ضَبٍّ لَدَخَلتُمْ فِيهِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، اليَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: "فَمَنْ إِذًا؟ ". [خ: ٧٣١٩].
١٨ - بَاب فِتْنَة المَالِ
٣٩٩٥ - حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ المِصْرِيُّ قالَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ الله، أنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَامَ رَسُولُ الله ﷺ فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: "لا وَالله، مَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ أيُّها النَّاسُ إِلا مَا يُخْرِجُ اللهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا"، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، أَيَأْتِى الخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَصَمَتَ رَسُولُ الله ﷺ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: "كَيْفَ قُلتُ؟ " قَالَ: قُلتُ: وَهَل يَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ الخَيْرَ لا يَأْتِي إِلا بِخَيْرٍ، أَوَ خَيْرٌ هُوَ؟
وسَنَنُ الطريق: نهجُه، وسُننه بالضم، وسَننه بفتح السين والنون، وكأن هذا جمع سُنَّة، وهي الطريقة.
قوله: "اليَهُود وَالنَّصَارَى": هما مجروران على أنهما بدل مِنْ مَنْ المجرورة بالإضافة.
ويجوز أن يرفعا على تقدير: هم اليهود والنصارى.
ويصحّ نصبهما على تقدير فعل؛ وهو أتعْني اليهود والنصارى، ونحوه، والله أعلم.
стр. 2277
إِنَّ كُلَّ مَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ إِلا آكِلَةَ الخَضِرِ (١) أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَلأَتِ
١٨ - بَاب فِتْنَة المَالِ
٣٩٩٥ - قوله: "يَقْتُلُ حَبَطًا": هو بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة ثم بطاء مهملة، وهذا حديث إذا تكلم عليه منفردًا لا يكاد يفهم، وها أنا أسوقه: قوله: "لا وَالله، مَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ إِلا مَا يُخْرِجُ الله لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا"، وذكر الحديث.
ثم قال: "إِنَّ الخَيْرَ لا يَأْتِي إِلا بِخَيْرٍ، أَوَ خَيْرٌ هُوَ؟ إِنَّ كُلَّ مَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمّ أَوْ يُلِمُّ إِلا آكِلَةَ الخَضِرِ، أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَلأَتِ امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا استَقْبَلَتِ الشَّمْسَ فَثَلَطَتْ وَبَالَتْ، ثُمَّ اجْتَرَّتْ فَعَادَتْ فَأَكَلَتْ، فَمَنْ يَأْخُذُ مَالًا بِحَقِّهِ يُبَارَكُ لَهُ، وَمَنْ يَأْخُذُ مَالًا بِغَيْرِ حَقِّهِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الَّذِي يَأْكُلُ وَلا يَشْبَعُ".
"الحبط": الهلاك، وقد روي في غير هذا الكتاب بالخاء المعجمة؛ من التخبط وهو الاضطراب.
و"يلم": أي يقرب ويدنو من الهلاك.
و"الخضر": بكسر الضاد المعجمة؛ نوع من البقول ليس من أحرارها وجيدها، وأحرار البقول ما يؤكل غير مطبوخ.
стр. 2278
امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ فَثَلَطَتْ وَبَالَتْ، ثُمَّ اجْتَرَّتْ فَعَادَتْ فَأَكَلَتْ، فَمَنْ يَأْخُذُ مَالًا بِحَقِّهِ يُبَارَكُ لَهُ، وَمَنْ يَأْخُذُ مَالًا بِغَيْر حَقِّهِ فَمَثَلُهُ كمَثَلِ الَّذِي يَأكُلُ وَلا يَشْبَعُ". [خ: ٦٤٢٧، م: ١٠٥٢، س: ٢٥٨١].
في أصلنا: "الخُضر" أيضًا بضم الخاء وفتح الضاد بالقلم؛ وهو جمع خضرة، وقد وقع هذا الحديث للطبري: "إلا آكلة الخُضرة".
ورواه العذري: "الخَضِرة" بكسر الضاد وفتح الخاء.
وأكثر الروايات: "الخضر" بفتح الخاء وكسر الضاد من غير تاء التأنيث.
وثلط البعير يثلط؛ إذا ألقى رجيعه سهلًا رقيقًا.
ضرب في هذا الحديث مثلين:
أحدهما: للمفرط في جمع الدنيا والمنع من حقها.
والآخر: للمقتصد في أخذها والنفع بها.
فقول: "إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطًا أو يلم"، مثل للمفرط الذي يأخذ الدنيا بغير حقها؛ وذلك أن الربيع ينبت أحرار البقول فتستكثر الماشية منه لاستطابتها إياه، حتى تنتفخ بطونها عند مجاوزتها حد الاحتمال فتنشق أمعائها من ذلك، فتهلك أو تقارب الهلاك، وكذلك الذي يجمع الدنيا من غير حلها ويمنعها مستحقها قد تعرض للهلاك في الآخرة بدخول النار، وفي الدنيا بأذى الناس له، وحسدهم إياه، وغير ذلك من أنواع الأذى.
стр. 2279
٣٩٩٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ المِصْرِيُّ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ، أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ رَبَاحٍ حَدَّثَهُ
وأما قوله: "إلا آكلة الخضر"، مثل للمقتصد؛ وذلك أن الخضر ليس من أحرار البقول وجيدها التي ينبتها الربيع بتوالي أمطاره فتَحْسُن وتنعم، ولكنه من البقول التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول ويُبسها حيث لا تجد سواها، وتسميها العرب الجنْبَة، فلا ترى الماشية تكثر من أكلها ولا تستمرئها، فضرب آكلة الخضر من المواشي مثلًا لمن يقتصر في الدنيا وجمعها، ولا يحمله الحرص على أخذها بغير حقها، فهو بنجوةٍ من وبالها كما نجت آكلة الخضر.
ألا تراه قال: "أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت الشمس فثلطت وبالت"، أراد أنها إذا شبعت منها بركت مستقبلة عين الشمس تستمرئ بذلك ما أكلت وتجتر وتثلِط، فإذا ثلطت فقد زال عنها الحبَط، وإنما تحبط الماشية؛ لأنها تمتلئ بطونها ولا تثلِط ولا تبول، فتنتفخ أجوافها فيعرض لها المرض فتهلك.
وأَراد بزهرة الدنيا حسنها وبهجتها، والله أعلم.
٣٩٩٦ - قوله: "حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ": هو بتشديد الواو، وقد تقدّم غير مرة.
قوله: "أَنَّ يَزِيدَ بْنَ رَبَاحٍ حَدَّثَهُ": رباح بفتح الراء ثم الموحدة.
стр. 2280
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: "إِذَا فُتِحَتْ عَلَيْكُمْ خَزَائِنُ فَارِسَ وَالرُّومِ، أَيُّ قَوْمٍ أنتُمْ؟ " قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: نَقُولُ كَمَا أَمَرَنَا الله، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، تَتَنَافَسُونَ، ثُمَّ تَتَحَاسَدُونَ، ثُمَّ تَتَدَابَرُونَ، ثُمَّ تَتَبَاغَضُونَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَنْطَلِقُونَ فِي مَسَاكِينِ المُهَاجِرِينَ، فَتَجْعَلُونَ بَعْضَهُمْ عَلَى رِقَابِ بَعْضٍ". [م: ٢٩٦٢].
٣٩٩٧ - حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى المِصْرِيُّ، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ قالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، أَخْبَرَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَهُوَ حَلِيفُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجرَّاحِ إِلَى البَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ صَالَحَ أَهْلَ البَحْرَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ العَلاءَ بْنَ الحَضْرَمِيِّ، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنَ البَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الأنصَارُ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ
٣٩٩٧ - قوله: "بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بنَ الجَرَّاحِ إِلَى البَحْرَيْنِ": بلفظ التثنية، بلاد معروفة باليمن، وهو عمل فيه مدن، وأعدنها هجَر، تقدّمت.
قوله: "وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ العَلاءَ بْنَ الحضْرَمِيِّ": اسم الحضرمي عبد الله بن عباد أو ابن عمار، والعلاء صحابي معروف، وهو حليف بني أمية، وله عشرة إخوة، ولي البحرين فأقره أبو بكر ثم عمر، ولاه عمر البصرة، وتوفي سنة إحدى وعشرين.
٤٠٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَليِّ بْنِ بَذِيمَةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا وَقَعَ فِيهِمُ النَّقْصُ كَانَ الرَّجُلُ يَرَى أَخَاهُ عَلَى الذَّنْبِ فَيَنْهَاهُ عَنْهُ، فَإِذَا كَانَ الغَدُ لَمْ يَمْنَعْهُ مَا رَأَى مِنْهُ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَخَلِيطَهُ، فَضَرَبَ اللهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَنَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ، فَقَالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ حَتَّى بَلَغَ: " ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٨١] ".
مضبب على عثمان، وما أدري لأي شيء ضبب عليه، وهو صواب، اللهم إلا أن يكون لم يقع عثمان في الرواية فضبب عليه، فإن الناس يتساهلون في الضبّة.
وعاصم أحد المجاهيل، يروي عن عروة، وعنه عمرو بن عثمان بن هانئ، ذكره ابن حبان في الثقات.
٤٠٠٦ - قوله: "عَنْ عِليِّ بْنِ بَذِيمَةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ" الحديث: كذا في أصلنا مرسل، وأبو عبيدة هذا اسمه عامر بن عبد الله بن مسعود.
وساقه ثانيًا فقال فيه: عن أبي عبيدة عن عبد الله، وهو كذلك؛ لأنه لم يدرك أباه، وإن شئت سمَّيته في الطريق الثانية منقطعًا.
قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا يَحْقِرْ أَحَدُكمْ نَفْسَهُ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، كَيْفَ يَحْقِرُ أَحَدُنَا نَفْسَهُ؟ قَالَ: "يَرَى أَمْرًا للهِّ عَلَيْهِ فِيهِ مَقَالٌ، ثُمَّ لا يَقُولُ فِيهِ، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَ فِي كَذَا كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: خَشْيَةُ النَّاسِ، فَيَقُوُل: فَإِيَّايَ كنْتَ أَحَقَّ أَنْ تَخْشَى".
٤٠٠٩ - حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالمَعَاصِي، هُمْ أَعَزُّ مِنْهُمْ وَأَمْنَعُ، لا يُغَيِّرُونَ إِلا عَمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ". [د: ٤٣٣٩].
٤٠١٠ - حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ قالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا رَجَعَتْ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ
٤٠٠٩ - قوله: "عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ": جرير هو بفتح الجيم وكسر الراء، وهو جرير بن عبد الله البجلي.
وثِّق عبيد الله المذكور.
٤٠١٠ - قوله: "حَدَّثَنَا يَحْيَىَ بْنُ سُلَيْمٍ": هو بضم السين وفتح اللام، يحيى بن سليم هذا هو يحيى بن سليم الطائفي مولى قريش.
وليس هو يحيى بن سليم الهاشمي، ذاك ليس له شيء في هذا الكتاب إنما روي له في أبي داود.
стр. 2288
مُهَاجِرَةُ البَحْرِ، قَالَ: "أَلا تُحَدِّثُونِي بِأَعَاجِيبِ مَا رَأَيتُمْ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ؟ " قَالَ فِتْيَةٌ مِنْهُمْ: بَلَى يَا رَسُولَ الله، بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَرَّتْ بِنَا عَجُوزٌ مِنْ عَجَائِزِ رَهَابِينِهِمْ (١) تَحْمِلُ عَلَى رَأْسِهَا قُلَّةً مِنْ مَاءٍ، فَمَرَّتْ بِفَتًى مِنْهُمْ فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيْهَا، ثُمَّ دَفَعَهَا فَخَرَّتْ عَلَى رُكْبَتَيْهَا فَانْكَسَرَتْ قُلَّتُهَا، فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ التَفَتَتْ إِلَيْهِ، قَالَتْ: سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ إِذَا وَضَعَ اللهُ الكُرْسِيَّ، وَجَمَعَ الأَوَّلينَ وَالآخِرِينَ، وَتَكَلَّمَتِ الأَيْدِي وَالأَرْجُلُ، بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، فَسَوْفَ تَعْلَمُ كَيْفَ أَمْرِي وَأَمْرُكَ عِنْدَهُ غَدًا. قَالَ: يَقُولُ رَسُولُ الله ﷺ : "صَدَقَتْ، صَدَقَتْ، كَيْفَ يُقَدِّسُ اللهُ أُمَّةً لا يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهِمْ مِنْ شَدِيدِهِمْ؟ ".
وهذا أخرج له الأئمة الستة، ثقة.
وقال أبو حاتم: لا يحتج به.
وقال النسائي: مُنكر الحديث عن عُبيد الله بن عمر.
وفيه كلامٌ أكثر من هذا جرحًا وتعديلًا تركته اختصارًا.
قوله: "مِنْ عَجَائِزِ رَهَابِينِهِمْ": الرهابين جمع راهب، ويجمع أيضًا على رُهبان ورَهَابِنَة ورُهْبَانين قوله: "كَيْفَ يُقَدِّسُ الله أُمَّةً": الاسم الجليل فاعل، و"أمة" مفعول، والتقديس التطهير، وهذا ظاهر، وإنما ضبطته إيضاحًا.
٤٠١٣ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وعَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: أَخْرَجَ مَرْوَانُ المِنْبَرَ فِي يَوْمِ عِيدٍ فَبَدَأَ بِالخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا مَرْوَانُ خَالَفْتَ السُّنَّةَ؛ أَخْرَجْتَ المِنْبَرَ فِي هَذَا اليَوْمِ وَلَمْ يَكُنْ يُخْرَجُ، وَبَدَأْتَ بِالخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَكُنْ يُبْدَأُ بِهَا، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَاسْتَطَاعَ أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ فَليُغَيِّرْهُ (١)، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ بِلِسَانِهِ فَبِقَلبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيَمانِ". [رَ: ١٢٧٥، خ: ٩٥٦، م: ٤٩، د: ١١٤٠، ت:٢١٧٢، س:٥٠٠٨].
٤٠١٣ - قوله: "أَخْرَجَ مَرْوَانُ المِنْبَرَ فِي يَوْمِ عِيدٍ فَبَدَأَ بِالخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ": تقدَّم في باب ما جاء في صلاة العيدين أول مَن قدَّم الخطبة في العيد على الصلاة فراجعه.
قوله: "فَقَالَ رَجُلٌ: يَا مَرْوَانُ خَالَفْتَ": هذا الرجل في حفظي أنه أبو سعيد، وكذا أبهمه في الكتاب المذكور، وذكرتُ أنه أبو سعيد، وهنا وهناك ما يصرف ذلك عن أبي سعيد؛ لقول أبي سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه.
قوله: "وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ": أي أقله ثمرة.
стр. 2291
٢١ - بَاب قَوْله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾
٤٠١٤ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنِي عُتْبَةُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ، حَدَّثَنِي عَمِّي عَمْرُو بْنُ جَارِيَةَ، عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيَّ، قَالَ: قُلتُ: كَيْفَ تَصْنَعُ فِي هَذِهِ الآيَةِ؟ قَالَ: أَيَّةُ آيَةٍ؟ قُلتُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، قَالَ: سَأَلتَ عَنْهَا خَبِيرًا؛ سَأَلتُ عَنْهَا رَسُولَ الله ﷺ ، فَقَالَ: "بَلِ ائْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ، وَتَنَاهَوْا عَنِ المنكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا،
٢١ - بَاب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]
٤٠١٤ - قوله: "حَدَّثَنِي عَمِّي عَمْرُو بْنُ جَارِيَةَ": هو بالجيم في أوله وبعد الراء مثناة تحت، قال الترمذي عقب حديثه: هذا حديث حسن غريب، انتهى.
وقد ذكره ابنُ حبان في الثقات.
له في أبي داود والترمذي وابن ماجه حديث عن أبي أمية عن أبي ثعلب الخشني: "إذا رأيت شحًا مطاعًا" الحديث.
قوله: "سَأَلتَ عَنْهَا خَبِيرًا": هو بتاء المخاطب المفتوحة.
وقوله: "سَأَلتُ عَنْهَا رَسُولَ الله": هو بتاء المتكلم المضمومة.
стр. 2292
وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، وَرَأَيْتَ أَمْرًا لا يَدَانِ لَكَ بِهِ، فَعَلَيْكَ خُوَيْصَّةَ نَفْسِكَ، وَدَعْ أَمْرَ العَوَامِّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، صَبْرٌ فِيهِنَّ عَلَى مِثْلِ قَبْضٍ عَلَى الجَمْرِ، لِلعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا؛ يَعْمَلُونَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ". [د: ٤٣٤١، ت:٣٠٥٨].
٤٠١٥ - حَدَّثَنَا العَبَّاسُ بْنُ الوَلِيدِ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ يَحْيىَ بْنِ عُبَيْدٍ الخُزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا الهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَيْدٍ حَفْصُ بْنُ غَيْلَانَ الرُّعَيْنِيُّ،
وهذا ظاهر، ولكن ربما اشتبه، فإن سألت الأولى لو قرأها الشخص بالضم لكان له وجه، ولكن هكذا ينبغي أن تقرأ، وكذا هو مضبوط في أصلنا.
قوله: "وَرَأَيْتَ أَمْرًا لا يَدَانِ لَكَ بِهِ": يدان تثنية يد، وهو مرفوع على أنه اسم "لا" التي هي بمعنى ليس، والخبر محذوف وتقديره كائنة.
أو أن "لا" هي التي تنفي الجنس، ويدان منصوب على لغة مَن أجرى التثنية بالألف مطلقًا.
ومعناه لا قدرة ولا طاقة، يقال: ما لي بهذا الأمر يد ولا يدان؛ لأن المباشرة والدفاع إنما يكون باليد، فكأن يديه معدومتان لعجزه عن دفعه.
٤٠١٥ - قوله: "حَدَّثَنَا الهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ": هو مُصغر، وهذا ظاهر إلا أنه ربما اشتبه بالهيثم بن جميل بالجيم مفتوحة وكسر الميم وفي آخره لام.
وابن حميد له في الأربعة، وابن جميل له في ابن ماجه فقط.
стр. 2293
عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، مَتَى يُتْرَكُ الأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ؟ قَالَ: "إِذَا ظَهَرَ فِيكُمْ مَا ظَهَرَ فِي الأُمَمِ قَبْلَكُمْ"، قُلنَا: يَا رَسُولَ الله، وَمَا ظَهَرَ فِي الأُمَمِ قَبْلَنَا؟ قَالَ: "المُلكُ فِي صِغَارِكُمْ، وَالفَاحِشَةُ فِي كِبَارِكُمْ، وَالعِلمُ فِي رُذَالَتِكُمْ".
قَالَ زيْدٌ: تَفْسِيرُ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "وَالعِلمُ فِي رُذَالَتِكُمْ"، إِذَا كَانَ العِلمُ فِي الفُسَّاقِ.
قال دحيم عن صاحب الترجمة: كان أعلم الناس بقول مكحول.
وقال أبو داود: ثقة.
وقال أبو مسهر الغساني: ضعيف قدري، انتهى.
وابن جميل حجةٌ صالحٌ.
قوله: "حَدَّثَنَا أَبُو مُعَيْدٍ حَفْصُ": أبو معيد بضم الميم وفتح العين المهملة ثم مثناة تحت ساكنة ثم دال مهملة.
قال أبو حاتم وغيره: لا يحتج به.
وقد رُمي بالقدر؛ رماه أبو داود.
ووثَّقه ابنُ معين، تقدَّم.
ومثله عبد الله بن مُعَيد حراني عن النضر بن عربي، في مسند أبي عوانة، شيخ.
стр. 2294
٤٠١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عِليِّ بْنِ زيدٍ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ جُنْدَبٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا يَنْبَغِي لِلمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ"، قَالُوا: وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟ قَالَ: "يَتَعَرَّضُ مِنَ البَلاءِ لِمَا لا يُطِيقُهُ". [ت:٢٢٥٤].
٤٠١٧ - حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو طُوَالَةَ قالَ: حَدَّثَنَا نَهَارٌ العَبْدِيُّ، أنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللهَ لَيَسْأَلُ العَبْدَ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يَقُولَ: مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَ المُنْكَرَ أَنْ تُنْكِرَهُ؟ فَإِذَا لَقَّنَ اللهُ عَبْدًا حُجَّتَهُ قَالَ: يَا رَبِّ رَجَوْتُكَ، وَفَرِقْتُ مِنَ النَّاسِ".
٤٠١٧ - قوله: "حَدَّثَنَا نَهَارٌ العَبْدِيُّ": نهار بفتح النون، ثقة، انفرد ابن ماجه بالإخراج له.
ويشتبه به عبد السلام بن الحسن بن نصر بن بهار، بالموحدة المفتوحة، المعبّر، ويقال: بهارة، وإن لم يكن من طبقته، وهذا الرجل حدث عن ابن ناصر.
قوله: "فَإِذَا لَقَّنَ اللهُ عَبْدًا حُجَّتَهُ": لقَّن بفتح اللام وتشديد القاف.
стр. 2295
٢٢ - بَابُ العُقُوبَاتِ
٤٠١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيْرٍ وَعِليٌّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ يُملي لِلظَّالمِ، فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [هود: ١٠٢]. [خ: ٤٦٨٦، م: ٢٥٨٣، ت:٣١١٠].
٤٠١٩ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو أيُّوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ
٢٢ - بَاب العُقُوبَات
٤٠١٩ - قوله: "حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو أيُّوبَ، عَنِ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ": كذا في أصلنا، وكُتب تجاهه قبل أبي: ابن؛ فصار: عن ابن أبي مالك، وكُتب تجاهه: ينظر.
فنظرت فوجدته كما ذكر؛ ابن أبي مالك، واسمه خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك هانئ الهمداني الدمشقي أبو هاشم، يروي عن أبيه وغيره، وسليمان بن عبد الرحمن، وأحمد بن أبي الحواري، وغيرهما.
وهَّاه ابنُ معين.
وقال أحمد: ليس بشيء.
وقال النسائي: غير ثقة.
стр. 2296
قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ المُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِالله أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا المِكْيَالَ وَالِميزَانَ إِلا أُخِذُوا بِالسِّنينَ وَشِدَّةِ المَؤُونَةِ وَجَوْرِ السُّلطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالهِمْ إِلا مُنِعُوا القَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلا البَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ الله وَعَهْدَ رَسُولهِ إِلا سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ الله وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا (١) أَنْزَلَ اللهُ إِلا جَعَلَ اللهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ".
٤٠٢٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ حَاتِمِ بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ الأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ
وأما دحيم فقال: صاحب فُتيا.
وقال أحمد بن صالح وأبو زرعة الدمشقي: ثقة.
وقال ابن حبان: هو من فقهاء الشام، كان صدوقًا لكنه كان يخطئ كثيرًا، وفي حديثه مناكير، لا يعجبني الاحتجاج به، وهو ممن أستخير الله فيه.
وقال ابن عدي: أبوه مُفْتي دمشق.
حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ الله، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: "الأَنبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، يُبْتَلَى العَبْدُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُليَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ البَلاءُ بِالعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيَئة". [ت:٢٣٩٨].
٤٠٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: دَخَلتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُوعَكُ، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَيْهِ فَوَجَدْتُ حَرَّهُ بَيْنَ يَدَيَّ فَوْقَ اللِّحَافِ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ الله، مَا أَشَدَّهَا عَلَيْكَ، قَالَ: "إِنَّا كذَلِكَ يُضَعَّفُ لنَا البَلاءُ، ويُضَعَّفُ لنَا الأَجْرُ"، قُلتُ: يَا رَسُولَ الله، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟
قوله: "ابْتُليَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ": حسب في الموضعين بفتح السين؛ أي على قدر دينه، وحسب مثل محسوب، وهما بمعنى معدود، نقول منه هذا بحسب ذا؛ أي بعدده وقدره.
قال الشيخ مجد الدين في قاموسه: وقد يسكن (١).
٤٠٢٤ - قوله: "وَهُوَ يُوعَكُ": الوعك بفتح العين وإسكانها؛ الحمى، وقيل: مغثها، وقد تقدَّم.
стр. 2299
قَالَ: "الأَنبِيَاءُ"، قُلتُ: يَا رَسُولَ الله، ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "ثُمَّ الصَّالحُونَ، إِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيُبتَلَى بِالفَقْرِ، حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُهُمْ إِلا العَبَاءَةَ يَجُوبُهَا (١)، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيفْرَحُ بِالبَلاءِ كَما يَفْرَحُ أَحَدُكمْ بِالرَّخَاءِ".
٤٠٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ الله قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، وَهُوَ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: "رَبِّ اغفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ". [خ:٣٤٧٧، م:١٧٩٢].
٤٠٢٦ - حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى وُيوُنسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ قالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]،
٤٠٢٦ - قوله: "نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ": أي إن إبراهيم لم يشك ونحن كذلك، فهو نفي للشك لا إثباتٌ له.
وقيل: بل قال ذلك على سبيل التواضع والتقديم لأبيه إبراهيم ﵇، أي
стр. 2300
وَيَرْحَمُ اللهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، .....................
أنه لم يشك، ولو شك لكنتُ أنا أحق بالشك منه، كأنه قال: لا أشك فكيف إبراهيم ﵇.
وقيل: قال ذلك جوابًا لقوم قالوا: شك إبراهيم ولم يشك نبينا، فقال هذا.
فائدة شاردة: وهي أن طلبة العلم يكثر سؤالهم عن قوله: ﴿قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، وعن القول المنسوب إلى عليّ: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينًا، والأنبياء أعلى مقامًا من الأولياء بالإجماع، فما الجواب؟ والجوابُ ذكره السبكي أبو نصر في طبقات الفقهاء الصغرى، في ترجمة شخص وعظمه، وقال ما معناه: إن الطمأنينة لا يتطرق إليها الجحود بخلاف اليقين فإن الجحود قد يتطرق إليه؛ قال الله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، وهذا جوابٌ حسن في غاية (١).
قوله: "وَيَرْحَمُ الله لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ": يريد الله ، وأصله الركن من الجبل يلجأ إليه، وهو الناحية منه، ترحَّم عليه؛ لسهوه عن التوكل على الله والاستناد إليه، كذا قاله في المطالع (٢).
стр. 2301
وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لأَجَبْتُ الدَّاعِيَ". [خ:٣٣٧٢، م:١٥١].
٤٠٢٧ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عِليٍّ الجَهْضَمِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّاب، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ كُسِرَتْ رَبَاعِيَةُ رَسُولِ الله ﷺ وَشُجَّ، فَجَعَلَ الدَّمُ يَسِيلُ عَلَى وَجْهِهِ، وَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: "كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَبُوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ بِالدَّمِ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ
وكذا في النهاية ولفظه: أو أوي إلى ركن شديد، أي إلى الله تعالى؛ أي هو أشد الأركان وأقواها، وإنما ترحَّم عليه لسهوه حين ضاق صدرُه من قومه حتى قال: أو آوي إلى ركن شديد، أراد عز العشيرة الذين يستند إليهم كما يستند إلى الركن من الحائط (١).
قوله: "وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لأَجَبْتُ الدَّاعِيَ": يريد حين دعي للخروج من الحبس فلم يخرج، وقال: ارجع إلى ربك فاسأله، يَصِفُه بالصبر والثبات؛ أي لو كنت مكانه لخرجتُ ولم ألبث، وهذا من جنس تواضعه في قوله: "لا تفضلوني على يونس بن متى".
٤٠٢٧ - قوله: "لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ كُسِرَتْ رَبَاعِيَةُ النبي ﷺ وَشُجَّ": قد ذكرتُ من فعل ذلك به فيما تقدَّم فانظره.
٤٠٣٠ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أنَّهُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ وَجَدَ رِيحًا طَيِّبَةً، فَقَالَ: "يَا جِبْرِيلُ مَا هَذِهِ الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ؟ قَالَ: هَذِهِ ريحُ قَبْرِ المَاشِطَةِ وَابْنَتهَا وَزَوْجِهَا".
٤٠٣٠ - حديث أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مرفوعًا: "أنَّهُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ وَجَدَ رِيحًا طَيِّبَةً، فَقَالَ: يَا جِبْرِيلُ مَا هَذ الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ؟ قَالَ: هَذِهِ رِيحُ قَبْرِ المَاشِطَةِ وَابْنَتهَا وَزَوْجِهَا": الحديث في سنده سعيد بن بشير صاحب قتادة.
قال أبو مسهر: لم يكن في بلدنا أحفظ منه، وهو مُنكر الحديث.
وقال أبو حاتم: محله الصدق.
وقال البخاري: يتكلمون في حفظه.
وقال بقية: سألت شعبة عنه، فقال: ذاك صدوق اللسان.
وقال عثمان عن ابن معين: ضعيف.
وقال عباس عن ابن معين: ليس بشيء.
وقال الفلاس: حدثنا عنه ابن مهدي ثم تركه.
وقال النسائي: ضعيف.
وقال ابن الجوزي: قد وثَّقه شعبة ودحيم.
وقال ابن عيينة: حدثنا سعيد بن بشير وكان حافظًا.
стр. 2304
قَالَ: وَكَانَ بَدْءُ ذَلِكَ أَنَّ الخَضِرَ كَانَ مِنْ أَشْرَافِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَانَ مَمَرّهُ بِرَاهِبٍ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرَّاهِبُ فَيُعَلِّمُهُ الإِسْلَامَ، فَلَمَّا بَلَغَ الخَضِرُ زَوَّجَهُ أَبوهُ امْرَأة فَعَلَّمَهَا الخَضِرُ وَأَخَذَ عَلَيْهَا أَنْ لا تُعْلِمَهُ أَحَدًا، وَكَانَ لا يَقْرَبُ النِّسَاءَ، فَطَلَّقَهَا ثُمَّ زَوَّجَهُ أَبُوهُ أُخْرَى فَعَلَّمَهَا وَأَخَذَ عَلَيْهَا أَنْ لا تُعْلِمَهُ أَحَدًا،
وقال أبو زرعة النَصري: قلت لأبي الجماهر كان سعيد بن بشير قدريًا؟ قال: معاذ الله.
وسمعتُ أبا مسهر يقول: أتيت سعيدًا أنا ومحمد بن شعيب فقال: والله لا أقول: إن الله يقدر الشر ويعذب عليه، ثم قال: أستغفر الله أردت الخير فوقعت في الشر، انتهى.
وفيه كلام غير ذلك تركته اختصارًا.
أنكر على سعيد بن بشير حديث الماشطة المذكور هنا وغيره.
وقد روى الحديث المذكور هنا ثقتان هكذا عن هشام بن عمار.
وقد رواه الوليد بن عتبة عن الوليد، فأسقط من سنده ابن عباس.
قوله: "وذَلِكَ أَنَّ الخَضِرَ كَانَ مِنْ أَشْرَافِ بَنِي إِسْرَائِيلَ": لنتكلم على الخضر فنقول: الكلام عليه في مواضع: أحدها: في ضبطه: وهو بفتح أوله وكسر ثانيه، ويجوز كسر أوله مع إسكان ثانية.
стр. 2305
فَكَتَمَتْ إِحْدَاهُمَا وَأَفْشَتْ عَلَيْهِ الأُخْرَى، فَانْطَلَقَ هَارِبًا حَتَّى أَتَى جَزِيرَةً فِي البَحْرِ،
ثانيها: في سبب تسميته بذلك: اعلم أن في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إِنَّمَا سُمِّيَ الخَضِرُ؛ لأنَّهُ جَلَسَ عَلَى فرْوَةٍ فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضْرَاءَ" (١).
والفروة: الأرض اليابسة أو الحشيش اليابس.
وقيل: وجه الأرض أنبتت واخضرت بعد أن كانت جرداء.
وقيل: إنما سمي بذلك؛ لأنه إِذَا جلس اخضر ما حوله.
وقيل: إنه إِذَا صلى اخضر ما حوله.
ثالثها: في اسمه: قيل: بلْيا بموحدة مفتوحة ثم لام ساكنة ثم مثناة تحت.
وعن خط الدمياطي: "يليا" يعني بمثناتين تحت منهما لام ساكنة، ابن مَلْكان بفتح الميم وإسكان اللام، ابن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، حكاه ابن قتيبة عن وهب بن منبه (٢).
وحكى ابن الجوزي: "إيليا" بدل بليا، وكان أبوه من الملوك.
وقيل: اسمه الخضر بن عاميل.
وقيل: أرميا بن خلقيا، ووُهي؛ لأن أرميا كان في زمن بخت نصر، وبين عهد موسى وبخت نصر زمن طويل.
стр. 2306
فَأَقْبَلَ رَجُلَانِ يَحْتَطِبَانِ فَرَأيَاهُ، فكَتَمَ أَحَدُهُمَا وَأَفْشَى الآخَرُ، وَقَالَ: قَدْ رَأَيتُ الخَضِرَ،
وعن خط الدمياطي: "أروميا" من ولد عيص بن إسحاق.
وقيل: إلياس، ووُهي.
وقيل: اليسع، وسمي بذلك؛ لأن علمه وسع ست سموات وست أرضين، ووُهي أيضًا، واليسع اسم أعجمي ليس بمشتق.
وقيل: اسمه أحمد حكاه القشيري، ووهاه ابن دحية؛ بأنه لم يتسمَّ أحد قبل نبينا ﷺ بذلك.
وقيل: عامر، حكاه ابن دحية في كتابه مرج البحرين.
وقيل: حضرون بن قابيل بن آدم، حكاه هو أيضًا.
وكنيته أبو العباس.
رابعها: في أي وقت كان؟ قيل: إنه ولد آدم لصلبه.
وقيل: إنه الرابع من أولاد آدم.
وقيل: إنه من ولد عيص، حكاه ابن دحية، وتقدّم عن خط الدمياطي.
وقيل: إنه من سبط هارون.
وروى محمد بن أيوب، عن ابن لهيعة أنه ابن فرعون موسى، وهذا بعيد؛ لأن ابن لهيعة وابن أيوب مطعون فيهما.
وقيل: إنه من ولد فارس.
стр. 2307
فَقِيلَ: وَمَمنْ رَآه مَعَكَ؟ قَالَ: فُلَان، فَسُئِلَ فكَتَمَ، وَكانَ فِي دِينِهِمْ أَنَّ مَنْ كَذَبَ
وقيل: كان على مقدمة ذي القرنين الأكبر الذي كان أيام إبراهيم الخليل، وذو القرنين عند قوم هو أفريدون.
وقال بعض أهل الكتاب: إنه ابن خالة ذي القرنين ووزيره، وأنه شرب من ماء الحياة.
وعن الثعلبي أيضًا اختلافًا؛ هل كان في زمن إبراهيم الخليل أم بعده بقليل أو بكثير؟ وقيل: إنه كان في زمن سليمان، وإنه المراد بقوله: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النمل: ٤٠].
خامسها: اختلف هل كان وليًا أم نبيًا؟ بالأول جزم بعضهم واختلف أيضًا هل كان مرسلًا أم لا؟ وأغرب ما قيل فيه أنه من الملائكة.
وجزم جماعة بأنه نبي.
وقال الثعلبي: هو نبي على جميع الأقوال، معمَّر محجوب عن الأبصار، وصححه ابن الجوزي في كتابه فيه؛ لقوله تعالى حكاية عنه: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] فدل عَلَى أنه نبي أُوحي إليه، ولغير ذلك.
стр. 2308
قُتِلَ، قَالَ: فَتَزَوَّجَ المَرْأَةَ الكَاتِمَةَ، فَبَيْنَا هِيَ تَمْشُطُ ابْنَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ سَقَطَ المُشْطُ،
سادسها: في حياته: وقد أنكرها جماعة منهم: البخاري وإبراهيم الحربي وابن المنادي، وأفردها ابن الجوزي بالتأليف.
قال بعضهم: والمختار بقاؤها.
قال ابن الصلاح: هو [حي] عند جماهير العلماء والصالحين والعامة معهم في ذَلِكَ، وإنما شذ بإنكارها بعض المحدثين.
ونقل الحياة النووي عن الأكثرين (١).
وقيل: إنه لا يموت إلا في آخر الزمان حين يرفع القرآن.
وفي صحيح مسلم في حديث الدجال، أنه يقتل رجلًا ثمَّ يحييه (٢).
قال إبراهيم بن سفيان راوي كتاب مسلم: يقال: إنه الخضر.
قال بعض مشايخي فيما قرأته عليه بالقاهرة: وكذلك قال معمر في مسنده، انتهى.
وحكى لي بعض مشايخي وهو الإمام الحافظ سراج الدين ابن الملقن الأنصاري، أنه اجتمع بشيخ ذي هيئة حسن جدًا بجسر الجامع فتحدث معه، ثم افتقده فلم يره، ولم يعرف أين ذهب مع سرعة الوقت، فلما قدم القاهرة
стр. 2309
فَقَالَتْ: تَعِسَ فِرْعَوْنُ، فَأَخْبَرَتْ أبَاهَا، وَكَانَ لِلمَرْأَةِ ابْنَانِ وَزَوْجٌ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ،
اجتمع به بعض الصالحين من أهل القرافة وأخبره، من غير أن يذكر له الشيخ شيئًا من ذلك، أن الشيخ الذي اجتمعت به في المكان الفلاني الخضر، انتهى.
والله أعلم أهو حي أم لا؟
وقد روى ابن الصلاح في بعض تخاريجه له وللياس حديث: "من كذب علي"، بإسنادٍ باطل، كما قاله الذهبي أبو عبد الله الحافظ.
واعلم أن الذهبي ذكر في ترجمة محمد بن عبد الله بن الخيام السمرقندي أبي المظفر، وقال: لا أدري من ذا، وهو القائل: سمعت الخضر والياس يقولان: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: "مَن قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار".
رواه العلامة أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد الفوراني صاحب التصانيف، حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن علي الدندانقافي المؤذن، حدثنا أبو المظفر، يعني صاحب الترجمة محمد بن عبد الله بن الخيام، وهذا الحديث أملاه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح وقال: هذا وقع لنا في نسخة من حديث الخضر والياس.
قال الذهبي: لا أدري من وضعها (١).
قوله: "تَعِسَ فِرْعَوْنُ": يجوز في عين "تعس" الكسر والفتح.
وَمَنْ كَانَ أَنْ يُلقَى فِي النَّارِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجعَ فِي (١) الكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أنقَذَهُ اللهُ مِنْهُ". [خ: ١٦، م: ٤٣، ت:٢٦٢٤، س:٤٩٨٧].
وجوابه: أنه عبّر بما دون مَن؛ لعموم ما، وما سواهما جميع المخلوقات؛ من مَلَك ونبي وغيرهما.
وفي هذا الحديث دلالة على أنه لا بأس بمثل هذه التثنية، أعني قوله: "سواهما"، وأما قوله ﵇ للذي خطب وقال: ومن يعصهما فقد غوى: "بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله"، رواه مسلم من حديث عدي بن حاتم (٢)، فجوابه من وجوه أحسنها: إنه ليس من هذا النوع؛ لأن المراد في الخطب الإيضاح لا الرموز والإشارات.
وأما هنا فالمراد الإيجاز في اللفظ ليحفظ، ومما يدل على هذا حديث ابن مسعود مرفوعًا في خطبة الحاجة: "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه" أخرجه أبو داود وغيره بإسناد جيد (٣)، وحكم غيرُ واحد لإسناده بالصحة، مع أن فيه عمران بن داور بالراء في آخره، أخرج له البخاري متابعة.
стр. 2312
٤٠٣٤ - حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ الحَسَنِ المَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ (ح) وحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الجَوْهَرِيُّ قالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، قَالا: حَدَّثَنَا رَاشِدٌ أَبُو مُحَمَّدٍ الحِمَّانِيُّ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلي ﷺ أَنْ: "لا تُشْرِكْ بِالله شَيْئًا وَإِنْ قُطِّعْتَ وَحُرِّقْتَ،
ثانيها: إنما أنكر الجمع تعظيمًا لله تعالى، وقد قال ﵇: "لا يقولن أحدكم: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن ثمَّ ما شاء فلان" (١)؛ لما في "ثم" من التراخي بخلاف الواو التي تقتضي التسوية.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾ [الأحزاب: ٥٦] فيه اشتراك الضمير أيضًا، لكن قدره آخرون بأن الله يصلي وملائكته يصلون.
ثالثها: أنه إنما أنكر عليه وقوفَهُ على "ومن يعصهما"، رأيته منقولًا وسمعته عن بعض مشايخي، وغالب ظني أنه عزاه لبعض القراء، ولكن قوله: "قل: ومن يعص الله ورسوله" يرد ذلك.
رابعها: أنه ﵇ لَهُ أن يجمع بخلاف غيره.
خامسها: أن كلامه ﵇ جملة واحدة، فيكره لغة إقامة المضمر مقام الظاهر، بخلاف كلام الخطيب فإنه جملتان.
وأجاب بعضهم بأن المتكلم لا يتوجه تحت خطاب نفسه إذا وجهه لغيره.
٤٠٣٧ - حَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ الأَسْلَمِيِّ (١)، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى القَبْرِ فَيَتَمَرَّغَ عَلَيْهِ، وَيَقُولَ: يَا لَيْتَنِي كنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا القَبْرِ، وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلا البَلاءُ". [خ:٧١١٥، م:١٥٧].
و"الرويبضة" تصغير رابضة؛ وهو العاجز الذي ربض عن معالي الأمور وقعد عن طلبها، وزيادة التاء للمبالغة.
و"التافه": الحقير الخسيس.
٤٠٣٧ - قوله: "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ الأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَذْهَبُ الدُّنْيَا" الحديث: كذا في أصلنا: "عن إسماعيل الأسلمي"، وهذا وهم فيه ابن ماجه، كذا خرج وهمه الذهبي في الميزان (٢).
وإنما هو أبو إسماعيل كثير، والله أعلم.
стр. 2315
٤٠٣٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا طَلحَةُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ، يَعْنِي مَوْلَى مُسَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " (١) لَتُنْتَقَوُنَّ كما يُنْتَقَى التَّمْرُ مِنْ أَغْفَالِهِ، فَليَذْهَبَنَّ خِيَارُكُمْ، وَلَيَبْقَيَنَّ شِرَارُكُمْ، فَمُوتُوا إِنِ اسْتَطَعْتُمْ".
٤٠٣٩ - حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الجنَدِيُّ، عَنْ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لا يَزْدَادُ الأَمْرُ إِلا شِدَّةً، وَلا الدُّنْيَا إِلا إِدْبَارًا،
٤٠٣٨ - قوله: "كَما يُنْتَقَى التَّمْرُ مِنْ أَغْفَالِهِ": كذا في أصلنا، والظاهر، والله أعلم، أنه جمع غُفل، بضم العين المعجمة وإسكان الفاء وفي آخره لام؛ أي لا عَلَم بها ولا أثر عمارة، يعني مواتًا، فإذا وجد الشخص نخلة في موات بادر إلى أخذها.
وفي هذا الحديث إشارة إلى أنهم يكونون قليلين؛ لأن النخل بهذه المثابة، أعني في موات من الأرض، قليل، والله أعلم.
قلتُ ذلك وما رأيته منقولًا، فإن كان صوابًا فمن الله ورسوله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان.