فَأَظْهَرَهُ الله عَلَيْهِمْ، فَأَمْرُهُمُ اليَوْمَ جَمِيعٌ؛ إِلهُهُمْ وَاحِدٌ وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، قَالَ: مَا فَعَلَتْ عَيْنُ زُغَرَ؟ قَالُوا: خَيْرًا يَسْقُونَ مِنْهَا زُرُوعَهُمْ، وَيَسْتَقُونَ مِنْهَا لِسَقْيِهِمْ، قَالَ: فَمَا فَعَلَ نَخْلٌ بَيْنَ عَمَّانَ وَبَيْسَانَ؟ قَالُوا: يُطْعِمُ ثَمَرَهُ كُلَّ عَامٍ، قَالَ: فَمَا فَعَلَتْ بُحَيْرَةُ الطَّبَرِيَّةِ؟ قَالُوا: تَدَفَّقُ جَنَبَاتُهَا مِنْ كَثْرَةِ المَاءِ.
قوله: "مَا فَعَلَتْ عَيْنُ زُغَرَ؟ ": "زُغَر" بضم الزاي وفتح الغين المعجمة ثم بالراء.
وهو موضع بالشام، أعني بلدة معروفة في الجانب القبلي من الشام.
قوله: "بَيْنَ عَمَّانَ وَبَيْسَانَ": أما "عمان" فبفتح العين وتشديد الميم، وهي قرية من عمل دمشق، وحُكي فيها تخفيف الميم.
قال البكري: ويقال فيه أيضًا: عُمان بضم الميم والتخفيف كالتي من بلاد اليمن، لكن التي في بلاد اليمن بالضم والتخفيف ليس إلا.
وأما "بيسان" فبفتح الموحدة وإسكان المثناة تحت؛ بليدة معروفة بالشام، دخلتُها غير مرة.
وفي المطالع: بَيْسانُ بالشام وآخر بلاد الحجاز (١)، وفي ذلك نظر.
قوله: "مَا فَعَلَتْ بُحَيْرَةُ الطَّبَرِيَّةِ؟ ": هي بالشام في الغور، طولها عشرة أميال.
стр. 2347
قَالَ: فَزَفَرَ ثَلَاثَ زَفَرَاتٍ، ثُمَّ قَالَ: لَوِ انْفَلَتُّ مِنْ وَثَاقِي هَذَا لَمْ أَدَعْ أَرْضًا إِلا وَطِئْتُهَا بِرِجْلَيَّ هَاتَيْنِ، إِلا طَيْبَةَ لَيْسَ لِي عَلَيْهَا سَبِيلٌ"، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِلَى هَذَا انْتَهَى فَرَحِي، هَذِهِ طَيْبَةُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا فِيهَا طَرِيقٌ ضَيِّقٌ وَلا وَاسِعٌ، وَلا سَهْلٌ وَلا جَبَلٌ، إِلا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ شَاهِرٌ سَيْفَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ". [م: ٢٩٤٢].
٤٠٧٥ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ قالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، أَنَّهُ سَمِعَ النَّوَّاسَ بْنَ سَمْعَانَ الكِلَابِيَّ يَقُولُ: ذَكَرَ رَسُولُ الله ﷺ الدَّجَّالَ الغَدَاةَ
ولزمتها الهاء؛ لأنها تصغير بحرة لا تصغير بحر، لأنَّ تصغير البحر بحير.
وهي بحيرة عظيمة يخرج منها نهر بينها وبين الصخرة ثمانية عشر ميلًا، كذا قال (١)، وفيه نظر؛ بل بينهما تحويلات مراحل.
قوله: "تَدَفَّقُ": هو بفتح التاء في أوله وتشديد الفاء، وهو محذوف إحدى التائين؛ أي تَتَدفَّق.
قوله: "فَزَفَرَ ثَلَاثَ زَفَرَاتٍ": الزفير: اغتِراق النفس، والزفير أول صوت الحمار، والشهيق آخره، لأن الزفير إدخال النفس والشهيق إخراجه.
وزَفَر بالفتح، يَزْفِر بالكسر، والاسم الزفرة.
стр. 2348
فَخَفَضَ فِيهِ وَرَفَعَ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَلَمَّا رُحْنَا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ عَرَفَ ذَلِكَ فِينَا، فَقَالَ: "مَا شَأْنُكُمْ؟ " فَقُلنَا: يَا رَسُولَ الله، ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ الغَدَاةَ، فَخَفَضْتَ فِيهِ ورَفَعْتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، قَالَ: "غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ، إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَالله خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ عَيْنُهُ قَائِمَةٌ، كَأَنَّي أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ العُزَّى بْنِ قَطَنٍ، فَمَنْ رَآه مِنْكُمْ فَليَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الكَهْفِ،
٤٠٧٥ - قوله: "فَخَفَضَ فِيهِ وَرَفَعَ": أي عظم فتنته ورفع قدرها، ثم وهن أمره وقدره وهونه.
وقيل: إنه أراد أنه رفع صوته وخفضه في اقتصاص أمره.
قوله: "حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ": الطائفة من الشيء قطعة منه، فمعناه، والله أعلم، حتى ظننا أنه في ناحية النخل، أي قريبًا منا جدًا.
قوله: "قَطَط": أي شديد الجُعودة؛ يعني أنَّ شعره كشعور السودان.
قوله: "أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ العُزَّى بْنِ قَطَنٍ": هو عبد العزى بن قطن بن عمرو بن حبيب بن سعيد بن عائذ بن مالك بن جَذِيمة، وهو المصطلق، بن سعد، وهو كعب وعدي أولاد عمرو بن ربيعة.
وأمه هالة أخت خديجة، كذا قاله الدمياطي، نقلته عن خطه.
стр. 2349
إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ حَلَّةٍ بَيْنَ الشَامِ وَالعِرَاقِ، فَعَاثَ يَمِينًا وَعَاثَ شِمَالًا، يَا عِبَادَ الله اثْبُتُوا".
قوله: "إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ حلَّةٍ بَيْنَ الشَّامِ وَالعِرَاقِ": الحلة بفتح الحاء المهملة وتشديد اللام ثم تاء التأنيث، كذا في أصلنا.
وقد رواه بعضهم خارج هذا الكتاب: "خَلَّة" بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام وتنوين الهاء، والمشهور في هذه اللفظة: "من خَلّة"، ورويت من غير من الجارة، فتفتح التاء، أي سمت ذلك وقبالته.
ورواه بعضهم في مسلم: "حَلُّه" (١)، أي نزوله.
ومعنى "خلّة" بالخاء المعجمة وتشديد اللام؛ الطريق بين البلدين.
والخلّ أيضًا الطريق في الرمل، فيجوز أن يكون استعاره لغير الرمل، ولعل ذلك المكان رمل، وقد سقطت هذه اللفظة لبعض رواة مسلم، فبقي الكلام خارج بين الشام والعراق.
ولم أرَ من ضبطه كما في أصلنا من أنه بكسر الحاء، فليحرر ذلك.
ثم ذكره بعد ولم يتعرض للحاء، فاعلمه.
قوله: "فَعَاثَ يَمِينًا وَعَاثَ شِمَالًا": في أصلنا: "وعاث" الثانية مفتوحة الثاء المثلثة، ودل ذلك على أنه أراد بالأولى كذلك [الثانية] على أنهما فعل ماضٍ، ومعنى عاث أفسد.
стр. 2350
قُلنَا: يَا رَسُولَ الله، وَمَا لُبْثُهُ فِي الأَرْضِ؟ قَالَ: "أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ"، قُلنَا: يَا رَسُولَ الله، فَذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ، أتَّكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: "فَاقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ".
وقد رواه بعضهم في صحيح مسلم: "عاثَ" (١) في الموضعين على أنه فعل ماضٍ كما هنا.
ورواه بعضهم: "فعاثٍ يمينًا وعاثٍ شمالًا" على وزن ماضٍ اسم فاعل من عثا.
قوله: "مَا لُبْثُهُ فِينا؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ": فمدة إقامته إذا قدرناها يأيامنا سنة وشهران وخمسة عشر يومًا، والله أعلم.
قوله: "يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ، قُلنَا: يَا رَسُولَ الله، فَذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ، أتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: فَاقْدُرُوا لَهُ قَدْرَا": هذا الحديث كثير الفوائد، ويلغز من الحكم الذي فيه لغز؛ فيقال: يتصور أن يجب على المكلفين أجمعين في اليوم والليلة، وهو من طلوع الشمس إلى طلوعها ثانيًا من غير نذر خمس صلوات، وإن شئت قلت أكثر من ألف صلاة.
стр. 2351
قَالَ: قُلنَا: فَمَا إِسْرَاعُهُ فِي الأَرْضِ؟ قَالَ: "كَالغَيْثِ اشْتَدَّ بِهِ الرِّيحُ".
وصورته في هذا الحكم المذكور في خروج الدجال، والحديث في صحيح مسلم.
وهذا الذي نصَّ عليه في الحديث لا يخفى مجيئه أيضًا في سائر الأحكام المتعلقة بالأيام؛ كإقامة الأعياد، وصوم رمضان، ومواقيت الحج، ويوم عرفة، وأيام منى، ومدة الآجال كالسلم والإجارة والإيلاء والعنة والعدة، وغيرها، فتفطن لذلك.
وامتحن بجميعها فقل مثلًا: امرأة مات عنها زوجها وليست بحامل، ومع ذلك فإنها تعتد من طلوع الشمس إلى زوالها، وكذا في مدة الإيلاء والعنة ونحوه.
فالقياس أن يوتر ويصلي التراويح نهارًا، وأن يُسر في المغرب والعشاء والصبح؛ لأنه لا يزيد على القضاء.
وحينئذٍ فامتحن بذلك كله فقل: مغرب تفعل في النهار إذًا، وهكذا في الوتر والتراويح، وتقول أيضًا: نغرب يصليها الإمام والمنفرد أداء لا قضاء، ومع ذلك يُسر بها.
ويقع الامتحان أيضًا بهذا كله فيقال: ظهر وقعت ليلًا وهي أداء لا قضاء.
стр. 2352
قَالَ: "فَيَأْتِي القَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ فَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطِرَ فَتُمْطِرَ، وَيَأْمُرُ الأَرْضَ أَنْ تُنْبِتَ فَتُنْبِتَ، وَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرًى وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ، ثُمَّ يَأْتِي القَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ مَا بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ، ثُمَّ يَمُرَّ بِالخَرِبَةِ،
وهكذا في الفرائض والضحى وسنة الفجر، وتقول: ظهر أو عصر أو عشاء وقعت أداء ومع ذلك يجهر بها، ويفطر في نهار رمضان، والشمس طالعة.
واعلم أن الأيام مختلفة في الطول والقصر باعتبار الفصول، فينظر الفصل الذي وقع عقبه ثم توزع الأوقات على نسبة الأيام الواقعة بعد ذلك الفصل، والله أعلم.
كله من كلام بعض شيوخ شيوخي الذين أدركتهم بالسن.
قوله: "سَارِحَتُهُمْ": أي ماشيتهم.
قوله: "أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرًى": أي أسنمة، جمع ذروة بكسر الذال المعجمة وضمها، تقدّمت.
قوله: " وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا": أي أتمها وأعظمها؛ لكثرة لبنها، وهو بالسين المهملة ثم موحدة ثم غين معجمة.
وقد وقع عند بعض رواة مسلم: "أشبعه" بالشين المعجمة والعين المهملة، وهو خطأ، والله أعلم.
стр. 2353
فَيَقُولُ لهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ فَيَنْطَلِقُ فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كيَعَاسِيبِ النَّحْلِ، ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا مُمْتَلِئًا شَبَابًا فَيَضْرُبهُ بِالسَّيْفِ ضَرْبَة، فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ (١) رَمْيَةَ الغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُوهُ فَيُقْبِلُ يَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يَضْحَكُ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فَيَنْزِلُ عِنْدَ مَنَارةِ البَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعًا كفَّيْهِ عَلَى
قوله: "كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ": هو جمع يَعْسُب؛ وهو ذكر النحل.
وقال بعضهم: المراد بالجماعة النحل لا ذكورها، كنى باليعسوب عن الجماعة؛ لأنه أميرها فمتى طار اتبعته جماعته.
قوله: "جَزْلَتَيْنِ": بفتح الجيم وكسرها؛ أي قطعتين.
قوله: "رَمْيَةَ الغَرَضِ": أي أنه يجعل بين الجزلتين مقدار رمية الغرض.
قال القاضي عياض: وعندي أنه أراد فيصيبه في قطعه إياه إصابة الرمية الغرض (٢)، ثم اختصر لفهم السامع.
قوله: "عِنْدَ المَنَارَةِ البَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ": المنارة بفتح الميم، وهذه المنارة موجودة اليوم في دمشق.
قوله: "بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ": هو بالدال المعجمة والمهملة، والمهملة أكثر، وهما مشهوران للأوائل والأواخر من أهل اللغة والغريب، وأكثر ما يقع في النسخ الإهمال، وكذا هو في أصلنا.
стр. 2354
أَجْنِحَةِ مَلكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ يَنْحَدِرُ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللّؤْلُؤِ، وَلا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرَفُهُ،
ومعناه أي ثوبين مصبوغين بورس ثم بالزعفران، كذا قالوا، وفي ذلك نظر؛ لأنه يحكم بشرع النبي ﷺ ولبس المزعفر حرام، وكذا المورَّس على الصحيح.
وقيل: هما شقتان، والشقة نصف الملاءة، وهذا ظاهر، والله أعلم.
قوله: "جُمَانٌ كَاللّؤْلُؤِ": الجمان بضم الجيم وتخفيف الميم وهو حبات من الفضة تصنع على هيئة اللؤلؤ الكبار، والمراد ينحدر منه الماء على هيئة اللؤلؤ في صفاته، فسمى الماء جمانًا لشبهه به في الصفاء والحسن.
قوله: "وَلا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلا مَاتَ": ومعنى لا يحل أي لا يمكن ولا يقع.
وقال القاضي عياض: معناه عندي حق واجب (١)، انتهى.
و"يحل" بفتح الياء وكسر الحاء المهملة، وقد راوه بعضهم بضم الحاء، وهو وهم وغلط.
قوله: "يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ"، وكذلك: "وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرَفُهُ": هما بفتح الفاء فيهما فاعلمه.
стр. 2355
فَيَنْطَلِقُ حَتَّى يُدْرِكَهُ عِنْدَ بَابِ لُدٍّ فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يَأْتِي نَبِيُّ الله عِيسَى ﵇ قَوْمًا قَدْ عَصَمَهُمُ اللهُ فَيَمْسَحُ وُجُوهَهُمْ، وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الجَنَّةِ، فَبَيْنَما هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: يَا عِيسَى إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي، لا يَدَانِ لأَحَدٍ بِقِتَالهِمْ، فَأَحْرِزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ، وَيَبْعَثُ اللهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ كَمَا قَالَ اللهُ : ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾ [الأنبياء: ٩٦]، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ الطَّبَرَّيةِ فَيَشْرُبونَ مَا فِيهَا، ثُمَّ يَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ
قوله: "حَتَّى يُدْرِكَهُ عِنْدَ بَابِ لُدٍّ": هو بضم اللام وتشديد الدال المهملة، مصروف، وهي بلدة قريبة من الرملة، وهما قريتان من بيت القدس.
قوله: "فَيَمْسَحُ وُجُوهَهُمْ": قال القاضي: هذا المسح حقيقة؛ فيمسح وجوههم تبركًا وبرًا، ويحتمل أنه كشف ما يكونون فيه من الشدة والخوف (١).
قوله: "لا يَدَانِ لأَحَدٍ بِقِتَالهِمْ": هو تثنية يد؛ أي لا قدرة ولا طاقة، وقد تقدّم مع زيادة، وتقدّم إعرابه قبل قليل.
قوله: "وَأَحْرِزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ": أي ضمهم، ووقع في هذه اللفظة في غير هذا الكتاب غير ما ذكرت؛ كـ"حزب" بالزاي والباء أي اجمعهم، و"حوز" بالواو والزاي؛ أي نحهم عن طريقهم إلى الطور.
قوله: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾: الحدب المرتفع من الأرض، وينسلون يمشون مسرعين.
стр. 2356
فِي هَذَا مَاءٌ مَرَّةً، وَيُحْصَرُ نَبِيُّ الله عِيسَى ﵇ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِئَةِ دِينَارٍ لأَحَدِكُمُ اليَوْمَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ الله عِيسَى ﵇ وَأَصْحَاُبهُ إِلَى الله ، فَيُرْسِلُ اللهُ عَلَيْهِمُ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَيَهْبِطُ نَبِيُّ الله عِيسَى وَأَصْحَابُهُ فَلا يَجِدُونَ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلا قَدْ مَلأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَتْنُهُمْ وَدِمَاؤُهُمْ، فَيَرْغَبُونَ إِلَى الله ، فَيُرْسِلُ عَلَيْهِمْ طَيْرًا كَأَعْنَاقِ البُخْتِ فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللهُ ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللهُ عَلَيْهِمْ مَطَرًا لا يُكِنّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ
قوله: "وَيُحْصَرُ نَبِيُّ الله عِيسَى وَأَصحَابُهُ": هو من الحصر، بالحاء والصاد المهملتين ثم الراء، وهو مبني لما لم يسمّ فاعله.
قوله: "فَيُرْسِلُ الله عَلَيْهِمُ النَّغَفَ": هو بنون وغين معجمة مفتوحتين ثم بالفاء، وهو دود يكون في أنوف الإبل والغنم، واحده نغفة قوله: "فَيُصْبِحُونَ فَرْسًا": هو بفتح الفاء وإسكان الراء ثم بالسين المهملة، منصوب منون، كذا في أصلنا، والذي أحفظه وضبطه غير واحد: "فرسى" بفتح الفاء مقصورًا؛ أي قتلى، واحدهم فريس.
قوله: "إِلا قَدْ مَلأهُ زَهَمُهُمْ وَنَتْنُهُمْ": أي دسمهم ورائحتهم الكريهة.
قوله: "لا يُكِنُّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ وَلا بيت وَبَرٍ": أي لا يمنع من نزول الماء (١)
стр. 2357
فَيَغْسِلُهُ حَتَّى يَتْرُكَهُ كالزَّلفَةِ (١)، ثُمَّ يُقَالُ لِلأَرْضِ: أَنْبِتِي ثَمَرَتَكِ وَرُدِّي بَرَكتَكِ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ العِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ فَتُشْبِعُهُمْ، وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا،
بيت المدر بفتح الميم والدال؛ وهو الطين الصلب.
قوله: "حَتَّى يَتْرُكَهُ كَالزَّلفةِ": هو بالزاي وبالفاء، كذا في هذا الكتاب.
وروي في صحيح مسلم: "كالزلقة" بفتح الزاي واللام والقاف.
وروي كما هنا، وروي بفتح الزاي واللام وبالفاء.
وفي المطالع: "كالزَّلَفَة" ويروى بالقاف.
وبالوجهين ضبطناه عن متقني شيوخنا، وبهما ذكره أهل اللغة.
وفسرها ابن عباس بالمرآة، وقاله ثعلب وأبو زيد.
وقال آخرون: هو بالفاء الإجانة الخضراء.
وقيل: الصحفة، وقيل: المصانع الممتلئة ماءً (٢).
وقد أسقطتُ قولًا آخر من كلامه.
قوله: "تَأْكُلُ العِصَابَةُ": هم الجماعة من الناس.
قوله: "وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا": هو بكسر القاف؛ وهو مقعر قشرها؛ شبهها بقحف الرأس، وهو الذي فوق الدماغ.
وقيل: هو ما انفلق من جُمجمته وانفصل.
стр. 2358
وَيُبَارِكُ اللهُ فِي الرِّسْلِ حَتَّى إِنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الإِبِلِ تَكْفِي الفِئَامَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ العَنْزِ (١) تَكْفِي القَبِيلَةَ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ الغَنَمِ تَكْفِي الفَخذَ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ
قوله: "وَيُبَارِكُ الله فِي الرِّسْلِ": هو بكسر الراء وإسكان السين المهملة؛ اللبن.
قوله: "حَتَّى إِنَّ اللِّقْحَةَ": هي بكسر اللام وفتحها، الأول أشهر؛ وهي القريبة العهد بالولادة.
قوله: "تَكْفِي الفِئَامَ": الفئام بكسر الفاء وبعدها همزة ممدودة، وهم الجماعة الكثيرة.
قال القاضي: ومنهم من يقوله بالياء، ولا يجيز الهمز (٢).
وقال أيضًا: وحكاه الخليل بفتح الفاء.
قال: وهي رواية القابسي، وذكره صاحب العين غير مهموز فأدخله في حرف الياء.
وذكر الخطابي أن بعضهم ذكره بفتح الفاء وتشديد الياء، وهو غلط فاحش.
قوله: "تَكْفِي الفَخذَ": الفَخْذ: الجماعة من الأقارب.
стр. 2359
إِذْ بَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا طَيَّبَةً فَتَأْخُذُ تَحْتَ آباطِهِمْ فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلَّ مُسْلِمٍ، وَيَبْقَى سَائِرُ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ، كَمَا تَتَهَارَجُ الحُمُرُ، فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ". [رَ: ٤٠٧٦، م:٢٩٣٧، د: ٤٣٢١، ت: ٢٢٤٠].
٤٠٧٦ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ الطَّائِيِّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّوَّاسَ بْنَ سَمْعَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "سَيُوقِدُ المُسْلِمُونَ مِنْ قِسِيِّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَنُشَّابِهِمْ وَأَتْرِسَتِهِمْ سَبْعَ سنِينَ". [رَ: ٤٠٧٥، م: ٢٩٣٧، د:٤٣٢١، ت: ٢٢٤٠].
قال بعضهم: إنه لا يقال إلا بإسكان الخاء، بخلاف الفخذ التي هي العضو.
قوله: "يَتَهَارَجُونَ، كَمَا تَتَهَارَجُ الحُمُرُ": أي يجامع الرجال النساء بحضرة الناس كما تفعل الحمير، ولا يكترثون لذلك.
و"الهرْج" بإسكان الراء الجماع، يقال: هرج زوجته أي جامعها، يهرِجُها ويهرُجُها ويهرَجُها بتثليث الراء، كذا رأيته في كلام غير واحدٍ، منهم صاحب المطالع (١).
٤٠٧٩ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "تُفْتَحُ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ فَيَخْرُجُونَ كَمَا قَالَ اللهُ : ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾ [الأنبياء: ٩٦]، فَيَعُمُّونَ الأَرْضَ، وَيَنْحَازُ مِنْهُمُ المُسْلِمُونَ، حَتَّى يَصِيرَ بَقِيَّةُ المُسْلِمِينَ فِي مَدَائِنِهِمْ وَحُصُونِهِمْ، وَيَضُمُّونَ إِلَيْهِمْ مَوَاشِيَهُمْ، حَتَّى أَنَّهُمْ لَيَمُرُّونَ بِالنَّهَرِ فَيَشْرَبُونَهُ حَتَّى مَا يَذَرُونَ فِيهِ شَيْئًا، فَيَمُرُّ آخِرُهُمْ عَلَى أَثرِهِمْ، فَيَقُولُ قَائِلُهُمْ: لَقَدْ كَانَ بِهَذَا المَكَانِ مَرَّةً مَاءٌ، وَيَظْهَرُونَ عَلَى الأَرْضِ فَيَقُولُ قَائِلُهُمْ: هَؤُلَاءِ أَهْلُ الأَرْضِ قَدْ فَرَغْنَا مِنْهُمْ، وَلَنُنَازِلَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَهُزُّ حَرْبَتهُ إِلَى السَّمَاءِ فَتَرْجعُ مُخَضَّبَةً بِالدَّمِ، فَيَقُولُونَ (١):
وقيل: يقتل من كان يؤديها لنبذهم العهد وخروجهم مع الدجال.
وهنا سؤال على القول الأول: وهو أنه كيف لا يقبل الجزية وهو ﵇ إنما يحكم بشرع نبينا محمد ﷺ ، ومن شرعنا أخذ الجزية؟
والجواب: إن حكم أخذ الجزية من أهل الكتاب وغيرهم ممن تؤخذ منه على خلاف العلماء في ذلك، مؤقت بنزول عيسى فإذا نزل انتهى ونسخ، فهو يحكم في ذلك الوقت بالناسخ الذي هو من شرعنا، والله أعلم.
٤٠٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا صِغَارَ الأَعْيُنِ، ذُلفَ الأُنُفِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ المُطْرَقَةُ، وَلا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالهُمُ الشَّعَرُ". [رَ: ٤٠٩٦، خ: ٢٩٢٨، م:٢٩١٢، د: ٤٣٠٣، ت: ٢٢١٥].
قال في المطالع: ويحتمل أن يريد كمال شعورهم ووفورها حتى يطؤوها بأقدامهم، أو يقارب ذلك منها الأرض (١).
٤٠٩٧ - قوله: "ذُلف الأُنُوفِ": هو بالذال المعجمة المضمومة وإسكان اللام ثم الفاء في آخره؛ قيل: معناه فطس الأنوف، وقيل: صغار الأنوف، وقيل: قصار الأنوف.
والذّلف: تأخر الأرنبة.
وقيل: هو غلظ في الأرنبة.
وقيل: تطامن فيها، وقيل غير ذلك.
وقد رواه بعضهم خارج هذا الكتاب بالدال المهملة، والدال في أصلنا ليس لها علامة إهمال فلا إعجام، والمعجمة أكثر في الرواية.
قوله: "المَجَانُّ المُطْرَقَةُ": تقدَّم قبل قليل فراجعه.