← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 540

نجاح القاري شرح صحيح البخاري - كتاب الجنائز

يوسف أفندي زاده الأماسي

Полный текст (921 стр.). Показаны 712–751 · переход к 717.

стр. 712

عبدالله ﵄: "أن النبي ﷺ كبر على الميت أربعًا وقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى" (١) قال الشيخ: وإسناده ضعيف. قال: وإليه ذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق (٢). (قَالَ) وفي رواية: "فقال" أي: ابن عباس ﵄: "إنما جهرت" كما في رواية الحاكم (٣) وسيجيء -إن شاء الله تعالى- في ذلك الشرح (لِتَعْلَمُوا) بالخطاب. وفي رواية: "لِيَعْلَمُوا" بالغيب (٤) (أَنَّهَا) أي: قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة (سُنَّةٌ) أي: طريقة للشارع، فلا ينافي كونها واجبة على قول من قال به، قال الإسماعيلي: جمع البخاري بين راويتي شعبة وسفيان وسياقهما مختلف. انتهى. [٢٠٠ أ/ص] فأما رواية شعبة فقد أخرجها ابن خزيمة في صحيحه والنسائي كلاهما عن محمد بن بشار شيخ البخاري فيه بلفظ: "فأخذت بيده، فسألته عن ذلك فقال: نعم يا ابن أخي إنه حق وسنة" (٥) / وللحاكم من طريق آدم عن شعبة: "فسألته فقلت: أتقرأ؟ قال: نعم، إنه حق وسنة" (٦). وأما رواية سفيان فأخرجها الترمذي من طريق عبدالرحمن بن مهدي عنه بلفظ: "فقال: إنه من السنة، أو من تمام السنة" (٧) وأخرجه النسائي أيضًا من طريق إبراهيم بن سعد عن أبيه بهذا

стр. 713

الإسناد وبلفظ: "فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، وجهر حتى أسمعنا، فلما فرغ أخذت بيده، فسألته، فقال: سنة وحق" (١). وللحاكم من طريق ابن عجلان أنه سمع سعيد بن أبي سعيد، يقول: " صلى ابن عباس ﵄ على جنازة فجهر بالحمد، ثم قال: إنما جهرت لتعلموا أنها سنة" (٢). ثم إن الترمذي لما روى هذا الحديث قال: هذا حديث حسن صحيح، ثم قال: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، وغيرهم يختارون أن يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق (٣). ثم قال الترمذي (٤) عن الشافعي: إن القراءة بعد التكبيرة الأولى، هل هي على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب؟ حكى الرَّوياني وغيره عن نص الشافعي أنه لو أخَّر قراءة الفاتحة إلى التكبيرة الثانية جاز (٥)، وهذا يدل على أن المراد هو الاستحباب دون الوجوب، وحكى ابن الرفعة عن البندنيجي والقاضي حسين وإمام الحرمين والغزالي والمتولي تعين القراءة عقب التكبيرة الأولى (٦). واختلف في المسألة كلام النووي؛ فجزم في البيان بوجوب قراءتها في التكبيرة الأولى، وخالف ذلك في الروضة فقال: إنه يجوز تأخيرها إلى التكبيرة الثانية (٧).

стр. 714

وقال في شرح المهذب: فإن قرأ الفاتحة بعد تكبيرة أخرى غير الأولى جاز (١)، وكذا قال في المنهاج (٢). ثم إنه ليس في حديث الباب صفة القراءة بالنسبة إلى الجهر والإسرار، ولكن تقدم آنفًا في روايتي النسائي والحاكم أن ابن عباس ﵄ جهر بها، وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي فيما إذا كانت الصلاة عليها ليلًا (٣). [٨٨ ب/س] [٢٠١ أ/س] قال الشيخ زين الدين: والصحيح أنه يسر بها ليلًا أيضًا وأما النهار فاتفقوا على أنه يسر بها. قال: ويجاب عن الحديث بأنه أراد بذلك إعلامهم بما يقرأ ليعلموا ذلك، / ولعله جهر ببعضها، كما صح في الحديث أن النبي ﷺ كان يسمعهم الآية أحيانا في صلاة الظهر (٤)، وكان مراده ليعرفهم السورة التي كان يقرأ / بها في الظهر. فإن قيل: لم تقرأ الشافعية بسورة مع الفاتحة كما في غيرها من الصلوات؟ مع أن في رواية النسائي المذكورة آنفًا: "فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة" (٥). فالجواب عنه بأن البيهقي قال في سننه: إن ذكر السورة فيه غير محفوظ (٦). ثم إن قول الصحابي من السنة، حكمه حكم المرفوع على القول الصحيح، قاله الشيخ زين الدين، وفيه خلاف مشهور (٧).

стр. 715

وقد روى الترمذي عن ابن عباس ﵄ "أن النبي ﷺ قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب" وقال: لا يصح هذا، والصحيح عن ابن عباس ﵄ قوله: "من السنة" (١) وهذا مصير منه إلى الفرق بين الصيغتين، ولعله أراد الفرق بالنسبة إلى الصراحة والاحتمال، والله أعلم. ووردت أحاديث أخر في قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة. منها حديث أم شريك، رواه ابن ماجه عنها قالت: " أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب" (٢). ومنها حديث أم عفيف النهدية أنها قالت: "أمرنا النبي ﷺ أن نقرأ بفاتحة الكتاب على ميتنا" (٣) رواه أبو نعيم. ومنها حديث أبي أمامة بن سهل أنه قال: " السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة، ثم يكبر ثلاثًا، والتسليم عند الأخيرة" (٤) رواه النسائي. وقال النووي في الخلاصة: إن إسناده على شرط الشيخين قال: وأبو أمامة هذا صحابي (٥).

стр. 716

وقال الشيخ زين الدين: لم يعقل رواية (١) النبي ﷺ فليست له صحبة (٢)، وقال الذهبي: أبو أمامة بن سهل بن حنيف، اسمه أسعد، سماه رسول الله ﷺ ، وحديثه مرسل. (٣) وروى ابن أبي شيبة عن رجل من همدان: "أن عبد الله بن مسعود ﵁ قرأ على جنازة بفاتحة الكتاب" (٤). وروى أيضًا من حديث أبي الفهان الحذاء، قال: صليت خلف الحسن بن علي ﵄ على جنازة فقلت له: كيف صنعت؟ قال: " قرأت عليها بفاتحة الكتاب" (٥). وعن ابن عون: "كان الحسن بن أبي الحسن يقرأ بالفاتحة في كل تكبيرة على الجنازة" (٦). وقال ابن بطال: وهذا قول شهر بن حوشب، وقال الضحاك: اقرأ في التكبيرتين الأوليين بفاتحة الكتاب" (٧) وكان مكحول يفعل ذلك (٨).

стр. 717

وعن فضالة مولى عمر ﵁ أن الذي كان صلى على أبي بكر أو عمر ﵄ "قرأ عليه بفاتحة الكتاب" (١). وقال ابن بطال: روي عن ابن الزبير وعثمان بن حنيف (٢) أنهما كانا يقرآن عليها بالفاتحة (٣). وفي كتاب الجنائز للمزني: وبلغنا أن أبا بكر وغيره من الصحابة ﵃ كانوا يقرأون بأم القرآن عليها (٤). [٢٠٢ أ/ص] وفي المحلى: صلى المسور بن مخرمة "فقرأ في التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة قصيرة، رفع بهما صوته، / فلما فرغ قال: لا أجهل أن يكون هذه الصلاة عجماء، ولكني أردت أن أعلمكم أن فيها قراءة". وروي عن أبي الدرداء وأنس وأبي هريرة ﵃ " أنهم كانوا يقرأون بالفاتحة" (٥). وقد ذكر في أول الباب عن جماعة من الصحابة والتابعين أن لا قراءة في صلاة الجنازة. وعن ابن مسعود ﵁: "لم يوقت فيها النبي ﷺ قولًا ولا قراءة" وأن ما لا ركوع فيه لا قراءة فيه، كسجود التلاوة (٦). واستدل الطحاوي على ترك القراءة في الأولى بتركها في باقي التكبيرات، وبترك التشهد، وقال: لعل قراءة من قرأ الفاتحة من الصحابة ﵃ كان على وجه الدعاء لا على وجه التلاوة. (٧)

стр. 718

(فائدة) ومن الدعاء للميت ما رواه مسلم عن عوف بن مالك ﵁، يقول: (١) "صلى رسول الله ﷺ على جنازة، فحفظت من دعائه وهو يقول: اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر -أومن عذاب النار- حتى تمنيت أن أكون ذلك الميت" (٢). وروى أبو داود من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "صلى رسول الله ﷺ على جنازة، فقال: اللهم اغفر لحينا، وميتنا، وصغيرنا، وكبيرنا، وذكرنا، وأنثانا، وشاهدنا وغائبنا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان، ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده" (٣) وروى أيضًا عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ على رجل من المسلمين، فسمعته يقول: (٤) إن فلان بن فلان في ذمتك، فقه من عذاب القبر" قال عبد الرحمن- شيخ أبي داود-: "في ذمتك وحبل جوارك، فقِهِ من فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحق (٥)، اللهم اغفر له وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم" (٦) والحبل العهد والميثاق.

стр. 719

[٢٠٢ أ/س] وروى الترمذي من حديث أبي إبراهيم الأشهلي، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى على الجنازة، قال: " اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، / وذكرنا وأنثانا" قال الترمذي سألت محمدا يعني البخاري عن اسم أبي إبراهيم الأشهلي فلم يعرفه (١). وروى الحاكم في المستدرك من حديث يزيد بن ركانة: " كان رسول الله ﷺ إذا قام يصلي على الجنازة قال: اللهم عبدك، وابن عبدك احتاج إلى رحمتك، وأنت غني عن عذابه، إن كان محسنًا فزد في (٢) إحسانه، وإن كان مسيئًا فتجاوز عنه" (٣). [٨٨ ب/ص] وروى / المستغفري (٤) في الدعوات من حديث علي بن أبي طالب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "يا على إذا صليت على جنازة فقل: اللهم عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ماض فيه حكمك، ولم يكن شيئًا مذكورًا، زارك وأنت خير مزور. اللهم لقنه حجته، وألحقه بنبيه، وأكرم نزله في قبره، ووسع عليه مدخله، وثبته بالقول الثابت، فإنه افتقر إليك واستغنيت عنه، وكان يشهد أن لا إله إلا أنت فاغفر له، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده. يا علي: وإذا صليت على امرأة فقل اللهم أنت خلقتها وأنت أحييتها وأنت أمتها، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئناك شفعاء لها، اغفر لها، اللهم لا تحرمنا أجرها ولا تفتنا بعدها. يا علي: وإذا صليت على طفل فقل: اللهم اجعل

стр. 720

لأبويه سلفًا، واجعله لهما فرطًا، واجعله لهما نورًا وسدادًا، أعقب والديه الجنة إنك على كل شيء قدير" (١). وروى الطبراني من حديث عبد الله بن حارثة، عن أبيه، أن النبي ﷺ علمهم الصلاة على الميت: " اللهم اغفر لأحيائنا، وأمواتنا، وأصلح ذات بيننا، وألف بين قلوبنا، اللهم هذا عبدك فلان بن فلان لا نعلم به إلا خيرا، وأنت أعلم به، فاغفر لنا وله" (٢). [٢٠٢ أ/ص] وروى الحاكم أيضًا من طريق شرحبيل بن سعد، عن ابن عباس ﵄ "أنه صلى على جنازة بالأبواء فكبر، ثم قرأ الفاتحة رافعًا صوته، ثم صلى على النبي ﷺ ، ثم قال: اللهم عبدك، وابن عبدك، أصبح فقيرًا إلى رحمتك، وأنت غني عن عذابه، إن كان زاكيَا فزكه، وإن كان مخطئَا فاغفر له، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده. ثم كبر ثلاث تكبيرات، ثم انصرف فقال: يا أيها الناس إني لم أقرأ علنا- أي: جهرا- إلا لتعلموا أنها سنة" قال الحاكم: شرحبيل لم يحتج به الشيخان؛ وإنما أخرجته لأنه مفسر للطرق المتقدمة، وشرحبيل مختلف / في توثيقه (٣). ثم إن رجال

стр. 721

حديث الباب ما بين بصري واسطي ومدني وكوفي، وقد أخرج متنه أبو داود والترمذي بمعناه، وقال: حسن صحيح كما مر والنسائي كلهم في الجنائز (١).

стр. 722

باب الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَمَا يُدْفَنُ . قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣٣٦ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِى سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِىُّ. قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِىَّ قَالَ: أَخْبَرَنِى مَنْ مَرَّ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فَأَمَّهُمْ وَصَلَّوْا خَلْفَهُ. قُلْتُ: مَنْ حَدَّثَكَ هَذَا يَا أَبَا عَمْرٍو؟ قَالَ: ابنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (باب) جواز (١) (الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَمَا يُدْفَنُ) أي: بعد دفن الميت، فكلمة ما مصدرية، وإليه ذهب بعض العلماء، ومنعه النخعي ومالك وأبو حنيفة، وعنهم: إن دفن قبل أن يصلى عليه شرع وإلا فلا (٢) وقد مر التفصيل في ذلك في باب: "صفوف الصبيان مع الرجال" (٣). (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ (٤)) بكسر الميم قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي: ابن الحجاج (قَالَ: حَدَّثَنِى) (٥) وفي رواية أخبرني (٦) (سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِىُّ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِىَّ) عامر بن شراحيل (قَالَ: أَخْبَرَنِى مَنْ مَرَّ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ) بتنوين قبر، وتوصيفه بمنبوذ أي: في ناحية عن القبور، ويروي بإضافة قبر إلى منبوذ (٧) أي: قبر لقيط.

стр. 723

(فَأَمَّهُمْ) رسول الله ﷺ عليه (١) (وَصَلَّوْا خَلْفَهُ) قال الشيباني: (قُلْتُ) للشعبي (مَنْ حَدَّثَكَ هَذَا) الحديث (يَا أَبَا عَمْرٍو؟ قَالَ:) حدثني به (ابن عَبَّاسٍ ﵄) وفي الأوسط للطبراني عن الشيباني: " أنه صلى عليه بعد ما دفن بليلتين" وقال: ابن إسماعيل بن زكريا، تفرد بذلك (٢). ورواه الدارقطني من طريق هريم بن سيفان، عن الشيباني، فقال: "بعد موته بثلاث" (٣). ومن طريق بشر بن آدم، عن أبي عاصم، عن سفيان الثوري، عن الشيباني، فقال: "بعد شهر" (٤). قال الحافظ العسقلاني: وهذه روايات شاذة وسياق الطرق الصحيحة يدل على أنه صلى عليه في صبيحة دفنه (٥) والله أعلم. قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣٣٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِى رَافِعٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ أَسْوَدَ - رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً - كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَمَاتَ، وَلَمْ يَعْلَمِ النَّبِىُّ ﷺ بِمَوْتِهِ فَذَكَرَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: «مَا فَعَلَ ذَلِكَ الإِنْسَانُ؟». قَالُوا: مَاتَ يَا رَسُولَ

стр. 724

اللَّهِ. قَالَ: «أَفَلَا آذَنْتُمُونِى». فَقَالُوا: إِنَّهُ كَانَ كَذَا وَكَذَا قِصَّتَهُ. قَالَ: فَحَقَرُوا شَأْنَهُ. قَالَ: «فَدُلُّونِى عَلَى قَبْرِهِ». فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ) أبو النعمان السدوسي البصري الملقب بعارم، بالعين والراء المهملتين، قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو ابن درهم (عَنْ ثَابِتٍ) هو البناني (عَنْ أَبِى رَافِعٍ) بالراء والفاء و (١) المهملة (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ أَسْوَدَ رَجُلًا) بالنصب بدلًا عن أسود، ويروى بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف (٢) (أَوِ امْرَأَةً) بالوجهين فيه أيضًا (كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ) أي: يكنسه، وفي رواية: "كان يقم في المسجد" وفي أخرى: "كان يكون في المسجد يقم المسجد من القمامة" (٣) أي: الكناسة والمقمة المكنسة. (فَمَاتَ، وَلَمْ يَعْلَمِ النَّبِىُّ ﷺ بِمَوْتِهِ فَذَكَرَهُ ذَاتَ يَوْمٍ) من باب إضافة المسمى إلى اسمه أو لفظه ذات مقحمة. [٢٠٣ أ/س] (فَقَالَ) ﷺ (: مَا فَعَلَ ذَلِكَ الإِنْسَانُ؟ قَالُوا:) وفي رواية: "فقالوا" (٤) بالفاء (٥) (/ مَاتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «أَفَلَا آذَنْتُمُونِى) أَي: أَفلا أعلمتموني؟ (فَقَالُوا: إِنَّهُ كَانَ كَذَا وَكَذَا قِصَّتَهُ) منصوب بمقدر أي: ذكروا قصته، وفي رواية سقط لفظ: "قصته" (٦).

стр. 725

(قَالَ: فَحَقَرُوا شَأْنَهُ) ولا ينافي ذلك ما سبق من التعليل بأنهم كرهوا أن يوقظوا ﷺ في الظلمة خوف المشقة؛ إذ لا تنافي بين التعليلين. (قَالَ) ﷺ (: فَدُلُّونِى) بضم الدال من الدلالة (عَلَى قَبْرِهِ) فدلوه (فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ) وهذا هو موضع الترجمة، وزاد ابن حبان في هذا الحديث في رواية حماد بن سلمة، عن ثابت: " ثم قال: - يعني ﷺ إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها عليهم بصلاتي" (١). فإن قيل: إن صلاته ﷺ (٢) على قبر الأسود المذكور بسبب أنهم حقروا شأنه، وفي رواية ابن حبان أن صلاته عليه بسبب أن قبره مملوء ظلمة. [٨٩ ب/س] فالجواب: أنه لا تنافي؛ إذ الحكم يثبت بعلتين وأكثر، لا يقال: إن الصلاة على القبر من خصائصه ﷺ ؛ لأن في ترك الإنكار على من صلى معه ﷺ / على القبر بيان جواز ذلك لغيره، وأنه ليس ذلك من خصائصه، قاله ابن حبان (٣). وتُعُقِّبَ بأن الذي يقع بالتبعية لا ينتهض دليلًا للأصالة. والله أعلم (٤)، وقد مر الكلام في الصلاة على القبر مستقصي في باب: "صفوف الصبيان مع الرجال" (٥).

стр. 726

بَابُ الْمَيِّتُ يَسْمَعُ خَفْقَ النِّعَالِ . قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣٣٨ - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا سَعِيدٌ قَالَ: وَقَالَ لِى خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا ابن زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «الْعَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِى قَبْرِهِ، وَتُوُلِّىَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَأَقْعَدَاهُ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِى هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ. فَيُقَالُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ - قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا - وَأَمَّا الْكَافِرُ - أَوِ الْمُنَافِقُ - فَيَقُولُ: لَا أَدْرِى، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ. فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ. ثَمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلَاّ الثَّقَلَيْنِ». قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (بَابٌ) بالتنوين (الْمَيِّتُ يَسْمَعُ خَفْقَ النِّعَالِ) بفتح الخاء المعجمة وسكون الفاء ثم قاف؛ أي: صوت نعال الأحياء من الذين باشروا دفنه وغيرهم عند دوسها على الأرض. قال الزين ابن المنير: إن المؤلف ترجم بهذه الترجمة ليجعله أول آداب الدفن؛ من التزام الوقار واجتناب اللغط وقرع الأرض بشدة الوطء عليها كما يلزم ذلك مع الحي النائم. (١) وترجم بالخفق، ولفظ المتن بالقرع إشارة إلى ما ورد في بعض طرقه بلفظ: "الخفق" وهو ما رواه أحمد وأبو داود من حديث البراء بن عازب ﵁ في أثناء حديث طويل فيه: "وإنه ليسمع خفق نعالهم" (٢). وروى إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "أن الميت ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين" (٣) أخرجه البزار وابن حبان في صحيحه هكذا مختصرًا.

стр. 727

وأخرج ابن حبان أيضًا من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، نحوه في حديث طويل (١). [٢٠٣ أ/ص] (حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ (٢)) بفتح المهملة وتشديد التحتية وبالشين المعجمة، هو ابن الوليد الرقام قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى (٣)) هو ابن عبد الأعلى / السامي بالسين المهملة. قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابن أبي عروبة قال المؤلف: (قَالَ (٤): وَقَالَ لِى خَلِيفَةُ (٥)) بالمعجمة والفاء، هو ابن الخياط بفتح المعجمة وتشديد التحتية. قال: (حَدَّثَنَا ابن يزيد زُرَيْعٍ) بضم الزاي مصغرًا، وفي رواية: "حدثنا ابن زريع" بحذف "يزيد" (٦). قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابن أبي عروبة السابق ذكره (عَنْ قَتَادَةَ) أي: ابن دعامة (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالك ﵁ (عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: الْعَبْدُ) أي: المؤمن المخلص (إِذَا وُضِعَ فِى قَبْرِهِ)

стр. 728

على البناء للمفعول (وَتَوَلَّىَ) على البناء للفاعل أي: أدبر (وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ) من باب تنازع الفعلين في الفاعل. وقال ابن التين: إنه كرر اللفظ والمعنى واحد. وتُعُقِّبَ بأن التولي هو: الإعراض والإدبار، ولا يستلزم الذهاب (١). وقال الحافظ العسقلاني: رأيت مضبوطًا بخط معتمد "وتُولِّى" بضم أوله والواو وكسر اللام على البناء للمفعول أي: تولى أمره أي: الميت (٢). وتعقبه العيني: بأنه لا يعتمد على هذا. انتهى (٣) فليتأمل. وفي رواية: "وتولى عنه أصحابه" (٤) وهو الموجود في جميع الروايات عند مسلم وغيره (حَتَّى إِنَّهُ) أي: الميت. وهمزة "إن" مكسورة لوقوعها بعد حتى الابتدائية؛ كقولهم: "مرض فلان حتى إنهم لا يرجونه" قاله الزركشي والبرماوي وغيرهما (٥)، وزاد الدماميني ووجود لام الابتداء المانع من الفتح في قوله (لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ) أي: نعال الناس الذين حول قبره من الذين باشروا دفنه وغيرهم (٦). وقرع النعال صوتها عند المشي، والقرع في الأصل الضرب (٧)، فكأن أصحاب النعال إذا ضربوا الأرض بها خرج منها صوت (أَتَاهُ مَلَكَانِ) بفتح اللام، وهما المنكر والنكير، كما فسرا في حديث أبي هريرة وغيره، وسميا بذلك؛ لأن خلقهما لا يشبه خلق الآدميين ولا خلق الملائكة ولا خلق البهائم ولا خلق الهوام؛ بل لهما خلق مفرد بديع وليس في خلقهما أنس الناظرين إليهما، أسودان أزرقان، جعلهما الله تعالى تكرمة للمؤمن ليثبته ويبصره، وهتكا لسر المنافق في البرزخ، من قبل أن

стр. 729

يبعث، حتى يحل عليه العذاب الأليم، وأعاذنا الله من ذلك بوجهه الكريم ونبيه الرؤوف الرحيم، وسميا: فتاني القبر؛ لأن في سؤالهما / انتهارًا، وفي خلقهما صعوبة (١). [٢٠٤ أ/س] (فَأَقْعَدَاهُ) أي: أجلساه غير فزع، قال الكرماني: وهما مترادفان، وهذا يبطل قول من فرق بينهما بأن القعود هو عن القيام، والجلوس عن اضطجاع (٢) هذا وأنت خبير بأن استعمال الإقعاد موضع الإجلاس لا يمنع الفرق المذكور. (فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِى هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ) بالجر عطف بيان، أو بدل من سابقه أي: ﷺ ، وإنما عبر بعبارة هذا الرجل التي ليس فيها تعظيم وتوقير امتحانًا للمسؤول؛ لئلا يتلقن تعظيمه عن عبارة القائل ولكن ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. (فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ. فَيُقَالُ:) أي: فيقول له الملكان أو غيرهما: من الملائكة (انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ - قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا) أي: المقعدين اللذين أحدهما من الجنة والآخر من النار، أعاذنا الله من النار وأدخلنا الجنة مع الأبرار. (وَأَمَّا الْكَافِرُ - أَوِ الْمُنَافِقُ) شك من الراوي، والمراد بالمنافق الذي يقر بلسانه ولا يصدق بقلبه، ولكن الظاهر أن الكافر لا يقول المقالة الآتية فيتعين المنافق، كما في رواية الترمذي (فَيَقُولُ: لَا أَدْرِى، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ. فَيُقَالُ:) أي: فيقول له الملكان، أو غيرهما: (لَا دَرَيْتَ) بفتح الراء (وَلَا تَلَيْتَ) بالمثناة التحتية الساكنة بعد اللام المفتوحة، وأصله: تلوت، بالواو. يقال: تلا يتلو القرآن، لكنه قال: تليت بالياء للازدواج مع دريت أي: لا كنت داريا ولا تاليا، قاله ابن بطال (٣).

стр. 730

وقال الزمخشري في الفائق: أي: لا علمت بنفسك بالاستدلال، ولا اتبعت العلماء بالتقليد فيما يقولون (١)، أي: لم تنتفع بدرايتك ولا باتباعك العلماء. [٨٩ ب/ص] وفي مسند أحمد في حديث البراء: ﵁ "لا دريت ولا تلوت" (٢) أي: لم تتل القرآن فلم تنتفع بدرايتك / ولا تلاوتك؛ كما قال: "فلا صدق ولا صلى". وقال الداودي: معناه لا اتبعت الحق (٣)، وقال القزاز: لا اتبعت ما تدري (٤) وقال الخطابي: هكذا يروي المحدثون: تليت، وهو غلط، والصواب: ائْتَلَيت على وزن افتعلت من قولك ما ألوته أي: ما استطعته (٥) ويقال: لا آلو كذا، أي: لا أستطيعه. [٢٠٤ أ/ص] وقال ابن السكيت: / هو افتعلت من قولك: ما ألوت هذا، أي: ما استطعته من الإيالو، أي: قصر (٦)، أو فلان لا يألوك نصحًا، فهو آل، والمرأة: آلية وجمعها: أوالٍ. وهذا (٧) وقال ابن الأنباري: "تليت" غلط والصواب: "أتْليت" بفتح الهمزة وسكون التاء، يدعو عليه بأن لا تتلى إبله أي: لا يكون لها أولاد تتلوها أي: تتبعها (٨). وتعقبه ابن سراج بأنه بعيد في دعاء الملكين للميت وأيُّ مال له؟ وقال القاضي عياض: لعل ابن الأنباري رأى أن هذا أصل هذا الدعاء ثم استعمل في غيره كما استعمل غيره من أدعية العرب (٩) والله أعلم.

стр. 731

(ثَمَّ يُضْرَبُ) على البناء للمفعول أي: الميت المنافق (بِمِطْرَقَةٍ) بكسر الميم أي: مطرقة الحدادين (مِنْ حَدِيدٍ) صفة لمطرقة، و"من" بيانية أو صفة لمحذوف؛ أي: من ضارب حديد أي: قوي شديد الغضب. والظاهر أن الضارب هو غير المنكرين، ويجوز أن يكون أحدهما، وقد روى أبو داود في سننه ما يدل على الوجهين، ويدل على الأول ما رواه من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه، فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين، أو ثلاث مرات، وإنه يسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين حين يقال له: يا هذا، من ربك ومن نبيك وما دينك؟ ". قال هناد: قال: "ويأتيه ملكان فيجلسانه" الحديث. وفيه: "ثم يقبض له أعمى أبكم أصم، معه مرزبة من حديد لو ضرب بها جبل لصار ترابًا. قال: فيضربه ضربة يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين فيصير ترابًا. ثم يعاد فيه الروح" (١). [٢٠٥ أ/س] ويدل على الثاني ما رواه من حديث أنس بن مالك: ﵁ "أن النبي ﷺ دخل نخلًا لبني النجار، فسمع صوتًا ففزع، فقال: من أصحاب هذه القبور؟ قالوا: يا رسول الله ناس ماتوا في الجاهلية" الحديث وفيه: "فيقول له ما كنت تعبد؟ فيقول: لا أدري، فيقول: لا دريت ولا تليت، فيقال: (٢) ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: كنت أقول ما يقول الناس، فيضربه بمطراق من حديد بين أذنيه / فيصيح صيحة يسمعها الخلق غير الثقلين" (٣). فالمستفاد منه أن الضارب هو الملك الذي يسأله، وهو إما المنكر أو النكير، ويمكن التوفيق باحتمال أن يكون الضرب متعددًا مرة من أحد الملكين ومرة من الأعمى الأبكم، والله تعالى أعلم. (ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ) أي: أذني الميت (فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ) أي: من يلي الميت؟ قيل: المراد به الملائكة الذين يلون فتنته ومسألته (٤). وقيل: هو أعم من الملائكة وغيرهم من

стр. 732

الحيوانات؛ بل من الجمادات وكلمة "مَنْ" التي للعقلاء محمولة على التغليب، قيل: وهو أظهر (إِلَاّ الثَّقَلَيْنِ) أي: الجن والإنس سميا بذلك لثقلهما على الأرض شبههما بثقلي الدابة وعنه ﷺ : "تركت فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي" (١) سماها بذلك لأن الدين يعمر بهما كالأرض تعمر بالجن والإنس. والحكمة في منع الثقلين عن سماع صيحة ذلك المعذب بمطرقة الحديد أنه لو سمعا لارتفع الابتلاء وصار الإيمان ضروريًّا، ولأعرضوا عن التدابير والصنائع ونحوهما مما يتوقف عليه بقاؤهما، وإنما منعت الجن هذه الصيحة ولم تمنع سماع كلام الميت إذا حمل، وقال: قدموني؛ لأن كلام الميت حين يحمل إلى قبره في حكم الدنيا واعتبار لمن سمعه وموعظة، فأسمعه الله الجن؛ لأنه جعل فيهم قوة يثبتون بها عند سماعه ولا يصعقون، بخلاف الإنسان الذي كان يصعق لو سمعه، وصيحة الميت في القبر عند فتنته هي عقوبة وجزاء، فدخلت في حكم الآخرة، فمنع الله تعالى الثقلين- اللذين هما في دار الدنيا - سماع عقوبته وجزائه في الآخرة، وأسمعه سائر خلقه. والله أعلم (٢). [٢٠٥ أ/ص] وقد أخرج هذا الحديثَ البخاريُّ ومسلم في صفة النار أيضًا قال: حدثنا عبد بن حميد، ثنا يونس بن محمد، ثنا سفيان بن عبدالرحمن، عن قتادة، ثنا أنس بن مالك ﵁، قال: " قال نبي الله ﷺ : إن العبد، إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم. قال: يأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له: (٣) ماكنت تقول في هذا الرجل؟ فأما المؤمن، فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله قال: فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة. قال نبي الله ﷺ : فيراهما جميعًا. قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح / له في قبره سبعون ذراعًا، ويملأ عليه خضرًا، إلى يوم يبعثون" وأخرجه أبو داود والنسائي (٤) أيضًا.

стр. 733

وعند ابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ يرفعه: "إن الميت يصير إلى القبر، فيجلس الرجل الصالح غير فزع، ولا مشغوب (١)، ثم يقال له: فيما كنت؟ فيقول: كنت في الإسلام، فيقال له: ما هذا الرجل؟ فيقول محمد رسول الله، جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه، فيقال له: هل رأيت الله؟ فيقول: لا ما ينبغي لأحد أن يراه، فيفرج له فرجة قبل النار، فينظر إليها يحطم بعضها بعضًا، فيقال له: انظر إلى ما وقاك الله عنه (٢). ثم يفرج له فرجة قبل الجنة، فينظر إلى زهرتها، وما فيها، فيقال: هذا مقعدك، ويقال له: على اليقين كنت، وعليه مت، وعليه تبعث، إن شاء الله تعالى، ويجلس الرجل السوء في قبره، فزعًا مشغوبًا، فيقال له: فيم كنت؟ فيقول لا أدري. [٩٠ ب/س] فيقال له: ما هذا الرجل / فيقول: سمعت الناس يقولون قولًا، فقلته، فيفرج له فرجة قبل الجنة فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال له: انظر إلى ما صرف الله عنك، ثم يفرج له فرجة إلى النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضًا، فيقال له: هذا مقعدك، على الشك كنت، وعليه مت، وعليه تبعث، إن شاء الله تعالى" (٣). وفي رواية الحاكم: "فإن كان مؤمنًا كانت الصلاة عند رأسه، وكان الصوم عن يمينه، وكانت الزكاة عن يساره، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه، فأيُّ جهة أتى منها يمنع، فيمثل له الشمس قد دنت الغروب فيقال له: ما تقول في هذا الرجل. . . . " الحديث مطولًا، وقال صحيح ولم يخرجاه (٤).

стр. 734

وفي الترمذي عن أبي هريرة ﵁، أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا قبر الميت -أو قال أحدكم- أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر: النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين ذراعًا ثم ينور له فيه، ثم يقال له: نم، فيقول أرجع إلى أهلي فأخبرهم؟ فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك، فإن كان منافقًا قال: سمعت الناس / يقولون، فقلت مثله، لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: التئمي عليه، فتلتئم عليه، فتختلف أضلاعه، فلا يزال مُعَذَّبًا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك" وقال الترمذي: حديث حسن غريب (١). [٢٠٦ أ/س] وفي الأوسط للطبراني ووصف الملكين: "أعينهما مثل قدور النحاس، وأنيابهما مثل صياصي البقر" (٢) وصياصي البقر: قرونها (٣). وفي رواية ابن حبان: " أتدرون فيمن أنزلت هذه الآية: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤] هو: عذاب الكافر في القبر، يسلط عليه تسعة وتسعون تنينًا، أتدرون ما التنين؟ هو تسعة وتسعون حية، لكل حية تسعة أرؤس، ينفخن له ويلسعنه إلى يوم القيامة" (٤).

стр. 735

وفي رواية أحمد: "فلو أن تنينًا منها نفخت في الأرض ما أنبتت خضرًا" (١). وفي رواية أخرى: "يفتح له باب إلى النار، وتسلط عليه عقارب وتنانين، لو نفخ أحدهم على الدنيا ما أنبتت شيئًا، تنهشه، وتؤمر الأرض فتضم عليه، حتى تختلف أضلاعه" (٢). وفي هذه الأحاديث إثبات عذاب القبر وهو مذهب أهل السنة والجماعة. وأنكر ذلك ضرار بن عمرو (٣) وبشر المريسي وأكثر المتأخرين من المعتزلة، واحتجوا في ذلك بقوله تعالى ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] أي: لا يذوقون في الجنة موتًا سوى الموتة الأولى، ولو صاروا أحياء في القبور لذاقوا مرتين لا موتة واحدة، وبقوله تعالى ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ [فاطر: ٢٢] فإن الغرض من سياق الآية تشبيه الكفرة بأهل القبور في عدم الإسماع. هذا من جهة النقل. وأما من جهة العقل فقالوا: إنا نرى شخصًا يصلب ويبقى مصلوبًا إلى أن تذهب أجزاؤه ولا نشاهد فيه إحياء ومساءلة، والتوهم بهما مع المشاهدة سفسطة ظاهرة، وأبلغ منه من أكلته السباع والطيور وتفرقت أجزاؤه في بطونها وحواصلها، وأبلغ منه من أحرق حتى يفتت وذري أجزاؤه المفتتة في الرياح العاصفة شمالًا وجنوبًا وقبولًا ودبورًا، فإنا نعلم عدم إحيائه ومساءلته وعذابه ضرورة (٤).

стр. 736

ولنا - معاشِرَ أهل السنة- آيات؛ منها قوله تعالى ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [غافر: ٤٦] الآية. عطف في هذه الآية عذاب القيامة على العذاب الذي هو عرض النار صباحًا ومساءً، فعلم أنه غيره، ولا شبهة في كونه قبل الإنشار من القبور كما يدل عليه نظم الآية بصريحه، وما هو كذلك ليس غير عذاب القبر اتفاقًا؛ لأن الآية وردت في حق الموتى، فهو هو؛ ولأجل ذلك ذهب أبو العلاف وبشر بن المعتمر إلى أن الكافر يعذب فيما بين النفختين أيضًا وإذا / ثبت التعذيب ثبت الإحياء والمساءلة؛ لأن كل من قال بعذاب القبر قال بهما. [٢٠٦ أ/ص] وأما ما ذهب إليه الصالحي من المعتزلة، وابن جرير الطبري، وطائفة من الكرامية من تجويز ذلك التعذيب على الموتى من غير إحياء، فخروج عن المعقول؛ لأن الجماد لا حس له فكيف يتصور تعذيبه؟ وما ذهب إليه بعض المتكلمين من أن الآلام تجتمع في أجساد الموتى وتتضاعف من غير إحساس بها فإذا حشروا أحسوا بها دفعة واحدة، فهو إنكار للعذاب قبل الحشر، فيبطل بما قررناه من ثبوته قبله، ومنها قوله تعالى، حكاية على سبيل التصديق ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] وما المراد بالإماتتين والإحياءين في هذه الآية إلا الإماتة قبل مزار القبور ثم الإحياء في القبر ثم الإماتة فيه أيضًا بعد مسألة منكر ونكير ثم الإحياء للحشر. هذا هو الشائع المستفيض بين أصحاب التفسير، وتمام البحث في هذه الآية في شرح المواقف (١). ولنا أيضًا أحاديث صحيحة دالة على عذاب القبر أكثر من أن تحصى بحيث تواتر القدر المشترك وإن كان كل واحد منها من قبيل الآحاد، منها ما سبق ذكره. ومنها: حديث زيد بن ثابت ﵄ أخرجه مسلم مطولًا وفيه: "تعوذوا بالله من عذاب القبر" (٢).

стр. 737

ومنها: حديث ابن عباس ﵄ أخرجه الستة عنه قال: " مر النبي ﷺ بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبيرة؛ بل لأن أحدهما كان لا يستنزه من البول، وأما الثاني فكان يمشي بالنميمة" (١). [٩٠ ب/ص] وقد روى عنه ﷺ : "استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه" (٢). ومنها: حديث ابن مسعود ﵁ / أخرجه الطحاوي وغيره عنه عن النبي ﷺ : " أُمِر بعبد من عباد الله أن يُضرب في قبره مائة جلدة، فلم يزل يسأل الله ويدعوه حتى صارت واحدة، فامتلأ قبره عليه نارًا" (٣). ومنها حديث زيد بن أرقم أخرجه مسلم عنه قال: " لا أقول لكم إلا ما سمعت النبي ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل، وعذاب القبر" (٤). [٢٠٧ أ/س] ومنها حديث أبي بكرة ﵁ أخرجه النسائي عنه عن النبي ﷺ : "أنه كان يقول في إثر الصلاة: / اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، وعذاب القبر" (٥).

стр. 738

ومنها: وروى الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث عبد الله بن عمر: " أن رسول الله ﷺ ذكر فتاني القبر، فقال عمر بن الخطاب ﵁: أيرد لنا (١) عقولنا يا رسول الله؟ قال: نعم كهيئتكم اليوم. فقال عمر: في فيه الحجر" (٢). ومنها حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄، وسيأتي في هذا الصحيح. ومنها حديث أم مبشر ﵂ أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه قالت: دخل النبي ﷺ وأنا في حائط من حوائط بني النجار، فيه قبور منهم قد ماتوا في الجاهلية، قالت: فخرج فسمعته، يقول استعيذي بالله من عذاب القبر. قلت: يا رسول الله وللقبر عذاب؟ قال: إنهم ليعذبون في قبورهم عذابا تسمعه البهائم" (٣). ومنها ما رواه عبدالرحمن بن حسنة ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده الدرقة، فوضعها ثم جلس فبال إليها، فقال بعضهم: انظروا إليه، يبول كما تبول المرأة، فسمعه النبي ﷺ

стр. 739

فقال: ويحك أما علمت ما أصاب صاحب بني اسرائيل، كانوا إذا أصابهم البول قرضوه بالمقارض، فنهاهم فعذب في قبره" أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان في صحيحه (١). ومنها حديث أبي أمامة ﵁ قال: مر النبي ﷺ في يوم شديد الحر ببقيع الغرقد قال: وكان الناس يمشون خلفه. قال: فلما سمع صوت النعال وقر ذلك في نفسه فجلس حتى قدمهم أمامه. فلما مر ببقيع الغرقد إذا بقبرين قد دفنوا فيهما رجلين قال: فوقف النبي ﷺ فقال: من دفنتم ههنا اليوم. قالوا: فلان وفلان. قالوا: يا نبي الله وما ذاك؟ قال: أما أحدهما: فكان لا يتنزه من البول، وأما الأخر: فكان يمشي بالنميمة. وأخذ جريدة رطبة فشقها، ثم جعلها على القبرين. قالوا: يا نبي الله، لم فعلت هذا؟ قال: ليخففن عنهما (٢). قالوا: يا نبي الله، حتى متى هما يعذبان؟ قال: غيب لا يعلمه إلا الله. ولولا تمزع قلوبكم وتزيدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع" رواه أحمد واللفظ له وابن ماجة (٣)، ومنها غير ما ذكر. والجواب عن استدلالهم بقوله تعالى ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] أن ذلك وصف لأهل الجنة والضمير في "فيها" للجنة أي: لا يذوقون أهل الجنة في الجنة الموت فلا

стр. 740

ينقطع نعيمهم كما انقطع نعيم أهل الدنيا بالموت، فلا دلالة في الآية على انتفاء موتة أخرى بعد المسألة وقبل دخول الجنة. وأما قوله ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] فهو تأكيد لعدم موتهم في الجنة على سبيل التعليق بالمحال، كأنه قيل: لو أمكن ذوقهم الموتة الأولى لذاقوا في الجنة الموت، لكنه لا يمكن بلا شبهة فلا يتصور موتهم فيها. وقد يقال: ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] للجنس لا للوحدة، وإن كانت الصيغة للواحد نحو ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ [العصر: ٢] وليس فيها نفي تعدد الموت؛ لأن الجنس يتناول المتعدد أيضًا بدليل أن الله تعالى أحيا كثيرًا من الأموات في زمان موسى وعيسى وغيرهما ﵈ وذلك يوجب تأويل الآية بما ذكرنا (١). وأما الجواب عن استدلالهم بقوله تعالى ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)) [فاطر: ٢٢] فهو أن عدم إسماع أهل القبور لا يستلزم عدم إدراكهم، على أن الآية لا تنفي سماع أهل القبور كما لا يخفي على من تأمل في سياق الآية (٢). [٢٠٧ أ/ص] وأما الجواب عن دليلهم العقلي فهو أن المصلوب لا يعد في الإحياء فيه والمساءلة مع عدم المشاهدة كما في صاحب السكتة، فإنه حي مع أنَّا لا نشاهد حياته وكما في رؤية النبي ﷺ جبريل ﵇ وهو بين أظهر أصحابه مع ستره عنهم، ولا بعد في رد الحياة إلى بعض / أجزاء البدن فيختص بالإحياء والمساءلة والعذاب وإن لم يكن ذلك مشاهدًا لنا، على أن التمسك بتفرق الأجزاء مبني على اشتراط البنية وهو ممنوع عندنا، فلا بُعد في أن يعاد (٣) الحياة إلى الأجزاء المتفرقة في المشارق والمغارب، وإن كان خلاف العادة فإن خوارق العادة غير ممتنعة في مقدور الله تعالى،

стр. 741

على أن تعلق الروح بالبدن ليس على سبيل الحلول حتى يمنعه الحلول في جزء من الحلول في آخر. والله أعلم (١). ثم إنه أنكر الجبائي وابنه البلخي تسمية الملكين بالمنكر والنكير، وقالوا: إنما المنكر ما يصدر من الكافر عند تلجلجه إذا سئل، والنكير إنما هو تقريع الملكين (٢). ويرد عليهم ذلك بالحديث الذي فسر فيه الملكان بهما. وفي حديث الباب أيضًا جواز لبس النعل لزائر القبور الماشي بين ظهرانيها، وذهب أهل الظاهر إلى كراهة ذلك، وبه قال يزيد بن زريع وأحمد بن حنبل، وقال ابن حزم: لا يحل لأحد أن يمشي بين القبور بنعلين سبتيتين، وهما اللذان لا شعر عليهما، فإن كان في أحديهما شعر جاز المشي فيهما (٣). [٩١ ب/س] وفي المغني: ويخلع النعال إذا دخل المقابر وهذا مستحب (٤). واحتج هؤلاء بحديث بشير بن الخصاصية "أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يمشي بين القبور في نعلين فقال: " ويحك يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ، أَلْقِ سِبْتِيَّتَيْك" رواه الطحاوي / وأخرجه أبو داود، وابن ماجه، بأتم منه وأخرجه الحاكم (٥)، وصححه ابن حزم (٦).

стр. 742

والخصاصية أمُّه، واختلف في اسم أبيه فقيل: بشير بن يزيد، وقيل: ابن سعيد بن شراحيل (١). وقال الجمهور من العلماء بجواز ذلك، وهو قول الحسن وابن سيرين والنخعي والثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي وجماهير الفقهاء من التابعين ومن بعدهم (٢). وأجيب عن حديث ابن الخصاصية بأنه إنما اعترض عليه بالخلع احترامًا للمقابر، وقيل: لاختياله في مشيه. وقال الطحاوي: إن أمره ﷺ بالخلع لا لكون المشي بين القبور بالنعال مكروهًا، ولكن لما رأى ﷺ قذرًا فيهما يقذر القبور أمر بالخلع (٣). وقال الخطابي: يشبه أن يكون إنما كره ذلك؛ لأنه فعل أهل التنعم والسعة، فأحب أن يكون دخوله المقابر على ذي التواضع والخشوع (٤). [٢٠٨ أ/س] وقال ابن الجوزي: ليس في الحديث سوى الحكاية عمن يدخل، / وذلك لا يقتضي إباحة ولا تحريمًا، ويدل على أنه أمره بالخلع احترامًا للقبور، أنه نهى عن الاستناد إليه والوطء عليه، والجلوس عليه؛ توقيرًا للميت إلا لحاجة كأن لا يصل إليه إلا بوطئه (٥). وفي بعض الأحاديث: أن صاحب القبر كان يسأل، فلما سمع صرير السبتيتين أصغى إليه، فكاد يهلك بعدم الجواب فقال له ﷺ : ألقهما لئلا يؤذي صاحب القبر، ذكره أبو عبد الله الترمذي (٦). وعن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: "لأن أطأ على جمرة أحب إلي من أن أطأ على قبر مسلم" (٧) رواه الطبراني في الكبير بإسناد حسن.

стр. 743

وعن عمارة بن حزم ﵁ قال: رآني رسول الله ﷺ جالسًا على قبر، فقال: " يا صاحب القبر انزل على القبر لا تؤذي صاحب القبر ولا يؤذيك" (١) رواه الطبراني في الكبير أيضًا. وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: " قال رسول الله ﷺ : لأن أمشي على جمرة، أو سيف، أو أخصف نعلي برجلي، أحب إلي من ان أمشي على قبر" (٢). وأما ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ "أنه قال: لأن يجلس أحدكم على الجمرة فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر" (٣) فقيل: إن معناه يتغوط ويبول. والله أعلم. ثم إن بعد الفراغ من السؤال ماذا يكون حال الميت؟ قال العلماء: إن كان سعيدًا كان روحه في الجنة، أو تحت العرش، على اختلاف الرواية، وإن كان شقيًّا ففي سجين على صخرة على شفير جهنم في الأرض السابعة. وعن ابن عباس ﵄: يكون قوم في برزخ ليسوا في جنة ولا نار (٤)، ويدل عليه قصة أصحاب الأعراف، وهم -والله أعلم- أصحاب الكبائر. ثم إن الله تعالى أعلم بما يقال لهم في القبر من قول: نم صالحًا أو يسكت عنه. وقيل: إن أرواح السعداء تطلع على قبورها، وأكثر ما يكون من ذلك ليلة الجمعة ويومها، وليلة السبت إلى طلوع الشمس، وإنهم يعرفون أعمال الأحياء، وإنهم يسألون: من مات من السعداء؟ ما فعل فلان؟ فإن ذكر خيرًا يقولون: اللهم ثبته، وإن كان غيره يقولون: اللهم راجع به

стр. 744

عنه. وإن قيل لهم: مات. وقيل ألم يأتكم؟ قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، سلك به غير طريقنا، هوى به إلى أمه الهاوية. وقيل: إنهم إذا كانوا على قبورهم يسمعون من يسلم عليهم، فلو أذن لهم لردوا السلام (١). [٢٠٨ أ/ص] (فائدة) روى أحمد بإسنادٍ رجاله محتج بهم في الصحيح عن البراء بن عازب ﵁ "قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ ، في جنازة رجل مِن الأنصار، فانتهينا إلى القبر، ولما يلحد بعد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله، كأنما على رؤوسنا الطير، وبيده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه، فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر مرتين، أو ثلاثا. ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ويجئ ملك الموت، ﵇، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج فتسيل / كما تسيل القطرة مِنْ فِي السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض. قال: فيصعدون بها، فلا يمرون، على ملإ من الملائكة، إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كان يسمي بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح لهم فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى به إلى السماء السابعة، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، في جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول هو رسول الله ﷺ ، فيقولان: ما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، وآمنت به وصدقته، فينادى مناد في السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة. قال: فيأتيه من روحها، وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره.

стр. 745

[٩١ ب/ص] قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الرائحة، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجئ بالخير، فيقول: أنا عملك / الصالح، فيقول: رب أقم الساعة رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي، ومالي. وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجئ ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب. فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملإٍ من الملائكة، إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهى به إلى السماء الدنيا، فتستفتح له، فلا تفتح له، [٢٠٩ أ/س] ثم قرأ رسول الله ﷺ / ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] فيقول الله : اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى. ثم تطرح روحه طرحًا. ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾ [الحج: ٣١] فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، قال: فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، قال: فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادى مناد من السماء أن كذب، فأفرشوه له من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها، وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى يختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت توعد،

стр. 746

فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجئ بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تقم الساعة" (١). وفي رواية له بمعناه وزاد: "فيأتيه آت قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح فيقول: أبشر بهوان من الله، وعذاب مقيم، فيقول: بشرك الله بالشر من أنت؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، كنت بطيئًا عن طاعة الله، سريعًا في معصيته، فجزاك الله شرًا، ثم يقبض له أعمى أصم أبكم في يده، مرزبة، لو ضرب بها جبل كان ترابًا، فيضربه ضربة فيصير ترابًا، ثم يعيده الله كما كان، فيضربه ضربة أخرى، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء الا الثقلين. قال البراء ﵁: ثم يفتح له باب من النار ويمهد له من فرش النار" (٢). وقد رواه عيسى بن المسيب عن عدي بن ثابت عن البراء ﵁ عن النبي ﷺ وذكر فيه اسم الملكين فقال في ذكر المؤمن: فيرد إلى مضجعه، فيأتيه منكر، ونكير يثيران الأرض بأنيابهما، ويلحفان الأرض بأشفاههما، فيجلسانه ثم يقال له: يا هذا؟ من ربك؟ " فذكره. وقال في ذكر الكافر: "فيأتيه منكر، ونكير يثيران الأرض بأنيابهما، ويلحفان الأرض بأشفاههما، أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف، فيجلسانه ثم يقال له: يا هذا، من ربك؟ فيقول: لا أدري، فينادي من جانب القبر: لا دريت ويضربانه بمرزبة من حديد، لو

стр. 747

اجتمع عليها من بين الخافقين لم يقلوها، يشتعل / منها قبره نارًا، ويضيق عليه حتى تختلف أضلاعه" (١). [٢٠٩ أ/ص] قوله: "هاه هاه" هي كلمة تقال في الضحك وفي الإبعاد، وقد يقال للتوجع (٢) وهو أليق بمعنى الحديث. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إن المؤمن إذا قبض أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء فيقولون: اخرجي إلى روح الله، فتخرج كأطيب ريح مسك، حتى إنهم ليناوله بعضهم بعضًا، يشمونه حتى يأتون به باب السماء فيقولون: ما هذه الريح الطيبة التي جاءت من الأرض؟ ولا يأتون سماء إلا قالوا مثل ذلك، حتى يأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشد فرحا به من أهل الغائب بغائبهم، فيقولون: دعوه حتى يستريح، فإنه كان في غم الدنيا، فيقولون: ما فعل فلان فيقول: قد مات، أما أماتكم؟ فيقولون: ذهب به إلى أمه الهاوية" (٣) الحديث رواه ابن ماجة. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: إن الميت إذا وضع في قبره إنه يسمع خفق نعالهم حين تولوا مدبرين، فإن كان مؤمنًا، كانت الصلاة عند رأسه، وكان الصيام عن يمينه، وكانت الزكاة عن شماله، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه، فيؤتي

стр. 748

من قبل رأسه، فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل، ثم يؤتي عن يمينه، فيقول الصيام: ما قبلي مدخل ثم يؤتى عن يساره، فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى من قبل رجليه، فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس: ما قبلي مدخل. [٢١٠ أ/س] [٩٢ ب/س] فيقول له: (١) اجلس فيجلس، قد مثلت له الشمس وقد أدنيت للغروب، فيقال له: أرأيتك هذا الذي كان فيكم ما تقول فيه؟ وماذا تشهد عليه؟ فيقول: دعوني حتى أصلي، فيقولون: إنك ستفعل، أخبرنا عما نسألك عنه، أرأيتك هذا الرجل كان قبلكم ماذا تقول فيه؟ وماذا تشهد عليه؟ قال: فيقول: محمد أشهد أنه رسول الله ﷺ ، وأنه جاء بالحق من عند الله، فيقال له: على ذلك حييت وعلى ذلك مت، وعلى ذلك تبعث إن شاء الله تعالى، / ثم يفتح له باب من أبواب الجنة، فيقال له: (٢) هذا مقعدك منها، وما أعد الله لك فيها، فيزداد غبطة وسرورًا، ثم يفتح له باب من أبواب النار فيقال له: هذا مقعدك وما أعد الله لك / فيها لو عصيته، فيزاد غبطة وسرورًا، ثم يفسخ له في قبره سبعون ذراعًا، وينور له، ويعاد الجسد لما بدأ منه، فتجعل نسمته* (٣) في النسم الطيب وهي طير تعلق* (٤) في شجر الجنة، فذلك قوله تعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] وإن الكافر إذا أتى من قبل رأسه، لم يوجد شيء، ثم أتى عن يمينه، فلا يوجد شيء، ثم أتى عن شماله، فلا يوجد شيء، ثم أتى من قبل رجليه، فلا يوجد شيء، فيقال له: اجلس، فيجلس مرعوبًا خائفًا، فيقال: أرأيتك هذا الرجل الذي كان قبلكم ماذا تقول فيه؟ وماذا تشهد عليه؟ فيقول: أيُّ رجل؟ ولا يهتدي لاسمه فيقال له: محمد، فيقول: لا أدري، سمعت الناس قالوا قولًا، فقلت كما قال الناس، فيقال له: على ذلك حييت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله تعالى، ثم يفتح له باب من أبواب النار، فيقال له: هذا مقعدك من النار، وما

стр. 749

أعد الله لك فيها، فيزداد حسرة وثبورًا، ثم يفتح له باب من أبواب الجنة، فيقال له: هذا مقعدك منها، وما أعد الله لك فيها لو أطعته فيزداد حسرة وثبورًا، ثم يضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، فتلك المعيشة الضنكة التي قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٤] رواه الطبراني في الأوسط، وابن حبان في صحيحه واللفظ له (١). وزاد الطبراني: " قال أبو عمر، يعني الضرير: قلت لحماد بن سلمة: كان هذا من أهل القبلة؟ قال: نعم، قال أبو عمر: كأنه شهد بهذه الشهادة على غير يقين يرجع إلى قلبه، كان يسمع الناس يقولون شيئًا فيقوله (٢). وفي رواية الطبراني: "يؤتى الرجل في قبره، فإذا أتى من قبل رأسه دفعته تلاوة القران، وإذا أتى من قبل يديه دفعته الصدقة، وإذا أتى من قبل رجليه دفعه مشيه إلى المساجد" (٣) الحديث. وقد روى عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: " ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر" (٤) رواه الترمذي وغيره. وقال الترمذي: حديث غريب وليس إسناده بمتصل.

стр. 750

بَابُ مَنْ أَحَبَّ الدَّفْنَ فِي الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ أَوْ نَحْوِهَا قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣٣٩ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابن طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ: «أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى ﵉ فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِى إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ. فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ: ارْجِعْ فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ بِهِ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ. قَالَ: أَىْ رَبِّ، ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ الْمَوْتُ. قَالَ: فَالآنَ. فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ». قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ». قَالَ الشَّارِحُ ﵀: [٢١٠ أ/ص] (بَابُ مَنْ أَحَبَّ الدَّفْنَ فِي الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ) أي: في بيت المقدس إما طلبًا للقرب من الأنبياء المدفونين هناك ﵈ / تيّمنًا بجوارهم، وتعرّضًا للرحمة النازلة عليهم، اقتداء بموسى ﵇، وهو الذي رجحه القاضي عياض (١)، أو ليقرب عليه المشي إلى المحشر، وتسقط عنه المشقّة الحاصلة لمن بعد عنه. وهو الذي قاله المهلب (٢). (أَوْ نَحْوِهَا) بالجر عطفًا على الأرض المقدسة والمراد به بقية ما يشد إليه الرحال من الحرمين الشريفين، رزقنا الله تعالى بأحدهما مع الرضى عنا (٣) إنه الجواد الكريم، وفي معناه مدافن الأنبياء وقبور الشهداء والأولياء.

стр. 751

(حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ (١)) هو ابن غبلان، الغين المعجمة، وقد مر في باب النوم قبل العشاء قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) هو ابن همام قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشد (عَنِ ابن طَاوُسٍ (٢)) عبدالله (عَنْ أَبِيهِ (٣)) طاوس بن كيسان. (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ) لم يرفع الحديث ههنا (٤) إلى النبي ﷺ فلذلك عابه الإسماعيلي، ولكن رفعه في أحاديث الأنبياء ﵈ (٥) على ما سيجيء. (أُرْسِلَ) على البناء للمفعول (مَلَكُ الْمَوْتِ) بالرفع على أنه نائب عن الفاعل؛ أي: أرسل الله ملك الموت (إِلَى مُوسَى ﵉) في صورة آدمي اختبارًا وابتلاء كابتلاء الخليل بالأمر (٦) بذبح ولده، ولم يبعث الله إليه ملك الموت وهو يريد قبض روحه حينئذ، ولو أراد ذلك لكان ما أراد حين لطم، (فَلَمَّا جَاءَهُ) ظنه آدمي حقيقة تسور عليه منزله بغير إذنه ليوقع به مكروهًا. (صَكَّهُ) بالصاد المهملة أي: لطمه على عينه التي ركبت في الصور البشرية التي جاءه فيها دون الصورة الملكية ففقأها، كما صرح به مسلم في روايته (٧)، ويدل عليه قوله الآتي هنا: "فرد الله عينه" ولم يعلم أنه ملك الموت، وقد أباح الرسول فقء عين الناظر في دار المسلم بغير إذنه (٨). ومحال أن يعلم موسى ﵇ أنه ملك الموت ويفقأ عينه.
следующие страницы →