم في الجنازة ثم جلس بعد" (٢). وعند ابن حبان في صحيحه: "كان يأمر بالقيام في الجنائز ثم جلس بعد ذلك وأمر بالجلوس" (٣) قال الحازمي: قال أبو إسحاق إبراهيم بن عبدالرحمن، حدثنا أبو بكر الطبري، حدثنا يحيى بن محمد البصري، حدثنا أبو حذيفة، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي معمر قال: " مرت بنا جنازة فقمت، فقال علي: ﵁ من أفتاك هذا؟ قلت: أبو موسى الأشعري ﵁، فقال علي ﵁: ما فعله رسول الله ﷺ إلا مرة، فلما نسخ ذلك ونُهِىَ عنه" انتهى (٤). ثم إنهم اختلفوا في الأمر المذكور في الحديث؛ فقيل: للوجوب وأن القيام للجنازة إذا مرت واجب، وقيل: للندب والاستحباب، وإليه ذهب ابن حزم (٥).

стр. 576

وقيل: كان واجبًا ثم نسخ على ما ذكر، واختار النووي أنه للاستحباب، وإليه ذهب المتولي/ من الشافعية. وقال النووي: والحديث ليس بمنسوخ ولا يصح دعوى النسخ في مثل هذا؛ لأن النسخ إنما يكون إذا تعذر الجمع بين الأحاديث ولم يتعذر ههنا (١). [٧٤ ب/ص] وقال العيني (٢): ورد التصريح بالنسخ في حديث علي ﵁، المذكور آنفًا، وتكلم الشافعي، على حديث (٣) عامر بن ربيعة باحتمالات حكاها عنه البيهقي والحازمي، فقال: وهذا لايعد في أن يكون منسوخًا، أو أن يكون النبي ﷺ قام لها لعلة، وقد رواها بعض المحدثين أنها كانت جنازة يهودي، فقام لها كراهة أن تطوله (٤). قال: وأيهما كان فقد جاء عن النبي ﷺ تركه بعد فعله، قال: والحجة في ذلك الآخر من أمره؛ إن كان الأول واجبًا فالآخر من أمره ناسخ، وإن كان مستحبًا فالآخر هو المستحب، وإن كان مباحًا فلا بأس بالقيام. قال: والقعود أحب إليّ؛ لأنه الآخر من فعله ﷺ (٥). [١٧٠ أ/ص] /ثم الأمر بالقيام للجنازة - في حديث الباب وغيره- عام في جنازة المسلم وغيره من أهل الكتاب، وقد ورد في حديث أبي موسى الأشعري ﵁ التصريح بذلك فيما رواه عبدالله بن أحمد في زياداته على المسند، والطحاوي من رواية ليث عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه عن النبي ﷺ
следующие страницы →