فَقِتْلَةٌ (١) جَاهِلِيَّة". [م:١٨٤٨، س: ٤١١٤].
٣٩٤٩ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ الرَّبِيعِ اليُحْمِدِيُّ،
وحكى بعضُهم الضم في العين؛ عِمِّية وعُمِّية، ويقال: عميا مقصور، ويقال: قتيل عميا إذا لم يُعلم قاتله.
وفسَّرها بعضهم بأنه الأمر الأعمى لا يستبين وجهه.
قال ابن راهويه: هذا في تهارج القوم وقتل بعضهم بعضًا.
كأنه من التعمية وهو التلبيس.
وقيل: العمية الضلالة، وقيل: في فتنة وجهل.
وقد فسرها في تمام الحديث بقوله: "يَدْعُو إِلَى عَصَبِيَّةٍ أَوْ يَغْضَبُ لِعَصَبِيَّةٍ" (٢).
قوله: "فَقِتْلَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ": القِتلة بكسر القاف وهي الهيئة والحالة مِن القتل.
٣٩٤٩ - قوله: "حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ الرَّبِيعِ اليُحْمِدِيُّ": هو بضم المثناة تحت وسكون الحاء المهملة ثم ميم مكسورة ثم دال مهملة ثم ياء النسب، هذه النسبة إلى "يُحمِد" بضم الياء وكسر الميم، كيُعْلِم، ويجوز "يُحْمَد" بضم الياء وفتح
стр. 2243
عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ الشَّامِيِّ (١)، عَنِ امْرَأَةٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهَا فُسَيْلَةُ، قَالَتْ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَأَلتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلتُ: يَا رَسُولَ الله، أَمِنَ العَصَبِيَّةِ أَنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ قَوْمَهُ؟ قَالَ: "لا، وَلَكِنْ مِنَ العَصَبِيَّةِ أَنْ يُعِينَ الرَّجُلُ قَوْمَهُ عَلَى الظُّلمِ". [د:٥١١٩].
الميم كيُمْنَع، وهو أبو قبيلة، كذا قاله شيخنا مجد الدين في قاموسه (٢).
قوله: "عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِير اليامي": كذا في أصلنا، وكتب تجاهه: صوابُه: "الشَّامِيّ"، انتهى.
يعني بالشين المعجمة، نسبة إلى الشام، والظاهر أن التصويب جيد، وهذا الرجل رَمْلي.
قال الذهبي: قيل إنه تميمي.
قال النسائي: ليس بثقة.
وقال البخاري: فيه نظر.
وقال ابن عدي: هو خَيْر من عَبَّاد البصري، ثم ساق له مناكير.
وفيه كلام غير ذلك تركته اختصارًا.
стр. 2244
٨ - بَاب السَّوَاد الأَعْظَم
٣٩٥٠ - حَدَّثَنَا العَبَّاسُ بْنُ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا مُعَانُ بْنُ رِفَاعَةَ السَّلامِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو خَلَفٍ الأَعْمَى، أنَّه سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِك يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أُمَّتِي لا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلالَةٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ اخْتِلافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الأَعْظَمِ".
٨ - بَاب السَّوَاد الأَعْظَم
٣٩٥٠ - قوله: "حَدَّثَنَا مُعَانُ بْنُ رِفَاعَةَ السَّلامِيُّ": رأيته في غير كتاب من كتب الأسماء؛ بتشديد اللام بالقلم، وهو في أصلنا مُدَلَّس.
قوله: "فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الأَعْظَمِ": قال ابن الأثير: عليك بالسواد الأعظم؛ أي جملة الناس ومعظمهم الذين يجتمعون على طاعة السلطان، وسلوك النهج المستقيم (١).
ونقل ابن القيم في إغاثة اللهفان ما لفظه: سئل محمد بن أسلم الطوسي، وكان مِن أتبع الناس للسُّنة في زمانه، حتى قال: ما بلغني سنة عن رسول الله ﷺ إلا عملت بها، ولقد حرصت على أن أطوف بالبيت راكبًا، فما مكنت من ذلك.
стр. 2245
٩ - بَاب مَا يَكُونُ مِنَ الفِتَنِ
٣٩٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيْرٍ وَعَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ رَجَاءٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ شَدَّادِ بْنِ الهَادِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ يَوْمًا صَلاةً فَأَطَالَ فِيهَا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلنَا، أَوْ قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَطَلتَ اليَوْمَ الصَّلَاةَ، قَالَ: "إِنِّي صَلَّيْتُ صَلَاةَ رَغْبَةٍ وَرَهْبهٍ، سَأَلتُ اللهَ لأُمَّتِي ثَلاثًا، فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ وَرَدَّ عَلَيَّ وَاحِدَةً؛ سَأَلتُهُ أَنْ لا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلتُهُ أَنْ لا يُهْلِكَهُمْ غَرَقًا فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلتُهُ أَنْ لا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَرَدَّهَا عَلَيَّ".
عن قوله في الحديث: "إذا اختلف الناس فعليكم بالسواد الأعظم"، فقال محمد بن أسلم: هو السواد الأعظم.
قال ابن القيم: وصدق والله، فإن العصر إذا كان فيه عارف بالسُّنة داعٍ إليها فهو الحجة، وهو الإجماع، وهو السواد الأعظم، وهو سبيل المؤمنين التي مَن فارقها واتبع سواها ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا (١)، انتهى.
وذكر نحوه في معالم الموقعين عن ربِّ العالمين لكن أبهم القائل (٢).
والحديث سنده ضعيف.
وَلَنْ تَزَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ مَنْصُورِينَ لا يَضُرّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ الله ". [رَ: ١٠، م: ١٩٢٠، د: ٤٢٥٢، ت: ٢١٧٦].
قَالَ أَبُو الحَسَنِ: لَمَّا فَرَغَ أَبُو عَبْدِ الله مِنْ هَذَا الحَدِيثِ، قَالَ: مَا أَهْوَلَهُ (١).
قوله: "لا (٢) تَزَال طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي" الحديث: الطائفة الجماعة من الناس، ويقع على الواحد كأنه أراد نَفْسًا طائفة.
سئل إسحاق بن راهويه عنه، فقال: الطائفة دون الألف، وسيبلغ هذا الأمر إلى أن يكون عدة المتمسكين بما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ألفًا، يُسَلّي بذلك ألا يعجبهم كثرة أهل الباطل.
وأما تعيين مكان هذه الطائفة، ومَن هي؛ ففي الصحيح من قول معاذ: "وهم بالشام" (٣).
وفي صحيح مسلم: "وهم أهل الغرب" (٤).
قيل عن علي بن المديني: الغرب هاهنا الدلو، وأراد هاهنا العرب؛ لأنهم أصحابها والمستقون بها.
стр. 2248
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومَن قال الشام حمله على غرب الأرض، والشام غرب الحجاز.
وقال معاذ كما نقله صاحب المطالع: هم أهل الشام وما رواءه.
وقيل: المراد أهل الحدة والاستبصار في الجهاد ونصر دين الله ، والغرب: الحدة (١)، انتهى.
كأنه يشير بذلك إلى أنهم أهل إقليمه؛ لأنهم القائمون بالجهاد مع الروم، والله أعلم.
وجاء في حديث: "وهم ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس" (٢)، وهذا لا ينافي ما قاله معاذ؛ لأن بيت المقدس وأكنافه من الشام.
وجاء في حديث كما قاله بعض الحفاظ: "وهم أهل المغرب"، [صار] معنا روايتان نحتاج فيهما إلى الجمع؛ رواية: "الشام" التي هي من كلام معاذ، ورواية: "المغرب"، فيقال (٣).
وأما تعيينهم؛ فقد قال الإمام أحمد: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري مَن هم.
стр. 2249
٣٩٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ حَبِيبَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، عَنْ زينَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، أَنَّهَا قَالَتْ: اسْتَيْقَظَ رَسُولُ الله ﷺ مِنْ نَوْمِهِ وَهُوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ، وَهُوَ يَقُولُ: "لا إِلَهَ إِلا الله، وَيْلٌ لِلعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَعَقَدَ بِيَدَيْهِ عَشَرَةً".
قَالَتْ زينَبُ: قُلتُ: يَا رَسُولَ الله، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟
وقال البخاري في الصحيح: وهم أهل العلم.
ولا منافاة؛ فأهل الحديث هم أهل العلم.
قال النووي: إن هذه الطائفة منهم محدثون، ومنهم فقهاء، ومنهم مجاهدون (١)، إلى آخر كلامه.
٣٩٥٣ - قوله: "عَنْ زينَبَ بنت أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ حَبِيبَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، عَنْ زينَبَ بِنْتِ جَحْشٍ": هذا السند فيه طرفة من طرف الإسناد؛ وهو أنه قد اجتمع فيه أربع من الصحابيات؛ فأولهن: زينب بنت أم سلمة ربيبة رسول الله ﷺ ، ترويه عن حبيبة بنت عُبيد الله بن جحش الأسدية ربيبة النبي ﷺ ، ترويه عن أمها أمّ حبيبة أمّ المؤمنين، عن زينب بنت جحش وهي عمة حبيبة أخت أبيها.
стр. 2250
قَالَ: "إِذَا كثُرَ الخَبَثُ". [خ: ٣٣٤٦، م: ٢٨٨٠، ت: ٢١٨٧].
٣٩٥٤ - حَدَّثَنَا رَاشِدُ بْنُ سَعِيدٍ الرَّمليُّ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الوَليدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي السَّائِبِ، عَنْ عِليِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ القَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "سَتَكُونُ فِتَنٌ يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا إِلا مَنْ أَحْيَاهُ اللهُ بِالعِلمِ".
٣٩٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيْرٍ قالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوَيةَ وَأَبِي، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ
وفيه طرفة أخرى: وهي أن فيه زوجتين وربيبتين، ربيبة عن ربيبة، وزوجة عن زوجة.
وقد أخرج الحافظ أبو الحجاج يوسف بن خليل جزءًا فيه أحاديث يروي في كل واحد من أربعة من الصحابة؛ بعضهم عن بعض، وآخره حديث فيه خمسة من الصحابة، وقد ذكرته في ثبتي، وفي تعليقي على صحيح البخاري، وهو عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن عثمان بن عفان، عن عمر بن الخطاب، عن أبي بكر الصديق، عن بلال قال: قال رسول الله ﷺ : "الموت كفارة لكل مسلم". قوله: "إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ": أي الفسقُ والفجور.
٣٩٥٥ - قوله: "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوَيةَ وَأَبِي": هو بفتح الهمزة، وهو عبد الله بن نمير، روى ابنه محمد عنه، وعن أبي معاوية.
خِبَاءَهُ، وَمِنَّا مَنْ يَنتَضِلُ، وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِي جَشَرِهِ، إِذْ نَادَى مُنَادِيهِ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَاجْتَمَعْنَا، فَقامَ رَسُولُ الله ﷺ فَخَطَبَنَا فَقَالَ: "إِنَّهُ لم يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلي إِلا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّته عَلَى مَا يَعْلَمُهُ خَيْرًا لهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ مَا يَعْلَمُهُ شَرًّا لهُمْ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ جُعِلَتْ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلهِا، وَإِنَّ آخِرَهُمْ يُصِيبُهُمْ بَلَاءٌ وَأُمُورٌ يُنْكِرُونَهَا، ثُمَّ تَجِيءُ فِتَنٌ يَدْفِقُ (١) بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَقُوُل المُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ،
قوله: "وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ": أي يرمي بالسهام، يقال: انتضل القوم وتناضلوا؛ أي رموا للسبق، وناضله إذا راماه.
قوله: "وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِي جَشَرِهِ": الجَشَر بفتح الجيم والشين المعجمة ثم راء؛ المال يخرج أربابُه يرعى في مكان يمسك فيه، وأصله التباعد.
قال الأصمعي: مال جشر إذا كان لا يأوي إلى أهله.
وقال غيره: وأصله أن الجشر الربيع.
قال أبو عُبيد: الجشر الذين يبيتون مكانهم، ولا يرجعون إلى بيوتهم.
قوله: "ثُمَّ تَجِيءُ فِتَنٌ يَدْفِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا": كذا في أصلنا؛ بفاء بعد الدال ثم قاف؛ من الدفق.
قال في المطالع: "فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا" كذا الرواية بالراء والقافين، وعند الطبري: "فيَدْفِقُ" من الدفق وهو الدفع، أي أنها تأتي شيئًا بعد شيء.
فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا، تُنْزَعُ عُقُولُ أَكْثَرِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَيَخْلُفُ لَهُ هَبَاءٌ مِنَ النَّاسِ لا عُقُولَ لهُمْ"، ثُمَّ قَالَ الأَشْعَرِيُّ: وَايْمُ الله إِنِّي لأَظُنُّهَا مُدْرِكَتِي وَإِيَّاكُمْ، وَايْمُ الله مَا لِي وَلَكُمْ مِنْهَا مَخْرَجٌ إِنْ أَدْرَكَتْنَا فِيمَا عَهِدَ إِلَيْنَا نَبِيُّنَا ﷺ ، إِلا أَنْ نَخْرُجَ مِنْهَا كَمَا دَخَلنَا فِيهَا.
٣٩٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قالَ: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى قالَ: حَدَّثَنَا
و"أَسيد" بفتح الهمزة وكسر السين.
قال ابن المديني: مجهول.
قال الذهبي في الميزان قبل نقل كلام ابن المديني: محلُّه الصدق (١).
قوله: "وَيَخْلُفُ لَهُ هَبَاءٌ مِنَ النَّاسِ لا عُقُولَ لهمْ": الهباء الشيء المنبث الذي تراه من ضوء الشمس.
والهباء: دقاق التراب.
فمعنى الحديث، والله أعلم، أن يخلف لهم أناس صغار كالهباء خفة وطيشًا وارتفاعًا.
قلتُ هذا ولم أرَه لأحد، فإن كان صوابًا فمِن الله ورسوله، وإن كان خطأ فمني ومِن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان.
стр. 2258
عَبْدُ الله بْنُ عُبَيْدٍ مُؤَذِّنُ مَسْجِدِ جُرْدَانَ (١) قَالَ: حَدَّثَتْنِي عُدَيْسَةُ (٢) بِنْتُ أُهْبَانَ قَالَتْ: لَمَّا جَاءَ عَليُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ هَاهُنَا البَصْرَةَ دَخَلَ عَلَى أَبِي، فَقَالَ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ أَلا تُعِينُنِي عَلَى هَؤُلَاءِ القَوْمِ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَدَعَا جَارَيةً لَهُ، فَقَالَ: يَا جَارِيةُ أَخْرِجِي سَيْفِي، قَالَ: فَأَخْرَجَتْهُ، فَسَلَّ مِنْهُ قَدْرَ شِبْرٍ فَإِذَا هُوَ خَشَبٌ، فَقَالَ: إِنَّ خَلِيلي وَابْنَ عَمِّكَ ﷺ عَهِدَ إِلَيَّ إِذَا كَانَتِ الفِتْنَةُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ فَأَتَّخِذُ سَيْفًا مِنْ خَشَبٍ، فَإِنْ شِئْتَ خَرَجْتُ مَعَكَ، قَالَ: لا حَاجَةَ لِي فِيكَ وَلا فِي سَيْفِكَ. [ت:٢٢٠٣].
٣٩٦٠ - قوله: "حَدَّثَتْنِي عائشةُ بِنْتُ أُهْبَانَ": كذا رأيته في أصلنا: "عائشة"، والذي أعرفه وذكروه في كتب الأسماء: "عُدَيْسَةُ"، تصغير عدسة، كذا ذكرها المزي في الأطراف (٣)، وكذا ذكرها الذهبي في المؤتلف والمختلف له، ولم يذكرها ابن ماكولا في إكماله بالكلية، وكأنها عنده لم يقع لها مشتبه، والله أعلم.
"بِنْتُ أُهْبَانَ" بن صيفي الغفاري، روت عن أبيها وعلي، وعنها عبد الله بن عبيد وغيرُه، وأبوها صحابي، وقيل فيه: "وَهْبان" بالواو عوض الهمزة.
١٢ - بَاب كَفّ اللِّسَانِ فِي الفِتْنهِ
٣٩٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مُعَاوِيَةَ الجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ طَاوُوسٍ، عَنْ زِيَادِ سَيْمِينْ (١) كُوشْ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قَالَ:
١٢ - بَاب كَفّ اللِّسَانِ فِي الفِتْنَةِ
٣٩٦٧ - قوله: "عَنْ زِيَادِ بن سمين كُوشْ": كذا في أصلنا، والمعروف إنما هو "سيْمِينْ كُوشْ" بكسر السين المهملة ثم مثناة تحت ساكنة ثم ميم مكسورة ثم ياء مثناة تحت ثم نون، و"كُوش" بضم الكاف وإسكان الواو ثم شين معجمة ساكنة، كذا لقب أبيه، أو اسمه كذا، في الترمذي، وعزاه بعضهم على أبي داود، لكن قال أبو داود: لقبه، يعني لقب زياد.
والذي في الترمذي بخط ابن العربي الحافظ كما رأيتُه في باب ما جاء في الرجل يكون في الفتنة ساقه في السند، وقال في آخره: هذا حديث غريب، سمعت محمد بن إسماعيل يقول: لا يعرف لزياد بن سمين كوش غير هذا الحديث، انتهى.
وهو زياد بن سليم، ويقال: ابن سليمان، ويقال: ابن سلمى، أبو أمامة العَبْدي مولى عبد القيس، له في أبي داود والترمذي وابن ماجه حديث واحد عن عبد الله بن عمرو في الفتن، وهو هذا الذي في الأصل.
قُلتُ: يَا نَبِيَّ الله وَإِنَّا لمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتكَلَّمُ بِهِ؟ قَالَ: "ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، هَل يُكِبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ إِلا حَصَائِدُ أَلسِنَتِهِمْ؟ ". [ت: ٢٦١٦].
٣٩٧٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ المَكِّيُّ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ حَسَّانَ المَخْزُوميَّ قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ صَالِحٍ، عَنْ صَفِيَّةَ ابْنَةِ شَيْبَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كَلامُ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لا لَهُ، إِلا الأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ، وَذِكرَ الله ". [ت: ٢٤١٢].
قوله: "هَل يكبُّ النَّاسَ": هو بفتح أوله وضم ثانيه، ثلاثي وهو متعدٍ، فإن كان رباعيًا كان لازمًا، وهذا هو هنا متعدي، وفي أصلنا: "يُكِب" بضم أوله وكسر ثانيه.
وقد تقدَّم قبله بقليل أنه لغة، والأكثرون من أهل اللغة لم يذكروها، إنما رأيتها في كلام شيخنا مجد الدين في قاموسه.
قوله: "إِلا حَصَائِدُ أَلسِنَتِهِمْ": أي ما يقطعونه من الكلام الذي لا خير فيه، وهو جمع، واحدتها حَصِيْدة، تشبيهًا بما يحصد من الزرع، وتشبيهًا للسان وما يقطعُه من القول بحد المنجل الذي يُحْصَدُ به.
٣٩٧٤ - قوله: "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ": هو بخاء معجمة مضمومة ثم نون مفتوحة ثم مثناة تحت ساكنة ثم سين مهملة.
قال أبو حاتم: شيخ صالح كتبنا عنه، يعني محمدًا.
قَالَ: "خَيْرُ مَعَايِشِ النَّاسِ لهُمْ رَجُلٌ مُمسِكٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ الله، يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً أَوْ فَزْعَةً طَارَ عَلَيْهِ إِلَيْهَا يَبْتَغِي المَوْتَ والقَتْلَ مَظَانَّهُ، وَرَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ فِي رَأْسِ شَعَفَةٍ (١) مِنْ هَذِهِ الشِّعَافِ (٢)، أَوْ بَطْنِ وَادٍ مِنْ هَذِهِ الأَوْدِيَةِ، يُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ اليَقِينُ، لَيْسَ مِنَ النَّاسِ إِلا فِي خَيْرٍ" [م: ١٨٨٩].
قوله: "كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً": الهَيْعَة: الصوت الذي تفْزَع منه وتخافه، وقد هاع يَهِيع هُيُوعًا؛ إذا جَبُن.
قوله: "مَظَانَّهُ": هو منصوب على أنه مفعول، وهو جمع مَظِنّة بكسر الظاء؛ وهو موضع الشيء ومعدنه، مَفْعِلة من الظن بمعنى العلم، وكان القياس فتح الظاء.
والمعنى طلبها في المواضع التي يعلمه فيها.
قوله: "فِي رَأْسِ شَعَفَةٍ مِنْ هَذِهِ الشعفِ"، وفي نسخة: "في شِعبة من هذه الشعاب": أما الأولى فالشعفة بفتح حروفها؛ وهي أعلى الشيء، وشعفة كل شيء أعلاه، وجمعها شعاف، كما قال في الحديث، يريد به رأس جبل من الجبال، ومنه قيل لأعلى شعر الرأس: شعفة.
قَالَ: "فَالزَمْ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ، (١) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لهُمْ جَمَاعَةٌ، وَلا إِمَامٌ (٢) فَاعْتَزِل تِلكَ الفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ وَأَنْتَ كذَلِكَ" [رَ: ٣٩٨١، خ: ٣٦٠٦، م: ١٨٤٧، د: ٤٢٤٤].
٣٩٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الله (٣) الأنْصَارِيِّ، عَنْ ابِيهِ، أَنَّهُ سَمِع أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ". [خ: ١٩، د: ٤٢٦٧، س: ٥٠٣٦].
٣٩٨٠ - قوله: "شَعَفَ الجِبَالِ": أي أعلاها، وهو بالشين المعجمة المفتوحة ثم بالعين المهملة كذلك ثم بالفاء، وقد رواه بعضهم خارج هذا الكتاب: "سعف" (٤) بالسين المهملة، ولهم فيه غير ذلك من الضبط فلا نطول به، فإن هذا هو المشهور اليوم، وإن كان صاحب المطالع قد ذكره في السين المهملة، وقال: هذا هو المشهور، يعني أنه بالسين المهملة، وذكره أيضًا في الشين المعجمة (٥) وأحال عليه في السين المهملة، والله أعلم.
١٥ - بَاب بَدَا الإِسْلامُ غَرِيبًا
٣٩٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَيعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ وَسُوَيْدُ بْن سَعِيدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيةَ الفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "بَدَأَ الإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلغُرَبَاءِ" [م: ١٤٥].
١٥ - بَاب بَدَا الإِسْلامُ غَرِيبًا
٣٩٨٦ - قوله: "بَدَأ الإِسْلَامُ": هو بغير همز؛ معناه ظهر، كذا في حفظي أنه ضبطه بعضهم، وأنه قال: ويجوز فيه الهمز.
وكذا هو مهموز في أصل سماعنا بسنن ابن ماجه، وكذا هو في الطريق الثانية وكذا في الطريق الثالثة، ولم يترك همزه إلا في التبويب، أي ابتداء.
وقال النووي في شرح مسلم: "بدأ" كذا ضبطناه بالهمز، من الابتداء (١).
ومعناه أنه كان في أول أمره كالغريب الوحيد الذي لا أهل له عنده؛ لقلة المسلمين يومئذ، وسيعود غريبًا كما كان، أي يقل المسلمون في آخر الزمان، فيصيرون كالغرباء، فطوبى للغرباء؛ أي الجنة لأولئك المسلمين الذين كانوا في أول الإسلام، ويكونون في آخره، وإنما خصهم بها لصبرهم على أذى الكفار أولًا وآخرًا، ولزومهم دين الإسلام.
ضَبٍّ لَدَخَلتُمْ فِيهِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، اليَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: "فَمَنْ إِذًا؟ ". [خ: ٧٣١٩].
١٨ - بَاب فِتْنَة المَالِ
٣٩٩٥ - حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ المِصْرِيُّ قالَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ الله، أنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَامَ رَسُولُ الله ﷺ فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: "لا وَالله، مَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ أيُّها النَّاسُ إِلا مَا يُخْرِجُ اللهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا"، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، أَيَأْتِى الخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَصَمَتَ رَسُولُ الله ﷺ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: "كَيْفَ قُلتُ؟ " قَالَ: قُلتُ: وَهَل يَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ الخَيْرَ لا يَأْتِي إِلا بِخَيْرٍ، أَوَ خَيْرٌ هُوَ؟
وسَنَنُ الطريق: نهجُه، وسُننه بالضم، وسَننه بفتح السين والنون، وكأن هذا جمع سُنَّة، وهي الطريقة.
قوله: "اليَهُود وَالنَّصَارَى": هما مجروران على أنهما بدل مِنْ مَنْ المجرورة بالإضافة.
ويجوز أن يرفعا على تقدير: هم اليهود والنصارى.
ويصحّ نصبهما على تقدير فعل؛ وهو أتعْني اليهود والنصارى، ونحوه، والله أعلم.
стр. 2277
إِنَّ كُلَّ مَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ إِلا آكِلَةَ الخَضِرِ (١) أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَلأَتِ
١٨ - بَاب فِتْنَة المَالِ
٣٩٩٥ - قوله: "يَقْتُلُ حَبَطًا": هو بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة ثم بطاء مهملة، وهذا حديث إذا تكلم عليه منفردًا لا يكاد يفهم، وها أنا أسوقه: قوله: "لا وَالله، مَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ إِلا مَا يُخْرِجُ الله لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا"، وذكر الحديث.
ثم قال: "إِنَّ الخَيْرَ لا يَأْتِي إِلا بِخَيْرٍ، أَوَ خَيْرٌ هُوَ؟ إِنَّ كُلَّ مَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمّ أَوْ يُلِمُّ إِلا آكِلَةَ الخَضِرِ، أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَلأَتِ امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا استَقْبَلَتِ الشَّمْسَ فَثَلَطَتْ وَبَالَتْ، ثُمَّ اجْتَرَّتْ فَعَادَتْ فَأَكَلَتْ، فَمَنْ يَأْخُذُ مَالًا بِحَقِّهِ يُبَارَكُ لَهُ، وَمَنْ يَأْخُذُ مَالًا بِغَيْرِ حَقِّهِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الَّذِي يَأْكُلُ وَلا يَشْبَعُ".
"الحبط": الهلاك، وقد روي في غير هذا الكتاب بالخاء المعجمة؛ من التخبط وهو الاضطراب.
و"يلم": أي يقرب ويدنو من الهلاك.
و"الخضر": بكسر الضاد المعجمة؛ نوع من البقول ليس من أحرارها وجيدها، وأحرار البقول ما يؤكل غير مطبوخ.
стр. 2278
امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ فَثَلَطَتْ وَبَالَتْ، ثُمَّ اجْتَرَّتْ فَعَادَتْ فَأَكَلَتْ، فَمَنْ يَأْخُذُ مَالًا بِحَقِّهِ يُبَارَكُ لَهُ، وَمَنْ يَأْخُذُ مَالًا بِغَيْر حَقِّهِ فَمَثَلُهُ كمَثَلِ الَّذِي يَأكُلُ وَلا يَشْبَعُ". [خ: ٦٤٢٧، م: ١٠٥٢، س: ٢٥٨١].
في أصلنا: "الخُضر" أيضًا بضم الخاء وفتح الضاد بالقلم؛ وهو جمع خضرة، وقد وقع هذا الحديث للطبري: "إلا آكلة الخُضرة".
ورواه العذري: "الخَضِرة" بكسر الضاد وفتح الخاء.
وأكثر الروايات: "الخضر" بفتح الخاء وكسر الضاد من غير تاء التأنيث.
وثلط البعير يثلط؛ إذا ألقى رجيعه سهلًا رقيقًا.
ضرب في هذا الحديث مثلين:
أحدهما: للمفرط في جمع الدنيا والمنع من حقها.
والآخر: للمقتصد في أخذها والنفع بها.
فقول: "إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطًا أو يلم"، مثل للمفرط الذي يأخذ الدنيا بغير حقها؛ وذلك أن الربيع ينبت أحرار البقول فتستكثر الماشية منه لاستطابتها إياه، حتى تنتفخ بطونها عند مجاوزتها حد الاحتمال فتنشق أمعائها من ذلك، فتهلك أو تقارب الهلاك، وكذلك الذي يجمع الدنيا من غير حلها ويمنعها مستحقها قد تعرض للهلاك في الآخرة بدخول النار، وفي الدنيا بأذى الناس له، وحسدهم إياه، وغير ذلك من أنواع الأذى.
стр. 2279
٣٩٩٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ المِصْرِيُّ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ، أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ رَبَاحٍ حَدَّثَهُ
وأما قوله: "إلا آكلة الخضر"، مثل للمقتصد؛ وذلك أن الخضر ليس من أحرار البقول وجيدها التي ينبتها الربيع بتوالي أمطاره فتَحْسُن وتنعم، ولكنه من البقول التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول ويُبسها حيث لا تجد سواها، وتسميها العرب الجنْبَة، فلا ترى الماشية تكثر من أكلها ولا تستمرئها، فضرب آكلة الخضر من المواشي مثلًا لمن يقتصر في الدنيا وجمعها، ولا يحمله الحرص على أخذها بغير حقها، فهو بنجوةٍ من وبالها كما نجت آكلة الخضر.
ألا تراه قال: "أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت الشمس فثلطت وبالت"، أراد أنها إذا شبعت منها بركت مستقبلة عين الشمس تستمرئ بذلك ما أكلت وتجتر وتثلِط، فإذا ثلطت فقد زال عنها الحبَط، وإنما تحبط الماشية؛ لأنها تمتلئ بطونها ولا تثلِط ولا تبول، فتنتفخ أجوافها فيعرض لها المرض فتهلك.
وأَراد بزهرة الدنيا حسنها وبهجتها، والله أعلم.
٣٩٩٦ - قوله: "حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ": هو بتشديد الواو، وقد تقدّم غير مرة.
قوله: "أَنَّ يَزِيدَ بْنَ رَبَاحٍ حَدَّثَهُ": رباح بفتح الراء ثم الموحدة.
стр. 2280
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: "إِذَا فُتِحَتْ عَلَيْكُمْ خَزَائِنُ فَارِسَ وَالرُّومِ، أَيُّ قَوْمٍ أنتُمْ؟ " قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: نَقُولُ كَمَا أَمَرَنَا الله، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، تَتَنَافَسُونَ، ثُمَّ تَتَحَاسَدُونَ، ثُمَّ تَتَدَابَرُونَ، ثُمَّ تَتَبَاغَضُونَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَنْطَلِقُونَ فِي مَسَاكِينِ المُهَاجِرِينَ، فَتَجْعَلُونَ بَعْضَهُمْ عَلَى رِقَابِ بَعْضٍ". [م: ٢٩٦٢].
٣٩٩٧ - حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى المِصْرِيُّ، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ قالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، أَخْبَرَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَهُوَ حَلِيفُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجرَّاحِ إِلَى البَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ صَالَحَ أَهْلَ البَحْرَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ العَلاءَ بْنَ الحَضْرَمِيِّ، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنَ البَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الأنصَارُ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ
٣٩٩٧ - قوله: "بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بنَ الجَرَّاحِ إِلَى البَحْرَيْنِ": بلفظ التثنية، بلاد معروفة باليمن، وهو عمل فيه مدن، وأعدنها هجَر، تقدّمت.
قوله: "وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ العَلاءَ بْنَ الحضْرَمِيِّ": اسم الحضرمي عبد الله بن عباد أو ابن عمار، والعلاء صحابي معروف، وهو حليف بني أمية، وله عشرة إخوة، ولي البحرين فأقره أبو بكر ثم عمر، ولاه عمر البصرة، وتوفي سنة إحدى وعشرين.