فلما أبصر الرماة ذلك قالوا: ما نجلس هنا لشيء قد أهلك الله العدو. فتركوا منازلهم التي عهد رسول الله ﷺ وتنازعوا وفشلوا وعصوا الرسول. قال الزبير: فلما مالت الرماة إلى العسكر وخلوا ظهورنا للخيل فأتتنا من خلفنا ورمى عبدالله بن قمئة الحارثي رسول الله ﷺ بحجر فكسر رباعيته وجرح وجنته
فدخلت حلقتان من المغفر فيها, فقال: خذها وأنا ابن قمئة, فقال وهو يمسح الدم عن وجهه: أقماك الله فأقبل يريد قتله, فذب عنه مصعب بن عمير -وهو صاحب الراية يوم بدر ويوم أحد- حتى قتله ابن قمئة ,وهو يرى أنه رسول الله ﷺ ,فقال: قد قتلت محمدًا, وصرخ صارخ: ألا إن محمدًا قد قتل. وقيل: كان الصارخ الشيطان. ففشا في الناس خبر قتله, فانكشف المسلمون, وولوا منهزمين يحطم بعضهم بعضًا, ولم يبق مع رسول الله ﷺ إلا نفر قليل حتى خلص العدو إلى رسول الله ﷺ , فلم يزُلْ عن مكانه قدمًا واحدًا ,ولا ولَّى؛ بل وقف في وجوههم وجعل يقول: إليَّ عبادَ الله, ورمى بالقوس حتى تقطع وتره, هذا والنبل تأتيه من كل ناحية, فقذف بالحجارة حتى وقع لشقه فأصيبت رباعيته وكلمت شفته وشج وجهه, فجعل الدم يسيل على وجهه وهو يمسحه, ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدماء, وهو يدعوهم إلى ربهم. فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ (١٢٨)﴾ [آل عمران: ١٢٨] الآية.
[٢٢٠ أ/س]
وقيل: هَمَّ أن يدعو عليهم, فنهاه الله تعالى؛ لعلمه بأن فيهم من يؤمن. والذي كسر رباعيته وشج وجهه عتبة بن أبى وقاص, ومِنْ هذا /كان سعد بن أبي وقاص ﵁ يقول: ما حرصت على قتل رجل كحرصي على قتل عتبة أخي.
ومن ثمة لم يولد من نسله ولد فبلغ الحنث إلا وهو أبحر وأهتم؛ أي عطشان لا يروي من الماء, ومكسور الثنايا من أصلها, يعرف ذلك في عَقِبِه, وما علم مبغض في قومه مثله, وشجه ﷺ عبدالله بن شهاب في جبهته (١).
وروى عبدالرزاق عن معمر عن الزهري قال: " ضرب وجه المصطفى ﷺ يومئذ بالسيف سبعين ضربة. وقاه الله من شرها كلها" (٢).
стр. 783
وقال ﷺ : "اشتد غضب الله على من أدمى وجه رسوله" (١) وعند ابن عائذ من طريق الأوزاعي: " بلغنا أنه لما جرح رسول الله ﷺ يوم أحد أخذ شيئًا فجعل ينشِّف به دمه وقال: لو
وقع شيء منه على الأرض لنزل عليهم العذاب من السماء, ثم قال: اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون" (٢).
وفي رواية: "لو وقع شيء من قطرات الدم على الأرض لم ينبت عليها نبات، ولم يقع شيء منها على الأرض". فلما أرجف بقتله ﷺ : انتهى أنس بن النضر إلى عمر بن الخطاب ﵁ وطلحة في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا ما بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قتل محمد، قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه" (٣) وفي رواية "قال: إن كان قتل محمد فإن رب محمد حيٌّ لا يموت. ثم قال أنس بن النضر: اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء. ثم شد بسيفه فاستقبل فقاتل حتى قتل" (٤) فوجد به بضع وثمانون جراحة.
ثم إنه انحازت إليه طائفة من المسلمين, وكان أول من عرف المصطفى ﷺ بعد الهزيمة كعب بن مالك, قال: "عرفت عينيه يزهران تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا، هذا رسول الله ﷺ وأشار إليَّ: أنصت، فلما عرفه المسلمون نهضوا إليه, فلامهم على هربهم, فقالوا: يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا أتانا خبر قتلك فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين. فنزلت ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤] الآية. ثم إن رسول الله ﷺ نهض معهم نحو الشعب ومعه أبو بكر وعمر وعليٌّ وطلحة والزبير والحارث والصامت ورهط من المسلمين, فمكث فيه ﷺ في يومه ذلك والتمس حمزة ﵁ فوجده بقر بطنه عن كبده ومُثِّلَ به فجدع أنفه وأذناه, فقال ﷺ : لولا أن تحزن صفية بنت عبد المطلب -وكان حمزة أخاها لأب وأم- وتكون سنة بعدي, لتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير, ولئن أظهرني الله على قريش لأُمَثِّلَنَّ بسبعين منهم. فلما
стр. 784
رأى المسلمون حزنه وغيظه على ما فُعِلَ بعمه قالوا: لنمثلن بهم إن أظهرنا الله عليهم, مثله ما يمثل بها أحد, فأنزل الله تعالى ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] الآية/
وكَفَّرَ عن يمينه, ونهى عن المثلة (١) وقال ﷺ حين وقف عليه: لن أصاب بمثلك أبدًا ما وقفت موقفًا قط أغيظ إليَّ منه, رحمة الله عليك, قد كنت علمتك فعولا للخير وصولًا للرحم" (٢).
[٢٢٠ أ/ص]
[٩٦ ب/ص]
وروى ابن شاذان عن ابن مسعود: ﵁ ما رأينا المصطفى ﷺ باكيًا قط أشد من بكائه على حمزة, وضعه في القبلة ثم وقف على جنازته /وبكى حتى كاد يغشي عليه؛ يقول يا حمزة يا عمُّ يا أسد الله وأسد رسوله يا حمزة يا فاعل الخيرات يا حمزة يا كاشف الكربات" (٣)، وليس هذا نوحًا ولا تعديد شمائل؛ بل إخبار بفضائله وشمائله. ثم أمر فسجى ببرد، ثم صلى عليه، وكبر سبعًا، ثم أتى بالقتلى يوضعون إلى جنب حمزة، فصلى عليهم، وعليه معهم، حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة" (٤).
стр. 785
وعن ابن مسعود ﵁: وضع حمزة فصلى عليه وجيء برجل من الشهداء فوضع إلى جنبه فصلى عليهما فرفع ذلك الرجل, وترك حمزة حتى صلى عليه سبعين , أو اثنتين وسبعين صلاة" (١). ودفن، ويقال: دفن معه في قبره عبدالله بن جحش (٢) وكان قد مثل به.
ثم رجع المصطفى ﷺ إلى المدينة من يومه آخر النهار. وذكر مالك في الموطأ "أن السيل حفر قبر عمرو بن الجموح وعبدالله بن عمرو بن حزام وكان المصطفى ﷺ دفنهما بقبر واحد لمصافاة بينهما. فوجدا لم يتغيرا، كأنمهما ماتا بالأمس، وكان أحدهما وضع يده على جرحه، فدفن كذلك. فأميطت عنه، ثم أرسلت فرجعت كما كان ذلك بعد الواقعة بست وأربعين سنة (٣).
وحين سمع النبي ﷺ البكاء على القتلى بكى وقال: لكن حمزة لا بواكي له. فأمر سعد بن معاذ وأسيد بن حضير نساءهما أن يبكين عليه, فلما سمع بكاءهن عليه قال: رحم الله الأنصار فإن المواساة منهم علمت مروهن فلينصرفن" (٤).
ومرّ بامرأة أصيب زوجها وأخوها وابنها بأُحُد, فلما نُعُوا لها قالت: ما فُعِل برسول الله ﷺ قالوا: خيرٌ. هو كما تحبين قالت: " كل مصيبة بعده جلل" (٥) أي: صغيرة.
стр. 786
واستشهد يومئذ خمسة وستون رجلًا؛ أربعة وأربعون من المهاجرين وسائرهم من الأنصار، وقتل من الكفار اثنان وعشرون رجلًا (١).
وقال ابن كثير: أكثر، فإن حمزة ﵁ لم يُقْتَل حتى قَتَل أحدا وثلاثين رجلًا وأبو دجانة وعلي وسهيل بن حنيف والحارث بن الصمة قتلوا كثيرًا, ورمى طلحة وسعد فما سقط لهما سهم إلا أصاب كافرًا, وأنس بن النضر وسعد بن الربيع لم يقتلا حتى قتلا خلقًا كثيرًا فربك أعلم بعدتهم (٢).
وقد كان في قصة أُحُد وما أصيب به المسلمون عبر وحكم ربانية.
منها: سوء عاقبة المخالفة وشؤم ارتكاب النهي لما ترك الرماة موقفهم الذي أمر به المصطفى ﷺ أن لا يفارقوه.
ومنها: أنَّ عادة الرسل أنْ تبتلى وأنْ تكون لهم العاقبة.
ومنها: أن الله تعالى هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لا تبلغها أعمالهم فقيَّضَ لهم أسباب الابتلاء والمحن ليصلوا إليها.
ومنها: أن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء وساقهم إليها بين يدي الرسول ليكون شهيدًا عليهم.
ومنها: أنه أراد هلاك أعدائه فقيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها ذلك؛ من كفرهم وبغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه.
[٢٢١ أ/س]
ومنها: أنهم لو انتصروا دائمًا دخل في المسلمين من ليس منهم ولم يتميز الصادق من غيره, ولو انكسروا دائمًا لم يحصل المقصود من البعثة, فاقتضت الحكمة الإلهية الجمع بينهما ليتميز الصادق /من الكاذب؛ فلما وقع ذلك ظهر أهل النفاق فعرف المسلمون أن لهم عدوا في ديارهم فتحرزوا منهم كما قال تعالى ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران ١٦٦: ١٦٧] الأية (٣).
стр. 787
ولما حصل ما حصل أظهر عبدالله بن أُبَيٍّ والمنافقون الشماتةَ وقبحَ القول, وأظهرت اليهود القول السيء فقالوا: ما محمد إلا طالب ملك، ما أصيب هكذا نبي قط, فاستأذنه عمر ﵁ في قتل من سمع منه ذلك فقال ﷺ : إن الله مُظهِرٌ دينه ومُعِزٌّ نبيه, ولليهود ذمة فلا تقتلهم قال: والمنافقون. قال: أفليس (١) الشهادة؟! قال: نعم. تعوذًا من السيف. قال: إني نهيت عن قتل المصلين (٢).
وقد نزل في شأن أُحُد إحدى وستون آية في سورة آل عمران. وعن عبدالرحمن بن عوف ﵁: أُنزل في شأن أُحُد عشرون ومائة آية من آل عمران من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٢١] الآيات.
وفي معالم التنزيل (٣) عن ابن عباس ﵄ قال رسول الله ﷺ : " لما أصيب إخوانكم يوم أُحُد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة, وتأكل من ثمارها, وتسرح من الجنة حيث شاءت, وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب. قال الله ﵎: فأنا أبلغهم عنكم. فأنزل الله على رسوله ﷺ ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩] الآية. رواه أحمد (٤).
وفي حديث أبي مسعود ﵁ في شهداء أحد قال: فيطلع الله عليهم اطلاعة، فيقول: يا عبادي ما تشتهون فأزيدكم؟ فيقولون: يا ربنا لا فوق ما أعطيتنا الجنة، نأكل منها حيث نشاء ثم يطلع عليهم اطلاعة فيقول: يا عبادي ما تشتهون؟ فيقولون: ربنا لا فوق ما أعطيتنا الجنة، نأكل منها حيث نشاء, إلا أنا نحب أن ترد علينا أرواحنا / في أجسادنا، ثم تردنا إلى الدنيا، فنقاتل فيك حتى نقتل مرة أخرى" (٥).
стр. 788
[٩٧ ب/س]
وقال رسول الله ﷺ : لجابر بن عبدالله الانصاري ﵁: ألا أبشرك يا جابر؟ قال: بلى، قال: إن أباك حيث أصيب بأحد أحياه الله، ثم قال: ما تحب يا عبدالله أن أفعل بك؟ قال: أحب يا رب أن تردَّني إلى الدنيا فأقاتل فيك فأقتل مرة أخرى (١).
وفي الاكتفاء قال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده ما من مؤمن يفارق الدنيا يحب أن يرجع إليها ساعة من النهار وأن له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد فإنه يحب أن يرد إلى الدنيا فيقاتل في الله فيقتل مرة أخرى" (٢).
(صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ) بنصب "صلاته" أي مثل صلاته على الميت وزاد في غزوة أحد، من طريق حيوة بن شريح، عن يزيد: "بعد ثمان سنين، كالمودع للأحياء والأموات" (٣)، لكن في قوله: بعد ثمان سنين تجوُّزٌ؛ لأن وقعة أُحُد كانت في شوال سنة ثلاث، كما مر. ووفاته ﷺ في ربيع الأول سنة إحدى عشرة, فيكون بعد سبع سنين ودون النصف, فهو من باب جبر الكسر.
وقال العيني: قوله: "صلاته على الميت" يرد قول من قال: إن الصلاة في الأحاديث التي وردت محمولة على الدعاء (٤). وممن قال به ابن حبان (٥) والبيهقي (٦) والنووي, حتى قال النووي: المراد
стр. 789
بالصلاة هنا الدعاء, وأما كونه مثل الذي على الميت فمعناه أنه دعا لهم بمثل الدعاء الذي كانت عادته أن يدعو به للموتى (١).
قال العيني: هذا عدول عن المعنى الذي يتضمنه هذا اللفظ لتمشية مذهبه في ذلك وهذا ليس بإنصاف (٢).
وقال الطحاوي: معنى صلاته ﷺ لا يخلو من ثلاثة معان: إما أن يكون ناسخًا لما تقدم من ترك الصلاة عليهم, أو يكون من سننهم أن لا يصلي عليهم إلا بعد هذه المدة, أو يكون الصلاة عليهم جائزة بخلاف غيرهم فإنها واجبة. وأيها كان فقد ثبت بصلاته عليهم الصلاة على الشهداء. ثم كأن الكلام بين المختلفين في عصرنا إنما هو في الصلاة عليهم قبل دفنهم, وإذا ثبتت الصلاة عليهم بعد الدفن كانت قبل الدفن أولى انتهى (٣).
وقال الحافظ العسقلاني: "وغالب ما ذكره في حيز المنع لا سيما دعوى الحصر فإن صلاته عليهم يحتمل أمورًا أخر. منها: أن يكون من خصائصه. ومنها: أن يكون بمعنى الدعاء، ثم هي واقعة عين لا عموم فيها فكيف ينتهض الاحتجاج بها لدفع حكم قد تقرر؟! ولم يقل أحد من العلماء بالاحتمال الثاني الذي ذكره" انتهى (٤).
[٢٢١ أ/ص]
وتعقبه العيني: بأن كل /ما ذكره ممنوع؛ لأن قوله: منها أن يكون من خصائصه، لا يصح؛ لأن إثبات الخصوصية من غير دليل عليه لا يعتبر ولا تثبت الخصوصية بالاحتمال. وقوله: ومنها أن يكون بمعنى الدعاء، يرده لفظ الحديث. وقوله: وهي واقعة عين لا عموم فيها، كلام غير موجه؛ لأن هذا الكلام لا دخل له في هذا المقام، وقوله: لدفع حكم تقرر، لا ينتهض دليلًا له لدفع خصمه؛ لأنه لا يعلم ما هذا الحكم المقرر. وقوله: ولم يقل أحد من العلماء بالاحتمال الثاني، كلام واهٍ؛ لأنه ما ادعى أن أحدًا من العلماء قال به حتى ينكر عليه، وإنما ذكره بطريق الاستنباط من لفظ الحديث. انتهى. فليتأمل (٥).
стр. 790
(ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ) وفي لفظ مسلم في المغازي: "ثم صعد المنبر كالمودع للأحياء والأموات" (١).
(فَقَالَ «إِنِّى فَرَطٌ لَكُمْ) بفتح الفاء والراء هو الذي يتقدم الواردة ليصلح لهم الحياض والدلاء ونحوهما. (٢) أي: أنا سابقكم إلى الحوض، كالمهيئ له لأجلكم. وفي لفظ مسلم في المغازي فقال: "إني فرطكم على الحوض، وأن عرضه كما بين أيلة والجحفة" وفيه إشارة إلى قرب وفاته ﷺ وتقدمه على أصحابه؛ ولذا قال: " كالمودع للأحياء والأموات" وفي آخره قال عقبة ﵁ " فكانت آخر ما رأيت رسول الله ﷺ على المنبر" (٣).
(وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ) أشهد لكم بأعمالكم, فكأنه باق معهم لم يتقدمهم بل يبقى بعدهم حتى يشهد بأعمالهم, فهو ﷺ قائم بأمرهم في الدارين، في حال حياته وموته.
وفي حديث ابن مسعود ﵁ عند البزار، بإسناد جيد: " حياتي خير لكم، ووفاتي خير لكم، تعرض علي أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم" (٤).
(وَإِنِّى وَاللَّهِ لأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِى الآنَ) هو على ظاهره؛ أي: أنظر نظرًا حقيقيًا بطريق الكشف, ففيه أن الحوض مخلوق موجود اليوم وأنه حقيقي كما ذهب إليه أهل السنة.
стр. 791
(وَإِنِّى أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ - أَوْ مَفَاتِيحَ الأَرْضِ) شك من الراوي، والمفاتيح جمع مفتاح ويروي مفاتح بدون الياء فهو مفتح على وزن مفعل بكسر الميم, وفيه إشارة إلى ما فتح على أمته من الملك والخزائن من بعده ﷺ .
[٢٢٢ أ/س]
(وَإِنِّى وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِى) أي: ما أخاف على مجموعكم الإشراك بالله؛ بل على بعضكم، /فإن ذلك قد وقع من بعض والعياذ بالله تعالى.
(وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا) بإسقاط إحدى التائين" تنافسوا" والأصل: تتنافسوا , والضمير فيها لخزائن الأرض المذكورة، أو للدنيا المصرح بها في مسلم بلفظ: "ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تتنافسوا" (١).
والمنافسة هي الرغبة في الشيء، والانفراد به, وهو من الشيء النفيس الجيد في نوعه ونافست الشيء منافسة ونفاسًا إذا رغبت فيه (٢).
وفي الحديث أنه ﷺ قد صلى على أهل أحد بعد مدة, فدل على أن الشهيد يصلى عليه كما يصلى على من مات حتف أنفه، وإليه ذهب إمامنا الأعظم أبو حنيفة، وأول الخبر في ترك الصلاة عليهم يوم أحد على معنى اشتغاله عنهم وقلة فراغه لذلك، وكان يومًا صعبًا على المسلمين، فعذروا بترك الصلاة عليهم (٣). كما مر تفصيلا.
[٩٧ ب/ص]
/وفيه أيضًا: جواز الحلف من غير استحلاف لتفخيم الشيء وتوكيده, وفيه غير ذلك مما تقدم.
(تنبيه) قال ابن حزم الظاهري: إن من صلى على الشهيد فحسن، وإن لم يصل عليه فحسن أيضًا، واستدل بحديثي جابر وعقبة ﵄، وقال: ليس يجوز أن يترك أحد الأثرين المذكورين للآخر؛ بل كلاهما حق مباح، وليس هذا مكان نسخ؛ لأن استعمالهما معا ممكن في أحوال مختلفة. والله أعلم (٤).
ورجال إسناد الحديث كلهم مصريون، وهو من أصح الأسانيد وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي.
стр. 792
وقد أخرج متنه المؤلف في علامات النبوة وفي المغازي وذكر الحوض أيضًا، وأخرجه مسلم في فضائل النبي ﷺ ، وأبو داود في الجنائز، وكذا النسائي (١).
стр. 793
بَابُ دَفْنِ الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ .
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀:
١٣٤٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ
قَالَ الشَّارِحُ ﵀:
(بَابُ) جواز (دَفْنِ الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ) قيل: لو قال: باب دفن الشخصين والثلاثة، لكان أحسن ليتناول النساء أيضًا. لكن النساء تبع للرجال في الأحكام إلا إذا خصصن بشيء منها (١).
وسقط في رواية قوله: "واحد" (٢) , ثم جواز ذلك عند الضرورة بأن كثر الموتى وعسر إفراد كل ميت بقبر. قاله القسطلاني (٣).
(حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ (٤)) الملقب بسعدويه البزار, وقد مر في باب الماء الذي يغسل به الشعر في كتاب الوضوء قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابن سعد الإمام قال (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) الزهري (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاري ﵁ (أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ) أي: في قبر واحد, وبهذا يطابق الحديث الترجمة, وليس فيه ذكر الثلاثة, وإنما ذكره في الترجمة على عادته بالإشارة إلى ما ورد من لفظ الثلاثة, ولكنه لما لم يكن
стр. 794
على شرطه لم يورده, وهو ما رواه الكجي (١) في سننه عن ابن عباس ﵄ قال: شكوا إلى النبي ﷺ القرح يوم أحد، فقال: احفروا واجعلوا في القبر الاثنين والثلاثة, وقدموا أكثرهم قرانًا" (٢)
[٢٢٢ أ/ص]
وروى أبو داود من حديث أنس ﵁، "أن رسول الله ﷺ مر على حمزة ﵁ وقد مثل به" الحديث وفيه: "فكان الرجل والرجلان والثلاثة يكفنون في الثوب الواحد". زاد قتيبة: ثم يدفنون في قبر واحد (٣). وأخرجه الترمذي /وقال: غريب.
وقيل: ذكر الثلاثة بالقياس. وفيه نظر؛ لأنه لو كان بالقياس لكان يقول: باب دفن الرجلين وأكثر في قبر واحد، هذا (٤).
وفي حديث هشام بن عامر الأنصاري ﵁ عند أصحاب السنن مما ليس على شرط المؤلف "جاءت الأنصار إلى رسول الله ﷺ يوم أحد فقالوا: أصابنا قرح وجهد فقال: احفروا وأوسعوا واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر" (٥) فلعل المؤلف أشار إلى ذلك, ويوجد من حديث هشام ﵁ أن ذلك إنما فعل للضرورة.
стр. 795
فعلى هذا فالمستحب في حال الاختيار أن يدفن كل ميت في قبر واحد، فلو جمع اثنان في قبر، واتحد الجنس: كرجلين وامرأتين، كره عند الماوردي، وحرم عند السرخسي (١)، ونقله عنه النووي في شرح المهذب مقتصرًا عليه (٢).
قال السبكي: لكن الأصح الكراهة، أو نفي الاستحباب، أما التحريم فلا دليل عليه. انتهى (٣).
وأما إذا لم يتحد الجنس: كرجل وامرأة، وإن دعت ضرورة شديدة لذلك جاز، وإلا فيحرم، كما في الحياة. ومحل ذلك إذا لم يكن بينهما محرمية، أو زوجية، وإلا فيجوز الجمع. صرح به ابن الصباغ، وغيره، كما قاله ابن يونس، ويحجز بين الميتين مطلقًا بتراب، ندبًا، والقياس أن الصغير الذي لم يبلغ حد الشهوة كالمحرم؛ بل أولى وأن الخنثى مع الخنثى، أو غيره كالأنثى مع الذكر مطلقًا (٤).
وقال مالك وأبو حنيفة: لا بأس أن يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد (٥). لكن يجعل بينهما حائل من تراب ولا سيما إذا كانا أجنبيين لما روى عبدالرزاق بإسناد حسن عن واثلة بن الأسقع ﵁ أنه كان يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد فيقدم الرجل ويجعل المرأة وراءه" (٦) وكأنه كان يجعل بينهما حائلًا من تراب. الله أعلم بالصواب.
стр. 796
بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ غَسْلَ الشُّهَدَاءِ .
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀:
١٣٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «ادْفِنُوهُمْ فِى دِمَائِهِمْ». - يَعْنِى يَوْمَ أُحُدٍ - وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ.
قَالَ الشَّارِحُ ﵀:
(بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ غَسْلَ الشُّهَدَاءِ) فكأنه أشار بذلك إلى رد ما روى عن سعيد بن المسيب أنه قال: يغسل الشهيد؛ لأن كل ميت يجنب فيجب غسله, وبه قال الحسن البصري وقد ذكر تفصيله (١).
(حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هشام بن عبدالملك الطيالسي قال: (حَدَّثَنَا لَيْثٌ) بلام واحدة هو ابن سعد الفهمي الإمام الكبير (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهري (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ) وفي رواية زيادة ابن مالك (٢).
[٢٢٣ أ/س]
(عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبدالله الأنصاري ﵁ (قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : /ادْفِنُوهُمْ) أي: المستشهدين (فِى دِمَائِهِمْ - يَعْنِى يَوْمَ أُحُدٍ - وَلَمْ يَغْسِلْهُمْ) بفتح التحتانية وتخفيف السين المهملة كذا في رواية. وفي رواية أخرى بضم التحتانية وفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة (٣).
واستدل بعمومه على أن الشهيد لا يغسل حتى ولا الجنب، والحائض، وهو الأصح عند الشافعية (٤).
стр. 797
وقيل: يغسل للجنابة لا بنية غسل الميت؛ لما روى في قصة حنظلة بن الراهب (١) أنه قتل يوم أحد وهو جنب ولم يغسله ﷺ , وقال: "رأيت الملائكة تغسله". رواها ابن إسحاق وغيره (٢).
[٩٨ ب/س]
وروى الطبراني من حديث ابن عباس ﵄ بإسناد لا بأس به عنه قال: " أصيب حمزة بن عبد المطلب وحنظلة بن الراهب وهما جنبان فقال: رسول الله ﷺ : رأيت الملائكة تغسلهما" (٣) غريب في ذكر حمزة ﵁ / وأجيب بأنه لو كان واجبًا ما اكتفى فيه بغسل الملائكة, فدل على سقوطه عمَّن يتولى أمر الشهيد (٤).
стр. 798
بَابُ مَنْ يُقَدَّمُ فِي اللَّحْدِ .
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀:
وَسُمِّيَ اللَّحْدَ لأَنَّهُ فِي نَاحِيَةٍ وَكُلُّ جَائِرٍ مُلْحِدٌ. ﴿مُلْتَحَدًا﴾: مَعْدِلًا. وَلَوْ كَانَ مُسْتَقِيمًا كَانَ ضَرِيحًا.
١٣٤٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنِى ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ: «أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ». فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِى اللَّحْدِ وَقَالَ: «أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ». وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ.
قَالَ الشَّارِحُ ﵀:
(بَابُ مَنْ يُقَدَّمُ) من الموتى (فِي اللَّحْدِ) إذا وضعوا وهو بفتح اللام وضمها, يقال: لحدت الميت وألحدت له، قال الفراء: الرباعي أجود، وقال غيره: الثلاثي أكثر ويؤيد في حديث عائشة ﵂ في دفن النبي ﷺ "فأرسلوا إلى الشقاق، واللاحد" (١) الحديث أخرجه ابن ماجه.
وأصله الميل لأحد الجانبين (٢) ولذا قال المؤلف: (وَسُمِّيَ اللَّحْدَ) أي: لحدًا (لأَنَّهُ) شق يعمل (فِي نَاحِيَةٍ) أي: جانب من القبر مائلًا عن استوائه، قدر ما يوضع فيه الميت في جهة القبلة فيوضع فيه ويطبق عليه اللبن.
(وَكُلُّ جَائِرٍ مُلْحِدٌ) من الإلحاد من باب الإفعال, وقد مر أن أصله الميل والعدول عن الشيء, وقيل للمائل عن الدين: ملحد ,وقد يقال: إن الملحد هو المماري والمجادل.
стр. 799
وفي الجمهرة كل مائل لاحد وملحد ولا يقال له ذلك حتى يميل عن الحق إلى باطل (١).
والجائر يسمى اللاحد أيضًا وقال المؤلف: في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ (مُلْتَحَدًا﴾) [الكهف: ٢٧] أي: (مَعْدِلًا) أي ملتجأ يعدل إليه عن الله تعالى؛ لأن قدرته محيطة بجميع خلقه، كذا فسره الطبري (٢).
وهو من باب الافتعال من اللحد من لحد إلى الشيء والتحد إذا مال كما مر. ومن عادة المؤلف أن يفسر ما يناسب لفظ الحديث مما في القرآن.
(وَلَوْ كَانَ) أي: القبر أو الشق (مُسْتَقِيمًا) أي غير مائل إلى ناحية (كَانَ) وفي رواية: لكان باللام (٣) (ضَرِيحًا) لأن الضريح شق في الأرض على الاستواء.
[٢٢٣ أ/ص]
وقال ابن الأثير: الضارح: هو الذي يعمل الضريح، وهو القبر، وهو فعيل بمعنى مفعول، من الضرح: /وهو الشق في الأرض (٤).
ثم الجمهور على كراهة الدفن في الشق؛ ومنهم إبراهيم النخعي وأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد, ولو شقوا لمسلم يكون تركًا للسنة اللهم إلا إذا كانت الأرض رخوة لا تحتمل اللحد؛ فإن الشق حينئذ يتعين (٥).
وقال فخر الإسلام في الجامع الصغير: وإن تعذر اللحد فلا بأس بتابوت يتخذ للميت, لكن السنة أن يفرش فيه التراب (٦).
стр. 800
وقال صاحب المبسوط والمحيط والبدائع وغيرهم عن الشافعي: إن الشق أفضل عنده (١) , وهكذا نقله القرافي في الذخيرة عنه (٢).
وقال النووي في شرح المهذب: أجمع العلماء على أن اللحد والشق جائزان, لكن إن كانت الأرض صلبة لا ينهار ترابها فاللحد أفضل وإن كانت رخوة تنهار فالشق أفضل (٣).
قال العيني: وفيه نظر من وجهين:
الأول: أن الأرض إذا كانت رخوة يتعين الشق فلا يقال أفضل.
والثاني: أنه يصادم الحديث الذي رواه الأئمة الأربعة عن ابن عباس، ﵄، قال: قال النبي ﷺ : "اللحد لنا والشق لغيرنا" (٤)، ومعنى اللحد لنا أي: لأجل أموات المسلمين، والشق لأجل أموات الكفار.
وقال شيخ زين الدين: المراد بقوله: لغيرنا أهل الكتاب كما ورد مصرحًا به في بعض طرق حديث جرير، في مسند الإمام أحمد "والشق لأهل الكتاب" (٥) فالنبي ﷺ جعل اللحد للمسلمين
стр. 801
والشق لأهل الكتاب فكيف يكونان سواء؟! على أنه روى عن جماعة من الصحابة ﵃ عن النبي ﷺ في اللحد منها حديث عائشة ﵂ رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (١) ومنها حديث ابن عمر ﵄ "أن النبي ﷺ أوصى أن يلحد له" (٢) رواه ابن أبي شيبة أيضًا.
وروى ابن ماجه عن عائشة ﵂ قالت: لما مات رسول الله ﷺ اختلفوا في اللحد والشق، حتى تكلموا في ذلك، وارتفعت أصواتهم، فقال عمر، ﵁: لا تصخبوا عند رسول الله ﷺ حيًا ولا ميتا، أو كلمة نحوها، فأرسلوا إلى الشقاق، واللاحد جميعا، فجاء اللاحد، فلحد لرسول الله ﷺ ، ثم دفن" (٣).
وفي طبقات ابن سعد, من رواية حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: "كان بالمدينة حفاران" وفي رواية "قباران أحدهما يلحد والآخر يشق" (٤) الحديث.
стр. 802
[٢٢٤ أ/س]
/ومنها حديث سعد رواه مسلم والنسائي وابن ماجه من رواية عامر بن سعد بن أبي وقاص، أن سعد بن أبي وقاص ﵁، قال في مرضه الذي هلك فيه: " ألحدوا لي لحدا، وانصبوا علي اللبن، كما فعل برسول الله ﷺ " (١)
ومنها: حديث أنس ﵁ رواه ابن ماجه عنه قال: "لما توفي النبي ﷺ ، كان بالمدينة رجل يلحد، والآخر يضرح، فقالوا: نستخير ربنا، ونبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه، فأرسل إليهما فسبق صاحب اللحد، فألحدوا للنبي ﷺ " (٢).
ومنها حديث بريدة ﵁ رواه البيهقي عن ابن بردة عن أبيه قال: "أدخل النبي ﷺ من قبل القبلة وألحد له لحد، ونصب عليه اللبن نصبا" (٣).
ومنها حديث أبي طلحة رواه ابن سعد في الطبقات قال: "اختلفوا في الشق واللحد للنبي ﷺ فقال المهاجرون: شقوا كما يحفر أهل مكة. وقالت الأنصار: الحدوا كما يحفر بأرضنا. فلما اختلفوا في ذلك قالوا: اللهم خِرْ لنبيك. ابعثوا إلى أبي عبيدة وإلى أبي طلحة فأيهما جاء قبل الآخر فليعمل عمله. قال: فجاء أبو طلحة فقال: والله إني لأرجو أن يكون الله قد خار لنبيه ﷺ إنه كان يرى اللحد فيعجبه" (٤).
стр. 803
[٩٨ ب/ص]
ثم الحكمة في اختياره ﷺ اللحد على الشق لكونه أستر للميت, واختيار السنة للأنصار فإنه ﷺ قال لهم: "المحيا محياكم والممات مماتكم" (١) فأراد إعلامهم بأنه إنما يموت عندهم, ولا يريد الرجوع إلى بلده مكة فوافقهم / أيضًا في صفة الدفن.
وفيه حديث رواه السلفي عن أُبَيّ بن كعب ﵁ يرفعه: "اللحد لآدم وغسل بالماء وترا وقالت الملائكة: هذه سنة ولده من بعده" (٢).
(حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ) المروزي وفي رواية محمد بن مقاتل قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابن المبارك المروزي قال: (أَخْبَرَنَا لَيْثُ) وفي رواية الليث بلام التعريف (بْنُ سَعْدٍ) إمام مصر.
قال: (حَدَّثَنِى) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) الزهري (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاري ﵁.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمْ) أيْ: أيُّ القتلى (أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ. فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِى اللَّحْدِ) مما يلى القبلة /وحق لقارئ القرآن الذي خالط لحمه ودمه وأخذ بمجامعه، أن يقدم على غيره في حياته في الإمامة، وفي مماته في القبر.
[٢٢٤ أ/ص]
وفي الحديث تقديم الأفضل، فيقدم الرجل ولو ابنا، ثم الصبي، ثم الخنثى، ثم المرأة. فإن اتحد النوع قدم بالأفضلية المعروفة في نظائره؛ كالأفقه والأقرأ، إلا الأب فيقدم على الابن وإن فضله الابن لحرمة الأبوة، وكذا الأم مع البنت.
(وَقَالَ:) ﷺ (أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ) أي: حفيظ عليهم، أراقب أحوالهم، وأشفع لهم.
стр. 804
(وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ) ﷺ (عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَغْسلْهُمْ) بفتح أوله وسكون ثانيه.
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀:
١٣٤٨ - وَأَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِىُّ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِقَتْلَى أُحُدٍ: «أَىُّ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ». فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى رَجُلٍ قَدَّمَهُ فِى اللَّحْدِ قَبْلَ صَاحِبِهِ. وَقَالَ جَابِرٌ: فَكُفِّنَ أَبِى وَعَمِّى فِى نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ
١٣٤٨ م - وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ: حَدَّثَنِى الزُّهْرِىُّ حَدَّثَنَا مَنْ سَمِعَ جَابِرًا - رضى الله عنه.
قَالَ الشَّارِحُ ﵀:
قال أبو عبدالله البخاري: (وَأَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِىُّ) هو عبد الرحمن (عَنِ الزُّهْرِىِّ) محمد بن مسلم بن شهاب (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) ﵁ قال: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِقَتْلَى أُحُدٍ: أَىُّ هَؤُلَاءِ) القتلى (فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى رَجُلٍ قَدَّمَهُ فِى اللَّحْدِ قَبْلَ صَاحِبِهِ) وهذا طريق منقطع؛ لأن ابن شهاب الزهري لم يسمع من جابر؛ لأن جابرًا ﵁ توفي سنة ثمان وثمانين (١) وفي الكاشف: سنة ثمان وسبعين (٢). ومولد الزهري سنة ثمان وخمسين قاله الواقدي (٣).
وقال أبو زرعة الدمشقي: مولده سنة خمسين (٤) قال العيني: لقيه ممكن، ولكن سماعه منه لم يثبت، وأما طريق ابن شهاب الأول فمتصل (٥).
(وَقَالَ جَابِرٌ) ﵁ (فَكُفِّنَ أَبِى) عبدالله بن عمرو بن حرام (وَعَمِّى) عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام.
стр. 805
ذكر في التلويح أن قوله: عمى، يتبادر منه إلى الذهن أنه عم جابر ﵁ وليس كذلك؛ لأنه عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام وعبدالله أبو جابر هو ابن عمرو بن حرام فهو ابن عمه وزوج أخته هند بنت عمرو, فسماه عمًا تعظيمًا له وتكريمًا. ذكره أبو عمر وغيره (١).
وقال الكرماني: قوله: "عمي" قيل: هذا تصحيف "عمرو" أو وهم؛ لأن المدفون مع أبيه هو عمرو بن الجموح الأنصاري الخزرجي السلمي, ويحتمل أن يجاب عنه أنه أطلق العم عليه مجازًا كما هو عادتهم فيه, لا سيما وقد كان بينهما قرابة (٢).
وقال النووي: إن عبد الله وعمرًا كانا صهرين (٣).
(فِى نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ) بفتح النون وكسر الميم بردة من صوف أو غيره مخططة (٤).
[٢٢٥ أ/س]
وقال القزاز: هي دراعة فيها لونان سواد وبياض. /ويقال للسحابة إذا كانت كذلك: نمرة (٥).
وقال الكرماني: النمرة بردة من صوف يلبسها الأعراب, وهي بكسر الميم وسكونها, ويجوز كسر النون مع سكون الميم (٦).
ذكر الواقدي وابن سعد أنهما كفنا في نمرتين فإن صح حمل على أن النمرة الواحدة شقت بينهما نصفين (٧).
وفي طبقات ابن سعد أن ذلك كان بأمر رسول الله ﷺ ولفظه: "قالوا: وكان عبدالله بن عمرو بن حرام أول قتيل قتل من المسلمين يوم أحد، قتله سفيان بن عبد شمس، وقال رسول الله
стр. 806
- ﷺ : ادفنوا عبدالله بن عمرو وعمرو بن الجموح لما كان بينهما من الصفاء. وقال: ادفنوا هذين المتحابين في الدنيا في قبر واحد" (١).
(وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلثة أبو محمد العبدي قال النسائي: ليس به بأس إلا في الزهري. وقال يحيى بن معين: ضعيف (٢).
(حَدَّثَنِى الزُّهْرِىُّ) قال: (حدثني (٣) مَنْ سَمِعَ جَابِرًا ﵁) هو المسمى في رواية الليث وهو عبدالرحمن بن كعب بن مالك قال الكرماني: واعلم أن الفرق بين هذه الطرق أن الليث ذكر عبدالرحمن واسطة بين الزهري وجابر, والأوزاعي لم يذكر الواسطة بينهما, وسليمان ذكر واسطة مجهولًا فاعلم ذلك (٤).
وقال الدارقطني: اضطرب فيه الزهري، ومنع الحافظ العسقلاني الاضطراب بأن الحاصل من الاختلاف فيه على الثقات, أن الزهري حمله عن شيخين، وأما إبهام سليمان لشيخ الزهري وحذف الأوزاعي له فلا يؤثر ذلك في رواية من سماه؛ لأن الحجة لمن ضبط وزاد إذا كان ثقة, لا سيما إذا كان حافظًا (٥).
وتعقبه العيني: بأن الاختلاف على الثقات والإبهام مما يورث الاضطراب، ولا يندفع ذلك بما ذكره (٦).
стр. 807
بَابُ الإِذْخِرِ وَالحَشِيشِ فِي القَبْرِ .
قالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀:
١٣٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «حَرَّمَ اللَّهُ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِى وَلَا لأَحَدٍ بَعْدِى، أُحِلَّتْ لِى سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَاّ لِمُعَرِّفٍ». فَقَالَ الْعَبَّاسُ - رضى الله عنه -: إِلَاّ الإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ: «إِلَاّ الإِذْخِرَ». وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ : «لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا».
-
قَالَ الشَّارِحُ ﵀:
(بَابُ) استعمال (الإِذْخِرِ) بكسر الهمزة وسكون الذال المعجمة وكسر الخاء المعجمة وفي آخره راء: نبت معلوم طيب الرائحة وله أصل مندق (١) وقضبان دقاق ذفر (٢) الريح, وهو مثل الأسل؛ أسل الكولان, إلا انه أعرض وأصغر كعوبًا, وله ثمرة كأنها مكاسح القصب, إلا أنها أرق وأصغر (٣).
وقال أبو زياد: الإذخر يشبه في نباته الغرر, نباته نبات الأسل الذي يعمل منه الحصر, والإذخر أدق منه وله كعوب كثيرة, وهو يطحن فيدخل في الطيب (٤).
وقال أبو نصر: هو من الذكور، وإنما الذكور من البقل، وليس الإذخر من البقل, وله أرومة فينبت فيها فهو بالحلية أشبه (٥).
[٢٢٥ أ/ص]
[٩٩ ب/س]
وقال/ أبو عمر: هو من الحلية, وقلما ينبت الإذخر منفردًا, وهو ينبت في السهول /والحزون, وإذا جف الإذخر ابْيَضَّ (٦).
стр. 808
وفي شرح ألفاظ المنصوري: [الا] (١) الإذخر خشب يجلب من الحجاز وبالمغرب صنف منه. قيل: هذا أصح ما قيل في الإذخر, ويدل عليه قول ابن عباس ﵄: "لبيوتهم وقبورهم"، فإن البيوت ما تسقف إلا بالخشب ولا يجعل على اللحود إلا الخشب، هذا.
وفيه أن المراد به ما ينسد به الفُرَج التي تتخلل بين اللبنات بدليل قوله: (وَالحَشِيشِ) فإن الحشيش وهو اليابس من الكلأ (٢) لا يسقف به؛ لأنه غير متماسك لا رطبًا ولا يابسًا (٣).
(فِي القَبْرِ) فإن قيل: ليس في الحديث ذكر الحشيش فلم ذكره في الترجمة؟.
فالجواب: أنه نبَّه به على إلحاقه بالإذخر؛ لأن المراد باستعمال الإذخر هو سد الفرج التي بين اللبنات والبسط لا التطيب, فيكون الحشيش في معناه, كما أن المسك وما جانسه من الطيب داخل في معنى الحنوط والكافور للميت. والله أعلم (٤).
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ (٥)) بفتح المهملة والشين المعجمة بينهما واو ساكنة آخره موحدة, الطائفي.
قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) هو ابن عبدالمجيد الثقفي. قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو الحذاء.
(عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عباس ﵄ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ) أنه (قَالَ) يوم فتح مكة: (حَرَّمَ اللَّهُ مَكَّةَ) أي جعلها حرامًا, وقد فسره بقوله: (فَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِى وَلَا لأَحَدٍ بَعْدِى) وفي رواية: "ولا تحل لأحد بعدي" (٦).
стр. 809
ولفظه في الحج عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: " إن هذا البلد حرمه الله" (١) الحديث.
وفي غزوة الفتح: "إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة" (٢).
وأخرجه البزار عن ابن عباس ﵄ أيضًا قال: " قال رسول الله ﷺ : إن مكة حرام, حرمها الله تعالى يوم خلق السموات والأرض والشمس والقمر" (٣).
وأخرجه الطحاوي أيضًا عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄ قال: "قال رسول الله ﷺ : إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، والشمس والقمر، ووضعها بين هذين الأخشبين" (٤) الحديث.
[٢٢٦ أ/س]
قوله الأخشبين: أي الجبلين المطيفين بمكة، وهما أبو قُبيس والأحمر، وهو جبل مشرف وجهه على قُعَيْقِعَان (٥)، والأخشب كل جبل غليظ خشن (٦). وفي الحديث: "لا تزول /مكة حتى يزول أخشباها" (٧)
стр. 810
(أُحِلَّتْ لِى) أي: أبيح لي القتال فيها (سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) لم يرد بها الساعة اثنتي عشرة ساعة؛ بل المراد القليل من الوقت والزمان, وإنه كان بعض النهار ولم يكن يومًا تامًا, ويدل عليه ما في رواية "وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس" (١).
قيل: هي من ضحوة النهار إلى ما بعد العصر. وقيل: أراد بها ساعة الفتح؛ أبيحت له إراقة الدم فيها دون الصيد وقطع الشجر ونحوهما.
(لَا يُخْتَلَى) بضم المثناة التحتية وسكون المعجمة وفتح المثناة الفوقية على البناء للمفعول من الاختلاء أي: لا يُجَزُّ ولا يقطع. يقال: خليت الخلا واختليته، أي: جززته وقطعته (٢).
(خَلَاهَا) بفتح الخاء واللام مقصورًا, هو الرَّطبُ من الكلأ ,كما أن الحشيش هو اليابس منه, والواحدة خلاة, ولامه ياء لقولهم: خليت البقل قطعته (٣).
وفي المحكم وقيل: الخلا، كل بقلة قطعتها. وقد يجمع على أخلاء، حكاه أبو حنيفة الدِّينَوَرِيُّ. وأخلت الأرض كثر خلاها, واختلاه جزه. وقال اللحياني: نزعه (٤).
وقال القاضي: ومعنى لا يختلى: خلاها لا يحصد كلاها, مقصور ومده بعض الرواة, وهو خطأ؛ بل الممدود هو الموضع الخالي, وأيضًا مصدر خلا يخلو والمخلا وعاء يختلي فيه للدابة, ثم
سمى كل ما يعتلف فيه مما يعلق في رأسها مخلاة, والمعنى: لا يقطع كلاها الرطب الذي ينبت بنفسه (٥).
стр. 811
(وَلَا يُعْضَدُ) على البناء للمفعول أيضًا, أيْ: لا يقطع ولا يكسر (١). يقال: عضد واستعضد بمعنى, كما يقال: علا واستعلى كذلك.
(شَجَرُهَا) وقال الطبري: معنى "لا يعضد شجرها"، لا يفسد ولا يقطع، من: عضد الرجل الرجل أصاب عضده بسوء (٢).
وفي الموعب (٣): عضدت الشجر أعضده عضدًا, مثل ضرب, إذا قطعته.
وفي المحكم: (٤) الشيء معضود وعضيد (٥).
(وَلَا يُنَفَّرُ) على البناء للمفعول من التنفير؛ يقال: نفر ينفر نفورًا ونفارًا إذا فرَّ وذهب (٦) (صَيْدُهَا) أي: لا يزعج من مكانه.
(وَلَا تُلْتَقَطُ) على البناء للمفعول أيضًا (لُقَطَتُهَا) بضم اللام وفتح القاف وسكونها؛ أيْ: لا ترفع ساقطتها (إِلَاّ لِمُعَرِّفٍ) بضم الميم وكسر الراء المشددة, وهو الذي يعرفها ليجئ صاحبها ويأخذ, وفي لفظ للبخاري: "ولا يلتَقِطُ لُقَطَتَهَا إلا من عرفها" (٧).
[٢٢٦ أ/ص]
وفي لفظ: "ولا تحل لقطتها إلا لمنشد" (٨) والمنشد هو المعرف, والناشد هو الطالب؛ يقال: نشدت /الضالة إذا طلبتها, فإذا عرفتها قلت: أنشدتها, وأصل الإنشاد رفع الصوت, ومنه إنشاد الشعر (٩).
стр. 812
(فَقَالَ الْعَبَّاسُ): ﵁ (إِلَاّ الإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا) جمع صائغ وأصله: الصوغة (وَقُبُورِنَا) أيْ: ليكن هذا مستثنى من الكلأ يا رسول الله (فَقَالَ) ﷺ : (إِلَاّ الإِذْخِرُ) يحتمل أن يكون ذلك منه ﷺ باجتهاد منه, أو أوحى إليه في الحال, أو أوحى إليه قبل ذلك أنه إن طلب منه أحد (١) استثناء شيء فاستثن.
ثم لفظ "الإذخر" هنا إما مرفوع على البدلية, وإما منصوب على الاستثناء؛ لكونه واقعًا بعد النفي, لكن المختار -كما قاله ابن مالك- نصبه؛ إما لكون الاستثناء متراخيًا من المستثنى منه فتفوت المشاكلة بالبدلية, وأما لكون الاستثناء عرض في آخر الكلام ولم يكن مقصودًا أولًا. (٢)
[٩٩ ب/ص]
(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِىِّ: ﷺ لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا) /وهذا التعليق وصله المؤلف في باب كتابة العلم بإسناده إلى أبي هريرة ﵁: "أن خزاعة قتلوا رجلًا من بني ليث- عام فتح مكة- بقتيل منهم قتلوه، فأخبر بذلك النبي ﷺ ، فركب راحلته فخطب، فقال: إن الله حبس عن مكة القتل، أو الفيل" الحديث. وفيه: " فقال رجل: إلا الإذخر يا رسول الله، فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا؟ "- أي: لحاجة سقف بيوتنا, نجعله فوق الخشب, ولحاجة قبورنا في سد الفرج التي بين اللبنات والفرش- "فقال النبي ﷺ : إلا الإذخر" (٣).
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀:
١٣٤٩ م - وَقَالَ أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ مِثْلَهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما -: لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ.
-
стр. 813
قَالَ الشَّارِحُ ﵀:
(وَقَالَ أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ) هو ابن عمير بن عبيد القرشي (١) (عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ (٢)) هو ابن يناق, بفتح المثناة التحتية وتشديد النون آخره قاف. المكي.
(عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ (٣)) أيْ: ابن عثمان بن أبي طلحة العبدرية (سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ مِثْلَهُ) بسكون العين وضم التاء, وفي رواية: بفتح العين وكسر التاء لالتقاء الساكنين.
وهذا التعليق وصله ابن ماجه بإسناده إلى أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة، قالت: "سمعت النبي ﷺ يخطب عام الفتح، فقال: يا أيها الناس إن الله حرم مكة، يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام إلى يوم القيامة، لا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا
يأخذ لقطتها إلا منشد. فقال العباس: إلا الإذخر، فإنه /للبيوت والقبور، فقال رسول الله: إلا الإذخر" (٤)
[٢٢٧ أ/س]
واختلف في صحبة صفية هذه, وأبعد من قال: لا رؤية لها. وقد صرح هنا بسماعها من النبي ﷺ (٥).
стр. 814
وقد أخرج ابن منده من طريق محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبدالله بن أبي ثور، عن صفية بنت شيبة، قالت: " والله لكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ حين دخل الكعبة" (١) الحديث.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ (٢) عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: لِقَيْنِهِمْ) بفتح القاف وسكون المثناة التحتية وبالنون هو: الحداد، أي: فإنه لحاجة حدادهم (٣).
(وَ) لحاجة (بُيُوتِهِمْ) أورده لقوله: لقينهم بدل قوله: لقبورنا، وكأنه أشار إلى ترجيح الرواية الأولى لموافقة رواية أبي هريرة وصفية ﵄.
ثم هذا التعليق قطعة من حديث ابن عباس ﵄ المذكور في أول الباب, رواه عكرمة عن ابن عباس ﵄ وسيأتي موصولًا في كتاب الحج (٤).
وقد روى عن ابن عباس ﵄ هذا الحديث بوجوه.
وأخرجه مسلم أيضًا من طريق مجاهد عن طاوس عن ابن عباس ﵄ قال: " قال رسول الله ﷺ : يوم الفتح فتح مكة لا هجرة ولكن جهاد ونية" الحديث وفيه: "فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر. فإنهم لِقَيْنِهِم ولبيوتهم. فقال: إلا الإذخر" (٥).
стр. 815
وفي الحديث: أن مكة حرام, ويحرم فيها أشياء مما يحل في غيرها من البلاد، فإن قيل: في الحديث: "أن الله حرم مكة" وفي حديث صحيح: "أن إبراهيم ﵇ حرم مكة" (١). فالجواب: أن المراد أن إبراهيم ﵇ أبلغ تحريم الله لها، فكان التحريم على لسانه، فنسب إليه (٢).
وحكى الماوردي وغيره الخلاف بين العلماء في ابتداء تحريم مكة؛ فذهب الأكثرون إلى أنها ما زالت محرمة, وأنه خفى تحريمها فأظهره إبراهيم ﵇ وأشاعه, وذهب آخرون إلى أن ابتداء تحريمها من زمن إبراهيم ﵇ وأنها كانت قبل ذلك غير محرمة كغيرها من البلاد, وإن معنى حرمها الله يوم خلق السموات والأرض: أنه قدر ذلك في الأزل أنه سيحرمها على لسان إبراهيم ﵇ (٣).
وقيل: معناه أنه كتب في اللوح المحفوظ يوم خلق السموات والأرض أن إبراهيم ﵇ سيحرم مكة بأمر الله تعالى (٤).
[٢٢٧ أ/ص]
ثم في قوله ﷺ : " أحلت لي ساعةً من نهار" دليل لأبي حنيفة: أن مكة فتحت /عنوة لا صلحًا (٥)؛ لأنه ﷺ فتحها بالقتال. وبه قال الأكثرون, وسيجيء في حديث أبي شريح العدوي
"فإِنْ أحدٌ ترخص لقتال رسول الله ﷺ فيها، فقولوا له: إن الله أذِن لرسوله، - عليه (٦) - ولم يأذن لكم, وإنما أذن لي ساعةً من النهار" (٧).
وذهب الشافعي وجماعة إلى أنها فتحت صلحًا وتأولوا الحديث على أنه أبيح له القتال لو احتاج إليه, ولو احتاج إليه لقاتل ولكنه لم يحتج إليه (٨).
стр. 816
وقال ابن دقيق العيد: وهذا التأويل يبعده قوله: " لقتال رسول الله ﷺ " -يعني في حديث أبي شريح-؛ فإنه يقتضي وجود قتاله ظاهرًا (١).
وقال الشيخ زين الدين: وفي المسألة قول ثالث وهو أن بعضها فتحت صلحًا وبعضها فتحت عنوة؛ لأن المكان الذي دخل منه النبي ﷺ لم يقع فيه القتال, وإنما وقع في غير المكان الذي دخل منه، هذا (٢).
وفي الحديث أيضًا: "لا يجوز اختلاء خلا مكة" هذا مما ينبت بنفسه بالإجماع، وأما الذي يزرعه الناس نحو البقول والخضراوات، والفصيل فإنها يجوز قطعها. واختلف في المرعي فيما أنبته الله من خلاها، فمنعه أبو حنيفة ومحمد وأجازه أبو يوسف ومالك والشافعي وأحمد. وقال ابن المنذر: أجمع على تحريم قطع شجر الحرم (٣).
وقال: اختلف الناس في قطع شجر الحرم هل فيه جزاء أم لا؟ فعند مالك لا جزاء فيه. وعند أبي حنيفة والشافعي فيه الجزاء (٤). وهذا فيما لم يغرسه الآدمي من الشجر وأما ما غرسه الآدمي فلا شيء فيه (٥).
وحكى الخطابي: أن مذهب الشافعي منع قطع ما غرسه الآدمي من شجر البوادي ونماه، وأنه وغيره مما أنبته الله سواء (٦).
واختلف في جزاء الشجر، فعند الشافعي: في الدوحة بقرة، وما دونها. وعند أبي حنيفة: يؤخذ منه قيمة ما قطع يشترى به هدى، فإن لم يبلغ ثمنه تصدق به بنصف صاع لكل مسكين (٧).
[١٠٠ ب/س]
وقال الشافعي: في الخشب/ ونحوه قيمته بالغة ما بلغت. وقال الكوفيون: فيها قيمتها، والمحرم والحلال في ذلك سواء (٨).
стр. 817
واختلفوا في أخذ السواك من شجر الحرم: فعن مجاهد (١) وعطاء (٢) وعمرو بن دينار (٣) أنهم رخصوا في ذلك، وحكى أبو ثور ذلك عن الشافعي (٤)، وكان عطاء يرخص في أخذ ورق السنا يستمشي به ولا ينزع من أصله، ورخص فيه عمرو بن دينار (٥).
[٢٢٨ أ/س]
وفيه دليل على أن الشجر المؤذي لا يقطع من الحرم لإطلاق قوله: "ولا يعضد شجرها"، وهو اختيار /أبي سعد المتولّي من الشافعية. وذهب جمهور أصحاب الشافعي إلى أنه لا يحرم قطع الشوك؛ لأنه مؤذ، فأشبه الفواسق الخمس، وخصوا الحديث بالقياس. وقال النووي: والصحيح ما اختاره المتولى (٦).
وفي الحديث: تحريم إزعاج صيد مكة ونبه بالتنفير على الإتلاف ونحوه؛ لأنه إذا حرم التنفير فالإتلاف أولى.
وفيه أيضًا: أن آخذ لقطة الحرم ليس له غير التعريف أبدًا، ولا يملكها بحال ولا يستنفقها، ولا يتصدق بها حتى يظفر بصاحبها، بخلاف لقطة سائر البقاع، وهو أظهر قَوْلَيِ الشافعي، وبه قال أحمد (٧).
وعندنا لقطة الحل والحرم سواء لعموم قوله ﷺ : " اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة" (٨) من غير فصل (٩).
стр. 818
وروى الطحاوي عن معاذة العدوية: "أن امرأة قد سألت عائشة ﵂ فقالت: إني قد أصبت ضالة في الحرم، فإني قد عرفتها فلم أجد أحدًا يعرفها. فقالت عائشة ﵂: استنفقي بها" (١).
وفيه جواز استعمال الإذخر في القبور والصاغة وأهل مكة يستعملون من الإذخر ذريرة (٢) ويطيبون بها أكفان الموتى (٣). والله أعلم.
стр. 819
بَابٌ: هَلْ يُخْرَجُ المَيِّتُ مِنَ القَبْرِ وَاللَّحْدِ لِعِلَّةٍ .
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀:
١٣٥٠ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَىٍّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَكَانَ كَسَا عَبَّاسًا قَمِيصًا. قَالَ سُفْيَانُ: وَقَالَ أَبُو هَارُونَ: وَكَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَمِيصَانِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلْبِسْ أَبِى قَمِيصَكَ الَّذِى يَلِى جِلْدَكَ. قَالَ سُفْيَانُ: فَيُرَوْنَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَلْبَسَ عَبْدَ اللَّهِ قَمِيصَهُ مُكَافَأَةً لِمَا صَنَعَ.
قَالَ الشَّارِحُ ﵀:
(بَابٌ) بالتنوين (هَلْ يُخْرَجُ) على البناء للمفعول (المَيِّتُ مِنَ القَبْرِ وَاللَّحْدِ (١)) بعد دفنه (لِعِلَّةٍ) أي: لأجل سبب من الأسباب؛ كأن دفن بلا غسل، أو في كفن مغصوب، أو لحقه بعد الدفن سيل.
وإنما أورد الترجمة على سبيل الاستفهام, ولم يذكر جوابه اكتفاء بما في أحاديث الثلاثة عن جابر ﵁؛ لأن في الحديث الأول إخراج الميت من قبره لعلة، وهي إقماص النبي ﷺ عبد الله بن أبي بقميصه الذي يلي جسده.
وفي الحديث الثاني والثالث إخراجه أيضًا لعلة، هي تطييب قلب جابر، ففي الأول لمصلحة الميت، وفي الثاني والثالث لمصلحة الحي، ويتفرع على هذين الوجهين جواز إخراج الميت من قبره إذا كانت الأرض مغصوبة أو ظهرت مستحقة أو توزعت بالشفعة، وكذلك نقل الميت من موضع إلى موضع، فذكر في الجوامع، وإن نقل ميلًا أو ميلين فلا بأس به (٢)، وقيل: ما دون السفر، وقيل: لا يكره السفر أيضا (٣).
стр. 820
وعن عثمان ﵁، أنه أمر بقبور كانت عند المسجد أن تحول إلى البقيع، وقال: توسعوا في مسجدكم (١)، وقيل: لا بأس في مثله.
[٢٢٨ أ/ص]
وقال المازري: ظاهر مذهبنا جواز نقل الميت من بلد إلى بلد، وقد مات سعد بن /أبي وقاص ﵁ بالعقيق ودفن بالمدينة وكذلك سعيد بن زيد (٢).
وفي الحاوي قال الشافعي: لا أحب نقله إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس, فاختار أن ينقل إليها لفضل الدفن فيها (٣).
وقال البغوي , والبندنيجي: يكره نقله، (٤) وقال القاضي حسين والدارمي: يحرم نقله، قال النووي: هذا هو الأصح (٥).
ولم ير أحد بأسا أن يحول الميت من قبره إلى غيره, وقال قد نبش معاذ امرأته وحول طلحة (٦).
فإن قيل: ما فائدة قوله: واللحد مع تناول القبر له؟ فالجواب: أنه أشار إلى جواز الإخراج لعلة، سواء كان وحده في القبر، نبه عليه بقوله: من القبر، أو كان معه غيره، نبه عليه بقوله: واللحد؛ لأن والد جابر ﵄، كان في اللحد ومعه غيره، فأخرجه جابر وجعله في قبر وحده؛ حيث قال في حديثه: "ودفن معه آخر في قبره. . . . إلى آخره". (٧).
(حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن المديني قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) وهو ابن عيينة. كذا نص عليه الحافظ المِزِّي في الأطراف (قَالَ عَمْرٌو) وهو ابن دينار (سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَىٍّ) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد المثناة التحتية، ابن سلول بفتح السين المهملة. وأُبَيُّ هو أبو مالك بن الحارث بن عبيد. وسلول امرأة من
стр. 821
خزاعة, وهي أم أبي مالك بن الحارث, وأم عبد الله ابن أبي خولة بنت المنذر بن حرام من بني النجار, وعبد الله سيد الخزرج في الجاهلية وكان رأس المنافقين (١).
قال الواقدي: مرض عبدالله بن أبي في ليال بقين من شوال ومات في ذي القعدة سنة تسع من الهجرة, وكان مرضه عشرين ليلة وكان رسول الله ﷺ يعوده فيها, فلما كان اليوم الذي توفي فيه دخل عليه رسول الله ﷺ وهو يجود بنفسه. فقال: قد نهيتك عن حب اليهود. فقال: قد أبغضهم أسعد (٢) بن زرارة فما نفعه؟ ثم قال: يا رسول الله ليس هذا بحين عتاب. هو الموت فأحضر غسلي وأعطني قميصك الذي يلي جلدك فكفني فيه وصلِّ علي واستغفر لي, ففعل ذلك رسول الله ﷺ (٣).
[٢٢٩ أ/س]
(بَعْدَ مَا أُدْخِلَ) على البناء للمفعول (حُفْرَتَهُ) أي قبره (فَأَمَرَ بِهِ) أي أمر رسول الله ﷺ بعبدالله بن أُبَيٍّ أي: بإخراجه من قبره (فَأُخْرِجَ، فَوَضَعَهُ) رسول الله ﷺ / (عَلَى رُكْبَتَيْهِ) بالتثنية.
(وَنَفَثَ عَلَيْهِ) وفي رواية: "ونفث فيه" (٤) أي: (مِنْ رِيقِهِ) والنفث بالمثلثة: شبيه بالنفخ، وهو أقل من التفل. قاله في الصحاح. (٥)
وزاد ابن الأثير في النهاية: لأن التفل لا يكون إلا ومعه شيء من الريق (٦). وقيل: هما سواء؛ أي يكون معهما ريق (٧).
[١٠٠ ب/ص]
(وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ) جملة معترضة أي فالله أعلم بسبب إلباس رسول الله ﷺ إياه/ قميصه؛ لأن مثل هذا لا يفعل إلا مع مسلم. وقد كان يظهر من عبد الله هذا ما يقتضي خلاف ذلك، لكنه ﷺ ، اعتمد ما كان يظهر منه من الإسلام، وأعرض عما كان يتعاطاه، مما يقتضي خلاف ذلك. حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] كما سبق.