أَنَّ جَمِيلَةَ بِنْتَ سَلُولَ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَتْ: وَالله مَا أَعْتِبُ عَلَى ثَابِتٍ فِي دِينٍ وَلا خُلُقٍ، وَلَكِنْ أَكْرَهُ الكُفْرَ فِي الإِسْلَامِ، لا أُطِيقُهُ بُغْضًا، فَقَالَ لَها النَّبِيُّ ﷺ :
٢٢ - المُخْتَلِعَة يَأْخُذُ مَا أَعْطَاهَا
٢٠٥٦ - قوله: "أَنَّ جَمِيلَةَ بِنْتَ سَلُولَ": هي بنت عبد الله بن أبي، كذا قاله ابن منده، وقاله الدمياطي أيضًا، وغلط ابن منده في ذلك.
والحاصل أن مَن قال جميلة أخت عبد الله وهم، ومَن قال بنت عبد الله وهم.
أخت عبد الله بن أُبي بن سلول المنافق، وكذا وقع في صحيح البخاري أن أخت عبد الله بن أُبي (١)، وفيه أيضًا: "أن جميلة" (٢).
وفي سنن الدارقطني: زينب بنت عبد الله بن أبي بن سلول اختلعت من ثابت بن قيس (٣).
فتحصلنا على خمس نسوة اختلعن من ثابت: جميلة وزينب المذكورتان، وتأتي حبيبة بنت سهل، ومريم المغالية، وفي المهذب أن المختلعة من ثابت جميلة بنت سهل (٤)، وقد وهم.
قولها: "لا أَعْتِبُ عَلَى ثَابِتٍ": هو ثابت بن قيس بن شماس بن زهير بن مالك بن امرئ بن القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج، أبو محمد،
стр. 1126
"أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقته؟ " قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا حَدِيقَتَهُ، وَلا يَزْدَادَ. [خ: ٥٢٧٣، س: ٣٤٦٣].
وقيل: أبو عبد الرحمن، خطيب الأنصار، شهد أحدًا وقُتِل باليمامة، وهو الذي انقطع في بيته حزينًا، وقال: كنت أرفع صوتي فوق صوت رسول الله ﷺ ، فأنا من أهل النار، فرجع إليه رسولٌ ببشارة عظيمة من النبي ﷺ فقال: "لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة" (١).
وهو الذي رُؤيَ في النوم بعد قتله، وأُجيزت وصيته بالمنام، وها أنا أذكر لك المنام لتقف عليه، روى عطاء الخرساني قال: قدمت المدينة فدخلت على ابنة ثابت بن قيس، فقلت: حدثيني عن ثابت يرحمك الله، قالت: لما كان يوم اليمامة خرج مع خالد بن الوليد إلى مسيلمة الكذاب، فلما لقي أصحاب رسول الله ﷺ حمل عليهم فانكشفوا، فقال ثابت وسالم مولى أبي حذيفة: ما هكذا كنا نفاتل مع رسول الله ﷺ ، ثم حفر كلُّ واحد منهما لنفسه حفرة، وحمل عليهما القوم فثبتا وقاتلا حتى قتلا.
قالت: وعلى ثابت يومئذ درع له نفيسة، فمر به رجل من المسلمين فأخذها، فبينا رجل من المسلمين نائم إذ أتاه ثابت بن قيس في منامه فقال له: إني موصيك بوصية فإياك أن تقول هذه حلم فتضيعها، إني لما قتلت أمس مرَّ بي رجل من المسلمين فأخذ درعي، ومنزله في أقصى العسكر، وعند خبائه فرس
стр. 1127
٢٠٥٧ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَتْ حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ تَحتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَكَانَ رَجُلًا دَمِيمًا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، وَالله لَوْلا مَخَافَةُ
تستن في طِوَلِه، وقد كفأ على الدرع بُرمة، وجعل فوق البُرمة رحلًا، فائت خالدًا فمره يبعث إلى درعي فيأخذها، فإذا قدمتَ على خليفة رسول الله ﷺ فقل له: إن عليَّ مِن الدين كذا وكذا، ولي مِن الدين كذا وكذا، وفلان من رقيقي حر وفلان.
إلى أن قال: فلا نعلم أحدًا من المسلمين أُجيزت وصيتُه بعد موته غير ثابت بن قيس بن شماس، انتهى.
الرائي هو بلال بن رباح، والعبدان المعتقان سعد ومبارك، وشاهده في كتاب الردة للواقدي (١)، والقصة مشهورة في كتب المغازي.
٢٠٥٧ - قوله: "كَانَتْ حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ تَحتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ": كذا جاء، فجائز أن تكون المرأتان، هي والتي قبلها جميلة، اختلعتا، والله أعلم.
وكذا مريم المغالية، وهي منسوبة إلى بني مغالية، وتأتي أنها اختلعت من ثابت أيضًا، وقد تقدّم ذكرها في جملة خمس اختلعن منه، ﵁.
قوله: "وَكَانَ رَجُلًا دَمِيمًا": هو بفتح الدال المهملة، والدَّمامة بالفتح القِصَرُ والقُبْح.
стр. 1128
الله إِذَا دَخَلَ عَلَيَّ لَبَصَقْتُ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَته؟ " قَالَتْ: نَعَمْ، فَرَدَّتْ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ، قَالَ: فَفَرَّقَ بَيْنَهما رَسُولُ الله ﷺ .
٢٣ - عِدَّةُ المُخْتَلِعَةِ
٢٠٥٨ - حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ سَلَمَةَ النَّيْسَابُورِيُّ قالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنِ رُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ قَالَ: قُلتُ لَهَا: حَدِّثِينِي حَدِيثَكِ، قَالَتْ: اخْتَلَعْتُ مِنْ زَوْجِي، ثُمَّ جِئْتُ عُثْمَانَ، فَسَأَلتُ: مَاذَا عَلَيَّ مِنَ العِدَّةِ؟ فَقَالَ: لا عِدَّةَ عَلَيْكِ، إِلا أَنْ يَكُونَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِكِ، فتمْكُثِينَ عِنْدَهُ حَتَّى تَحِيضِينَ حَيْضَةً، قَالَتْ: وَإِنَّمَا تَبِعَ فِي ذَلِكَ قَضَاءَ رَسُولِ الله ﷺ فِي مَرْيَمَ المَغَالِيَّةِ، وَكَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ، فَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ. [س:٣٤٩٨].
٢٣ - عِدَّة المُخْتَلِعَةِ
٢٠٥٨ - حديث المختلعة أنها تعتد بحيضة: قد أخذ بذلك عثمان، وعبد الله ابن عُمر، والرُّبيع بنت معوذ، وعمها وهو من كبار الصحابة، قال بعض الحنابلة: فهؤلاء الأربعة من الصحابة لا يُعرف لهم مخالف منهم، وقد ذهب إلى هذا المذهب إسحاق بن راهويه، والإمام أحمد في رواية عنه، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (١).
стр. 1129
٢٤ - الإِيلَاءُ
٢٠٥٩ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الرِّجَالِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَقْسَمَ رَسُولُ الله ﷺ أَنْ لا يَدْخُلَ عَلَى نِسَائِهِ شَهْرًا، فَمَكَثَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، حَتَّى إِذَا كَانَ مِسَاءَ ثَلَاثِينَ دَخَلَ عَلَيَّ، فَقُلتُ: إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، فَقَالَ: "شَهْرٌ هَكَذَا"، يُرْسِلُ أَصَابِعَهُ فِيها ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، "وَشَهْرٌ هَكَذَا"، وَأَرْسَلَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، وَأَمْسَكَ إِصْبَعًا وَاحِدًا فِي الثَّالِثَةِ.
٢٠٦٠ - حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ حَارِثَةَ (١) بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ إِنَّمَا آلَى؛
٢٤ - الإِيلَاء
فائدة: كان إيلاؤه ﵇ في السنة التاسعة.
٢٠٦٠ - قوله: "عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ": هو ابن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، وهو بحاء مهملة، وبعد الألف ثاء مثلثة.
وفي أصلنا عمل تحت الحاء علامة إهمالٍ ونقطة أيضًا، ولا أدري فيه غير ما ذكرت، بل غيرُه تصحيف.
٢٧ - اللِّعَانُ
٢٠٦٦ - حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ العُثْمَانِيُّ قالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: جَاءَ عُوَيْمِرٌ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ، فَقَالَ: سَل لِي رَسُولَ الله ﷺ ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ، أَيُقْتَلُ بِهِ؟ أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ فَسَأَل عَاصِمٌ رَسُولَ الله ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَعَابَ رَسُولُ الله ﷺ المَسَائِلَ، ثُمَّ لَقِيَهُ عُوَيْمِرٌ فَسَأَلهُ، فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: صَنَعْتُ أنَّكَ لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ، سَأَلتُ رَسُولَ الله ﷺ ، فَعَابَ المَسَائِلَ.
٢٧ - اللِّعَان
٢٠٦٦ - قوله: "جَاءَ عُوَيْمِرٌ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ": هو العجلاني، وهو عويمر بن أبيض العجلاني.
وقال الطبري: هو عويمر بن الحارث بن زيد بن حارثة بن الجد بن عجلان، صاحب اللعان، وهو الذي رمى زوجته بشريك بن سحماء، كذا قاله النووي في تهذيبه (١)، وفيه نظر؛ إنما المعروف هذا في امرأة هلال بن أمية، وكذا ذكره هو على الصواب في ترجمة هلال في التهذيب (٢).
وكان لعانهما، يعني عويمرًا وامرأته، في سنة تسع من الهجرة، حين قدومه ﵇ من تبوك، فوجدها عويمر حبلى، وعاش ذلك المولود سنتين،
стр. 1134
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثم مات، وعاشت أمه بعده يسيرًا، ذكر ذلك بعضهم.
وفي سنن أبي داود: كان، يعني الغلام، أميرًا على مصر، وما يُدعى لأب (١).
وأما آية اللعان فاختلف فيمن أنزلت؛ فقيل: في عويمر هذا، وقيل: في هلال، وأرجحها أنه نزلت بسبب هلال، واستدل لذلك بحديث في صحيح مسلم: "وكان أَوَّلَ رَجُلٍ لَاعَنَ في الْإِسْلَامِ" (٢)، يعني هلالًا.
قال الماوردي في حاويه: قال الأكثرون: قصة هلال أسبق، قال: والنقل فيهما مشتبه مختلف (٣).
وقال ابن الصباغ في شامله: قصة هلال تبين أن الآية نزلت فيه أولًا، وأما قوله: قد أنزل الله عليه فيهما، وفي راوية أخرى: "قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك"، فمعناه ما نزل في قصة هلال؛ لأنه حكم عام لجميع المسلمين.
قال الشيخ محيي الدين في شرحه لمسلم: ويحتمل أنها نزلت في ذا وفي ذاك، وأن هلالًا أول ملاعن، والله أعلم (٤).
стр. 1135
فَقَالَ عُوَيْمِر: وَالله لآتِيَنَّ رَسُولَ الله ﷺ وَلأَسْأَلنَّهُ، فَأَتَى رَسُولَ الله ﷺ ، فَوَجَدَهُ قَدْ أنزِلَ عَلَيْهِ فِيهِمَا، فَلَاعَنَ بَيْنَهُمَا. قَالَ عُوَيْمِرٌ: وَالله، لَئِنِ انْطَلَقْتُ بِهَا يَا رَسُولَ الله، لَقَدْ كَذَبْتُ عَلَيْهَا، قَالَ: فَفَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ الله ﷺ ، فَصَارَتْ سُنَّةً فِي المتلَاعِنَيْنِ. ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "انْظُرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ
وليس من الأَيمان، على قولنا أنه يمين وهو الأصح، شيء متعدد إلا اللعان والقسامة، ولا يمين في جانب المدعي إلا فيهما.
فائدة: لم ينقل لعانٌ بعده ﵇، إلا في أيام عمر بن عبد العزيز.
فائدة: امرأة عويمر اسمها خولة بنت عاصم، قاله الذهبي في تجريده (١) وغيره.
قوله: "فَصَارَتْ سُنَّةً فِي المُتَلَاعِنَيْنِ": قال الحافظ الإمام شمس الدين ابن قيم الجوزية الحنبلي في الهدي: يمكن أن يكون مدرجًا من كلام ابن شهاب وهو الظاهر (٢)، انتهى، ذكر ذلك في اللعان.
قوله: "فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ": أي أسود شديد السواد، قال الحربي: هو الذي لون كلون الغراب (٣).
стр. 1136
أَدْعَجَ العَيْنَينِ، عَظِيمَ الأَليَتَيْنِ، فَلا أُرَاهُ إِلا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيمِرَ كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ، فَلا أُرَاهُ إِلا كَاذِبًا"، قَالَ: فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ المَكْرُور. [خ:٤٢٣، م:١٤٩٢، د:٢٢٤٥، س:٣٤٠٢].
قوله: "أَدْعَجَ العَيْنَيْنِ": هو شديد سواد سوادهما.
قوله: "عَظِيمَ الأَليَتَيْنِ": أي كبيرهما، وفي رواية: "يأتي سابغ الأليتين"، قال صاحب العين: أي قبيحهما، يقال: ألية سابغة أي قبيحة.
قال عياض: وقد يكون سبوغ الآليتين هنا عظمهما، ومنه ثوب سابغ، وأسبغ الله علينا نعمه، أي كثرها، ويدل عليه قوله: "عظيم الآليتين"، وفي رواية: "إن كان مُستهًا" والمسته العظيم الآليتين.
وقد يكون سابغ الآليتين شديد سوادهما؛ لأنه جاء في صفته في بعض الروايات "أسود"، يقال في الصباغ بالصاد والسين.
وقد يكون سابغ الآليتين كثير شعرهما كما يوجد في بعض الأطفال، يقال سبغت الناقة إذا ولدت ولدها حين يشعر (١)، والله أعلم.
قوله: "كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ": هو بفتح الواو والحاء المهملة والراء، ومعناه وزغة، وقيل: نوع من الوزغ يكون في الصحارى.
стр. 1137
٢٠٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ قالَ: أَنْبَأنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "البَيِّنَةَ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ". فَقَالَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، إِنِّي لَصَادِقٌ، وَلَيُنْزِلَنَّ اللهُ فِي أَمْرِي مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي، قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور:٦ - ٩]، فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا فَجَاءَا، فَقَامَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ فَشَهِدَ،
٢٠٦٧ - قوله: "أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ": أما هلال بن أمية فهو هلال بن أمية بن عامر بن قيس بن عبد الأعلى بن عامر بن كعب بن واقف، واسمه مالك، بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس الأنصاري الواقفي المدني، شهد بدرًا، وإن كان حديثه في الصحيح فإنه لم يذكره مِن أهل المغازي أحدٌ، ولا رفيقه مرارة بن الربيع، فيهم، كذا رأيت غير واحد تعقب ذلك، وبيّن بعضهم أنه غَلِطَ الزهري في ذكره، وتبع الزهري البخاري ومسلم وأحمد.
وشهد أحدًا، وكان قديم الإسلام، وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم.
وقوله: "بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ": ويقال: السحماء، وهي أمُّه، وهي بفتح السين وإسكان الحاء المهملتين وبالمد في آخرها، وأبوه عبدة بن مُعَتّب.
стр. 1138
وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الله يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَل مِنْ تَائِبٍ؟ ".
وقيل: مغيث، بن الجدّ بن عجلان بن حارثة بن ضُبيعة البلوي، وهو عم معن وعاصم ابن عدي بن الجد، وهو حليف الأنصار، قيل إنه شهد مع أبيه أحدًا.
قال القاضي عياض: وقول مَن قال أنه يهودي باطل (١).
قال الخطيب: شهد أبوه عبدة بدرًا.
وفي حفظي أن بعضهم قال: "قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ" أي بشخص هو شريك ابن سحماء، لا بشريك بن سحماء نفسه، والله أعلم.
ثم رأيت نقله بعض مشايخي عن أبي نعيم.
قوله: "قَذَفَ امْرَأَتَهُ": هي سهلة بنت عاصم، كذا رأيته بخط بعضهم.
قال الذهبي في سهلة بنت عاصم بن عدي: وُلدت يوم خيبر، عن قولها، فالحديث واهي السند (٢).
فإذا كان كذلك تكون وُلدت في أول السنة السابعة، فلا تصح أن تكون سهلة بنت عاصم هي الملاعنة.
ولا أعلم في الصحابيات في الصحابيات مَن هي بهذه التسمية غيرها.
والصواب أنها خولة بنت عاصم، كذا ذكره غير واحد أنها زوج هلال بن أمية، وأنها الملاعنة.
стр. 1139
ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الخَامِسَةِ: ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، قَالُوا لَهَا: إِنَّهَا لمُوجِبَةٌ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَتَلَكَّأَتْ، وَنَكَصَتْ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا سَتَرْجِعُ، وَقَالَتْ: وَالله لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ اليَوْمِ، فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : "أبْصِرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكحَلَ العَيْنَيْنِ، سَابغَ الأَليَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَهُوَ لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ"، فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَوْلا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ الله لَكَانَ لِي وَلهَا شَأْنٌ". [خ: ٢٦٧١، د: ٢٢٥٤، ت: ٣١٧٩].
قوله: "قَالُوا لَهَا: إِنَّهَا لمُوجِبَةٌ": يقال: أوجب الرجل إذا فعل فعلًا وجبت له به الجنة أو النار.
قوله: "فَتَلَكَّأَتْ": أي ترددت وتحبست عن التقدّم.
قوله: "وَنَكَصَتْ": يقال: نكص إذا رجع إلى وارءه.
قوله: "فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ العَيْنَيْنِ": الكَحَل بفتحتين سواد في أجفان العين خلقة، والرجل أكحل وكحِيل.
قوله: "سَابغَ الأَليَتَيْنِ": تقدّم الكلام عليه قبله.
قوله: "خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ": هو بالخاء المعجمة وفتح الدال المهملة وتشديد اللام المفتوحات ثم جيم، وجاء في بعض الروايات في الصحيح: "خَدْلًا" (١)
стр. 1140
٢٠٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ البَاهِليُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبٍ قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيمانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الله قَالَ: كُنَّا فِي المَسْجِدِ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ قَتَلتُمُوهُ، وَإِنْ تَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ، وَالله لأَذْكُرَنَّ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَاتِ اللِّعَانِ، ثُمَّ جَاءَ الرَّجُلُ بَعْدَ ذَلِكَ يَقْذِفُ امْرَأَتَهُ، فَلَاعَنَ رَسُولُ الله ﷺ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ: "عَسَى أَنْ تَجِيءَ بِهِ أَسْوَدَ"، فَجَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ جَعْدًا. [م: ١٤٩٥، د:٢٢٥٣].
٢٠٦٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ قالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا لاعَنَ امْرَأَتَهُ وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا،
بفتح الخاء المعجمة وإسكان الدال المهملة، وعند الأصيلي بكسر الدال، والخدْل والخدِل والخدلج: الممتلئ العَبْل (١)، وخدلج الساقين عظيمهما.
٢٠٦٨ - قوله: "جَعْدًا": في صفات الرجال يكون مدحًا وذمًا؛ فالمدح معناه أن يكون شديد الأسر والخلق، أو يكون جعد الشعر وهو ضد السبط؛ لأن السبوطة أكثرها في شعور العجم.
وأما الذم فهو القصير المتردد الخلق، وقد يطلق على البخيل أيضًا، يقال: رجل جعْد اليدين، ويجمعُ على الجعاد.
سَمِعَهُ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ الله يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبائِكُمْ".
قَالَ عُمَرُ: فَمَا حَلَفْتُ بِهَا ذَاكِرًا، وَلا آثِرًا. [خ:٦٦٤٧، م:١٦٤٦، د:٣٢٤٩، ت: ١٥٣٣، س:٣٧٦٧].
٢٠٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الحسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي، وَلا بِآبائِكُمْ". [: ١٦٤٨، س: ٣٧٧٤].
٢٠٩٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الوَاحِدِ،
٢ - النَّهْي أَنْ يُحْلَفَ بِغَيْرِ الله
٢٠٩٤ - قوله: "ذَاكِرًا، وَلا آثِرًا": أي ما حلفت به مبتديًا عن نفسي، ولا رويت عن أحد أنه حلف بها.
٢٠٩٥ - قوله: "لا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي": الطواغي جَمْع طاغية، وهي ما كانوا يعبدون من الأصنام وغيرها، ويجوز أن يكون أراد بالطواغي مَن طغى في الكفر وجاوز القدر في الشر، وهم عظماؤهم ورؤساؤهم.
وفي رواية خارج هذا الكتاب: "بالطواغيت" (١)، وهو جمع طاغوت، وهو الشيطان، أو ما يُزين لهم أن يعبدوه من الأصنام، ويقال للصنم طاغوت، والطاغوت يكون واحدًا ويكون جمعًا.
٢١٠٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ رَافِعٍ البَجَليُّ قالَ: حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الحُسَيْن بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنَ الإِسْلامِ، فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَما قَالَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا لَمْ يَعُدْ إِلَى الإِسْلَامِ سَالمًا". [: ٣٢٥٨، س: ٣٧٧٢].
٤ - مَنْ حُلِفَ لَهُ بِالله فَليَرْضَ
٢١٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَمُرَةَ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَقَالَ: "لا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ حَلَفَ بِالله فَليَصْدُقْ، وَمَنْ حُلِفَ لَهُ بِالله فَليَرْضَ، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ بِالله، فَلَيْسَ مِنَ الله". [خ:٢٦٧٩، م: ١٦٤٦، ت: ١٥٣٣].
وقال أحمد: ترك الناسُ حديثه.
وقال الجوزجاني: هالك.
وقال الدارقطني وجماعة: متروك الحديث.
وقال ابن حبان: كان من خيار عباد الله، إلا أنه كان يكذب ولا يعلم، ويقلب الأسانيد ولا يفهم.
وقال ابن معين: ليس بثقة، انتهى.
وقد ذكر له في الميزان مناكير (١).
стр. 1156
٢١٠٢ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسبٍ قالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ النَّضْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَجُلًا يَسْرِقُ، فَقَالَ: أَسَرَقْتَ؟ قَالَ: لا، وَالَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ، فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِالله، وَكذَّبْتُ بَصَرِي". [خ: ٣٤٤٤، م:٢٣٦٨، س:٥٤٢٧].
٤ - مَنْ حُلِفَ لَهُ بِالله فَليَرْضَ
٢١٠٢ - قوله: "رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَجُلًا يَسْرِقُ، فَقَالَ: أَسَرَقْتَ؟ " الحديث: قال القاضي عياض: ظاهر الكلام صدقت من حلف بالله، وكذبت ما ظهر لي من ظاهر سرقته، فلعله أخذ ماله فيه حق، أو بإذن صاحبه، أو لم يقصد الغصب والاستيلاء، أو ظهر له من مَدّ يده أنه أخذ شيئًا، فلما حلف له أسقط ظنه ورجع عنه (١)، انتهى.
قال بعضهم: قد تأوله بعضُهم على أنه لما حلف له جوز أن يكون قد أخذ ماله، فظنه المسيح سرقة.
قال: وهذا تكلف؛ وإنما كان الله في قلب المسيح ﵇ أجل وأعظم من أن يحلف به أحد كاذبًا، فلما حلف له السارق دار الأمر بين تهمته وتهمة بصره، فرد التهمة إلى بصره لما اجتهد له في اليمين، كما ظن آدم صدق إبليس لما حلف له بالله، وقال: ما ظننت أحدًا يحلف بالله كاذبًا (٢)، انتهى.
٢١٠٨ - حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَعَبْدُ الله بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى خَيْرًا مِنْهَا فَليَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَليُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ". [م: ١٦٥١، س:٣٧٨٥].
فائدة: ذكر الزمخشري في كشافه في سورة التحريم في قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، إن قلت: هل كفّر رسول الله ﷺ لذلك؟ قلتُ: عن الحسن أنه لم يُكَفِّر؛ لأنه كان مغفورًا له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وإنما هو تعليم للمؤمنين.
وعن مقاتل أنّ رسول الله ﷺ أعتق رقبة في تحريم مارية (١)، انتهى.
في جامع الترمذي في تفسير سورة التحريم حديث عُمر، وفيه: "كان أَقْسَمَ أَنْ لَا يَدْخُلَ على نِسَائِهِ شَهْرًا، فَعَاتَبَهُ الله في ذلك، وَجَعَلَ له كَفَّارَةَ الْيَمِينِ". قال الترمذي: حديث حسن صحيح (٢).
وهو محتمل الاستحباب والفرض أيضًا.
وفي ابن ماجه أنه ﵇ كفّر بصاع من تمر، وأمر الناس بذلك، فمن لم يجد فبنصف صاع من بُر (٣).