١١ - بَاب مَا جَاءَ فِي كَفَنِ النَّبِيِّ ﷺ -
١٤٦٩ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ يمانِيَةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ، وَلا عِمَامَةٌ، فَقِيلَ لِعَائِشَةَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهُ قَدْ كَانَ كُفِّنَ فِي حِبَرَةٍ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَدْ جَاؤُوا بِبُرْدِ حِبَرَةٍ فَلَمْ يُكَفِّنُوهُ. [خ: ١٢٦٤، م: ٩٤١، د: ٣١٥١، ت:٩٩٦، س:١٨٩٧].
وبئر جمل، وحديثها في الصحيحين: أقبل ﵇ من نحو بئر جمل، الحديث وصله البخاري (١)، وعلَّقه مسلم (٢).
فتحصل أن الآبار في المدينة سبعة، والله أعلم (٣).
١١ - بَاب مَا جَاءَ فِي كَفَنِ النَّبِيِّ ﷺ
١٤٦٩ - قوله: "أَنَّهُ كَانَ كُفِّنَ فِي حِبَرَة": الحِبرة بكسر الحاء المهملة وفتح الموحدة ثم راء ثم تاء التأنيث، وهي عَصْبُ اليمن.
وقال الداودي: الحِبَرةُ ثوب أخضر (٤).
стр. 772
١٤٧٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ العَسْقَلَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ قالَ: هَذَا مَا سَمِعْتُ مِنْ أَبِي مُعَيْدٍ حَفْصِ بْنِ غَيْلَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُفِّنَ رَسُولُ الله ﷺ فِي ثَلَاثِ رِيَاطٍ بِيضٍ سُحُولِيَّةٍ.
١٤٧٠ - قوله: "هَذَا مَا سَمِعْتُ مِنْ أَبِي مُعَيْدٍ": هو بضم الميم وفتح العين المهملة ثم مثناة تحت ساكنة ثم دال مهملة، واسمه حَفْص بن غَيْلَان، وكذا سُمي في الأصل، لا يُحتج به، وقد رمي بالقدر؛ رماه أبو داود، ووثقه ابن معين.
ومثله عبد الله بن مُعَيْد حراني، عن النضر بن عربي في مسند أبي عوانة، شيخ.
قوله: "رِيَاط": هو جمع رَيْطة، وهي كل مُلاءة ليست بلفقين.
وقيل: كل ثوب رقيق لين.
ويجمع أيضًا على رِيَط.
قوله: "سُحُولِيَّة": يروى بفتح السين وضمها، فالفتح منسوب إلى سحول؛ وهو القصار، لأنه يسحلها أي يغسلها، أو إلى سحول وهي قرية باليمن.
وأما الضم فهو جمع سَحْل وهو الثوب الأبيض النقي، ولا يكون إلا من قطن، وفيه شذوذ؛ لأنه نُسب إلى الجمع، والجمع إذا لم يسم له لا ينسب إليه، ووقع في كلام بعض الفقهاء "آفاقي"، ومن قولهم أيضًا "فرائض"، وهو شاذ.
وقيل: إن اسم القرية بالضم أيضًا.
стр. 773
١٤٧١ - حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيادٍ، عَنْ الحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُفِّنَ رَسُولُ الله ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ: قَمِيصِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ، وَحُلَّةٍ نَجْرَانِيَّةٍ. [د:٣١٥٣].
١٢ - بَاب مَا جَاءَ فِيمَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الكَفَنِ
١٤٧٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ رَجَاءٍ المَكِّيُّ، عَنْ عَبْدِ الله ابْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "خَيْرُ ثِيَابِكُمُ البَيَاضُ، كَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ، وَالبَسُوهَا". [د:٤٠٦١، ت:٩٩٤].
١٤٧١ - قوله: "وَحُلَّة نَجْرَانِيَّة": الحلة ثوبان غير لفقين؛ إزار ورداء.
وسُميا بذلك لأن كل واحد منهما يَحُل على الآخر.
قال الخليل: ولا يقال حلة لثوب واحد.
وقال أبو عبيد: الحلل برود اليمن.
وقال بعضهم: لا يقال حلة حتى تكون جديدة؛ يحلها من طيها.
وفي الحديث: "أنه ﵇ رأى رجلًا عليه حلة اتزر بأحدهما، وارتدى بالآخر"، فهذا يدل على أنهما ثوبان (١).
قال ابن الأثير: ولا تُسمى حلة إلا أن تكون ثوبين من جنس واحد (٢).
عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ يَمْشُونَ أَمَامَ الجِنَازَةِ. [ت: ١٠١٠].
١٤٨٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الله التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مَاجِدَةَ الحَنَفِيِّ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الجِنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ وَلَيْسَتْ بِتَابِعَةٍ، لَيْسَ مَعَهَا مَنْ تَقَدَّمَهَا". [د:٣١٨٤، ت:١٠١١].
١٧ - بَاب مَا جَاءَ فِي النَّهْيِ عَنِ التَّسَلُّبِ مَعَ الجِنَازَةِ
قوله: "أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الأَيْليُّ": نسبة إلى أيلة بفتح الهمزة ثم مثناة تحت ساكنة، بلدة معروفة في طرف الشام على جانب البحر.
١٤٨٤ - قوله: "عَنْ أَبِي مَاجِدَةَ الحنَفِيِّ": أبو ماجدة، اسمه عائذ بن نضلة، ويقال فيه أبو ماجد، لا يُعرف.
قال النسائي: منكر الحديث.
وقال البخاري: ضعيف.
وقال الدارقطني: مجهول متروك.
١٧ - بَاب مَا جَاءَ فِي النَّهْيِ عَنِ التَّسَلُّبِ مَعَ الجِنَازَةِ
قوله: "عن التسلب": هو لبس ثياب الحداد، وهي السِّلاب، والجمع سُلب، وتسلبت المرأة إذا لبسته.
стр. 778
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: هو ثوب أسود تُغطي المحدة رأسها.
هذا الذي أعرفه، ولكن الحديث الذي أخرجه ما يساعد التبويب، فلينظر.
والذي ظهر لي فيه أن تسلب تَفَعَّل إذا ألقى السلب عن نفسه، كما يقال تحرجَ وتحنث وتحوَّب، إذا ألقى ذلك عن نفسه.
وهذه الأفعال التي ذكرت مع تأثَّم، ومنهم من ألحق بها تهجد إذا خرج من الهجُود، وهو النوم بالصلاة، وتنجس إذا فعل فعلًا يخرج به من النجاسة، جاءت مخالفة لسائر الأفعال؛ لأن غيرها من الأفعال إنما تكون تفعّل بمعنى تكسّب، لا بمعنى ألقى.
ولم أرهم عدّوا تسلّب، ولا تنطبق الترجمة على الحديث إلا إذا قلنا بذلك، والله أعلم.
وها أنا أذكر الحديث لتفكر فيه، وهو: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي جِنَازَةٍ، فَرَأَى قَوْمًا قَدْ طَرَحُوا أَرْدِيَتَهُمْ يَمْشُونَ فِي قُمُصٍ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَبِفِعْلِ الجَاهِلِيَّةِ تَأْخُذُونَ؟ أَوْ بِصَنِيعِ الجَاهِلِيَّةِ تَشَبَّهُونَ؟ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَدْعُوَ عَلَيْكُمْ دَعْوَةً تَرْجِعُونَ فِي غيرِ صُوَرِكُمْ"، قَالَ: فَأَخَذُوا أَرْدِيَتَهُمْ، وَلم يَعُودُوا لِذَلِكَ.
أَوْصَى أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ حِينَ حَضرَهُ المَوْتُ، فَقَالَ: لَا تَتْبَعُونِي بِمِجْمَرٍ، قَالُوا لَهُ: أَوَسَمِعْتَ فِيهِ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ، مِنْ رَسُولِ الله ﷺ .
قاضي سجستان، تقدمت الإشارة إليه، وهو غير أبي حريز المذكور في ذاك الباب؛ ذاك لا يُعرف.
وعبد الله هذا روى له الأربعة وعلّق له البخاري.
قال أحمد: منكر الحديث.
وقال أحمد بن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة بصري.
وقال معاوية بن صالح، عن ابن معين: ضعيف.
وقال أبو زرعة: ثقة.
وقال النسائي: ضعيف.
وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد، انتهى.
وفيه كلام غير ذلك تركته اختصارًا.
قوله: "لَا تَتْبَعُونِي بِمِجْمَرٍ": المجمر بكسر الميم الأولى وإسكان لجيم وفتح الميم الثانية ثم راء، واحد المجامر، وكذلك المجمر.
والمراد هنا أن لا يبخر بين يدي الجنازة في مجمر إلى القبر، وهو مكروه إجماعًا، والمعنى في ذلك التفاؤل له.
فرع: يكره أيضًا أن يكون عند القبر مجمر حال الدفن أيضًا، والله أعلم.
٢٠ - بَاب مَا جَاءَ فِي الثَّناءِ عَلَى المَيِّتِ
١٤٩١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِجِنَازَةٍ فَأُثنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ: "وَجَبَتْ"، ثُمَّ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازةٍ فَأُثنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: "وَجَبَتْ"، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ الله، قُلتَ لِهَذِهِ وَجَبَتْ، وَلِهَذِه وَجَبَتْ، فَقَالَ: "شَهَادَةُ القَوْمِ، وَالمُؤْمِنُونَ شُهُودُ الله فِي الأَرْضِ". [خ:١٣٦٧، م:٩٤٩، ت:١٠٥٨، س:١٩٣٢].
٢٠ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الثَّناءِ عَلَى الجنازة
١٤٩١ - قوله: "مُرَّ عَلَى رسول الله ﷺ بِجِنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا"، وكذلك: "فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا": وكذا في الحديث الذي بعد هذا، كذا في أصلنا الجميع منصوب، وكذا وقع في الصحيحين.
وإعرابه واضح إذا قرئ: "فأَثنى" بفتح الهمزة.
وقال بعض مَن شرح البخاري: قوله: "خيرًا" صوابه "خيرٌ"، قال: وكذلك هو في بعض الروايات، و"شرٌ" مثله، وكأنه أراد إذا قرئ مبنيًا.
قال: وفي نصبه بعدٌ في اللسان.
ورأيت في كلام ابن مالك الطائي والنحوي إعراب النصب ولا يحضرني الآن، وهو أنه أعربه صفة لمصدر محذوف.
ويجوز أن تُعرِبَ "خيرًا" و"شرًا" منصوبًا بنزع الخافض؛ أي بخيرٍ وشرٍ، والله أعلم.
стр. 783
١٤٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قالَ: حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِجِنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا فِي مَنَاقِبِ الخَيْرِ، فَقَالَ: "وَجَبَتْ"، ثُمَّ مَرُّوا عَلَيْهِ بِأُخرَى فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا فِي مَنَاقِبِ الشَّرِّ، فَقَالَ: "وَجَبَتْ" إِنَّكُمْ شُهَدَاءُ الله فِي الأَرْضِ". [د:٣٢٣٣، س:١٩٣٣].
٢١ - بَاب مَا جَاءَ فِي أَيْنَ يَقُومُ الإِمَامُ إِذَا صَلَّى عَلَى الجِنَازَةِ
١٤٩٣ - حَدَّثَنَا عِليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: الحُسَيْنُ بْنُ ذَكْوَانَ أَخْبَرَنِي، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيِّ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ الفَزَارِيِّ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ صَلَّى عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا فَقَامَ وَسَطَهَا. [خ: ٣٣٢، م: ٩٦٤، د:٣١٩٥، ت:١٠٣٥، س:٣٩٣].
٢١ - بَاب أَيْنَ يَقُومُ الإِمَامُ إِذَا صَلَّى عَلَى الجِنَازَةِ
١٤٩٣ - قوله: "أنه ﵇ صَلَّى عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ" الحديث: المرأة هي أم كعب، والحجة لذلك في مسلم والنسائي (١) وغيرهما.
قوله: "فَقَامَ وَسَطَهَا": يقال فيما كان متفرق الأجزاء غير متصل كالناس والدواب وغير ذلك، بالسكون، فإذا كان متصل الأجزاء كالدار والرأس فهو بالفتح.
стр. 784
١٤٩٤ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عِليٍّ الجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ صَلَّى عَلَى جِنَازَةِ رَجُلٍ فَقَامَ حِيَالَ رَأْسِهِ، فَجِيءَ بِجِنَازَةٍ أُخْرَى، فَقَالُوا: يَا أَبَا حَمْزَةَ، صَلِّ عَلَيْهَا، فَقَامَ حِيَالَ وَسَطِ السَّرِيرِ، فَقَالَ العَلَاءُ بْنُ زَيادٍ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، هَكَذَا رَأَيْتَ رَسُولَ الله ﷺ قَامَ مِنَ الجِنَازَةِ مَقَامَكَ مِنَ الرَّجُلِ، وَقَامَ مِنَ المَرْأَةِ مَقَامَكَ مِنَ المَرْأَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: احْفَظُوا. [د: ٣١٩٤، ت: ١٠٣٤].
٢٢ - بَاب مَا جَاءَ فِي القِرَاءَةِ عَلَى الجِنَازَةِ
١٤٩٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحُبَابِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ، عَن الحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ عَلَى الجِنَازَةِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ. [ت: ١٠٢٦].
وقيل: كل ما يصلح فيه بين فهو بالسكون، وما لا يصلح فيه بين فهو بالفتح.
وقيل: كل منهما يقع موقع الآخر.
قال ابن الأثير: وكأنه الأشبه (١).
١٤٩٤ - قوله: "حِيَالَ رَأْسِهِ": هو بكسر الحاء المهملة، منصوب على الظرف، ومعناه مقابلة، وهو من ذوات الواو انقلبت ياء من أجل الكسر؛ لأنه من حَوْل الشيء جانبه.
يَقُولُ: "اللهمَّ إِنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ فِي ذِمَّتِكَ، وَحَبْلِ جِوَارِكَ، فَقِهِ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ، وَأنتَ أَهْلُ الوَفَاءِ وَالحَقِّ، فَاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، إِنَّكَ أنتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ". [د:٣٢٠٢].
٢٣ - بَاب مَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الجِنَازَةِ
١٤٩٩ - قوله: "إِنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ فِي ذِمَّتِكَ": أي في عهدك وأمانك.
والذِّمة: العهد، والأمان، والضمان، والحرمة، والحق.
قوله: "وَحَبْل جِوَارِكَ": الحبل بفتح الحاء المهملة وإسكان الموحدة ثم لام، كان من عادة العرب أن يخيفَ بعضهم بعضًا، وكان الرجل إذا أراد سفرًا أخذ عهدًا من سيد كل قبيلة، فيأمن به مادام في حدودها، حتى ينتهي إلى الأخرى فيأخذ مثل ذلك، فهذا الجوار؛ أي مادام مجاورًا أرضه.
أو مِن الإجارة والأمان والنُصرة.
وإنما ضبطتُ "حَبْل جوارك" لأني سمعت عن بعض العجم ممن يُنسب إلى علمٍ يصحفه "بحيل" بالمثناة تحت ساكنة، وهؤلاء عندهم كل مَا صحَّ في المعْنى، ولو على بُعْد كبير، يجوزونه في الأحاديث ويبحثون فيه.
وبعضُهم يصحف بشيء لا يكون له معنى متعلق بالحديث؛ مثل: "بادروا بها نقيها"، والنقي هو المخ، صحفت بـ"نقبها" بالموحدة، وعمل عليها حاشية.
стр. 787
١٥٠٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ قالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا فَرَجُ بْنُ الفَضَالَةِ، حَدَّثَنِي عِصْمَةُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ الله ﷺ صَلَّى عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "اللهمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، وَاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَاغْسِلهُ بِمَاءٍ وَثَلجٍ وَبَرَدٍ، وَنَقِّهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأبيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلهُ بِدَارِهِ خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَقِهِ فِتْنَةَ القَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ".
قَالَ عَوْف: فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي مُقَامِي ذَلِكَ أَتَمَنَّى أَنْ أَكُونَ مَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلِ [م:٩٦٣، ت:١٠٢٥، س:١٩٨٣].
١٥٠١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: مَا أَبَاحَ لَنَا رَسُولُ الله ﷺ ، وَلا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ، فِي شَيْءٍ، مَا أبَاحَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى المَيِّتِ، يَعْنِي لَمْ يُوَقِّتْ.
ومثل: "فاخْتَصِ على ذلك أو ذَرْ" (١)، وصحفت "فاختصر" بالراء، وأمثاله كثير فحذار.
وأما تصحيفهم في الأسماء فاللهُ يدفعُ البلاء.
مع زعم بعضِهم أنهم المحدثون، وأن المحدثين لا يفهمون شيئًا، وأنهم وقفوا على اللبِّ، ولو كان لهم لبٌّ ما قالوا ذلك، والله أعلم.
стр. 788
٢٤ - بَاب مَا جَاءَ فِي التَّكْبِير عَلَى الجِنَازَةِ أَرْبَعًا
١٥٠٢ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ قالَ: حَدَّثَنَا المُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ إِليَاسَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ، عَينْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ الحَكَمِ بْنِ الحارِثِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا.
١٥٠٣ - حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ المُحَارِبِيُّ، حَدَّثَنَا الهَجَرِيُّ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي أَوْفَى الأَسْلَمِيِّ، صَاحِبِ رَسُولِ الله ﷺ عَلَى جِنَازَةِ ابْنَةٍ لَهُ فَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا، فَمَكَثَ بَعْدَ الرَّابِعَةِ شَيْئًا، قَالَ: فَسَمِعْتُ القَوْمَ يُسَبِّحُونَ بِهِ مِنْ نَوَاحِي الصُّفُوفِ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: أَكُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنِّي مُكَبِّرٌ خَمْسًا؟ قَالُوا: تَخَوَّفْنَا ذَلِكَ، قَالَ: لَمْ أَكُنْ لأَفْعَلَ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولُ الله ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا، ثُمَّ يَمْكُثُ سَاعَةً، فَتقُولُ مَا شَاءَ الله أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ يُسَلِّمُ.
٢٤ - بَاب مَا جَاءَ فِي التَّكبِيرِ عَلَى الجِنَازَةِ أَرْبَعًا
١٥٠٣ - قوله: "حَدَّثَنَا الهَجَرِيُّ": الهجري هو إبراهيم بن مسلم العبدي الهجري الكوفي، روى عن عبد الله بن أبي أوفى، وأبي الأحوص عوف بن مالك، وعنه شعبة والسفيانان والمحاربي وغيرهم.
ضعَّفه ابنُ معين والنسائي، وقال أبو حاتم: ليس بقوي.
وقال ابن عدي: إنما أنكروا عليه روايته عن أبي الأحوص، عن عبد الله، وعامتها مستقيمة.
стр. 789
١٥٠٤ - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ وَمُحَمَّدُ بنُ الصَّبَّاحِ وَأبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ اليَمَانِ، عَنِ المِنْهَالِ بْنِ خَلِيفَةَ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَبَّرَ أَرْبَعًا.
٢٥ - بَاب مَا جَاءَ فِيمَنْ كَبَّرَ خَمْسًا
١٥٠٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ قالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِي وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: كَانَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا، وَأنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جِنَازَةٍ خَمسًا فَسَأَلتُهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُكَبِّرُهَا. [م:٩٥٧، د:٣١٩٧، ت: ١٠٢٣، س: ١٩٨٢].
١٥٠٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ الحِزَامِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عِليٍّ الرَّافِعِيُّ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَبَّرَ خَمْسًا.
٢٥ - بَاب مَا جَاءَ فِيمَنْ كبَّرَ خَمْسًا
١٥٠٦ - قوله: "حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَليٍّ الرَّافِعِيُّ": هو بالعين، نسبة إلى جده رافع مولى النبي ﷺ ، وهو إبراهيم بن علي بن حسن بن علي بن أبي رافع.
قال ابن معين: ليس به بأس.
وقال البخاري: فيه نظر.
وضعَّفه الدارقطني.
انفرد بالإخراج له ابنُ ماجه.
٢٧ - بَاب مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى ابْنِ رَسُولِ الله ﷺ وَذِكْرِ وَفَاتِهِ
١٥١٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ قَالَ: قلتُ لِعَبْدِ الله بْنِ أَبِي أَوْفَى: رَأَيْتَ إِبْرَاهِيمَ ابْنَ رَسُولِ الله ﷺ ؟ قَالَ: مَاتَ وَهُوَ صَغِيرٌ، وَلَوْ قُضِيَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيٌّ لَعَاشَ ابْنُهُ، وَلَكِنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ. [خ: ٦١٩٤].
١٥١١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ القُدُّوسِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ شَبِيبٍ البَاهِليُّ قالَ:
٢٧ - بَاب مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى ابْنِ رَسُولِ الله ﷺ وَذِكْرِ وَفَاتِهِ
١٥١٠ - قول عَبْد الله بْن أَبِي أَوْفَى: "لَوْ قُضِيَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ نَبِيٌّ لَعَاشَ ابْنُهُ": وكذا قال أنس في مسند أحمد (١).
وهذا الكلامُ استنكره ابنُ عبد البر وقال: لو كان صحيحًا ربما يشكل هذا؛ لأن النبي قد يلدُ مثله نبي، أو ما هذا معناه (٢).
فائدة: وفاة ابنه إبراهيم ﵇ كانت في السنة العاشرة من الهجرة.
стр. 792
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ قالَ: حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
١٥١١ - قوله: "حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ": هو تصغير عتبة، بمثناة فوق بعد العين ثم موحدة، هذا ظاهرٌ جدًا، لكني رأيت مَن يُصحفه فأحببتُ أن أضبطَهُ.
ومثله عتيبة عن بريد بن أصرم، ومحمد بن محمد بن عتيبة الدمشقي أدركه الحافظ عبد الغني.
وعُتَيبة بن غُصْن، والمغيرة بن عُتَيبة، وعُمر بن عُتيبة الضبي حدث عنه شيخ الإسلام الأنصاري.
وأبو عتيبة مُضَر بن غسّان، على ما قاله ابن ماكولا، وأما الذهبي وغيره فقالوا: أبو عيينة أعني بالمثناة تحت.
الحكم بن عتيبة بن نهاس كوفي غير الأول، ذكره ابن أبي حاتم وبيض له مجهول.
وقال ابن الجوزي: إنما قال أبو حاتم هو مجهول؛ لأنه ليس يروي الحديث وإنما كان قاضيًا بالكوفة.
وقد جَعلَ البخاريُ هذا والحكمَ بن عتيبة الإمام المشهور الذي قدّمته، واحدًا فعُدَّ مِن أوهامِه (١).
стр. 793
قَالَ: لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ الله ﷺ صَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ ، وَقَالَ:
قوله: "لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ الله ﷺ صَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ ": هذه اختلف فيها:
فقيل: صلى عليه كما يُرى هنا، وروى أبو داود في سننه بسنده عن عَائِشَةَ قالت: مَاتَ إِبْرَاهِيمُ بن النبي ﷺ ، وهو ابن ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، فلم يُصَلِّ عليه رسول الله ﷺ (١).
قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثني أبي، عن ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة، فذكره (٢).
وقال أحمد في رواية حنبل: هذا حديث منكر جدًا، وهو من ابن إسحاق.
قال الخلال: وقُرئ على عبد الله: حدثني أبي، أخبرنا أسود بن عامر، حدثنا إسرائيل قال: حدثنا جابر، عن عامر، عن البراء بن عازب قال: صلى رسول الله ﷺ على ابنه إبراهيم، وهو ابن ستة عشر شهرًا (٣).
стр. 794
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وذكر أبو داود عن البهي قال: لما مات إبراهيم بن النبي ﷺ صلى عليه رسول الله ﷺ في المَقَاعِد (١).
وهذا مرسل، والبهي اسمه عبد الله بن يسار.
وذكرَ عن عطاء بن أبي رباح أنَّه ﵇ صلى عليه وهو ابن سَبْعِينَ لَيْلَةً (٢).
وهذا مرسلٌ؛ وَهم فيه عطاء؛ فإنه كان قد تجاوز السنة.
واختلف الناس في هذه الآثار؛ فمنهم من أثبت الصلاة عليه، ومنع صحة حديث عائشة، كما قال الإمام أحمد وغيره، قالوا: وهذه المراسيل مع حديث البراء يشد بعضها بعضًا.
ومنهم من ضعف حديث البراء بجابر الجعفي، وهذه المراسيل، وقال: حديث ابن إسحاق أصح منها.
ثم اختلف هؤلاء في السبب الذي لأجله لم يصل عليه، فقالت طائفة: استغنى ببنوَّة رسول الله ﷺ عن الصلاة عليه، التي هي شفاعة له كما استغنى الشهيد بشهادته عن الصلاة عليه.
стр. 795
"إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الجَنَّةِ، وَلَوْ عَاشَ لكَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا، وَلَوْ عَاشَ لَعَتَقَتْ أَخْوَالُهُ القِبْطُ، وَمَا اسْتُرِقَّ قِبْطِيٌّ".
وقالت طائفة أخرى: إنه مات يوم كسفت الشمس فاشتغل بصلاة الكسوف عن الصلاة عليه.
وقالت طائفة: لا تعارض بين هذه الآثار؛ فإنه أمرنا بالصلاة عليه، فقيل: صُلي عليه ولم يباشر بنفسه لاشتغاله بصلاة الكسوف، وقيل: لم يصل عليه.
وقالت فرقة: رواية المثبت أولى؛ لأن معه زيادة علم، وإذا تعارض النفي والإثبات قُدِّمَ الإثباتُ (١)، والله أعلم.
وهذه المسألة ليست بلازمة لي، لكنها وقعت في وقت، وأنكر عليَّ مَن قال لم يصلَّ عليه، واستغرب عليَّ جدًا، فأسعفتُه بالنقل، فلهذا ذكرتُها، والله أعلم.
قوله ﵇: "وَلَوْ عَاشَ لَعَتَقَتْ أَخْوَالُهُ القِبْطُ، وَمَا اسْتُرِقَّ قِبْطِيٌّ قط": هذا والله أعلم، يحتمل أمرين: أحدهما: أنه لو عاش دخلوا تحت الجزية، وأهل الجزية لا يُسترقون، أو أنهم كانوا يسلمون، والمسلمون لا يُسترقون.
قلتُه تفقهًا فإن صحَّ فمِن الله، وإن كان خطأ فمني ومِن الشيطان، والله ورسولُه منه بريئان.
стр. 796
١٥١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عِمْرَانَ قالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ أَبِي الوَلِيدِ (١)، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهَا الحُسَيْنِ بْنِ عَليٍّ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ القَاسِمُ ابْنُ رَسُولِ الله ﷺ ، قَالَتْ خَدِيجَةُ: يَا رَسُولَ الله، دَرَّتْ لُبَيْنَةُ القَاسِمِ، فَلَوْ كَانَ الله أَبْقَاهُ حَتَّى يَسْتكمِلَ رَضَاعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ تَمَامَ رَضَاعِهِ فِي الجَنَّةِ"، قَالَتْ: لَوْ أَعْلَمُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ الله، لَهَوَّنَ عَلَيَّ أَمْرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ الله فَأَسْمَعَكِ صَوْتَهُ"، قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، بَل صَدَقَ الله وَرَسُولُهُ ﷺ .
١٥١٢ - قوله: "لمَّا تُوُفِّيَ القَاسِمُ ابْنُ رَسُولِ الله ﷺ ": اعلم أن أولاده ﵇ جماعةٌ؛ فأول مَن ولد له القاسم بمكة قبل النبوة، وبه كان يكنى، ثم ولدت زينب، ثم رقية، ثم فاطمة، ثم أم كلثوم، ثم ولد له بعد النبوة عبد الله فسمي الطيب الطاهر، وأمهم جميعًا خديجة.
فكان أول من مات من ولده القاسم، ثم عبد الله بمكة.
وقيل: بل الطيب والطاهر اثنان سواه.
وقيل: كان له الطاهر والمطهر وُلدا في بطن.
وقيل: كان له الطيب والمطيب وُلدا أيضًا في بطن.
وقيل: إنه كلهم ماتوا قبل النبوة.
стр. 797
٢٨ - بَاب مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الشُّهَدَاءِ وَدَفْنِهِمْ
وقال الزبير بن بكار، فيما رُئي بخط الدمياطي أبي محمد الحافظ: إنه ولد له القاسم، ثم زينب، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية، ثم عبد الله، وفيه نظر.
وحكى أبو عمر ابن عبد البر عن الزبير بن بكار غير ذلك.
ثم ولدت له مارية القبطية بنت شمعون إبراهيمَ في سنة ثمان من الهجرة، ومات في شهر ربيع الأول سنة عشر.
وقيل: إن عائشة أسقطت منه ولدًا اسمه عبد الله، ولا يصح، والله أعلم.
٢٨ - بَاب مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الشُّهَدَاءِ وَدَفْنِهِمْ
فائدة: اختلف العلماء في الصلاة على الشهداء؛ فقال مالك: الذي سمعته من أهل العلم والسُّنة أن الشهداء لا يغسلون ولا يُصلى على أحد منهم، ويدفنون بثيابهم التي قتلوا فيها، وهو قول عطاء، والنخعي، والحاكم، والليث، والشافعي، وأحمد، وأكثر الفقهاء، كما حُكي عنهم.
وقال أبو حنيفة والثوري والمزني والأوزاعي: يُصلى عليه ولا يغسل، وهو قول مكحول، ورواية عن أحمد.
وقال عكرمة: لا يُغسل؛ لأن الله قد طيبه، ولكن يصلى عليه.
وقال ابن المسيب والحسن البصري فيما حكاه ابن أبي شيبة: يُغسل ويصلى عليه؛ لأن كل ميت يُجنب (١).
стр. 798
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حجة الأولين: حديث جابر الذي هنا، وهو في صحيح البخاري من أفراده (١)، أنهم لم يغسلوا ولم يصل عليهم بفتح اللام، ويوم أحد قتل فيه سبعون نفسًا فلا يجوز أن تخفى الصلاة عليهم، ولأنه حي بنصِّ القرآن، ولأن القتل قد طهره، والله قد غفر له.
واحتج أبو حنيفة ومَن وافقه بحديث عقبة في الصحيح، وبما روي أنه صلى على حمزة سبعين صلاة (٢).
وأجيب: بأن المراد الدعاء، وكذا ما ورد في غيره من الأحاديث.
ثم المخالف يقول: لا يُصلى على القبر بعد ثلاثة أيام، فلابد من تأويل الحديث أنه صلى عليهم بعد ثمان سنين بالدعاء.
وصلاته على حمزة لا تصح، أو خاص به؛ لأنه كبر عليه سبعًا، والمخالف لا يقول بأكثر من أربع.
وفي الترمذي والحاكم من طريق أسامة بن زيد، عن الزهري، عن أنس، لما كان يوم أحد مر رسول الله ﷺ بحمزة بن عبد المطلب، وفيه: ولم يصل على أحد من الشهداء غيره.
стр. 799
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال الترمذي: حسن غريب (١).
وقال الحاكم: ولم يصل عليهم، ثم قال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه (٢).
وأما قول سعيد بن المسيب والحسن فمخالف للآثار، ولا وجه له.
قال ابن حزم: قولهم: صلى على حَمْزَةَ يوم سَبْعِين صلَاةً، أو كبّر سبعين تكبيرة، بَاطِلٌ بلا شك (٣).
وقال إمام الحرمين في أساليبه: ما ذكر من صلاته ﵇ على قتلى أحد فخطأ لم [يصححه] (٤) الأئمة؛ لأنهم رووا أنه كان يؤتى بعشرة عشرة، وحمزة أحدهم، فصلى على حمزة سبعين صلاة، وهذا غلط ظاهر، فإن شهداء أحد سبعون، وإنما يخص حمزة سبعون صلاة لو كانوا سبعمائة، وقد أوضح ذلك الشافعي نفسُه (٥)، والله أعلم.
يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرةِ حَتَّى تَميلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ لِلغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ. [م:٨٣١، د:٣١٩٢، ت: ١٠٣٠، س:٥٦٠].
١٥٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ اليَمَانِ، عَنْ مِنْهَالِ بْنِ خَلِيفَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَدْخَلَ رَجُلًا قَبْرَهُ لَيْلًا، وَأَسْرَجَ فِي قَبْرِهِ. [ت:١٠٥٧].
١٥٢١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الله الأَوْدِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ المَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا تَدْفِنُوا مَوْتَاكُمْ بِاللَّيْلِ إِلا أَنْ تُضْطَرُّوا". [م: ٩٤٣، د:٣١٤٨، س: ١٨٩٥].
قوله: "حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً": البزوغ الطلوع.
قوله: "وَحِينَ تَضَيَّفُ لِلغُرُوبِ": أي تميل، يقال: ضاف عنه يضيف.
١٥٢١ - قوله: "إِلا أَنْ تُضْطَرُّوا": هو بضم أوله، مبني لما لم يسم فاعله، هكذا سُمع.
واعلم أن الدفن بالليل جائز من غير كراهة، وهو مذهب العلماء كافة، إلا الحسن البصري فإنه كرهه، وكذا قتادة وسعيد بن المسيب والدارمي من الشافعية.
للمجيز أن الخلفاء ما عدا عليًا، وعائشة وفاطمة، دفنوا ليلًا.
стр. 803
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد فعله ﵇ أيضًا فيما رواه أبو داود وصححه الحاكم من حديث جابر (١).
ولم ينكر على مَن دفن ليلًا، نعم الدفن نهارًا أفضل؛ لأنه أيسر للاجتماع، وخروجًا مِن خلاف مَن كرهه.
وأما حديث الباب فهو في مسلم بنحوه.
وللطحاوي من حديث ابن عمر أنه ﵇ نهى عن الدفن ليلًا.
قال الطحاوي: يجوز أن يكون النهي عن ذلك ليس من طريق كراهية الدفن بالليل، لأنه ﵇ أراد أن يصلى على جميع موتى المسلمين بالمدينة، لما لهم في ذلك من الخير والفضل.
وقيل: إنما نهى عن ذلك لمعنى آخر، رواه أشعث، عن الحسن، أن قومًا كانوا يسيئون أكفان موتاهم، فنهي عن دفن الليل لذلك.
وروي عن جابر بن عبد الله نحو ذلك (٢).
وابن شاهين من حديث عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: "بادروا بموتاكم ملائكه النهار؛ فإنهم أردف من ملائكه الليل" (٣).
стр. 804
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال ابن المنذر: أجاز أكثر العلماء الدفن ليلًا، وهو قول أبي حنيفة وأحمد وإسحاق.
ودفن سيدنا رسول الله ﷺ ليلًا، وكذا عثمان، وعائشة، وفاطمة، وابن مسعود، وإبراهيم النخعي.
قال ابن شاهين: وهذا يدل على نسخ الأول (١).
ودفن الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر ليلًا، كما أخرجه أبو داود بإسناد جيد (٢).
ورخص في ذلك عقبة بن عامر وعطاء، وهو قول الزهري، والثوري، وابن أبي حازم، ومطرف بن عبد الله.
ولابن شاهين: سئل أنس عن الدفن ليلًا، فقال: ما الدفن بالليل إلا كالدفن بالنهار (٣).
ودفن شريح ابنه ليلًا (٤).
стр. 805
١٥٢٢ - حَدَّثَنَا العَبَّاسُ بْنُ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "صَلُّوا عَلَى مَوْتَاكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ".
٣١ - بَاب فِي الصَّلَاةِ عَلَى أَهْلِ القِبْلَةِ
١٥٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ الله بْنُ أُبَيٍّ جَاءَ ابْنُهُ
وعن ابن عمر مرفوعًا: "مَن مَات غدوة فلا يقيلن إلا في قبره، ومن مات عشية فلا يبيتن إلا في قبره" (١).
٣١ - بَاب فِي الصَّلَاةِ عَلَى أَهْلِ القِبْلَةِ
١٥٢٣ - قوله: "جَاءَ ابْنُهُ": يعني ابن عبد الله بن أبي بن سلول، واسمه عبد الله، وهو رجل صالح، استشهد يوم اليمامة، وهو بدري.
قال بعض مشايخي، فيما قرأته عليه، قال: أي لما مرض ابن أبي في شوال عشرين ليلة، وذلك في ذي القعدة سنة تسع (٢)، وكان ﵇ يعوده، والهمام على الصلاة عليه، بعد إعطاءه القميص والاستغفار، فيه كلام كثير ليس هذا موضعه، فإن هذا الكتاب كالحواشي على ابن ماجه.