اجتمع عليها من بين الخافقين لم يقلوها، يشتعل / منها قبره نارًا، ويضيق عليه حتى تختلف أضلاعه" (١).
[٢٠٩ أ/ص]
قوله: "هاه هاه" هي كلمة تقال في الضحك وفي الإبعاد، وقد يقال للتوجع (٢) وهو أليق بمعنى الحديث.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إن المؤمن إذا قبض أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء فيقولون: اخرجي إلى روح الله، فتخرج كأطيب ريح مسك، حتى إنهم ليناوله بعضهم بعضًا، يشمونه حتى يأتون به باب السماء فيقولون: ما هذه الريح الطيبة التي جاءت من الأرض؟ ولا يأتون سماء إلا قالوا مثل ذلك، حتى يأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشد فرحا به من أهل الغائب بغائبهم، فيقولون: دعوه حتى يستريح، فإنه كان في غم الدنيا، فيقولون: ما فعل فلان فيقول: قد مات، أما أماتكم؟ فيقولون: ذهب به إلى أمه الهاوية" (٣) الحديث رواه ابن ماجة.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: إن الميت إذا وضع في قبره إنه يسمع خفق نعالهم حين تولوا مدبرين، فإن كان مؤمنًا، كانت الصلاة عند رأسه، وكان الصيام عن يمينه، وكانت الزكاة عن شماله، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه، فيؤتي
стр. 748
من قبل رأسه، فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل، ثم يؤتي عن يمينه، فيقول الصيام: ما قبلي مدخل ثم يؤتى عن يساره، فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى من قبل رجليه، فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس: ما قبلي مدخل.
[٢١٠ أ/س]
[٩٢ ب/س]
فيقول له: (١) اجلس فيجلس، قد مثلت له الشمس وقد أدنيت للغروب، فيقال له: أرأيتك هذا الذي كان فيكم ما تقول فيه؟ وماذا تشهد عليه؟ فيقول: دعوني حتى أصلي، فيقولون: إنك ستفعل، أخبرنا عما نسألك عنه، أرأيتك هذا الرجل كان قبلكم ماذا تقول فيه؟ وماذا تشهد عليه؟ قال: فيقول: محمد أشهد أنه رسول الله ﷺ ، وأنه جاء بالحق من عند الله، فيقال له: على ذلك حييت وعلى ذلك مت، وعلى ذلك تبعث إن شاء الله تعالى، / ثم يفتح له باب من أبواب الجنة، فيقال له: (٢) هذا مقعدك منها، وما أعد الله لك فيها، فيزداد غبطة وسرورًا، ثم يفتح له باب من أبواب النار فيقال له: هذا مقعدك وما أعد الله لك / فيها لو عصيته، فيزاد غبطة وسرورًا، ثم يفسخ له في قبره سبعون ذراعًا، وينور له، ويعاد الجسد لما بدأ منه، فتجعل نسمته* (٣) في النسم الطيب وهي طير تعلق* (٤) في شجر الجنة، فذلك قوله تعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] وإن الكافر إذا أتى من قبل رأسه، لم يوجد شيء، ثم أتى عن يمينه، فلا يوجد شيء، ثم أتى عن شماله، فلا يوجد شيء، ثم أتى من قبل رجليه، فلا يوجد شيء، فيقال له: اجلس، فيجلس مرعوبًا خائفًا، فيقال: أرأيتك هذا الرجل الذي كان قبلكم ماذا تقول فيه؟ وماذا تشهد عليه؟ فيقول: أيُّ رجل؟ ولا يهتدي لاسمه فيقال له: محمد، فيقول: لا أدري، سمعت الناس قالوا قولًا، فقلت كما قال الناس، فيقال له: على ذلك حييت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله تعالى، ثم يفتح له باب من أبواب النار، فيقال له: هذا مقعدك من النار،
وما
стр. 749
أعد الله لك فيها، فيزداد حسرة وثبورًا، ثم يفتح له باب من أبواب الجنة، فيقال له: هذا مقعدك منها، وما أعد الله لك فيها لو أطعته فيزداد حسرة وثبورًا، ثم يضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، فتلك المعيشة الضنكة التي قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٤] رواه الطبراني في الأوسط، وابن حبان في صحيحه واللفظ له (١).
وزاد الطبراني: " قال أبو عمر، يعني الضرير: قلت لحماد بن سلمة: كان هذا من أهل القبلة؟ قال: نعم، قال أبو عمر: كأنه شهد بهذه الشهادة على غير يقين يرجع إلى قلبه، كان يسمع الناس يقولون شيئًا فيقوله (٢).
وفي رواية الطبراني: "يؤتى الرجل في قبره، فإذا أتى من قبل رأسه دفعته تلاوة القران، وإذا أتى من قبل يديه دفعته الصدقة، وإذا أتى من قبل رجليه دفعه مشيه إلى المساجد" (٣) الحديث.
وقد روى عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: " ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر" (٤) رواه الترمذي وغيره. وقال الترمذي: حديث غريب وليس إسناده بمتصل.
стр. 750
بَابُ مَنْ أَحَبَّ الدَّفْنَ فِي الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ أَوْ نَحْوِهَا
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀:
١٣٣٩ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابن طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ: «أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى ﵉ فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِى إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ. فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ: ارْجِعْ فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ بِهِ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ. قَالَ: أَىْ رَبِّ، ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ الْمَوْتُ. قَالَ: فَالآنَ. فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ». قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ».
قَالَ الشَّارِحُ ﵀:
[٢١٠ أ/ص]
(بَابُ مَنْ أَحَبَّ الدَّفْنَ فِي الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ) أي: في بيت المقدس إما طلبًا للقرب من الأنبياء المدفونين هناك ﵈ / تيّمنًا بجوارهم، وتعرّضًا للرحمة النازلة عليهم، اقتداء بموسى ﵇، وهو الذي رجحه القاضي عياض (١)، أو ليقرب عليه المشي إلى المحشر، وتسقط عنه المشقّة الحاصلة لمن بعد عنه. وهو الذي قاله المهلب (٢).
(أَوْ نَحْوِهَا) بالجر عطفًا على الأرض المقدسة والمراد به بقية ما يشد إليه الرحال من الحرمين الشريفين، رزقنا الله تعالى بأحدهما مع الرضى عنا (٣) إنه الجواد الكريم، وفي معناه مدافن الأنبياء وقبور الشهداء والأولياء.
стр. 751
(حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ (١)) هو ابن غبلان، الغين المعجمة، وقد مر في باب النوم قبل العشاء قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) هو ابن همام قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشد (عَنِ ابن طَاوُسٍ (٢)) عبدالله (عَنْ أَبِيهِ (٣)) طاوس بن كيسان.
(عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ) لم يرفع الحديث ههنا (٤) إلى النبي ﷺ فلذلك عابه الإسماعيلي، ولكن رفعه في أحاديث الأنبياء ﵈ (٥) على ما سيجيء.
(أُرْسِلَ) على البناء للمفعول (مَلَكُ الْمَوْتِ) بالرفع على أنه نائب عن الفاعل؛ أي: أرسل الله ملك الموت (إِلَى مُوسَى ﵉) في صورة آدمي اختبارًا وابتلاء كابتلاء الخليل بالأمر (٦) بذبح ولده، ولم يبعث الله إليه ملك الموت وهو يريد قبض روحه حينئذ، ولو أراد ذلك لكان ما أراد حين لطم، (فَلَمَّا جَاءَهُ) ظنه آدمي حقيقة تسور عليه منزله بغير إذنه ليوقع به مكروهًا.
(صَكَّهُ) بالصاد المهملة أي: لطمه على عينه التي ركبت في الصور البشرية التي جاءه فيها دون الصورة الملكية ففقأها، كما صرح به مسلم في روايته (٧)، ويدل عليه قوله الآتي هنا: "فرد الله عينه" ولم يعلم أنه ملك الموت، وقد أباح الرسول فقء عين الناظر في دار المسلم بغير إذنه (٨). ومحال أن يعلم موسى ﵇ أنه ملك الموت ويفقأ عينه.
стр. 752
وقد جاءت الملائكة إلى إبراهيم ﵇ فلم يعرفهم ابتداء، ولو علمهم لكان من المحال أن يقدم إليهم عجلًا؛ لأنهم لا يطعمون.
وقد جاء الملك إلى- مريم ﵍ فلم تعرفه، ولو عرفته لما استعاذت منه.
وقد دخل الملكان على داود ﵇ في شبه آدميين يختصمان عنده فلم يعرفهما وقد جاء جبريل ﵇ إلى سيدنا رسول الله ﷺ وسأله عن الإيمان فلم يعرفه، وقال: "ما أتاني في صورة قط إلا عرفته فيها غير هذه المرة" (١).
[٢١١ أ/س]
فلا يستنكر أن لا يعرف موسى ﵇ الملك حين دخل عليه، فلا يرد إنكار بعض أهل البدع والجهمية هذا الحديث، وبطل قولهم: لا يخلو أن يكون موسى ﵇ عرف ملك الموت، أو لم يعرفه، فإن / عرفه فقد استخف به، وإن كان لم يعرفه فرواية من روى أنه كان يأتي موسى عيانًا لا معنى لها.
وأما قول الجهمية: إن الله تعالى لم يقتص لملك الموت من اللطمة وفقء العين، والله تعالى لا يظلم أحدًا.
فهذا دليل على جهلهم، من أخبرهم أن بين الملائكة والآدميين قصاصًا؟ أو من أخبرهم أن الملك طلب القصاص فلم يقتص له، ثم الظاهر أن ذلك من موسى ﵇ كان عمدًا (٢) فقد أخبرنا نبينا ﷺ : "أن الله تعالى لم يقبض نبيًا قط حتى يريه مقعده في الجنة ويخبره" (٣) فلم ير أن يقبض روحه قبل أن يريه مقعده من الجنة ويخيره فلما جاءه الملك وأراد قبض روحه؛ كما يدل عليه رواية مسلم: "جاء ملك الموت إلى موسى ﵇. فقال له: أجب ربك. لطم موسى عين ملك الموت ففقأها" (٤).
[٩٢ ب/ص]
يعني لكون ذلك قبل أن يريه مقعده / ويخيره ، فقول من قال: إنه كان خطأ فهو خطأ، والحاصل أنه أكرم الله تعالى موسى ﵇ في حياته بأمور أفرده بها فلما دنت وفاة لطف به أيضًا بأن لم يأمر الملك بأخذ روحه قهرًا لكن أرسله على سبيل الامتحان في صورة البشر فاستنكر
стр. 753
موسى ﵇ شأنه ودفعه عن نفسه فأتى ذلك على عينه التي ركبت في الصورة البشرية التي جاءه فيها دون الصورة الملكية، وقد كان في طبع موسى ﵇ حدة روي أنه كان إذا غضب اشتعلت قلنسوته نارًا، وجاز عليه أن يأذن له الله تعالى في هذه اللطمة ويكون ذلك امتحانًا للملطوم، والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد (١).
وقال ابن قتيبة في مختلف الحديث: أذهب موسى ﵇ العين التي هي تخييل وتمثيل، وليست على حقيقتها، وعاد ملك الموت إلى حقيقة خلقته، كما كان لم ينتقض منه شيء (٢) والله أعلم.
(فَرَجَعَ) أي: ملك الموت (إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ:) رب (أَرْسَلْتَنِى إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ. فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ عَيْنَهُ) ليعلم موسى ﵇ إذا رأى صحة عينه أنه من عند الله. وفي رواية "فيرد الله" بلفظ المضارع "إليه عينه" بكلمة إلى بدل على (٣).
[٢١١ أ/ص]
(وَقَالَ) له: (ارْجِعْ) إلى موسى ﵇ (فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ) بالمثناة الفوقية في الكلمة الأولى وبالمثلثة في الثانية أي: على ظهر ثور (فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ بِهِ يَدُهُ بِكُلِّ / شَعْرَةٍ سَنَةٌ قَالَ) موسى ﵇: (أي: رَبِّ، ثُمَّ مَاذَا) أي: ماذا يكون بعد هذه السنين وفي رواية: ثم مه. وهي: ما الاستفهامية. ولما وقف عليها زيد هاء السكت (٤).
(قَالَ) أي: الله تعالى (ثُمَّ) يكون بعدها (الْمَوْتُ قَالَ) موسى ﵇: (فَالآنَ) يكون الموت، والآن اسم لزمان الحال الفاصل بين الماضي والمستقبل، فلما خيره الله تعالى اختار الموت شوقًا إلى لقاء ربه تعالى كما خير نبينا ﷺ فقال: الرفيق الأعلى.
(فَسَأَلَ اللَّهَ موسى) ربه ﵎ (أَنْ يُدْنِيَهُ) من الإدناء أي: يقربه (مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ) أي: المطهرة، وكلمة "أن" مصدرية في موضع نصب أي: سأل الله الدنو من بيت المقدس ليدفن فيه.
стр. 754
(رَمْيَةً بِحَجَرٍ) أي: دنوًا لو رمى رام حجرًا من ذلك الموضع الذي هو موضع قبره ﵇ لوصل إلى بيت المقدس؛ وإنما سأل ذلك لفضل من دفن في الأرض المقدسة من الأنبياء والصالحين فاستحب مجاورتهم في الممات كما في الحياة؛ ولأن الناس يقصدون المواضع الفاضلة ويزورون قبورها ويدعون لأهلها، إنما لم يسأل نفس البيت المقدس وسأل الدنو منها لخوف أن يكون قبره مشهورًا فيفتنن به الناس، كما أخبر الشارع ﷺ : إن اليهود والنصارى "اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (١).
وقال ابن عباس ﵄: لو علمت اليهود قبر موسى وهارون لاتخذوهما إلهين من دون الله تعالى (٢).
[٢١٢ أ/س]
وكان موسى ﵇ إذ ذاك في التيه ومعه بنو إسرائيل، وقد أمرهم الله بدخول إلى بيت المقدس، وقتل الجبابرة فامتنع قومه وقالوا ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾ [المائدة: ٢٤] فحرم الله عليهم دخولها أبدًا غير الرجلين اللذين قالا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٢٣]. وهما: كالب ويوشع، وتيههم الله في القفار أربعين سنة في ستة فراسخ، وهم ستمائة ألف مقاتل، فكانوا يسيرون كل يوم جادِّين، حتى إذا سموا وأمسوا إذا هم بحيث ارتحلوا عنه، وكان الغمام يظلهم من حر الشمس ويطلع لهم عمود من نور / يضيء لهم، وينزل عليهم المن والسلوى، ولا تطول شعورهم، وإذا ولد لهم مولود كان عليه ثوب كالظفر يطول بطوله. وكان ذلك حالهم إلى أن أفناهم الموت، ولم يدخل الأرض المقدسة إلا أولادهم مع يوشع ﵇ ولم يدخلها أحد ممن امتنع أن يدخلها أولًا، ومات هارون ﵇ في التيه، ومات موسى ﵇ بعده بسنة قبل فتح الأرض المقدسة، ودخل يوشع بعد موته بثلاثة أشهر على الصحيح، ولم يبق من النقباء إلا كالب ويوشع (٣).
ولما لم يتهيأ لموسى ﵇ دخولها لغلبة الجبارين عليها، ولا يمكن نبشه بعد ذلك لينقل إليها طلب القرب منها؛ لأن ما قارب الشيء أعطي حكمه.
стр. 755
وقيل: إنما طلب الدنو؛ لأن النبي ﵇ يدفن حيث يموت ولا ينقل. قيل: فيه نظر؛ لأن موسى ﵇ قد نقل يوسف ﵇، من مصر إلى بلد إبراهيم الخليل ﵇. وفيه نظر؛ لأن موسى ﵇ ما نقله إلا بالوحي، فكان ذلك مخصوصًا به (١). وكان عمر موسى ﵇ مائة وعشرين سنة وقال وهب: خرج موسى ﵇ لبعض حاجته، فمر برهط من الملائكة يحفرون قبرًا لم ير شيئًا قط أحسن منه، فقال لهم: لمن تحفرون هذا القبر؟ قالوا: أتحب أن يكون لك؟ قال: وددت. قالوا: فانزل واضطجع فيه، وتوجه إلى ربك، قال: ففعل، ثم تنفس أسهل تنفس، فقبض الله روحه ﵊ (٢).
(قَالَ) أبو هريرة ﵁ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ) بفتح المثلثة أي: هناك (لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطور).
ذكر ياقوت في كتاب المشترك: أن الطور سبعة مواضع، منها: جبل ببيت المقدس يقال له طور زيتا. وفي الأثر "مات بطور زيتا سبعون ألف نبي قتلهم الجوع" (٣) وهو شرقي وادي سلوان، ومنها: طور هارون علم لجبل عال مشرق في قبلى بيت المقدس، وفيه - فيما قيل- قبر هارون، أخي موسى ﵉ (٤).
[٩٣ ب/س]
والظاهر أن الطور المذكور هو أحد الطورين المذكورين ولكن الأقرب أنه طور زيتا والله أعلم.
/ (عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ) وهو الرمل المجتمع، وهذا ليس صريحًا في الإعلام بقبره الشريف.
[٢١٢ أ/ص]
ومن ثمة حصل الاختلاف فيه، وفي المرآة: اختلفوا في موضع قبر موسى ﵇، / على أقوال: أحدها: أنه بأرض التيه، هو وهارون ﵉ ولم يدخلا الأرض المقدسة إلا رمية بحجر،
стр. 756
رواه الضحاك عن ابن عباس ﵄ وقال: لا يعرف قبره، ورسول الله ﷺ أبهم ذلك بقوله: "إلى جانب الطور عند الكثيب الأحمر"، ولو أراد بيانه لبينه صريحًا.
وقال ابن إسحاق: لم يطلع على قبر موسى ﵇ إلا الرخمة، وهي التي أطلعت على قبر هارون لما دفن في التيه، فنزع الله عقلها- أي: إلهامها- لئلا تدل عليه.
الثاني: أنه بباب "لد" بالبيت المقدس. وقال الطبري: هو الصحيح (١) وتعقبه العيني: بأنه كيف يكون هو الصحيح وقد قال ابن عباس ﵄ ووهب وعامة العلماء: إنه بأرض التيه (٢).
الثالث: أن قبره ما بين عالية وعويلة، ذكره الحافظ أبو القاسم في تاريخ دمشق: وهما محلتان عند مسجد القدم، ويقال: إن قبره رئي في المنام هناك. قال: والأصح أنه بتيه بني إسرائيل (٣).
الرابع: أن قبره بواد بين بصرى والبلقاء.
الخامس: أن قبره بدمشق. ذكره الحافظ أبو القاسم عن كعب الأحبار.
وذكر ابن حبان في صحيحه: "أن قبر موسى ﵇ بمدين بين المدينة وبين بيت المقدس" (٤).
واعترض عليه الضياء محمد بن عبد الواحد في كتاب علل الأحاديث بأن مدين ليست قريبة من القدس ولا من الأرض المقدسة، وقد اشتهر أن قبرًا بأريحا -وهي من الأرض المقدسة- مزار، ويقال: إنه قبر موسى ﵇ وعنده كثيب أحمر، كما في الحديث: " وطريق" (٥). كما جاء في بعض طرق الحديث: "إلى جانب الطريق" (٦) بدل "إلى جانب الطور" والدعاء عنده مستجاب.
وفي الحديث استحباب الدفن في المواضع الفاضلة والقرب من مدافن الصالحين (٧).
وفيه: أن للملك قدرة على التصور بصورة غير صورته.
стр. 757
وفيه: في قوله: "يضع يده على متن ثور" دلالة على أن الدنيا قد ذهب أكثرها. وفيه: دلالة على الزيادة في العمر، مثل الحديث الآخر: "من سره أن يبسط رزقه وينسأ في أثره فليصل رحمه" (١) وهو يؤيد قول من قال في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ [فاطر: ١١] الآية أنه زيادة ونقص في الحقيقة (٢).
(تتمة) واختلف في جواز نقل الميت من بلد إلى بلد؛ فقيل: يكره لما فيه من تأخير دفنه وتعريضه لهتك حرمته (٣). وقيل: يستحب. والأولى تنزيل ذلك على حالتين: فالمنع حيث لم يكن هناك غرض راجح، كالدفن في البقاع الفاضلة. والاستحباب حيث يكون ذلك كما نص الشافعي على استحباب نقل الميت إلى الأرض الفاضلة كمكة وغيرها (٤) والله أعلم.
وقد أخرج هذا الحديثَ مسلمٌ في أحاديث الأنبياء كالبخاري مرفوعًا، وأخرجه النسائي في الجنائز (٥).
стр. 758
باب الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ. وَدُفِنَ أَبُو بَكْرٍ - رضى الله عنه - لَيْلًا .
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀:
١٣٤٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الشَّيْبَانِىِّ عَنِ الشَّعْبِىِّ عَنِ ابن عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ: صَلَّى النَّبِىُّ ﷺ عَلَى رَجُلٍ بَعْدَمَا دُفِنَ بِلَيْلَةٍ قَامَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَكَانَ سَأَلَ عَنْهُ فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟». فَقَالُوا: فُلَانٌ، دُفِنَ الْبَارِحَةَ. فَصَلَّوْا عَلَيْهِ.
قَالَ الشَّارِحُ ﵀:
[٢١٣ أ/س]
(باب) جواز (الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ) وإنما أطلق الترجمة لمكان الاختلاف فيه، كما سيجيء -إن شاء الله تعالى- (وَدُفِنَ) / على البناء للمفعول (أَبُو بَكْرٍ) الصديق (﵁ لَيْلًا) وهذا تعليق وصله المؤلف في أواخر الجنائز، في باب موت يوم الإثنين من حديث عائشة ﵂ وفيه: "دفن أبو بكر ﵁ قبل أن يصبح" (١).
وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن إسماعيل بن علية، عن الوليد، عن القاسم بن محمد، قال: "دفن أبو بكر ﵁ ليلًا" (٢).
قال: وحدثنا أبو معاوية، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن محمد، عن ابن السباق، أن عمر ﵁ "دفن أبا بكر ﵁ ليلًا، ثم دخل المسجد فأوتر" (٣).
(حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ (٤)) قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (٥)) بفتح الجيم هو ابن عبد الحميد وقد تقدما في كتاب العلم (عَنِ الشَّيْبَانِىِّ) سليمان (عَنِ الشَّعْبِىِّ) عامر بن شراحيل (عَنِ ابن
عَبَّاسٍ
стр. 759
- ﵄) أنه (قَالَ: صَلَّى النَّبِىُّ ﷺ عَلَى رَجُلٍ بَعْدَ مَا دُفِنَ) على البناء للمفعول (بِلَيْلَةٍ قَامَ) وفي نسخة: "فقام" (١).
(هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَكَانَ سَأَلَ عَنْهُ فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟». فَقَالُوا) وفي رواية: "قالوا" (٢) (فُلَانٌ، دُفِنَ الْبَارِحَةَ) قال: "أفلا آذنتموني. قالوا: دفناه في ظلمة الليل فكرهنا أن نوقظك" (٣) (فَصَلَّوْا عَلَيْهِ) بصيغة الجمع من الماضي أي: صلى النبي ﷺ وأصحابه عليه فهو كالتفصيل لقوله: أولًا "صلى" فلا يكون تكرارًا (٤).
وفي الحديث دلالة على جواز الدفن ليلًا بلا كراهة؛ لأن النبي ﷺ اطلع عليه ولم ينكره؛ بل أنكر عليهم عدم إعلامهم بأمره، وقد روى أبو داود من حديث عمرو بن دينار، قال: أخبرني جابر بن عبدالله، أو سمعت جابر بن عبدالله، ﵁ قال: رأى ناس نارًا في المقبرة، فأتوها فإذا رسول الله ﷺ في القبر، وإذا هو يقول: ناولوني صاحبكم. فإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر (٥) ".
وقد روى عن عائشة ﵂ أنها قالت: "دفن عليُّ بن أبي طالب ﵁ فاطمةَ ﵂ ليلًا" (٦)
وقد فعل ذلك برسول الله ﷺ فدفن بالليل. وهذا هو مذهب النخعي والزهري والثوري وعطاء وابن أبي حازم ومطرف بن عبدالله وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في الأصح وإسحاق، ﵏ (٧).
стр. 760
[٢١٣ أ/ص]
وقال الحسن البصري وسعيد بن المسيب وقتادة (١) وأحمد في رواية بكراهية دفن الميت بالليل (٢). واحتجوا في ذلك بحديث جابر / ﵁ أخرجه أحمد والطحاوي قال: إن رجلًا من بني عذرة دفن ليلًا ولم يصل عليه النبي ﷺ فنهى عن الدفن بالليل" (٣).
وروى الطحاوي من حديث نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: "لا تدفنوا موتاكم بالليل" (٤).
[٩٣ ب/ص]
وقال ابن حزم: لا يجوز أن يدفن أحد ليلًا إلا عن ضرورة، وكل من دفن ليلًا منه ﷺ ومن أزواجه وأصحابه ﵃ / فإنما ذلك لضرورة أوجبت ذلك؛ من خوف زحام، أو خوف الضرر على من حضر، أو خوف تغير، أو غير ذلك مما يبيح الدفن ليلا (٥).
قال الطحاوي: النهي في حديث جابر المذكور ليس لأجل كراهة الدفن بالليل، ولكن لإرادة رسول الله ﷺ أن يصلي على جميع المسلمين لما يكون لهم في ذلك من الفضل والخير ببركة
стр. 761
صلاته ﷺ عليهم؛ لأنه قال في حديث زيد بن ثابت: "فإن صلاتي عليهم رحمة" (١)؛ ولأن صلاته ﷺ عليهم نور في قبورهم. وذكر فيه وجهًا آخر، وهو ما ذكره عن الحسن أن قومًا كانوا يسيئون أكفان موتاهم فيدفنونهم ليلًا، فنهى النبي ﷺ لذلك (٢).
стр. 762
بَابُ بِنَاءِ المَسْجِدِ عَلَى القَبْرِ .
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀:
١٣٤١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ: لَمَّا اشْتَكَى النَّبِىُّ ﷺ ذَكَرَتْ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، يُقَالُ لَهَا: مَارِيَةُ، وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ - رضى الله عنهما - أَتَتَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ، فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ «أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ مِنْهُمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّورَةَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ»
قَالَ الشَّارِحُ ﵀:
(بَابُ بِنَاءِ المَسْاجِدِ) وفي نسخة: المسجد. بالإفراد (١) (عَلَى القَبْرِ) أي: منع بنائها عليه؛ لأن حديث الباب يدل عليه.
[٢١٤ أ/س]
(حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابن أبي أويس الأصبحي (قَالَ حَدَّثَنِى) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير بن العوام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا اشْتَكَى النَّبِىُّ ﷺ ) أي: مرض مرضه الذي توفي فيه (ذَكَرَتْ) وفي رواية ذكر بالتذكير (٢) (بَعْضُ نِسَائِهِ) هما أم سلمة وأم حبيبة ﵂ كما سيأتي (كَنِيسَةً) بفتح الكاف معبد النصارى (رَأَيْنَهَا) بنون الجمع على أن أقل الجمع اثنان أو معهما غيرهما (بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ) /من النسوة (يُقَالُ لَهَا) أي للكنيسة (مَارِيَةُ) بكسر الراء وتخفيف المثناة التحتية, علم لكنيسة المزبورة (٣).
(وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ) -بفتح اللام- أم المؤمنين هند بنت أبي أمية المخزومية (وَأُمُّ حَبِيبَةَ) -بفتح الحاء المهملة- أم المؤمنين أيضًا رملة بنت أبي سفيان ﵄ أَتَتَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ، فَذَكَرَتَا) بلفظ
стр. 763
التثنية للمؤنث (مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ) الشريف (فَقَالَ أُولَئِكَ) بكسر الكاف ويجوز فتحها (إِذَا مَاتَ مِنْهُمُ) وفي نسخة فيهم (١) (الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ) أي: في المسجد (تِلْكَ الصُّورَةَ) التي مات صاحبها وفي رواية: تلك الصور. بلفظ الجمع.
قال القرطبي: وإنما صور أوائلهم تلك الصور ليتأنسوا بها وليتذكروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدون كاجتهادهم، ويعبدون عند قبورهم، ثم خلفهم قوم جهلوا مرادهم, ووسوس لهم الشيطان أن أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور، يعظمونها. فحذرهم النبي عن مثل ذلك سدًا للذريعة المؤدية إلى ذلك (٢). بقوله: (أُولَئِكَ) بكسر الكاف وفتحها, وفي رواية: وأولئك. بالواو (شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ).
وموضع الترجمة قوله: بنوا على قبره مسجدًا, قال البيضاوي: لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لصور الأنبياء تعظيمًا لشأنهم، ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها، واتخذوها أوثانًا, لعنهم النبي ﷺ ومنع المسلمين عن مثل ذلك، فأما من اتخذ مسجدًا في جوار صالح, وقصد التبرك بالقرب منه لا للتعظيم له ولا للتوجه إليه, فلا يدخل في الوعيد المذكور (٣).
وقد مر ما يتعلق ببناء المساجد عند القبور قبل ذلك بثمانية أبواب في باب: ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور (٤).
стр. 764
بَابُ مَنْ يَدْخُلُ قَبْرَ المَرْأَةِ .
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀:
١٣٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ, حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ, حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِىٍّ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - قَالَ: شَهِدْنَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ، فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ فَقَالَ: «هَلْ فِيكُمْ مِنْ أَحَدٍ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ». فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَنَا. قَالَ: «فَانْزِلْ فِى قَبْرِهَا». فَنَزَلَ فِى قَبْرِهَا فَقَبَرَهَا. قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: قَالَ فُلَيْحٌ: أُرَاهُ يَعْنِى الذَّنْبَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: (لِيَقْتَرِفُوا) أَىْ لِيَكْتَسِبُوا.
قَالَ الشَّارِحُ ﵀:
(بَابُ مَنْ يَدْخُلُ قَبْرَ المَرْأَةِ) لأجل إلحادها (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر المهملة وتخفيف النون, العَوفي بفتح العين المهملة والواو وبالفاء, الباهلي البصري قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بضم الفاء على صيغة التصغير قال الواقدي: اسمه عبد الملك, وفليح لقب غلب عليه. (١) وسقط في روايةٍ لفظُ بن سليمان (٢) , وقد مر ذكرهما في كتاب العلم.
[٢١٤ أ/ص]
قال: (حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِىٍّ) هو ابن أسامة /العامري (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالك (﵁ قَالَ: شَهِدْنَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أم كلثوم زوج عثمان بن عفان ﵂ (وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ عَلَى) جانب (الْقَبْرِ) , والجملة الاسمية حالية (فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ) بفتح الميم, وفيه جواز البكاء بلا صياح ونياح وغيرهما مما ينكر شرعًا.
(فَقَالَ) ﷺ (هَلْ فِيكُمْ مِنْ أَحَدٍ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ) بالقاف وبالفاء، أي: لم يباشر المرأة ولم يجامعها، ومثله في الكناية قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وقد كان من عادة أدب القران يكني عن الجماع باللمس لبشاعة التصريح، فعكس، فكنى
стр. 765
عن الجماع بالرفث، وهذا أبشع تقبيحًا لفعلهم لينزجروا عنه، وكذلك كني في هذا الحديث عن المباح بالمحظور ليصون جانب بنت الرسول عما ينبئ عن الأمر المستهجن (١).
(فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ) وهو زيد بن سهل الأنصاري ﵁ (أَنَا) لم أقارف الليلة (قَالَ) ﷺ (فَانْزِلْ فِى قَبْرِهَا).
[٩٤ ب/س]
وفيه: أنه لا يُنْزِلُ الميت في قبره إلا الرجالُ متى وجدوا، وإن كان الميت امرأة، بخلاف النساء فإنهن ضعفن عن ذلك غالبًا، وقد كان عثمان ﵁ أولى بذلك من أبي طلحة ﵁؛ لأن الزوج أحق من غيره بمواراة زوجته، وإن خالط غيرها من أهله تلك الليلة (٢)؛ لأن منظوره أكثر من منظور محارمه, لكن لما كان عثمان ﵁ قارف تلك الليلة، فباشر جارية له, وبنت رسول الله ﷺ محتضرة لم يعجبه ﷺ /ذلك لكونه شغل عن المحتضرة مع جلالة محل ابنته ﷺ ورضي بها عنها, فأدبه بما قال (٣) , والله أعلم بالحال (قال فَنَزَلَ) أبو طلحة ﵁ (فِى قَبْرِهَا فَقَبَرَهَا) أي: ألحدها ﵂ وفي رواية سقط قوله: "فقبرها" (٤).
(قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ) عبدالله, وفي رواية: قال ابن مبارك, بدون اللام (٥) (قَالَ فُلَيْحٌ) يعني ابن سليمان المذكور (أُرَاهُ) بضم الهمزة أي: أظنه ﷺ (يَعْنِى) بقوله: "يقارف" (الذَّنْبَ) لكن الراجح هو التفسير الأول, ويؤيده ما في بعض الروايات بلفظ: "لا يدخل القبر أحد قارف أهله البارحة. فتنحى عثمان ﵁ " (٦).
[٢١٥ أ/س]
وقال ابن حزم: معاذ الله /أن يتبجح أبو طلحة عند رسول الله ﷺ بأنه لم يذنب تلك الليلة. هذا (٧). وقد أنكر الطحاوي تفسيره بالجماع؛ فقال: بل معناه: لم يقاول؛ لأنهم كانوا يكرهون الحديث بعد العشاء (٨).
стр. 766
وقد تقدم الكلام على هذا الحديث في باب الميت يعذب ببعض بكاء أهله.
ثم إن هذا التعليق وصله الإسماعيلي من طريق ابن المبارك وكذا أخرجه أحمد عنه (١). ووقع في رواية أبي الحسن القابسي في أصله "قال أبو المبارك: قال أبو الحسن: هو أبو المبارك محمد بن سنان, يعني أبو المبارك كنية محمد بن سنان, شيخ البخاري المذكور. وتعقبه أبو على الجياني بأن قال: لا أعلم بينهم خلافًا في أن محمد بن سنان يكنى: أبا بكر, والصواب: ابن المبارك, كما في بقية الطرق (٢).
وفي التلويح وروى هذا الحديث البخاري في "التاريخ الأوسط" بإسناده وانتهى إلى قوله: "فنزل في قبرها" (٣) ولم يذكر التفسير الذي ذكره في الجامع. والله أعلم.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) يريد البخاري نفسه. قيل: أراد بهذا تأييد ما قاله ابن المبارك عن فليح (لِيَقْتَرِفُوا) أي: معناه (أَيْ لِيَكْتَسِبُوا) أو أراد أن يوجه الكلام المذكور وأن لفظ المقارفة في الحديث أريد به ما هو أخص من ذلك وهو الجماع (٤).
وهذا التفسير مرويٌّ عن ابن عباس ﵄ أخرجه الطبري من طريق على بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ قال في قوله تعالى: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)﴾ ... [الأنعام: ١١٣]: "وليكتسبوا ما هم مكتسبون" (٥) ثم إن هذا التفسير سقط في رواية الحموي والمستملى وثبت في رواية الكشميهني (٦).
стр. 767
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيدِ .
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀:
١٣٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ, حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِى ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ: «أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ». فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِى اللَّحْدِ وَقَالَ: «أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِى دِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ.
قَالَ الشَّارِحُ ﵀:
(بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيدِ) قال الزين ابن المنير: والمراد هو المقتول في معركة الكفار (١) انتهى.
ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة, والصغير والكبير, والحر والرقيق, والصالح والفاسق, والعاقل والمجنون, ويدخل فيه من قتل ظلمًا؛ بأن يقتله أهل الحرب أو البغي أو قطاع الطريق ذابًا عن نفسه أو ماله أو أهله أو مسلم أو ذمي أو أن يقتله المكابرون عليه في المصر ليلًا بسلاح أو غيره أو نهارًا بسلاح أو خارجه بسلاح أو غيره, كما في شرح الطحاوي والله أعلم (٢).
وأما من جرح وعاش بعد ذلك حياة مستقرة فهو خارج عن حكم الشهيد, وكذا من مات في قتال المسلمين كأهل البغي, وكذا من يسمى شهيدًا بسبب غير السبب المذكور كالغريق، والمبطون؛ فتسميتهم شهيدًا باعتبار الثواب في الآخرة فقط (٣).
وإنما أطلق الترجمة ولم يفسر الحكم؛ لأنه ذكر في الباب حديثين: أحدهما يدل على نفيها, وهو حديث جابر ﵁ ,والآخر يدل على إثباتها, وهو حديث عقبة ﵁ ,ومن (٤) وهنا وقع الاختلاف
стр. 768
بين العلماء؛ فقال الشافعي ومالك (١) وأحمد وإسحاق -في رواية- إلى /أن الشهيد لا يصلى عليه, كما لا يغسل, وإليه ذهب أهل الظاهر (٢).
[٢١٥ أ/ص]
وقال بعض الشافعية: إنها حرام (٣). وقال بعضهم: معناه لا تجب عليهم؛ بل تجوز ,واحتجوا في ذلك بحديث جابر ﵁ المذكور في الباب. وذهب ابن أبي ليلى والحسن بن حيي وعبيد الله بن الحسن وسليمان بن موسى وسعيد بن عبد العزيز والأوزاعي والثوري [وأبو] (٤) حنيفة (٥) وصاحباه وأحمد -في رواية- وإسحاق -في رواية- إلى أنه يصلي عليه (٦). وهو قول أهل الحجاز أيضًا واحتجوا في ذلك (٧) بحديث عقبة ﵁ ,وسيجئ تفصيل هذا الباب -إن شاء الله تعالى-.
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀:
١٣٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِى يَزِيدُ بْنُ أَبِى حَبِيبٍ عَنْ أَبِى الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: «إِنِّى فَرَطٌ لَكُمْ، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنِّى وَاللَّهِ لأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِى الآنَ، وَإِنِّى أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ - أَوْ مَفَاتِيحَ الأَرْضِ - وَإِنِّى وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِى، وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا»
قَالَ الشَّارِحُ ﵀:
стр. 769
(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التينسي قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابن سعد إمام مصر (قَالَ: حَدَّثَنِى) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهري (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ (١)) هو أبو الخطاب الأنصاري السلمي.
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاري ﵁ قال الحافظ العسقلاني: كذا يقول الليث عن ابن شهاب عن عبد الرحمن، عن جابر ﵁ (٢).
قال النسائي: لا أعلم أحدًا من ثقات أصحاب ابن شهاب تابَعَ الليث على ذلك (٣)، ثم ساقه من طريق عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن ثعلبة. فذكر الحديث مختصرا (٤).
وكذا أخرجه أحمد من طريق محمد بن إسحاق (٥)، والطبراني من طريق عبد الرحمن بن إسحاق وعمرو بن الحارث, كلهم عن ابن شهاب، عن عبد الله بن ثعلبة وعبد الله له رؤية، فحديثه من حيث السماع مرسل.
стр. 770
وقد رواه عبد الرزاق عن معمر، فزاد فيه جابرًا (١)، وهو مما يقوي اختيار البخاري، فإن ابن شهاب صاحب حديث، فيحمل على أن الحديث عنده عن شيخين، ولا سيما أن في رواية عبد الرحمن بن كعب ما ليس في رواية عبد الله بن ثعلبة.
[٢١٦ أ/س]
[٩٤ ب/ص]
قال الذهبي: عبدالله بن ثعلبة له رؤية ورواية (٢). وقد روى البيهقي من حديث عبدالرحمن بن عبد العزيز الأنصاري، ثنا الزهري، ثنا عبدالرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال يوم أحد: "من رأى مقتل حمزة؟ فقال رجل: أنا، فخرج حتى وقف على حمزة فرآه وقد شق بطنه ومثل به، فكره رسول الله ﷺ أن ينظر إليه، ثم وقف بين ظهراني القتلى، فقال: أنا شهيد على هؤلاء, لفوهم في دمائهم، /فإنه ليس جريح يجرح إلا جاء /يوم القيامة يدمى، لونه لون الدم، وريحه ريح المسك", وقال: "قَدِّمُوا أكثر القوم قرآنا فاجعلوه في اللحد" قال البيهقي: في هذا زيادات ليست في رواية الليث، وفي رواية الليث زيادة ليست في هذه الرواية، فيحتمل أن يكون روايته أولى, وعبد الرحمن عبد العزيز ضعيف, وقد أخطأ في قوله عن أبيه.
وروى الحاكم من حديث أسامة بن زيد، أن ابن شهاب حدثه، أن أنسًا ﵁ حدثه: " أن شهداء أحد لم يغسلوا، ودفنوا بدمائهم ولم يصل عليهم" وهو صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجه (٣).
وفي العلل للترمذي. قال محمد: حديث أسامة عن الزهري عن أنس غير محفوظ, غلط فيه أسامة (٤).
стр. 771
(قَالَ) أي: جابر ﵁ (كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ) أي غزوة أحد, والقتلى جمع قتيل كالجرحى جمع جريح (فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ) ظاهره تكفين الاثنين في ثوب واحد؛ أما بأن يجمعهما فيه, وإما أن يقطعه بينهما.
وقال المظهري في شرح المصابيح: قوله: "في ثوب واحد" أي: قبر واحد؛ إذ لا يجوز تجريدهما في الثوب واحد بحيث يتلاقى بشرتاهما؛ بل ينبغي أن يكون على كل واحد منهما ثيابه الملطخة بالدم, ولكن يضجع أحدهم بجنب الآخر في قبر واحد (١).
(ثُمَّ يَقُولُ) ﷺ (أَيُّهُمْ) أي: أي القتلى. هذه رواية الكشميهني. وفي رواية الحموى والمستملي: "أيهما" أيْ: أيُّ الرجلين (٢) (أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ) بنصب أخذًا على التمييز؛ أي أعلم بالقرآن (فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ) ﷺ (إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِى اللَّحْدِ وَقَالَ) ﷺ (أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
قال المظهري: أنا شفيع لهؤلاء, أشهد لهم بأنهم بذلوا أرواحهم لله تعالى وتركوا حياتهم. انتهى.
وتعقبه الطيبي بأن هذا الذي قاله لا يساعده تعدية الشهيد بعلى، ولو أريد ما قال، لقيل: أنا شهيد لهم، فعدل عن ذلك لتضمين "شهيد" معنى: رقيب وحفيظ، أي: أنا حفيظ عليهم، أراقب أحوالهم وأصونهم من المكاره، وشفيع لهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦)﴾ [المجادلة: ٦] ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)﴾ [المائدة: ١١٧] (٣).
[٢١٦ أ/ص]
(وَأَمَرَ) ﷺ (بِدَفْنِهِمْ فِى دِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا) على صيغة /البناء للمفعول (وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ) على صيغة المجهول أيضًا.
وفي رواية للبخاري وستأتي -إن شاء الله تعالى-: " وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ " (٤) كلاهما على صيغة المعلوم أي: لم يفعل ذلك النبي ﷺ بنفسه ولا بأمره.
стр. 772
وعند أحمد أنه ﷺ قال: " لا تغسلوهم، فإن كل جرح ,أو كلم، أو دم يفوح مسكا يوم القيامة، ولم يصل عليهم" (١).
والحكمة في ذلك إبقاء أثر الشهادة عليهم، والتعظيم لهم، باستغنائهم عن دعاء القوم، وقد اختلف العلماء في غسل الشهداء والصلاة عليهم, والجمهور على أنه لا يغسل الشهيد (٢) وقال سعيد بن المسيب والحسن بن أبي الحسن: إنه يغسل قالا: "ما مات ميت إلا أجنب" (٣) رواه ابن أبي شيبة عنهما بسند صحيح وحكى ذلك عن ابن سريج من الشافعية وعن غيره أيضًا وهو من الشذوذ.
وعن الحسن بسند صحيح "أن النبي ﷺ أمر بحمزة ﵁ فغسل" (٤) وحكي عن الشعبي وغيره أن حنظلة بن الراهب غسلته الملائكة (٥) , وأجيب بأنه كان جنبًا.
وقال السهيلي: في ترك غسل الشهداء تحقيق حياتهم وتصديق قوله : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩] الآية. ولأن الدم أثر عبادة. فلا يزال كما قالوا في السواك للصائم (٦).
وأما الصلاة عليهم ففقد ذكر الخلاف فيه في أول الباب.
стр. 773
وقال أصحابنا الحنفية: الشهيد يصلى عليه بلا غسل. واحتجوا في ذلك بحديث عقبة الآتي عن قريب، وبما رواه ابن ماجه من حديث يوم أُحد، "فجعل يصلي على عشرة عشرة، وحمزة, وهو كما هو، يرفعون وهو كما هو موضوع" (١).
ورواه الطحاوي بإسناده إلى ابن عباس "أن رسول الله ﷺ ... كان يوضع بين يديه يوم أحد عشرة فيصلي عليهم، وعلى حمزة، ثم يرفع العشرة، وحمزة موضوع، ثم يوضع عشرة، فيصلى عليهم، وعلى حمزة معهم" (٢) ﵃.
[٢١٧ أ/س]
وأخرجه البزار في مسنده بأتم منه بإسناده إلى ابن عباس ﵄ أيضًا "قال: لما قتل حمزة يوم أحد أقبلت صفية- أخت حمزة من الأبوين- تسأل: ما صنع؟ فلقيت عليا والزبير، ﵄ فقالت: يا علي ويا زبير ما فعل حمزة؟ فأوهماها أنهما لا يدريان، قال: فضحك النبي ﷺ ... وقال: إني أخاف على عقلها، فوضع يده على صدرها، فاسترجعت وبكت، ثم قام عليه وقال: لولا جزع النساء لتركته حتى يحشر /من بطون السباع وحواصل الطير, ثم أتى بالقتلى فجعل يصلي عليهم (٣) فيوضع سبعة وحمزة, فكبر عليهم سبع تكبيرات, ثم يرفعون ويترك حمزة مكانه ويوضع سبعة , فكبر عليهم سبع تكبيرات حتى فرغ منهم" (٤).
стр. 774
وأخرجه الحاكم في مستدركه والطبراني في معجمه والبيهقي في سننه , ولفظهم "أمر رسول الله ﷺ بحمزة يوم أحد, ثم كبر عليه سبعًا, ثم جمع إليه الشهداء حتى صلى عليه سبعين صلاة" (١) زاد الطبراني "ثم وقف عليهم حتى واراهم" وسكت الحاكم عنه.
[٩٥ ب/س]
وروى ابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق: حدثني من لا أتَّهم عن مقسم، مولى ابن عباس، عن ابن عباس ﵄، قال: أمر رسول الله ﷺ بحمزة ﵁ فسجى ببرده, ثم صلى عليه، فكبر تسع (٢) تكبيرات، / ثم أتى بالقتلى يُصَفون ويصلي عليهم وعليه معهم" (٣).
وأخرجه ابن شاهين أيضًا في كتابه, من حديث ابن إسحاق عن يحيى بن عباد، عن عبد الله بن الزبير (٤).
وروى الطحاوي أيضًا من حديث أبي مالك الغفاري، قال: "كان قتلى أحد يؤتى بتسعة وعاشرهم حمزة، فيصلي عليهم رسول الله ﷺ ، ثم يحملون، ثم يؤتى بتسعة، وحمزة مكانه، حتى صلى عليهم رسول الله ﷺ " (٥).
стр. 775
ورواه أيضًا الدارقطني عن أبي مالك، قال: " كان يجاء بقتلى أحد تسعة وحمزة عاشرهم فيصلي عليهم فيرفعون التسعة ويدعون حمزة ﵁ " (١).
وأخرجه البيهقي أيضًا ولفظه قال: "صلى النبي ﷺ على قتلى أحد عشرة عشرة، في كل عشرة منهم حمزة حتى صلى عليه سبعين صلاة" (٢).
وقال الذهبي في مختصر السنن: كذا قال, ولعله سبع صلوات؛ إذ شهداء أحد سبعون أو نحوها (٣).
وأخرجه أبو داود أيضا في المراسيل (٤). وأبو مالك اسمه غزوان الكوفي, وثَّقَهُ ابن معين وذكره ابن حبان في التابعين الثقات (٥).
ولنا -معاشِرَ الحنفيةِ- أن نرجح مذهبنا بأمور:
منها: أن حديث عقبة ﵁ الآتي ذكره- مثبِتٌ, وكذا غيره مما ذكر فيه الصلاة على الشهيد، وحديث جابر ﵁ ناف والمثبِتُ مقدم على النافي.
[٢١٧ أ/ص]
ومنها: أن جابرًا ﵁ كان مشغولًا بقتل أبيه وعمه، على ما يجيء, فذهب إلى المدينة ليدبر حملهم، فلما سمع المنادي بأن القتلى تدفن في مصارعهم سارع لدفنهم، فدّل على أنه لم يكن حاضرًا حين الصلاة. على أن في الإكليل حديثًا عن ابن عقيل عن جابر ﵁ "أن النبي ﷺ صلى على حمزة، ثم جيء بالشهداء /فوضعوا إلى جنبه فصلى عليهم". (٦) فالشافعية يحتجون برواية ابن عقيل ويوجبون بها التسليم من الصلاة.
стр. 776
ومنها: أن ما روى أصحابنا أكثر مما رواه أصحاب الشافعي (١).
ومنها: أن الصلاة على الموتى أصل في الدين وفرض كفاية فلا يسقط من غير فعل أحد بالتعارض، بخلاف غسله؛ إذ النص في سقوطه لا معارض له. ومنها: لو كانت الصلاة عليهم غير مشروعة لبينها النبي ﷺ كما نبه على الغسل.
ومنها: أنا نتنزل ونقول كما قاله الطحاوي: لم يُصَلِّ ﵇ وصلى غيره (٢).
ومنها: أنه يجوز أنه لم يصل عليهم في ذلك اليوم؛ لما حصل له من الجراحة وشبهها، ولا سيما من ألمه على حمزة ﵁ وغيره ﵃، وصلى عليهم في يوم غيره؛ لأنه لا تغير بهم تغير كما جاء في صلاته عليهم بعد ثماني سنين.
ومنها: أنه قد روي أنه قد صلى على غيرهم.
ومنها: أنه ليس لهم أن يقولوا يحمل قول عقبة: صلى عليهم، بمعنى استغفر لهم، لقوله: صلاته على الميت.
ومنها: أن ما ذهب إليه أصحابنا أحوط في الدين، وفيه تحصيل الأجر. وقد قال ﷺ : "من صلى على ميت فله قيراط" (٣)، لم يفصل ميتًا من ميت.
فإن قالوا: إن الصلاة لا تصح على الميت بلا غسل، فلما لم يغسل الشهيد لم يصح الصلاة، فالجواب: أنه ينبغي أن لا يدفن أيضًا بلا غسل، فلما دفن الشهيد بلا غسل دل أنه في حكم المغسول فيصلى عليه.
فإن قالوا: الشهداء أحياء بنص الآية, والصلاة إنما شرعت على الموتى؟ فالجواب: أنه على هذا ينبغي أن لا يقسم ميراثهم ولا تزوج نساؤهم وشبه ذلك، وإنما هم أحياء في حكم الآخرة لا في حكم الدنيا، والصلاة عليهم من أحكام الدنيا, كذا قال في المبسوط (٤).
فإن قالوا: ترك الصلاة عليهم لاستغنائهم مع التخفيف على من بقي من المسلمين، فالجواب: أنه لا يستغنى أحد عن الخير، والصلاة خير موضوع، ولو استغنى عنه أحد من هذه الأمة
стр. 777
لاستغنى أبو بكر وعمر ﵄، وكذلك الصغار، وهو في مثل حالهم. والتعليل بالتخفيف لا وجه له؛ لأنهم يسعون في تجهيزهم وحفر قبورهم، ونحو ذلك، فالصلاة أخف من هذا كله.
[٢١٨ أ/س]
فإن قالوا: إنكم لا ترون الصلاة على القبر بعد ثلاثة أيام، فالجواب: أنه ليس كذلك؛ بل تجوز الصلاة على القبر ما لم يتفسخ، /والشهداء لا يتفسخون ولا يحصل لهم تغير, فالصلاة عليهم لا تمتنع أي وقت كان (١).
وقال ابن التين: وفي الحديث جواز جمع الرجلين في ثوب واحد (٢). وقال أشهب: لا يفعل ذلك إلا لضرورة وكذا الدفن (٣).
وعن ابن تيمية: معنى الحديث أنه كان يقسم الثوب الواحد بين الجماعة فيكفن كل واحد ببعضه للضرورة وإن لم يستر إلا بعض بدنه, يدل عليه تمام الحديث أنه كان يسأل عن أكثرهم قرآنا فيقدمه في اللحد فلو أنهم في ثوب واحد جملة لسأل عن أفضلهم قبل ذلك كيلا يؤدي إلى نقص التكفين (٤).
وقال ابن العربي: فيه دليل على أن التكليف قد ارتفع بالموت وإلا فلا يجوز أن يلصق الرجل بالرجل (٥).
وفيه: التفضيل بقراءة القرآن فإذا استووا في القراءة قدم أكبرهم؛ لأن للسن فضيلة.
فيه: جواز دفن الاثنين والثلاث في قبر, وبه أخذ غير واحد من أهل العلم وكرهه الحسن البصري (٦).
ولا بأس أن يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد, وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق, غير أن الشافعي وأحمد قالا ذلك في موضع (٧) الضرورات. وحجتهم حديث جابر ﵁ (٨).
стр. 778
وقال أشهب: إذا دفن اثنان في قبر لم يجعل بينهما حاجز من التراب؛ وذلك أنه لا معنى له إلا التضييق (١).
وذكر ابن أبي حاتم بسنده، عن قتادة، عن أنس ﵁: " أن رسول الله ﷺ جمع يوم أحد النفر في القبر الواحد، فكان يقدم في القبر إلى القبلة أقرأهم، ثم ذا السن" (٢).
وقال القدوري في شرحه, والسرخسي في المبسوط: إن وقعت الحاجة فلا بأس أن يدفن الاثنان أوالثلاثة في قبر واحد (٣) وفي المرغيناني: أو خمسة, وهو إجماع (٤).
وفي البدائع: ويقدم أفضلها ويجعل بين كل اثنين حاجز من التراب, فيكون في حكم قبرين, ويقدم الرجل في اللحد, وفي صلاة الجنازة تقدم المرأة على الرجل إلى القبلة, ويكون الرجل إلى الرجل أقرب, والمرأة عنه أبعد (٥).
[٩٥ ب/ص]
فيه: دفن/ الشهيد بدمه. وروى النسائي من حديث معمر، عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " زملوهم بدمائهم" (٦).
وحديث الباب أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه أيضًا (٧).
[٢١٨ أ/ص]
стр. 779
(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التنيسي قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابن سعد قال: (حَدَّثَنِى) بالإفراد (يَزِيدُ /بْنُ أَبِى حَبِيبٍ (١)) الأول من الزيادة, والثاني ضد العدو, واسم أبي حبيب سويد
البصري (عَنْ أَبِى الْخَيْرِ (٢)) ضد الشر مرثد بن عبدالله اليزني, وقد تقدم ذكره في باب السلام من الإسلام (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) بضم العين وسكون القاف, الجهني المصري الأمير الشريف المقرئ الفصيح الفرضي, وقد مر ذكره في: باب من صلى في فروج الحرير.
(أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ) وهم الذين استشهدوا فيها ,وكانت "أُحُد" في شوال سنة ثلاث, وهي الغزوة العاشرة من غزوات رسول الله ﷺ , وكان جملة غزواته التي خرج فيها بنفسه ﷺ سبعًا وعشرين غزوة, كما رواه ابن سعد في طبقاته (٣) وهو الصحيح المجزوم به, وكبارها الأمهات سبع: بدر وأحد والخندق وخيبر وحنين وتبوك, وفي شأن هذه الغزوات نزل القرآن.
و"أُحُد" بضمتين جبل أحمر, بينه وبين المدينة أقل من فرسخ؛ سمي به لتوحده وانقطاعه عن أجبل (٤) هناك.
وكان من حديث "أُحُد" أنه لما قتل الله تعالى كفار قريش ببدر ورجع أبو سفيان بالعير أوقفها بدار الندوة, فلم يفرقها وطابت أنفس أشرافهم أن يجهزوا بها جيشًا لقتال المصطفى ﷺ وكانت نحو خمسين ألف دينار, فمشى عبدالله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية في قوم ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وأهلهم, وكلموا أبا سفيان ومن له في تلك العير تجارة, وقالوا: إن محمدًا وتركم, وقتل خياركم, فأعينونا بالمال على حربه لعلنا ندرك ثأرنا, فأجابوا وبعثوا عمرو بن العاص وعبدالله بن الزبير وأبا عزة -الذي مَنَّ عليه المصطفى ﷺ يوم بدر وأطلقه لاستنفار العرب
стр. 780
لحربه- واجتمعت قريش ومن أطاعها من القبائل ومن تبعها من كنانة وأهل تهامة وغيرهم, ورأس فيهم أبو سفيان؛ لموت أكابرهم, وكتب العباس إلى المصطفى ﷺ يخبرهم, فخرج أبو سفيان قائدًا
للناس بهند بنت عتبة, وكذا خرج جمع قريش بنسائهم, معهم الدفوف يبكين قتلى بدر, وهمت هند -وهم بالأبواء- تنبش قبر آمنة أم المصطفي ﷺ , فقالت قريش: "لا يفتح هذا الباب /إذن تنبش موتانا" وقال جبير بن مطعم لغلامه وحشي: إن قتلت حمزة عم محمد بعمي طعيمة بن عدي- وكان قد قتله حمزة يوم بدر- فأنت عتيق.
[٢١٩ أ/س]
فأقبلوا حتى نزلوا بالعريض فسرحوا خيلهم في الزرع فتركوه ليس به خضر، ثم نزلوا بعينين تثنية عين جبل ببطن السنجة مقابل المدينة يوم الأربعاء, فلما سمع بهم المصطفى ﷺ قال: "إني رأيت والله خيرًا؛ رأيت بقرًا تذبح وفي ذباب سيفي -أي في طرفه- ثلمًا؛ فأما البقر فناس من أصحابي يقتلون, وأما الثلم فرجل من أهل بيتي يُقتل, ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة, فإن رأيتم أن تقيموا بها وتدعوهم حيث نزلوا هم فإن أقاموا أقاموا بشر مقام وإن دخلوا علينا قاتلناهم في الأزقة, فنحن أعلم بها منهم, ورماهم الصبيان والنساء بالحجارة من الحصون (١) "
وكان يكره الخروج فقال رجال من المسلمين منهم حمزة وسعد بن عبادة: "اخرُجْ بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم"وقال ابن أبّي: لا تخرج, فإنما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا, ولا دخلها علينا إلا أصبنا وكان رسول الله ﷺ قد دعاه ولم يدعه قط قبلها, فاستشاره ولم يزل برسول الله ﷺ من حب الخروج حتى دخل, فلبس لأمته بعد أن صلى الجمعة, ووعظهم وأمرهم بالجد والاجتهاد, وحزم وسطه بمنطقة في حمائل السيف واعْتَمَّ, وتقلد السيف وخرج, وندم الناس وقالوا: بئسما صنعنا؛ نشير على رسول الله ﷺ والوحي يأتيه, ولم يكن ذلك لنا, فإن شئت فاقعد فقال: "دعوتكم إلى هذا فأبيتم. ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل" (٢).
стр. 781
ثم ركب فرسه وتقلد الترس وأخذ قناة بيده وخرج في نحو ألف عسكر بالشيخين وهما أحلمان -بلفظ تثنية شيخ- سمي بشيخ وشيخة كانا هناك- فبات فيه فلما أصبح صلى الصبح وسار, فحينئذ انخذل عبدالله بن أُبيِّ بثلث الناس, وقال: ما ندري علام نقتل أنفسنا؟! فرجع بمن تبعه من
أهل النفاق, ومضى المصطفى ﷺ حتى نزل الشعب * (١) من أُحُد يوم السبت للنصف من شوال, فجعل ظهره وعسكره إليه وقال: لا يقاتل أَحَدٌ حتى نأمره بالقتال. وتعبأ للقتال وهو في سبعمائة منهم مائة دارع, وأمَّر على الرماة عبدالله بن جبير, وهو معلم بثياب بيض وهم خمسون وقال: انضحوا عنا الخيل بالنبل لا يأتوننا من خلف. إن كانت لنا أو علينا فاثبُتْ مكانك لا نُؤتَيَنَّ من قِبَلِك, وظاهر المصطفى ﷺ بين درعين ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير, ولم يكن مع المسلمين فرس إلا فرس رسول الله ﷺ وفرس أبي بردة, ولواء الخروج بيد [الخباب] (٢) بن المنذر أو سعد /بن عبادة فجعل رسول الله ﷺ يمشي على رجليه ويصف أصحابه للقتال كأنما يقوم بهم القدح إن رأى صدرًا خارجًا قال: تأخر.
[٢١٩ أ/ص]
[٩٦ ب/س]
وتعبأت قريش وهم ثلاثة آلاف ومعهم مائتا فرس وسبعمْائة دارع قد جنبوها, فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل, وعلى القلب/ صفوان بن أمية أو عمرو بن العاص, وعلى الرماة عبدالله بن أبي ربيعة, فاقتتلوا حتى حمى الحرب وتبارز الفئتان وخرج رجل من الكفار فدعا إلى البراز وهو على جمل فأحجم عنه الناس, فوثب الزبير حتى استوى معه على بعيره ثم عانقه فاقتتلا فوقع البعير, فقال المصطفي ﷺ : الذي يلي حضيض الأرض مقتول فوقع المشرك. ووقع الزبير عليه فذبحه, وقاتل حمزة ﵁ حتى قتل أَحَد الذين يحملون اللواء. قال وحشيٌّ: ورأيت حمزة في عرض الناس كالجمل الأورق يهد الناس بسيفه هدًا ما يقوم له شيء, فإنى لأتهيَّأُ له أريده وأستتر منه بشجر أو حجر ليدنو مني؛ إذ تقدمني سباع بن عبد العزى, فلما رآه حمزة قال: هلم إلي يا ابن مقطعة البظور. وكانت أمه ختانة. فضربه فهززت حربتي فدفعتها إليه فوقعت في ثنيته حتى خرجت من بين رجليه, فأقبل نحوي فقلب فوقع, فأمهلته, حتى إذا مات جئت فأخذت حربتي ثم نحَّيْتُ إلى العسكر, ولم يكن لي بغيره حاجة؛ إنما قتلته لأعتق, وكان كيت وكيت, فانهزم المشركون وكان المسلمون يأخذون الغنائم.
стр. 782
فلما أبصر الرماة ذلك قالوا: ما نجلس هنا لشيء قد أهلك الله العدو. فتركوا منازلهم التي عهد رسول الله ﷺ وتنازعوا وفشلوا وعصوا الرسول. قال الزبير: فلما مالت الرماة إلى العسكر وخلوا ظهورنا للخيل فأتتنا من خلفنا ورمى عبدالله بن قمئة الحارثي رسول الله ﷺ بحجر فكسر رباعيته وجرح وجنته
فدخلت حلقتان من المغفر فيها, فقال: خذها وأنا ابن قمئة, فقال وهو يمسح الدم عن وجهه: أقماك الله فأقبل يريد قتله, فذب عنه مصعب بن عمير -وهو صاحب الراية يوم بدر ويوم أحد- حتى قتله ابن قمئة ,وهو يرى أنه رسول الله ﷺ ,فقال: قد قتلت محمدًا, وصرخ صارخ: ألا إن محمدًا قد قتل. وقيل: كان الصارخ الشيطان. ففشا في الناس خبر قتله, فانكشف المسلمون, وولوا منهزمين يحطم بعضهم بعضًا, ولم يبق مع رسول الله ﷺ إلا نفر قليل حتى خلص العدو إلى رسول الله ﷺ , فلم يزُلْ عن مكانه قدمًا واحدًا ,ولا ولَّى؛ بل وقف في وجوههم وجعل يقول: إليَّ عبادَ الله, ورمى بالقوس حتى تقطع وتره, هذا والنبل تأتيه من كل ناحية, فقذف بالحجارة حتى وقع لشقه فأصيبت رباعيته وكلمت شفته وشج وجهه, فجعل الدم يسيل على وجهه وهو يمسحه, ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدماء, وهو يدعوهم إلى ربهم. فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ (١٢٨)﴾ [آل عمران: ١٢٨] الآية.
[٢٢٠ أ/س]
وقيل: هَمَّ أن يدعو عليهم, فنهاه الله تعالى؛ لعلمه بأن فيهم من يؤمن. والذي كسر رباعيته وشج وجهه عتبة بن أبى وقاص, ومِنْ هذا /كان سعد بن أبي وقاص ﵁ يقول: ما حرصت على قتل رجل كحرصي على قتل عتبة أخي.
ومن ثمة لم يولد من نسله ولد فبلغ الحنث إلا وهو أبحر وأهتم؛ أي عطشان لا يروي من الماء, ومكسور الثنايا من أصلها, يعرف ذلك في عَقِبِه, وما علم مبغض في قومه مثله, وشجه ﷺ عبدالله بن شهاب في جبهته (١).
وروى عبدالرزاق عن معمر عن الزهري قال: " ضرب وجه المصطفى ﷺ يومئذ بالسيف سبعين ضربة. وقاه الله من شرها كلها" (٢).
стр. 783
وقال ﷺ : "اشتد غضب الله على من أدمى وجه رسوله" (١) وعند ابن عائذ من طريق الأوزاعي: " بلغنا أنه لما جرح رسول الله ﷺ يوم أحد أخذ شيئًا فجعل ينشِّف به دمه وقال: لو
وقع شيء منه على الأرض لنزل عليهم العذاب من السماء, ثم قال: اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون" (٢).
وفي رواية: "لو وقع شيء من قطرات الدم على الأرض لم ينبت عليها نبات، ولم يقع شيء منها على الأرض". فلما أرجف بقتله ﷺ : انتهى أنس بن النضر إلى عمر بن الخطاب ﵁ وطلحة في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا ما بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قتل محمد، قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه" (٣) وفي رواية "قال: إن كان قتل محمد فإن رب محمد حيٌّ لا يموت. ثم قال أنس بن النضر: اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء. ثم شد بسيفه فاستقبل فقاتل حتى قتل" (٤) فوجد به بضع وثمانون جراحة.
ثم إنه انحازت إليه طائفة من المسلمين, وكان أول من عرف المصطفى ﷺ بعد الهزيمة كعب بن مالك, قال: "عرفت عينيه يزهران تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا، هذا رسول الله ﷺ وأشار إليَّ: أنصت، فلما عرفه المسلمون نهضوا إليه, فلامهم على هربهم, فقالوا: يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا أتانا خبر قتلك فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين. فنزلت ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤] الآية. ثم إن رسول الله ﷺ نهض معهم نحو الشعب ومعه أبو بكر وعمر وعليٌّ وطلحة والزبير والحارث والصامت ورهط من المسلمين, فمكث فيه ﷺ في يومه ذلك والتمس حمزة ﵁ فوجده بقر بطنه عن كبده ومُثِّلَ به فجدع أنفه وأذناه, فقال ﷺ : لولا أن تحزن صفية بنت عبد المطلب -وكان حمزة أخاها لأب وأم- وتكون سنة بعدي, لتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير, ولئن أظهرني الله على قريش لأُمَثِّلَنَّ بسبعين منهم. فلما
стр. 784
رأى المسلمون حزنه وغيظه على ما فُعِلَ بعمه قالوا: لنمثلن بهم إن أظهرنا الله عليهم, مثله ما يمثل بها أحد, فأنزل الله تعالى ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] الآية/
وكَفَّرَ عن يمينه, ونهى عن المثلة (١) وقال ﷺ حين وقف عليه: لن أصاب بمثلك أبدًا ما وقفت موقفًا قط أغيظ إليَّ منه, رحمة الله عليك, قد كنت علمتك فعولا للخير وصولًا للرحم" (٢).
[٢٢٠ أ/ص]
[٩٦ ب/ص]
وروى ابن شاذان عن ابن مسعود: ﵁ ما رأينا المصطفى ﷺ باكيًا قط أشد من بكائه على حمزة, وضعه في القبلة ثم وقف على جنازته /وبكى حتى كاد يغشي عليه؛ يقول يا حمزة يا عمُّ يا أسد الله وأسد رسوله يا حمزة يا فاعل الخيرات يا حمزة يا كاشف الكربات" (٣)، وليس هذا نوحًا ولا تعديد شمائل؛ بل إخبار بفضائله وشمائله. ثم أمر فسجى ببرد، ثم صلى عليه، وكبر سبعًا، ثم أتى بالقتلى يوضعون إلى جنب حمزة، فصلى عليهم، وعليه معهم، حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة" (٤).
стр. 785
وعن ابن مسعود ﵁: وضع حمزة فصلى عليه وجيء برجل من الشهداء فوضع إلى جنبه فصلى عليهما فرفع ذلك الرجل, وترك حمزة حتى صلى عليه سبعين , أو اثنتين وسبعين صلاة" (١). ودفن، ويقال: دفن معه في قبره عبدالله بن جحش (٢) وكان قد مثل به.
ثم رجع المصطفى ﷺ إلى المدينة من يومه آخر النهار. وذكر مالك في الموطأ "أن السيل حفر قبر عمرو بن الجموح وعبدالله بن عمرو بن حزام وكان المصطفى ﷺ دفنهما بقبر واحد لمصافاة بينهما. فوجدا لم يتغيرا، كأنمهما ماتا بالأمس، وكان أحدهما وضع يده على جرحه، فدفن كذلك. فأميطت عنه، ثم أرسلت فرجعت كما كان ذلك بعد الواقعة بست وأربعين سنة (٣).
وحين سمع النبي ﷺ البكاء على القتلى بكى وقال: لكن حمزة لا بواكي له. فأمر سعد بن معاذ وأسيد بن حضير نساءهما أن يبكين عليه, فلما سمع بكاءهن عليه قال: رحم الله الأنصار فإن المواساة منهم علمت مروهن فلينصرفن" (٤).
ومرّ بامرأة أصيب زوجها وأخوها وابنها بأُحُد, فلما نُعُوا لها قالت: ما فُعِل برسول الله ﷺ قالوا: خيرٌ. هو كما تحبين قالت: " كل مصيبة بعده جلل" (٥) أي: صغيرة.
стр. 786
واستشهد يومئذ خمسة وستون رجلًا؛ أربعة وأربعون من المهاجرين وسائرهم من الأنصار، وقتل من الكفار اثنان وعشرون رجلًا (١).
وقال ابن كثير: أكثر، فإن حمزة ﵁ لم يُقْتَل حتى قَتَل أحدا وثلاثين رجلًا وأبو دجانة وعلي وسهيل بن حنيف والحارث بن الصمة قتلوا كثيرًا, ورمى طلحة وسعد فما سقط لهما سهم إلا أصاب كافرًا, وأنس بن النضر وسعد بن الربيع لم يقتلا حتى قتلا خلقًا كثيرًا فربك أعلم بعدتهم (٢).
وقد كان في قصة أُحُد وما أصيب به المسلمون عبر وحكم ربانية.
منها: سوء عاقبة المخالفة وشؤم ارتكاب النهي لما ترك الرماة موقفهم الذي أمر به المصطفى ﷺ أن لا يفارقوه.
ومنها: أنَّ عادة الرسل أنْ تبتلى وأنْ تكون لهم العاقبة.
ومنها: أن الله تعالى هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لا تبلغها أعمالهم فقيَّضَ لهم أسباب الابتلاء والمحن ليصلوا إليها.
ومنها: أن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء وساقهم إليها بين يدي الرسول ليكون شهيدًا عليهم.
ومنها: أنه أراد هلاك أعدائه فقيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها ذلك؛ من كفرهم وبغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه.
[٢٢١ أ/س]
ومنها: أنهم لو انتصروا دائمًا دخل في المسلمين من ليس منهم ولم يتميز الصادق من غيره, ولو انكسروا دائمًا لم يحصل المقصود من البعثة, فاقتضت الحكمة الإلهية الجمع بينهما ليتميز الصادق /من الكاذب؛ فلما وقع ذلك ظهر أهل النفاق فعرف المسلمون أن لهم عدوا في ديارهم فتحرزوا منهم كما قال تعالى ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران ١٦٦: ١٦٧] الأية (٣).