← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 540

نجاح القاري شرح صحيح البخاري - كتاب الجنائز

يوسف أفندي زاده الأماسي

Полный текст (921 стр.). Показаны 607–646 · переход к 612.

стр. 607

(تُقَدِّمُونَهَا) أي: الجنازة (إِلَيْهِ) أي: إلى ذلك الخير والثواب والإكرام الحاصل له في قبره، يعني حاله في القبر حسن طيب فأسرعوا بها حتى تصل إلى تلك الحال قريبًا. وفي توضيح ابن مالك: أنه روى تقدمونه إليها أي: تقدمون الميت إلى الخير الذي هو عبارة عن الرحمة أو الحسنى أو اليسرى، ثم قوله: إليه وكذا إليها على ما في رواية ابن مالك ساقط في فرع اليونينية (١). [١٧٧ أ/س] (وَإِنْ يَكُ تك) أي: الجنازة (سِوَى ذَلِكَ) أي: غير صالحة (فَشَرٌّ) فهو شر (تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ) يعني أنها بعيدة عن الرحمة فلا مصلحة لكم في مصاحبتها. ويؤخذ منه مجانبة صحبة أهل البطالة وغير الصالحين. واستدل به على أن حمل الجنازة يختص بالرجال للإتيان فيه بضمير المذكر. وهذا الحديث أخرجه / مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه أيضًا (٢).

стр. 608

بَابُ: قَوْلِ المَيِّتِ وَهُوَ عَلَى الجِنَازَةِ: قَدِّمُونِي قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ - رضى الله عنه - قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا وُضِعَتِ الْجِنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِى. وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ لأَهْلِهَا: يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَىْءٍ إِلَاّ الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَ الإِنْسَانُ لَصَعِقَ». قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (بَابُ: قَوْلِ المَيِّتِ) أي: الصالح (وَهُوَ عَلَى الجِنَازَةِ) أي: السرير (قَدِّمُونِي) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التنيسي (قال: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابن سعد. (قال: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) المقبري (عَنْ أَبِيهِ) كيسان (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالك الأنصاري (الْخُدْرِىَّ) ﵁ (قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَقُولُ: إِذَا وُضِعَتِ الْجِنَازَةُ) يحتمل أن يراد بالجنازة نفس الميت، وبوضعها جعله على السرير. ويحتمل أن يراد بها السرير وبوضعها على الأكتاف والأعناق، والأول أولى* (١)؛ لقوله بعد ذلك: "فإن كانت صالحة قالت" فإن المراد به الميت. ويؤيده رواية عبدالرحمن بن مهران مولى أبي هريرة، قال: أوصى أبو هريرة ﵁، إذا أنا (٢) مت فلا تضربوا علي فسطاطًا ولا تتبعوني بنار، وأسرعوا بي، فإني سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "إن المؤمن إذا وضع على سريره قال: قدموني قدموني، وإن

стр. 609

الكافر إذا وضع على سريره قال: يا ويله أين تذهبون به؟ " (١) رواه أبو داود الطياليسي عن ابن أبي ذئب عن سعيد عن عبدالرحمن (٢) إلى آخره. (٣) [٧٧ ب/ص] (فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِى) إلى ثواب عملي الصالح الذي قدمته، وظاهره أن قائل ذلك هو الجسد المحمول على الأعناق، يقوله بلسان القال (٤) بحروف وأصوات يخلقها الله تعالى فيه. وقال ابن بطال: إنما يقول ذلك الروح (٥). ورده ابن المنير بأنه لا مانع أن يرد الله الروح إلى الجسد في تلك الحال؛ ليكون ذلك زيادة في بشرى المؤمن وبؤس الكافر. وكذا قال غيره، وزاد: أو يكون ذلك مجازًا باعتبار / ما يؤول إليه الحال بعد إدخال القبر وسؤال الملكين. والحق أنه لا حاجة إلى دعوى إعادة الروح إلى الجسد قبل الدفن؛ لأنه يحتاج إلى دليل، والله قادر على أن يحدث نطقًا في الميت إذا شاء، وأما ما زاده الغير فهو بمعزل عن المقام كما لا يخفى على من ينظر في سياق الكلام، والله أعلم بحقيقة المرام (٦). (وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ذلك) أي: غير صالحة كما في رواية (٧): (قَالَتْ لأَهْلِهَا).

стр. 610

قال الطيبي: أي: لأجل أهلها إظهار لوقوعه في الهلكة (١) (يَا وَيْلَهَا) إذ كل من وقع في هلكة دعا بالويل، ومعنى الويل: الهلاك والحزن، كأنه قال: يا حزني احضر فهذا أوانك، وأضيف / الويل إلى ضمير الغائب حملًا على المعنى، كراهية أن يضيف الويل إلى نفسه، أو كأنه لما أبصر نفسه غير صالحة نفر عنها، وجدها كأنها غيره، ويؤيد الأول أن في رواية أبي هريرة ﵁ قال: " يا ويلتاه أين تذهبون بي؟ " (٢) فدل على أن ذلك من تصرف الراوي. [١٧٧ أ/ص] (أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟) قاله تحسرًا وتحزنًا كراهية ما يقدم إليه (يَسْمَعُ صَوْتَهَا) المنكر (كُلُّ شَىيْءٍ) ممن له عقل كالملائكة، والجن، أو من الحيوان، أو من جنس المخلوق، فإنه لا مانع من إنطاق الله الجسد بغير روح وإسماع كلامه كل شيء من المخلوقات وهو على كل شيء قدير. (إِلَاّ الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَ الإِنْسَانُ) صوتها المنكر بالويل المزعج (لَصَعِقَ) لغشي عليه أو يموت من شدة هول ذلك. قال ابن بزيزة: هو مختص بالميت الذي هو غير صالح، وأما الصالح فمن شأنه اللطف والرفق في كلامه فلا يناسب الصعق من سماع كلامه، انتهى. (٣) ويحتمل أن يحصل الصعق من سماع كلام الصالح أيضًا؛ لكونه غير مألوف، وقد روى أبو القاسم بن مندة هذا الحديث في كتاب الأهوال (٤) بلفظ: "لو سمعه الإنسان لصعق من المحسن والمسيء" (٥) فدل على وجود الصعق عند سماع كلام الصالح أيضًا والله أعلم. وقد استشكل هذا مع ما ورد في حديث السؤال في القبر: "فيضربه ضربة فيصعق صعقة يسمعها كل شيء إلا الثقلين" ولا استشكال؛ لأنه استثنى في الأول الإنس فقط وفي الثاني الجن

стр. 611

والإنس؛ وذلك لأن كلام الميت لا يقتضي الصعق إلا من الآدمي؛ لكونه لم يألف سماع كلام الميت بخلاف الجن في ذلك، وأما الصيحة التي يصيحها المضروب في القبر فإنها غير مألوفة للجن والإنس جميعًا؛ لكون سببها عذاب الله تعالى، ولا شيء أشد منه على مكلف فأشرك فيه الجن والإنس، أعاذنا الله تعالى من عذابه وأدخلنا برحمته في دار ثوابه بحرمة نبيه ﷺ .

стр. 612

بَابُ مَنْ صَفَّ صَفَّيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً عَلَى الجِنَازَةِ خَلْفَ الإِمَامِ . قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣١٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ أَبِى عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِىِّ، فَكُنْتُ فِى الصَّفِّ الثَّانِى أَوِ الثَّالِثِ. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (بَابُ مَنْ صَفَّ) الناس (صَفَّيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً) أي: ثلاثة صفوف (عَلَى الجِنَازَةِ خَلْفَ الإِمَامِ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهد أبو الحسن الأسدي البصري الثقة (عَنْ أَبِى عَوَانَةَ) الوضاح بن عبدالله اليشكري (عَنْ قَتَادَةَ) هو ابن دعامة (عَنْ عَطَاءٍ (١)) هو ابن أبي رباح (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاري ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِىِّ) وهو بتشديد الياء وتخفيفها لغتان كذا قال الهروي. [١٧٨ أ/س] وقال صاحب المغرب: بتخفيف الياء مسموع من الثقات، وهو اختيار الفارابي، وعن صاحب التكملة بالتشديد / وتكسر نونها. وقيل: هو أفصح. كذا في القاموس (٢)، وأما تشديد جيمها فخطأ وهو لقب من مَلَكَ الحبشة، والمراد هنا هو أصحمة (٣).

стр. 613

(فَكُنْتُ فِى الصَّفِّ الثَّانِى أَوِ الثَّالِثِ) لا يقال: إنه لا يلزم من كونه في الصف الثاني أو الثالث، أن يكون ذلك منتهى الصفوف، وأنه ليس في السياق ما يدل على كون الصفوف خلف الإمام؛ لأنه يجاب عن الأول: بأن الأصل عدم الزيادة، وقد روى مسلم عن جابر ﵁ من طريق أيوب عن أبي الزبير عنه قال: "فقمنا فصفنا صفين" (١) فعرف بهذا أن من روى عنه: " كنت في الصف الثاني والثالث" شك هل كان هناك صف ثالث أو لا؟ وبذلك يصح الترجمة، (٢). وروى أبو داود، والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه على شرط مسلم من حديث مالك بن هبيرة مرفوعًا: "من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب" (٣). وفي رواية: "ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا أوجب" (٤) أي: غفر له، كما رواه الحاكم كذلك، فيستحب في الصلاة على الميت ثلاثة صفوف فأكثر. قال الزركشي: قال بعضهم: والثلاثة بمنزلة الصف الواحد في الأفضلية، وإنما لم يجعل الأول أفضل محافظة على مقصود الشارع من الثلاثة (٥).

стр. 614

ويجاب عن الثاني بأنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه صريحًا، كما سيأتي في هجرة الحبشة من وجه آخر عن قتادة بهذا الإسناد بزيادة: "فصففنا وراءه" (١)، ووقع في الباب الذي يليه من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: "فصفوا خلفه" (٢) والأحاديث يفسر بعضها بعضًا (٣).

стр. 615

بَابُ الصُّفُوفِ عَلَى الجِنَازَةِ . قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣١٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ: نَعَى النَّبِىُّ ﷺ إِلَى أَصْحَابِهِ النَّجَاشِىَّ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَصَفُّوا خَلْفَهُ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (بَابُ الصُّفُوفِ عَلَى الجِنَازَةِ) قال الزين ابن المنير ما ملخصه أنه أعاد الترجمة؛ لأن الأولى لم يجزم فيها بالزيادة على الصفين (١). وقال ابن بطال: أومأ المؤلف إلى الرد على عطاء؛ حيث ذهب إلى أنه لا يشرع فيها تسوية الصفوف، يعني (٢) كما رواه عبدالرزاق عن ابن جريج، قلت لعطاء: أحق على الناس أن يسوُّوا صفوفهم على الجنازة كما يسوونها في الصلاة؟ قال: لا، إنما (٣) يكبرون ويستغفرون" (٤) وأشار المؤلف بصيغة الجمع إلى ما ورد في استحباب ثلاثة صفوف من حديث مالك بن هبيرة وقد ذكر آنفًا (٥). [٧٨ ب/س] وروى الترمذي من حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "لا يموت أحد من المسلمين، فتصلى عليه أمة من المسلمين، يبلغوا أن يكونوا مائة فيشفعوا له إلا شفعوا فيه" ورواه / أيضًا مسلم والنسائي (٦).

стр. 616

وروى ابن ماجه بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " من صلى عليه مائة من المسلمين غفر له" (١) [١٧٨ أ/ص] وروى النسائي من حديث أبي المليح: حدثني عبدالله عن إحدى أمهات المؤمنين وهي / ميمونة زوج النبي ﷺ ، قالت: أخبرني النبي ﷺ قال: "ما من ميت يصلى عليه أمة من الناس إلا شفعوا فيه" فسألت أبا المليح عن الأمة، قال: أربعون. (٢) وروى مسلم وأبو داود وابن ماجه من رواية شريك بن عبدالله عن كريب قال: مات ابن لابن عباس ﵄ بقديد أو بعسفان فقال: يا كريب انظر ما اجتمع له من الناس، فخرجت فإذا الناس قد اجتمعوا له، فأخبرته، فقال: هم أربعون؟ قلت: نعم، قال: أخرجوه، فإني سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلًا، لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه" (٣). فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الأحاديث؟ فالجواب ما قال القاضي عياض: إن هذه الأحاديث خرجت أجوبة لسائلين سألوا ذلك فأجاب كل واحد عن سؤاله (٤).

стр. 617

وقال النووي: يحتمل أن يكون النبي ﷺ أخبر بقبول شفاعة مائة فأخبر به ثم بقبوله شفاعة أربعين ثم ثلاثة صفوف وإن قل عددهم فأخبر به. يحتمل أن يقال: هذا مفهوم عدد، ولا يحتج به جماهير الأصوليين فلا يلزم من الإخبار عن قبول شفاعة مائة منع قبول ما دون ذلك وكذلك في الأربعين هذا (١). وقال الطبري: ينبغي لأهل الميت إذا لم يخشوا عليه التغير أن ينتظروا به اجتماع قوم يقوم منهم ثلاثة صفوف لحديث الثلاثة (٢) والله أعلم. (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي: ابن مسرهد (قال حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) تصغير زرع (قال حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشد (عَنِ الزُّهْرِىِّ) ابن شهاب (عَنْ سَعِيدٍ) هو ابن المسيب بدون ذكر أبي سلمة وأخرجه النسائي (٣) عن محمد بن رافع عن عبدالرزاق، فقال فيه عن سعيد وأبي سلمة (٤)، والمحفوظ عن الزهري أن نعي النجاشي والأمر بالاستغفار له عنده عن سعيد وأبي سلمة جميعًا، وأما قصة الصلاة عليه والتكبير فعنده عن سعيد وحده (٥)، كذا فصله عقيل عنه (٦) والله أعلم. (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: نَعَى النَّبِىُّ ﷺ إِلَى أَصْحَابِهِ النَّجَاشِىَّ) أي: أخبرهم بموته (ثُمَّ تَقَدَّمَ) وزاد ابن ماجه من طريق عبد الأعلى عن معمر: "فخرج وأصحابه إلى البقيع، فصفنا خلفه" (٧) وقد تقدم في أوائل الجنائز من رواية مالك بلفظ: "فخرج بهم إلى المصلى" (٨)، والمراد بالبقيع بقيع بطحان، أو المراد بالمصلى موضع معد للجنائز ببقيع الغرقد غير مصلى العيدين، والأول أظهر.

стр. 618

[١٧٩ أ/س] / (فَصَفُّوا خَلْفَهُ) وبهذا يطابق الحديث الترجمة؛ إذ الصحابة ﵃ مع كثرة الملازمة للرسول ﷺ لا يسعون صفًا ولا صفين، وكذا قال العيني (١) وتبعه القسطلاني (٢) وفيه ما سيأتي. (فَكَبَّرَ أَرْبَعًا) فإن قيل: ليس في الحديث لفظ الجنازة وإنما فيه الصلاة على الغائب أو من في قبر، على ما سيأتي في الحديث الآتي فلا مطابقة. فالجواب: أن المراد من الجنازة الميت سواء كان مدفونًا أو غير مدفون، وإذا شرع الاصطفاف والجنازة غائبة ففي الحاضرة أولى، والحديث أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه أيضًا (٣). قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣١٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِىُّ عَنِ الشَّعْبِىِّ قَالَ: أَخْبَرَنِى مَنْ شَهِدَ النَّبِىَّ ﷺ أَنَّهُ أَتَى عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فَصَفَّهُمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا. قُلْتُ: مَنْ حَدَّثَكَ؟ قَالَ: ابنُ عَبَّاسٍ رضى الله عنهما. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو إبراهيم الفراهيدي البصري (قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي: ابن الحجاج (قال: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِىُّ) بفتح الشين المعجمة سليمان بن أبي سليمان فيروز الكوفي (عَنِ الشَّعْبِىِّ) عامر بن شراحيل الكوفي (قَالَ: أَخْبَرَنِى) بالإفراد (مَنْ شَهِدَ النَّبِىَّ ﷺ ) من الصحابة ﵃ ولم يسم، وجهالة الصحابي لا تضر؛ لأن كلّهم عدول، وقد سبق في باب وضوء الصبيان من كتاب الصلاة قبل كتاب الجمعة بلفظ: "من مر مع النبي ﷺ " (٤) وللترمذي: " حدثنا الشعبي، أخبرنا من رأى النبي ﷺ " (٥).

стр. 619

(أَتَى) وفي رواية: "أنه أتى" (١) (عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ) بتنوين قبر موصوف بمنبوذ أي: معتزل ومنفرد عن القبور ويروي بإضافة قبر إلى منبوذ أي: قبر لقيط، وسمي بذلك لأنه رمى به (٢) (فَصَفَّهُمْ) على القبر (وَكَبَّرَ أَرْبَعًا) قال الشيباني: (قُلْتُ) أي: للشعبي: يا أبا عمرو (مَنْ حَدَّثَكَ) أي: بهذا (قَالَ:) حدثني (ابن عَبَّاسٍ) ﵄ ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: " فصفهم " كما أنها في الحديث السابق في قوله: "فصفوا" على ما سبق بيانه. والظاهر أن الأحاديث يفسر بعضها بعضًا، وقد وقع في الحديث الآتي: "ونحن صفوف"؛ وذلك لأن فيه دلالة على أن للصفوف على الجنازة تأثيرًا ولو كان الجمع قليلًا أو كثيرًا، لكن لو صفوا صفًا واحدًا لوسعهم؛ وذلك لأن الظاهر أن الذين خرجوا معه ﷺ كانوا عددًا كثيرًا وكان المصلى فضاء لا يضيق بهم لو صفوا صفًا واحدًا، ومع ذلك فقد صفهم صفوفًا، وهذا هو الذي فهمه مالك بن هبيرة الصحابي المقدم ذكره، وكان يصُفُّ من يحضر الصلاة على الجنازة ثلاثة صفوف قلوا أو كثروا (٣). وفي الحديثين المذكورين دلالة على أن تكبيرات الجنازة أربع، وبه احتج جماهير العلماء منهم محمد بن الحنفية، وعطاء بن أبي رباح، ومحمد بن سيرين، والنخعي، وسويد بن غَفَلَة، والثوري وأبو حنيفة (٤) ومالك (٥) والشافعي (٦) وأحمد (٧). [١٧٩ أ/ص] ويحكي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابنه عبدالله، وزيد بن ثابت، وجابر، وابن أبي أوفى، والحسن بن علي، والبراء بن عازب، / وأبي هريرة وعقبة بن عامر ﵃ (٨).

стр. 620

وذهب قوم إلى أن التكبير على الجنائز خمس؛ منهم عبدالرحمن بن أبي ليلى، (١) وعيسى مولى حذيفة، وأصحاب معاذ بن جبل، وأبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة، وهو مذهب الشيعة (٢) والظاهرية (٣). [٧٨ ب/ص] وقال الحازمي: وممن رأى التكبير على الجنازة خمسًا ابنُ مسعود، وزيد بن أرقم، وحذيفة / ابن اليمان ﵃ (٤). وقالت فرقة: يكبر سبعًا، روى ذلك عن زر بن حبيش (٥). وقالت فرقة: يكبر ثلاثًا، رُوِيَ ذلك عن أنس وجابر بن زيد ﵄ (٦)، وحكاه ابن المنذر عن ابن عباس ﵄ (٧). وقال ابن أبي شيبة في مصنفه: حدثنا ابن فضيل، عن يزيد، عن عبدالله بن الحارث، قال: " صلى رسول الله ﷺ على حمزة ﵁ فكبر عليه تسعًا، ثم جيء بالأخرى، فكبر عليها سبعًا، ثم جيء بالأخرى فكبر عليها خمسًا، حتى فرغ عنهن غير أنهن وتر" (٨).

стр. 621

وقال ابن قدامة: لا يختلف المذهب أنه لا يجوز الزيادة على سبع تكبيرات، ولا النقص من أربع، والأولى أربع لا يزاد عليها، واختلف الروايات في ما بين ذلك؛ فظاهر كلام الخِرَقي أن الإمام إذا كبر خمسًا تابعه المأموم، ولا متابعة في زيادة عليها، ورواه الأثرم عن أحمد، وروى حرب عن أحمد إذا كبر خمسًا لا يكبر معه، ولا يسلم إلا مع الإمام. وممن لا يرى متابعة الإمام في زيادة على أربع الثوري، ومالك، وأبو حنيفة، والشافعي، واختاره ابن عقيل (١). واحتج الذين ذهبوا إلى أن التكبير على الجنازة خمس بحديث زيد بن أرقم ﵁ أخرجه مسلم من حديث عبدالرحمن بن أبي ليلى، قال: كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعًا، وأنه كبر على جنازة خمسًا، فسألته فقال: " كان رسول الله ﷺ يكبرها" وأخرجه الأربعة أيضًا والطحاوي (٢). وبحديث حذيفة بن اليمان، أخرجه الطحاوي بسنده إلى يحيى بن عبد الله التيمي قال: صليت مع عيسى مولى حذيفة بن اليمان ﵁، على جنازة، فكبر [عليها] (٣) خمسًا، ثم التفت إلينا فقال: ما وهمت ولا نسيت، ولكني كبرت كما كبر مولاي، وولي نعمتي، يعني حذيفة بن اليمان ﵁، صلى على جنازة فكبر عليها خمسًا، ثم التفت إلينا فقال: "ما وهمت ولا نسيت، ولكني كبرت كما كبر رسول الله ﷺ " (٤).

стр. 622

وبحديث عمرو بن عوف ﵁ أخرجه ابن ماجه من رواية كثير بن عبدالله، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله ﷺ كبر خمسًا" (١) واسم جده عمرو بن عوف المزني ﵁. [١٨٠ أ/س] والجواب عن الأحاديث التي فيها / التكبير على الجنازة بأكثر من أربع أنها منسوخة. قال الطحاوي: بإسناده عن إبراهيم، قال: قبض رسول الله ﷺ والناس مختلفون في التكبير على الجنازة، لا تشاء أن تسمع رجلًا يقول: سمعت رسول الله ﷺ يكبر سبعًا، وآخر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يكبر خمسًا، وآخر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يكبر أربعًا إلا سمعته، فاختلفوا في ذلك، فكانوا على ذلك حتى قبض أبو بكر ﵁، فلما ولي عمر ﵁، ورأى اختلاف الناس في ذلك، شق ذلك عليه جدًا، فأرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ . فقال: إنكم معاشر أصحاب رسول الله متى تختلفون، يختلفون من بعدكم، ومتى تجتمعون على أمر يجتمع الناس عليه، فانظروا أمرًا تجتمعون عليه. فقالوا: نعم ما رأيت يا أمير المؤمنين، فأشر علينا. فقال عمر ﵁: بل أشيروا علي، فإنما أنا بشر مثلكم. فراجعوا الأمر بينهم، فأجمعوا أمرهم على أن يجعلوا التكبير على الجنائز، مثل التكبير في الأضحى والفطر، أربع تكبيرات، فأجمع أمرهم على ذلك، فهذا عمر ﵁ قد رد الأمر في ذلك إلى أربع تكبيرات بمشورة أصحاب رسول الله ﷺ بذلك وهم حضروا من فعل رسول الله ﷺ ما رواه حذيفة، وزيد بن أرقم ﵄، فكأن عندهم ذلك أولى مما قد كانوا فعلوا، فذلك نسخ لما كانوا قد فعلوا؛ لأنهم مأمونون على ما قد فعلوا كما كانوا مأمونين على ما قد رَوَوْا (٢).

стр. 623

فإن قيل: كيف يثبت النسخ بالإجماع؟ والنسخ لا يكون إلا في حياة النبي ﷺ والإجماع لا يكون إلا بعد النبي ﷺ ؟ [١٨٠ أ/ص] فالجواب: أنه قد جوزه بعض مشايخنا بطريق الإجماع بناء على الإجماع يوجب علم اليقين كالنص، فيجوز أن يثبت به ما يثبت بالنص، والإجماع في كونه حجة أقوى من الخبر المشهور، فإذا كان النسخ يجوز بالخبر المشهور فجوازه بالإجماع أولى، على أن ذلك الإجماع منهم إنما كان على ما استقر عليه آخر أمر النبي ﷺ الذي قد رفع كل ما كان قبله مما يخالفه، فصار الإجماع مظهرًا لما قد كان في حياة النبي ﷺ حتى قال بعضهم: إن حديث النجاشي هو الناسخ؛ لأنه مخرج في الصحيحين من رواية أبي هريرة ﵁، قالوا: / وأبو هريرة ﵁ متأخر الإسلام، وموت النجاشي كان بعد إسلام أبي هريرة ﵁ (١). ومما يؤيد هذا ما رواه قاسم بن أصبغ من حديث أبي بكر بن سليمان بن أبي خيثمة عن أبيه، قال: كان النبي ﷺ يكبر على الجنائز أربعًا وخمسًا وستًا وسبعًا وثمانيًا، حتى مات النجاشي فخرج إلى المصلى فصف الناس من ورائه فكبر عليه أربعًا، ثم ثبت النبي ﷺ على أربع حتى وفاه الله (٢) قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣٢٠ - حَدَّثَنَا إبراهيم بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابن جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِى عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - يَقُولُ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «قَدْ

стр. 624

تُوُفِّىَ الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنَ الْحَبَشِ فَهَلُمَّ فَصَلُّوا عَلَيْهِ». قَالَ: فَصَفَفْنَا فَصَلَّى النَّبِىُّ ﷺ عَلَيْهِ وَنَحْنُ صُفُوفٌ. قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: كُنْتُ فِى الصَّفِّ الثَّانِى. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (حَدَّثَنَا إبراهيم بْنُ مُوسَى (١)) أي: ابن يزيد الفراء الرازي أبو إسحاق يعرف بالصغير (قال: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ (٢)) أبو عبدالرحمن الصنعاني (أَنَّ ابن جُرَيْجٍ) هو عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج. [٧٩ ب/س] (أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِى) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاري ﵄ (يَقُولُ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : قَدْ تُوُفِّىَ) على البناء للمفعول (الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنَ الْحَبَشِ) بفتح الحاء المهملة والموحدة. قال في القاموس: الحبشُ والحبشة، محركتين، والأحبُش بضم الباء: جنس من السودان جمعه حُبْشان (٣) مثل حمل وحملان (٤) / وفي رواية: "من الحُبْش" بضم المهملة وسكون الموحدة (٥) (فَهَلُمَّ) بفتح الميم أي: تعالوا ويستوى فيه الواحد والجمع في لغة أهل الحجاز وأهل نجد يصرفونها فيقولون: هلما هلموا هلمي هلمن (٦). (فَصَلُّوا عَلَيْهِ قَالَ: فَصَفَفْنَا) بفائين (فَصَلَّى النَّبِىُّ ﷺ عَلَيْهِ) أي: في بقيع بطحان كما تقدم (وَنَحْنُ صُفُوفٌ) كذا في رواية المستملي بزيادة قوله: "ونحن صفوف" (٧)، وزاد أبو الوقت عن

стр. 625

الكشميهنى: "معه" بعد قوله: "ونحن صفوف" وسقط في رواية قوله: "عليه" وفي أخرى قوله: "ونحن صفوف" (١). ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: "ونحن صفوف" وعلى تقدير سقوطه في قوله: "فصففنا" على ما مر وجهه (قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ (٢)) بضم الزاي: وفتح الموحدة مصغرًا هو محمد بن مسلم بن تَدْرُسي بفتح المثناة الفوقية وسكون الدال المهملة وضم الراء آخره سين مهملة، وقد مر في باب من شكا إمامه (٣). (عَنْ جَابِرٍ) أي: ابن عبدالله الأنصاري ﵁ أنه قال: (كُنْتُ فِى الصَّفِّ الثَّانِى) أي: يوم صلى النبي ﷺ على النجاشي كما في رواية النسائي موصولًا (٤). وفي حديث النجاشي علم من أعلام النبوة؛ لأنه ﷺ أعلم أصحابه بموته في اليوم الذي مات فيه مع بعد ما بين أرض الحبشة والمدينة. واستدل به على منع الصلاة على الميت في المسجد، وهو قول الحنفية والمالكية؛ لأنه ﷺ خرج بهم إلى المصلى فصف بهم وصلى عليه ولو ساغ أن يصلي عليه في المسجد لما خرج بهم إلى المصلى، لكن قال أبو يوسف: أن أعد مسجد للصلاة على الموتى لم يكن في الصلاة عليهم فيه بأس (٥).

стр. 626

[١٨١ أ/س] وقال النووي: لا حجة فيه؛ لأن الممتنع عند الحنفية إدخال الميت المسجد لا مجرد الصلاة عليه حتى لو كان الميت خارج المسجد / جازت الصلاة عليه لمن هو داخله (١). وقال ابن بزيزة وغيره: استدل به بعض المالكية، وهو باطل؛ لأنه ليس فيه صيغة نهي، ولاحتمال أن يكون خرج بهم إلى المصلى لأمر غير المعنى المذكور، وقد ثبت أنه ﷺ صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد فكيف يترك هذا الصريح لأمر محتمل؟ بل الظاهر أنه إنما خرج بالمسلمين إلى المصلى لقصد تكثير الجمع الذين يصلون عليه ولإشاعة كونه مات على الإسلام، فقد كان بعض الناس لم يدر بكونه أسلم (٢). فقد روى ابن أبي حاتم في التفسير من طريق ثابت (٣) والدارقطني في الافراد، والبزار من طريق حميد كلاهما عن أنس ﵁: "أن النبي ﷺ لما صلى على النجاشي قال بعض أصحابه: صلى على علج من الحبشة فنزلت ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٩] الآية (٤). وفي الأوسط في الطبراني من حديث أبي سعيد ﵁ مثله وزاد: أن الذي طعن بذلك فيه كان منافقًا (٥).

стр. 627

وقال العيني: قول النووي: "لا حجة فيه" غير صريح؛ لأن تعليله بقوله: لأن الممتنع. . . إلى آخره، يرد قوله لأنه ﷺ لم يفعل مجرد الصلاة على النجاشي مع كونه غائبًا، فدل على المنع وإن لم يكن الميت في المسجد، وقوله: حتى لو كان الميت. . . . إلى آخره، على تعليل من يعلل منع الصلاة على الميت في المسجد بخوف التلويث له من الميت، وأما بالنظر إلى مطلق حديث أبي هريرة ﵁: "من صلى على الجنازة في المسجد فلا شيء له" (١)، فالمنع مطلق (٢)، هذا وأنت خبير بما فيه. ثم قال- أي: العيني-: وقول ابن بزيزة ليس فيه صيغة نهي. . . إلخ مردود أيضًا؛ لأن إثبات منع شيء غير مقتصر على الصيغة، وتعليله بالاحتمال غير مفيد لدعواه، وأما صلاته ﷺ على سهيل فلا ننكرها (٣)، غير أن حديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه أبو داود عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : " من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له" (٤) وأخرجه ابن ماجه أيضًا ولفظه: "ليس له شيء" (٥) وقال الخطيب المحفوظ: "فلا شيء له" ويروي: "فلا شيء عليه" وروي: "فلا أجر له" (٦). [١٨١ أ/ص] وقد نسخ حديث عائشة ﵂: بيانه أن حديث عائشة ﵂ إخبار عن فعل رسول الله ﷺ في حال الإباحة التي لم يتقدمها نهي، وحديث أبي هريرة إخبار عن نهي رسول الله ﷺ الذي قد تقدمته الإباحة، فصار حديث أبي هريرة ﵁ ناسخًا ويؤيده إنكار الصحابة ﵃ على عائشة ﵂ / لأنهم كانوا علموا في ذلك خلاف ما علمت، ولولا ذلك ما أنكروا ذلك

стр. 628

عليها (١)، وذلك أن في رواية مسلم عن عائشة: "لما توفي سعد بن أبي وقاص ﵁ قالت: ادخلوا به المسجد حتى أصلي عليه، فأنكر ذلك عليها" (٢) الحديث. وفي رواية له: "أن الناس عابوا ذلك، وقالوا: ما كانت الجنائز يدخل بها المسجد" (٣) ولم يجعل الموجب للإباحة متأخرًا لئلا يلزم إثبات نسخين؛ نسخ الإباحة، والثانية في الابتداء بالنص الموجب للحظر، ثم نسخ الحظر بالنص الموجب للإباحة؛ وذلك لأن الأصل في الأشياء الإباحة، والحظر طَارئ عليها فيكون متأخرًا. فإن قيل: ليس بين الحديثين مساواة؛ لأن حديث عائشة ﵂ أخرجه مسلم، وحديث أبي هريرة ﵁ ضعفوه بصالح مولى التوأمة؛ قال ابن عدي: هذا من منكرات صالح (٤) والأئمة طعنوا فيه بسببه، وقالوا: إنه ضعيف. وقال ابن حبان في كتاب الضعفاء: اختلط صالح بآخر عمره ولم يتميز حديث حديثه من قديمه، ثم ذكر له هذا الحديث، وقال: إنه باطل. وكيف يقول الرسول ذلك وقد صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد؟ (٥). وقال النووي: أجيب عنه بأجوبة؛ أحدها: أنه ضعيف لا يصح الاحتجاج به، وقال أحمد: هذا حديث ضعيف تفرد به صالح مولى التوأمة وهو ضعيف (٦). [٧٩ ب/ص] والثاني: أن الذي في النسخ المشهورة المسموعة في سنن / أبي داود: "فلا شيء عليه" فلا صحة فيه. والثالث: أن اللام فيه بمعنى "على" كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] أي: فعليها (٧) وقال البيهقي: كان مالك يجرحه (٨).

стр. 629

فالجواب على ما قرره العيني أن رجاله ثقات محتج بهم لا نزاع فيهم. وأما صالح فلأن العجلي قال: صالح ثقة. وعن ابن معين أنه قال: صالح ثقة حجة قيل له: إن مالكًا ترك السماع منه، قال: إنما أدركه مالك بعد ما كبر وخرف، ومن سمع منه قبل أن يختلط فهو ثبت (١). [١٨٢ أ/س] وقال ابن عدي: ولا بأس به إذا سمعوا منه قديمًا مثل ابن أبي ذئب وابن جريج وزياد بن سعد وغيرهم (٢)، فعن هذا علم أنه لا خلاف في عدالته وابن أبي ذئب سمع هذا الحديث قديمًا قبل اختلاطه فصار الحديث حجة، وقول ابن حبان: إنه باطل، كلام باطل؛ لأن مثل أبي داود أخرج هذا الحديث، وسكت عليه فأقل الأمر فيه أن يكون حسنًا عنده لأنه رضي به (٣)، وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا، وكيف يجوز له الحكم ببطلان هذا الحديث؟ فإن كان تشنيعه بسبب اختلاط صالح فقد ذكرنا أنه كان قبل الاختلاط يحكم عليه بكونه ثقة، وأن من أخذ منه لا يرد / ما أخذه منه، وأن ابن أبي ذئب أخذ عنه قبله، وإلا فالظاهر منه ليس إلا التعصب المحض، والعجب منه أنه يقول: وكيف يقول رسول الله ﷺ ذلك، وقد صلى على سهيل؟ فكأنه نسي باب النسخ. وبهذا يرد أيضًا ما قاله النووي فإنه أيضًا مال إلى ما قال ابن حبان وقوله: إن اللام بمعنى: على، عدول عن الحقيقة من غير ضرورة، ولاسيما على أصلهم، فإن المجاز ضروري لا يصار إليه إلا عند الضرورة، ولا ضرورة ههنا. ويرد عليه في ذلك أيضًا رواية ابن أبي شيبة: "فلا صلاة له" (٤) فإنه لا يمكن له أن يقول: إن اللام هنا بمعنى: على، لفساد المعنى. وأما قول البيهقي كان مالك يجرحه، فإن مراده فيما أخذ منه بعد الاختلاط. وأما حديث مسلم في ذلك فإن أصله في موطأ مالك فإنه أخرجه فيه عن أبي النضر عن عائشة (٥) ﵂ قال أبو عمر: هكذا هذا الحديث عند جمهور الرواة منقطعًا؛ لأن أبا النضر لم يسمع من عائشة

стр. 630

- ﵂ شيئًا (١)، وقال ابن وضاح: ولا أدركها وإنما يروي عن أبي سلمة عنها، قال: وكذلك أسنده مسلم وغمز عليه الدارقطني قال: ولا يصح إلا مرسلًا عن أبي النضر عن عائشة ﵂ (٢)؛ لأنه قد خالف في ذلك رجلين حافظين مالكًا والماجشون روياه عن أبي النضر عن عائشة ﵂ (٣). والله اعلم. ثم إنه استدل بحديث النجاشي الشافعي وأحمد ومن تبعهما على مشروعية الصلاة على الميت الغائب عن البلد. قالوا: وهو سنة في حق من كان غائبًا عن بلد الميت إذا كان في بلد وفاته قد أسقطوا فرض الصلاة عليه (٤). وأما من لم يحصل فرض الصلاة عليه في بلد وفاته كالمسلم يموت في بلد المشركين، وليس فيه مسلم، فإنه يجب على أهل الإسلام الصلاة عليه، كما في قصة النجاشي فإنه رجل مسلم قد آمن برسول الله ﷺ وصدقه على نبوته إلا أنه كان يكتم إيمانه، والمسلم إذا مات يجب على المسلمين أن يصلوا عليه إلا أنه كان بين ظهراني أهل الكفر ولم يكن يحضر موته من يقوم بحقه في الصلاة عليه، فلزم رسول الله ﷺ أن يفعل ذلك؛ إذ هو نبيه ووليه وأحق الناس به فهذا - والله أعلم- هو السبب الذي دعاه إلى الصلاة عليه بظهر الغيب. فإذا صلوا عليه استقبلوا القبلة ولم يتوجبوا إلى بلد الميت إن كان في غير جبهة القبلة قاله الخطابي (٥).

стр. 631

وقال ابن حزم: لم يأت عن أحد من الصحابة منعه (١) وقال الشافعي: الصلاة على الميت /دعاء له، وهو إذا كان ملففًا يصلي عليه فكيف لا يدعي له وهو غائب أو في القبر بذلك الوجه الذي يدعي له وهو ملفف؟ (٢). [١٨٢ أ/ص] وعن بعض العلماء أنه إنما يجوز ذلك في اليوم الذي يموت فيه الميت أو ما قرب منه لا ما إذا طالت المدة حكاه ابن عبد البر (٣). وقال ابن حبان: إنما يجوز ذلك لمن كان في جهة القبلة فلو كان بلد الميت مستدبرًا لقبلة مثلًا لم يجز (٤). قال المحب الطبري: لم أر ذلك لغيره، وحجته حجة الذي قبله الجمود على قصة النجاشي (٥). وقالت الحنفية (٦) والمالكية (٧) بمنع الصلاة على الميت الغائب. وأجابوا عن قصة النجاشي بأمور: منها: أنه كان بأرض لم يصل عليه بها أحد فتعينت الصلاة عليه لذلك، ومن ثمة قال الخطابي: لا يُصلى على الغائب إلا إذا وقع موته بأرض ليس بها من يصلي عليه (٨) واستحسنه الروياني من الشافعية، لكنه يقتضي أن مذهبهم جواز ذلك حينئذ، وهم منعوه مطلقًا (٩).

стр. 632

ومنها: أنه خاص بالنجاشي لإرادة إشاعة أنه مات مسلمًا أو استئلاف قلوب الملوك الذين أسلموا في حياة النبي ﷺ فليس ذلك لغيره، أو أنه خاص لنبينا ﷺ كما قالت المالكية (١) نقله ابن العربي لكنَّ كليهما (٢) يحتاج إلى دليل يدل على الخصوصية؛ لأن الأصل عدم الخصوص (٣). ومنها: أنه كشف له ﷺ عن سرير النجاشي حتى رآه ولم يره المأمومون، ولا خلاف في جوازها إذا رآه الإمام. فإن قيل: هذا يحتاج إلى نقله بينة ولا يكتفي فيه بمجرد الاحتمال (٤). فالجواب: أنه قد ورد ما يدل على ذلك فروى الواحد في أسباب النزول لكن بغير إسناد عن ابن عباس ﵄ قال: " كشف للنبي ﷺ عن سرير النجاشي حتى رآه وصلى عليه. وروى ابن حبان في صحيحه من حديث عمران بن الحصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إن أخاكم النجاشي توفي فقوموا صلوا عليه، فقام رسول الله ﷺ وصفوا خلفه وهم لا يظنون إلا جنازته بين يديه" (٥) ورواه أيضًا أبو عوانة ولفظه: "فصلينا خلفه ونحن لا نرى إلا الجنازة قدامنا. [٨٠ ب/س] [١٨٣ أ/س] ويدل عليه أن النبي ﷺ لم يصل / على غائب غيره، وقد مات من الصحابة خلق كثير وهم غائبون عنه وسمع بهم فلم يصل عليهم، غير معاوية بن معاوية المزني (٦) روى الطبراني في معجمه الأوسط، ومحمد بن الضريس في فضائل القرآن، وسمويه في فوائده وابن مندة والبيهقي في الدلائل، كلهم من طريق محبوب بن هلال، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس بن مالك ﵁، قال: نزل جبرائيل على النبي ﷺ ، فقال: يا محمد مات / معاوية بن معاوية المزني، أتحب أن تصلي عليه؟ قال: نعم، قال فضرب بجناحيه فلم تبق أكمة (٧) ولا شجرة إلا تضعضعت، فرفع سريره حتى نظر إليه، فصلى عليه وخلفه صفان من الملائكة كل صف سبعون ألف ملك، فقال: يا جبرائيل بما نال

стр. 633

هذه المنزلة؟ قال: بحبه "قل هو الله أحد" وقراءته لها جائيًا وذاهبًا وقائمًا وقاعدًا وعلى كل حال" (١)، وفي أول حديث ابن الضريس كان النبي ﷺ بالشام. وأخرجه ابن سنجر في مسنده، وابن الأعرابي، وابن عبد البر، كلهم من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا العلا أبو محمد الثقفي، سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك، فطلعت الشمس يومًا بنور وشعاع وضياءلم نره قبل ذلك، فعجب النبي ﷺ من شأنها؛ إذ أتاه جبرائيل فقال: مات معاوية بن معاوية المزني" (٢) وذكر نحوه. وهذا الخبر أي: خبر معاوية بن معاوية قوي بالنظر إلى مجموعة طرقه، وقد يحتج به من يجيز الصلاة على الغائب لكن يدفعه ما ورد من قوله: "فرفع سريره حتى نظر إليه" وما ورد في رواية أخرى: "رفعت الحجب حتى شهد جنازته" والحاصل أنه لو جاز الصلاة على الميت الغائب لنقل عنه ﷺ فيمن مات من الصحابة ﵃ غائبًا عن النبي ﷺ ولم ينقل ذلك في غير النجاشي ومعاوية المذكور. والله أعلم (٣).

стр. 634

ورجال إسناد حديث جابر ﵁ ما بين رازي ومكي، وقد أخرجه متنه المؤلف في (هجرة الحبشة) أيضًا وأخرجه مسلم في (الجنائز) والنسائي في (الصلاة) (١).

стр. 635

بَابُ صُفُوفِ الصِّبْيَانِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الجَنَائِزِ . قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣٢١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسماعيل حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِىُّ عَنْ عَامِرٍ عَنِ ابن عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِقَبْرٍ قَدْ دُفِنَ لَيْلًا فَقَالَ: «مَتَى دُفِنَ هَذَا». قَالُوا: الْبَارِحَةَ. قَالَ: «أَفَلَا آذَنْتُمُونِى». قَالُوا: دَفَنَّاهُ فِى ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ. فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ. قَالَ ابن عَبَّاسٍ: وَأَنَا فِيهِمْ، فَصَلَّى عَلَيْهِ. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (بَابُ صُفُوفِ الصِّبْيَانِ مَعَ الرِّجَالِ) عند إرادة الصلاة (فِي الجَنَائِزِ) وفي رواية "على الجنازة" وفي أخرى "في الجنائز" (١). (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسماعيل) المنقري البتوذكي (قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ (٢)) هو ابن زياد العبدي البصري (قال حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِىُّ) سليمان (عَنْ عَامِرٍ) هو ابن شراحيل الشعبي. (عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النبي) وفي نسخة: "أن رسول الله" (٣) ( ﷺ مَرَّ بِقَبْرٍ دُفِنَ) وفي رواية: "قد دفن"، بزيادة "قد" ودفن على صيغة البناء للمفعول وإسناد الدفن إلى القبر مجازي؛ لأن المدفون هو صاحب القبر أو هو مجاز مرسل من ذكر المحل وإرادة الحال (٤). [١٨٣ أ/ص] (لَيْلًا) نصب على الظرفية (مَتَى دُفِنَ هَذَا) الميت (قَالُوا) وفي رواية: /"فقالوا" بالفاء، دفن (٥) (الْبَارِحَةَ) هي أقرب ليلة مضت، تقول: لقيته البارحة، وهي من برح؛ أي: زال (٦).

стр. 636

(قَالَ: أَفَلَا آذَنْتُمُونِى) بمد الهمزة، أي: أدفنتموه فلا أعلمتموني (قَالُوا: دَفَنَّاهُ فِى ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ. فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ. قَالَ ابن عَبَّاسٍ) ﵄ (وَأَنَا فِيهِمْ) وكان ﵁ في زمنه ﷺ دون البلوغ؛ لأنه شهد حجة الوداع وقد قارب الاحتلام، وبهذا يطابق الحديث الترجمة. (فَصَلَّى عَلَيْهِ) وفي الحديث جواز الدفن بالليل وقد روى الترمذي من طريق عطاء، عن ابن عباس ﵄، "أن النبي ﷺ دخل قبرًا ليلًا، فأسرج له بسراج، فأخذ من القبلة، وقال: رحمك الله، إن كنت لأواها تلاءً للقران، فكبر عليه أربعًا. وقال: حديث ابن عباس حديث حسن. وقال: وقد رخص أهل العلم أكثرهم في الدفن بالليل. (١) وروى أبو داود من حديث جابر بن عبدالله ﵁ قال: "رأى ناس نارًا في المقبرة، فأتوها فإذا رسول الله ﷺ في القبر، وإذا هو يقول: ناولوني صاحبكم، فإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر (٢) ". ورواه الحاكم وصححه (٣) وقال النووي: وسنده على شرط الشيخين (٤). وروى ابن أبي شيبة في مصنفه قال: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن أبي يونس الباهلي، قال: سمعت شيخًا بمكة كان أصله روميًّا، يحدث عن أبي ذر ﵁، قال: كان رجل يطوف بالبيت يقول: أوه أوه، قال أبو ذر: فخرجت ذات ليلة فإذا النبي ﷺ في المقابر يدفن ذلك الرجل ومعه مصباح" (٥).

стр. 637

فإن قيل: روى مسلم من حديث جابر بن عبدالله ﵁، يحدث عن النبي ﷺ ، خطب يومًا، فذكر رجلًا من أصحابه قبض فكفن غير طائل، وقبر ليلًا، فزجر النبي ﷺ أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلي عليه، إلا أن يضطر إنسان في ذلك، فقال النبي ﷺ : " إذا كفن أحدكم أخاه، فليحسن كفنه"ورواه أبو داود والنسائي (١) أيضًا. فالجواب: أنه يحتمل أن يكون نهى عن ذلك أولًا ثم رخصه، وقال النووي: المنهي عنه الدفن قبل الصلاة. (٢) [١٨٤ أ/س] وتعقبه العيني: بأن الدفن قبل الصلاة منهي عنه مطلقًا، سواء كان بالليل وبالنهار، والظاهر أنه نهى عن الدفن بالليل، / ولو كان بعد الصلاة، يؤيد ذلك ما رواه ابن ماجه في سننه من حديث أبي الزبير، عن جابر ﵁، قال: قال رسول ﷺ : "لا تدفنوا موتاكم بالليل إلا أن تضطروا، (٣). [٨٠ ب/ص] ولكن يشكل على هذا أن الخلفاء الأربعة دفنوا ليلًا وفي حديث عائشة ﵂ "ودفن - أي: النبي ﷺ قبل أن يصبح" (٤) وفي المغازي للواقدي عن عمرة عن عائشة ﵂ قالت: ما علمنا بدفن النبي ﷺ / حتى سمعنا صوت المساحي في السحر ليلة الثلاثاء (٥) وفي رواية أحمد: "ودفن ليلة الأربعاء" (٦) والله أعلم.

стр. 638

وفي الحديث أيضًا الصلاة على الجنازة بالصفوف وإن لها تأثيرًا، وكان مالك بن هبيرة ﵁ يصفُّ من يحضر الصلاة على الجنازة ثلاثة صفوف، سواء قلوا أو كثروا، ولكن الكلام فيما إذا تعددت الصفوف والعدد قليل، أو كان الصف واحدًا والعدد كثير أيهما أفضل؟ والظاهر أن الصفوف أفضل لظاهر الحديث. وفيه أيضًا: تدريب الصبيان على شرائع الإسلام وحضورهم مع الجماعات ليستأنسوا إليها وتكون لهم عادة وإذا ندبوا إلى صلاة الجنازة يستدربوا إليها، وهي فرض كفاية ففرض العين أحرى. وفيه أيضًا الإعلام للناس بموت أحد من المسلمين لينهضوا إلى الصلاة عليه. (١) وفي الحديث أيضًا جواز الصلاة على القبر، قال أصحابنا: إذا دفن الميت ولم يصل عليه صلى على قبره ما لم يعلم أنه تفرق، كذا في المبسوط (٢)، وهذا يشير إلى أنه إذا شك في تفرقه وتفسخه يصلى عليه، وقد نص الأصحاب على أنه لا يصلي عليه مع الشك في ذلك، ذكره في المفيد والمزيد. وبقولنا قال الشافعي (٣) وأحمد (٤)، وهو قول عمر، وأبي موسى، وعائشة ﵂، وكذا هو قول ابن سيرين والأوزاعي (٥).

стр. 639

ثم إنه هل يشترط في جواز الصلاة على قبره كونه مدفونًا بعد الغسل؟ فالصحيح أنه يشترط. وروى ابن سماعة عن محمد أنه لا يشترط، وقال في الهداية: ويصلى عليه قبل أن يتفسخ، والمعتبر في ذلك أكبر الرأي، وغالب الظن؛ فإن كان غالب الظن أنه تفسخ لا يصلى عليه، وإن كان غالب الظن أنه لم يتفسخ يصلى عليه، وإذا شك لا يصلى عليه (١). وعن أبي يوسف: يصلى عليه إلى ثلاثة أيام وبعدها لا يصلى عليه؛ لأن الصحابة كانوا يصلون على النبي ﷺ إلى ثلاثة أيام (٢) وللشافعية ستة أوجه إلى ثلاثة أيام إلى شهر كقول أحمد ما لم يبل جسده يصلى عليه من كان من أهل الصلاة عليه يوم موته يصلى عليه من كان من أهل فرض الصلاة عليه يوم موته يصلى عليه أبدًا، فعلى هذا يجوز الصلاة على قبور الصحابة ومن قبلهم اليوم، واتفقوا على تضعيفه، وممن صرح به الماوردي والمحاملي والفوراني والبغوي وإمام الحرمين والغزالي (٣). وقال إسحاق: يصلي القادم من السفر إلى شهر والحاضر إلى ثلاثة أيام (٤). وقال سحنون من المالكية: لا يصلى على القبر سدًا للذريعة في الصلاة على القبور. (٥) [١٨٤ أ/ص] وقال أصحابنا الحنفية: لما اختلف الأحوال في ذلك فوض الأمر إلى رأي المبتلى به. فإن قيل: / روى البخاري عن عقبة بن عامر أنه صلى ﷺ على قتلى أحد بعد ثمان سنين (٦).

стр. 640

فالجواب: أنه محمول على الدعاء. قاله بعض أصحابنا (١) وفيه نظر؛ لأن الطحاوي روى عن عقبة "أنه ﷺ خرج يومًا فصلى على قتلى أحد صلاته على الميت" (٢). وقال العيني: إن الجواب السديد أن أجسادهم لم تبل (٣).

стр. 641

باب سُنَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ . قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «مَنْ صَلَّى عَلَى الْجَنَازَةِ». وَقَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ». وَقَالَ: «صَلُّوا عَلَى النَّجَاشِىِّ». سَمَّاهَا صَلَاةً، لَيْسَ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ، وَلَا يُتَكَلَّمُ فِيهَا، وَفِيهَا تَكْبِيرٌ وَتَسْلِيمٌ. وَكَانَ ابن عُمَرَ لَا يُصَلِّى إِلَاّ طَاهِرًا. وَلَا يُصَلِّى عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبِهَا، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ وَأَحَقُّهُمْ عَلَى جَنَائِزِهِمْ مَنْ رَضُوهُمْ لِفَرَائِضِهِمْ. وَإِذَا أَحْدَثَ يَوْمَ الْعِيدِ أَوْ عِنْدَ الْجَنَازَةِ يَطْلُبُ الْمَاءَ وَلَا يَتَيَمَّمُ، وَإِذَا انتهى إِلَى الْجَنَازَةِ وَهُمْ يُصَلُّونَ يَدْخُلُ مَعَهُمْ بِتَكْبِيرَةٍ. وَقَالَ ابن الْمُسَيَّبِ: يُكَبِّرُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالسَّفَرِ وَالْحَضَرِ أَرْبَعًا. وَقَالَ أَنَسٌ - رضى الله عنه: التَّكْبِيرَةُ الْوَاحِدَةُ اسْتِفْتَاحُ الصَّلَاةِ. وَقَالَ: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا) وَفِيهِ صُفُوفٌ وَإِمَامٌ. ١٣٢٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الشَّيْبَانِىِّ عَنِ الشَّعْبِىِّ قَالَ: أَخْبَرَنِى مَنْ مَرَّ مَعَ نَبِيِّكُمْ ﷺ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فَأَمَّنَا فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ. فَقُلْنَا: يَا أَبَا عَمْرٍو مَنْ حَدَّثَكَ؟ قَالَ: ابن عَبَّاسٍ رضى الله عنهما. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (باب سُنَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ) وفي رواية: "على الجنازة" بالإفراد والمراد بالسنة هنا ما شرعه النبي ﷺ في صلاة الجنازة من الشرائط والأركان. فهي أعم من الواجب والمندوب (١). ومن الشرائط: أنها لا تجوز بغير طهارة، ولا تجوز عريانًا، ولا تجوز بغير استقبال القبلة. ومن الأركان: التكبيرات. ومن المندوبات الأذكار المسنونة (٢).

стр. 642

(وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ ) في حديث وصله في "باب من انتظر حتى تدفن" (١) (مَنْ صَلَّى عَلَى الْجَنَازَةِ) وهذا لفظ مسلم أخرجه عن أبي هريرة ﵁ عنه ﷺ : "من صلى على جنازة ولم يتبعها فله قيراط وإن تبعها فله قيراطان" (٢). وأما لفظ البخاري فكذا: "من شهد الجنازة حتى يصلي فله قيراط، ومن شهد حتى تدفن كان له قيراطان" (٣). وغرض المؤلف من إيراده الاستدلالُ على جواز إطلاق الصلاة على صلاة الجنازة؛ فإنه ﷺ قال: "من صلى على الجنازة" فأطلق لفظ "صلى" ولم يقل: من دعا للجنازة، يدل على كون غرضه ذلك قوله الآتي: سماها صلاة. . . إلخ، ولذا لم يذكر جواب الشرط في الحديث واقتصر على الشرط، وسيأتي تحقيق لذلك إن شاء الله تعالى. (وَقَالَ) ﷺ (: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ) وهذا حديث أخرجه المؤلف بتمامه موصولًا في أوائل الحوالة عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: "كنا جلوسًا عند النبي ﷺ ؛ إذ أتي بجنازة، فقالوا: صل عليها، فقال: "هل عليه دين؟ " قالوا: ثلاثة دنانير، قال: "صلوا على صاحبكم" (٤) الحديث. (وَقَالَ) ﷺ (: صَلُّوا عَلَى النَّجَاشِىِّ) وقد سبق موصولًا في باب الصفوف على الجنازة، ولكن لفظه هناك: "فصلوا عليه" (٥) (سَمَّاهَا) أي: سمى النبي ﷺ الهيئة الخاصة التي يدعى فيها للميت، ولكن ليست هذه التسمية بطريق الحقيقة ولا بطريق الاشتراك ولكن بطريق المجاز كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى. (صَلَاةً) والحال أنه (لَيْسَ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ) وإنما لم يكن فيها ركوع ولا سجود لئلاّ يتوهّم بعض الجهلة أنها عبادة للميت فيضل بذلك (٦).

стр. 643

[١٨٥ أ/س] (وَلَا يُتَكَلَّمُ فِيهَا) أي: في صلاة الجنازة كالصلاة المعهود وهذا أيضًا من جملة وجوه جواز إطلاق / اسم الصلاة على صلاة الجنازة بناء على أن عدم التكلم من خصائص الصلاة وقد أثبته لها. (وَفِيهَا تَكْبِيرٌ وَتَسْلِيمٌ) تكبيرة للإحرام مع النية كما في غيرها ثم ثلاث تكبيرات. [٨١ ب/س] (وَ) فيها أيضًا (تَسْلِيمٌ) للتحلل عن اليمين والشمال بعد التكبيرات كما في غيرها. وهو مذهب أبي حنيفة، واستدل له بحديث عبدالله بن أبي أوفى: / "أنه سلم عن يمينه وشماله، فلما انصرف قال: لا أزيدكم على ما رأيت رسول الله ﷺ يصنع، أو هكذا يصنع" رواه البيهقي (١). وقال الحاكم: حديث صحيح. وفي المصنف بسند جيد عن جابر بن زيد والشعبي وإبراهيم النخعي أنهم كانوا يسلمون تسليمتين (٢). وقال قوم: يسلم تسليمة واحدة وروى ذلك عن علي، وابن عباس، وابن عمر، وجابر، وأبي هريرة، وأبي أمامة بن سهل، وأنس ﵃، وجماعة من التابعين (٣)، وهو قول مالك وأحمد وإسحاق (٤).

стр. 644

ثم إنه هل يسر بها أو يجهر؟ فعن جماعة من الصحابة والتابعين إخفاؤها (١) وعن مالك يسمع بها من يليه (٢) وعن أبي يوسف: لا يجهر كل الجهر، ولا يُسِرُّ كل الإسرار (٣). ثم إنه لا يرفع يديه إلا عند تكبيرة الإحرام؛ لما روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "إذا صلى على الجنازة يرفع يديه في أول تكبيرة" (٤) وزاد الدارقطني: "ثم لا يعود" (٥) وعن ابن عباس ﵄ عنده مثله بسند فيه الحجاج بن نصير (٦). وفي المبسوط أن ابن عمر وعليًا ﵃ قالا: لا ترفع اليد فيها إلا عند تكبيرة الإحرام (٧). وحكاه ابن حزم عن ابن مسعود وابن عمر (٨) ﵃ ثم قال لم يأت بالرفع فيما عدا الأولى نص ولا إجماع (٩). وحكى في المصنف عن النخعي والحسن بن صالح أن الرفع في الأولى فقط (١٠).

стр. 645

وحكى ابن المنذر الإجماع على الرفع في أول تكبيرة (١)، وعند الشافعية ترفع في الجميع (٢)، وقال صاحب التوضيح: وروى مثل قولنا عن ابن عمر، وسالم، وعطاء، ومكحول، والزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق (٣). (وَكَانَ ابن عُمَرَ) بن الخطاب ﵄ (لَا يُصَلِّى) على الجنازة (إِلَاّ طَاهِرًا) من الحدث الأكبر والأصغر، وقد وصله مالك في الموطأ عن نافع، بلفظ: "أن ابن عمر ﵄ كان يقول: لا يصلى الرجل على الجنازة إلا وهو طاهر" (٤). وعند مسلم حديث: "لا تقبل الله صلاة بغير طهور" (٥) من النجس المتصل به غير المعفو عنه. وإطلاق الطهارة يتناول الوضوء والتيمم، وقال أبو حنيفة: يجوز التيمم للجنازة مع وجود الماء إذا خاف فوتها بالوضوء، وكان الولي غيره (٦). [١٨٥ أ/ص] وحكاه ابن المنذر أيضًا عن الزهري، وعطاء، / وسالم، والنخعي، وعكرمة، وسعد بن إبراهيم، ويحيى الأنصاري، وربيعة، والليث، والأوزاعي، والثوري، وإسحاق، وابن وهب، وهي رواية عن أحمد (٧).

стр. 646

وروى ابن عدي عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا "إذا فجأتك جنازة وأنت على غير وضوء فتيمم" (١) ورواه ابن أبي شيبة عنه موقوفًا وحكاه أيضًا عن الحكم، والحسن (٢). وقال مالك والشافعي وأبو ثور لا يتيمم (٣) وقال ابن حبيب: الأمر فيه واسع ونقل ابن التين عن ابن وهب أنه يتيمم إذا خرج طاهرًا فأحدث وإن خرج معها على غير وضوء لم يتيمَّم (٤). ولعل مراد المؤلف: بهذا السياق الرد على الشعبي حيث أجاز الصلاة على الجنازة بغير طهارة لأنها دعاء ليس فيها ركوع ولا سجود والفقهاء من السلف والخلف مجمعون على خلاف ذلك (٥). (وَ) كان ابن عمر ﵄ أيضًا (لَا يُصَلِّى) على الجنازة (عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا) عند (غُرُوبِهَا) كما روى ابن أبي شيبة في مصنفه حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن أنيس بن أبي يحيى، عن أبيه، أن جنازة وضعت فقام ابن عمر ﵄ قائمًا فقال: "أين ولي هذه الجنازة لنصلِّ عليها قبل أن يطلع قرن الشمس؟ " (٦). وحدثنا وكيع، عن جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، قال: كان ابن عمر ﵄ "يكره الصلاة على الجنازة إذا طلعت الشمس، وحين تغرب" (٧).
следующие страницы →