← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 540

نجاح القاري شرح صحيح البخاري - كتاب الجنائز

يوسف أفندي زاده الأماسي

Полный текст (921 стр.). Показаны 817–856 · переход к 822.

стр. 817

واختلفوا في أخذ السواك من شجر الحرم: فعن مجاهد (١) وعطاء (٢) وعمرو بن دينار (٣) أنهم رخصوا في ذلك، وحكى أبو ثور ذلك عن الشافعي (٤)، وكان عطاء يرخص في أخذ ورق السنا يستمشي به ولا ينزع من أصله، ورخص فيه عمرو بن دينار (٥). [٢٢٨ أ/س] وفيه دليل على أن الشجر المؤذي لا يقطع من الحرم لإطلاق قوله: "ولا يعضد شجرها"، وهو اختيار /أبي سعد المتولّي من الشافعية. وذهب جمهور أصحاب الشافعي إلى أنه لا يحرم قطع الشوك؛ لأنه مؤذ، فأشبه الفواسق الخمس، وخصوا الحديث بالقياس. وقال النووي: والصحيح ما اختاره المتولى (٦). وفي الحديث: تحريم إزعاج صيد مكة ونبه بالتنفير على الإتلاف ونحوه؛ لأنه إذا حرم التنفير فالإتلاف أولى. وفيه أيضًا: أن آخذ لقطة الحرم ليس له غير التعريف أبدًا، ولا يملكها بحال ولا يستنفقها، ولا يتصدق بها حتى يظفر بصاحبها، بخلاف لقطة سائر البقاع، وهو أظهر قَوْلَيِ الشافعي، وبه قال أحمد (٧). وعندنا لقطة الحل والحرم سواء لعموم قوله ﷺ : " اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة" (٨) من غير فصل (٩).

стр. 818

وروى الطحاوي عن معاذة العدوية: "أن امرأة قد سألت عائشة ﵂ فقالت: إني قد أصبت ضالة في الحرم، فإني قد عرفتها فلم أجد أحدًا يعرفها. فقالت عائشة ﵂: استنفقي بها" (١). وفيه جواز استعمال الإذخر في القبور والصاغة وأهل مكة يستعملون من الإذخر ذريرة (٢) ويطيبون بها أكفان الموتى (٣). والله أعلم.

стр. 819

بَابٌ: هَلْ يُخْرَجُ المَيِّتُ مِنَ القَبْرِ وَاللَّحْدِ لِعِلَّةٍ . قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣٥٠ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَىٍّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَكَانَ كَسَا عَبَّاسًا قَمِيصًا. قَالَ سُفْيَانُ: وَقَالَ أَبُو هَارُونَ: وَكَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَمِيصَانِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلْبِسْ أَبِى قَمِيصَكَ الَّذِى يَلِى جِلْدَكَ. قَالَ سُفْيَانُ: فَيُرَوْنَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَلْبَسَ عَبْدَ اللَّهِ قَمِيصَهُ مُكَافَأَةً لِمَا صَنَعَ. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (بَابٌ) بالتنوين (هَلْ يُخْرَجُ) على البناء للمفعول (المَيِّتُ مِنَ القَبْرِ وَاللَّحْدِ (١)) بعد دفنه (لِعِلَّةٍ) أي: لأجل سبب من الأسباب؛ كأن دفن بلا غسل، أو في كفن مغصوب، أو لحقه بعد الدفن سيل. وإنما أورد الترجمة على سبيل الاستفهام, ولم يذكر جوابه اكتفاء بما في أحاديث الثلاثة عن جابر ﵁؛ لأن في الحديث الأول إخراج الميت من قبره لعلة، وهي إقماص النبي ﷺ عبد الله بن أبي بقميصه الذي يلي جسده. وفي الحديث الثاني والثالث إخراجه أيضًا لعلة، هي تطييب قلب جابر، ففي الأول لمصلحة الميت، وفي الثاني والثالث لمصلحة الحي، ويتفرع على هذين الوجهين جواز إخراج الميت من قبره إذا كانت الأرض مغصوبة أو ظهرت مستحقة أو توزعت بالشفعة، وكذلك نقل الميت من موضع إلى موضع، فذكر في الجوامع، وإن نقل ميلًا أو ميلين فلا بأس به (٢)، وقيل: ما دون السفر، وقيل: لا يكره السفر أيضا (٣).

стр. 820

وعن عثمان ﵁، أنه أمر بقبور كانت عند المسجد أن تحول إلى البقيع، وقال: توسعوا في مسجدكم (١)، وقيل: لا بأس في مثله. [٢٢٨ أ/ص] وقال المازري: ظاهر مذهبنا جواز نقل الميت من بلد إلى بلد، وقد مات سعد بن /أبي وقاص ﵁ بالعقيق ودفن بالمدينة وكذلك سعيد بن زيد (٢). وفي الحاوي قال الشافعي: لا أحب نقله إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس, فاختار أن ينقل إليها لفضل الدفن فيها (٣). وقال البغوي , والبندنيجي: يكره نقله، (٤) وقال القاضي حسين والدارمي: يحرم نقله، قال النووي: هذا هو الأصح (٥). ولم ير أحد بأسا أن يحول الميت من قبره إلى غيره, وقال قد نبش معاذ امرأته وحول طلحة (٦). فإن قيل: ما فائدة قوله: واللحد مع تناول القبر له؟ فالجواب: أنه أشار إلى جواز الإخراج لعلة، سواء كان وحده في القبر، نبه عليه بقوله: من القبر، أو كان معه غيره، نبه عليه بقوله: واللحد؛ لأن والد جابر ﵄، كان في اللحد ومعه غيره، فأخرجه جابر وجعله في قبر وحده؛ حيث قال في حديثه: "ودفن معه آخر في قبره. . . . إلى آخره". (٧). (حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن المديني قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) وهو ابن عيينة. كذا نص عليه الحافظ المِزِّي في الأطراف (قَالَ عَمْرٌو) وهو ابن دينار (سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَىٍّ) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد المثناة التحتية، ابن سلول بفتح السين المهملة. وأُبَيُّ هو أبو مالك بن الحارث بن عبيد. وسلول امرأة من

стр. 821

خزاعة, وهي أم أبي مالك بن الحارث, وأم عبد الله ابن أبي خولة بنت المنذر بن حرام من بني النجار, وعبد الله سيد الخزرج في الجاهلية وكان رأس المنافقين (١). قال الواقدي: مرض عبدالله بن أبي في ليال بقين من شوال ومات في ذي القعدة سنة تسع من الهجرة, وكان مرضه عشرين ليلة وكان رسول الله ﷺ يعوده فيها, فلما كان اليوم الذي توفي فيه دخل عليه رسول الله ﷺ وهو يجود بنفسه. فقال: قد نهيتك عن حب اليهود. فقال: قد أبغضهم أسعد (٢) بن زرارة فما نفعه؟ ثم قال: يا رسول الله ليس هذا بحين عتاب. هو الموت فأحضر غسلي وأعطني قميصك الذي يلي جلدك فكفني فيه وصلِّ علي واستغفر لي, ففعل ذلك رسول الله ﷺ (٣). [٢٢٩ أ/س] (بَعْدَ مَا أُدْخِلَ) على البناء للمفعول (حُفْرَتَهُ) أي قبره (فَأَمَرَ بِهِ) أي أمر رسول الله ﷺ بعبدالله بن أُبَيٍّ أي: بإخراجه من قبره (فَأُخْرِجَ، فَوَضَعَهُ) رسول الله ﷺ / (عَلَى رُكْبَتَيْهِ) بالتثنية. (وَنَفَثَ عَلَيْهِ) وفي رواية: "ونفث فيه" (٤) أي: (مِنْ رِيقِهِ) والنفث بالمثلثة: شبيه بالنفخ، وهو أقل من التفل. قاله في الصحاح. (٥) وزاد ابن الأثير في النهاية: لأن التفل لا يكون إلا ومعه شيء من الريق (٦). وقيل: هما سواء؛ أي يكون معهما ريق (٧). [١٠٠ ب/ص] (وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ) جملة معترضة أي فالله أعلم بسبب إلباس رسول الله ﷺ إياه/ قميصه؛ لأن مثل هذا لا يفعل إلا مع مسلم. وقد كان يظهر من عبد الله هذا ما يقتضي خلاف ذلك، لكنه ﷺ ، اعتمد ما كان يظهر منه من الإسلام، وأعرض عما كان يتعاطاه، مما يقتضي خلاف ذلك. حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] كما سبق.

стр. 822

(وَكَانَ) أي عبد الله (كَسَا عَبَّاسًا) عم النبي، ﷺ ورضى عنه (قَمِيصًا) وفي رواية: "قميصه" (١). فكافأه رسول الله ﷺ بإلباسه قميصه؛ وذلك أنه ﵁ لما أسر يوم بدر, وأُتى به المدينة لم يجدوا قميصًا يصلح له إلا قميصَ عبدالله بن أبي؛ لأن العباس ﵁ كان طويلًا جدًا وكذلك عبدالله بن أبي (٢)، قال أنس ﵁: "شهدت رجليه وقد فضلتا السرير من طوله" (٣). (قَالَ سُفْيَانُ) هو ابن عيينة. (وَقَالَ أَبُو هريرة) كذا في كثير من الروايات، وفي مستخرج أبي نعيم أيضًا. ووقع في رواية أبي ذر: قال سفيان: "وقال أبو هارون"، وهو كذلك عند الحميدي في الجمع بين الصحيحين (٤)، وجزم به المِزِّي (٥). وقيل: هو الصواب، وأبو هريرة تصحيف (٦). وأبو هارون هذا: هو موسى بن أبي عيسى الحَنَّاط، بالحاء المهملة وبالنون المشددة، المدني (٧)، وقيل: هو إبراهيم بن العلاء الغنوي من شيوخ البصرة، وكلاهما من أتباع التابعين (٨). فالحديث معضل, وقد أخرجه الحميدي في مسنده عن سفيان فسماه عيسى, ولفظه: حدثنا عيسى بن أبي موسى (٩) قال الحافظ العسقلاني: فهذا هو المعتمد (١٠).

стр. 823

(وَكَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَمِيصَانِ، فَقَالَ لَهُ) أي للنبي ﷺ (ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هو عبدالله أيضًا سماه به النبي ﷺ وكان اسمه الحباب, فقال: أنت عبد الله والحباب شيطان. وكان قد أسلم وحسن إسلامه وشهد بدرًا مسلمًا مع رسول الله ﷺ , وكان يصعب عليه صحبة أبيه مع المنافقين (١). وهو الذي جلس على باب المدينة ومنع أباه في غزوة المريسيع من دخولها (٢). [٢٢٩ أ/ص] (يَا رَسُولَ اللَّهِ، /أَلْبِسْ) أمر من الإلباس (أَبِى) عبدالله بن أُبَيٍّ (قَمِيصَكَ الَّذِى يَلِى جِلْدَكَ. قَالَ سُفْيَانُ) هو ابن عيينة. (فَيُرَوْنَ) بضم الياء على البناء للمفعول أي: يظنون (أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَلْبَسَ عَبْدَ اللَّهِ) أيْ: ابن أُبَيٍّ (قَمِيصَهُ مُكَافَأَةً لِمَا صَنَعَ) مع عمه العباس ﵁ فجازاه من جنس فعله. وهذا التعليق أخرجه البخاري في أواخر الجهاد في باب كسوة الأسارى قال: حدثنا عبدالله بن محمد، حدثنا ابن عيينه، عن عمرو، وسمع جابر بن عبدالله ﵄ قال: لما كان يوم بدر أتى بأسارى، وأتى بالعباس ولم يكن عليه ثوب، فنظر النبي ﷺ له قميصًا، فوجدوا قميص عبدالله بن أُبَيٍّ يقدر عليه، فكساه النبي ﷺ إياه، فلذلك نزع النبي ﷺ قميصه الذي ألبسه. قال ابن عيينة: كانت له عند النبي ﷺ يد فأحبَّ أن يكافئه" (٣). وفي الحديث: جواز إخراج الميت من قبره لعلة. وقد مر ذكره مستوفى (٤). ومن العلة أن يكون دفن بلا غسل أو لحق الأرض المدفون فيها سيل أو نداوة. قاله الماوردي في أحكامه. (٥). وقال ابن المنذر: اختلف العلماء في نبش من دفن ولم يغسل؛ فأكثرهم يجيز إخراجه وغسله، وهذا قول مالك والشافعي، إلا أن مالكًا قال: مالم يتغير، وكذا عندنا ما لم يتغير بالنتن (٦)، وقيل: ينبش ما دام فيه جزء من عظم وغيره (٧).

стр. 824

وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا وضع في اللحد ولم يغسل لا ينبغي أن ينبشوه. وبه قال أشهب (١). وكذلك اختلفوا فيمن دفن بغير صلاة؛ قال ابن المنذر: فعندنا لا ينبش بل يصلى على القبر, اللهم إلا أن لا يهال عليه التراب فإنه يخرج ويصلى عليه (٢)، نص عليه الشافعي لعلة المشقة, وأنه لا يسمى نبشًا. وقيل: ترفع لبنة وهو في لحده مما يقابل وجهه لينظر بعضه فيصلَّى (٣) عليه. وقال ابن الهاشم (٤): يخرج ما لم يتغير. وهو قول سحنون (٥). وقال أشهب: إن ذكروا ذلك قبل أن يهال عليه التراب أخرج وصلي عليه, وإن أهالوا فليترك وإن لم يصَلَّ عليه (٦). وعن مالك: إذا نسيت الصلاة على الميت حتى فرغ من دفنه لا أرى أن ينبشوه كذلك ولا يصلى على قبره ولكن يدعون له (٧). [٢٣٠ أ/س] وروى سعيد بن منصور عن شريح بن عبيد أن رجالًا قبروا صاحبًا لهم لم يغسلوه ولم يجدوا له كفنًا, فوجدوا معاذ بن جبل ﵁ فأخبروه فأمرهم أن يخرجوه, ثم غسل وكفن وحنط /وصُلِّيَ عليه (٨). وفي الحديث أيضًا: أنه نفث ﷺ من ريقه, وهو حجة ترد على من رأى نجاسة الريق والنخامة, وهو قول عن سلمان الفارسي ﵁ وإبرهيم النخعي (٩) والظاهر أنه ليس بثابت عنهما؛

стр. 825

إذ العلماء كلهم على خلافه, والسنن وردت برده, والشارع ﷺ علمنا النظافة والطهارة وبه طهرنا الله من الأدناس، فريقه ﷺ يتبرك به ويستشفى (١). وفي الحديث أيضًا أن الشهداء لا تأكل الأرضُ لحومَهم، وقيل: أربعة لا تعدو عليهم الأرض ولا هوامها: الأنبياء، والعلماء والشهداء والمؤذنون، وقيل: ذلك لأهل أحد خاصة كرامة لهم. والله أعلم (٢). قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣٥١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ - رضى الله عنه - قَالَ: لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَانِى أَبِى مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: مَا أُرَانِى إِلَاّ مَقْتُولًا فِى أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ ، وَإِنِّى لَا أَتْرُكُ بَعْدِى أَعَزَّ عَلَىَّ مِنْكَ، غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّ عَلَىَّ دَيْنًا فَاقْضِ، وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا. فَأَصْبَحْنَا فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ، وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ فِى قَبْرٍ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِى أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ الآخَرِ فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً غَيْرَ أُذُنِهِ. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهد قال: (أَخْبَرَنَا) وفي رواية: حدثنا (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ (٣)) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة, والمفضل بضم الميم وتشديد الضاد المعجمة. [١٠١ ب/س] قال: (حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباح (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبدالله (﵁) قال الجياني: كذا روى هذا الإسناد عن البخاري إلا أبا علي بن السكن وحده، فإنه قال في روايته: / شعبة عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن جابر ﵁ (٤).

стр. 826

وأخرجه أبو نعيم من طريق أبي الأشعث، عن بشر بن المفضل، فقال: سعيد بن يزيد عن أبي نضرة، عن جابر ﵁ (١). وقال بعده: ليس أبو نضرة من شرط البخاري. قال: وروايته عن حسين عن عطاء عزيزة جدًا. (٢) وأخرجه أبو داود، وابن سعد، والحاكم، والطبراني من طريقه، عن أبي نضرة عن جابر. وأبو نضرة هو: المنذر بن مالك العبدي (٣). ولفظ رواية أبي داود: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن سعيد بن يزيد أبي سلمة، عن أبي نضرة، عن جابر ﵁، قال: دفن مع أبي رجل، فكان في نفسي من ذلك حاجة، فأخرجته بعد ستة أشهر، فما أنكرت منه شيئًا، إلا شعيرات كن في لحيته مما يلي الأرض" (٤). (قَالَ) أي: جابر ﵁ (لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ) أي: وقعته وإسناد الحضور إليه مجازي, وكانت وقعة أحد في سنة ثلاث من الهجرة, خرج ﷺ إليها عشية الجمعة لأربع عشرة خلت من شوال (٥). وقال [ابن] (٦) مالك: كانت أُحُد وخيبر في أول النهار وقد مر تفصيلها (٧). (دَعَانِى أَبِى) عبد الله ﵁ (مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ مَا أُرَانِى) بضم الهمزة، أي ما أظن نفسي (إِلَاّ مَقْتُولًا فِى أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ ).

стр. 827

/وذكر الحاكم في مستدركه عن الواقدي: أن سبب ظنه ذلك منام رآه، وذلك أنه رأى بشر (١) بن عبد المنذر، وكان ممن استشهد ببدر يقول له: "أنت قادم علينا في هذه الأيام"، فقصها على النبي ﷺ فقال: هذه شهادة" (٢). [٢٣٠ أ/ص] وفي رواية أبي علي بن السكن عن أبي نضرة عن جابر ﵁ أن أباه قال له: "إني معرض بنفسي للقتل" (٣) الحديث. وقال ابن التين: إنما قال ذلك بناء على ما كان عزم عليه، وإنما قال: من أصحاب النبي ﷺ إشارة إلى ما أخبر به النبي ﷺ أن بعض أصحابه سيقتل (٤). (وَإِنِّى لَا أَتْرُكُ بَعْدِى أَعَزَّ عَلَىَّ مِنْكَ، غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّ) بالفاء، وفي رواية: "وإن" بالواو (٥) (عَلَىَّ دَيْنًا) كانت عليه أوسق تمر ليهودي (فَاقْضِ) بحذف ضمير المفعول وفي رواية الحاكم "فاقضِه" (٦) أي: أدِّ الدَّيْنَ عني. (وَاسْتَوْصِ) أي: اطلب الوصل (بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا) يقال: وصيت الشيء بكذا إذا وصلته إليه.

стр. 828

وقال ابن بطال: أي: اقبل وصيتي بالخير إليهن وكانت له تسع أخوات باختلاف فيه، فوكد عليه فيهن مع ما كان في جابر من الخير، فوجب لهن عليه حق القرابة، وحق وصية الأب، وحق اليتيم، وحق الإسلام (١). وفي الصحيح: "لما قال له ﷺ : تزوجت بكرًا أم ثيبًا؟ قال: بل ثيبًا، فقال: هلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك. قال إن أبي ترك أخوات كرهت أن أضم إليهن خرقاء مثلهن" (٢) فلم ينكر عليه ذلك. (فَأَصْبَحْنَا فَكَانَ) أبي (أَوَّلَ قَتِيلٍ) قتل ودفن (وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ) وفي رواية: "ودفنت معه رجلًا آخرَ" (٣)، بالنصب على المفعولية أي: دفنته. ودفنت معه رجلًا آخر، هو عمرو بن الجموح بن زيد حرام الأنصاري, وكان صديق والد جابر وزوج أخته هند بنت عمرو, فكان جابر ﵁ سماه عمًّا تعظيمًا. وقال ابن إسحاق في المغازي: حدثني أبي عن رجال من بني سلمة أن النبي ﷺ قال حين أصيب عبد الله بن عمرو وعمرو بن الجموح: "اجمعوا بينهما فإنهما كانا متصادقين في الدنيا" (٤). وفي مغازي الواقدي عن عائشة ﵂ أنها رأت هندًا بنت عمرو تسوق بعيرًا لها، عليه زوجها عمرو بن الجموح، وأخوها عبد الله بن عمرو بن حرام لتدفنهما بالمدينة, ثم أمر رسول الله ﵁ برد القتلى إلى مضاجعهم (٥). [٢٣١ أ/س] وروى أحمد في مسنده بإسناد حسن من حديث أبي قتادة قال: " قتل عمرو بن الجموح وابن أخيه يوم أحد فأمر بهما رسول الله ﷺ /فجعلا في قبر واحد" (٦).

стр. 829

وقال أبو عمر في التمهيد: ليس هو ابن أخيه, وإنما هو ابن عمه (١). (فِى قَبْرٍ) واحد, وفي رواية: في قبره (٢) (ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِى أَنْ أَتْرُكَهُ) أيْ: بتركه؛ فكلمة "أن" مصدرية (مَعَ الآخَرِ) وفي رواية: "مع آخر". بدون اللام (٣). (فَاسْتَخْرَجْتُهُ) من قبره (بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ) من يوم دفنه. فإن قيل: وقع في الموطأ عن عبدالرحمن بن أبي صعصعة، أنه بلغه" أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين كانا قد حفر السيل قبرهما، وكانا في قبر واحد، فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما، فوجدا لم يتغيرا، كأنهما ماتا بالأمس، وكان بين أحد، ويوم حفر عنهما ست وأربعون سنة" (٤). وهذا يخالف في الظاهر ما ذكره جابر ﵁ فالجواب: أنه جمع بينهما ابن عبد البر بتعدد القصة (٥). ورد عليه الحافظ العسقلاني بقوله: وفيه نظر؛ لأن الذي في حديث جابر أنه دفن أباه في قبر وحده بعد ستة أشهر, وفي حديث الموطأ أنهما وجدا في قبر واحد بعد ست وأربعين سنة, فإما أن المراد بكونهما في قبر واحد قرب المجاورة, أو أن السيل غرق أحد القبرين فصارا كقبر واحد (٦). وقد ذكر بن إسحاق القصة في المغازي, فقال: حدثني أبي عن أشياخ من الأنصار قالوا: لما ضرب معاوية ﵁ عينه التي مرت على قبور الشهداء انفجرت العين عليهم فجئنا فأخرجناهما يتثنيان تثنيا كأنهما دفنا بالأمس (٧). وقال العيني: والأوجه أن يقال: المروي عن عبدالرحمن بن أبي صعصعة بلاغ فلا يقاوم المروي عن جابر. (فَإِذَا هُوَ) كلمة: إذا، للمفاجأة. وهو مبتدأ خبره (كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ فيه (٨)) بإضافة يوم إلى وضعته، والكاف بمعنى: المثل, واليوم بمعنى: الوقت.

стр. 830

[١٠١ ب/ص] (هُنَيَّةً) بضم الهاء وتشديد المثناة التحتية / مصغر هنا، أي: قريبًا, وانتصابه على الحال. وقوله: (غَيْرَ أُذُنِهِ) مستثنى مما قبله، وحاصل المعنى: استخرجت أبي من قبره ففاجأته قريبًا مثل الوقت الذي وصفته فيه، غير أن أذنه تغير بسبب التصاقها بالأرض، وهذا المذكور هو رواية المروزي والجرجاني وأبي ذر، وفي رواية ابن السكن والنسفي: " كيوم وضعته في القبر غير هنية في أذنه" بتقديم غير وزيادة في (١). وقال الحافظ العسقلاني: وهو تصغير "هنة" أي: شيء, وصغره لكونه أثرًا يسيرًا (٢)، نقله عن القاضي عياض، يريد: غير أثر يسير غيرته الأرض من أذنه. قاله القاضي وهذا هو الصواب (٣). وحكى ابن التين أنه في روايته بفتح الهاء وسكون التحتية بعدها همزة ثم مثناة فوقية ثم هاء الضمير، ومعناه: على حالته (٤). [٢٣١ أ/ص] ووقع في رواية ابن أبي خيثمة والطبراني من طريق غسان بن مضر /عن أبي سلمة بلفظ: "وهو كيوم دفنته إلا هنية عند أذنه" (٥) وهو موافق من حيث المعنى لرواية ابن السكن التي صوبها القاضي عياض. ووقع في رواية أبي نعيم من طريق أبي الأشعث: "غير هنية عند أذنه" (٦). ووقع في رواية الحاكم: "فإذا هو كيوم وضعته غير أذنه" (٧) سقط منه لفظ هنية، وكذلك ذكره الحميدي في الجمع في أفراد البخاري (٨).

стр. 831

والمراد بالأذن: بعضها, ووقع في رواية ابن السكن من طريق شعبة عن أبي مسلمة بلفظ: " غير أن طرف أذن أحدهم تغير" (١). ووقع في رواية ابن سعد من طريق أبي هلال عن أبي مسلمة: "إلا قليلا من شحمة أذنه" (٢). ووقع في رواية أبي داود من طريق حماد بن زيد، عن أبي مسلمة: "إلا شعيرات كن من لحيته مما يلي الأرض" (٣). ويُجْمَعُ بين هذه الرواية وغيرها بأن المراد الشعيرات التي تتصل بشحمة الأذن, وأفادت هذه الرواية سبب تغير ذلك دون غيره. فإن قلت: روى الطبراني بإسناد صحيح عن محمد بن المنكدر عن جابر ﵁: "أن أباه ﵁ قتل يوم أحد ثم مثلوا فجدعوا أنفه وأذنيه" (٤) الحديث. وأصله في مسلم. فالجواب: أنه محمول على أنهم قطعوا بعض أذنيه لا جميعهما. والله أعلم. قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣٥٢ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ - رضى الله عنه - قَالَ دُفِنَ مَعَ أَبِى رَجُلٌ فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِى حَتَّى أَخْرَجْتُهُ فَجَعَلْتُهُ فِى قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ.

стр. 832

قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن المديني قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ (١)) الضبعي البصري, وقد مر في كسوف القمر. (عَنْ شُعْبَةَ عَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيحٍ) بفتح النون وكسر الجيم آخره حاء مهملة بينهما مثناة تحتية ساكنة, عبد الله, واسم أبي نجيح: يسار، بمثناة تحتية ومهملة مخففة (٢). (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباح (عَنْ جَابِرٍ) الأنصاري (﵁) كذا في رواية الأكثرين عن ابن أبي نجيح عن عطاء. وحكى عن [الجياني] (٣) أنه وقع عند أبي علي بن السكن عن مجاهد بدل عطاء قال: والذي رواه غيره هو الأصح (٤). وكذا أخرجه النسائي عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن جابر ﵁ (٥). (قَالَ: دُفِنَ مَعَ أَبِى) عبدالله ﵁ (رَجُلٌ) هو عمرو بن الجموح كما مر؛ أي: في قبر واحد (فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِى) أن أتركه مع الآخر (حَتَّى أَخْرَجْتُهُ) من ذلك القبر (فَجَعَلْتُهُ فِى قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ) بكسر الحاء المهملة وتخفيف الدال المهملة المفتوحة نحو عدة. [٢٣٢ أ/س] وفي قصة والد جابر ﵄ /من الفوائد: الإشارة إلى بر الأولاد بالآباء خصوصا بعد الوفاة. ومنها: قوة إيمان عبد الله ﵁ لاستثنائه النبي ﷺ ؛ حيث قال: "غير النبي ﷺ ".

стр. 833

ومنها: كرامته بوقوع الأمر على ما ظن, وكرامته بكون الأرض لم تبل جسده مع لبثه فيها، والظاهر أن ذلك لمكان الشهادة. ومنها: فضيلة جابر ﵁ لعمله بوصية أبيه بعد موته في قضاء دَيْنِهِ. (١) والله أعلم.

стр. 834

بَابُ اللَّحْدِ وَالشَّقِّ فِي القَبْرِ . قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِى ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ ثُمَّ يَقُولُ «أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ». فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِى اللَّحْدِ فَقَالَ «أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». فَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (بَابُ اللَّحْدِ وَالشَّقِّ) الكائنين (فِي القَبْرِ) فإن قيل: ليس في حديث الباب ذكر للشق. فالجواب: أن قوله: "قدمه في اللحد" يدل على الشق؛ لأن في تقديم أحد الميتين تأخير الآخر غالبًا في الشق؛ لمشقة تسوية اللحد لمكان اثنين، وتقديم ذكر اللحد يدل على مزية فضله (١). ويدل عليه ما رواه ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: " اللحد لنا والشق لغيرنا" (٢) رواه أبو داود وقد ذكر سابقًا. (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح العين وسكون الموحدة لقب عبدالله بن عثمان المروزي قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) بن المبارك المروزي قال: (أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) إمام مصر (قَالَ حَدَّثَنِى ابْنُ شِهَابٍ) الزهري. (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَجُلَيْنِ) بالتعريف, وفي رواية: "بين رجلين" (٣). (مِنْ قَتْلَى) غزوة (أُحُدٍ) في ثوب واحد ويشقه بينهما (ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمْ) أيْ: أيُّ القتلى (أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ. فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِى اللَّحْدِ فَقَالَ: أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ

стр. 835

الْقِيَامَة. فَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ) بضم (١) التحتانية وفتح المعجمة وتشديد المهملة، من التغسيل. ويروي بفتح التحتانية وسكون المعجمة وتخفيف المهملة من الغُسْل, وقد مضى الحديث. في باب الصلاة على الشهيد, وفي باب من يقدم في اللحد, وفيه تفصيل اللحد والشق بحيث لا مزيد عليه.

стр. 836

باب إِذَا أَسْلَمَ الصَّبِىُّ فَمَاتَ هَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ؟ وَهَلْ يُعْرَضُ عَلَى الصَّبِىِّ الإِسْلَامُ ؟ قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: وَقَالَ الْحَسَنُ وَشُرَيْحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَقَتَادَةُ: إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا فَالْوَلَدُ مَعَ الْمُسْلِمِ. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - مَعَ أُمِّهِ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَ أَبِيهِ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ. وَقَالَ: الإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى. قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (باب) بالتنوين (إِذَا أَسْلَمَ الصَّبِىُّ فَمَاتَ) قبل البلوغ (هَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ) أو لا؟ (وَهَلْ يُعْرَضُ عَلَى الصَّبِىِّ الإِسْلَامُ؟). [٢٣٢ أ/ص] وفي هذا الباب ترجمتان؛ الأولى: أن الصبي إذا أسلم فمات قبل البلوغ هل يصلي عليه؟ فيه خلاف؛ فلذلك لم يذكر جواب الاستفهام، ولا خلاف أنه يصلى على الصغير المولود في الإسلام؛ لأنه كان على دين/ أبويه (١). قال ابن القاسم: إذا أسلم أحد أبويه على ثلاثة أقوال: أحدها: يتبع أيهما أسلم، وهو أحد قولي مالك، وبه أخذ ابن وهب، ويصلى عليه إن مات على هذا. [١٠٢ ب/س] والثاني: أنه يتبع أباه ولا يعد بإسلام أمه، وهذا قول مالك في المدونة. / والثالث: أنه يتبع أمه، وإن أسلم أبوه، وهذه مقالة شاذة ليست في مذهب مالك. (٢) وقال ابن بطال: أجمع العلماء في الطفل الحربي يسبى ومعه أبواه, أن إسلام [الأم] (٣) إسلام له، واختلفوا فيما إذا لم يكن معه أبوه، أو وقع في الغنيمة دونهما، ثم مات في ملك مشتريه، فقال مالك في المدونة: لا يصلي عليه إلا أن يجيب إلى الاسلام بأمر يعرف به أنه عقله، وهو المشهور

стр. 837

من مذهبه (١)، وعنه: إذا لم يكن معه أحد من آبائه ولم يبلغ أن يتدين أو يدعى، ونوى سيده الإسلام فإنه يصلي عليه، وأحكامه أحكام المسلمين في الدفن في مقابر المسلمين والموارثة (٢)، وهو قول ابن الماجشون وابن دينار واصبغ، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والشافعي (٣). وفي رواية شروح الهداية: إذا سبي صبي مع أحد أبويه فمات لم يصل عليه حتى يقر بالإسلام وهو يعقل أو يسلم أحد أبويه, خلافا لمالك في إسلام الأم, والشافعي في إسلامه, قال: هو والولد يتبع خير الأبوين دينا والتبعية للأبوين، ثم الدار، ثم اليد (٤). وفي المغنى: لا يصلى على أولاد المشركين، إلا أن يسلم أحد أبويهم، أو يموت مشركًا فيكون ولده مسلمًا , أو يسبى منفردًا فإنه يصلى عليه. وقال أبو ثور: إذا سبى مع أحد أبويه لا يصلى عليه، إلا إذا أسلم (٥). وعنه: إذا أسر مع أبويه أو أحدهما أو وحده ثم مات قبل أن يختار الإسلام يصلى عليه (٦). وأما الترجمة الثانية فإنه ذكرها هنا بلفظ الاستفهام وترجم في كتاب الجهاد بصيغة تدل على الجزم، فقال: كيف يعرض الإسلام على الصبي؟ وذكر فيه قصة ابن صياد, وفيه: "قد قارب ابن صياد يحتلم، فلم يشعر حتى ضرب النبي ﷺ ظهره بيده، ثم قال النبي ﷺ : أتشهد أني رسول الله ﷺ ؟ " الحديث (٧).

стр. 838

وفيه: عرض الإسلام على الصغير, واحتج به قوم على صحة إسلام الصبي الذي قارب الاحتلام, وهو مقصود البخاري من تبويبه بقوله: "وهل يعرض على الصبي الإسلام؟ وجوابه: يُعْرَض. وبه قال أبو حنيفة ومالك خلافًا للشافعي (١). [٢٣٣ أ/س] (وَقَالَ الْحَسَنُ) البصري (وَشُرَيْحٌ) بضم المعجمة القاضي المشهور / (وَإِبْرَاهِيمُ) النخعي (وَقَتَادَةُ) أي: ابن دعامة (إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا) أي: أحد الوالدين (فَالْوَلَدُ مَعَ الْمُسْلِمِ). أما أثر الحسن البصري فأخرجه البيهقي من حديث يحيى بن يحيى، ثنا يزيد بن زريع، عن يونس، عن الحسن في الصغر قال: مع المسلم من والديه (٢). وأما أثر شريح فأخرجه البيهقي أيضًا عن يحيى بن يحيى ثنا، عن هشيم، عن أشعث، عن الشعبي، عن شريح، أنه اختصم إليه في صبي، أحد أبويه نصراني، قال: الوالد المسلم أحق بالولد (٣). وأما أثر إبراهيم النخعي فأخرجه عبدالرزاق، عن معمر، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال في نصرانيين بينهما ولد صغير فأسلم أحدهما قال: أولاهما به المسلم (٤). وأما أثر قتادة فأخرجه عبدالرزاق أيضًا عن معمر عنه نحو قول الحسن (٥). (وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ مَعَ أُمِّهِ) لبابة بنت الحارث الهلالية (مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ). وهذا تعليق وصله المؤلف في هذا الباب؛ حيث قال: حدثنا علي بن عبدالله أخبرنا سفيان قال: قال عبيد الله: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: " كنت أنا وأمي من المستضعفين؛ أنا من الولدان وأمي من النساء". وأراد بقوله: "من المستضعفين" قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ﴾ [النساء: ٩٨]. وهم الذين أسلموا بمكة وصدهم المشركون عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم مستضعفين يلقون منهم الأذى الشديد.

стр. 839

(وَلَمْ يَكُنْ) ابن عباس ﵄ (مَعَ أَبِيهِ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ) المشركين, وهذا من كلام البخاري, ذكره مستنبطًا, ولكن هذا مبني على أن إسلام العباس ﵁ كان بعد وقعة بدر. فإن قلت: روى ابن سعد من حديث ابن عباس ﵄ أنه أسلم قبل الهجرة, وأقام بأمر النبي ﷺ له في ذلك لمصلحة المسلمين (١). فالجواب: أن في إسناده الكلبي وهو متروك (٢). ويرده أيضًا أن العباس أسر ببدر وفدى (٣) نفسه كما سيأتي في المغازي (٤) إن شاء الله تعالى. ويرده أيضًا أن الآية التي في قصة المستضعفين نزلت بعد بدر بلا خلاف, وكان شهد بدرًا مع المشركين, وكان خرج إليها مكرهًا وأسر يومئذ ثم أسلم بعد ذلك, والصحيح أنه هاجر عام الفتح في أول السنة وأسلم وقدم مع النبي ﷺ فشهد الفتح ذكره الحافظ العسقلاني (٥). [٢٣٣ أ/ص] (وَقَالَ: الإِسْلَامُ /يَعْلُو وَلَا يُعْلَى) كذا قال البخاري, ولم يعين من القائل وربما يظن أن القائل هو ابن عباس ﵄ وليس كذلك؛ فإن الدارقطني أخرجه في كتاب النكاح في سننه بسند صحيح على شرط الحاكم فقال: حدثنا محمد بن عبدالله بن إبراهيم ثنا أحمد بن الحسين الحداد، (٦) ثنا شبانة (٧) بن خياط، ثنا حشرج بن عبدالله بن حشرج، حد ثنى أبي، عن جدى، عن عائذ بن عمرو المزني، أن النبي ﷺ ، قال: "الإسلام يعلو ولا يعلى" (٨).

стр. 840

وروى أن عائذ بن عمرو جاء عام الفتح مع أبي سفيان بن حرب فقال الصحابة: هذا أبو سفيان وعائذ بن عمرو. فقال رسول الله ﷺ : هذا عائذ بن عمرو وأبو سفيان، الإسلام أعز من ذلك، الإسلام يعلو ولا يعلى (١). وفي هذه القصة أن للمُبْدَأ به في الذكر تأثيرًا في الفضل لما يفيده من الاهتمام. وعن ابن عباس ﵄ قال إذا أسلمت اليهودية أو النصرانية تحت اليهودي أوالنصراني يفرق بيهما الإسلام يعلو ولا يعلى (٢). [١٠٢ ب/ص] فإن قيل: ما مناسبة ذكر هذا الحديث في هذا الباب؟ فالجواب: أن الباب في نفس الأمر ينبئ عن علو الإسلام، ألا ترى أن الصبي غير المكلف إذا أسلم ومات يصلى عليه، وذلك ببركة الإسلام وعلو قدره، وكذلك يعرض عليه الإسلام حتى لا يحرم /من هذه الفضيلة (٣). قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣٥٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: أَخْبَرَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ انْطَلَقَ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى رَهْطٍ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ، حَتَّى وَجَدُوهُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِى مَغَالَةَ -وَقَدْ قَارَبَ ابْنُ صَيَّادٍ الْحُلُمَ- فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ النَّبِىُّ ﷺ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لاِبْنِ صَيَّادٍ: «تَشْهَدُ أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ؟». فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ. فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ لِلنَّبِىِّ ﷺ : أَتَشْهَدُ أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ؟ فَرَفَضَهُ وَقَالَ: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ. فَقَالَ لَهُ: «مَاذَا تَرَى؟». قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: يَأْتِينِى صَادِقٌ وَكَاذِبٌ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ» ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ : «إِنِّى قَدْ

стр. 841

خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا». فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: هُوَ الدُّخُّ. فَقَالَ: «اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ». فَقَالَ عُمَرُ - رضى الله عنه - دَعْنِى يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلا خَيْرَ لَكَ فِى قَتْلِهِ» قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح المهملة هو لقب عبدالله بن عثمان قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابن المبارك (عَنْ يُونُسَ) هو ابن يزيد الأيلي (عَنِ الزُّهْرِىِّ) محمد بن مسلم بن شهاب. (قَالَ: أَخْبَرَنِى) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمر (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ) أباه (عُمَرَ) أي: ابن الخطاب ﵁ (انْطَلَقَ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى رَهْطٍ). قال في الصحاح: رهط الرجل: قومه وقبيلته. وقال أبو زيد: الرهط: ما دون العشرة من الرجال (١). وفي العين: هو عدد جمع من ثلاثة إلى عشرة، وبعض يقول: من سبعة الى عشرة، وما دون السبعة الى الثلاثة: نفر (٢). وعن ثعلب، الرهط: للأب الأدنى. والرهط: لا واحد له من لفظه (٣) , وفي الجامع الرهط ما بين الثلاثة إلى العشرة وربما جاوزاذلك (٤) , و"أراهط" جمع الجمع, ولا يكون فيهم امرأة (٥). [٢٣٤ أ/س] (قِبَلَ) بكسر القاف وفتح الموحدة /أي: جهة (ابْنِ صَيَّادٍ) وبفتح المهملة وتشديد التحتية وبالدال المهملة, ويروي: ابن صائد. وقال ابن الجوزي: إن ابن الصياد يقال له: ابن الصائد وابن صائد, واسمه صافي كقاضي وقيل: عبدالله (٦). وقال الواقدي: هو من بني النجار (٧).

стр. 842

وكان سبب انطلاق النبي ﷺ إليه ما رواه أحمد من طريق جابر، وقال: " ولدت امرأة من اليهود غلامًا ممسوحة عينه، والأخرى طالعة ناتئة, فأشفق النبي ﷺ أن يكون هو الدجال" (١). (حَتَّى وَجَدُوهُ) أي: الرسول ومن معه من الرهط, والضمير المنصوب لابن صياد، وفي رواية: حتى وجده بالإفراد أي: وجد النبي ﷺ ابن صياد حال كونه (٢) (يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِى مَغَالَةَ) بضم الهمزة والطاء بناء من حجر كالقصر وقيل: هو الحصن, وجمعه آطام (٣). وبنى مغالة: بفتح الميم وبالغين المعجمة المخففة بطن من الأنصار وفي رواية مسلم: بني معاوية (٤). ذكر الزبير بن أبي بكر: أن كل ما كان عن يمينك إذا وقفت آخر البلاط مستقبل مسجد النبي ﷺ فهو لبني مغالة, ومسجده ﷺ في بني مغالة وما كان على يسارك فلبني جديلة وبنو معاوية هم بنو جديلة (٥). وهي امرأة نسبوا إليها وهي امرأة عدي بن عمرو بن مالك بن النجار (٦). (وَقَدْ قَارَبَ ابْنُ صَيَّادٍ الْحُلُمَ) بضم اللام وسكونها أي: البلوغ (فَلَمْ يَشْعُرْ) ابن صياد (حَتَّى ضَرَبَ النَّبِىُّ ﷺ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لاِبْنِ صَيَّادٍ: تَشْهَدُ أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ؟) بحذف همزة الاستفهام.

стр. 843

وفيه: عرض الإسلام على الصبي الذي لم يبلغ، ومفهومه، أنه لو لم يصح إسلامه لما عرض ﷺ الإسلام على ابن الصياد، وهو غير بالغ، وبه يطابق الحديث الترجمة بجزئيها وفي رواية: لابن صائد (١). (فَنَظَرَ إِلَيْهِ) أي: إلى النبي ﷺ (ابْنُ صَيَّادٍ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ) هم مشركو العرب نسبوا إلى ما عليه أمة العرب وكانوا لا يكتبون. وقيل: نسبة إلى أم القرى (٢). وفيه إشعار بأن اليهود الذين كان منهم ابن صياد كانوا معترفين ببعثة رسول الله ﷺ , لكن يدعون أنها مخصوصة بالعرب وفساد حجتهم واضح؛ لأنهم إذا أقروا برسالته استحال كذبه فوجب تصديقه في دعواه الرسالة الى كافة الناس (٣). [٢٣٤ أ/ص] (فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ لِلنَّبِىِّ ﷺ : /أَتَشْهَدُ أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ فَرَفَضَهُ) النبي ﷺ كذا هو بالضاد المعجمة أي: تركه، والمعنى: ترك سؤاله أن يسلم ليأسه منه، وزعم القاضي عياض أنه بصاد مهملة. قال: وهي روايتنا عن الجماعة. وقيل: بالصاد المهملة وهو الضرب بالرِّجْل؛ مثل الرفس بالسين المهملة. لكن قال القاضي عياض: لم أجد هذه اللفظة في أصول اللغة (٤). ووقع في رواية القاضي التميمي: فرفضه, بضاد معجمة. قيل: وهو وهم. وفي رواية المروزي: فرقصه, بقاف وصاد مهملة. قيل: ولا وجه له (٥). وعند الخطابي: فرصَّهُ بصاد مهملة مشددة أي: ضغطه حتى ضم بعضه إلى بعض (٦). ومنه قوله تعالى ﴿بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ [الصف: ٤] (وَقَالَ) ﷺ (آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ) قال الكرماني: وتبعه البرماوي ما حاصله: أن وجه مناسبة هذا القول لقول ابن صياد: "أتشهد أني رسول الله؟ " هو أنه لما أراد أن يظهر للقوم كذبه -في دعواه الرسالة- أخرج الكلام مخرج الإنصاف؛ يعني: آمنت برسل الله, فإن كنت رسولًا صادقًا

стр. 844

في دعواك غير ملبس عليك الأمر آمنت بك, وإن كنت كاذبًا وخلط الأمر عليك فلا, لكنك خلط عليك الأمر, فاخسأ ولا تعد طورك حتى تدعى الرسالة. والله أعلم (١). ثم شرع يسأله عما يرى (فَقَالَ لَهُ: مَاذَا تَرَى) وأراد باستنطاقه إظهار كذبه المنافي لدعواه الرسالة (قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: يَأْتِينِى صَادِقٌ وَكَاذِبٌ) أي: أرى الرؤيا ربما تصدق وربما تكذب. قال القرطبي: كان ابن صياد على طريق الكهنة يخبر بالخبر فيصح تارة ويفسد أخرى (٢). وفي حديث جابر ﵁ عند الترمذي فقال: "أرى حقًا وباطلًا وأرى عرشًا على الماء" (٣). (فَقَالَ) له (النَّبِىُّ ﷺ : خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ) بضم الخاء المعجمة وكسر اللام المشددة, وروى بتخفيف اللام أيضًا, معناه: خَلَّطَ عليكَ شيطانُك ما يلقي إليك من السمع مع ما يكذب. (ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ : إِنِّى قَدْ خَبَأْتُ) أي: أضمرت (لَكَ خَبِيئًا) فعيل بمعنى مفعول أي: مخبوء ويروي خَبْئًا على وزن "فَعْل" (٤). واختلف في هذا المخبوء ,ما هو؟ فقال القرطبي: الأكثر على أنه أضمر له في نفسه: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ [الدخان: ١٠]. [٢٣٥ أ/س] [١٠٣ ب/س] وقال الداودي: كان في يده سورة الدخان مكتوبة (٥). / وقال الخطابي: ولامعنى للدخان هنا؛ لأنه ليس مما يخبأ في كف أو كم؛ بل الدخ نبت موجود /بين النخيل والبساتين (٦).

стр. 845

وقال أبو موسى المديني في كتابه المغيث: قيل: إن الدجال يقتله عيسى ﵇ بجبل الدخان, فيحتمل أن يكون ﷺ أراده. انتهى (١). وفيه نظر؛ فإن في حديث زيد بن حارثة عند البزار والطبراني في الأوسط: " كان رسول الله ﷺ خبأ له سورة الدخان" (٢). وكأنه أطلق السورة وأراد بعضها فعند أحمد في حديث الباب: "وخبأ له: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ [الدخان: ١٠] " (٣). (فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ هُوَ الدُّخُّ) بضم الدال المهملة وفتحها لغتان (٤). وقال النووي: المشهور في كتب اللغة والحديث ضم الدال فقط (٥). واعْتُرِضَ عليه بأن ابن سيده وابن التياني وأبا المعالي وصاحب مجمع الغرائب حكوا الفتح (٦) حاشا الجوهري؛ فإنه نص على الضم ولم يذكر غيره (٧). ورُدَّ عليه بأن حكاية هؤلاء الفتح لا يستلزم نفي الضم, كما أن ذكر الجوهري الضم لا يستلزم نفي الفتح (٨). وقال الكرماني: بضم الدال وتشديد الدخان وهو لغة فيه (٩).

стр. 846

وقال القرطبي: وجدته في كتاب الشيخ "الدخْ" ساكن الخاء مصححا عليه, وكأنه على الوقف. قال: وأما الذي في الشعر فمشدد الخاء, وكذلك قرأته في الحديث (١). وقال ابن قرقول: الدُّخّ لغة في الدخان والمعنى لم يستطع ابن صياد أن يتم الكلمة, ولم يهتد من الآية الكريمة إلا لتينك (٢) الحرفين على عادة الكهنة من اختطاف بعض الكلمات من أوليائهم من الجن أو من هواجس النفس (٣). (فَقَالَ) له النبي ﷺ (اخْسَأْ) هو في الأصل لفظ يزجر به الكلب ويطرد، أمر من خسأتُ الكلب خسئًا: طردته، وخسأ الكلب نفسه، يتعدى ولا يتعدى, واخسأ أيضًا فهو خطاب الكلب زجرًا واستهانة أي: اسكت صاغرًا مطرودًا (٤) (فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ) بنصب تعدو بكلمة لن. وحكى السفاقسى"فلن تعْدُ" بغير واو، قال القزاز: هي لغة لبعض العرب يجزمون بلن مثل لم (٥). وقال ابن مالك الجزم بلن حكاها الكسائى (٦). وقيل: حذفت الواو تخفيفًا, وقيل: لن بعنى لا (٧). وقوله: تعدو، يروى بالتاء المثناة الفوقية؛ فـ"قدرك" نُصِبَ على المفعولية أي: لا تتجاوز أنت قدرك إلى ما لا يقدر عليه إلا الأنبياء ﵈. ويروي بالمثناة التحتية فقدرك مرفوع على الفاعلية. قال ابن الجزري يعني: لا يبلغ قدرك أن تطالع بالغيب من قبل الوحي المخصوص بالأنبياء ﵈، ولا من قبل الإلهام الذي يدركه الصالحون، وإنما كان الذي قاله ابن صياد من شئ

стр. 847

ألقاه الشيطان إليه إما لكون النبي ﷺ تكلم بذلك بينه وبين نفسه فسمعه الشيطان، وإما لكون الشيطان سمع ما يجري بينهما من السماء، لأنه اذا قضى القضاء في السماء تكلمت به الملائكة /فاسترق الشيطان السمع، وإما لكون رسول الله ﷺ حدث به بعض أصحابه بما أضمر. ويدل على ذلك قول عمر ﵁: وخبأ له رسول الله ﷺ ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ [الدخان: ١٠] فالظاهر انه اعلم الصحابة بما يخبأ له (١). [٢٣٥ أ/ص] وإنما فعل ذلك به ليختبره على طريقة الكهان وليتعين للصحابة حاله وكذبه (فَقَالَ عُمَرُ) أي: ابن الخطاب ﷺ (دَعْنِى يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ) بجزم "أضرب" في جواب الأمر, وجُوِّزَ الرفعُ أيضًا. (فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ إِنْ يَكُنْهُ) بوصل الضمير، وهو خبر كان وضع موضع المنفصل، واسمها مستتر فيها، وفي رواية: "إن يكن هو" قيل: وهو الصحيح؛ لأن المختار في خبر كان هو الانفصال. تقول: كان إياه، وهو الذي اختاره ابن مالك في التسهيل (٢) وشرحه (٣) تبعًا لسيبويه, واختار في ألفيته الاتصال (٤). وعلى هذه الرواية، فلفظة "كان" تامة، و"هو" تأكيد للضمير المستتر، أو وضع "هو" موضع إياه باستعارة المرفوع للمنصوب، أي: إن يكن إياه، أي: الدجال (٥). وفي مرسل عروة عند الحادث بن أبي أسامة "إن يكن هو الدجال" (٦)

стр. 848

(فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ) بالنصب على الأصل, ويروي بالجزم على لغة من يجزم بلن (١). وفي حديث جابر ﵁: "فلست بصاحبه إنما صاحبه عيسى بن مريم ﵉" (٢). (وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلا خَيْرَ لَكَ فِى قَتْلِهِ) وسيجيئ التفصيل في ذلك إن شاء الله تعالى. قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀: ١٣٥٥ - وَقَالَ سَالِمٌ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ - رضى الله عنهما - يَقُولُ: انْطَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ إِلَى النَّخْلِ الَّتِى فِيهَا ابْنُ صَيَّادٍ وَهُوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ ابْنُ صَيَّادٍ, فَرَآهُ النَّبِىُّ ﷺ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ، يَعْنِى: فِى قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْزَةٌ أَوْ زَمْرَةٌ، فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , وَهُوَ يَتَّقِى بِجُذُوعِ النَّخْلِ, فَقَالَتْ لاِبْنِ صَيَّادٍ: يَا صَافِ - وَهْوَ اسْمُ ابْنِ صَيَّادٍ - هَذَا مُحَمَّدٌ ﷺ . فَثَارَ ابْنُ صَيَّادٍ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ». وَقَالَ شُعَيْبٌ فِى حَدِيثِهِ: فَرَفَصَهُ رَمْرَمَةٌ، أَوْ زَمْزَمَةٌ. وَقَالَ إِسْحَاقُ الْكَلْبِىُّ وَعُقَيْلٌ: رَمْرَمَةٌ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: رَمْزَةٌ قَالَ الشَّارِحُ ﵀: (وَقَالَ سَالِمٌ) هو ابن عمر, وهو متصل بالإسناد السابق من تتمة الحديث السابق (سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ انْطَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي: بعد انطلاقه مع عمر ﵁ في رهط قبل ابن صياد كما مر في أول الحديث. (وَأُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ) ﵁ أي: وانطلق هو معه ﷺ (إِلَى النَّخْلِ الَّتِى فِيهَا ابْنُ صَيَّادٍ وَهُوَ) أي: والحال أنه ﷺ (يَخْتِلُ) بفتح المثناة التحتية وسكون الخاء المعجمة وكسر الفوقية أي: يستغفل (أَنْ يَسْمَعَ مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا) من كلامه الذي يقول في خلوته (قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ ابْنُ صَيَّادٍ) أي: قبل أن يرى النبيَّ ﷺ ابنُ صياد, والمراد أنه ﷺ كان يريد أن يستغفله ليسمع كلامه وهو لا يشعر, حتى يعلم هو وأصحابه أهو كاهن أم ساحر؟.

стр. 849

(فَرَآهُ النَّبِىُّ ﷺ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ) /الجملة حالية (يَعْنِى فِى قَطِيفَةٍ) أي: في كساء له خمل, والجمع قطائف (١)، وقال ابن جني (٢): وقد كسر على "قطوف" وفي الصحاح الجمع قطائف وقُطُف: مثل صحيفة وصُحُف، وقال: كأنهما جمع قطيف وصحيف (٣). وفي رواية سقط قوله: "يعني في قطيفة" (٤) [٢٣٦ أ/س] [١٠٣ ب/ص] (لَهُ) أي: لابن صياد (فِيهَا) أي: في القطيفة (رَمْزَةٌ) براء مهملة مفتوحة وميم ساكنة / فزاي معجمة (أَوْ زَمْرَةٌ) بتقديم الزاي المعجمة وتأخير الراء المهملة على الشك؛ فالأُولى من الرمز؛ وهو الإشارة. والثانية من الزمر الذي منه المزمار ,والمراد حكاية صوته. وقيل: الرمزة بتقديم المهملة صوت خفي بكلام لا يفهم, والزمرة بتقديم الزاي صوت من داخل الفم (٥). وفي رواية: "رمرمة" برائين مهملتين وميمين, أو "زمزمة" بزائين معجمتين وميمين؛ فأما التي بالمهملتين فأصلها من الحركة, وهي ههنا بمعنى الصوت الخفي. وأما التي بالمعجمتين فهي كذلك (٦). وقال الخطابي: هي بالمعجمتين تحريك الشفتين بالكلام. وقال غيره: هي كلام العلوج؛ وهي صموت الخياشيم والحلق لا يتحرك فيه اللسان والشفتان (٧). قال في القاموس: وهُمْ -أي: العلوج- صموت لا يستعملون لسانا ولا شفة، لكنه صوت يديرونه في خياشيمهم وحلوقهم، فيفهم بعضهم عن بعض (٨). (فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ) أي: والحال أنه ﷺ (يَتَّقِى) أي: يخفي نفسه (بِجُذُوعِ النَّخْلِ) حتى لا تراه أم ابن صياد.

стр. 850

(فَقَالَتْ لاِبْنِ صَيَّادٍ) أمه (يَا صَافِ) بصاد مهملة وفاء مكسورة (وَهْوَ اسْمُ ابْنِ صَيَّادٍ -: هَذَا مُحَمَّدٌ) ﷺ . (فَثَارَ ابْنُ صَيَّادٍ) بالثاء المثلثة وبالراء؛ أي: نهض من مضجعه, وقام بسرعة وفي رواية الكشميهني: "فثاب" بالموحدة، بدل الراء؛ أي: رجع عن الحالة التي كان فيها (١). (فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : لَوْ تَرَكَتْهُ) أمه ولم تعلمه بمجيئنا (بَيَّنَ) أظهر لنا من حاله ما يطلع به على حقيقة أمره مما يهون عليكم شأنه. (وَقَالَ شُعَيْبٌ) وهو ابن أبي حمزة الحمصي, وقد وصله المؤلف في الأدب (٢) (فِى حَدِيثِهِ فَرَفَصَهُ) بفاء بعد الراء فصاد مهملة، وفي نسخة: "فرضَّهُ" بحذف الفاء الثانية وتشديد الضاد المعجمة أي: ضغطه وضم بعضه إلى بعض. [٢٣٦ أ/ص] وقال شعيب أيضًا: (رَمْرَمَةٌ) برائين مهملتين وميمين (أَوْ زَمْزَمَةٌ.) بزائين معجمتين وميمين على الشك أيضًا, /يعني أن شعيبًا روى هذا الحديث عن الزهري كما رواه يونس وقال: في رواية هكذا. (وَقَالَ إِسْحَاقُ الْكَلْبِىُّ (٣) وَعُقَيْلٌ) بضم العين المهملة وفتح القاف, وهو ابن خالد الأيلي, وقد وصله المؤلف في الجهاد (٤) (رَمْرَمَةٌ) بمهملتين أي: رواه عن الزهري كذلك وفي رواية: هنا "رمزة" بتقديم المهملة وتأخير المعجمة, وفي نسخة: وقال إسحق الكلبي وعقيل: "رمرمة" بمهملتين.

стр. 851

وفي رواية إسحق وصلها الذهلي (١) في الزهريات, وليس في رواية المستملي والكشميهنى وأبى الوقت ذكر إسحق الكلبي (٢). (وَقَالَ مَعْمَرٌ) عن الزهري أيضًا وقد وصله المؤلف في كتاب الجهاد (٣) (رَمْزَةٌ) بمهملة فميم ساكنة فزاي معجمة وفي رواية أبي ذر هنا زمرة بتقديم المعجمة على المهملة وهذه الألفاظ كلها متقاربة المعاني (٤). ثم إنهم اختلفوا في أن الدجال هو ابن صياد أو غيره؛ فذهب قوم إلى أن الدجال هو ابن صياد, قال مسلم في صحيحه: باب في قصة ابن الصياد وأنه الدجال, وروى بإسناده إلى عبدالله بن عمر ﵄ "قال: كنا مع رسول ﷺ ، فمررنا بصبيان فيهم ابن صياد، ففر الصبيان وجلس ابن صياد، فكأن رسول الله ﷺ كره ذلك، فقال له النبي ﷺ : تربت يداك، أتشهد أني رسول الله ﷺ ؟ فقال: لا، بل تشهد أني رسول الله، فقال عمر بن الخطاب ﵁: ذرني يارسول الله حتى أقتله، فقال رسول الله ﷺ : إن يكن الذي ترى، فلن تستطيع قتله" (٥) وروى مسلم أيضًا من حديث أبي سعيد ﵁، قال: لقيه رسول ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ في بعض طرق المدينة، فقال له رسول الله ﷺ : أتشهد أني رسول الله؟ فقال هو: أتشهد أني رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : آمنت بالله، وملائكته، وكتبه، ما ترى؟ قال: أرى عرشًا على الماء، فقال رسول الله ﷺ : ترى عرش إبليس على البحر، وما ترى؟ قال: أرى صادقين وكاذبًا - أو كاذبين وصادقًا- فقال رسول الله ﷺ : لُبِّسَ [عليك] (٦) دعوه" (٧).

стр. 852

[٢٣٧ أ/س] ثم روى مسلم من حديث محمد بن المنكدر، قال: "رأيت جابر بن عبدالله يحلف بالله أن ابن صائد الدجال، فقلت: له تحلف على ذلك؟ قال: إني سمعت عمر ﵁ يحلف على ذلك عند النبي ﷺ /فلم ينكره النبي ﷺ " (١) وكذا رواه أبو داود من حديث محمد ابن المنكدر (٢). وقال النووي: قال العلماء قصة ابن الصياد مُشكِلة وأمره مشتبه في أنه هل هو المسيح الدجال المشهور أو غيره؟ ولا شك أنه دجال من الدجاجلة. قال العلماء: ظاهر الأحاديث في هذا الباب أن النبي ﷺ لم يوح إليه بأنه المسيح الدجال ولا غيره, وإنما أوحي إليه بصفات الدجال, وكان في ابن صياد قرائن محتملة؛ فلذلك كان النبي ﷺ لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره؛ ولهذا قال لعمر ﵁: "إن يكن هو فلن تستطيع قتله" (٣). وفي سنن أبي داود في خبر الجساسة (٤) من حديث أبي سلمة بن عبدالرحمن، قال: شهد جابر أنه هو ابن صياد، قلت: فإنه مات، قال: وإن مات، قلت: فإنه قد أسلم، قال: وإن أسلم، قلت: فإنه قد دخل المدينة، قال: وإن دخل المدينة" (٥) وأخرج أبو داود من حديث نافع قال: كان ابن عمر ﵄ يقول: والله، ما أشك أن المسيح الدجال ابن صياد" (٦) وإسناده صحيح.

стр. 853

وقال الخطابي: اختلف السلف في أمره بعد كبره، فروى عنه أنه تاب من ذلك القول، ومات بالمدينة, وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه كشفوا عن وجهه حتى رآه الناس وقيل لهم: اشهدوا (١). [١٠٤ ب/س] واعترض عليه بما رواه أبو داود بسند صحيح عن جابر ﵁ قال: "فقدنا /ابن صياد يوم الحرة" (٢) ويرد بهذا قول من قال: إنه مات بالمدينة وصلّوا عليه. وفي كتاب الفتوح (٣): لما نزل النعمان على السوس أعياهم حصارها فقال لهم القسيسون: يا معشر العرب إن مما عهد علماؤنا وأوائلنا أن لا يفتح السوس إلا الدجال, فإن كان فيكم فستفتحونها, وإن لم يكن فيكم فلا قال, وصافى ابن صياد في جند النعمان وأتى باب السوس غضبانًا فدقه برجله، وقال: انفتح. فتقطعت السلاسل وتكسرت الأغلاق وانفتح الباب فدخل المسلمون (٤). وقال ابن التين: والأصح أنه ليس هو؛ لأن عينه لم تكن ممسوحة, ولا عينه طافية, ولا وجدت فيه علامة (٥).

стр. 854

وروى ابن أبي شيبة (١) عن الفلتان بن عاصم، عن النبي ﷺ ، أنه قال: " أما مسيح الضلالة فرجل أجلى الجبهة ممسوح العين اليسرى، عريض النحر, فيه [دفاء] " (٢) أي: انحناء. وروى مسلم عن حذيفة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "الدجال أعور العين اليسرى، جفال الشعر، معه جنة ونار، فناره جنة وجنته نار" (٣). وفي حديث عبدالله بن عمر ﵄، قال: ذكر رسول الله ﷺ يومًا بين ظهراني الناس المسيح الدجال، فقال: "إن الله تعالى ليس بأعور، ألا وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه طافئة" رواه مسلم (٤). وفي صحيح مسلم بإسناده إلى أبي سعيد الخدري ﵁، قال: صحبت ابن صائد إلى مكة، فقال لي: ما لقيت من الناس، يزعمون أني الدجال، ألست سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: إنه لا يولد له. قال: قلت: بلى، قال: فقد ولد لي، أو ليس سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يدخل المدينة ولا مكة. قلت: بلى، قال: فقد ولدت بالمدينة، وهذا أنا أريد مكة، قال: ثم قال لي في آخر قوله: أما والله إني لأعلم مولده ومكانه وأين هو، فلبسني" (٥). وفي لفظ له قال: "فما زال حتى كاد أن يأخذ في قوله، قال: فقال له: أما والله إني لأعلم الآن حيث هو، وأعرف أباه وأمه" (٦). وفي لفظ له "ثم قال: أما والله إني لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن، قال: قلت له: تبا لك سائر اليوم" (٧).

стр. 855

وقال القرطبي: وأما احتجاجه بأنه مسلم والدجال كافر, وبأنه لا يولد للدجال وقد ولد به, وأن الدجال لا يدخل الحرمين وقد دخلهما هو, فغير واضح؛ لأن النبي ﷺ إنما أخبرت عن صفات الدجال وقت فتنته. والله تعالى أعلم (١). [٢٣٨ أ/س] ثم إنه إذا كان هو الدجال, كيف كان حاله إلى وقت خروجه في آخر الزمان. قال صاحب زهرة الرياض: رأيت في أمالي القاضي الإمام أبي بكر محمد بن على بن الفضل بإسناده عن أبي هريرة ﵁ قال: "بينا رسول ﷺ يصلي صلاة الغداة فلما سلم استقبل أصحابه بوجهه يحدثهم؛ إذ أقبلت صيحة شديدة بناحية اليهود ما سمعنا صيحة أشد منها, فأرسل رجلًا ليأتينا بالخبر. قال: فما مكث حتى رجع وقد تغير لونه فقال: يا رسول الله أما علمت أن البارحة وُلِدَ وَلَدٌ في اليهود, وأنه غضب وتزيد حتى امتلا البيت منه, وقد ضم أمه مع سريرها إلى زاوية البيت ودفع السقف عن حيطانها وهم يخافون, فاسترجع النبي ﷺ ثم قال: إني أخاف أنه الدجال. فلما مضت سبعة أيام قال النبي ﷺ لأصحابه: ألا تمضون بنا إلى هذا المولود. فإذا الدجال على رأس نخلة يلتقط رطبًا ويأكله, وله همهمة شديدة وأمه جالسة في أصل النخلة, فلما رأت النبي ﷺ نادته: يا ابن الصائد هذا محمد قد أقبل. فسكت وترك الهمهمة. قال: فرجع النبي ﷺ ونزل الدجال من النخلة /واتبع النبي ﷺ , وقال النبي ﷺ لأصحابه: اسمعوا إلى مقالته وأنا أسأله, ثم قال: أتشهد أني نبي. وقال له الدجال: أتشهد أني نبي. ثم رجع النبي ﷺ مع أصحابه. قال: فقام عمر ﵁ فضرب بالسيف على هامته فنبا * (٢) السيف كأنه قد ضرب على حجر، ثم رجع السيف فشج رأس عمر ﵁. قال: فوقع عمر ﵁ صريعًا جريحًا يسيل الدم من رأسه. قال: وقام الدجال على رأسه يسخر به ويستهزئ به, حتى ورد الخبر إلى رسول الله ﷺ فقام النبي ﷺ مسرعًا حزينًا حتى أتى عمر ﵁ فقال: ما الذي دعاك إلى هذا؟ فأخبره بما جرى, فقال ﷺ : يا عمر إنك لن تستطيع أن ترد قضاء الله تعالى. قال: فوضع النبي ﷺ يده المباركة على رأس عمر, فدعا الله تعالى فالتحم الجرح بإذن الله تعالى, وقال عمر ﵁: يا رسول الله وددت أن يرفعه الله تعالى. فقال النبي: ﷺ أتحب ذلك يا عمر؟ قال: نعم. قال: اللهم افعل. فنزل جبريل ﵇ في قطعة من الغمام كشبه الترس, فنزل على رأس الدجال, وهو جالس في وسط اليهود فأخذ بناصيته , وجذبه

стр. 856

عن ظهر الأرض, وأمه وأبوه وقومه ينظرون إليه ويبكون عليه, فرفعه جبريل ﵇ فألقاه إلى جزيرة في البحر, حتى قدم تميم الداري إلى رسول الله ﷺ وأخبره بخبره" (١) وأخرج مسلم حديثًا طويلًا عن فاطمة بنت قيس ﵂ أوله: " أن تميمًا الداري كان رجلا نصرانيا فبايع وأسلم, وحدثني حديثًا وافق الذي كنت أحدثكم عن المسيح الدجال" (٢) الحديث. وقال البيهقى: من ذهب إلى أن ابن صياد غير الدجال احتج بحديث تميم الداري في قصة الجساسة, (٣). ثم إنه قد قيل: كيف سكت رسول الله ﷺ عمن يدعى البنوة كاذبًا؟ وكيف تركه بالمدينة يساكنه في داره ويجاوره فيها؟ [١٠٤ ب/ص] وأجيب بأن هذا فتنة امتحن الله بها عباده المؤمنين, وقد امتحن قوم موسى في زمانه بالعجل فافتتن به قوم وهلكوا/ ونجا من هداه الله تعالى (٤). وقال الخطابي: والذي عندي أن هذه القصة إنما جرت معه أيام مهادنة رسول الله ﷺ اليهود وحلفائهم؛ وذلك أنه بعد مقدمه المدينة كتب بينه وبينهم كتابًا صالحهم فيه على أن لا يهاجروا وأن يتركوا على أمرهم، وكان ابن صياد منهم أو دخيلا في جملتهم (٥). [٢٣٨ أ/ص] /وقيل: لأنه كان من أهل الذمة. وقيل: لأنه كان دون البلوغ, وهو ما اختاره القاضي عياض فلم يجر عليه الحدود (٦). فإن قيل: لم اشتغل به النبي ﷺ وحاور معه المحاورات المذكورة؟
следующие страницы →