← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 540

نجاح القاري شرح صحيح البخاري - كتاب الجنائز

يوسف أفندي زاده الأماسي

Полный текст (921 стр.). Показаны 642–681 · переход к 647.

стр. 642

(وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ ) في حديث وصله في "باب من انتظر حتى تدفن" (١) (مَنْ صَلَّى عَلَى الْجَنَازَةِ) وهذا لفظ مسلم أخرجه عن أبي هريرة ﵁ عنه ﷺ : "من صلى على جنازة ولم يتبعها فله قيراط وإن تبعها فله قيراطان" (٢). وأما لفظ البخاري فكذا: "من شهد الجنازة حتى يصلي فله قيراط، ومن شهد حتى تدفن كان له قيراطان" (٣). وغرض المؤلف من إيراده الاستدلالُ على جواز إطلاق الصلاة على صلاة الجنازة؛ فإنه ﷺ قال: "من صلى على الجنازة" فأطلق لفظ "صلى" ولم يقل: من دعا للجنازة، يدل على كون غرضه ذلك قوله الآتي: سماها صلاة. . . إلخ، ولذا لم يذكر جواب الشرط في الحديث واقتصر على الشرط، وسيأتي تحقيق لذلك إن شاء الله تعالى. (وَقَالَ) ﷺ (: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ) وهذا حديث أخرجه المؤلف بتمامه موصولًا في أوائل الحوالة عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: "كنا جلوسًا عند النبي ﷺ ؛ إذ أتي بجنازة، فقالوا: صل عليها، فقال: "هل عليه دين؟ " قالوا: ثلاثة دنانير، قال: "صلوا على صاحبكم" (٤) الحديث. (وَقَالَ) ﷺ (: صَلُّوا عَلَى النَّجَاشِىِّ) وقد سبق موصولًا في باب الصفوف على الجنازة، ولكن لفظه هناك: "فصلوا عليه" (٥) (سَمَّاهَا) أي: سمى النبي ﷺ الهيئة الخاصة التي يدعى فيها للميت، ولكن ليست هذه التسمية بطريق الحقيقة ولا بطريق الاشتراك ولكن بطريق المجاز كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى. (صَلَاةً) والحال أنه (لَيْسَ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ) وإنما لم يكن فيها ركوع ولا سجود لئلاّ يتوهّم بعض الجهلة أنها عبادة للميت فيضل بذلك (٦).

стр. 643

[١٨٥ أ/س] (وَلَا يُتَكَلَّمُ فِيهَا) أي: في صلاة الجنازة كالصلاة المعهود وهذا أيضًا من جملة وجوه جواز إطلاق / اسم الصلاة على صلاة الجنازة بناء على أن عدم التكلم من خصائص الصلاة وقد أثبته لها. (وَفِيهَا تَكْبِيرٌ وَتَسْلِيمٌ) تكبيرة للإحرام مع النية كما في غيرها ثم ثلاث تكبيرات. [٨١ ب/س] (وَ) فيها أيضًا (تَسْلِيمٌ) للتحلل عن اليمين والشمال بعد التكبيرات كما في غيرها. وهو مذهب أبي حنيفة، واستدل له بحديث عبدالله بن أبي أوفى: / "أنه سلم عن يمينه وشماله، فلما انصرف قال: لا أزيدكم على ما رأيت رسول الله ﷺ يصنع، أو هكذا يصنع" رواه البيهقي (١). وقال الحاكم: حديث صحيح. وفي المصنف بسند جيد عن جابر بن زيد والشعبي وإبراهيم النخعي أنهم كانوا يسلمون تسليمتين (٢). وقال قوم: يسلم تسليمة واحدة وروى ذلك عن علي، وابن عباس، وابن عمر، وجابر، وأبي هريرة، وأبي أمامة بن سهل، وأنس ﵃، وجماعة من التابعين (٣)، وهو قول مالك وأحمد وإسحاق (٤).

стр. 644

ثم إنه هل يسر بها أو يجهر؟ فعن جماعة من الصحابة والتابعين إخفاؤها (١) وعن مالك يسمع بها من يليه (٢) وعن أبي يوسف: لا يجهر كل الجهر، ولا يُسِرُّ كل الإسرار (٣). ثم إنه لا يرفع يديه إلا عند تكبيرة الإحرام؛ لما روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "إذا صلى على الجنازة يرفع يديه في أول تكبيرة" (٤) وزاد الدارقطني: "ثم لا يعود" (٥) وعن ابن عباس ﵄ عنده مثله بسند فيه الحجاج بن نصير (٦). وفي المبسوط أن ابن عمر وعليًا ﵃ قالا: لا ترفع اليد فيها إلا عند تكبيرة الإحرام (٧). وحكاه ابن حزم عن ابن مسعود وابن عمر (٨) ﵃ ثم قال لم يأت بالرفع فيما عدا الأولى نص ولا إجماع (٩). وحكى في المصنف عن النخعي والحسن بن صالح أن الرفع في الأولى فقط (١٠).

стр. 645

وحكى ابن المنذر الإجماع على الرفع في أول تكبيرة (١)، وعند الشافعية ترفع في الجميع (٢)، وقال صاحب التوضيح: وروى مثل قولنا عن ابن عمر، وسالم، وعطاء، ومكحول، والزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق (٣). (وَكَانَ ابن عُمَرَ) بن الخطاب ﵄ (لَا يُصَلِّى) على الجنازة (إِلَاّ طَاهِرًا) من الحدث الأكبر والأصغر، وقد وصله مالك في الموطأ عن نافع، بلفظ: "أن ابن عمر ﵄ كان يقول: لا يصلى الرجل على الجنازة إلا وهو طاهر" (٤). وعند مسلم حديث: "لا تقبل الله صلاة بغير طهور" (٥) من النجس المتصل به غير المعفو عنه. وإطلاق الطهارة يتناول الوضوء والتيمم، وقال أبو حنيفة: يجوز التيمم للجنازة مع وجود الماء إذا خاف فوتها بالوضوء، وكان الولي غيره (٦). [١٨٥ أ/ص] وحكاه ابن المنذر أيضًا عن الزهري، وعطاء، / وسالم، والنخعي، وعكرمة، وسعد بن إبراهيم، ويحيى الأنصاري، وربيعة، والليث، والأوزاعي، والثوري، وإسحاق، وابن وهب، وهي رواية عن أحمد (٧).

стр. 646

وروى ابن عدي عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا "إذا فجأتك جنازة وأنت على غير وضوء فتيمم" (١) ورواه ابن أبي شيبة عنه موقوفًا وحكاه أيضًا عن الحكم، والحسن (٢). وقال مالك والشافعي وأبو ثور لا يتيمم (٣) وقال ابن حبيب: الأمر فيه واسع ونقل ابن التين عن ابن وهب أنه يتيمم إذا خرج طاهرًا فأحدث وإن خرج معها على غير وضوء لم يتيمَّم (٤). ولعل مراد المؤلف: بهذا السياق الرد على الشعبي حيث أجاز الصلاة على الجنازة بغير طهارة لأنها دعاء ليس فيها ركوع ولا سجود والفقهاء من السلف والخلف مجمعون على خلاف ذلك (٥). (وَ) كان ابن عمر ﵄ أيضًا (لَا يُصَلِّى) على الجنازة (عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا) عند (غُرُوبِهَا) كما روى ابن أبي شيبة في مصنفه حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن أنيس بن أبي يحيى، عن أبيه، أن جنازة وضعت فقام ابن عمر ﵄ قائمًا فقال: "أين ولي هذه الجنازة لنصلِّ عليها قبل أن يطلع قرن الشمس؟ " (٦). وحدثنا وكيع، عن جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، قال: كان ابن عمر ﵄ "يكره الصلاة على الجنازة إذا طلعت الشمس، وحين تغرب" (٧).

стр. 647

وحدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي بكر يعني ابن حفص، قال: كان ابن عمر ﵄ "إذا كانت الجنازة صلى العصر، ثم قال: عجلوا بها قبل أن تطفل الشمس" (١). وروى مالك عن محمد بن أبي حرملة أن ابن عمر ﵄ (٢) قال- وقد آتي بجنازة بعد صلاة الصبح بغلس- "إما أن تصلوا عليها، وإما ان تتركوها حتى ترتفع الشمس" (٣). فكأن ابن عمر ﵄ كان يرى اختصاص الكراهة بما عند طلوع الشمس وعند غروبها، لا مطلق ما بين الصلاة وطلوع الشمس أو غروبها. وروى الترمذي من حديث عقبة بن عامر ﵁: "ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيها، ونقبر فيها موتانا، حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب"وأخرجه مسلم وبقية أصحاب السنن أيضًا (٤). [١٨٦ أ/س] ثم قال الترمذي: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ / وغيرهم يكرهون الصلاة على الجنازة في هذه الأوقات، وقال ابن المبارك: معنى قوله: "أن نقبر فيها موتانا"

стр. 648

الصلاة على الجنازة، وإليه ذهب مالك والأوزاعي والكوفيون وأحمد وإسحاق. وقال الشافعي: "لا بأس أن يصلى علي الجنازة في الساعات التي يكره الصلاة فيها" (١). (وَ) كان ابن عمر ﵄ (يَرْفَعُ يَدَيْهِ) في صلاة الجنازة. قال الحافظ العسقلاني: وصله البخاري في (كتاب رفع اليدين) و (المفرد) (٢) من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ "أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة على الجنازة" (٣). وقال العيني: قوله: "ويرفع يديه" مطلق يتناول الرفع من أول التكبيرات، ويتناول الرفع في جميعها، وعدم تقييد البخاري ذلك يدل على أن الذي رواه في كتاب رفع اليدين غير مرضيٍّ عنده؛ إذ لو كان رضي به لكان ذكره في الصحيح أو قيد قوله: "ويرفع يديه" بلفظ: "في التكبيرات كلها" (٤). على أن ابن حزم حكى عن ابن عمر أنه لم يرفع إلا في الأولى. وقال: لم يأت فيما عدا الأولى نص ولا إجماع (٥). [٨١ ب/ص] وقد روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ / مرفوعًا: "إذا صلى أحدكم على جنازة يرفع يديه في أول تكبيرة. وزاد الدارقطني: "ثم لا يعود" (٦) كما مضى.

стр. 649

وهذا هو مذهب الحنفية (١) والمالكية وعن مالك أنه يعجبه ذلك في كل تكبيرة (٢). وروى عن القاسم أنه لا يرفع في شيء منها (٣) وفي سماع أشهب: إن شاء رفع بعد الأولى، وإن شاء ترك (٤). ومذهب الشافعية (٥) والحنبلية (٦) أنه يرفع يديه حذو منكبيه استحبابًا في كل تكبيرة من تكبيرات الجنازة الأربعة؛ لما روى الطبراني في الأوسط من حديث نافع عن ابن عمر ﵄: "أنه كان يرفع يديه في الكل" (٧) لكن إسناده ضعيف لا يحتج به على ما قالوا، وقد عرفت حال ما أخرجه البخاري في كتاب رفع اليدين (٨). والله أعلم. (وَقَالَ الْحَسَنُ) أي: البصري. قال الحافظ العسقلاني: لم أره موصولًا (٩) (أَدْرَكْتُ النَّاسَ) من الصحابة والتابعين الكبار (وَأَحَقُّهُمْ) أي: والحال أن أحقهم (عَلَى جَنَائِزِهِمْ) ويروي: "وأحقهم

стр. 650

بالصلاة على جنائزهم" (١) (مَنْ رَضُوهُمْ) بضمير الجمع ويروي: "من رضوه" بضمير الإفراد (٢) (لِفَرَائِضِهِمْ) وقوله: "وأحقهم" مبتدأ خبره الموصول مع صلته والمراد أنهم كانوا يلحقون صلاة الجنازة بالصلاة المفروضة؛ ولهذا ما كان أحقهم بالصلاة على الجنائز إلا من كان يصلى لهم الفرائض، وعند عبدالرزاق عن الحسن: / "أن أحق الناس بالصلاة على الجنازة الأب ثم الابن" (٣) [١٨٢ أ/ص] وفي هذا الباب خلاف بين العلماء. قال ابن بطال: قال أكثر أهل العلم: الوالي أحق من الولي، روى ذلك عن جماعة منهم علقمة، والأسود، والحسن (٤)، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق (٥)، وقال أبو يوسف والشافعي: الولي أحق من الوالي (٦). قال الشافعي: والأب وإن علا أولى من الابن وإن سفل، وخالف في ذلك ترتيب الإرث؛ لأن معظم الغرض الدعاء للميت، فيقدم الأشفق؛ لأن دعاءه أقرب إلى الإجابة، ثم العصبات النسبية على ترتيب الإرث ثم العصبات السببية، المعتق وعصباته، ثم السلطان، ثم ذووا الأرحام الأقرب فالأقرب (٧).

стр. 651

وقال مطرِّف وابن عبد الحكم وأصبغ: ليس ذلك إلا إلى الوليِّ الأكبر الذي إليه الطاعة وخليفته (١). وحكى ابن أبي شيبة عن النخعي، وأبي بردة، وابن أبي ليلى، وطلحة، وزبيد، وسويد بن غفلة تقديم إمام الحي. (٢) وعن أبي الشعثاء، وسالم، والقاسم، وطاوس، ومجاهد، وعطاء: "أنهم كانوا يقدمون الإمام على الجنازة" (٣). وروى الثوري عن أبي حازم قال: شهدت الحسين بن علي ﵄ قدم سعيد بن العاص يوم مات الحسن بن علي ﵄ وقال له: تقدم فلولا السنة ما قدمتك وسعيد يومئذ أمير المدينة" (٤) وقال ابن المنذر: ليس في هذا الباب أعلى من هذا؛ لأن شهادة الحسن ﵁ شهدها عوام الناس من الصحابة والمهاجرين والأنصار (٥).

стр. 652

(وَإِذَا أَحْدَثَ يَوْمَ الْعِيدِ أَوْ عِنْدَ الْجَنَازَةِ يَطْلُبُ الْمَاءَ) ويتوضأ (وَلَا يَتَيَمَّمُ) الظاهر أن هذا من بقية كلام الحسن؛ لأن ابن أبي شيبة روى عن أشعث عن الحسن: أنه سئل عن الرجل يكون في الجنازة على غير وضوء قال: "لا يتيمم ولا يصلِّى إلا على طهر" (١) فإن قيل: روى سعيد بن منصور عن حماد بن زيد عن كثير بن شنظير قال: "سئل الحسن عن الرجل يكون في الجنازة على غير وضوء فإن ذهب يتوضأ تفوته قال: يتيمم ويصلي". وعن هشيم عن يونس عن الحسن مثله (٢). فالجواب: أنه يحمل هذا على أنه رُوِيَ عنه روايتان، ويدل ذكر البخاري ذلك على أنه لم يقف عن الحسن إلا على ما روى عنه من عدم جواز الصلاة على الجنازة إلا بالوضوء، ويحتمل أن يكون قوله: "وإذا أحدث. . . إلخ"، عطفًا على الترجمة ثم التيمم لصلاة الجنازة فقدم الكلام فيه مستوفي عن قريب (٣). [١٨٧ أ/س] وأما التيمم لصلاة العيد فعلى التفصيل عندنا، وهو أنه إن كان قبل الشروع في صلاة العيد لا يجوز للإمام؛ لأنه ينتظر له، / وأما المقتدي فإن كان الماء قريبًا بحيث لو توضأ لا يخاف الفوت لا يجوز، وإلا فيجوز، ولو أحدث أحدهما بعد الشروع بالتيمم يتيمم ويبني، وإن كان الشروع بالوضوء وخاف ذهاب الوقت لو توضأ فكذلك، وإلا فكذلك عند أبي حنيفة خلافًا لهما (٤). وفي المحيط: إن كان الشروع بالوضوء وخاف زوال الشمس لو توضأ يتيمم بالإجماع، وإلا فإن كان يرجوا إدراك الإمام قبل الفراغ لا يتيمم بالإجماع، وإلا يتيمم ويبني عند أبي حنيفة، وقالا: يتوضأ ولا يتيمم، فمن

стр. 653

المشايخ من قال: هذا اختلاف عصر وزمان ففي زمن أبي حنيفة كانت الجبانة بعيدة من الكوفة، وفي زمنهما كانوا يصلون في جبانة قريبة (١). وعند الشافعي: لا يجوز التيمم لصلاة العيد لا أداء ولا بناء. وقال النووي: قاس الشافعي صلاة الجنازة والعيد على الجمعة، وقال: تفوت الجمعة بخروج الوقت بالإجماع، والجنازة لا تفوت؛ بل يصلَّى على القبر إلى ثلاثة أيام بالإجماع. قال: ويجوز بعدها عندنا - انتهى - (٢). وفي بيانه نظر كما لا يخفى. (وَإِذَا انتهى) الرجل (إِلَى الْجَنَازَةِ وَهُمْ) أي: والحال أن الجماعة (يُصَلُّونَ يَدْخُلُ مَعَهُمْ بِتَكْبِيرَةٍ) ثم يأتي بعد سلام الإمام بما فاته من التكبيرات ويسلم، وهذا أيضًا من بقية كلام الحسن؛ لأنه وصله ابن أبي شيبة: حدثنا معاذ، عن أشعث، عن الحسن في الرجل ينتهي إلى الجنازة وهم يصلون عليها قال: " يدخل معهم بتكبيرة" (٣) قال: وحدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن محمد، قال: " يكبر ما أدرك، ويقضي ما سبقه" وقال الحسن (٤): "يكبر ما أدرك، ولا يقضي ما سبقه" (٥). وعند أبي حنيفة ومحمد: لو كبر الإمام تكبيرة أو تكبيرتين لا يكبر الآتي حتى يكبر الإمام تكبيرة أخرى، ثم إذا كبر الإمام يكبر معه، فإذا فرغ الإمام كبر هذا الآتي ما فاته قبل أن ترفع الجنازة، وقال أبو يوسف: يكبر حين يحضر (٦). وبه قال الشافعي (٧) وأحمد في رواية. وعن أحمد: أنه

стр. 654

مخير. وقولهما (١) /هو قول الثوري والحارث بن يزيد، وبه قال مالك (٢) وإسحاق وأحمد في رواية، والله أعلم. [٨٢ ب/س] (وَقَالَ ابن الْمُسَيَّبِ) سعيد (يُكَبِّرُ) الرجل في صلاة الجنازة سواء كانت (بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالسَّفَرِ وَالْحَضَرِ أَرْبَعًا) أي: أربع تكبيرات. قال الحافظ العسقلاني: لم أره موصولًا عنه ووجدت معناه بإسناد قوي عن عقبة بن عامر الصحابي ﵁ أخرجه ابن أبي شيبة عنه (٣) موقوفًا (٤). [١٨٧ أ/ص] (وَقَالَ أَنَسٌ): هو ابن مالك ﵁ (التَّكْبِيرَةُ الْوَاحِدَةُ اسْتِفْتَاحُ الصَّلَاةِ) / أي: كما في الصلاة المكتوبة وصله سعيد بن منصور عن إسماعيل بن علية، عن يحيى بن أبي إسحق قال: قال زريق بن كريم لأنس بن مالك ﵁: رجل صلى فكبر ثلاثًا. قال أنس ﵁: (٥) أوليس التكبير ثلاثًا، قال: يا أبا حمزة التكبير أربع قال: أجل، غير أن واحدةً هي افتتاح الصلاة" (٦). (وَقَالَ) الله عزو جل: (﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾) [التوبة: ٨٤] أي: المنافقين ﴿مَاتَ أَبَدًا﴾ وقوله: "مات أبدًا" سقط في رواية أبي ذر وابن عساكر (٧). والغرض من إيراد هذه الآية

стр. 655

الكريمة بيان جواز إطلاق الصلاة على صلاة الجنازة؛ حيث نهى عن فعلها على أحد من المنافقين (١) كما هو المقصود من عقد هذا الباب على ما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى. (وَفِيهِ) أي: في صلاة الجنازة والتذكير باعتبار المذكور، أو باعتبار فعل الصلاة (صُفُوفٌ وَإِمَامٌ) وهذا يدل على جواز الإطلاق المذكور أيضًا، ثم إنه عطف على قوله: "وفيها تكبير وتسليم". (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ (٢)) الواشحى البصري قاضي مكة (قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي: ابن حجاج (عَنِ الشَّيْبَانِىِّ) سليمان الكوفي (عَنِ الشَّعْبِىِّ) عامر بن شراحيل. (قَالَ: أَخْبَرَنِى) بالإفراد (مَنْ مَرَّ مَعَ نَبِيِّكُمْ ﷺ ) من الصحابة ﵃ (عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ) تقدم الكلام فيه عن قريب (فَأَمَّنَا فَصَفَفْنَا) بفائين (خَلْفَهُ) وهذا هو موضع الترجمة؛ لأن الإمامة وتسوية الصفوف من سنة صلاة الجنازة. قال الشيباني: (فَقُلْنَا) للشعبي: (يَا بَا عَمْرٍو) أصله"يا أبا عمرو" حذفت الهمزة للتخفيف، (مَنْ) وفي رواية "ومن" (٣) (حَدَّثَكَ) بهذا؟ (قَالَ:) حدثني (ابن عَبَّاسٍ ﵄) قال ابن رشيد نقلًا عن ابن المرابط وغيره ما حاصله أن المقصود من عقد هذا الباب الرد على من يقول: إن الصلاة على الجنازة إنما هي دعاء لها واستغفار، فتجوز على غير طهارة، وحاصل الرد أنه سماها رسول الله ﷺ صلاة، ولو كان الغرض

стр. 656

الدعاء وحده لما أخرجهم إلى البقيع، ولدعا في المسجد وأمرهم بالدعاء معه أو التأمين على دعائه، ولما صفهم خلفه كما يصنع في الصلاة المفروضة والمسنونة، وكذا تكبيرة في افتتاحها وتسليمه في التحلل منها، كل ذلك دال على أنها على الأبدان لا على اللسان وحده، وكذا امتناع الكلام فيها، وإنما لم يكن فيها ركوع وسجود لئلا يتوهم بعض الجهلة أنها عبادة للميت فيضل بذلك. انتهى (١). [١٨٨ أ/س] ونقل ابن عبد البر / الاتفاق على اشتراط الطهارة فيها إلا عن الشعبي قال: ووافقه إبراهيم بن علية، وهو ممن يرغب عن كثير من قوله (٢). ونقل غيره أن ابن جرير الطبري وافقهما على ذلك، وهو مذهب شاذ غير معتد به؛ ولذا استدل البخاري بما ذكره، مما يدل على جواز إطلاق الصلاة عليها وتسميتها صلاة؛ لمطلوبه من إثبات شرط الطهارة فيها، لكن اعترض عليه ابن رشيد بأنه إن تمسك بالعرف الشرعي عارضه عدم الركوع والسجود، وإن تمسك بالحقيقة اللغوية عارضه الشرائط المذكورة. ولم يستو التبادر في الإطلاق فيدّعى الاشتراك؛ لتوقف الإطلاق على القيد عند إرادة الجنازة بخلاف ذات الركوع والسجود فتعين الحمل على المجاز (٣). انتهى.

стр. 657

وأجيب عنه بأنه لم يستدل البخاري على مطلوبه بمجرد تسميتها صلاة؛ بل بذلك وبما انضم إليها من وجود جميع الشرائط إلا الركوع والسجود، وقد تقدم ذكر الحكمة في حذفهما منها فبقى ما عداهما على الأصل. وقال الكرماني: غرض البخاري بيان جواز إطلاق الصلاة على صلاة الجنازة وكونها مشروعة، وإن لم تكن ذات ركوع وسجود، فاستدل تارة بإطلاق اسم الصلاة عليه والأمر بها، وتارة بإثبات ما هو من خصائص الصلاة؛ نحو: عدم التكلم فيها، ولكونها مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، وعدم صحتها إلا بالطهارة وعدم أدائها عند الوقت المكروه، ورفع اليد، وإثبات الأحقية بالإمامة، وبوجوب طلب الماء لها، وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٤] وبكونها ذات صفوف وإمام. وحاصله أن الصلاة لفظ مشترك بين ذات الأركان المخصوصة من الركوع ونحوه وبين صلاة الجنازة وهي حقيقية شرعية فيهما. انتهى (١). وقد قال بذلك غيره أيضًا ولا يخفى أن بحث ابن رشيد أقوى، ومطلوب المصنف حاصل بدون تلك الدعوى هذا وقال العيني: قول الكرماني وحاصله إلى آخره، فيه نظر؛ لأن الصلاة في اللغة الدعاء والاتباع، وقد استعملت في الشرع فيما لم يوجد فيه الدعاء والاتباع: كصلاة الأخرس المنفرد، وصلاة من لا يقدر على القراءة، ثم إن الشارع استعملها في غير معناها اللغوي، وغلب استعمالها

стр. 658

فيه بحيث يتبادر الذهن إلى المعنى الذي استعملها الشارع فيه عند الإطلاق، وهي مجاز هجرت حقيقته بالشرع فصارت حقيقة شرعية، وليست / بمشتركة بين الصلاة المعهودة في الشرع وبين صلاة الجنازة، فلا تكون حقيقة شرعية فيهما، ولا يفهم من كلام البخاري الذي نقله عنه الكرماني بأن إطلاق لفظ الصلاة على صلاة الجنازة بطريق الحقيقية ولا بطريق الاشتراك بين الصلاة المعهودة وصلاة الجنازة، والله أعلم (١).

стр. 659

[١٨٨ أ/ص] باب فَضْلِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ . قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵁: إِذَا صَلَّيْتَ فَقَدْ قَضَيْتَ الَّذِى عَلَيْكَ. وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ: مَا عَلِمْنَا عَلَى الْجَنَازَةِ إِذْنًا، وَلَكِنْ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَجَعَ فَلَهُ قِيرَاطٌ. ١٣٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يَقُولُ: حُدِّثَ ابنُ عُمَرَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنهم - يَقُولُ: مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ. فَقَالَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَيْنَا. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: [٨٢ ب/ص] (باب فَضْلِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ) والمراد من الاتباع أن يتبع الجنازة ويصلي عليها / وليس المراد أن يتبع ثم ينصرف بغير صلاة؛ وذلك لأن الاتباع إنما هو وسيلة إلى أحد المقصودين من الصلاة والدفن، فإذا تجردت الوسيلة عن المقصود لم يحصل المترتب على المقصود، وإن كان يرجى أن يحصل لفاعل ذلك فضل ما بحسب نيته، وقد روي سعيد بن منصور من طريق مجاهد قال: "اتباع الجنازة أفضل النوافل" (١) وفي رواية عبد الرزاق عنه: "اتباع الجنازة أفضل من صلاة التطوع" (٢). وقال الزين ابن المنير ما حاصله أن المراد من الترجمة إثبات الأجر والترغيب فيه لا تعيين الحكم؛ لأن الاتباع من الواجبات على الكفاية فالمراد بالفضل ذلك، لا قسيم الواجب، وأجمل لفظ الاتباع تبعًا للفظ الحديث الذي أورده، إلا أن القيراط لا يحصل إلا لمن اتبع وصلى أو اتبع

стр. 660

وشيع وحضر الدفن، لا لمن اتبع مثلا وشيع ثم انصرف بغير صلاة وحضور دفنه؛ ولذلك صدر الترجمة بقول زيد بن ثابت ﵁ (١). فقال (وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) أي: ابن الضحاك بن زيد الأنصاري البخاري أبو خارجة المدني: قدم رسول الله ﷺ المدينة وهو ابن إحدى عشرة سنة وكان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، وكان من فضلاء الصحابة ومن أصحاب الفتوى، وهو الذي قال فيه الرسول ﷺ : "أفرضكم زيد" (٢) توفي بالمدينة سنة خمس وأربعين (٣). (إِذَا صَلَّيْتَ) أي: على الجنازة (فَقَدْ قَضَيْتَ الَّذِى عَلَيْكَ) من حق الميت من الواجب الذي هو على الكفاية. وهذا التعليق وصله سعيد بن منصور من طريق عروة عنه بلفظ: "إذا صليت على جنازة فقد قضيت ما عليك" (٤). ووصله ابن أبي شيبة من هذا الوجه بلفظ: "إذا صليتم على الجنازة فقد قضيتم ما عليكم، فخلوا بينها وبين أهلها". وكذا أخرجه عبد الرزاق بلفظ الإفراد (٥)، ومعناه: فقد قضيت حق الميت فإن أردت الاتباع فلك زيادة أجر. [١٨٩ أ/س] (وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) / بضم الحاء المهملة البصري التابعي، وقد مر في باب: "يرد المصلي من مر بين يديه".

стр. 661

(مَا عَلِمْنَا عَلَى الْجَنَازَةِ إِذْنًا) بكسر الهمزة أي: ما يثبت عندنا أنه يؤذن على الجنازة من أوليائها للانصراف بعد الصلاة (١). (وَلَكِنْ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَجَعَ فَلَهُ قِيرَاطٌ) أي: نصيب من الأجر، وسيجيء تحقيق القيراط إن شاء الله تعالى. وحاصل هذا التعليق أن الصلاة على الجنازة حق الميت، والابتغاء الفضل، وليس للأولياء فيها حق حتى يتوقف الانصراف بعد الصلاة على الإذن. وفي هذا الباب اختلاف، فروي عن زيد بن ثابت، وجابر بن عبدالله ﵄، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، والحسن، وقتادة، وابن سيرين، وأبي قلابة أنهم كانوا ينصرفون بعد الصلاة ولا يستأذنون (٢) وهو قول الشافعي، وجماعة من العلماء (٣). وقالت طائفة: لابد من الإذن في ذلك (٤) وروي عن عمر، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة، والمسور بن مخرمة ﵃، وكذا عن النخعي أنهم كانوا لا ينصرفون حتى يستأذنون (٥).

стр. 662

وروي ابن عبد الحكم عن مالك قال: لا يجب لمن شهد جنازة أن ينصرف عنها حتى يؤذن له إلا أن يطول ذلك (١). قال الحافظ العسقلاني: وكأن البخاري أراد الرد على ما أخرجه عبد الرزاق من طريق عمرو بن شعيب عن أبي هريرة ﵁ قال: "أميران وليسا بأميرين؛ الرجل يكون مع الجنازة يصلي عليها فليس له أن يرجع حتى يستأذن وليها" (٢) الحديث. وهذا منقطع موقوف (٣). وقد ورد مثله مرفوعًا من حديث جابر ﵁ أخرجه البزار بإسناد فيه مقال. وأخرجه العقيلي في الضعفاء من حديث أبي هريرة ﵁ (٤). وروى أحمد من طريق عبد الله بن هرمز عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "من تبع جنازة، فحمل من علوها، وحثا في قبرها، وقعد حتى يؤذن له رجع بقيراطين" (٥) وإسناده ضعيف. انتهى، وقال أيضًا: لم أر هذا التعليق موصولًا (٦).

стр. 663

(حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) الفضل بن دكين السدوسي (قال حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ (١)) بفتح الجيم في الأول وبالحاء المهملة والزاي في الثاني. [١٨٩ أ/ص] (قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا) مولى ابن عمر ﵄ (يَقُولُ: حُدِّثَ ابن عُمَرَ) ﵄ بضم الحاء على صيغة البناء للمفعول، كذا في جميع الطرق ولم يبين في شيء من الطرق عن نافع من حدث ابن عمر عن أبي هريرة ﵄ بذلك، /ولكن قال الحافظ العسقلاني: وقفت على تسمية من حديث ابن عمر ﵄ بذلك صريحًا في موضوعين: أحدهما: في صحيح مسلم بإسناده إلى داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص ﵁، حدثه، عن أبيه، أنه كان قاعدًا عند عبدالله بن عمر ﵄، إذ طلع خباب صاحب المقصورة، فقال يا عبد الله بن عمر: ألا تسمع ما يقول أبو هريرة: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: من خرج مع جنازة من بيتها، وصلى عليها، ثم تبعها حتى تدفن كان له قيراطان من الأجر، مثل أحد، ومن صلى عليها، ثم رجع، كان له قيراط من الأجر مثل أحد"؟ فأرسل ابن عمر ﵄ خبابًا إلى عائشة ﵂ يسألها عن قول أبي هريرة ﵁، ثم يرجع إليه فيخبره بما قالت، وأخذ ابن عمر ﵄ قبضة من حصباء المسجد يقلبها في يده، حتى رجع إليه الرسول، فقال: قالت عائشة ﵂: صدق أبو هريرة ﵁، فضرب ابن عمر ﵄ بالحصباء الذي كان بيده، ثم قال: " لقد فرطنا في قراريط كثيرة" (٢). والموضع الثاني: في جامع الترمذي بإسناده إلى أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى يقضي دفنها فله قيراطان، أحدهما أو

стр. 664

أصغرهما مثل أحد"، قال أبو سلمة: فذكرت ذلك لابن عمر ﵄، فأرسل إلى عائشة ﵂، يسألها عن ذلك؟ فقالت: صدق / أبو هريرة ﵁، فقال ابن عمر ﵄: " لقد فرطنا في قراريط كثيرة" (١). [٨٣ ب/س] (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ) كذا في جميع الطريق، لم يذكر فيه النبي ﷺ ، وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق إبراهيم بن راشد عن أبي النعمان شيخ البخاري فيه، لكن أخرجه أبو عوانة في صحيحه عن مهدي بن الحارث عن موسى بن إسماعيل وعن أبي أمية عن أبي النعمان وعن التستري عن شيبان، ثلاثتهم عن جرير بن حازم عن نافع قال: قيل لابن عمر ﵄: إن أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من تبع جنازة فله قيراط من الأجر" فذكره ولم يبين لمن السياق، وقد أخرجه مسلم عن شيبان بن فروخ كذلك (٢) فالظاهر أن السياق له (٣). (مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً) وصلى عليها (فَلَهُ قِيرَاطٌ) وقد زاد مسلم في روايته قوله: "من الأجر" والقيراط بكسر القاف قال الكرماني: القيراط لغة نصف دانق، والمقصود منه هنا النصيب هذا (٤). وقال الجوهري: أصله قرَّاط بالتشديد، لأن جمعه قراريط، فأبدل من أحد حرفي تضعيفه ياء، ثم قال: والقيراط نصف دانق، وقال قبل ذلك: الدانق سدس الدرهم (٥)، فعلى هذا يكون القيراط جزءًا من اثنى عشر جزءًا من الدرهم.

стр. 665

وأما صاحب النهاية فقال: القيراط: جزء من أجزاء الدينار، وهو نصف عشره في أكثر البلاد. وفي الشام جزء من أربعة وعشرين جزءًا (١). [١٩٠ أ/س] ونقل بن الجوزي عن ابن عقيل أنه كان / يقول: القيراط نصف سدس درهم أو نصف عشر دينار. وقال أبو الوفاء ابن عقيل: والمراد به هنا النصيب من الأجر المتعلق بالميت، في تجهيزه وغسله ودفنه والتعزية به، وحمل الطعام إلى أهله وسائر ما يتعلق به، فللمصلي عليه قيراط من ذلك، ولمن يشهد الدفن قيراط وهكذا (٢). وليس المراد جنس الأجر؛ لأنه يدخل فيه ثواب الإيمان والصلاة، والحج، وغيرها. وليس في صلاة الجنازة ما يبلغ ذلك، وذكر القيراط تقريبًا للفهم؛ لأن غالب ما يقع به معاملتهم كان بالقيراط فعد من جنس ما يعرف به الشيء وضرب به المثل (٣). وقال الحافظ العسقلاني: وقد روى البزار من طريق عجلان، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "من أتى جنازة في أهلها فله قيراط، فإنْ تبعها فله قيراط، فإنْ صلى عليها فله قيراط، فإنْ انتظرها حتى تدفن فله قيراط" (٤). فهذا يدل على أن لكل عمل من أعمال الجنازة قيراطًا وإن اختلفت مقادير القراريط، ولاسيما بالنسبة إلى مشقة ذلك العمل وسهولته، وعلى هذا فيقال: إنما خص قيراطي الصلاة والدفن بالذكر لكونهما المقصودين بخلاف باقي أحوال الميت فإنها وسائل، ولكن هذا يخالف ظاهر

стр. 666

سياق الحديث الذي في الصحيح المتقدم في كتاب الإيمان؛ فإن فيه: إن لمن معها حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها قيراطين فقط. لكن يجاب عن هذا بأن القيراطين المذكورين لمن شهد، وهذا لمن باشر الأعمال التي يحتاج إليها الميت فافترقا، هذا (١) وقد ورد لفظ القيراط في عدة أحاديث فمنها ما يحمل على القيراط المتعارف، ومنها ما يحمل على الجزء في الجملة وإن لم تعرف النسبة؛ فمن الأول حديث كعب بن مالك ﵁ مرفوعًا: "إنكم ستفتحون بلدا يذكر فيها القيراط" (٢). وحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا "كنت أرعى غنمًا لأهل مكة بالقراريط (٣) " قال ابن ماجه عن بعض شيوخه: "يعني كل شاة بقيراط" (٤) وقال غيره: قراريط جبل بمكة. ومن المحتمل حديث ابن عمر ﵄: "الذين أوتوا الكتاب أعطوا قيراطًا" (٥) وحديث الباب، وحديث أبي هريرة ﵁: "من اقتنى كلبًا نقص من عمله كل يوم قيراط" (٦) وقد جاء تعيين القيراط في حديث الباب بأنه مثل "أُحُد" كما سيأتي الكلام عليه في الباب الآتي إن شاء الله تعالى. وفي رواية عند أحمد والطبراني في الأوسط من حديث ابن عمر ﵄ "قالوا: يا رسول الله مثل قراريطنا هذه؟ قال: لا بل مثل أحد" (٧).

стр. 667

قال النووي وغيره: لا يلزم من ذكر القيراط في الحديثين تساويهما؛ لأن عادة الشارع تعظيم الحسنات وتخفيف مقابلها (١). [١٩٠ أ/ص] وقال ابن العربي: / الذرة جزء من ألف وأربعة وعشرين جزءًا من حبة، والحبة ثلث القيراط، والذرة تخرج من النار فكيف بالقيراط؟ قال: وهذا قدر قيراط الحسنات. وقال غيره: القيراط في اقتناء الكلب جزء من أجزاء عمل المقتنى له في ذلك اليوم. هذا والأكثر إلى أن المراد بالقيراط في حديث الباب جزء من أجزاء معلومة عند الله، وقد قربها النبي ﷺ للفهم بتمثيله القيراط بأحد (٢). وقال الطيبي: قوله: "مثل أحد" تفسير للمقصود من الكلام، لا للفظ القيراط. والمراد منه أنه يرجع بنصيب كبير من الأجر؛ وذلك لأن لفظ القيراط مبهم من وجهين، فبين الموزون بقوله: "من الأجر" وبين المقدار المراد منه بقوله: " مثل أحد" وهذا تمثيل واستعارة، ويجوز أن يكون حقيقة بأن يجعل الله عمله ذلك يوم القيامة في صورة عين توزن كما توزن الأجسام، ويكون قدر هذا كقدر أحد (٣). وقال الزين بن المنير: أراد تعظيم الثواب فمَثَّله للعيان بأعظم الجبال خلقًا وأكثرها في النفوس المؤمنة حبًا؛ لأنه الذي قال في حقِّه ﷺ إنه جبل يحبنا ونحبه. انتهى. والوجه الثاني ظاهر، وأما الأول ففيه نظر وقال الحافظ العسقلاني: مثله به لأنه قريب من المخاطبين يشترك أكثرهم في معرفته؛ فلذا خصه بالتمثيل (٤) والله أعلم. (فَقَالَ) أي: ابن عمر ﵄ (أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَيْنَا) أي: في ذكر الأجر أو في رواية الحديث، كأنه خاف لكثرة رواياته أنه اشتبه عليه الأمر فيه، لا أنه نسبه إلى رواية مالم يسمع؛ لأن مرتبتهما أجل من ذلك. وقال ابن التين: لم يتهمه ابن عمر ﵄؛ بل خشي عليه السهو

стр. 668

أوقال ذلك لكونه لم ينقل له عن / أبي هريرة ﵁ أنه رفعه، فظن أنه قاله برأيه، فاستنكره. انتهى (١). [٨٣ ب/ص] ووقع في رواية أبي سلمة عند سعيد بن منصور: "فبلغ ذلك ابن عمر ﵄ فتعاظمه" وفي رواية الوليد بن عبد الرحمن عند سعيد أيضًا ومسدد وأحمد بإسناد صحيح فقال ابن عمر ﵄: "يا أبا هريرة انظر ما تحدث عن رسول الله ﷺ " (٢) يعني فأرسل ابن عمر ﵄ إلى عائشة ﵂ يسألها عن ذلك. قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣٢٤ - فَصَدَّقَتْ - يَعْنِى عَائِشَةَ - أَبَا هُرَيْرَةَ وَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُهُ. فَقَالَ ابن عُمَرَ - رضى الله عنهما: لَقَدْ فَرَّطْنَا فِى قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ. (فَرَّطْتُ) ضَيَّعْتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: [١٩١ أ/س] (فَصَدَّقَتْ - يَعْنِى عَائِشَةَ - أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵄ لفظ يعني للبخاري كأنه شك فاستعملها (وَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُهُ) أي: الحديث الذي رواه أبو هريرة ﵁ وقد رواه الإسماعيلي من طريق / أبي النعمان شيخه فلم يقلها. وفي رواية مسلم فبعث ابن عمر ﵄ إلى عائشة ﵂ يسألها فصدقت أبا هريرة ﵁ (٣).

стр. 669

وفي رواية أبي سلمة عند الترمذي: "فذكرت ذلك لابن عمر ﵄، فأرسل إلى عائشة ﵂، فسألها عن ذلك؟ فقالت: صدق (١) " وقد ذكرناه آنفًا. ووقع في رواية الوليد ابن عبد الرحمن عند سعيد بن منصور فقام أبو هريرة فأخذ بيده فانطلقا حتى أتيا عائشة ﵂ فقال لها: "يا أم المؤمنين أنشدك الله أسمعت رسول الله ﷺ يقول:. .؟ فذكره، فقالت: اللهم نعم" (٢). ويجمع بينهما بأن الرسول لما رجع إلى ابن عمر ﵄ بخبر عائشة ﵂ بلغ ذلك أبا هريرة فمشى إلى ابن عمر ﵄ فأسمعه ذلك من عائشة ﵂ مشافهة. وزاد في رواية الوليد فقال أبو هريرة ﵁: "لم يشغلني عن رسول الله ﷺ غرس الودي* (٣) ولا صفق بالأسواق وإنما كنت أطلب من رسول الله ﷺ أكلة يطعمنيها أو كلمة يعلمنيها، قال له ابن عمر ﵄: كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ وأعلمنا بحديثه" (٤). (فَقَالَ ابن عُمَرَ) ﵄: (لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ) أي: من عدم المواظبة على حضور الدفن. بيَّن ذلك مسلم في روايته من طريق ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كان ابن عمر ﵄ يصلي على الجنازة ثم ينصرف، فلما بلغه حديث أبي هريرة ﵁ قال: فذكره (٥).

стр. 670

وفي هذه القصة: دلالة على تميز أبي هريرة في الحفظ، وأن إنكار العلماء بعضهم على بعض قديم، وأن العالم يستغرب ما لم يصل إلى علمه. وفيه: عدم مبالاة الحافظ بإنكار من لم يحفظ. وفيه: ما كانت الصحابة عليه من التثبت في الحديث النبوي والتحرز فيه والتنقيب عليه. وفيه: دلالة على فضيلة ابن عمر ﵄ من حرصه على العلم وتأسفه على ما فاته من العمل الصالح. وفيه: قوله: "من تبع جنازة" دلالة لمن قال: المشي خلف الجنازة أفضل من المشي أمامها؛ لأن ذلك هو حقيقة الاتباع حسًّا، وقال ابن دقيق العيد: الذين رجحوا المشي أمامها حملوا الاتباع هنا على الاتباع المعنوي (١) أي: المصاحبة، وهو أعم من أن يكون أمامها أو خلفها أو غير ذلك، وهذا مجاز يحتاج إلى أن يكون الدليل الدال على استحباب التقدم راجحًا. انتهى (٢). وتعقبه العيني: بأن هذا الحكم، واتباع الرجل غيره في اللغة والعرف عبارة عن أن يمشي وراءه، فليس لما قاله وجه من الوجوه (٣). هذا (٤) وأنت خبير بأنه غدر لابن دقيق العيد، كيف لا؟ وقد اعترف بكونه مجازًا بعيدًا عن الإرادة، فافهم. (فَرَّطْتُ: ضَيَّعْتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) كذا في جميع الطرق، وفي بعض النسخ: "فرطت من أمر الله" أي: ضيعت وهو أشبه (٥) وقد جرى عادة البخاري أنه يفسر الكلمة الغريبة من الحديث إذا وافقت كلمة القران وهذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَر: ٥٦] وفي رواية سالم المذكورة بلفظ "لقد ضيعنا قراريط كثيرة" (٦) والله أعلم.

стр. 671

بَابُ مَنِ انْتَظَرَ حَتَّى تُدْفَنَ . قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابن أَبِى ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ . وحدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا هِشَامٌ حدَّثنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنِ ابن المُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ -رَضِي الله تَعَالَى عنهُ- أنَّ النَّبِيَّ ﷺ . قَالَ الشَّارِحُ ﵀: [١٩١ أ/ص] / (بَابٌ) بالتنوين، وفي النسخة بلا تنوين (مَنِ انْتَظَرَ) أي: الجنازة (حَتَّى تُدْفَنَ) أي: لم يفارقها إلى أن تدفن، وإنما لم يذكر جواب الشرط اكتفاء بما ذكر في الحديث. وقيل: إنما لم يذكر توقفًا عن إثبات الاستحقاق بمجرد الانتظار إذا خلا عن اتباع. وعدل عن لفظ الشهود كما هو في الحديث إلى لفظ الانتظار لينبه على أن المقصود من الشهود إنما هو معاضدة أهل الميت والتصدي لمعونتهم وذلك من المقاصد المعتبرة، كذا قاله الزين ابن المنير (١). وقال الحافظ العسقلاني: إنه اختار لفظ الانتظار لكونه أعم من المشاهدة فهو أكثر فائدة، أو أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه بلفظ الانتظار (٢)، كما وقع في رواية معمر عند البزار من طريق عجلان عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: "فإن انتظرها حتى تدفن فله قيراط" (٣).

стр. 672

وقال العيني: وفي كل من الوجهين الأولين نظر؛ أما الأول فلأنه إذا عاضد أهل الميت وتصدى لمعونتهم ولم يصل لا يستحق القيراط الموعود به، وكذلك إذا صلى ولم يحضر الدفن لا يستحق القيراطين الموعود بهما وإنما يستحق قيراطًا واحدًا؛ وأما الثاني فلأنا لا نسلم أن الانتظار أعم من المشاهدة كما لا يخفى (١). (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبي (قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابن أَبِى ذِئْبٍ) محمد بن عبدالرحمن (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ عَنْ أَبِيهِ) أبي سعيد واسمه كيسان. [٨٤ ب/س] (أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ فَقَالَ) وفي رواية: " قال" بدون الفاء (٢) (فَقَالَ: سَمِعْتُ ﷺ ح) أي: تحويل من إسناد إلى آخر ووقع هنا / في نسخة: "قال" أي: المؤلف (٣). (وحدَّثني) بالإفراد (عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ) المسندي (قال: حدَّثنا هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصنعاني أبو عبد الرحمن قاضي صنعاء من أبناء فارس (قال: حدَّثنا مَعْمَرٌ) هو ابن راشد (عنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهاب (عنِ ابن المُسَيَّبِ) سعيد (عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ). قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣٢٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: ابن شِهَابٍ وَحَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّىَ عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَ حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ». قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: «مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ».

стр. 673

قَالَ الشَّارِحُ ﵀: [١٩٢ أ/س] (وحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ) بفتح الشين المعجمة وكسر الموحدة في الابن، وفتح المهملة وكسر العين المهملة وبالياء في الأب، هو أبو عبدالله الحبطي بفتح الحاء المهملة والموحدة وبالطاء المهملة، البصري، مات سنة تسع وعشرين ومائتين (١) (قَالَ: حَدَّثَنِي) / بالإفراد (أَبِى) هو شبيب بن سعيد (٢) (قال: حَدَّثَنَا يُونُسُ) هو ابن يزيد الأيْلي (قَالَ ابن شِهَابٍ) الزهري (وَحَدَّثَنِى) هو عطف على مقدر أي: قال ابن شهاب حدثني فلان بكذا. وحدثني (عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجُ (٣)) أيضًا (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ «مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ) وفي رواية مسلم من حديث خباب: "من خرج مع جنازة من بيتها" (٤) ولأحمد من حديث أبي سعيد: "فمشى معها من أهلها" (٥).

стр. 674

(حَتَّى يُصَلَّىَ) وفي رواية الكشميهني: "حتى يصلى عليه" وفي نسخة: "عليها". وفي أكثر الروايات اللام فيه مفتوحة، وفي بعضها بكسرها، ورواية الفتح محمولة عليها فإن حصول القيراط متوقف على وجود الصلاة من الذي يحصل له كما تقرر (١). (فَلَهُ قِيرَاطٌ) ولم يبين في هذه الرواية ابتداء الحضور، وقد تقدم في رواية مسلم: "من خرج مع جنازة من بيتها " وفي رواية أحمد: "فمشى معها من أهلها" ومقتضى هاتين الروايتين أن القيراط يختص بمن حضر من أول الأمر إلى انقضاء الصلاة وبذلك صرح المحب الطبري وغيره (٢). وقال الحافظ العسقلاني: والذي يظهر لي أن القيراط يحصل أيضًا لمن صلى فقط؛ لأن كل ما قبل الصلاة وسيلة إليها لكن يكون قيراط من صلى فقط دون قيراط من شيع وصلى، ورواية مسلم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: "أصغرهما مثل أحد" (٣) وهذا يدل على أن القراريط تتفاوت، وعند مسلم أيضًا: "من صلى على جنازة ولم يتبعها فله قيراط" (٤) فدل على أن الصلاة فقط تحصل القيراط وإن لم يكن اتباع، ويمكن أن يحمل الاتباع هنا على ما بعد الصلاة (٥). (وَمَنْ شَهِدَ) أي: الجنازة. كذا في جميع الطرق بحذف المفعول، وفي رواية البيهقي: "ومن شهدها" (٦). (حَتَّى تُدْفَنَ) ظاهره أن حصول القيراط متوقف على الفراغ من الدفن بأن يهال عليها التراب، وهو الأصح الأوجه، وعلى ذلك يحمل رواية مسلم: "حتى توضع في اللحد".

стр. 675

وقيل: يحصل بمجرد الوضع في اللحد، وقيل: عند انتهاء الدفن قبل إهالة التراب، وقد وردت الأخبار بكل ذلك؛ فعند مسلم من طريق معمر في إحدى الروايتين عنه: "حتى يفرغ منها" (١) وفي الأخرى: "حتى توضع في اللحد" (٢) وكذا عنده في رواية أبي حازم بلفظ: "حتى توضع في القبر" (٣) وفي رواية الشعبي وابن سيرين: "حتى يفرغ منها" (٤). [١٩٢ أ/ص] وفي رواية أبي حازم عند أحمد: "حتى يقضي قضاؤها" (٥) وفي رواية أبي سلمة عند الترمذي: /"حتى يقضي دفنها" (٦) وفي رواية [ابن عباس] (٧) ﵄ عند أبي عوانة: "حتى يسوى عليها" أي: التراب وهي أصرح الروايات في ذلك (٨). (كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ) ظاهره أنهما غير قيراط الصلاة، وهو ظاهر سياق أكثر الروايات، وبذلك جزم بعض المتقدمين، وحكاه ابن التين عن القاضي أبي الوليد، لكن رواية الحسن ومحمد بن سيرين صريحة في أن الحاصل من الصلاة ومن الدفن قيراطان فقط؛ حيث رويا عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من تبع جنازة مسلم، إيمانًا واحتسابًا، وكان معها حتى يصلي عليها ويفرغ من

стр. 676

دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط" (١). وقد مر هذا الحديث في باب: "اتباع الجنائز من الإيمان" من كتاب الإيمان، فعلى هذا يكون معنى رواية عبدالرحمن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أنه كان له قيراطان بالأول، وهذا مثل حديث: "من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله" (٢) أي: بانضمام صلاة العشاء. ومقتضى الأحاديث الواردة في ذلك الباب أن من اقتصر على التشييع فلم يصل ولم يشهد الدفن فلا قيراط له، إلا على الطريقة التي تقدمت في الباب السابق عن أبي الوفاء بن عقيل، لكن الحديث الذي أورد تأييدًا لها عن البزار ضعيف على ما تقدم أيضًا وأما التقييد بالإيمان والاحتساب فلا بد منه؛ لأن ترتب الثواب على العمل يستدعى سبق النية فيه، وبذلك يخرج عن كونه على سبيل المكافأة المجردة أو على سبيل المحاباة (٣) والله أعلم. (قِيلَ) له ﷺ . قال الحافظ العسقلاني: لم يعين في هذه الرواية القائل ولا المقول له، وقد بين مسلم في رواية الأعرج هذه المقول له فقال: "قيل: وما القيراطان يا رسول الله؟ " (٤) وعنده أيضًا في حديث ثوبان ﵁: " سُئل رسول الله ﷺ عن القيراط" (٥) وبيَّنَ أبو عوانة في روايته من طريق أبي

стр. 677

مزاحم عن أبي هريرة ﵁ القائل أيضًا ولفظه: "قلت: وما القيراط يا رسول الله؟ " ووقع عند مسلم أيضًا: "ان أبا حازم سأل أبا هريرة ﵁ عن ذلك" (١). [٨٤ ب/ص] [١٩٣ أ/س] (وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ) ﷺ : (مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ) وفي رواية ابن سيرين وغيره / "مثل أحد" وفي رواية الوليد بن عبدالرحمن عند ابن أبي شيبة: "القيراط مثل جبل أحد" (٢) وكذا في حديث ثوبان عند مسلم، والبراء عند النسائي / وأبي سعيد عند أحمد ﵃. ووقع عند النسائي من طريق الشعبي: "فله قيراطان من الأجر كل واحد منهما أعظم من أحد" (٣) وفي رواية أبي صالح عند مسلم: "أصغرهما مثل أحد" (٤) وفي رواية ابن ماجه من حديث أُبَيّ بن كعب ﵁ "القيراط أعظم من أحد" (٥) هذا كأنه أشار إلى الجبل عند ذكر الحديث. وفي حديث واثلة ﵁ عند ابن عدي: "كتب له قيراطان من أجر أخفهما في ميزانه يوم القيامة أثقل من جبل أحد" (٦) فأفادت هذه الرواية بيان وجه التمثيل بجبل أحد، وأن المراد به زنة الثواب المرتب على ذلك العمل، وقد مر وجه تخصيص أُحد بالتمثيل في الباب السابق.

стр. 678

وفي حديث الترغيب في شهود الجنازة والقيام بأمره والحض على الاجتماع له والتنبيه على عظيم فضل الله تعالى وتكريمه للمسلم في تكثير الثواب لمن يتولى أمره بعد موته. وفيه تقدير الأعمال بنسبة الأوزان، إما تقريبًا للإفهام وإما على حقيقته. والله أعلم. ورجال إسناد هذا الحديث ما بين مدني وبصري وأيلي ولم يخرج الطريق الأول غيره من أصحاب الكتب الستة والطريق الثاني أخرجه مسلم في "الجنائز"، (١) وكذا النسائي. (٢)

стр. 679

باب صَلَاةِ الصِّبْيَانِ مَعَ النَّاسِ عَلَى الْجَنَائِزِ . قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣٢٦ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إبراهيم حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ حَدَّثَنَا أَبُو إسحاق الشَّيْبَانِىُّ عَنْ عَامِرٍ عَنِ ابن عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْرًا، فَقَالُوا: هَذَا دُفِنَ، أَوْ دُفِنَتِ الْبَارِحَةَ. قَالَ ابن عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما: فَصَفَّنَا خَلْفَهُ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (باب صَلَاةِ الصِّبْيَانِ مَعَ النَّاسِ عَلَى الْجَنَائِزِ) وقد مر باب: صفوف الصبيان مع الرجال، لكن أفاد بذاك الباب وقوف الصبيان مع الرجال في الجنائز، وإنهم يصفون معهم ولا يتأخرون عنهم؛ لقول ابن عباس ﵄ في ذاك الباب: "وأنا فيهم" وأفاد بهذا الباب مشروعية صلاة الصبيان على الموتى. وهذا المعنى وإن كان يستفاد من ذاك الباب أيضًا لكنه ضمنًا وهنا ذكره قصدًا ونصًّا (١) وآخر هذه الترجمة عن فضل اتباع الجنائز ليبين أن الصبيان داخلون في قوله: "من تبع جنازة" (٢) والله أعلم.

стр. 680

(حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إبراهيم (١)) الدورقي وقد مر في باب: "حب الرسول من الإيمان" (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى بُكَيْرٍ (٢)) بضم الموحدة وفتح الكاف وسكون التحتانية وبالراء، أبو زكريا العبدي الكوفي قاضي كرمان مات سنة [اثنتين] (٣) ومائتين. [١٩٣ أ/ص] (قال: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ (٤)) من الزيادة هو ابن قدامة (قال: حَدَّثَنَا أَبُو إسحاق الشَّيْبَانِىُّ) واسمه سليمان (عَنْ عَامِرٍ) هو ابن شراحيل الشعبي (عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ /قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْرًا، فَقَالُوا: هَذَا دُفِنَ، أَوْ دُفِنَتِ) شكٌّ من الراوي وهو ابن عباس ﵄ (الْبَارِحَةَ) أي: الليلة الزائلة (قَالَ ابن عَبَّاسٍ ﵄: فَصَفَّنَا) بفاءٍ مشددة وفي رواية: "فصففنا" بفائين (خَلْفَهُ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا) ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: "فصفنا خلفه" كما لا يخفى، وقد مر الحديث في باب: " صفوف الصبيان مع الرجال" أطول من هذا.

стр. 681

بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الجَنَائِزِ بِالْمُصَلَّى وَالمَسْجِدِ . قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣٢٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابن شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِى سَلَمَةَ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ: نَعَى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّجَاشِىَّ صَاحِبَ الْحَبَشَةِ، يَوْمَ الَّذِى مَاتَ فِيهِ فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ». قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الجَنَائِزِ بِالْمُصَلَّى) بضم الميم وفتح اللام المشددة وهو الموضع الذي يتخذ للصلاة على الموتى فيه (وَالمَسْجِدِ) حكى ابن بطال عن ابن حبيب أن مصلى الجنائز بالمدينة كان لاصقًا بمسجد النبي ﷺ من ناحية المشرق (١)، فإن ثبت ما قال يكون ذكر المسجد في الترجمة لاتصاله بمصلى الجنائز كما قيل، وإلا فيحتمل أن يكون المراد بالمسجد هنا المصلى المتخذ للعيدين والاستسقاء، فقد قيل: لم يكن عند المسجد النبوي مكان يتهيأ فيه الرجم، لكن سيأتي في حديث ابن عمر ﵄ رجم اليهوديين عند المسجد (٢) وسيأتي في قصة ماعز ﵁ (٣): "فرجمناه بالمصلى" (٤) وقال الكرماني، وتبعه العيني: إن الترجمة أعم من الإثبات والنفي، فلعل غرض البخاري إثبات الصلاة عليها في المصلى ونفيها في المسجد، بدليل تعيين رسول الله ﷺ موضع الجنازة عند المسجد ولو جاز فيه لما عينه في خارجه، وما وقع من الصلاة على بعض الجنائز في المسجد كان لأمر عارض يقتضي ذلك. (٥) والله اعلم.
следующие страницы →