وَعُضْنِي مِنْهَا، إِلا آجَرَهُ الله عَلَيْهَا، وَعَاضَهُ خَيْرًا مِنْهَا". قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ ذَكَرْتُ الَّذِي حَدَّثَنِي عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، فَقُلتُ: إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللهمَّ عِنْدَكَ احْتَسَبْتُ مُصِيبَتِي هَذِهِ فَأْجُرْنِي عَلَيْهَا، فَإَذَا أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: وَعُضْنِي خَيْرًا مِنْهَا، قُلتُ فِي نَفْسِي: أُعَاضُ خَيرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟ ثُمَّ قُلتُهَا، فَعَاضَنِي الله مُحَمَّدًا ﷺ ، وَآجَرَنِي فِي مُصِيبَتِي.
قوله: "وَعُضْنِي مِنْهَا": أي أعطني بدل ما ذهب مني، وهو بضم العين وإسكان الضاد المعجمة، يقال عاضني فلان وأعَاضني وعوضني وعَاوضني؛ إذا أعطاك العوض، والاسم المَعْوضة.
واعتاض وتعوَّض؛ إذا أخذ العِوض، واستعاض؛ إذا طلبَ العِوضَ.
قوله: "إِلا أجَرَهُ الله": هو بقصر الهمزة، ويجوز مدها، ومعنى أجره الله أعطاه أجره وجزاء صبره، وقد تقدَّم قبيله.
قوله: "فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ": هو زوج أم سلمة، واسمه عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، وهو أخو النبي ﷺ من الرضاعة، وهو ابن عمته برَّة بنت عبد المطلب، وهو قديم الإسلام، هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وشهد بدرًا وأحدًا، وجرح بها واندمل جُرحه ثم انتقض فمات منه، كذا ذكره ابن عبد البر (١).
قوله: "قُلتُ فِي نَفْسِي: أُعَاضُ خَيْر": كذا في أصلنا: "خير" بغير ألف،
١٦٣٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ المِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَيْمَنَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَيَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ؛ فَإِنَّهُ مَشْهُودٌ تَشْهَدُهُ المَلَائِكَةُ، وَإِنَّ أَحَدًا لَنْ يُصَلِّيَ عَلَيَّ إِلا عُرِضَتْ عَلَيَّ صَلَاتُهُ، حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا"، قَالَ: قُلتُ: وَبَعْدَ المَوْتِ؟ قَالَ: "إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ ﵈، فَنَبِيُّ الله حَيٌّ يُرْزَقُ".
١٦٣٧ - قوله: "حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ": هو بتشديد الواو، تقدَّم.
قوله: "عَنْ زَيْدِ بْنِ أَيْمَنَ": اعلم أنه روى عنه سعيد بن أبي هلال فقط، وقد ذكره ابن حبان في ثقاته على قاعدته في ذكره فيها مَن لا يعرفه.
قوله: "عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ": وروى عن عبادة بن الصامت ومعاذ وجماعة، وأكثر ذلك مراسيل.
قوله: "فَنَبِيُّ الله حَيٌّ يُرْزَقُ": هو مُدْرج في الحديث، ولا أدري مِن كلام مَن هو مِن رواة الحديث المذكور.
стр. 862
أَبْوَابُ مَا جَاءَ في الصِّيَامِ
١ - بَاب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الصَّائمِ
١٦٣٨ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالهِا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ، إِلَى مَا شَاءَ الله ، يَقُوُل اللهُ : إِلا الصَّوْمَ؛ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَّا أَجْزِي بِهِ، يَدَع شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجلي،
أبوَابُ ما جَاءَ في الصِّيَامِ
فائدة: نزلت فريضة صيام رمضان في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرًا من الهجرة، بعدما صرفت القبلة بشهر.
١٦٣٨ - قوله: "إِلا الصَّوْمَ؛ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَّا أَجْزِي بِهِ": قد أكثر الناس في تأويل هذا الحديث، وإنه لِمَ خصّ الصومَ والجزاء عليه بنفسه، وإن كانت العبادات كلها له وجزاؤها منه!
وذكروا فيه وجوهًا، مدارها كلها على أن الصوم سرٌّ بين الله والعبد، لا يطلع عليه سواه، ولا يكون العبد صائمًا حقيقة إلا وهو مخلص في الطاعة.
وهذا وإن كان كما قالوا، فإن غير الصوم من العبادات يشاركه في سر الطاعة، كالصلاة على غير طهارة، أو في ثوب نجس، ونحو ذلك من الأسرار المقترنة بالعبادات التي لا يعرفها إلا الله، وصاحبها.
قال ابن الأثير: وأحسن ما سمعتُ في تأويل هذا الحديث أن جميع
стр. 863
لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ الله مِنْ رِيحِ المِسْكِ". [خ:١٨٩٤، م: ١١٥١، ت:٧٦٤، س: ٢٢١٤].
العبادات التي يتقرب بها العباد إلى الله مِن صلاة وحج وصدقة واعتكاف وتبتل ودُعاء وقُربان وهدي، وغير ذلك من أنواع العبادات، قد عَبَدَ المشركون بها ما كانوا يتخذونه من دون الله أندادًا، ولم يسمع أن طائفة من طوائف المشركين وأرباب النحل في الأزمان المتقادمة عبدت آلهتها بالصوم، ولا تقربت إليها به، ولا عُرف الصوم في العبادات إلا من جهة الشرائع، فلذلك قال الله: "الصوم لي وأنا أجزي به" أي لم يشاركني فيه أحد، ولا عُبِدَ به غيري، فأنا حينئذ أجزي به، وأتولى الجزاء عليه بنفسي، ولا أكله إلى أحد من ملك مقرب أو غيره، على قدر اختصاصه بي (١)، انتهى.
قوله: "وَلخلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ": هو بضم الخاء المعجمة.
قال في المطالع: كذا قيدناه عن المتقنين، وهو ما يخلف بعد الطعام في الفم من ريح كريهة، فخلاء المَعِدَةِ من الطعام.
قال: وأكثر المحدثين يروونه بفتح الخاء، وهو خطأ عن أهل العربية، وبالوجهين ضبطناه عن القابسي (٢).
قوله: "أَطْيَبُ عِنْدَ الله مِنْ رِيحِ المِسْكِ": اعلم أن الشيخ أبا عمرو ابن الصلاح
стр. 864
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأبا محمد ابن عبد السلام تنازعا في هذا الخلوف؟ هل هذا الطيب في الدنيا والآخرة، أم في الآخرة خاصة؟
فقال ابن عبد السلام في الآخرة خاصة؛ لقوله: "عند الله يوم القيامة من ريح المسك".
وقال ابن الصلاح: هو عام في الدنيا والآخرة، واستدل بأشياء كثيرة، منها ما جاء في صحيح ابن حبان قال: باب في كون ذلك يوم القيامة، وباب في كونه في الدنيا، وروى في هذا الباب حديث: "خُلُوف فَمِ الصَّائِمِ حِينَ يَخْلُفُ أَطِيَبُ عِنْدَ الله" (١).
وروى الحسن بن سفيان في مسنده عن جابر، أنه ﵇ قال: "أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسًا" قال: "وأما الثانية فإنهم يمسون وخلوف أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك".
وروى هذا الحديث أبو بكر السمعاني في أماليه، وقال: حديث حسن، انتهى.
وهو صريح بأنه في وقت وجود الخلوف في الدنيا متحقق وصفه بكونه أطيب عند الله من ريح المسك.
стр. 865
١٦٣٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ المِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، أَنَّ مُطَرِّفًا مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي العَاصِ الثَّقَفِيَّ دَعَا لَهُ بِلَبَنٍ يَسْقِيهِ، فَقَالَ مُطَرِّفٌ: إِنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "الصِّيَامُ جُنة مِنَ النَّارِ، كَجُنَّةِ أَحَدِكُمْ مِنَ القِتَالِ". [س: ٢٢٣٠].
قال ابن الصلاح: وقد قال العلماء شرقًا وغربًا معنى ما ذكرته في تفسيره.
ثم نقل عن الخطابي، والبغوي في شرح السنة، والقدوري الحنفي في كتابه في الخلاف، وأبي عثمان الصابوني، والسمعاني، وأبي حفص بن الصفار الشافعيين في أماليهم، وابن العربي المالكي، وغيرهم.
قال: فهؤلاء أئمة المسلمين شرقًا وغربًا لم يذكروا سوى ما ذكرتُه، ولم يذكر أحدٌ منهم وجهًا بتخصيصه بالآخرة، مع أن كتبهم جامعة للوجوه المشهورة والغريبة.
وأجاب عن رواية "يوم القيامة" بأشياء حسنة (١)، والله أعلم.
١٦٣٩ - قوله: "الصِّيَامُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ": الجُنَّة بضم الجيم، الوقاية يعني يقي صاحبه ما يؤذيه من النار وغيرها.
стр. 866
١٦٤٠ - حَدَّئَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّئَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يُدْعَى يَوْمَ القِيَامَةِ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَمَنْ كَانَ مِنَ الصَّائِمِينَ دَخَلَهُ، وَمَنْ دَخَلَهُ لَمْ يَظْمَأْ أَبدًا". [خ:١٨٩٦، م: ١١٥٢، ت:٧٦٥، س:٢٢٣٦].
١٦٤٠ - قوله: "إِنَّ فِي الجنَّةِ بَابا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ": هو فعلان؛ من الري الذي هو نقيض العطش، سمي بذلك؛ لأنه جزاء الصائمين على عطشهم وجوعهم، واكتفى بذكر الري عن الشبع، لأنه يدل عليه من حيث أنه يستلزمه.
وأفرد لهم هذا الباب ليسرعوا إلى الري من عطش الصيام في الدنيا إكرامًا لهم وتخصيصًا، وليكون أخر لهم الجنة هنيئًا، غير متزحم عليهم أبوابها، فإن الزحام قد يؤدي إلى نوع من العطش.
وللجنة أبواب، وقد ورد تسميتها، ذكر الحكيم القرمذي في نوادره إن من أبواب الجنة باب محمد ﷺ ، وهو باب الرحمة، وهو باب التوبة، وهو منذ خلقه الله مفتوح لا يغلق، فإذا طلعت الشمس من مغربها أُغلق، فلم يُفتح إلى يوم القيامة.
وسائر الأبواب مقسومةٌ على أعمال البر، باب الزكاة، باب العمرة، الحج، الصلاة.
стр. 867
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعند القاضي عياض باب الكاظمين الغيط، باب الراضين، الباب الأيمن الذي يدخل منه مَن لا حساب عليه.
وفي كتاب الصوم لابن أبي عاصم بإسناد جيد عن أبي هريرة مرفوعًا: "لكل عمل باب من أبواب الجنة يدعون منه بذلك العمل" وذكره ابن أبي شيبة في مصنفه (١).
وفي كتاب الآجري عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن في الجنة بابًا، يقال له باب الضحى، فإذا كان يوم القيامة ينادي منادٍ: أين الذين كانوا يدومون على صلاة الضحى، هذا بابكم فادخلوا".
وفي الفردوس عن ابن عباس مرفوعًا: "للجنة باب يقال له الفرح، لا يدخل منه إلا مفرح الصبيان".
وفي كتاب التخبير للقشيري، عن رسول الله ﵇: "الخُلق الحسن طوق من رضوان الله في عنق صاحبه، والطوق مشدود إلى سلسلة من الرحمة، والسلسلة مشدودة إلى حلقة من باب الجنة، حيث ما ذهب الخلق الحسن جرته السلسلة إلى نفسها، حتى يدخله من ذلك الباب إلى الجنة".
стр. 868
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعند الترمذي أبي عيسى باب للذكر.
وفي كتاب الروضة عن أحمد بن حنبل، حدثنا روح، حدثنا أشعث، عن الحسن قال: إن لله بابًا في الجنة لا يدخله إلا مَن عفا عن مظلمة.
فقال لابن: يا بني ما خرجت من دار أبي إسحاق حتى أطلبه ومن معه، إلا رجلين ابن أبي دؤاد وعبد الرحمن بن إسحاق، فإنهما طلبا دمي، وأنا أهون على الله مِن أن يعذب فيَّ أحدًا، أشهدك أنهما في حلٍّ.
ومنها باب الحافظين فروجهم والحافظات، المستغنين بالحلال عن الحرام، غير المتبعين الشهوات، ذكره ابن بطال حيث قال: أبواب الجنة ثمانية.
وقد ذكر القرطبي في تذكرته لهذا بابًا مفيدًا فراجعه (١).
فإن قيل: قد عددت زيادة على ثمانية أبواب، وذكرت أنه بقي شيء آخر، والحديث الصحيح: "يدخل من أي أبواب الجنة الثمانية شاء" (٢).
فالجواب: لعل الثمانية أكبر الأبواب فلهذا ذكرها مجموعة في حديث واحد، أو أن الله أطلع رسوله على ثمانية أبواب، ثم أطلعه على الباقي، أو غير ذلك، والله أعلم.
١٦٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمُومَتِي مِنَ الأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ قَالُوا: أُغْمِيَ عَلَيْنَا هِلَالُ شَوَّالٍ فَأَصبَحْنَا صِيَامًا، فَجَاءَ رَكْبٌ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ فَشَهِدُوا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُمْ رَأَوُا الهِلَالَ بِالأَمْسِ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يُفْطِرُوا، وَأَنْ يَخْرُجُوا إِلَى عِيدِهِمْ مِنَ الغَدِ. [د:١١٥٧، س:١٥٥٧].
٦ - بَاب مَا جَاءَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى رُؤْيَةِ الهِلالِ
١٦٥٣ - قوله: "عَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ": هو أكبر ولد أنس بن مالك، يقال اسمه عبدُ الله، عن عمومة له في ثبوت العيد بعد الزوال، وصلاة العيد مِن الغد، لا يُعرف إلا بهذا، وبحديث آخر، تفرد عنه أبو بشر.
قال ابن القطان: لم تثبت عدالته (١).
وصحَّح حديثه ابنُ المنذر وابنُ حَزم وغيرهما، فذلك توثيق له، والله أعلم.
قوله: "أُغْمِيَ عَلَيْنَا هِلَالُ شَوَّالٍ": يقال أغمي علينا الهلال، وغُمّي فهو مُغْمي ومُغَمَّى؛ إذا حال دون رؤيته غيم أو قترة، كما يقال: غم علينا، وأصله الستر والتغطية، ومنه أُغمي على المريض إذا غشي عليه، كأنَّ المرض ستر عقله وغطاه.
стр. 874
٧ - بَاب مَا جَاءَ فِي صُومُوا لِرُؤْيَتهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتهِ
١٦٥٤ - حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ العُثْمَانِيُّ قالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ الله، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا رَأَيْتُمُ الهِلَالَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ".
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَصُومُ قَبْلَ الهِلَالِ بِيَوْمٍ (١). [خ: ١٩٠٠، م: ١٠٨٠، د: ٢٣٢٠، س: ٢١٢٠].
٧ - بَاب مَا جَاءَ فِي صُومُوا لِرُؤيتهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ
١٦٥٥ - قوله: "فَاقْدُرُوا لَهُ": بضم الدال وكسرها، ووصل الهمزة فيهما، أي قدروا له عدد الشهر حتى يكملوه ثلاثين يومًا، وقيل: قدروا له منازل القمر، فإنه يدلكم على أن الشهر تسع وعشرون أو ثلاثون.
قال أبو العباس أحمد بن عمر بن سُريج، بضم السين المهملة وفي آخره جيم؛ خطاب للعامة التي لم تُعْنَ به، يقال: قدَرت الأمر أقدُرُه وأقدِرْه؛ إذا نظرت فيه ودبّرته (٢).
قوله: "وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَصُومُ قَبْلَ الهِلَالِ بِيَوْمٍ": قال ابن عبد البر: وإلى قوله، يعني قول ابن عمر، ذهب طاوس اليماني وأحمد بن حنبل.
стр. 875
١٦٥٥ - حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ العُثْمَانِيُّ قالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسولُ الله ﷺ : "إِذَا رَأَيْتُمُ الهِلالَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلاثِينَ يَوْمًا". [خ: ١٩٠٩، م: ١٠٨١، ت:٦٨٤، س: ٢١١٧].
وروي مثل ذلك عن عائشة وأسماء ابنتي أبي بكر، ثم ذكر كلامًا آخر (١).
ثم قال: وممن روي عنه كراهة صوم يوم الشك: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وحذيفة، وابن عباس، وأبو هريرة، وأنس بن مالك (٢).
قال ابن القيم في الهدي، بعد أن قدَّم لذلك مقدمة حسنة ينبغي أن تنظر فإنها مفيدة، ولفظه: وكان ابن عمر إذا كان شعبان تسعًا وعشرين نظر؛ فإن رأى فذاك، وإن لم ير، ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرًا، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائمًا (٣).
قال ابن القيم: قلت: المنقول عن عمر، وعلي، وعمار، وحذيفة، وابن مسعود؛ المنع من صيام آخر يوم من شعبان تطوعًا، وهو الذي قال فيه عمار:
стр. 876
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم".
فأما صوم يوم الغيم احتياطًا، قلت: وكذا هو مثبتًا في أبي داود وغيره (١)، على أنه إن كان من رمضان فهو فريضة، وإلا فهو تطوع، فالمنقول عن الصحابة يقتضي جوازه، وهو الذي كان يفعله ابن عُمر وعائشة، هذا مع رواية عائشة أن النبي ﷺ كان إذا غمّ هلال شعبان عدَّ ثلاثين يومًا ثم صام.
وقد رُدَّ حديثها هذا بأنه لو كان صحيحًا لما خالفته، وجعل صيامها علةً في الحديث، وليس الأمر كذلك؛ فإنها لم توجب صيامه، وإنما صامتْه احتياطًا، وفهمت من فعل النبي ﷺ ، وأمره أن الصيام لا يجب حتى تكمل العدة، ولم تفهم هي ولا ابن عمر أنه لا يجوز.
وهذا أعدلُ الأقوال في المسألة، وبه تجتمعُ الأحاديث والآثار.
ثم شرع يستدل لذلك، ثم قال: فدلَّ على أن ابن عمر لم يفهم من الحديث وجوب إكمال الثلاثين، بل جوازه، وإنه إذا صام يوم الثلاثين فقد أخذ بأحد الجائزين احتياطًا (٢).
وذكر كلامًا آخر، فانظره فإنه مفيدٌ.