٤١٨٧ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ الهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ دِينَارٍ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عُمَارَةَ العَبْدِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ: "أَتَتْكُمْ وُفُودُ عَبْدِ القَيْسِ"، وَمَا نَرَى أَحَدًا، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ، إِذْ جَاؤُوا فَنَزَلُوا، فَأَتَوْا رَسُولَ الله ﷺ وَبَقِيَ الأَشَجُّ العَصَرِيُّ، فَجَاءَ بَعْدُ فَنَزَلَ مَنْزِلًا فَأَنَاخَ رَاحِلتَهُ، وَوَضَعَ ثِيَابَهُ جَانِبًا، ثُمَّ جَاءَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : "يَا أَشَجُّ، إِنَّ فِيكَ لخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الحِلمَ وَالتُّؤَدَةَ"، قَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَشَيْءٌ جُبِلتُ عَلَيْهِ، أَمْ شَيْءٌ حَدَثَ لِي؟ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "شَيْءٌ جُبِلتَ عَلَيْهِ". [م: ١٨].
الذال المعجمة وبالمد في آخره؛ الفحش في القول، تقول منه بذوت على القوم، وابتذيت أَبْذُ وَبذاءً.
و"الجفاء": غلظ الطبع.
١٨ - الحِلم
٤١٨٧ - قوله: "حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ الهَمْدَانِيُّ": هو بإسكان الميم وبالدال المهملة.
قوله: "وَبَقِيَ الأَشَجُّ العَصَرِيُّ": اسمه: المنذر بن عائذ.
وقيل: المنذر بن الحارث بن زياد، وقيل: المنذر بن عامر، وقيل: ابن عبيد.
وقيل: عبد الله بن عوف.
стр. 2422
٤١٨٨ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الهَرَوِيُّ، حَدَّثَنَا العَبَّاسُ بْنُ الفَضْلِ الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبو جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلأَشَجِّ العَصَرِيِّ: "إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُما اللهُ: الحِلمَ، وَالحَيَاءَ". [ت: ٢٠١١].
ولُقِّب بالأشج؛ لأثر كان في وجهه.
ونسبه .... فقال: المنذر بن عائذ بن المنذر بن الحارث بن النعمان بن زياد بن عَصَري بن عوف بن بكر [بن عوف] بن أنْمَار بن عَمْرو بن ودِيعة بن لُكَيز بن أفْصى بالفاء وصاد مهملة، ابن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار العبدي العصري، والعصر بالعين والصاد المهملتين المفتوحتين ثم الراء.
وقد رأيت بعضهم سمَّى بعض وفد عبد القيس وهم أربعة عشر راكبًا، وقيل: أربعون، فقال: (١) الأشج العصري رئيسهم، وقد سميته أنا، (٢) ومزيدة بن مالك المحاربي، (٣) وعبيد بن همام المحاربي، (٤) وصُحار بن العباس المري، (٥) وعمرو بن المرجوم بالجيم العصري، (٦) والحارث بن شعيب العصري، (٧) والحارث بن جندب من بني عايش.
وقد ذكرتُ أنا الأربعة عشر، وزدت فيهم غير واحد في أوائل تعليقي على صحيح البخاري في كتاب الإيمان فانظره.
٤١٨٨ - قوله: "حَدَّثَنَا أَبو جَمْرَةَ": هو نصر بن عمران، بالجيم والراء.
стр. 2423
٤١٨٩ - حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا مِنْ جُرْعَةٍ أَعْظَمُ أَجْرًا عِنْدَ الله مِنْ جُرْعَةِ غَيْظٍ كَظَمَهَا عَبْدٌ ابْتِغَاءَ وَجْهِ الله ".
١٩ - الحُزْنُ وَالبُكَاءُ
٤١٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ مُوَرِّقٍ العِجْلِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لا تَسْمَعُونَ، إِنَّ السَّمَاءَ أَطَّتْ، وَحَقَّ لهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إلا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لله، وَالله لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الفُرُشَاتِ، وَلخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى الله، وَالله لَوَدِدْتُ أَنِّي كنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ". [ت: ٢٣١٢].
١٩ - الحُزْن وَالبُكَاء
٤١٩٠ - قوله: "إِنَّ السَّمَاءَ أَطَّتْ وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ": الأطيط: صوتُ الأقتاب، وأطيط الإبل: أصواتها وحنينها.
أي إن كثرة من فيها من الملائكة قد أثقلها حتى أطت، وهذا مثلٌ وإيذان بكثرةٍ، وإن لم يكن هناك أطيط، وإنما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة الله.
قوله: "وَالله لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ": هذا مدرج من كلام أبي ذر، وهذا ظاهر لمن تأمله.
٤٢٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ الله الحَمَّالُ وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ البُرْسَانِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ زِيَادِ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ أَبِي سَعْدِ بْنِ أَبِي فَضَالَةَ الأَنْصَارِيِّ، وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا جَمَعَ اللهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ ليَوْمِ القِيَامَةِ لِيَوْمٍ لَا ريبَ فِيهِ، نَادَى مُنَادٍ: مَنْ كَانَ أَشرَكَ فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ لله فَليَطْلُبْ ثَوَابَهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ الله، فَإِنَّ اللهَ أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ". [ت: ٣١٥٤].
٤٢٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمرُ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زيدٍ،
الشخص إذا أشرك في العبادة غيرها من أمر دنيوي أو رياء؛ فاختار الغزالي اعتبار الباعث على العمل، فإن كان القصدُ الدنيوي هو الأغلب لم يكن له فيه أجرٌ، وإن كان القصد الديني هو الأغلب كان له الأجر بقدره، وإن تساويا تساقطا.
واختار الشيخ عز الدين ابن عبد السلام أنه لا أجر فيه مطلقًا؛ سواء تساوى القصدان أو اختلفا، وهذا الذي يعضده هذا الحديث وغيره.
وقال المحاسبي: إذا كان الباعث الديني أقوى بطل عملُه.
قال بعض مشايخي: وخالف في ذلك الجمهور.
وقال ابن جرير الطبري: إذا كان ابتداء العمل لله لم يضره ما عرض بعده في نفسه من عجب، هذا قول عامة السلف.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والجواب: إن كان في سورة "لم يكن"، كذا جاء مسند أحمد من غير طريق (١).
وفي الروض للسهيلي أنه كان في سورة يونس (٢).
وأما إثبات كونه كان قرآنًا ففي مسند أحمد أحاديث منها: عن زيد بن أرقم قال: "لقد كنا نَقْرَأُ على عَهْدِ رسول الله ﷺ : لو كان لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ من ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ" الحديث (٣).
ومنها: عنِ عَائِشَةَ، أنه ﵇ كان إذا دخل الْبَيْتَ تَمَثَّلَ: "لو كان لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ من مَالٍ لابتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا، وَلَا يَمْلأُ فَمَهُ الا التُّرَابُ، وما جَعَلْنَا المَالَ إلا لإقام الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَيتُوبُ الله على من تَابَ" (٤).
ومنها: عن أَبِي وَاقِدٍ الليثي قال: "كنا نأتي النبي ﷺ إذا أُنْزِلَ عليه فَيُحَدِّثُنَا، فقال لنا ذَاتَ يَوْمٍ: إن اللهَ قال: إنا أَنْزَلْنَا المَالَ لإقام الصَّلَاةِ
стр. 2444
٤٢٣٦ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ قالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ المُحَارِبِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ". [ت: ٢٣٣١].
وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَلَوْ كان لِابْنِ آدَمَ وَادٍ لأحب أَنْ يَكُونَ إليه ثَانٍ، وَلَوْ كان له وَادِيَانِ لاحب أَنْ يَكُونَ إِلَيْهِمَا ثَالِثٌ، وَلَا يَمْلأُ جَوْفَ بن آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، ثُمَّ يَتُوبُ الله على من تَابَ" (١).
وأما تعييني السورة فروى أحمد أيضًا من غير طريق باختلاف بعض الشيء عن أبي بن كَعْبٍ قال: إن رسول الله ﷺ قال: إن الله أمرني أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ القرآن، قال: فَقَرَأَ عَلَيه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: ١]، قال: فَقَرَأَ فيها: "وَلَوْ أن بن آدَمَ سَأَلَ وَادِيًا من مَالٍ فَأُعْطِيَهُ لَسَأَل ثَانِيًا، وَلَوْ سَأَلَ ثانيًا فَأُعْطِيَهُ لَسَأَل ثَالِثًا، وَلَا يَمْلأُ جَوْفَ بن آدَمَ إلا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ الله على من تَابَ، وإن ذلك (٢) الدِّينَ الْقَيِّمَ عِنْدَ الله الحنِيفِيَّةُ غَيْرُ المُشْرِكَةِ وَلَا الْيَهُودِيَّةِ وَلَا النَّصْرَانِيَّةِ، وَمَن يَفْعَل خَيْرًا فَلَنْ يُكْفَرَهُ" (٣).
стр. 2445
٢٨ - المُدَاوَمَةُ عَلَى العَمَلِ
٤٢٣٧ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: وَالَّذِي ذَهَبَ بِنَفْسِهِ ﷺ مَا مَاتَ حَتَّى كَانَ أكْثَرُ صَلَاتِهِ وَهُوَ جَالِسٌ، وَكَانَ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَيْهِ العَمَلُ الصَّالِحُ الَّذِي يَدُومُ عَلَيْهِ العَبْدُ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا. [رَ: ١٢٢٥، س:١٦٥٣].
٤٢٣٨ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قُلتُ: فُلانَةُ، لَا تَنَامُ، يُذْكَرُ مِنْ صَلاحِهَا (١)، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَالله لا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا".
٢٨ - المُدَاوَمَة عَلَى العَمَلِ
٤٢٣٨ - قوله: "عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قُلتُ: فُلانَةُ، لَا تَنَامُ يُذْكَرُ مِنْ صَلاحِهَا" الحديث: هذه المرأة هي الحَوْلَاءَ بنت تُوَيْتِ بن حبيب بن أسد بن عبد العُزَّى، وقد صرَّح بها مسلم في صحيحه (٢).
قوله: "فَوَالله لا يَمَلُّ الله حَتَّى تَمَلُّوا": حتى هاهنا على بابها مِن الغاية،
стр. 2446
قَالَتْ: وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينَ إِلَيْهِ الَّذِي يَدُومُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ. [خ:٤٣، م:٧٤١، د:١٣٦٨، س:٧٦٢].
٤٢٣٩ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ حَنْظَلَةَ الكَاتِبِ التَّمِيمِيِّ الأُسَيِّدِيِّ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ فَذَكَرْنَا الجَنَّةَ وَالنَّارَ حَتَّى كَأنَّا رَأْيُ العَيْنِ، فَقُمْتُ إِلَى أَهلِي وَوَلَدِي فَضَحِكْتُ وَلَعِبْتُ، قَالَ: فَذَكَرْتُ الَّذِي كُنَّا فِيهِ، فَخَرَجْتُ فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ،
وإليه ذهب بعضهم؛ أي لا يمل لثوابهم مللًا مقابلة لمللهم.
وقيل: خرج الكلام مخرج قولهم: حتى يشيب الغُراب، على نفي القصة لا على وجودها؛ أي إن الله لا يمل ولا يليق به الملل إن مللتم أنتم، وهو من المقابلة بين الكلامين، أي لا يترك ثوابكم حتى تملوا وتتركوا بمللكم عبادته، فسمي تركه لثوابهم مللًا، والملل إنما هو من صفات المخلوقين؛ وهو ترك الشيء استثقالًا وكراهية بعد حرص عليه ومحبة فيه.
٤٢٣٩ - قوله: "عَنْ حَنْظَلَةَ الكَاتِبِ الأُسَيِّدِيِّ": هو بضم الهمزة وفتح السين وتشديد الياء مكسورة.
قوله: "كَانا رَأْيَ العَيْنِ": في أصلنا: "كانا" كان واسمها ورأي منصوب على أنه خبر كان، وهذا صحيح (١).
стр. 2447
فَقُلتُ: نَافَقْتُ، نَافَقْتُ، فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ: إِنَّا لَنَفْعَلُهُ، فَذَهَبَ حَنْظَلَةُ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : فَقَالَ: "يَا حَنْظَلَةُ لَوْ كُنْتُمْ كَمَا تَكُوُنونَ عِنْدِي لَصَافَحَتْكُمُ المَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ، أَوْ عَلَى طُرُقِكُمْ، يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً". [م: ٢٧٥٠، ت: ٢٤٥٢].
٤٢٤٠ - حَدَّثَنَا العَبَّاسُ بْنُ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أُكلَفُوا (١) مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ خَيْرَ العَمَلِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ".
والذي أحفظه: "كأَنَّا رأيُ عين" كأن التي هي من أخوات إن، والضمير اسمها، ورأي مرفوع الخبر، كذا أعربه بعض الحفاظ، وهو ........ رأي عين، انتهى.
وهذه الرواية هي التي تكلم الناسُ عليها، أما التي في الأصل فلم أرها إلا فيه، لكنها صحيحة المعنى، والله أعلم.
٤٢٤٠ - قوله: "اكْلَفُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ": اكلفوا بضم الهمزة وفتح اللام، كذا في أصلنا، ولا أعرفه، والمعروف أنه ثلاثي، يقال: كلِفتُ بالشيء؛ أُولعت به، ثلاثي مفتوح اللام في المضارع مكسورها في الماضي.
стр. 2448
٤٢٤١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الله الأَشْعَرِيُّ، عَنْ عِيسَى بْنِ جَارِيَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ: مَرَّ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى رَجُلٍ يُصَلِّي عَلَى صَخْرَةٍ، فَأَتَى نَاحِيَةَ مَكَّةَ فَمَكَثَ مَلِيًّا، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَوَجَدَ الرَّجُلَ يُصَلِّي عَلَى حَالِهِ، فَقَامَ فَجَمَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "يَا أَيُّا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالقَصْدِ، عَلَيْكُمْ بِالقَصْدِ" ثَلاثًا، "فَإِنَّ اللهَ لا (١) يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا".
٢٩ - ذِكْرُ الذُّنُوبِ
٤٢٤٢ - حَدَّئَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبِي، عَنِ الأَعْمَشِ،
ووقع عند بعض رواة الصحيح بهمزة القطع ولام مكسورة، ولا يصح عند أهل العربية، وما في الأصل غير معروف قطعًا لا رواية ولا لغة.
٤٢٤١ - قوله: "عَنْ عِيسَى بْنِ جَارِيَةَ": هو بالجيم وبمثناة تحت بعد الراء، وكذا هو في الأصل، مختلف فيه، قال ابن معين: عنده مناكير.
قوله: "فَمَكَث مَليًّا": أي زمانًا طويلًا.
قوله: "عَلَيْكُمْ بِالقَصْدِ": القصد: الوسط بين الطرفين، لا إفراط ولا تفريط.
٢٩ - ذِكْر الذُّنُوبِ
٤٢٤٢ - قوله: "حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبِي، عَنِ الأَعْمَشِ": أَبي بفتح الهمزة وفي
стр. 2449
عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ الله قَالَ: قُلنَا: يَا رَسُولَ الله، أَنُؤَاخَذُ بِمَا كُنَّا نَفْعَلُ (١) فِي الجاهِلِيَّةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ أَحْسَنَ فِي الإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا كَانَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ أُخِذَ بِالأوَّلِ وَالآخِرِ". [خ: ٦٩٢١، م: ١٢٠].
٤٢٤٣ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ بَانَكَ قَالَ: سَمِعْتُ عَامِرَ بْنَ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي عَوْفُ بْنُ الحَارِثِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ : " (٢) إِيَّاكِ وَمُحَقَّرَاتِ الأَعْمَالِ، فَإِنَّ لهَا مِنَ الله طَالِبًا".
آخره ياء المتكلم، وقائلُ ذلك هو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيْر، وأبوه معروف، وقد تقدّم مثلُه قبل ذلك.
قوله: "مَنْ أَحْسَنَ فِي الإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا كَانَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ أُخِذَ بِالأَوَّلِ وَالآخِرِ": المراد بالإحسان هنا الإسلام بالظاهر والباطن، والمراد بالإساءة أن يُسلم بظاهره دون باطنه.
٤٢٤٣ - قوله: "حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ بَانَكَ": "بانك" بالموحدة في أوله ونون مفتوحة بعد الألف ثم كاف في آخره، غير مصروف للعجمة والعلمية، وصاحب الترجمة سعيد ثقةٌ مشهور.
стр. 2450
٤٢٤٤ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَالوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنِ القَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةً سَوْدَاءَ فِي قَلبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلبُهُ، فَإِنْ زَادَ زَادَتْ، فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهٌ فِي كِتَابِهِ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] ". [ت: ٣٣٣٤].
٤٢٤٤ - قوله:: "كَانَتْ نُكْتَةً": نكتة منصوب كذا في أصلنا، وهو منصوب على أنه خبر، والاسم محذوف تقديره كانت معصيتُه أو خطيئته نكتةً أو نحوهما.
ويجوز من حيث العربية رفع نكتة على أنه الاسم، والخبر الجار والمجرور وهو "في قلبه".
"وسَوْدَاء" تابع لنكتة؛ إن نصبًا فنصب، وإن رفعًا فرفع.
قوله: "صُقِلَ": أي جُلِي، ويقال: سقل أيضًا من حيث اللغة والمعنى، وهو في أصلنا بالصاد.
قوله: "فَذَلِكَ الرَّانُ": أصل الران التغطية والطبع، يقال: رينٌ ورانٌ، والله أعلم.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأول: أن يقلع عن الذنب الذي هو عليه …
الثاني: أن يندم على ما وقع منه، وسواء ندم [بعد] الإقلاع أو قبله.
الثالث: أن يعزم أن لا [يعود].
الرابع: أن ....... على من ..... فيرد العين المغصوبة على مالكها.
حتى لو تلفت عنده وكان مفلسًا وجب عليه الكسب والتوفية؛ لصحة توبته، كما قال ابن الرفعة نقلًا عن أبي الفضل العراقي.
فلا تصح توبة المكاس حتى يرد أموال الناس، وكذلك لا تقبل توبة سائر الظلمة والسارق حتى يرد أموال الناس إليهم.
فأما المكاس وغيره ممن غصب أموالًا ثم تابَ وعَسُر عليه ردّها إلى أصحابها أو إلى ورثتهم، لجهله بهم أو لانقراضهم وغير ذلك، فقالت طائفة: لا توبة له إلا بأداء هذه المظالم إلى أربابها، فإذا كانذلك قد تعذر عليه تعذرت عليه التوبة، والقصاص أمامه يوم القيامة بالحسنات والسيئات ليس إلا، وهذا مقتضى كلام من اطلعت على كلامه من أصحاب الشافعي، حاشا … في منهاجه فله فيه كلام يخالف ما قاله مَن وقفت على كلامه، وهو حَسَن فإنهم شرطوا في التوبة التبرئ من حق صاحب الظلامة.
стр. 2453
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال القرطبي في شرح مختصر مسلم المسمى بالمفهم عند قوله: "لو تابها صاحب مكس قُبلت منه"، قال: فإن تاب المكاس مِن ذلك وردَّ المظالم إلى أهلها صحت توبتُه وقُبلت، لكن بعيد أن يتخلص من ذلك لكثرة الحقوق وانتشارها في الناس، وعدم تعين المظلومين، انتهى.
ثم اختلف القائلون بأنها لا تصح توبته حتى يردها، في حكم ما بيده من الأموال؛ فقالت طائفة: يوقف أمرها ولا يتصرف فيها ألبتة.
وقالت طائفة: يدفعها إلى الإمام أو نائبه؛ لأنه وكيل أربابها، فيحفظها لهم، ويكون حكمها حكم الأموال الضائعة.
وقالت طائفة أخرى: بل باب التوبة مفتوح لهذا، ولم يُغلق عنه، ولا عن مذنب باب التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها، وتوبته أن يتصدق بتلك الأموال عن أربابها، فإذا كان يوم استيفاء الحقوق كان لهم الخيار بين أن يجيزوا ما فعل وتكون أجورها لهم، وبين أن لا يجيزوا ويأخذوا من حسناته بقدر أموالهم فتكون ثواب تلك الصدقة له، إذ لا يبطل الله سبحانه ثوابها، ولا يجمع لأربابها بين العوض والمعوض، فيغرمه إياها ويجعل أجرها لهم وقد غرم من حسناته مثلها.
стр. 2454
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال الإمام العلامة شمس الدين ابن القيم في إغاثة اللهفان: وهذا مذهب جماعة من الصحابة، كما هو مروي عن ابن مسعود ومعاوية وحجاج بن الشاعر (١).
الشرط الخامس: أن يكون الإقلاع والعزم على ترك العود خوفًا من الله، فإن كان ذلك لأجل الخوف على سقوط منزلته من أعين الناس، أو خوفًا على عزله من ولاية، ونحوها، لم تصح التوبة كما ذكره .... في التذكرة.
السادس: أن يكون إقلاعه مع القدرة على العود، فإن عجز عن العودة كالزاني إذا جُبَّ ذكرُه فتابَ لأجل فقدِ ذكره وذهاب جماعه، لم تتحقق بذلك صحة توبته؛ لأن من ترك الزنا وشرب الخمر لعدم شهوتِه لم يثب على تركه، كما نقله ابن التلمساني في شرح معالم أصول الفقه عن الغزالي.
السابع: شرط جماعة من الصوفية، وقاله الزمخشري؛ أن يفارق موضع المعصية، قال بعضهم: والثياب التي عصى فيها.
وهذا الشرط لحظه الشيخ أبو إسحاق في التنبيه حيث قال في كتاب الحج: ويستحب أن يفترقا من المكان الذي جامعها فيه (٢).
стр. 2455
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال الرافعي: وإنما استحب ذلك؛ لأن معهد الوصال مشوق (١).
الثامن: أن لا تطلع الشمس من مغربها؛ لقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨].
قال بعض أصحابي ومن قرأت عليه: وفي الآية دليل على أن التكليف يرتفع بعد طلوع الشمس، وأن المسلمين لا يكلفون بعده، وأن من عمل صالحًا بعد ذلك لا يحسب له، كما لو عمل سيئًا لا يكتب عليه.
قال: ويدل عليه ما رواه أحمد في مسنده عن معاوية وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو، أن النبي ﷺ قال: "إن الْهِجْرَةَ خَصْلتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا: أن تَهْجُرَ السَّيِّئَاتِ، وَالأُخْرَى: أنْ تُهَاجِرَ إلى الله وَرَسُولِهِ، وَلَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ ما تُقُبِّلَتِ التُّوْبَةُ، وَلَا تَزَالُ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً حتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنَ المُغْرِبِ، فإذا طَلَعَتْ طُبعَ على كل قَلْبٍ بِمَا فيه، وَكُفِيَ الناس الْعَمَلَ" (٢).
التاسع: أن لا تبلغ الروح الحلقوم فإن انتهت إلى هذه الحالة لم تقبل التوبة.