وَمَنْ كَانَ أَنْ يُلقَى فِي النَّارِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجعَ فِي (١) الكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أنقَذَهُ اللهُ مِنْهُ". [خ: ١٦، م: ٤٣، ت:٢٦٢٤، س:٤٩٨٧].
وجوابه: أنه عبّر بما دون مَن؛ لعموم ما، وما سواهما جميع المخلوقات؛ من مَلَك ونبي وغيرهما.
وفي هذا الحديث دلالة على أنه لا بأس بمثل هذه التثنية، أعني قوله: "سواهما"، وأما قوله ﵇ للذي خطب وقال: ومن يعصهما فقد غوى: "بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله"، رواه مسلم من حديث عدي بن حاتم (٢)، فجوابه من وجوه أحسنها: إنه ليس من هذا النوع؛ لأن المراد في الخطب الإيضاح لا الرموز والإشارات.
وأما هنا فالمراد الإيجاز في اللفظ ليحفظ، ومما يدل على هذا حديث ابن مسعود مرفوعًا في خطبة الحاجة: "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه" أخرجه أبو داود وغيره بإسناد جيد (٣)، وحكم غيرُ واحد لإسناده بالصحة، مع أن فيه عمران بن داور بالراء في آخره، أخرج له البخاري متابعة.
стр. 2312
٤٠٣٤ - حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ الحَسَنِ المَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ (ح) وحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الجَوْهَرِيُّ قالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، قَالا: حَدَّثَنَا رَاشِدٌ أَبُو مُحَمَّدٍ الحِمَّانِيُّ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلي ﷺ أَنْ: "لا تُشْرِكْ بِالله شَيْئًا وَإِنْ قُطِّعْتَ وَحُرِّقْتَ،
ثانيها: إنما أنكر الجمع تعظيمًا لله تعالى، وقد قال ﵇: "لا يقولن أحدكم: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن ثمَّ ما شاء فلان" (١)؛ لما في "ثم" من التراخي بخلاف الواو التي تقتضي التسوية.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾ [الأحزاب: ٥٦] فيه اشتراك الضمير أيضًا، لكن قدره آخرون بأن الله يصلي وملائكته يصلون.
ثالثها: أنه إنما أنكر عليه وقوفَهُ على "ومن يعصهما"، رأيته منقولًا وسمعته عن بعض مشايخي، وغالب ظني أنه عزاه لبعض القراء، ولكن قوله: "قل: ومن يعص الله ورسوله" يرد ذلك.
رابعها: أنه ﵇ لَهُ أن يجمع بخلاف غيره.
خامسها: أن كلامه ﵇ جملة واحدة، فيكره لغة إقامة المضمر مقام الظاهر، بخلاف كلام الخطيب فإنه جملتان.
وأجاب بعضهم بأن المتكلم لا يتوجه تحت خطاب نفسه إذا وجهه لغيره.
٤٠٣٧ - حَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ الأَسْلَمِيِّ (١)، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى القَبْرِ فَيَتَمَرَّغَ عَلَيْهِ، وَيَقُولَ: يَا لَيْتَنِي كنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا القَبْرِ، وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلا البَلاءُ". [خ:٧١١٥، م:١٥٧].
و"الرويبضة" تصغير رابضة؛ وهو العاجز الذي ربض عن معالي الأمور وقعد عن طلبها، وزيادة التاء للمبالغة.
و"التافه": الحقير الخسيس.
٤٠٣٧ - قوله: "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ الأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَذْهَبُ الدُّنْيَا" الحديث: كذا في أصلنا: "عن إسماعيل الأسلمي"، وهذا وهم فيه ابن ماجه، كذا خرج وهمه الذهبي في الميزان (٢).
وإنما هو أبو إسماعيل كثير، والله أعلم.
стр. 2315
٤٠٣٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا طَلحَةُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ، يَعْنِي مَوْلَى مُسَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " (١) لَتُنْتَقَوُنَّ كما يُنْتَقَى التَّمْرُ مِنْ أَغْفَالِهِ، فَليَذْهَبَنَّ خِيَارُكُمْ، وَلَيَبْقَيَنَّ شِرَارُكُمْ، فَمُوتُوا إِنِ اسْتَطَعْتُمْ".
٤٠٣٩ - حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الجنَدِيُّ، عَنْ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لا يَزْدَادُ الأَمْرُ إِلا شِدَّةً، وَلا الدُّنْيَا إِلا إِدْبَارًا،
٤٠٣٨ - قوله: "كَما يُنْتَقَى التَّمْرُ مِنْ أَغْفَالِهِ": كذا في أصلنا، والظاهر، والله أعلم، أنه جمع غُفل، بضم العين المعجمة وإسكان الفاء وفي آخره لام؛ أي لا عَلَم بها ولا أثر عمارة، يعني مواتًا، فإذا وجد الشخص نخلة في موات بادر إلى أخذها.
وفي هذا الحديث إشارة إلى أنهم يكونون قليلين؛ لأن النخل بهذه المثابة، أعني في موات من الأرض، قليل، والله أعلم.
قلتُ ذلك وما رأيته منقولًا، فإن كان صوابًا فمن الله ورسوله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان.
стр. 2316
وَلا النَّاسُ إِلا شُحًّا، وَلا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ، وَلا المَهْدِيُّ إِلا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ".
٤٠٣٩ - حديث أَنَس مرفوعًا: "لا يَزْدَادُ الأَمْرُ إِلا شِدَّةً، وَلا الدُّنْيَا إِلا إِدْبَارًا، وَلا النَّاسُ إِلا شُحًّا، وَلا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ، وَلا المَهْدِيُّ إِلا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ": رواه ابن ماجه عن يونس بن عبد الأعلى، عن الشافعي أبي عبد الله محمد بن إدريس العَلَم ناصر السنَّة.
وقد وثَّق يونسَ أبو حاتم وغيرُه، ونعتوه بالحفظ والعقل إلا أنه تفرد عن الشافعي بهذا الحديث.
قال الذهبي: وهو مُنكر جدًا (١).
وقال الحافظ أبو العباس ابن تيمية ما لفظه: روى حديث: "لا مهدي إلا عيسى" ابنُ ماجه عن يونس، عن الشافعي، عن شيغ كجهول من أهل اليمن، لا تقوم بإسناده حجة، وليس هذا الحديث في مسند الشافعي، بل مداره على يونس.
قال ابن تيمية: وروي عنه أنه قال: حدثتُ عن الشافعي.
وفي الخلعيات وغيرها: حدثنا يونس عن الشافعي، لم يقل: حدثنا الشافعي، ثم قال عن حديث محمد بن خالد الجندي: وهذا تدليس يدل على توهينه.
стр. 2317
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومن الناس من يقول: إن الشافعي لم يروه (١)، انتهى كلامه في الرد على ابن مطهر الرافضي.
وقد روى عن محمد بن خالد الجَندي الصنعاني المؤذن: الشافعيُّ، ومنصورُ بن محمد البلخي، ويحيى بن السكن، وعبد الحميد بن عمر.
قال محمد بن الحسين الآبري: أخبرني محمد بن عبد الرحمن الهمذاني ببغداد، حدثنا محمد بن مخلد العطار، حدثنا أحمد بن محمد بن المؤمل قال: قال لي يونس بن عبد الأعلى: جاءني رجل سنة ثلاث عشرة ومائتين يسألني عن هذا الحديث، فقال لي: مَن محمد بن خالد الجنَدي؟ قلت: لا أدري.
قال: هذا مؤذن الجَنَد، وهو ثقة، فقلت له: أنت يحيى بن معين؟ قال: نعم، فقلت له: حديث ابن وهب، فقال: ثقة، وكان فيه تساهل.
فقال الآبري: محمد بن خالد الجندي، وإن كان يذكر عن يحيى بن معين مما ذكرته، فإنه غير معروف.
قال أبو عبد الله الحاكم: رجل مجهول، واختلفوا عليه في إسناده؛ قال صامت بن معاذ: حدثنا يحيى بن السكن، حدثنا محمد بن خالد الجندي، عن أبان بن صالح عن، الحسن، عن أنس، مثله.
стр. 2318
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال صامت بن معاذ: فعدلت إلى الجنَد مسيرة يومين من صنعاء، فدخلت على محدث لهم، فوجدت الحديث عنده عن محمد بن خالد، عن أبان بن أبي عياش، عن الحسن، عن النبي ﷺ .
رواه مفضل بن محمد الجندي، عن الصامت.
قال البيهقي: رجع الحديث إلى محمد بن خالد الجندي مجهول، عن أبان بن أبي عياش وهو متروك، عن الحسن، مرسلًا.
والأحاديث في التنصيص على خروج المهدي أصح، وأنه من عتره النبي ﷺ .
وروى أحمد بن محمد بن رشدين، حدثفي علي بن عبد الله الواسطي قال: رأيت الشافعي في المنام، فسمعتُه يقول: كذب علي يونس في حديث الجندي، ما هذا من حديثي، ولا حدثت به.
قال الذهبي: عندي مسند يونس بن عبد الأعلى، من رواية أبي الطاهر المديني عنه، وفيه هذا الحديث: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: حدثت عن الشافعي، فذكر الحديث، انتهى.
أعني كما أشار إليه ابن تيمية، ثم ساقه الذهبي من الخلعيات، وفيه يونس عن الشافعي بالعنعنة، كما ذكر ابن تيمية.
стр. 2319
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال الذهبي: وقد رواه شيخنا أبو الحجاج، يعني المزي، بإسناده من طريق ابن زياد النيسابوري، ومن طريق: ابن منده، عن الحسن بن يوسف الطرائفي وأبي الطاهر بن عمرو، قالوا ثلاثتهم: حدثنا يونس، حدثنا الشافعي، فذكره.
قال ابن زياد: هذا حديث غريب.
وقد ذكر محمد بن خالد الجندي الذهبي وذكر فيه كلامًا تقدَّم جلّه، ومنه أن الصحيح أن يونس لم يسمعه من الشافعي، وأن أبان بن صالح [صدوق] قيل: إنه لم يسمع من [الحسن]، ومنه أن ابن الصلاح ذكره الحديث في أماليه ثم قال: محمد بن خالد شيخ مجهول.
وفي آخر ترجمة محمد بن خالد المذكور في الميزان حكاية صامت ابن معاذ التي تقدّمت، وفي آخرها قلت: فانكشف الحديث وَوَهيَ (١).
وقد ذكر حديث: "لا مهدي إلا عيسى" القرطبيُّ مع الكلام عليه في تذكرته؛ أواخرها، وقال في آخر الكلام: ويحتمل أن يكون قوله ﷺ : "لا مهدي إلا عيسى" أي لا مهدي كاملًا معصومًا إلا عيسى.
وعلى هذا تجتمع الأحاديث ويرتفع التعارض (٢)، انتهى.
أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا كَانَتِ الحُفَاةُ (١) العُرَاةُ رُؤُوسَ النَّاسِ، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رِعَاءُ الغَنَمِ فِي البُنْيَانِ، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، فِي خَمْسٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إِلا الله"، فَتَلَا رَسُولُ الله ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان: ٣٤] الآيةَ. [ر:٦٤، خ:٥٠، م:٩، س:٤٩٩١].
الإنسان صائر إلى ولده غالبًا، وقد يتصرف فيه في الحال تصرف المالكين؛ إما بتصريح أبيه له بالإذن، أو بقرينة الحال، أو عُرف الاستعمال.
وعبَّر بعضهم عنه بأن المراد استيلاء المسلمين على الكفرة، فتكون الأمة من سيدها بمنزلة سيدها، والعلامة على هذا كثرة الفتوح والتسري.
وقيل: معناه أن الإماء يلدن اللوك، فتكون أُمُّه من جملة رعيته، وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته، ووليّ أمورهم.
وقيل: معناه أن تفسد أحوال الناس فيكثر بيع أمهات الأولاد فى آخر الزمان، فيكثر تردادها في أيدي المشترين حتى يشتريها ابنُها ولا يدري.
وعلى هذا القول لا يختص بأمهات الأولاد بل يتصور في غيرهن، فان الأمة تلد ولدًا حرًا بوطئ غير سيدها بشبهة أو ولدًا رفيقًا بنكاح أو زنا، ثم تباع الأمة في الصورتين بيعًا صحيحًا، وتدور في الأيدي حتى يشتريها ابنها وبنتها.
وعلى هذا يكون من الأشراط غلبة الجهل بتحريم بيع أمهات الأولاد.
стр. 2324
٤٠٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يحدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَلا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ لا يحدِّثُكُمْ بِهِ أَحَدٌ بَعْدِي سَمِعْتُهُ مِنْهُ: "إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يُرْفَعَ العِلمُ، وَيَظْهَرَ الجَهْلُ، وَيَفْشُوَ الزِّنا، وَيُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَذْهَبَ الرِّجَالُ وَيَبْقَى النِّسَاءُ، حَتَّى يَكُونَ لخِمْسِينَ امْرَأةً قَيِّمٌ وَاحِدٌ". [خ:٨٠، م:٢٦٧١، ت:٢٢٠٥].
وقيل: أن أمَّ الولد لما عتقت بولدها، وكأنه سيدها.
وقيل: أن يكثر العقوق في الأولاد؛ فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة.
وقيل غيرُ ذلك مما فيه ضَعْف، والله أعلم.
٤٠٤٥ - قوله: "حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً قَيِّمٌ وَاحِدٌ": قال ابن الأثير: قيم المرأة زوجها؛ لأنه يقوم بأمرها وما تحتاج إليه (١)، انتهى.
ويحتمل، والله أعلم، أنه يكون لهن قيم واحد أي شخص واحد يقوم بأمورهن وتدبيرهن في جميع أحوالهن، لا أنه يتزوج بخمسين امرأة، فإن كان ما قاله ابن الأثير صحيحًا، فلعله يكون هذا حين لا يُقال في الأرض: الله الله، والله أعلم.
لَمْ تُلْفِه إِلا مَقِيتًا مُمَقَّتًا، فَإِذَا لَمْ تُلْفِه إِلا مَقِيتًا مُمَقَّتًا نُزِعَتْ مِنْهُ الأَمَانَةُ، فَإِذَا نُزِعَتْ مِنْهُ الأَمَانَةُ لَمْ تُلْفِه إِلا خَائِنًا مُخَوَّنًا، فَإِذَا لَمْ تُلْفِه إِلا خَائِنًا مُخَوَّنًا نُزِعَتْ مِنْهُ الرَّحْمَةُ، فَإِذَا نُزِعَتْ مِنْهُ الرَّحْمَةُ لَمْ تُلْفِه إِلا رَجِيمًا مُلَعَّنًا، فَإِذَا لَمْ تُلْفِه (١) إِلا رَجِيمًا مُلَعَّنًا نُزِعَتْ مِنْهُ رِبْقَةُ الإِسْلامِ".
٢٨ - بَاب الآيَات
٤٠٥٥ - حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ فُرَاتٍ القَزَّازِ،
٤٠٥٤ - قوله: "لَمْ تُلْفِه إِلا مَقِيتًا": لم تلفه؛ أي لم تجده، ومقيتًا على فَعِيْلٍ بمعنى مفعولٍ، والمَقْتُ البُغْض، ويقال: أشده.
قوله: "لَمْ تُلْفِه إِلا رَجِيمًا": رجيم بالجيم، وهذا ظاهر، إلا أنه ربما اشتبه على مُغَفّلٍ.
قوله: "نُزِعَتْ مِنْهُ رِبْقَةُ الإِسْلامِ": الربقة بكسر الراء ثم موحدة ساكنة ثم قاف مفتوحة ثم تاء التأنيث؛ والربقة في الأصل: عروة في حبل تجعل في عُنق البهيمةِ أو يدها تمسكها، فاستعارها للإسلام؛ يعني ما يشد المسلم به نفسه من عرى الإسلام؛ أي حدوده وأحكامه وأوامره ونواهيه.
وتجمع الربقة على رِبَق ورباق وأرباق.
стр. 2331
عَنْ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ أَبِي الطُّفَيْلِ الكِنَانِيِّ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ أَبِي سَرِيحَةَ قَالَ: اطَّلَعَ رَسُولُ الله ﷺ مِنْ غُرْفَةٍ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ السَّاعَةَ، فَقَالَ: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَكُونَ عَشْرُ آيَاتٍ: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَالدُّخَانُ، وَالدَّابَّةُ،
٢٨ - بَاب الآيَات
٤٠٥٥ - قوله: "عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ أَبِي سَرِيحَةَ": تقدَّم قبله أن أسيدًا بفتح الهمؤة وكسر السين المهملة، وتقدَّم قبل ذلك ضبط أبي سريحة فراجعه.
قوله: "وَالدَّابَّةُ": الدابة: قيل: إنها دابة طولها ستون ذراعًا ذات قوائم ووبر.
وقيل: هي مختلفة الخلقة تشبه عدة من الحيوانات، ينصدع جبل الصفا فتخرج منه ليلة جمْع والناس سائرون إلى منى.
وقبل: من أرض الطائف.
ومعها عصا موسى وخاتم سليمان ﵉، لا يدركها طالب ولا يعجزها هارب، تضرب المؤمن بالعصا وتكتب في وجهه مؤمن، وتطبع الكافر بالخاتم وتكتب في وجهه كافر.
وستأتي بترجمة مفردة، وذكر فيها حديثًا مرفوعًا أن: "مَعَهَا خَاتَمُ سُلَيمَانَ بْنِ دَاوُدَ، وَعَصَا مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ ﵉، فتجْلُو وَجْهَ المُؤْمِنِ بِالعَصَا، وَتَخْطِمُ أَنْفَ الكَافِرِ بِالخَاتمِ".
стр. 2332
وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، وَخُرُوجُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَثَلاثُ خُسُوفٍ؛ خَسْفٌ بِالمَشْرِقِ وَخَسْفٌ بِالمَغْرِبِ وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ العَرَبِ، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنِ أَبْيَنَ تَسُوقُ النَّاسَ إِلَى المَحْشَرِ، تَبِيتُ مَعَهُمْ إِذَا بَاتُوا، وَتَقِيلُ مَعَهُمْ إِذَا قَالُوا". [رَ: ٤٠٤١، م: ٢٩٠١، د: ٤٣١١، ت: ٢١٨٣].
٤٠٥٦ - حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ وَابْنُ لِهيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ سِنَانِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: "بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدُّخَانَ، وَدَابَّةَ الأَرْضِ، وَالدَّجَّالَ، وَخُوَيْصَّةَ أَحَدِكُمْ، وَأَمْرَ العَامَّةِ".
وجاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن الدابة هي الجساسة، يعني التي تحسس الأخبار للدجال.
قوله: "مِنْ قَعْرِ عَدَنِ أَبْيَنَ": عدن بفتح العين والدال المهملتين؛ مدينة معروفة باليمن، يقال لها: عدن أبين، منسوبة إلى أبين بفتح الهمزة ثم موحدة ساكنة ثم مثناة تحت مفتوحة ثم نون، وهو أبين بن زُهير بن أعين بن الهَميع بن حِمْير بن سبأ.
وقال بعضهم: إنما سُميت بذلك؛ لأن تبعًا كان يحبس بها أصحاب الجرائم.
وعدن بالمدائن إذا أقام به، وقد تقدَّمت.
أَبَو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الدَّجَّالُ أَعْوَرُ عَيْن اليُسْرَى، جُفَالُ الشَّعَرِ، مَعَهُ جَنَّة وَنَارٌ، فَنَارُهُ جَنَّةٌ، وَجَنَّتُهُ نَارٌ". [م: ٢٩٣٤].
٤٠٧٢ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عِليٍّ الجَهْضَمِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالُوا: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ،
٣٣ - بَاب فِتْنَه الدَّجَالِ، وَخُرُوج عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇، وَخُرُوج يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ
٤٠٧١ - قوله: "أَعْوَرُ عَيْن اليُسْرَى": كذا هنا، وكذا هو في صحيح مسلم.
ويكثر سؤال الناس عن الجمع بين قوله ﷺ هذا، وبين قوله ﵇: "أعور العين اليمنى".
والجواب: أن اليمنى طافئة بهمز ولا يهمز؛ فالمهموز معناه ذهب نورها بالكلية، وغير المهموز هي التي نَتَأت وطفيت مرتفعة وفيها ضوء.
وأما أعور العين اليسرى فإن العور هو العَيبُ، وكأنه قال: إن اليمنى بها ما ذكرنا، وإن اليسرى معيوبة، والله أعلم.
قوله: "جُفَالُ الشَّعَرِ": هو بضم الجيم ثم فاء وفي آخره لام؛ أي كثير الشعر.
стр. 2341
عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ سُبَيْعٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، حَدَّثَنَا رَسُولُ الله ﷺ "أَنَّ الدَّجَّالَ يَخْرُجُ مِنْ أَرْضٍ بِالمَشْرِقِ، يُقَالُ لهَا: خُرَاسَانُ، يَتْبَعُهُ أَقْوَامٌ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ المُطْرَقَةُ". [ت: ٢٢٣٧].
٤٠٧٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيْرٍ وَعِليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا إِسمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ:
٤٠٧٢ - قوله: "كَأَنَّها المَجَانُّ المُطْرَقَةُ": المجان بفتح الميم وشد النون، جمع مجن، ووزنه مفاعل.
وكان بعضهم يقوله بكسر الميم، قال بعضهم: وهو خطأ، وإنما هو مثل محِمل ومحَامل، فيه الميم زائدة مفتوحة في الجمع.
وقد رواه بعضهم من رواة البخاري كما تقدَّم بفتح الميم.
و"المطرقة" بإسكان الطاء وفتح الراء، وهو ما في أصلنا؛ أي الترسة التي لبست بالعقب طاقة فوق أخرى.
قال بعضهم: الأصوب "المطَرّقة" يعني بفتح الطاء وتشديد الراء؛ وهو ما ركب بعضه فوق بعض.
وقيل: هو أن يقوَّر جلد بمقداره ويلصق به كأنه ترس على ترس.
وهذه صفة الترك، وقد صرَّح بأنهم هُم ابنُ الأثير في نهايته (١).
стр. 2342
مَا سَأَلَ أَحَدٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الدَّجَّالِ أَكْثَرَ مِمَّا سَأَلتُهُ، وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: أَشَدَّ سُؤَالًا مِنِّي، فَقَالَ لِي: مَا تَسْأَلُ عَنْهُ؟ قُلتُ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ مَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، قَالَ: "هُوَ أَهْوَنُ عَلَى الله مِنْ ذَلِكَ". [خ: ٧١٢٢، م: ٢١٥٢].
٤٠٧٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، وَصَعِدَ المِنْبَرَ، وَكَانَ لَا يَصْعَدُ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ إِلا يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ، فَمِنْ بَيْنِ قَائِمٍ وَجَالِسٍ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ أَنِ اقْعُدُوا، "فَإِنِّي وَالله مَا قُمْتُ مَقَامِي هَذَا لأَمْرٍ يَنْقُصُكُمْ، لِرَغْبَةٍ وَلا لِرَهْبَةٍ، وَلَكِنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي خَبَرًا مَنَعَنِي القَيْلُولَةَ مِنَ الفَرَحِ وَقُرَّةِ العَيْنِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَنْشُرَ
٤٠٧٣ - قوله: "هُوَ أَهْوَنُ عَلَى الله مِنْ ذَلِكَ": أي هو أهون أن يجعل ما خلقه على يده مضلًا للمؤمنين ومشككًا لقلوبه، بل إنما جعله الله ليزداد الذين آمنوا إيمانًا، وتثبت الحجة على الكافرين والمنافقين.
٤٠٧٤ - قوله: "وَلَكِنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي": تميم الداري هو ابن أوس بن حارثة بن سُويد بن خزيمة، وقيل: سواد بن خزيمة، وقيل: سود بن جَذيمة بن ذراع بن عدي بن الدار بن هانئ بن حبيب بن أنمار بن لخم بن عدي بن عمرو بن سبأ الداري.
وقيل في نسبه غير هذا.
стр. 2343
عَلَيْكُمْ فَرَحَ نَبِيَّكُمْ، أَلا إِنَّ ابْنَ عَمٍّ لِتَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَخْبَرَنِي أَنَّ الرِّيحَ أَلجَأَتْهُمْ إِلَى
كنيته أبو رقية، كُني بابنته رقية، ولم يولد له غيرها، وإنما العقب لأخيه لأمه أبي هند واسمه بر بن عبد الله، وقيل في اسم أبي هند يزيد.
قال الذهبي: ورأيتها بخط أبي العلاء الفرضي: "بربر".
وقيل: هو أبو هند برا، من البراء.
وقيل: إنه ابن عم تميم، له صحبة، لم يخرجه ابن منده.
يقال لتميم: الداري والديري؛ فالداري منسوب إلى جده الدار، وقيل غير ذلك. والديري نسبة إلى دير كان يتعبد فيه قبل الإسلام، وكان نصرانيًا، كما جاء في صحيح مسلم (١)، أسلم سنة تسع من الهجرة، روى عنه ﵇ حديث الجساسة، وهذه منقبة شريفة لا يشاركه فيها غيره.
وفيه لطيفة أخرى: وهي رواية الأكابر عن الأصاغر.
وفي حفظي أنه ﵇ حدث عن امرأة في مسند أحمد ولم يسمها.
وروى عن محرز المدلجي قوله.
كان بالمدينة ثم انتقل إلى بيت المقدس بعد مقتل عثمان، وهو أول من قصّ على الناس استأذن عمر في ذلك، فأذن له.
стр. 2344
جَزِيرَةٍ لا يَعْرِفُونَهَا، فَقَعَدُوا فِي قَوَارِبِ السَّفِينَةِ فَخَرَجُوا فِيهَا، فَإِذَا هُمْ
وهو أول مَن أسرج المسجد كما في أول هذا الكتاب، وذكره أبو نعيم أيضًا، توفي سنة ٤٠ هـ.
وقد ذكر تميمًا الذهبي في تجريده ثم قال: فأما تميم الداري المذكور في قصة الجام فذاك نصراني من أهل دارين، قاله مقاتل بن حيان، انتهى.
وفي ذلك نظر إذا هما واحد؛ فإن قصة الجام في الترمذي من حديثه رواها ابن عباس، وفيها: "فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله ﷺ المدينة" الحديث ذكره من غير طريق، غير أن الطريق الثانية مختصرة (١).
وفي كتاب النحاس في القصة، فاعترف تميم بالخيانة، فقال له ﵇: "ويحك يا تميم، أسلم يتجاوز الله عنك ما كان في شركك".
فأسلم وحسن إسلامه، ومات عدي بن بداء، يعني رفيقه في إخفاء الجام المذكور في البخاري (٢)، نصرانيًا، والله أعلم بالصواب.
قوله: "فِي قَوَارِبِ السَّفِينَةِ": جمع قارب؛ وهي سفن صغار تكون مع السفن الكبار البحرية، كالجنائب لها، واحدها قارب.
وأمَّا ما جاء في بعض طرقه خارج هذا الكتاب: "في أقرب السفينة" (٣)
стр. 2345
بِشَيْءٍ أَهْدَبَ أَسْوَدَ كَثِيرِ الشَّعَرِ، قَالُوا لَهُ: مَا أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا الجَسَّاسَةُ، قَالُوا: أَخْبِرِينَا قَالَتْ: مَا أَنَا بِمُخْبِرَتِكُمْ شَيْئًا وَلا سَائِلَتِكُمْ، وَلَكِنْ هَذَا الدَّيْرُ قَدْ رَمَقْتُمُوهُ (١) فَأْتُوهُ فَإِنَّ فِيهِ رَجُلًا بِالأَشْوَاقِ إِلَى أَنْ تُخْبِرُوهُ وَيُخْبِرَكمْ، فَأَتَوْهُ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَإِذَا هُمْ بِشَيْخٍ مُوثَقٍ شَدِيدِ الوَثَاقِ، يُظْهِرُ الحُزْنَ شَدِيدِ التَّشَكِّي، فَقَالَ لهُمْ: مِنْ أَيْنَ؟ قَالُوا: مِنَ الشَّامِ، قَالَ: مَا فَعَلَتِ العَرَبُ؟ قَالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ، عَمَّ تَسْأَل؟ قَالَ: مَا فَعَلَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي خَرَجَ فِيكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرًا، نَاوَئ قَوْمًا (٢)
فغير معروف في جمع قارب، إلا أن يكون على غير قياس.
وقيل: أقرب السفينة أدانيها، أي ما قارب إلى الأرض، والله أعلم.
قوله: "فَإِذَا هُمْ بِشَيْءٍ أَهْدَبَ": "الهُدْب" بضم الهاء وإسكان الدال المهملة وضمها؛ شعر أشفار العين، ورجل أهدب: كثير هدب العين.
قوله: "أَنَا الجَسَّاسَةُ": هي بفتح الجيم وتشديد السين المهملة؛ سميت بذلك لأنها تتجسس الأخبار للدجال.
وجاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنها دابة الأرض المذكورة في القرين، وقد تقدَّم.
قوله: "نَاوَئ قَوْمًا": أي عادى قومًا، وأصله الهمز؛ لأنه مِن النَوْء وهو النهوض.
стр. 2346
فَأَظْهَرَهُ الله عَلَيْهِمْ، فَأَمْرُهُمُ اليَوْمَ جَمِيعٌ؛ إِلهُهُمْ وَاحِدٌ وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، قَالَ: مَا فَعَلَتْ عَيْنُ زُغَرَ؟ قَالُوا: خَيْرًا يَسْقُونَ مِنْهَا زُرُوعَهُمْ، وَيَسْتَقُونَ مِنْهَا لِسَقْيِهِمْ، قَالَ: فَمَا فَعَلَ نَخْلٌ بَيْنَ عَمَّانَ وَبَيْسَانَ؟ قَالُوا: يُطْعِمُ ثَمَرَهُ كُلَّ عَامٍ، قَالَ: فَمَا فَعَلَتْ بُحَيْرَةُ الطَّبَرِيَّةِ؟ قَالُوا: تَدَفَّقُ جَنَبَاتُهَا مِنْ كَثْرَةِ المَاءِ.
قوله: "مَا فَعَلَتْ عَيْنُ زُغَرَ؟ ": "زُغَر" بضم الزاي وفتح الغين المعجمة ثم بالراء.
وهو موضع بالشام، أعني بلدة معروفة في الجانب القبلي من الشام.
قوله: "بَيْنَ عَمَّانَ وَبَيْسَانَ": أما "عمان" فبفتح العين وتشديد الميم، وهي قرية من عمل دمشق، وحُكي فيها تخفيف الميم.
قال البكري: ويقال فيه أيضًا: عُمان بضم الميم والتخفيف كالتي من بلاد اليمن، لكن التي في بلاد اليمن بالضم والتخفيف ليس إلا.
وأما "بيسان" فبفتح الموحدة وإسكان المثناة تحت؛ بليدة معروفة بالشام، دخلتُها غير مرة.
وفي المطالع: بَيْسانُ بالشام وآخر بلاد الحجاز (١)، وفي ذلك نظر.
قوله: "مَا فَعَلَتْ بُحَيْرَةُ الطَّبَرِيَّةِ؟ ": هي بالشام في الغور، طولها عشرة أميال.
стр. 2347
قَالَ: فَزَفَرَ ثَلَاثَ زَفَرَاتٍ، ثُمَّ قَالَ: لَوِ انْفَلَتُّ مِنْ وَثَاقِي هَذَا لَمْ أَدَعْ أَرْضًا إِلا وَطِئْتُهَا بِرِجْلَيَّ هَاتَيْنِ، إِلا طَيْبَةَ لَيْسَ لِي عَلَيْهَا سَبِيلٌ"، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِلَى هَذَا انْتَهَى فَرَحِي، هَذِهِ طَيْبَةُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا فِيهَا طَرِيقٌ ضَيِّقٌ وَلا وَاسِعٌ، وَلا سَهْلٌ وَلا جَبَلٌ، إِلا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ شَاهِرٌ سَيْفَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ". [م: ٢٩٤٢].
٤٠٧٥ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ قالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، أَنَّهُ سَمِعَ النَّوَّاسَ بْنَ سَمْعَانَ الكِلَابِيَّ يَقُولُ: ذَكَرَ رَسُولُ الله ﷺ الدَّجَّالَ الغَدَاةَ
ولزمتها الهاء؛ لأنها تصغير بحرة لا تصغير بحر، لأنَّ تصغير البحر بحير.
وهي بحيرة عظيمة يخرج منها نهر بينها وبين الصخرة ثمانية عشر ميلًا، كذا قال (١)، وفيه نظر؛ بل بينهما تحويلات مراحل.
قوله: "تَدَفَّقُ": هو بفتح التاء في أوله وتشديد الفاء، وهو محذوف إحدى التائين؛ أي تَتَدفَّق.
قوله: "فَزَفَرَ ثَلَاثَ زَفَرَاتٍ": الزفير: اغتِراق النفس، والزفير أول صوت الحمار، والشهيق آخره، لأن الزفير إدخال النفس والشهيق إخراجه.
وزَفَر بالفتح، يَزْفِر بالكسر، والاسم الزفرة.
стр. 2348
فَخَفَضَ فِيهِ وَرَفَعَ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَلَمَّا رُحْنَا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ عَرَفَ ذَلِكَ فِينَا، فَقَالَ: "مَا شَأْنُكُمْ؟ " فَقُلنَا: يَا رَسُولَ الله، ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ الغَدَاةَ، فَخَفَضْتَ فِيهِ ورَفَعْتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، قَالَ: "غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ، إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَالله خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ عَيْنُهُ قَائِمَةٌ، كَأَنَّي أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ العُزَّى بْنِ قَطَنٍ، فَمَنْ رَآه مِنْكُمْ فَليَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الكَهْفِ،
٤٠٧٥ - قوله: "فَخَفَضَ فِيهِ وَرَفَعَ": أي عظم فتنته ورفع قدرها، ثم وهن أمره وقدره وهونه.
وقيل: إنه أراد أنه رفع صوته وخفضه في اقتصاص أمره.
قوله: "حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ": الطائفة من الشيء قطعة منه، فمعناه، والله أعلم، حتى ظننا أنه في ناحية النخل، أي قريبًا منا جدًا.
قوله: "قَطَط": أي شديد الجُعودة؛ يعني أنَّ شعره كشعور السودان.
قوله: "أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ العُزَّى بْنِ قَطَنٍ": هو عبد العزى بن قطن بن عمرو بن حبيب بن سعيد بن عائذ بن مالك بن جَذِيمة، وهو المصطلق، بن سعد، وهو كعب وعدي أولاد عمرو بن ربيعة.
وأمه هالة أخت خديجة، كذا قاله الدمياطي، نقلته عن خطه.
стр. 2349
إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ حَلَّةٍ بَيْنَ الشَامِ وَالعِرَاقِ، فَعَاثَ يَمِينًا وَعَاثَ شِمَالًا، يَا عِبَادَ الله اثْبُتُوا".
قوله: "إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ حلَّةٍ بَيْنَ الشَّامِ وَالعِرَاقِ": الحلة بفتح الحاء المهملة وتشديد اللام ثم تاء التأنيث، كذا في أصلنا.
وقد رواه بعضهم خارج هذا الكتاب: "خَلَّة" بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام وتنوين الهاء، والمشهور في هذه اللفظة: "من خَلّة"، ورويت من غير من الجارة، فتفتح التاء، أي سمت ذلك وقبالته.
ورواه بعضهم في مسلم: "حَلُّه" (١)، أي نزوله.
ومعنى "خلّة" بالخاء المعجمة وتشديد اللام؛ الطريق بين البلدين.
والخلّ أيضًا الطريق في الرمل، فيجوز أن يكون استعاره لغير الرمل، ولعل ذلك المكان رمل، وقد سقطت هذه اللفظة لبعض رواة مسلم، فبقي الكلام خارج بين الشام والعراق.
ولم أرَ من ضبطه كما في أصلنا من أنه بكسر الحاء، فليحرر ذلك.
ثم ذكره بعد ولم يتعرض للحاء، فاعلمه.
قوله: "فَعَاثَ يَمِينًا وَعَاثَ شِمَالًا": في أصلنا: "وعاث" الثانية مفتوحة الثاء المثلثة، ودل ذلك على أنه أراد بالأولى كذلك [الثانية] على أنهما فعل ماضٍ، ومعنى عاث أفسد.
стр. 2350
قُلنَا: يَا رَسُولَ الله، وَمَا لُبْثُهُ فِي الأَرْضِ؟ قَالَ: "أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ"، قُلنَا: يَا رَسُولَ الله، فَذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ، أتَّكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: "فَاقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ".
وقد رواه بعضهم في صحيح مسلم: "عاثَ" (١) في الموضعين على أنه فعل ماضٍ كما هنا.
ورواه بعضهم: "فعاثٍ يمينًا وعاثٍ شمالًا" على وزن ماضٍ اسم فاعل من عثا.
قوله: "مَا لُبْثُهُ فِينا؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ": فمدة إقامته إذا قدرناها يأيامنا سنة وشهران وخمسة عشر يومًا، والله أعلم.
قوله: "يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ، قُلنَا: يَا رَسُولَ الله، فَذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ، أتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: فَاقْدُرُوا لَهُ قَدْرَا": هذا الحديث كثير الفوائد، ويلغز من الحكم الذي فيه لغز؛ فيقال: يتصور أن يجب على المكلفين أجمعين في اليوم والليلة، وهو من طلوع الشمس إلى طلوعها ثانيًا من غير نذر خمس صلوات، وإن شئت قلت أكثر من ألف صلاة.