← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 540

نجاح القاري شرح صحيح البخاري - كتاب الجنائز

يوسف أفندي زاده الأماسي

Полный текст (921 стр.). Показаны 572–611 · переход к 577.

стр. 572

فقال أبو داود في سننه عقيب حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال ﷺ : "إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع". [١٦٩ أ/ص] روى هذا /الحديث الثوري عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال فيه: "حتى توضع بالأرض" ورواه أبو معاوية عن سهيل: "حتى توضع في اللحد" قال أبو داود: "وسفيان أحفظ من أبي معاوية" (١). ورواه جرير عن سهيل فقال: "توضع حسب" وزاد: قال سهيل: ورأيت أبا صالح لا يجلس حتى توضع عن مناكب الرجال" (٢). أخرجه أبو نعيم في المستخرج بهذه الزيادة، وهو في مسلم بدونها. وفي المحيط للحنفية: الأفضل أن لا يقعد حتى يهال عليها التراب، وحجتهم رواية أبي معاوية، ورجح الأول عند البخاري بفعل أبي صالح؛ لأنه راوي الخبر وهو أعرف بالمراد منه، ورواية أبي معاوية مرجوحة كما قال أبو داود، والله أعلم (٣). وفي الباب ما أخرجه الطحاوي من حديث أبان بن عثمان أنه مرت به جنازة فقام لها، وقال: إن عثمان ﵁ مرت به جنازة فقام لها، وقال: "إن رسول الله ﷺ مرت به جنازة فقام لها" ورواه أحمد، والبزار، أيضًا (٤).

стр. 573

وما أخرجه الطحاوي أيضًا عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إذا صلى أحدكم على جنازة ولم يمش معها، فليقم حتى تغيب عنه، وإن مشى معها فلا يقعد حتى توضع" (١). وما رواه ابن ماجه من حديث أبي سلمةَ عن أبي هريرة ﵁ قال: مُرَّ على النبي ﷺ بجنازة فقام وقال: قوموا فإن للموت فزعًا " (٢). وما رواه النسائي من حديث زيد بن ثابت: "أنهم كانوا جلوسًا مع رسول ﷺ فطلعت جنازة، فقام رسول الله ﷺ وقام من (٣) معه فلم يزالوا قيامًا حتى بعدت" (٤). وما رواه ابن أبي شيبة من حديث عبدالله بن سخبرة، أن أبا موسى ﵁، أخبرهم أن النبي ﷺ "كان إذا مرت به جنازة قام حتى تجاوزه" (٥).

стр. 574

فاحتج قوم بهذه الأحاديث على أن الجنازة إذا مرت بأحد يقوم لها؛ وهم: المسور بن مخرمة، وقتادة، ومحمد بن سيرين، والشعبي، والنخعي، وإسحاق بن إبراهيم، وعمرو بن ميمون (١). وقال أبو عمر في التمهيد: جاءت آثار صحاح ثابتة توجب القيام للجنازة، وقال بها جماعة من السلف والخلف ورووها غير منسوخة. وقالوا: لا يجلس من اتبع الجنازة حتى توضع عن أعناق الرجال؛ منهم الحسن بن علي، وأبو هريرة، وابن عمر، وابن الزبير، وأبو سعيد الخدري، وأبو موسى الأشعري ﵃. وذهب إلى ذلك الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق. وبه قال محمد بن الحسن ﵏ (٢). وقال الطحاوي: وخالفهم آخرون في ذلك فقالوا: ليس على من مرت به جنازة أن يقوم لها ولمن تبعها أن يجلس وإن لم توضع (٣). [١٧٠ أ/س] وأراد بالآخرين - على ما قال العيني - عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة، والأسود، ونافع بن جبير، /وأبا حنيفة، ومالكًا، والشافعي وأبا يوسف ومحمدًا. وهو قول عطاء بن أبي رباح ومجاهد وأبي إسحاق. ويروي ذلك عن علي بن أبي طالب، وابنه الحسن، وابن عباس، وأبي هريرة ﵃، قاله الحازمي. (٤)

стр. 575

وقال القاضي عياض: ومنهم من ذهب إلى التوسعة والتخيير وليس بشيء؛ وهو قول أحمد، وإسحاق، وابن حبيب، وابن الماجشون من المالكية (١). وهؤلاء الذين قالوا: ليس على من مرت به جنازة أن يقوم لها، ذهبوا إلى أن الأمر بالقيام منسوخ وتمسكوا في ذلك بأحاديث؛ منها: ما أخرجه مسلم في صحيحه عن علي ﵁: "أن رسول الله ﷺ كان يقوم في الجنازة ثم جلس بعد" (٢). وعند ابن حبان في صحيحه: "كان يأمر بالقيام في الجنائز ثم جلس بعد ذلك وأمر بالجلوس" (٣) قال الحازمي: قال أبو إسحاق إبراهيم بن عبدالرحمن، حدثنا أبو بكر الطبري، حدثنا يحيى بن محمد البصري، حدثنا أبو حذيفة، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي معمر قال: " مرت بنا جنازة فقمت، فقال علي: ﵁ من أفتاك هذا؟ قلت: أبو موسى الأشعري ﵁، فقال علي ﵁: ما فعله رسول الله ﷺ إلا مرة، فلما نسخ ذلك ونُهِىَ عنه" انتهى (٤). ثم إنهم اختلفوا في الأمر المذكور في الحديث؛ فقيل: للوجوب وأن القيام للجنازة إذا مرت واجب، وقيل: للندب والاستحباب، وإليه ذهب ابن حزم (٥).

стр. 576

وقيل: كان واجبًا ثم نسخ على ما ذكر، واختار النووي أنه للاستحباب، وإليه ذهب المتولي/ من الشافعية. وقال النووي: والحديث ليس بمنسوخ ولا يصح دعوى النسخ في مثل هذا؛ لأن النسخ إنما يكون إذا تعذر الجمع بين الأحاديث ولم يتعذر ههنا (١). [٧٤ ب/ص] وقال العيني (٢): ورد التصريح بالنسخ في حديث علي ﵁، المذكور آنفًا، وتكلم الشافعي، على حديث (٣) عامر بن ربيعة باحتمالات حكاها عنه البيهقي والحازمي، فقال: وهذا لايعد في أن يكون منسوخًا، أو أن يكون النبي ﷺ قام لها لعلة، وقد رواها بعض المحدثين أنها كانت جنازة يهودي، فقام لها كراهة أن تطوله (٤). قال: وأيهما كان فقد جاء عن النبي ﷺ تركه بعد فعله، قال: والحجة في ذلك الآخر من أمره؛ إن كان الأول واجبًا فالآخر من أمره ناسخ، وإن كان مستحبًا فالآخر هو المستحب، وإن كان مباحًا فلا بأس بالقيام. قال: والقعود أحب إليّ؛ لأنه الآخر من فعله ﷺ (٥). [١٧٠ أ/ص] /ثم الأمر بالقيام للجنازة - في حديث الباب وغيره- عام في جنازة المسلم وغيره من أهل الكتاب، وقد ورد في حديث أبي موسى الأشعري ﵁ التصريح بذلك فيما رواه عبدالله بن أحمد في زياداته على المسند، والطحاوي من رواية ليث عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه عن النبي ﷺ

стр. 577

قال: "إذا مرت بكم جنازة، فإن كان مسلمًا أو يهوديًا أو نصرانيًّا فقوموا لها، فإنه ليس يقوم لها ولكن يقوم لمن معها من الملائكة" (١). وقال الشيخ زين الدين، في حديث أبي موسى: هذا (٢) التخصيص بجنازة المسلم وأهل الكتاب، والعلة المذكورة فيه تقتضي عدم تخصيصه بهم؛ بل تشمل جميع بني آدم وإن كانوا كفارًا غير أهل كتاب؛ لأن الملائكة مع كل نفس (٣). واختلفت الأحاديث في تعليل القيام بجنازة اليهودية، ففي حديث جابر ﵁ التعليل، بقوله: "إن الموت فزع" أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي (٤). وفي حديث سهل بن حنيف وقيس ﵄ التعليل بكونها نفسًا، يعني نفسًا ماتت؛ فالقيام لها لأجل صعوبة الموت وتذكره، لا لذات الميت. أخرجه البخاري ومسلم والنسائي أيضًا (٥). وفي حديث أنس ﵁: " إنما قمنا للملائكة" أخرجه النسائي من رواية حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس، ﵁: " أن جنازة مرت برسول الله ﷺ فقام، فقيل: إنها جنازة يهودي، فقال: إنما قمنا للملائكة " (٦)، يعني ملائكة العذاب، ورجاله رجال الصحيح.

стр. 578

وفي حديث عبدالله بن عمرو ﵁: " إنما تقومون إعظامًا للذي يقبض الأرواح" أخرجه ابن حبان في صحيحه من رواية ربيعة بن سيف المعافري، عن أبي عبدالرحمن الحبلي (١) عن عبدالله بن عمرو ﵁، قال: "سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، تمر بنا جنازة الكافر أفنقوم لها؟ قال: نعم، فقوموا لها فإنكم لستم تقومون لها، إنما تقومون إعظامًا للذي يقبض الأرواح" (٢). وفي حديث الحسن بن علي ﵄، أنه كره أن تعلو رأسَه، أخرجه النسائي، قال الحسن: مر بجنازة يهودي وكان رسول الله ﷺ على طريقها جالسًا، فكره أن تعلوَ رأسَهُ جنازةُ يهودي فقام" (٣) [١٧١ أ/س] وفي حديث رواه الطحاوي بإسناده عن الحسن وابن عباس أو عن أحدهما ﵄ "أن النبي ﷺ /مرت به جنازة يهودي فقام، فقال: "آذاني نتنها" ويروى: "أذاني ريحها" (٤). (تكميل) وفي حديث علي ﵁ عند مسلم "أنه ﷺ قام ثم قعد" قال البيضاوي: يحتمل قول علي: "ثم قعد" أي: بعد أن جاوزت به وبعدت عنه قعد، ويحتمل أن يريد: كان يقوم في وقت، ثم ترك القيام أصلًا، وعلى هذا يحتمل أن يكون فعله الآخر قرينة على أن المراد بالأمر الوارد في ذلك

стр. 579

الندبُ، ويحتمل أن يكون نسخًا للوجوب المستفاد من ظاهر الأمر، والأول أرجح؛ لأن احتمال المجاز أولى من دعوى النسخ. انتهى (١). وقال الحافظ العسقلاني: والاحتمال الأول يدفعه ما رواه البيهقي في حديث علي ﵁ أنه أشار إلى قوم قاموا أن يجلسوا، ثم حدثهم بالحديث، ومن ثمَّ قال بكراهية القيام جمعٌ؛ منهم: سليم الرازي، وغيره من الشافعية. انتهى (٢). وبالكراهية صرح النووي في الروضة، (٣) لكن قال المتولي بالاستحباب، قال في المجموع: وهو المختار، فقد صحت الأحاديث بالأمر بالقيام ولم يثبت في القعود شيء إلا حديث علي ﵁، وليس صريحًا في النسخ؛ لاحتمال أن القعود فيه لبيان الجواز. وذكر مثله في شرح مسلم (٤). وفي رواية للبيهقي "أن عليًّا ﵁ رأى ناسًا قيامًا ينتظرون الجنازة أن توضع، فأشار إليهم بدرة معه أو سوط أن اجلسوا، فإن رسول الله ﷺ قد جلس بعد ما كان يقوم" (٥). قال [الأوزاعي] (٦): وفيما اختاره نظر؛ لأن الذي فهمه عليٌّ ﵁، التركُ مطلقًا، وهو الظاهر؛ ولهذا أمر بالقعود من رآه قائمًا، واحتج بالحديث. انتهى (٧) ولذا ذهب إلى النسخ عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة، والأسود (٨)، وأبو حنيفة، ومالك، وأبو يوسف، ومحمد ﵏ (٩).

стр. 580

وقد ورد النهي عن القيام في حديث عبادة ﵁: "كان النبي ﷺ يقوم للجنازة، فمر به حبر من اليهود، فقال: هكذا نفعل، فقال: اجلسوا وخالفوهم" أخرجه أحمد وأصحاب السنن (١) إلا النسائي. قال الحافظ العسقلاني: فلو لم يكن إسناده ضعيفًا لكان حجة في النسخ انتهى (٢) ثم في حديث الباب رواية تابعي عن تابعي، وصحابي عن صحابي في نسق، وأن سفيان والحميدي مكيان، والزهري وسالم مدنيان. وقد أخرج متنه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة (٣).

стр. 581

باب مَتَى يَقْعُدُ إِذَا قَامَ لِلْجَنَازَةِ قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣٠٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابن عُمَرَ - رضى الله عنهما - عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ جَنَازَةً فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاشِيًا مَعَهَا فَلْيَقُمْ حَتَّى يُخَلِّفَهَا، أَوْ تُخَلِّفَهُ أَوْ تُوضَعَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُخَلِّفَهَ». قَالَ الشَّارِحُ ﵀: [٧٥ ب/س] (باب) بالتنوين (مَتَى يَقْعُدُ) الرجل (إِذَا قَامَ / لِلْجَنَازَةِ) أي: للجنازة مرة به وليس في رواية المستملي ذكر هذا الباب ولا الترجمة، وثبت الترجمة دون الباب لرفيقيه أبي ذر والحموي (١). [١٧١ أ/ص] (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قال: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي: ابن سعد (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابن عُمَرَ) ﵄ (عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ) / ﵁ (عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ جَنَازَةً) ويروى "الجنازة" بالتعريف (٢). (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاشِيًا مَعَهَا فَلْيَقُمْ حَتَّى يُخَلِّفَهَا) أي: يخلف أحدكم الجنازة (أَوْ تُخَلِّفَهُ) أي: الجنازةُ أحدَكم. شكٌّ من البخاري أو من قتيبة حين حدثه به. وقد رواه النسائي عن قتيبة ومسلم عنه وعن محمد بن رمح كلاهما عن الليث فقالا: "حتى تخلفه" (٣) من غير شك. (أَوْ تُوضَعَ) أي: الجنازة على الأرض من أعناق الرجال (مِنْ قَبْلِ أَنْ تُخَلِّفَهَ) وفيه بيان للمراد من رواية سالم الماضية. وكلمة "أو" للتقسيم لا للشك، وقد أخرجه مسلم من طريق ابن جريج عن نافع بلفظ: "إذا رأى أحدكم الجنازة فليقم حين يراها حتى تخلفه إذا كان غير متبعها" (٤).

стр. 582

قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣٠٩ حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ - يَعْنِى ابن إبراهيم - حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ» (١). قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابن إبراهيم بن [راهويه] وفي رواية "يعني ابن إبراهيم" (٢). (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو الدَّسْتُوَائِيُّ (٣) (قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى) أي: ابن أبي كثير (٤) (عَنْ أَبِى سَلَمَةَ) بن عبدالرحمن. (عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ ﵁ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: (إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا) أمر بالقيام ولا يؤمر بالقيام إلا القاعد، فأما من كان راكبًا فيحتمل أن يقال: ينبغي أن يقف، ويكون الوقوف في حقه كالقيام في حق القاعد. (فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ) على الأرض، وهذا الحديث أبين سياقًا من حديث عامر بن ربيعة ﵁، وهو يوضح [أن] (٥) زمن القعود لمن مرت به جنازة حين وضعها على الأرض إذا تبعها، وأما إذا لم يتبعها فإنه يقوم إلى أن تغيب عنه الجنازة أو توضع عنده كأن يكون بالمصلى مثلًا.

стр. 583

وقد روى أحمد في مسنده من طريق سعيد بن مرجانة عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "من صلى على جنازة، ولم يمش معها، فليقم حتى تغيب عنه، وإن مشي معها، فلا يقعد حتى توضع" (١). وفي قوله: "ولم يمش معها" دلالة على أن شهود الجنازة لا يجب على الأعيان. وحديث أبي سعيد ﵁، هذا الذي حدث به المؤلف عن مسلم بن إبراهيم، وقع هكذا مقدمًا على حديث سعيد المقبري الذي رواه عن أحمد بن يونس عند أبي ذر وابن عساكر، وأما عند غيرهما فمؤخر عنه (٢).

стр. 584

بَابٌ: مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً، فَلَا يَقْعُدُ حَتَّى تُوضَعَ عَنْ مَنَاكِبِ الرِّجَالِ، فَإِنْ قَعَدَ أُمِرَ بِالقِيَامِ قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣٠٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا ابن أَبِى ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا فِى جَنَازَةٍ فَأَخَذَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - بِيَدِ مَرْوَانَ فَجَلَسَا قَبْلَ أَنْ تُوضَعَ، فَجَاءَ أَبُو سَعِيدٍ - رضى الله عنه - فَأَخَذَ بِيَدِ مَرْوَانَ فَقَالَ: قُمْ فَوَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ هَذَا أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَانَا عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَ أَبُو هَرَيْرَةَ: صَدَقَ. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: [١٧٢ أ/س] (بَابٌ: مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً، فَلَا يَقْعُدُ حَتَّى تُوضَعَ عَنْ مَنَاكِبِ الرِّجَالِ) كأنه أشار بهذا إلى ترجيح رواية من روى في حديث الباب: "حتى توضع بالأرض" على رواية /من روى: "حتى توضع في اللحد" وفيه اختلاف على سهيل بن أبي صالح عن أبيه، وقد تقدم في حديث عامر بن ربيعة (١). (فَإِنْ قَعَدَ أُمِرَ) على صيغة المجهول (بِالقِيَامِ) يعني: أن الذي مرت به جنازة إن كان قائمًا ثم قعد؛ فإنه يؤمر بالقيام إلى أن توضع. (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ (٢)) هو أحمد بن عبدالله بن يونس أبو عبدالله التميمي اليربوعي الكوفي، ونسب إلى جده لشهرته به (٣) (قال حَدَّثَنَا ابن أَبِى ذِئْبٍ (٤)) هو محمد بن عبدالرحمن (عَنْ

стр. 585

سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ (١)) بفتح الميم وضم الموحدة وفتحها وقيل بكسرها أيضًا، سمي به؛ لأنه كان يحفظ مقبرة بني دينار (عَنْ أَبِيهِ) كيسان (٢) (قَالَ: كُنَّا فِى جَنَازَةٍ فَأَخَذَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (بِيَدِ مَرْوَانَ) هو ابن الحكم بن أبي العاص أبو عبد الملك الأموي، وقد استعمله معاوية ﵁ على أرض الحجاز. (فَجَلَسَا قَبْلَ أَنْ تُوضَعَ) الجنازة على الأرض (فَجَاءَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدري سعد بن مالك ﵁ (فَأَخَذَ بِيَدِ مَرْوَانَ فَقَالَ) أي: أبو سعيد لمروان: (قُمْ فَوَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ هَذَا) أي: أبو هريرة ﵁ (أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَانَا عَنْ ذَلِكَ) أي: الجلوس قبل وضع الجنازة (فَقَالَ أَبُو هَرَيْرَةَ) ﵁ (صَدَقَ) أي: أبو سعيد ﵁. وفيه إشارة إلى أن القيام في هذا لا يفوت بالقعود؛ لأن المراد به تعظيم أمر الموت، وهو لا يفوت بذلك (٣). وأما قول المهلب: قعود أبي هريرة ﵁ ومروان يدل على أن القيام ليس بواجب، وأنه ليس عليه العمل (٤) فإن أراد أنه ليس بواجب (٥) عندهما فظاهر، وإن أراد في نفس الأمر فلا دلالة فيه على ذلك (٦). ويدل على الأول ما رواه الحاكم من طريق العلاء بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ﵁، فساق نحو القصة المذكورة وزاد: أن مروان لما قال له أبو سعيد ﵁: "قم. قال: لأبي هريرة ﵁: فما

стр. 586

منعك أن تخبرني؟ قال: كنت إمامًا فجلست فجلست" (١) فعرف بهذا أن أبا هريرة ﵁ لم يكن يراه واجبًا، وأن مروان لم يكن يعرف حكم المسألة قبل ذلك، وأنه بادر إلى العمل بها بخبر أبي سعيد ﵁. وروى الطحاوي من طريق الشعبي عن أبي سعيد ﵁ قال: مر على مروان بجنازة فلم يقم. فقال له أبو سعيد ﵁: "إن رسول الله ﷺ مرت عليه جنازة فقام، فقام مروان" (٢). [١٧٢ أ/ص] وقد اختلف الفقهاء في ذلك؛ /فقال أكثر الصحابة والتابعين باستحبابه، كما نقله ابن المنذر، وهو قول الأوزاعي، وإسحاق، وأحمد، ومحمد بن الحسن (٣). وروى البيهقي من طريق أبي حازم الأشجعي عن أبي هريرة ﵁ وابن عمر ﵄ وغيرهما: "إن القائم مثل الحامل" (٤) في الأجر. وقال الشعبي والنخعي: يكره القعود قبل أن توضع (٥).

стр. 587

وقال بعض السلف: يجب القيام، واحتج له برواية سعيد عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ قالا: " ما رأينا رسول الله ﷺ شهد جنازة قط فجلس حتى توضع" (١) أخرجه النسائي. وقد تقدم التفصيل في ذلك والله أعلم.

стр. 588

بَابٌ: باب مَنْ قَامَ لِجَنَازَةِ يَهُودِىٍّ قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣١١ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - قَالَ: مَرَّ بِنَا جَنَازَةٌ فَقَامَ لَهَا النَّبِىُّ ﷺ وَقُمْنَا بِهِ. فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِىٍّ. قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا». قَالَ الشَّارِحُ ﵀: [٧٥ ب/ص] (باب مَنْ قَامَ لِجَنَازَةِ يَهُودِىٍّ) وليس ذكر اليهودي مقصودًا؛ بل النصراني وغيره / من الكفار كذلك؛ وإنما ذكر اليهودي لكونه المذكور في حديث الباب. (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ (١)) بفتح الفاء والضاد المعجمة أبو زيد الزهراني (قال: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدستوائي (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثير (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بصيغة التصغير (بْنِ مِقْسَمٍ (٢)) بكسر الميم وسكون القاف وفتح السين المهملة، مولى ابن أبي عز القرشي. (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاري ﵁. ورجال إسناد الحديث ما بين بصري ويماني ومدني، وقد أخرج متنه مسلم، وأبو داود، والنسائي (٣).

стр. 589

(قَالَ: مُرَّ بِنَا) بضم الميم على صيغة المجهول، وفي اليونينية بفتح الميم على صيغة المعلوم، وفي رواية الكشميهني: مرت بفتحها وزيادة تاء التأنيث (١). (جَنَازَةٌ فَقَامَ لَهَا) وسقط في رواية كريمة لفظ "لها" (٢) (النَّبِىُّ ﷺ وَقُمْنَا) بالواو وفي رواية: "فقمنا" بالفاء، وزاد الأصيلي وكريمة لفظة "به" والضمير يرجع إلى القيام الدال عليه، قوله: "فقام" أي: قمنا لأجل قيامه (٣). (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِىٍّ) وزاد أبو داود من طريق الأوزاعي عن يحيى: "فلما ذهبنا لنحمل، إذا هي جنازة يهودي، فقلنا: يا رسول الله، إنما هي جنازة يهودي" (٤). (قَالَ ﷺ : إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ) سواء كانت لمسلم أو كافر (فَقُومُوا)، وزاد البيهقي من طريق أبي قلابة الرقاشي عن معاذ بن فضالة فيه "فقال: إن الموت فزع" وكذا لمسلم من وجه آخر عن هشام (٥). [١٧٣ أ/س] قال القرطبي: معناه أن الموت يفزع إليه، إشارة إلى استعظامه، والمقصود أن لا يستمر الإنسان على الغفلة بعد رؤية الميت لما يشعر ذلك من التساهل بأمر الموت /فمن ثمة استوى فيه كون الميت مسلمًا أو غير مسلم. (٦) وقال غيره: جعل نفس الموت فزعًا مبالغة كما يقال رجل عدل.

стр. 590

قال البيضاوي: وهو مصدر جرى مجرى الوصف للمبالغة، أو: فيه تقدير أي: الموت ذو فزع. انتهى (١). ويؤيد الثاني رواية أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: "إن للموت فزعًا" (٢) أخرجه ابن ماجه وعن ابن عباس ﵄ مثله عند البزار (٣). قال: وفيه تنبيه على أن تلك الحال ينبغي لمن رآها أن يقلق من أجلها ويضطرب ولا يظهر منه عدم الاحتفال والمبالات (٤)، والله أعلم. قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣١٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِى لَيْلَى قَالَ: كَانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ قَاعِدَيْنِ بِالْقَادِسِيَّةِ، فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ فَقَامَا. فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، أَىْ: مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَقَالَا: إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ فَقَامَ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِىٍّ. فَقَالَ: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا». قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابن أبي إياس خراساني سكن عسقلان قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) هو ابن الحجاج واسطي.

стр. 591

(قال: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ (١)) بضم الميم وتشديد الراء، ابن عبدالله المرادي الأعمى الكوفي (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِى لَيْلَى (٢)) بفتح اللامين واسم أبي ليلى: يسار الكوفي. (قَالَ: كَانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ (٣)) بضم الحاء المهملة وفتح النون على صيغة التصغير الأوسي الأنصاري، روى له أربعون حديثًا للبخاري، منها أربعة، مات بالكوفة وصلى عليه علي ﵁. (وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ (٤)) أي: ابن عُبادة بضم العين المهملة الصحابي ابن الصحابي، الجواد ابن الجواد، وكان من فضلاء الصحابة ودهاة العرب، شريف قومه، لم يكن في وجهه لحية ولا شعرة، وكانت الأنصار تقول: وددنا أن نشتري لحية لقيس بأموالنا، وكان جميلًا، مات سنة ستين (٥). (قَاعِدَيْنِ) بالتثنية خبر كان (بِالْقَادِسِيَّةِ) بالقاف وكسر الدال المهملة وبالسين المهملة وتشديد التحتية، مدينة صغيرة ذات نخيل ومياه بينها وبين الكوفة مرحلتان، - قاله الكرماني - (٦).

стр. 592

وفي المشترك: بينها وبين الكوفة خمسة عشر فرسخًا في طريق الحاج، وبها كانت وقعة القادسية في أيام عمر ﵁ (١). (فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا) أي: على سهل وقيس ﵄ وفي رواية عليهم أي: عليهما ومن كان معهما حينئذ. (بِجَنَازَةٍ فَقَامَا) أي: سهل وقيس ﵄ (فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّهَا) أي: الجنازة (مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، أي: مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ) تفسير لأهل الأرض، كذا في رواية الصحيحين وغيرهما، وقال ابن التين ناقلًا عن الداودي: أنه شرحه بلفظ: "أو" التي للشك، وقال: لم أره لغيره، وأهل الذمة هم أهل الجزية المقرين بأرضهم؛ لأن المسلمين لما فتحوا البلاد أقروهم على عمل الأرض وحمل الخراج (٢). [١٧٣ أ/ص] (فَقَالَا: إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ: لَهُ: إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِىٍّ. فَقَالَ) / ﷺ : (أَلَيْسَتْ نَفْسًا) ماتت، فالقيام لها لأجل صعوبة أمر الموت وتذكره، فكأنه إذا قام كان أشد لتذكره، ولا يعارض هذا التعليل ما تقدم من أن للموت فزعًا، وغيره مما ذكر في باب القيام للجنازة سوى ما روى أحمد من حديث الحسن بن علي ﵄ من قوله: "إنما قام رسول الله ﷺ تأذيًا بريح اليهودي" (٣).

стр. 593

وما أخرجه الطبراني والبيهقي من وجه آخر عن الحسن ﵁ أيضًا من قوله: "كراهية أن تعلو على رأسه" (١)، ولا بأس بذلك فإن ذلك لا يعارض الأخبار الصحيحة؛ لأن أسانيده لا تقام تلك في الصحة على أن التعليل بذلك راجع إلى ما فهمه الراوي، والتعليل الماضي صريح من لفظ النبي ﷺ ، فكأن الراوي لم يسمع التصريح بالتعليل فعلل باجتهاده. والله أعلم. وفي حديث الباب دلالة على جواز إخراج جنائز أهل الذمة نهارًا غير متميزة عن جنائز المسلمين، أشار إليه الزين ابن المنير قال: وإلزامهم مخالفة رسوم المسلمين وقع اجتهادًا من الأئمة، لكن يمكن أن يقال: إذا ثبت النسخ للقيام تبعه ما عداه، فيحتمل على أن ذلك كان عند مشروعية القيام فلما ترك القيام منع من الإظهار (٢). قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣١٣ - وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَمْرٍو عَنِ ابن أَبِى لَيْلَى قَالَ: كُنْتُ مَعَ قَيْسٍ وَسَهْلٍ - رضى الله عنهما - فَقَالَا: كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ . وَقَالَ زَكَرِيَّاءُ عَنِ الشَّعْبِىِّ عَنِ ابن أَبِى لَيْلَى: كَانَ أَبُو مَسْعُودٍ وَقَيْسٌ يَقُومَانِ لِلْجِنَازَةِ. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ (٣)) بالحاء المهملة والزاي: محمد بن ميمون السكرى، وقد مر في باب نفض اليدين من كتاب الغسل. (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن مرة المذكور (عَنِ ابن أَبِى لَيْلَى) هو عبدالرحمن المذكور (قَالَ: كُنْتُ مَعَ سَهْلٍ وَقَيْسٍ) وفي رواية مع قيس وسهل بتقديم قيس ﵄ (٤).

стр. 594

[٧٦ ب/س] (فَقَالَا: كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ ) /وهذا التعليق وصله أبو نعيم في المستخرج من طريق عبدان عن أبي حمزة، ولفظه نحو حديث شعبة إلا أنه قال في روايته: "فمرت عليهما جنازة فقاما" (١)، ولم يقل فيه: "بالقادسية" وأراد المؤلف بهذا الطريق بيان سماع عبدالرحمن بن أبي ليلى لهذا الحديث من سهل وقيس ﵄ بخلاف الطريق الأول فإنه يحتمل الإرسال (٢). (وَقَالَ زَكَرِيَّاءُ (٣)) هو ابن أبي زائدة (عَنِ الشَّعْبِىِّ) عامر بن شراحيل (عَنِ ابن أَبِى لَيْلَى) عبد الرحمن (كَانَ أَبُو مَسْعُودٍ) هو عقبة بن عمرو الأنصاري الخزرجي البدري، ولم يشهد بدرًا وإنما قيل له: البدري لأنه من ماء بدر وسكن الكوفة (٤). (وَقَيْسٌ) هو ابن سعد المذكور (يَقُومَانِ لِلْجِنَازَةِ) وهذا التعليق وصله سعيد بن منصور عن سفيان بن عيينة عن زكريا. وغرض المؤلف من ذكره هو الإشارة إلى أنه كان يقوم أبو مسعود للجنازة مثل قيس (٥).

стр. 595

بَابُ حَمْلِ الرِّجَالِ الجِنَازَةَ دُونَ النِّسَاءِ قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا وُضِعَتِ الْجِنَازَةُ وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِى. وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَىْءٍ إِلَاّ الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ». قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (بَابُ حَمْلِ الرِّجَالِ الجِنَازَةَ) هي بالفتح للميت وبالكسر للنعش ويقال بالعكس. [١٧٤ أ/س] (دُونَ النِّسَاءِ) لضعفهن عن مشاهدة الموتى غالبًا، فكيف بالحمل مع ما يتوقع من صراخهن عند حملها ووضعها / ولأن فيه مظنة للانكشاف غالبًا، خصوصًا إذا باشرْن الحمل وهو مباين للمطلوب منهن وهو التستر؛ ولأنهن إذا حملنها مع الرجال لكان ذلك ذريعة إلى اختلاطهن بالرجال؛ فيفضي إلى الفتنة ومظنة الفساد. وقد ورد في حديث أخرجه أبو يعلى عن أنس ﵁ "قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فرأى نسوة فقال: أتحملنه؟ قلن: لا، قال: أتدفنه؟ قلن: لا، قال: فارجعن مأزورات غير مأجورات" (١) وهذا الحديث أصرح في المقصود من حديث الباب لكنه ليس على شرط البخاري فلم يخرجه. والحاصل أنه يكره لهن الحمل لما ذكر فإن لم يوجد غيرهن تعين عليهن فإن الضرورات مستثناة في الشرع، والله أعلم.

стр. 596

(حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (١)) بن يحيى القرشي العامري المدني الأعرج (قال: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي: ابن سعد (عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ عَنْ أَبِيهِ) كيسان (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ) سعد بن مالك الأنصار ﵁ (قال: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا وُضِعَتِ الْجِنَازَةُ) أي: الميت على النعش، وقد ذكر أن هذا اللفظ يطلق على الميت وعلى السرير الذي يحمل عليه (٢)، ويحتمل أن يراد بها النعش، ولفظ: "احْتمَلها" يؤكده ويكون إسناد القول إليه مجازًا. ويؤيد الأول ما في رواية ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن عبد الرحمن بن مهران، عن أبي هريرة ﵁: "إذا وضع الميت على السرير" الحديث أخرجه النسائي وابن حبان (٣). (وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ) وهذا هو موضع الترجمة قال ابن رشيد: ليست الحجة في حديث الباب ظاهرة في منع النساء؛ لأنه من الحكم المعلق على الشرط، وليس فيه أن لا يكون الواقع إلا ذلك، ولو سلم فهو من مفهوم اللقب، ثم أجاب بأن كلام الشارع مهما أمكن حمله على التشريع لا يحمل على مجرد الإخبار عن الواقع، ويؤيده العدول عن المشاكلة في الكلام؛ حيث قال: "إذا وضعت"، "واحتملها الرجال" ولم يقل: واحتملت. فلما قطع "احتملت" عن مشاكلة "وضعت" دل على قصد تخصيص الرجال بذلك (٤) والله أعلم.

стр. 597

(فَإِنْ كَانَتْ) أي: الجنازة (صَالِحَةً قَالَتْ) قولًا حقيقيًا لا مجازًا، فإنه تعالى يحدث النطق في الميت إذا شاء، وفي لفظ: "يسمع صوتها" دلالة على ذلك (قَدِّمُونِى) أي: إلى ثواب العمل الصالح الذي عملته. وفي رواية الكشميهني: "قدموني قدموني" مرتين (١). [١٧٤ أ/ص] (وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا) أي: يا حزني احضر فهذا أوانك، /وكان القياس أن يقال: يا ويلي، لكنه أضيف إلى الغائب حملًا على المعنى، كأنه لما أبصر نفسه غير صالحة نفر عنها وجعلها كأنها (٢) غيره، أو كره أن يضيف إلى نفسه (٣) (أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟) قالته لأنها تعلم أنها لم تقدم خيرًا، وأنها تقدم على ما يسوء فتكره القدوم. (يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَىْءٍ إِلَاّ الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ) وفي رواية: "لصعق" باللام (٤). والصعق: أن يغشي على الإنسان من صوت شديد يسمعه (٥) وربما مات منه. والظاهر أن ضمير "سمعه" راجع إلى دعائه بالويل على نفسها أي: تصيح بصوت منكر لو سمعه الإنسان لأغشي عليها (٦). وسيجيء تحقيق لذلك بعد باب إن شاء الله تعالى. قال ابن بطال: وإنما يتكلم روح الجنازة؛ لأن الجسد لا يتكلم بعد خروج الروح منه إلا أن يردها الله إليه (٧). هذا، وذلك بناء منه على أن الكلام شرطه الحياة، وليس كذلك، فإنه يجوز أن يخلق الله تعالى في الميت الحروف والأصوات، والله أعلم.

стр. 598

بَابُ السُّرْعَةِ بِالْجِنَازَةِ قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: وَقَالَ أَنَسٌ - رضى الله عنه: أَنْتُمْ مُشَيِّعُونَ، وَامْشِ بَيْنَ يَدَيْهَا، وَخَلْفَهَا وَعَنْ يَمِينِهَا، وَعَنْ شِمَالِهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: قَرِيبًا مِنْهَا. ١٣١٥ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا ﴿إِلَيْهِ﴾، وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (بَابُ السُّرْعَةِ بِالْجِنَازَةِ) أي: بعد الحمل (وَقَالَ أَنَسٌ) أي: ابن مالك ﵁ (أَنْتُمْ مُشَيِّعُونَ فامشوا) كذا في رواية الكشميهني، وفي رواية: "فامش" بالإفراد. وفي أخرى: "وامش" بالإفراد أيضًا وبالواو والأولى أنسب (١). (بَيْنَ يَدَيْهَا، وَخَلْفَهَا وَعَنْ يَمِينِهَا، وَعَنْ شِمَالِهَا) وأثر أنس ﵁ هذا وصله عبدالوهاب بن عطاء الخفاف في كتاب الجنائز له عن حميد، عن أنس بن مالك ﵁ "أنه سئل عن المشي في الجنازة فقال: أمامها وخلفها وعن يمينها وعن شمالها إنما أنتم مشيعون" (٢). وفي رباعيات أبي بكر الشافعي من طريق يزيد هارون عن حميد كذلك (٣). وبنحوه أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي بكر بن عياش، عن حميد (٤).

стр. 599

وأخرجه عبدالرزاق عن أبي جعفر الرازي، عن حميد، سمعت العيزار، يعني ابن حريث، سأل أنس بن مالك ﵁ يعني المشي مع الجنازة -، فقال: "إنما أنت مشيع" (١)، فذكره نحوه، فاشتمل هذا على فائدتين: تسمية السائل والتصريح بسماع حميد. [٧٦ ب/ص] [١٧٥ أ/س] وقال الزين ابن المنير: مطابقة هذا الأثر للترجمة أن الأثر يتضمن التوسعة على المشيعين وعدم التزامهم جهة معينة؛ وذلك لما علم من تفاوت أحوالهم في المشي، /وقضية الإسراع بالجنازة أن لا يلزموا بمكان واحد يمشون فيه، لئلا يشق على بعضهم ممن يضعف في المشي / عمن يقوي عليه، ومحصله أن السرعة بالجنازة لا يكون غالبًا إلا في جهات مختلفة، ولا يكون في جهة معينة؛ لتفاوت الناس في المشي وحصول المشقة من بعضهم على بعض في تعيين جهة، فإذا كان كذلك يكون السرعة من جوانبها الأربع فتناسبا (٢). وقال ابن رشيد: ويمكن أن يقال: لفظ المشي والتشيع في أثر أنس ﵁ عنه أعم من الإسراع والبطء. فلعله أراد أن يفسر أثر أنس ﵁ بالحديث. قال: ويمكن أن يكون أراد أن يبين بقول أنس ﵁ أن المراد بالإسراع ما لا يخرج عن الوقار لمتبعيها بالمقدار الذي يصدق عليهم به المصاحبة (٣). (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير أنس ﵁: امش (قَرِيبًا مِنْهَا) أي: من الجنازة، أي: من أيِّ جهة كان؛ لاحتمال أن يحتاج حاملوها إلى المعاونة، فإن بعد عنها لم يكن مشيعًا، فإن كان بعده لكثرة الجمع حصل له فِعْلُ المتابعة. قال الحافظ العسقلاني: والغير المذكور أظنه عبد الرحمن بن قُرط بضم القاف وسكون الراء بعدها (٤) مهملة (٥)، قال سعيد بن منصور: حدثنا مسكين بن ميمون حدثني عروة بن رُوَيْم قال:

стр. 600

شهد عبدالرحمن بن قُرْط جنازة فرأى ناسًا تقدموا وآخرين استأخروا، فأمر بالجنازة فوضعت، ثم رماهم بالحجارة حتى اجتمعوا إليه، ثم أمر بها فحملت، ثم قال: بين يديها وخلفها وعن يسارها وعن يمينها" (١) وعبدالرحمن المذكور صحابي، ذكر البخاري ويحيى بن معين أنه كان من أهل الصفة (٢)، وكان واليًا على حمص في زمن عمر ﵁ (٣). هذا (٤) وتعقبه العيني: بأن ما ذكره تخمين وحسبان، ولئن سلمنا أنه هو ذاك الغير، فلا نسلم أن هذا مناسب لما ذكره الغير؛ بل هو بعينه مثل ما قاله أنس ﵁ (٥). ودلَّ إيراد المؤلف لأثر أنس ﵁ على اختيار هذا المذهب، وهو التخيير في المشي مع الجنازة، وهو قول الثوري وغيره (٦)، وبه قال ابن حزم، لكن قيده بالماشي (٧) لحديث المغيرة بن شعبة مرفوعًا ﵁ الذي رواه أصحاب السنن وصححه بن حبان والحاكم: "الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها" (٨).

стр. 601

[١٧٥ أ/ص] وعن النخعي: إن كان في الجنازة نساء مشي أمامها وإلا فخلفها. وكثير من الأئمة على أن المشي وكونه أمامها أفضل للاتباع، وفيه حديث لابن عمر ﵄، أخرجه أصحاب السنن ورجاله رجال الصحيح (١) إلا أنه اختُلف في وصله وإرساله؛ ولأنه شفيع وحق الشفيع أن يتقدم. ويعارضه ما رواه سعيد بن منصور وغيره من طريق / عبد الرحمن بن أبْزي عن علي ﵁ موقوفًا له حكم الرفع "قال: المشي خلفها أفضل من المشي أمامها كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ" (٢) إسناده حسن، (٣) لكن حكى الأثرم عن أحمد أنه تكلم في إسناده (٤)، وهذا هو (٥) قول الأوزاعي وأبي حنيفة ومن تبعهما، (٦) وأما القول بأنه شفيع وحق الشفيع أن يتقدم فهو استدلال بمقابلة النصر والله أعلم، ثم إن كونه قريبًا منها بحيث يراها إن التفت إليها أفضل. ويكره ركوبه في ذهابه معها لحديث الترمذي أنه ﷺ رأى ناسًا ركبانًا مع جنازة فقال: " ألا تستحيون أن ملائكة الله على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب" (٧).

стр. 602

نعم إن كان له عذر كمرض أو كان ركوبه في رجوعه فلا كراهية فيه، ذكره القسطلاني (١). (حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) ابن المديني (قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عيينة (قَالَ: حَفِظْنَاهُ) أي: الحديث الآتي (مِنَ الزُّهْرِىِّ) محمد بن مسلم بن شهاب. وفي رواية "عن الزهري" بكلمة "عن" بدل "من"، والأول أولى؛ لأنه يقتضي سماعه منه بخلاف رواية "عن"، وقد صرح الحميدي في مسنده بسماع سفيان من الزهري، (٢) ويروي: "حفظته". (٣) (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) كذا قال سفيان وتابعه معمر وابن أبي حفصة عند مسلم، وخالفهم يونس فقال عن الزهري: حدثني أبو أمامة بن سهل عن أبي هريرة ﵁ (٤). وهو محمول على أن للزهري فيه شيخين. (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ) أمر من الإسراع أي: أسرعوا بحملها إلى قبرها إسراعًا متوسطًا بين شدة السعي وبين المشي المعتاد، يدل عليه ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه من حديث عبدالله بن عمرو، أن أباه أوصاه قال: " إذا حملتني على السرير، فامش مشيًا بين المشيين، وكن خلف الجنازة، فإن مقدمها للملائكة وخلفها لبني آدم" (٥). ثم إنه نقل ابن قدامة أن الأمر فيه للاستحباب بلا خلاف بين العلماء (٦)، وشذ ابن حزم فقال بوجوبه (٧)، وفي شرح المهذب: جاء عن بعض السلف كراهة الإسراع بالجنازة، ولعله يكون محمولًا على الإسراع المفرط الذي يخاف منه انفجار الميت وخروج شيء منه (٨).

стр. 603

وقال الحافظ العسقلاني: والمراد بالإسراع شدة المشي، وعلى ذلك حمله بعض السلف وهو قول الحنفية (١). [١٧٦ أ/س] قال صاحب الهداية: / ويمشون بها مسرعين دون الخبب (٢). وفي المبسوط: ليس فيه شيء مؤقت غير أن العجلة أحب إلى أبي حنيفة وعن الشافعي والجمهور (٣)، والمراد بالإسراع ما فوق سجية المشي المعتاد، ويكره الإسراع الشديد (٤). ومال القاضي عياض إلى نفي الخلاف؛ فقال: من استحبه أراد (٥) الزيادة على المشي المعتاد ومن كرهه أراد الافراط فيه كالرمل (٦). والحاصل أنه يستحب الإسراع بها، لكن بحيث لا ينتهي إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت أو مشقة على الحامل أو المشيع؛ لئلا ينافي المقصود من النظافة وعدم إدخال المشقة على المسلم. قال القرطبي: مقصود الحديث أن لا يتباطأ بالميت عن الدفن؛ فإن البطء ربما يؤدي إلى التباهي والاحتيال انتهى (٧). [٧٧ ب/س] وقال العيني: ما حاصله أن هذا القول منه أعني قوله "وهو قول الحنفية" عجيب منه؛ إذ لم أجد أحدًا منهم/ يقول بشدة المشي وهذا صاحب الهداية الذي لا يذكر إلا ما هو العمدة عند أبي

стр. 604

حنيفة، يقول: ويمشون بها مسرعين دون الخبب" (١) وهو يدل على أن المراد من الإسراع: هو المتوسط لا شدة الإسراع التي هي الخبب، وهو العدو. وكذلك المراد من قول صاحب المبسوط: العجلة أحب إلى أبي حنيفة هي العجلة المتوسطة لا الشديدة (٢)، وأعجب أنه يذكر عن كتابين معتبرين في المذهب ما يدل على نفي شدة المشي، ويقول: شدة المشي قول الحنفية هذا (٣). فإن قيل: روى الشيخان من رواية عطاء قال: حضرنا مع ابن عباس ﵄، جنازة ميمونة، ﵂، بسرف، فقال ابن عباس ﵄: هذه ميمونة إذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوه، ولا تزلزلوه، وارفقوا (٤). وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن محمد بن فيصل، عن بنت أبي بردة، عن أبي موسى ﵁، قال: مر على النبي ﷺ بجنازة وهي تمخض كما يمخض الزق فقال: " عليكم بالقصد في جنائزكم" (٥) وهذا يدل على استحباب الرفق بالجنازة وترك الإسراع. فالجواب أن ابن عباس ﵄ أراد الرفق في كيفية الحمل لا في كيفية المشي بها، وأما حديث أبي موسى ﵁ فهو منقطع بين بنت أبي

стр. 605

بردة وبين أبي موسى ﵁، ومع ذلك فهو ظاهر في أنه كان يفرط في الإسراع بها، ولعله خشي انفجارها أو خروج شيء منها، والله أعلم (١). [١٧٦ أ/ص] ثم إنه قيل: المراد بالإسراع هو الإسراع بتجهيزها وتعجيل الدفن / لكن بعد التيقن بموته؛ فإن المرض قد يخفى ولا يظهر إلا بعد مضي زمان كالمسبوت (٢) ونحوه من المطعون والمفلوج. وعن ابن بزيزة (٣): ينبغي أن لا يسرع بتجهيزهم حتى يمضي يوم وليلة ليتحقق موته. واستدل على ذلك بحديث حُصَين بن وَحْوح -بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، وبواوين مفتوحتين وحائين مهملتين أولاهما ساكنة- أنصاري له صحبة، قيل: إنه مات بالعذيب (٤)، روى له أبو داود أن طلحة بن البراء ﵁، مرض فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقال: "إني لا أرى طلحة إلا قد حدث به الموت فآذنوني به وعجلوا، فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله" (٥)

стр. 606

وروى الطبراني بإسناد حسن من حديث ابن عمر ﵄: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا مات أحدكم فلا تحبسوه، وأسرعوا به إلى قبره" (١). وقال القرطبي: الأول أظهر (٢)، وقال النووي: الثاني باطل مردود بقوله في الحديث: "تضعونه عن رقابكم" (٣)، وردّ عليه بأن الحمل على الرقاب قد يعبر به عن المعنى، كما تقول: حمل فلان على رقبته ذنوبًا، فيكون المعنى: استريحوا من نظر من لا خير فيه، ويدل عليه أن الكل لا يحملونه. ويؤيده حديث أبي داود والطبراني المذكور آنفًا. والله أعلم. (٤) (فَإِنْ تَكُ) أي: الجنازة التي هي عبارة عن الميت أو الجثة المحمولة. قال الطيبي: جعلت الجنازة عين الميت، وجعلت الجنازة التي هي مكان الميت مقدمة إلى الخير الذي كني به عن العمل الصالح وأصله، فإن تكن حذفت النون للتخفيف (٥). (صَالِحَةً) خبر كان (فَخَيْرٌ) هو خبر مبتدأ محذوف أي: فهو "خير" أو: مبتدأ خبره محذوف أي: فثمة أو فلها "خير". ويؤيده رواية مسلم بلفظ: "قربتموها إلى الخير" (٦) ويأبى عنه قوله بعد ذلك: "فشر" والله أعلم (٧).

стр. 607

(تُقَدِّمُونَهَا) أي: الجنازة (إِلَيْهِ) أي: إلى ذلك الخير والثواب والإكرام الحاصل له في قبره، يعني حاله في القبر حسن طيب فأسرعوا بها حتى تصل إلى تلك الحال قريبًا. وفي توضيح ابن مالك: أنه روى تقدمونه إليها أي: تقدمون الميت إلى الخير الذي هو عبارة عن الرحمة أو الحسنى أو اليسرى، ثم قوله: إليه وكذا إليها على ما في رواية ابن مالك ساقط في فرع اليونينية (١). [١٧٧ أ/س] (وَإِنْ يَكُ تك) أي: الجنازة (سِوَى ذَلِكَ) أي: غير صالحة (فَشَرٌّ) فهو شر (تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ) يعني أنها بعيدة عن الرحمة فلا مصلحة لكم في مصاحبتها. ويؤخذ منه مجانبة صحبة أهل البطالة وغير الصالحين. واستدل به على أن حمل الجنازة يختص بالرجال للإتيان فيه بضمير المذكر. وهذا الحديث أخرجه / مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه أيضًا (٢).

стр. 608

بَابُ: قَوْلِ المَيِّتِ وَهُوَ عَلَى الجِنَازَةِ: قَدِّمُونِي قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ - رضى الله عنه - قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا وُضِعَتِ الْجِنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِى. وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ لأَهْلِهَا: يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَىْءٍ إِلَاّ الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَ الإِنْسَانُ لَصَعِقَ». قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (بَابُ: قَوْلِ المَيِّتِ) أي: الصالح (وَهُوَ عَلَى الجِنَازَةِ) أي: السرير (قَدِّمُونِي) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التنيسي (قال: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابن سعد. (قال: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) المقبري (عَنْ أَبِيهِ) كيسان (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالك الأنصاري (الْخُدْرِىَّ) ﵁ (قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَقُولُ: إِذَا وُضِعَتِ الْجِنَازَةُ) يحتمل أن يراد بالجنازة نفس الميت، وبوضعها جعله على السرير. ويحتمل أن يراد بها السرير وبوضعها على الأكتاف والأعناق، والأول أولى* (١)؛ لقوله بعد ذلك: "فإن كانت صالحة قالت" فإن المراد به الميت. ويؤيده رواية عبدالرحمن بن مهران مولى أبي هريرة، قال: أوصى أبو هريرة ﵁، إذا أنا (٢) مت فلا تضربوا علي فسطاطًا ولا تتبعوني بنار، وأسرعوا بي، فإني سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "إن المؤمن إذا وضع على سريره قال: قدموني قدموني، وإن

стр. 609

الكافر إذا وضع على سريره قال: يا ويله أين تذهبون به؟ " (١) رواه أبو داود الطياليسي عن ابن أبي ذئب عن سعيد عن عبدالرحمن (٢) إلى آخره. (٣) [٧٧ ب/ص] (فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِى) إلى ثواب عملي الصالح الذي قدمته، وظاهره أن قائل ذلك هو الجسد المحمول على الأعناق، يقوله بلسان القال (٤) بحروف وأصوات يخلقها الله تعالى فيه. وقال ابن بطال: إنما يقول ذلك الروح (٥). ورده ابن المنير بأنه لا مانع أن يرد الله الروح إلى الجسد في تلك الحال؛ ليكون ذلك زيادة في بشرى المؤمن وبؤس الكافر. وكذا قال غيره، وزاد: أو يكون ذلك مجازًا باعتبار / ما يؤول إليه الحال بعد إدخال القبر وسؤال الملكين. والحق أنه لا حاجة إلى دعوى إعادة الروح إلى الجسد قبل الدفن؛ لأنه يحتاج إلى دليل، والله قادر على أن يحدث نطقًا في الميت إذا شاء، وأما ما زاده الغير فهو بمعزل عن المقام كما لا يخفى على من ينظر في سياق الكلام، والله أعلم بحقيقة المرام (٦). (وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ذلك) أي: غير صالحة كما في رواية (٧): (قَالَتْ لأَهْلِهَا).

стр. 610

قال الطيبي: أي: لأجل أهلها إظهار لوقوعه في الهلكة (١) (يَا وَيْلَهَا) إذ كل من وقع في هلكة دعا بالويل، ومعنى الويل: الهلاك والحزن، كأنه قال: يا حزني احضر فهذا أوانك، وأضيف / الويل إلى ضمير الغائب حملًا على المعنى، كراهية أن يضيف الويل إلى نفسه، أو كأنه لما أبصر نفسه غير صالحة نفر عنها، وجدها كأنها غيره، ويؤيد الأول أن في رواية أبي هريرة ﵁ قال: " يا ويلتاه أين تذهبون بي؟ " (٢) فدل على أن ذلك من تصرف الراوي. [١٧٧ أ/ص] (أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟) قاله تحسرًا وتحزنًا كراهية ما يقدم إليه (يَسْمَعُ صَوْتَهَا) المنكر (كُلُّ شَىيْءٍ) ممن له عقل كالملائكة، والجن، أو من الحيوان، أو من جنس المخلوق، فإنه لا مانع من إنطاق الله الجسد بغير روح وإسماع كلامه كل شيء من المخلوقات وهو على كل شيء قدير. (إِلَاّ الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَ الإِنْسَانُ) صوتها المنكر بالويل المزعج (لَصَعِقَ) لغشي عليه أو يموت من شدة هول ذلك. قال ابن بزيزة: هو مختص بالميت الذي هو غير صالح، وأما الصالح فمن شأنه اللطف والرفق في كلامه فلا يناسب الصعق من سماع كلامه، انتهى. (٣) ويحتمل أن يحصل الصعق من سماع كلام الصالح أيضًا؛ لكونه غير مألوف، وقد روى أبو القاسم بن مندة هذا الحديث في كتاب الأهوال (٤) بلفظ: "لو سمعه الإنسان لصعق من المحسن والمسيء" (٥) فدل على وجود الصعق عند سماع كلام الصالح أيضًا والله أعلم. وقد استشكل هذا مع ما ورد في حديث السؤال في القبر: "فيضربه ضربة فيصعق صعقة يسمعها كل شيء إلا الثقلين" ولا استشكال؛ لأنه استثنى في الأول الإنس فقط وفي الثاني الجن

стр. 611

والإنس؛ وذلك لأن كلام الميت لا يقتضي الصعق إلا من الآدمي؛ لكونه لم يألف سماع كلام الميت بخلاف الجن في ذلك، وأما الصيحة التي يصيحها المضروب في القبر فإنها غير مألوفة للجن والإنس جميعًا؛ لكون سببها عذاب الله تعالى، ولا شيء أشد منه على مكلف فأشرك فيه الجن والإنس، أعاذنا الله تعالى من عذابه وأدخلنا برحمته في دار ثوابه بحرمة نبيه ﷺ .
следующие страницы →