← Книги сунны

Книги сунны · id 541

القسم الثاني من المعجم الأوسط للطبراني

الطبراني

Полный текст (1 397 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

أنَّهنَّ الأصل في ذلك … ، وغَيْرُ الصالحة مِنْهُنَّ تَحْمِلُ الرَّجُلَ على تعاطي ما فيه نقص العقل والدين، كشغله عن طلب أمور الدين، وحمله على التهالك على طلب الدنيا، وذلك أشد الفساد. (١) وقال المُلا علي القاري: قوله ﷺ : "مَا تَرَكْتُ بَعْدِي" أي: ما أتركُ، وعَبَّرَ بالماضي لتَحَقُّقِ الموت، وقوله: "فِتْنَةً" أي: امتحانًا وبليَّةً، وقوله: «أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ»، لِأَنَّ الطِّبَاعَ كَثِيرًا تَمِيلُ إِلَيْهِنَّ، وَتَقَعُ في الحرام لأجْلِهِنَّ، وَتَسْعَى لِلْقِتَالِ والعَدَاوَةِ بِسَبَبِهِنَّ، وَأَقَلُّ ذلك أَنْ تُرَغِّبَهُ في الدُّنْيَا، وأيُّ فَسَادٍ أضر مِنْ هذا؟، وَحُبُّ الدُّنْيَا رأسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ، وإنَّما قال: "بَعْدِي"؛ لأنَّ كونهنَّ فِتْنَةً أَضَرُّ، ظهر بَعْدَهُ. (٢) * * *

стр. 1017

[١٦٥/ ٥٦٥]- وَعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ المَقْبُرِيِّ (١). عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا تَسْتَقِيمُ لَكَ الْمَرْأَةُ عَلَى خَلِيقَةٍ وَاحِدَةٍ، إِنَّمَا هِيَ كَالضِّلْعِ، إِنْ تُقِمْهَا (٢) تَكْسِرْهَا، وَإنْ تَتْرُكْهَا تَسْتَمْتِعْ بِهَا وَفِيهَا عِوَجٌ». أولاً: - تخريج الحديث: • أخرجه البخاري في "صحيحه" (٣٣٣١) ك/الأنبياء، ب/خلق آدم صلوات الله عليه وذريته، وبرقم (٥١٨٦) ك/النكاح، ب/الوصاة بالنِّسَاءِ، ومُسْلمٌ في "صحيحه" (١٤٦٨/ ٤) ك/الرضاع، ب/الوصية بالنِّساء، بسندهما مِنْ طريق مَيْسَرَةَ الأَشْجَعِيِّ، عن أبي حَازِمٍ سلمان الأَشْجَعِيِّ، عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁، قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَإِذَا شَهِدَ أَمْرًا فَلْيَتَكَلَّمْ بِخَيْرٍ أَوْ لِيَسْكُتْ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاهُ، إِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا». واللفظ لمُسْلمٍ. وأخرجه البخاري أيضاً في "صحيحه" (٥١٨٤) ك/النكاح، ب/المُدَارَاةِ مع النِّسَاءِ، ومُسْلمٌ في "صحيحه" (١٤٦٨/ ٣) ك/الرضاع، ب/الوصية بالنِّساء، مِنْ طريقين عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ، فَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ، وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا، كَسَرْتَهَا وَكَسْرُهَا طَلاقُهَا». واللفظ لمُسْلمٍ. وأخرجه مُسلمٌ في "صحيحه" (١٤٦٨/ ١ - ٢) ك/الرضاع، ب/الوصية بالنِّساء، مِنْ طريق يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ الْمَرْأَةَ كَالضِّلَعِ، إِذَا ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا، وَإِنْ تَرَكْتَهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَفِيهَا عِوَجٌ». ثانياً: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوهري: "ثِقَةٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (١٠١). ٢) القاسم بن المُسَاور، الجَوْهَريُّ: "مجهول الحال"، تقدَّم في الحديث رقم (١٢٦). ٣) عيسى بن مُسَاور الجوهري: "ثِقَةٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (١١٣). ٤) سُويد بن عبد العزيز بن نُمَير السُّلَّميُّ: "ضعيفٌ، يُعتبر به إذا تُوبع"، تقدَّم في الحديث رقم (٦٥).

стр. 1018

٥) المُغِيرة بن قيس، البَصْري: "ضَعيفٌ، يُعْتبر به"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٦٤). ٦) أَبُو سَعِيدٍ المَقْبُرِيُّ، كَيْسَانُ، المَدَنِيُّ، صاحب العَبَاء، والد سَعِيد بن أبي سَعِيد المَقْبُريّ. روى عن: أبي هُريرة، وأبي سعيد الخُدْري، وأُسامة بن زيدٍ، وآخرين. روى عنه: المُغيرة بن قَيْس، وابنه سعيد بن أبي سعيد، وحُمَيْدُ بن زِيَادٍ، وآخرون. حاله: قال العِجْلي: ثِقَةٌ. وقال أحمد، والنَّسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال الذهبي: مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ وَثِقَاتِهِم. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ ثَبْتٌ. وروى له الجماعة. (١) ٧) أبو هريرة ﵁: "صحابيٌّ، جليلٌ، مُكْثِرٌ، حافظ الصحابة"، تقدَّم في الحديث رقم (٨). ثالثاً: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ"؛ لأجل سُويد بن عبد العزيز، والمُغيرة بن قيس، كلاهما "ضَعيفان"، وللحديث مُتابعات في "الصحيحين"، وغيرهما مِنْ طُرُقٍ عِدَّة عن أبي هريرة ﵁، به، كما سبق في التخريج، فيرتقي الحديث بها إلى "الصحيح لغيره". وقال الهيثمي: رَوَاهُ الطَّبرانيُّ في "الأوسط"، وفيه: سُوَيْدُ بن عَبْدِ العزيز، وثَّقَهُ دُحَيْمٌ، وَهُشَيْمٌ، وضعَّفَهُ الجُمْهُورُ، وبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ. (٢) قلتُ: أمَّا دُحَيم، فقال: ثِقَةٌ، وكانت له أحاديث يَغلط فيها. (٣) بل وقال أبو حاتم: قيل لدُحَيْمٍ: سُويد مِمَّنْ إذا دُفع إليه مِنْ غير حديثه قرأه على ما في الكتاب؟ فقال: نعم. (٤) وقال الذهبي: وَثَّقه دُحيمٌ وحده. (٥) وأمَّا هُشَيْم؛ فقد أسند ابن عساكر عن علي بن حُجْرٍ، قال: سألتُ هُشَيْم بن بَشير عن سُويد بن عبد العزيز، فأثني عليه خيراً. وقال: نُعيم بن حَمَّاد: كان هُشيم يُحَسِّنُ أمر سُويد بن عبد العزيز. (٦) فمجموع كلاهما مع قول جمهور أهل العلم، يَدُل على أنَّ توثيق دُحَيم، وثناء هُشيم ليس مُطلقاً كما يُفْهم مِنْ كلام الهيثمي، بل محمول على العدالة لا على الضبط، ويُؤكد ذلك أنَّه ولي القضاء على بَعْلبك، كما هو مُثْبَتٌ في ترجمته. وأمَّا قوله: "وبَقيَّة رِجَالِهِ ثِقَاتٌ"، فَغَيْرُ مُسَلَّم له فيه، بل في الإسناد: القاسم بن مُساور الجوهري "مجهول الحال"، والمُغيرة بن قيس "ضَعيف"، كما سبق بيانه في ترجمة كل واحدٍ منهما، والله أعلم.

стр. 1019

رابعاً: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن المُغِيرَةِ إلا سُوَيْد بن عَبْدِ الْعَزِيزِ. قلتُ: ومِنْ خلال مَا سبق يَتَّضح صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁. خامساً: - التعليق على الحديث: قال النووي: قوله ﷺ «إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ، فَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ، وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا، كَسَرْتَهَا وَكَسْرُهَا طَلاقُهَا»: العوج: ضبطه بعضهم بفتح العين، وضبطه بعضهم بكسرها، ولعل الفتح أكثر، وضبطه الحافظ أبو القاسم ابن عساكر وآخرون بالكسر وهو الأرجح، والضلع: بكسر الضاد وفتح اللام، وفيه دليل لما يقوله الفقهاء أو بعضهم أنَّ حَوَّاء خُلقت من ضلع آدم، قال الله تعالى … ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ (١)، وبين النبي ﷺ أنَّها خلقت من ضلع، وفي هذا الحديث ملاطفة النساء، والإحسان إليهن، والصبر على عوج أخلاقهن، واحتمال ضعف عقولهن، وكراهة طلاقهن بلا سبب، وأنه لا يطمع باستقامتها، والله أعلم. (٢) وفي الحديث الندب إلى المداراة لاستمالة النفوس، وتألف القلوب، وفيه سياسة النساء بأخذ العفو عنهنَّ والصبر عليهنَّ، وأنَّ مَنْ رام تقويمهنَّ، فاته النفع بهنَّ، مع أنَّه لا غنى للإنسان عن امرأة يسكن إليها، ويستعين بها على معاشه، فكأنه قال: الاستمتاع بها لا يتم إلا بالصبر عليها. * * *

стр. 1020

[١٦٦/ ٥٦٦]- وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ الْغَدَاةَ، وَخَلْفَهُ نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتِ، فَإِذَا سَلَّمَ، خَرَجْنَ فِي مُرُوطِهِنَّ (١)، مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ (٢). أولاً: - تخريج الحديث: • أخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (١٥٦٢)، والحُميدي في "مسنده" (١٧٤) - ومِنْ طريقه ابن المنذر في "الأوسط" (١٠٦٤) -، وأبو بكر بن أبي شيبة في "المُصَنَّف" (٣٢٣٤)، وإسحاق بن راهويه في "مسنده" (٥٨٨ و ٥٨٩ و ٥٩٠ و ٥٩١)، وأحمد في "مسنده" (٢٤٠٥١ و ٢٤٠٩٦ و ٢٦١١٠)، والدَّارمي في "سننه" (١٢٥٢)، والبخاري في "صحيحه" (٣٧٢) ك/الصلاة، ب/في كم تُصَلِّي المرأةُ في الثِّيَابِ، وأيضاً برقم (٥٧٨) ك/مواقيت الصلاة، ب/وَقْت الفَجْرِ، ومُسْلمٌ في "صحيحه" (٦٤٥/ ١ - ٢) ك/المساجد ومواضع الصلاة، ب/استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها وهو التغليس، وابن ماجه في "سننه" (٦٦٩) ك/الصلاة، ب/وقت صلاة الفجر، والنَّسائي في "الكبرى" (١٢٨٧) ك/الصلاة، ب/الوقتُ الَّذي يَنْصَرِفُ فيه النِّسَاءُ مِنَ الصَّلَاةِ، وأيضاً برقم (١٥٣٩) ك/الصلاة، ب/التَّغْلِيسُ في الحَضَرِ، وفي "الصغرى" (٥٤٦ و ١٣٦٢)، وأبو يَعْلى في "مسنده" (٤٤١٥ و ٤٤١٦)، وابن خُزيمة في "صحيحه" (٣٥٠)، والسَّرَّاج في "مسنده" (٦١٦ - ٦٢٣ و ١١٦٢ - ١١٦٩)، وأبو عوانة في "المُستخرَج" (١٠٩١ - ١٠٩٤)، والطحاوي في "شرح الآثار" (١٠٤٧ و ١٠٤٨)، وأبو سعيد بن الأعرابي في "معجمه" (١٨٩٠)، وابن البَخْتري في "فوائده" (٥٢٢)، وابن حبَّان في "صحيحه" (١٤٩٩ و ١٥٠٠)، والطبراني في "الأوسط" (٨٧٧٣)، وفي "مسند الشاميين" (٧٧ و ٢٨٨١ و ٣٠٩٦)، والبيهقي في "الكبرى" (٢١٣٤ و ٢١٣٥ و ٣٢٦٨)، وفي "معرفة السنن والآثار" (٢٧٥٨). كلهم مِنْ طُرُقٍ عن الزُّهْري، عن عُروة، عن عائشة، بنحوه. • وأخرجه البخاري في "صحيحه" (٨٦٧) ك/الآذان، ب/خُرُوج النِّسَاءِ إلى المَسَاجِدِ باللَّيلِ والغَلَسِ، ومُسْلمٌ في "صحيحه" (٦٤٥/ ٣) ك/المساجد ومواضع الصلاة، ب/استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها وهو التغليس، بسندهما مِنْ طريق مَالِكٍ، عن يحيَى بن سَعِيدٍ، عن عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عن عَائِشَةَ، قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلَسِ. وأخرجه البخاري في "صحيحه" (٨٧٢) ك/الآذان، ب/سُرْعَة انْصِرَافِ النِّسَاءِ مِنَ الصُّبْحِ وَقِلَّةِ مَقَامِهِنَّ في المَسْجِدِ، بسنده مِنْ طريق عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن القَاسِمِ، عن أبيه القاسم بن محمد بن أبي بكرٍ، عن عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ بِغَلَسٍ، فَيَنْصَرِفْنَ نِسَاءُ المُؤْمِنِينَ لَا يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلَسِ - أَوْ لَا يَعْرِفُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا -.

стр. 1021

ثانياً: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوهري: "ثِقَةٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (١٠١). ٢) القاسم بن المُسَاور، الجَوْهَريُّ: "مجهول الحال"، تقدَّم في الحديث رقم (١٢٦). ٣) عيسى بن مُسَاور الجوهري: "ثِقَةٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (١١٣). ٤) سُويد بن عبد العزيز بن نُمَير السُّلَّميُّ: "ضعيفٌ، يُعتبر به إذا تُوبع"، تقدَّم في الحديث رقم (٦٥). ٥) المُغِيرة بن قيس، البَصْري: "ضَعيفٌ، يُعْتبر به"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٦٤). ٦) عُروة بن الزُّبير بن العَوَّام: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ فقيهٌ، مِنْ أعلم النَّاس بحديث عائشة"، تقدَّم في الحديث (١٤٥). ٧) عائشة بنت أبي بكر: "أم المؤمنين، وزوج النبي الكريم ﷺ "، تقدَّمت في الحديث رقم (٥). ثالثاً: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ"؛ لأجل سُويد بن عبد العزيز، والمُغيرة بن قيس، كلاهما "ضَعيفان"، وللحديث مُتابعات في "الصحيحين"، وغيرهما مِنْ طُرُقٍ عِدَّة عن الزُّهري، عن عُروة بن الزُّبير، عن عائشة ﵂، بنحوه، كما في التخريج، فيرتقي الحديث بها إلى "الصحيح لغيره". رابعاً: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن المُغِيرَةِ إلا سُوَيْد بن عَبْدِ الْعَزِيزِ. قلتُ: ومِنْ خلال مَا سبق يَتَّضح صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁. خامساً: - التعليق على الحديث: قال ابن رجب: هل الأفضل التغليس بصلاة الصبح في أول وقتها، أم الإسفار بها؟ وفيه قولان: أحدهما: أن التغليس بها أفضل؛ وروي التغليس بها عن أبي بكر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وغيرهم، وهو قول الليث، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وآخرون. وذهب آخرون إلى أن الإسفار بها أفضل؛ وروي ذلك عن عثمان، وعلي، وابن مسعود، وغيرهم. واستدل من رأى الإسفار: بما روى عَاصِم بن عُمَرَ بن قَتَادَةَ، عن محمود بن لَبِيدٍ، عن رَافِعِ بن خَدِيجٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «أَسْفِرُوا بِصَلاةِ الصُّبْحِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ للأَجْرِ». خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. (١) وقال الأثرم: ليس في أحاديث هذا الباب أثبت منه.

стр. 1022

وأجاب من يرى التغليس أفضل عن هذا بأجوبةٍ: منها: تضعيفه، وسلك ذلك بعض أصحابنا الفقهاء، وسلكه ابن عبد البر، … ، ومنها: تأويله، واختلف المتأولون له: فقال الشافعي وأحمد وإسحاق وغيره: المراد بالإسفار: أن يتبين الفجر ويتضح، فيكون نهياً عن الصلاة قبل الوقت، وقبل تيقن دخول الوقت. وذكر الشافعي: أنه يحتمل أن بعض الصحابة كان يصلي قبل الفجر الثاني، فأمر بالتأخير إلى تبين الفجر وتيقنه. ورد ذلك بعضهم بأن قوله: "فَإِنَّهُ أَعْظَمُ للأَجْرِ" يدل على أن في ترك هذا الإسفار أجراً، ولا أجر في الصلاة قبل وقتها إلا بمعنى أنها تصير نافلة. ومنهم من قال: أُمِرُوا أن لا يدخلوا في صلاة الفجر حتى يتيقنوا طلوع الفجر، وقيل لهم: هو أفضل من الصلاة بغلبة الظن بدخوله. وقال آخرون: بل الإسفار يكون باستدامته الصلاة، لا بالدخول فيها، فيدخل فيها بغلس، ويطيلها حتى يخرج منها وقد أسفر الوقت. وقد رَدَّ هذا القول على من قاله كثيرٌ من العلماء، منهم: الشافعي وابن عبد البر والبيهقي، وقال: أكثر الأحاديث تدل على أن النبي ﷺ كان يدخل فيها بغلس، ويخرج منها بغلس؛ لحديث عائشة وغيره، وكذلك أكثر أصحابنا، وإن كان منهم من كان يخرج منها بإسفار ويطيل القراءة. ومن الناس من ادعى أن في هذه الأحاديث ناسخاً ومنسوخاً، وهم فرقتان: فرقة ادَّعت أن الأحاديث في الإسفار منسوخة. وفرقةً ادعت أن أحاديث التغليس منسوخة، منهم: الطحاوي. وهذا في غاية البعد. وذهب الإمام أحمد إلى أنَّ الحديث في التغليس أقوى، وكأنَّه يشير إلى أنه مع تعارض الأحاديث يُعمل بالأقوى منها، وأحاديث التغليس أقوى إسناداً وأكثر. وكذلك الشافعي أشار إلى ترجيح أحاديث التغليس بهذا، وعضده: موافقاً ظاهر القرآن من الأمر بالمحافظة على الصلوات. (١) وقال ابن رجب أيضاً: وهذا الحديث يدل على سرعة خروجهن من المسجد عقيب انقضاء الصلاة مبادرة لما بقي من ظلام الغلس، حتى ينصرفن فيه، فيكون أستر لهن. وهذا المعنى لا يوجد في غير الصبح من سائر الصلوات؛ فلذلك خصه البخاري بالتبويب عليه، فقال: سُرْعَة انْصِرَافِ النِّسَاءِ مِنَ الصُّبْحِ وَقِلَّةِ مَقَامِهِنَّ في المَسْجِدِ. والله أعلم. (٢) * * *

стр. 1023

[١٦٧/ ٥٦٧]- وَعَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ. عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «أُعْطِيتُ قُوَّةَ أَرْبَعِينَ في البَطْشِ وَالنِّكَاحِ، وَمَا مِنْ مُؤْمِنٍ إلا أُعْطِيَ قُوَّةَ عَشَرَةٍ، وَجُعِلَتِ الشَّهْوَةُ عَلَى عَشَرَةِ أَجْزَاءٍ، وَجُعِلَتْ تِسْعَةُ أَجْزَاءٍ مِنْهَا في النِّسَاءِ، وَوَاحِدَةٌ في الرِّجَالِ، ولولا مَا أُلقِيَ عَلَيْهِنَّ مِنَ الحَيَاءِ مَعَ شَهَوَاتِهِنَّ، لَكَانَ لِكُلِّ رَجُلٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ مُغْتَلمَاتٍ (١)». أولاً: - تخريج الحديث: • لم أقف عليه - على حد بحثي - إلا برواية الباب -، وذكره الهيثمي بإسناد الطبراني ومتنه في "مجمع البحرين" (٢٣٠٠). • وقال السخاوي في "المقاصد الحسنة": حديث: "شَهْوَةُ النِّسَاءِ تُضَاعِفُ عَلَى شَهْوَةِ الرِّجَالِ"، والطبراني في "الأوسط" عن ابن عمرو مرفوعاً، بلفظ: "فُضِّلت المرأةُ على الرَّجُلِ، بِتِسْعَةٍ وتِسْعِين مِنْ اللَّذَةِ، وَلَكِنَّ اللَّه أَلْقَى عَلَيْهِنَّ الحَيَاءَ". (٢) ونقل الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (٣) كلام السخاوي بنصه، ولم يَزِد عليه. قلتُ: ولم أقف عليه في "الأوسط" باللفظ الذي ذكره السخاوي، فلعلَّه يقصد رواية الباب، وقد نقلها بمعناها، أو مِنْ حفظه، والله أعلم. ثانياً: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوهري: "ثِقَةٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (١٠١). ٢) القاسم بن المُسَاور، الجَوْهَريُّ: "مجهول الحال"، تقدَّم في الحديث رقم (١٢٦). ٣) عيسى بن مُسَاور الجوهري: "ثِقَةٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (١١٣). ٤) سُويد بن عبد العزيز بن نُمَير السُّلَّميُّ: "ضعيفٌ، يُعتبر به إذا تُوبع"، تقدَّم في الحديث رقم (٦٥). ٥) المُغِيرة بن قيس، البَصْري: "ضَعيفٌ، يُعْتبر به"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٦٤). ٦) عَمرو بن شُعَيب: "ثقةٌ في نفسه، وحديثه صحيحٌ إذا رَوَى عن الثقات غير أبيه، وحديثه عن أبيه عن جده مِن أعلى مراتب الحَسَن وأقل مراتب الصحيح"، تقدَّم في الحديث رقم (٢٦). ٧) شُعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص: "صدوقٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (٢٦). ٨) عبد الله بن عَمرو بن العاص: "صحابي جليلٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (٢٦).

стр. 1024

ثالثاً: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ"؛ لأجل سُويد بن عبد العزيز، والمُغيرة بن قيس، كلاهما "ضَعيفان"، وقد انفرد به سُويد بن عبد العزيز عن المُغيرة بن قيس، كما قال الطبراني. وقال الهيثمي: رَوَاهُ الطَّبرانيُّ في "الأوسط"، وفيه المُغِيرَةُ بن قَيْسٍ، وهو ضَعِيفٌ. (١) والحديث ذكره الشوكاني في "الفوائد المجموعة" - كما سبق - بمعناه، وعزاه إلى الطبراني. وقال الألباني: ضَعيفٌ جداً، وأعلَّه بسويد بن عبد العزيز، فقال: متروكٌ. (٢) شواهد للحديث: وللحديث بجزئه الأول بقوله: "أُعْطِيتُ قُوَّةَ أَرْبَعِينَ في البَطْشِ وَالنِّكَاحِ" عِدَّة شواهد، منها: - ما أخرجه البخاري في "صحيحه" (٢٦٨) ك/الغسل، ب/إذا جامع ثُمَّ عاد، ومن دَارَ على نِسَائِهِ في غُسْلٍ وَاحِدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمَّد بن بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا مُعَاذُ بن هِشَامٍ، قال: حدَّثني أبي، عن قتادة، قال: حدَّثنا أنس بن مالكٍ، قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الوَاحِدَةِ، مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ». قَالَ: قُلْتُ لأنَسٍ أَوَكَانَ يُطِيقُهُ؟ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ «أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ». قال الحافظ ابن حجر: ووقع في رواية الإسماعيلي مِنْ طريق أبي موسى محمد بن المُثنى العَنَزي، عن مُعاذ بن هشام "أَرْبَعِين"، بدل ثلاثين، وهي شاذةٌ مِنْ هذا الوجه، لكن في مراسيل طاووس مثل ذلك، وفي حديث عبد الله بن عَمرو مرفوعاً "أُعْطِيتُ قُوَّةَ أَرْبَعِينَ في البَطْشِ وَالنِّكَاحِ". (٣) - وأخرج الطبراني بإسنادٍ حسنٍ، عن مُجَاهِدٍ، قال: قال ابن عُمَرَ: «لَقَدْ أُعْطِيتُ مِنْهُ شَيْئًا مَا أَعْلَمُ أَحَدًا أُعْطِيَهُ إلا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَعْنِي الْجِمَاعَ -». (٤) وقال الهيثمي: رجاله ثِقَاتٌ. (٥) قلتُ: بل في إسناده يحيى بن عبَّاد الضُّبَعي، قال ابن حجر: صدوقٌ. (٦) - وأخرج الطبراني في "الأوسط" (٧٤٩٢)، وأبو الشيخ الأصبهاني في "أخلاق النبي ﷺ " (٧٣٢)، قالا: حدَّثنا محمَّد بن شُعَيْبٍ، نا عَبْدُ السَّلَامِ بن عاصم الرَّازِيُّ، نا مُعَاذُ بن هِشَامٍ، حدَّثني أبي، عن قتادة، عن الحَسَنِ، عن حِطَّان بن عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ، عن جابرِ بن عَبْدِ اللَّهِ، قال: أُعْطِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الكَفِيتُ. قيل للحَسَنِ: وَمَا

стр. 1025

الكَفِيتُ؟ قال: البِضَاعُ. ووقع عند أبي الشيخ، بلفظ: "الجماع"، بدل البِضَاع. وقال الطبراني: لم يَرْوِه عن قَتَادَةَ، عن الحَسَنِ إلا هِشَامٌ، ولا عن هِشَامٍ إلا ابْنُهُ، تَفَرَّدَ به: عَبْدُ السَّلَامِ بن عَاصِمٍ. وقال الهيثمي: رِجَاله رِجال الصحيح خلا عبد السلام بن عاصم الرَّازي، وهو: ثِقَةٌ. (١) قلتُ: بل سنده ضَعيفٌ؛ ففيه: محمد بن شُعيب أبو عبد الله التاجر "صاحب غرائب، لا يُحتج به". (٢) وفيه أيضاً عبد السلام بن عاصم الجُعْفي الرَّازي، قال عنه ابن حجر: "مقبولٌ". (٣) أي: إذا تُوبع، وإلا فليِّن الحديث. ولم أقف على مَنْ تابعه - على حد بحثي -، وبيَّن الطبراني أنَّه انفرد به. بينما قال صاحبا "تحرير التقريب": بل صدوقٌ حسن الحديث، فقد روى عنه جمعٌ مِنْ الثقات، وقال أبو حاتم: شيخٌ. (٤) قلتُ: وأمَّا عنعنة قتادة، فلا يُتوقف فيها في هذا الحديث؛ لأنَّه روى الحديث عن الحسن، وهو مِنْ شيوخه الذين أكثر عنهم في الرواية، فلا يُتوقف في عنعنته عنه، ولا تُرَدُّ إلا بقرينة. (٥) - وأخرج أبو بكر الدّينوري في "المجالسة وجواهر العلم" (١٦٢٣ و ٣٠٣٨)، والطبراني في "الأوسط" (٦٨١٦)، وفي "مسند الشاميين" (٢٦٠٧) - ومِنْ طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤/ ٢٢) -، وأبو بكر الإسماعيلي في "معجمه" (٢/ ٦٢١) - ومِنْ طريقه الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (٨/ ٦١٩)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٢٦٨) -، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤/ ٢٢)، كلهم مِنْ طريق سَعِيد بن بَشِيرٍ، عن قَتَادَةَ، عن أَنَسٍ، قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فُضِّلْتُ عَلَى النَّاسِ بِأَرْبَعٍ: بِالسَّخَاءِ، وَالشَّجَاعَةِ، وَكَثْرَةِ الْجِمَاعِ، وَشِدَّةِ الْبَطْشِ». وقال ابن الجوزي: وهذا حديثٌ لا يصح عن رسول الله ﷺ . وأورده الذهبي في "الميزان"، وقال: هذا خبرٌ مُنْكرٌ. (٦) وقال ابن حجر: الضَعفُ فيه مِنْ قبل سعيد بن بَشير. (٧) ورمز له السيوطي في "الجامع الصغير" بالضعف. (٨) وقال الألباني: باطلٌ، وأعلَّه بسعيدٍ بن بشير. (٩) قلتُ: ومَدَاره على سعيد بن بشير، وقد ضَعَّفه الجمهور عُموماً، وفي روايته عن قتادة خُصوصاً، فقال ابن

стр. 1026

معين: عنده أحاديث غرائب عن قتادة، وليس حديثه بكل ذاك. (١) وقال ابن نُمير: ليس بقوي الحديث، يروي عن قتادة المنكرات. (٢) وقال ابن حبَّان: رَدِيء الحِفْظ، فاحش الخَطَأ، يَرْوِي عن قَتَادَة مالا يُتَابع عَلَيْهِ. (٣) وقال الساجي: حدَّث عن قتادة بمناكير. (٤) وقال الهيثمي: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ في "الأوسط" وإسنادهُ رجالهُ مُوَثَّقُونَ. (٥) وقال في موضع آخر: رواه الطَّبَرَانِيُّ فِي "الْأَوْسَطِ"، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. (٦) لكن تعقبه المُناوي، فقال: غَرَّهُ قول شيخه العراقي: رجاله ثقاتٌ. (٧) ثُم نقل أقوال أهل العلم السابقة في تضعيفه. رابعاً: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن المُغِيرَةِ إلا سُوَيْد بن عَبْدِ الْعَزِيزِ. قلتُ: ومِنْ خلال مَا سبق يَتَّضح صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁. خامساً: - التعليق على الحديث: قال الحافظ ابن حجر: في هذا الحديث عِدَّة فوائد، منها: ما أعطي النبي ﷺ مِنْ القوة على الجماع، وهو دليلٌ على كمال البنية وصحة الذكورية، والحكمة في كثرة أزواجه أنَّ الأحكام التي ليست ظاهرة يطلعن عليها فينقلنها. (٨) * * *

стр. 1027

[١٦٨/ ٥٦٨]- وَعَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ، وَلَكِنْ لا يأْتِينَهُ إلا تَفِلاتٌ (١)». أولاً: - تخريج الحديث: • أخرجه عبد الرَّزَّاق في "المُصَنَّف" (٥١٢١)، والحميدي في "مسنده" (١٠٠٨)، وابن أبي شيبة في "المُصَنَّف" (٧٦٠٩)، وأحمد في "مسنده" (٩٦٤٥ و ١٠١٤٤ و ١٠٨٣٥)، والدَّارمي في "سننه" (١٣١٥ و ١٣١٦)، وأبو داود في "سننه" (٥٦٥) ك/الصلاة، ب/خُرُوج النِّسَاء إلى المسجد - ومِنْ طريقه ابن حزم في "المحلى" (٤/ ٧٨) -، وأبو يَعْلى في "مسنده" (٥٩١٥ و ٥٩٣٣)، وابن الجارود في "المنتقى" (٣٣٢)، وابن خزيمة في "صحيحه" (١٦٧٩)، والسَّرَّاج في "مسنده" (٧٩٨)، والطحاوي في "أحكام القرآن" (١٠٥٨ و ١٠٥٩)، وابن حبَّان في "صحيحه" (٢٢١٤)، وابن حزم في "المحلى" (٣/ ١٣٠)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٥٣٧٧)، والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (٦/ ٥٠٩)، والبغوي في "شرح السنة" (٨٦٠). كلهم مِنْ طُرُقٍ عن محمد بن عَمرو بن علقمة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، به. وقال الدَّارمي: قال سعيد بن عامر - أحد رواة الحديث عن محمد بن عَمرو -: التَّفِلَةُ: الَّتِي لَا طِيبَ لَهَا. وقال البغوي: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وفيه دَلِيلٌ على جَوَازِ خُرُوجِ النِّسَاءِ إلى المساجد، وتَخْرُجُ غير مُتَطَيِّبَةٍ، وقوله: «تَفِلاتٍ» أي: تَارِكَاتٍ لِلطِّيبِ، يُرِيدُ: ليخرُجْنَ بمنزلة التَّفِلات، والتَّفَلُ: سُوءُ الرَّائِحَةِ. • وأخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (٤/ ٧٩)، وأبو العبَّاس السَّرَّاج في "مسنده" (٧٩٧)، بسنده مِنْ طريق سلمة بن صفوان الزُّرَقيّ، عن أبي سلمة، به. شواهدٌ للحديث: أخرج البخاري ومسلمٌ في "صحيحيهما" عَنِ ابن عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «لا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ». (٢) ثانياً: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوهري: "ثِقَةٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (١٠١). ٢) القاسم بن المُسَاور، الجَوْهَريُّ: "مجهول الحال"، تقدَّم في الحديث رقم (١٢٦). ٣) عيسى بن مُسَاور الجوهري: "ثِقَةٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (١١٣). ٤) سُويد بن عبد العزيز بن نُمَير السُّلَّميُّ: "ضعيفٌ، يُعتبر به إذا تُوبع"، تقدَّم في الحديث رقم (٦٥). ٥) المُغِيرة بن قيس، البَصْري: "ضَعيفٌ، يُعْتبر به"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٦٤).

стр. 1028

٦) أَبُو سلمة بن عَبْد الرحمن بن عوف القُرَشيّ: "ثِقَةٌ مُكْثر"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٣٢). ٧) أبو هريرة ﵁: "صحابيٌّ، جليلٌ، مُكْثِرٌ، حافظ الصحابة"، تقدَّم في الحديث رقم (٨). ثالثاً: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ"؛ لأجل سُويد بن عبد العزيز، والمُغيرة بن قيس، كلاهما "ضَعيفان". وللحديث مُتابعات عن محمد بن عَمرو بن علقمة، وسلمة بن صفوان، كلاهما عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁. وللحديث شاهدٌ عن ابن عُمر في "الصحيحين"، كما سبق بيانه في التخريج. وعليه فالحديث بمتابعاته، وشواهده يرتقي إلى "الصحيح لغيره". والحديث أخرجه البغوي مِنْ طريق محمد بن عَمرو، وقال: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وقال ابن الملقن: صححه ابن حبَّان، وإسناده على شرط الشيخين. (١) رابعاً: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن المُغِيرَةِ إلا سُوَيْد بن عَبْدِ الْعَزِيزِ. قلتُ: ومِنْ خلال مَا سبق يَتَّضح صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁. خامساً: - التعليق على الحديث: قال ابن رجب: هذا الحديث يَدُل على أمرين: أحدهما: أنَّ المرأة لا تخرج إلى المسجد بدون إذن زوجها، فإنَّه لو لم يكن له إذن في ذلك لأمرها أن تخرج إنْ أذن أو لم يأذن. ولا نعلم خلافاً بين العلماء أن المرأة لا تخرج إلى المسجد إلا بإذن زوجها، وهو قول ابن المبارك والشافعي ومالك وأحمد وغيرهم. لكن من المتقدمين من كان يكتفي في إذن الزوج بعلمه بخروج المرأة من غير منع؛ كما قال بعض الفقهاء: إن العبد يصير مأذونا له في التجارة بعلم السيد بتصرفه في ماله من غير منعٍ. فرُوي عن ابن عُمَرَ، قال: كَانَتِ امْرَأَةٌ لِعُمَرَ تَشْهَدُ صَلَاةَ الصُّبْحِ وَالعِشَاءِ فِي الجَمَاعَةِ فِي المَسْجِدِ، فَقِيلَ لَهَا: لِمَ تَخْرُجِينَ وَقَدْ تَعْلَمِينَ أَنَّ عُمَرَ يَكْرَهُ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: وَمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْهَانِي؟ قَالَ: يَمْنَعُهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ». (٢) والأمر الثاني: أنَّ الزوج منهيٌ عن منعها إذا استأذنته، وهذا لابد من تقييده بما إذا لم يخف فتنةً أو ضرراً. وقد أنكر ابن عمر على ابنه لما قال له: والله، لنمنعهنَّ، أشد الإنكار، وسبَّه، ففي "صحيح مسلم" عن ابن عُمر، قال: قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إِلَيْهَا» قَالَ: فَقَالَ بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: وَاللهِ لَنَمْنَعُهُنَّ، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ: فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ وَقَالَ: " أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَتَقُولُ: وَاللهِ

стр. 1029

لَنَمْنَعُهُنَّ؟!. (١) وقد تقدم من عمر عدم المنع. ومن هؤلاء من حمل قوله: "لا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ" على النهي عن منعهن من حجة الاسلام، وهو في غاية البعد، ورواية من روى تقييده بالليل تُبْطل ذلك. ومنهم من حمله على الخروج للعيدين، وهو بعيد أيضاً؛ فان النَّبيّ ﷺ لم يكن من عادته صلاة العيدين في المسجد. ومن أصحابنا من قال: يُكره مَنْعِهنَّ إذا لم يكن في خُرُوجِهِنَّ ضَرَرٌ ولا فتنهٌ، فحملوا النهي على الكراهة. قلت (ابن رجب): وهو ظاهر ما رُوي عن عمر وابن عمر، كما تقدم. وبكل حال؛ فصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد. خرَّج الإمام أحمد وأبو داود من حديث حَبِيب بن أبي ثَابِتٍ، عن ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ». (٢) وخرَّج الإمام أحمد، وابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحيهما" مِنْ حديث أُمِّ حُمَيْدٍ امْرَأَةِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، أَنَّهَا جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أُحِبُّ الصَّلاةَ مَعَكَ، قَالَ: «قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ الصَّلاةَ مَعِي، وَصَلاتُكِ فِي بَيْتِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلاتِكِ فِي حُجْرَتِكِ، وَصَلاتُكِ فِي حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلاتِكِ فِي دَارِكِ، وَصَلاتُكِ فِي دَارِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلاتِكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ، وَصَلاتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلاتِكِ فِي مَسْجِدِي». (٣) (٤) * * *

стр. 1030

[١٦٩/ ٥٦٩]- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُسَافِرُ يَوْمًا وَاحِدًا إلا مَعَ زَوْجٍ، أَوْ ذِي مَحْرَمٍ». أولاً: - تخريج الحديث: • أخرجه البخاري في "صحيحه" (١٠٨٨) ك/الصلاة، ب/في كم يَقْصُرُ الصَّلَاة، ومُسْلمٌ في "صحيحه" (١٣٣٩/ ٢) ك/الحج، ب/سَفَر المَرْأَةِ مع مَحْرَمٍ إلى حجٍّ وغيره، مِنْ طريق ابن أبي ذئب، قال: حدَّثنا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عن أبيه، عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁، قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا يَحِلُّ لامرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ». وأخرجه مُسْلمٌ في "صحيحه" (١٣٣٩/ ١) ك/الحج، ب/سَفَر المَرْأَةِ مع مَحْرَمٍ إلى حَجٍّ وغيره، مِنْ طريق اللَّيْث بن سعد، عن سَعِيدِ بن أبي سَعِيدٍ، عن أبيه، أنَّ أبا هُرَيْرَةَ، قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا يَحِلُّ لامرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ إلا وَمَعَهَا رَجُلٌ ذُو حُرْمَةٍ مِنْهَا». وأخرجه مُسْلمٌ في "صحيحه" (١٣٣٩/ ٣) ك/الحج، ب/سَفَر المَرْأَةِ مع مَحْرَمٍ إلى حَجٍّ وغيره، بسنده مِنْ مَالِكٍ، عن سَعِيدِ بن أبي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عن أبيه، عن أبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: «لا يَحِلُّ لامرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا». • وأخرجه مُسْلمٌ في "صحيحه" (١٣٣٩/ ٣) ك/الحج، ب/سَفَر المَرْأَةِ مع مَحْرَمٍ إلى حَجٍّ وغيره، بسنده مِنْ طريق سُهَيْل بن أبي صَالح، عن أبيه، عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا يَحِلُّ لامرَأَةٍ أَنْ تُسَافِرَ ثَلاثًا إلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا». شواهدٌ للحديث: أخرج البخاري، ومُسْلمٌ في "صحيحيهما" عن ابن عُمر ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ ثَلاثًا، إلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ». واللفظ لمسلمٍ. (١) وأخرج الإمام مُسْلمٌ في "صحيحه" عن ابن عبَّاس، قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ، يَقُولُ: «لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، ولا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ». (٢)

стр. 1031

ثانياً: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوهري: "ثِقَةٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (١٠١). ٢) القاسم بن المُسَاور، الجَوْهَريُّ: "مجهول الحال"، تقدَّم في الحديث رقم (١٢٦). ٣) عيسى بن مُسَاور الجوهري: "ثِقَةٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (١١٣). ٤) سُويد بن عبد العزيز بن نُمَير السُّلَّميُّ: "ضعيفٌ، يُعتبر به إذا تُوبع"، تقدَّم في الحديث رقم (٦٥). ٥) المُغِيرة بن قيس، البَصْري: "ضَعيفٌ، يُعْتبر به"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٦٤). ٦) أَبُو سلمة بن عَبْد الرحمن بن عوف: "إمامٌ ثِقَةٌ مُكْثِرٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (١٣٢). ٧) أبو هريرة ﵁: "صحابيٌّ، جليلٌ، مُكْثِرٌ، حافظ الصحابة"، تقدَّم في الحديث رقم (٨). ثالثاً: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ"؛ لأجل سُويد بن عبد العزيز، والمُغيرة بن قيس، كلاهما "ضَعيفان". وللحديث مُتابعاتٌ، وشواهد عن ابن عُمر وابن عبَّاس في "الصحيحين" - كما سبق بيانها في التخريج -، يرتقي الحديث بها إلى "الصحيح لغيره". رابعاً: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن المُغِيرَةِ إلا سُوَيْد بن عَبْدِ الْعَزِيزِ. قلتُ: ومِنْ خلال مَا سبق يَتَّضح صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁. خامساً: - التعليق على الحديث: قوله ﷺ : "لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ": مفهومه أن النهي المذكور يختص بالمؤمنات فتخرج الكافرات كتابية كانت أو حربية، وأجيب: بأنَّ الإيمان هو الذي يستمر للمتصف به خطاب الشارع فينتفع به وينقاد له فلذلك قُيَّد به، أو أنَّ الوصف ذكر لتأكيد التحريم ولم يُقصد به إخراج ما سواه. (١) وقال الإمام الترمذي: والعملُ على هذا عند أهل العلم: يكرهون للمرأة أن تُسَافِرَ إلا مع ذي مَحْرَمٍ. واخْتَلَفَ أهل العلم في المرأة إذا كانت مُوسِرَة ولم يَكُنْ لها مَحْرَمٌ، هل تَحُجُّ؟ فقال بعض أهل العلم: لا يَجِبُ عليها الحَجُّ لأنَّ المَحْرَمَ مِنْ السَّبِيلِ، لقول اللهِ ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢)، فقالوا: إذا لم يَكُنْ لها مَحْرَمٌ فلا تَسْتَطِيعُ إليه سَبِيلاً، وهو قول الثَّوْرِيِّ، وأهل الكُوفَةِ. وقال بعضُهم: إذا كان الطَّرِيقُ آمِنا فإنَّهَا تخرج مع النَّاس في الحجِّ، وهو قول مَالِكٍ، والشَّافعيِّ. (٣) وقال النووي: وأجمعت الأمة على أن المرأة يلزمها حجة الإسلام إذا استطاعت لعموم قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ

стр. 1032

عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (١)، واستطاعتها كاستطاعة الرجل، لكن اختلفوا في اشتراط المحرم لها، فأبو حنيفة يشترطه لوجوب الحج عليها إلا أن يكون بينها وبين مكة دون ثلاث مراحل، ووافقه جماعة من أصحاب الحديث وأصحاب الرأي، وقال عطاء وسعيد بن جُبير وابن سيرين ومالك والأوزاعي والشافعي في المشهور عنه: لا يُشترط المَحْرم بل يُشترط الأمن على نفسها، قال أصحابنا: يحصل الأمن بزوج أو محرم أو نسوة ثقات، ولا يلزمها الحج عندنا إلا بأحد هذه الأشياء، فلو وجدت امرأة واحدة ثقة لم يلزمها، لكن يجوز لها الحج معها هذا هو الصحيح، وقال بعض أصحابنا: يلزمها بوجود نسوة أو امرأة واحدة، وقد يكثر الأمن ولا تحتاج إلى أحد بل تسير وحدها في جملة القافلة وتكون آمنة. واختلف أصحابنا في خروجها لحج التطوع وسفر الزيارة والتجارة ونحو ذلك من الأسفار التي ليست واجبة؛ فقال بعضهم: يجوز لها الخروج فيها مع نسوة ثقات كحجة الإسلام، وقال الجمهور: لا يجوز إلا مع زوج أو محرم، وهذا هو الصحيح للأحاديث الصحيحة، وقد قال القاضي: واتفق العلماء على أنه ليس لها أن تخرج في غير الحج والعمرة إلا مع ذي محرم إلا الهجرة من دار الحرب، فاتفقوا على أن عليها أن تهاجر منها إلى دار الإسلام، وإن لم يكن معها محرم، والفرق بينهما: أن إقامتها في دار الكفر حرام إذا لم تستطع إظهار الدين وتخشى على دينها ونفسها، وليس كذلك التأخر عن الحج. (٢) وقال ابن عبد البر: قد اضطربت الآثار المرفوعة في هذا الباب في ألفاظها، ومحملها عندي أنَّها خرجت على أجوبة السائلين، فحدَّث كل واحد بمعنى ما سمع، كأنه قيل له ﷺ في وقت ما: هل تسافر المرأة مسيرة يوم بلا محرم؟ فقال: لا، وقيل له في وقت آخر: هل تسافر المرأة مسيرة يومين بلا محرم؟ فقال: لا، وقال له آخر: هل تسافر المرأة مسيرة ثلاثة أيام بغير محرم؟ فقال: لا، ونحو ذلك، فأدى كل واحد ما سمع على المعنى. ويجمع معاني الآثار في هذا الباب - وإن اختلفت ظواهرها - الخطر على المرأة أن تسافر سفراً يُخاف عليها الفتنة بغير محرم، قصيراً كان أو طويلاً. (٣) وقال النووي: قال العلماء: اختلاف هذه الألفاظ لاختلاف السائلين واختلاف المواطن، وليس في النهي عن الثلاثة تصريح بإباحة اليوم والليلة أو البريد، … ، وكله صحيح وليس في هذا كله تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر، ولم يرد ﷺ تحديد أقل ما يُسمى سفراً، فالحاصل: أنَّ كل ما يسمى سفراً تنهى عنه المرأة بغير زوج أو محرم سواء كان ثلاثة أيام أو يومين أو يوماً أو بريداً أو غير ذلك. (٤) * * *

стр. 1033

[١٧٠/ ٥٧٠]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: نا أَبِي وَعَمِّي، قالا: نا سُوَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: نا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي الْعَجْفَاءِ السُّلَمِيِّ (١). عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! لا تُغَالُوا بِصَدَاقِ النِّسَاءِ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً عِنْدَ النَّاسِ، أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ، لَكَانَ أَحَقُّهُمْ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لَمْ يَنْكِحِ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، ولا أَنْكَحَ امْرَأَةً مِنْ بَنَاتِهِ إلا عَلَى اثْنَتَي عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشٍّ (٢)؛ وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيُغَالِي بِصَدَاقِ الْمَرْأَةِ حَتَّى يَقُولَ: أَمَا كُلِّفْتُ إِلَيْكِ عَلَقَ (٣) القِرْبَةِ. قَالَ: وَكُنْتُ غُلامًا مُوَلَّدًا، فَلَمْ أَدْرِي (٤) مَا عَلَقُ الْقِرْبَةِ؟. * لم يَرْوِ هذه الأحاديث عن المُغِيرَةِ إلا سُوَيْدٌ بن عَبْدِ العَزِيزِ. أولاً: - تخريج الحديث: • أخرجه الطيالسي في "مُسْنَدِه" (٦٤) - ومِنْ طريقه الطحاوي في "شرح مُشْكِل الآثار" (٥١٠٣) -، عن سَعِيد بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ وعبد الرَّزَّاق في "المُصنَّف" (١٠٣٩٩)، والحميديّ في "مُسْنَدِه" (٢٣)، وسعيد بن مَنْصور في "سننه" (٥٩٥)، وأحمد في "مُسْنَده" (٣٤٠)، وأبو داود في "سننه" (٢١٠٦) ك/النِّكاح، ب/الصَّدَاق، والترمذي في "سننه" (١١١٤) ك/النِّكاح، ب/ما جاء في مُهور النِّساء، والضياء في "المختارة" (٢٩١ و ٢٩٣)، والمِزِّيُّ في "التهذيب" (٣٤/ ٨٠)، مِنْ طُرُقٍ عن أيوب السِّختِيانيّ؛ وعبد الرَّزَّاق في "المُصنَّف" (١٠٤٠٠)، عن عاصم بن سُليمان الأحول؛ وسعيد بن منصور في "سننه" (٥٩٦ و ٢٥٤٧)، والدَّارميّ في "مُسْنَدِه" (٢٢٤٦)، والطحاوي في "شرح المُشْكِل" (٥٠٤٨ و ٥٠٤٩)، عن مَنْصور بن زاذان. أربعتهم (سعيد، وأيوب، وعاصم، ومنصور)، عن محمد بن سيرين، به، دون قوله: "وَنَشٍّ". بعضها مُطولاً، وبعضها مختصرًا. ووقع التصريح بسماع ابن سيرين مِنْ أبي العَجْفاء عند سعيد بن مَنْصُور، وأحمد. وقال الترمذي: هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَأَبُو العَجْفَاءِ السُّلَمِيُّ: اسْمُهُ هَرِمٌ، والأُوقِيَّةُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَثِنْتَا عَشْرَةَ أُوقِيَّةً أَرْبَعُ مِائَةٍ وَثَمَانُونَ دِرْهَمًا.

стр. 1034

- وأخرجه سعيد بن منصور في "سننه" (٥٩٧)، والنَّسائي في "الصغرى" (٣٣٤٩)، والطحاوي في "شرح مُشْكِل الآثار" (٥٠٤٧)، عن إسماعيل بن عُلَيَّة، قال: أنا أَيُّوبُ، وابنُ عَوْنٍ، وَهِشَام بن حسَّان القردوسيّ - مِنْ أثبت النَّاس في ابن سيرين (١) -، - مقرونين برواية سلمة بن عَلْقَمة، إلا أنَّ سلمة قال: نُبِّئتُ عن ابن سيرين، بخلاف الآخرون، قالوا: عن، كما سيأتي -؛ وأبو بكر بن أبي شيبة في "المُصَنَّف" (١٦٣٧١)، مِنْ طريق أشعث بن سَوَّار الكِنْدِيّ، وهشام بن حَسَّان؛ وابن أبي شيبة في "المُصَنَّف" (١٦٣٧٢) - ومِنْ طريقه ابن ماجه في "سننه" (١٨٨٧/ ١) ك/النِّكاح، ب/صَدَاق النِّساء -، وابن ماجه في "سننه" (١٨٨٧/ ٢) ك/النِّكاح، ب/صَدَاق النِّساء، والطحاوي في "شرح مُشْكِل الآثار" (٥٠٤٦ و ٥٠٥٠)، والحاكم في "المُستدرَك" (٢٧٢٥)، والمِزِّيُّ في "تهذيب الكمال" (٣٤/ ٨٠)، عن عبد الله بن عونٍ - وحده -؛ وابن حبَّان في "صحيحه" (٤٦٢٠)، والضياء في "المختارة" (٢٩٢)، مِنْ طريق عبد الله بن عون، وهِشَام بن حَسَّان. أربعتهم (أيوب، وابن عون، وهشام، وأشعث)، عن ابن سِيرِينَ، عن أبي العَجْفَاءِ، به، دون قوله: "وَنَشٍّ". وبعضها مُطولاً، وبعضها مختصرًا. وقال الحاكم: حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، ولم يُخَرِّجَاهُ، وقد رَوَاهُ أَيُّوبُ، وَحَبِيبٌ الشَّهِيدُ، وهِشَامُ بن حَسَّانَ، وسَلَمَةُ بن عَلْقَمَةَ، ومَنْصُورُ بن زَاذَانَ، وعَوْفُ بن أبي جَمِيلَةَ، كُلُّ هذه التَّرَاجِمِ مِنْ رِوَايَاتٍ صَحِيحَةٍ عن محمد بن سِيرِينَ، وأبو العَجْفَاءِ السُّلَمِيُّ اسْمُهُ: هَرِمُ بن حَيَّانَ، وهو مِنَ الثِّقَاتِ … فقد تواترت الأسانيد الصحيحة بصحة خطبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بذلك، وهذا الباب لي مجموع في جزء كبير. ولم يَتَعَقَّبه الذهبي في الحكم على الحديث، وإنَّما تَعَقَّبه في اسم أبي العَجْفاء، فقال: بل هو هرم بن نسيب. وقال الدَّارقُطنيّ: رَوَاهُ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ، وابنُ عَوْنٍ، وَهِشَامُ بن حَسَّانَ، ومَنْصُورُ بن زَاذَانَ، وأَشْعَثُ بن سَوَّارٍ، وَمَطَرٌ الوَرَّاقُ، والصَّلْتُ بن دِينَارٍ، ومحمد بن عَمْرٍو الأنصاريُّ، وعَوْفٌ الأعرابيُّ، وإسماعيل بن مُسْلِمٍ، وَمُجَّاعَةُ بن الزُّبَيْرِ، وَعَبِيدَةُ بن حَسَّانَ، وعُقْبَةُ بن خَالِدٍ، وَيَحْيَى بْنُ عَتِيقِ، وَأَبُو حُرَّةَ، وَأَخُوهُ، كلهم عَنْ مُحَمَّدِ بن سِيرِينَ، عن أبي العَجْفَاءِ، به. واتَّفَقَ ابن عُيَيْنَةَ، وحَمَّادُ بن زَيْدٍ، وابن عُلَيَّةَ، والحَارِثُ بن عُمَيْرٍ، وعبد الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، ومَعْمَرٌ، وحَمَّادُ بن سَلَمَةَ، عن أيوب السِّخْتيانيّ. (٢) • بينما أخرجه البيهقي في "الكبرى" (١٤٣٤٨)، مِنْ طريق عَمْرو ابن أبي قَيْسٍ، عن أَيُّوب السَّخْتِيَانِيِّ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عن ابن أبي العَجْفَاءِ، عن أبيه، عن عُمَر بن الخَطَّابِ ﵁: بِنَحْوِهِ. • وأخرجه سعيد بن منصور في "سننه" (٥٩٧)، وأحمد في "مُسْنَدِه" (٢٨٥ و ٢٨٧)، والنَّسائيُّ في "الصغرى" (٣٣٤٩)، عن ابن عُلَيَّة، ثنا سلمة بن علقمة، عن ابن سيرين، قال: نُبِّئْتُ عن أبي العَجْفَاءِ، به. وفي رواية سعيد بن منصور مقرونًا برواية أيوب وابن عونٍ وهشامٍ، لكنَّهم قالوا: عن ابن سيرين، بخلاف

стр. 1035

سلمة فقال: نُبِّئْتُ. وعند أحمد في الموضع الثاني: قَالَ إِسْمَاعِيلُ: وَذَكَرَ أَيُّوبُ، وَهِشَامٌ، وَابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي العَجْفَاءِ، عَنْ عُمَرَ، إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: لَمْ يَقُلْ مُحَمَّدٌ: نُبِّئْتُ عَنْ أَبِي العَجْفَاءِ. وقال الدَّارقُطنيّ: ففي رِوَايَةِ سَلَمَة بن عَلْقَمَةَ تَقْوِيَّةٌ لِرِوَايَةِ عَمْرِو بن أبي قَيْسٍ، عَنْ أَيُّوبَ. (١) وقال أيضًا: كان عَمْرُو بنُ أبي قَيْسٍ، حَفِظَهُ عَنْ أَيُّوبَ، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ سِيرِينَ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي العَجْفَاءِ، وَحَفِظَهُ عَنِ ابن أبي العَجْفَاءِ، عَنْ أَبِيهِ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ وَهُوَ من الثقات الحفاظ، عن ابن سيرين، حدثنا أَبُو العَجْفَاءِ، وَلِكَثْرَةِ مَنْ تَابَعَهُ مِمَّنْ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي الْعَجْفَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (٢) وقال الخطيب: يُشبه أن يكون ابن سيرين سمعه من أبي العَجْفَاء، وحفظه أيضًا عن ابن أبي العَجْفَاء. (٣) • وذكر الدَّارقُطني للحديث طُرُقًا أخرى عن عُمَرٍ ﵁، وقال: ولا يَصِحُّ الحَدِيثُ إلا عَنْ أبي العَجْفَاءِ. (٤) ثانياً: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوهري: "ثِقَةٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (١٠١). ٢) القاسم بن المُسَاور، الجَوْهَريُّ: "مجهول الحال"، تقدَّم في الحديث رقم (١٢٦). ٣) عيسى بن مُسَاور الجوهري: "ثِقَةٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (١١٣). ٤) سُويد بن عبد العزيز بن نُمَير السُّلَّميُّ: "ضعيفٌ، يُعتبر به إذا تُوبع"، تقدَّم في الحديث رقم (٦٥). ٥) هِشَامُ بْنُ حَسَّان. أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الأَزْدِيُّ القُرْدُوسِيُّ، البَصْرِيُّ: "ثِقَةٌ، مِنْ أثبت النَّاس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن وعطاء مَقَالٌ، لأنَّه قيل: كان يُرْسِل عنهما"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٤١). ٦) المُغِيرة بن قيس، البَصْري: "ضَعيفٌ، يُعْتبر به"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٦٤). ٧) مُحَمَّد بن سيرين: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ عابدٌ، كبير القدر، كان لا يَرى الرواية بالمعنى"، تَقَدَّم في رقم (١٣١). ٨) أَبُو العَجْفَاء السُّلَمِيُّ البَصْرِيّ، قيل: اسمه هَرِم بن نُسَيْب، وقيل: نُسَيْب بن هَرِم، وقيل: ابن نُصيب. روى عن: عُمر بن الخطاب، وعَمرو بن العاص، وعبد الله بن عَمرو بن العاص ﵃. روى عنه: محمد بن سيرين، وابنه عبد الله، والحارث بن حَصِيرة، وآخرون. حاله: قال ابن معين، والدَّارقُطنيّ: ثِقَةٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال أبو أحمد الحاكم: حديثه ليس بالقائم. ورمز له ابن حجر في "لسان الميزان" بـ[صَحَّ]. وقال في "التقريب": مقبولٌ. فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ". (٥) ٩) عبد الله بن عُمر بن الخَطَّاب: "صحابيٌّ، جَليلٌ، مُكْثرٌ"، تَقدَّم في الحديث (٦).

стр. 1036

ثالثاً: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبرانيّ "ضَعيفٌ"؛ فيه سُويد بن عبد العزيز "ضَعيفٌ يُعتبر به. وفيه أيضًا المُغيرة بن قيس "ضَعيفٌ يُعتبر به"، لكن تابعه هِشَام بن حَسَّان. قلتُ: وللحديث مُتابعاتٌ كثيرةٌ، سبق ذكرها في التخريج. شواهد للحديث: • أخرج الإمام مُسلمٌ في "صحيحه" (١٤٢٦) ك/النِّكاح، ب/الصَّدَاقِ، وَجَوَازِ كَوْنِهِ تَعْلِيمَ قُرْآنٍ، وَخَاتَمَ حَدِيدٍ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، وَاسْتِحْبَابِ كَوْنِهِ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ لِمَنْ لَا يُجْحِف به، عن أبي سَلَمَةَ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أنَّه قال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ : كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لأَزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا، قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قَالَ: قُلْتُ: لا، قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ، فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لأَزْوَاجِهِ. وعليه فالحديث بمتابعاته وشواهده يرتقي بها إلى "الصحيح لغيره"، والله أعلم. والحديث أخرجه الترمذي مِنْ طريق أيوب السّخْتِيَانيّ، عن ابن سيرين، وقال: حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وأخرجه الحاكم مِنْ طريق عبد الله بن عَون، عن ابن سيرين، وقال: حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، ولم يُخَرِّجَاهُ. رابعاً: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن المُغِيرَةِ إلا سُوَيْد بن عَبْدِ الْعَزِيزِ. قلتُ: ومِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ حكم الإمام على الحديث بالتَّفرد صحيحٌ، ولم أقف - على حد بحثي - على ما يَدْفعه، وهو تَفَرُّد نِسْبيّ، والله أعلم. * * *

стр. 1037

[١٧١/ ٥٧١]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ مُسَاوِرٍ، قَالَ: نا أَبِي وَعَمِّي عِيسَى بْنُ الْمُسَاوِرِ، قالا: نا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي الْعَبَّاسِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ: إِذَا جَامِعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ مِنْ وَرَاءِهَا فِي فَرْجِهَا كَانَ وَلَدُهُ أَحْوَلَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ (١). أولاً: - تخريج الحديث: • أخرجه عبد الرَّزَّاق في "تفسيره" (١/ ٧٩)، والحميدي في "مسنده" (١٣٠٠)، وسعيد بن منصور كما في "التفسير مِنْ سننه" (٣٦٦ و ٣٦٧)، وابن الجعد في "مسنده" (١٧٣٩ و ١٧٤٠ و ١٧٤١)، وابن أبي شيبة في "المُصَنَّف" (١٦٦٦٢)، والدَّارمي في "سننه" (١١٧٢ و ٢٢٦٠)، والبخاري في "صحيحه" (٤٥٢٨) ك/التفسير، ب/قوله تعالى ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، ومُسْلمٌ في "صحيحه" (١٤٣٥/ ١ - ٣) ك/النكاح، ب/جواز جِمَاعِهِ امْرَأَتَهُ في قُبُلِهَا، مِنْ قُدَّامِهَا، ومِنْ وَرَاءِهَا مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلدُّبُرِ، وابن ماجه في "سننه" (١٩٢٥) ك/النكاح، ب/النَّهْي عن إِتْيَانِ النِّسَاءِ في أَدْبَارِهِنَّ، وأبو داود في "سننه" (٢١٦٣) ك/النكاح، ب/جَامِع النِّكَاحِ - ومِنْ طريقه البيهقي في "الكبرى" (١٤١٠٠) -، والترمذي في "سننه" بإثر الحديث (٢٩٧٨) ك/التفسير، ب/سورة البقرة، والنَّسائي في "الكبرى" (٨٩٢٤) ك/عشرة النِّساء، ب/إتيان المرأة مُجَبَّاة، وبرقم (٨٩٢٥ و ٨٩٢٦ و ٨٩٢٧) ك/عشرة النِّساء، ب/تأويل قوله تعالى ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، وأيضاً برقم (١٠٩٧١ و ١٠٩٧٢) ك/التفسير، ب/قوله تعالى ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، والطبري في "تفسيره" (٤٣٣٩ و ٤٣٤٠ و ٤٣٤٦)، وأبو يعلى في "مسنده" (٢٠٢٤)، وأبو عوانة في "المُستخرَج" (٤٢٨٤ - ٤٢٩١)، والطحاوي في "معاني الآثار" (٤٣٨٧ - ٤٣٩٢)، وفي "مُشْكل الآثار" (٦١١٩ - ٦١٢٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢١٣٣)، وابن حبَّان في "صحيحه" (٤١٦٦ و ٤١٩٧)، والطبراني في "الأوسط" (٨٠٣٥ و ٨٨٠٦)، والصيداوي في "معجم شيوخه" (ص/٩٤)، والحاكم في "علوم الحديث" (ص/٢٠)، وأبو نُعيم في "الحلية" (٣/ ١٥٤)، والبيهقي في "الكبرى" (١٤١٠١ - ١٤١٠٤)، والخطيب البغدادي في "تاريخه" (١٤/ ٥١٠ و ١٥/ ٣٥١)، وفي "الجامع لأخلاق الراوي" (٢/ ٢٩١)، والبغوي في "تفسيره" (١/ ٢٦٠)، وفي "شرح السنة" (٢٢٩٦). كلهم مِنْ طُرُقٍ عِدَّة عن محمد بن المُنْكَدر، بسنده، والبعض بلفظه. والحديث عند البخاري ومُسْلم مِنْ طريق سُفْيان الثوري، وعند مُسْلم مِنْ طريق أيوب السِّخْتياني، وأبي حازم سلمة بن دينار، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وشُعْبة بن الحَجَّاج، والزهري، وسُهيل بن أبي صالح، كلهم عن محمد بن المُنْكدر.

стр. 1038

وقال أبو نُعيم: هذا حديثٌ صَحِيحٌ ثابتٌ، رَوَاهُ النَّاسُ عن محمَّد بن المُنْكَدِرِ. وقال الحاكم: هذا الحديثُ وأشباهُهُ مُسْنَدَةٌ عن آخِرِهَا، وليست بِمَوْقُوفَةٍ، فإنَّ الصَّحَابِيَّ الذي شَهِدَ الوحي والتَّنْزِيلَ فأخبر عن آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ أنَّها نَزَلَتْ في كذا وكذا فإنَّهُ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ. وبنحوه قال الخطيب. ثانياً: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوْهَرِيُّ: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠١). ٢) القاسم بن المُسَاور، الجَوْهَريُّ: "مجهول الحال"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٢٦). ٣) عيسى بن مُسَاور الجوهري: "ثِقَةٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (١١٣). ٤) مَرْوَان بن مُعَاوية الفَزَارِيُّ: "ثِقَةٌ حافظٌ، كان يُدَلِّس أسماء الشيوخ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١١٧). ٥) مُعَاوِيَة بن أبي العَبَّاس القيسيُّ، العبسيُّ، كان جاراً للثوري، والظاهر - والله أعلم - أنَّه ليس هو مُعاوية بن هشام القَصَّار (١).

стр. 1039

روى عن: محمد بن المُنْكدر، وعلي بن ربيعة الأسدي، وإسماعيل بن عُبيد الله المَخْزومي، وآخرين. روى عنه: لم أقف - على حد بحثي - على مَنْ روى عنه غير مَرْوان بن مُعاوية الفَزَاري. حاله: سُئل أبو زرعة، عن معاوية بن أبي العباس؟ فقال: نظرت بدمشق في كتابٍ لمَرْوان بن معاوية، عن معاوية هذا، فرأيت أحاديث عن شيوخ الثوري، وأحاديث يُعرف بها الثوري، وأبواباً للثوري، فاستربته وتركته. قال أبو زرعة: فذكرت ذلك لابن نُمير، فقال: كان هذا جار الثوري، أخذ كتب الثوري فرواها عن شيوخه، يعني أنَّه ادَّعاها. ومِنْ طريق ابن عقدة، عن عَبد الله بن إبراهيم بن قتيبة، قال: سئل ابن نُمير عن معاوية هذا، فقال: هذا جار الثوري، فلمَّا مات الثوري أخذ كتبه فجعل يرويها عن شيوخ الثوري، ففطنوا به، فتركوه وافتضح، نسأل الله العافية. قال: فقلت له فمروان عرف هذا؟ قال: لو وقف على حاله لما حدَّث عنه. وعن الدارقطني، عن ابن عقدة، قال: كان معاوية هذا يسرق أحاديث الثوري فيُحدِّث بها عن شيوخه. - وعن الدارقطني، قال: قال لي أبو طالب أحمد بن نصر: معاوية بن أبي العباس هو عندي: معاوية بن هشام القَصَّار صاحب الثوري، دلَّس اسمَه مَرْوَانُ بن معاوية، وروى عنه عن شيوخ الثوري، وأسقط الثوري، ثم ذكر أحاديث وآثارًا مِنْ رواية مَرْوَان عن معاوية هذا، عن عَلِيّ بن ربيعة، وابن عقيل وزياد بن إسماعيل ومنصور وسالم الأفطس، وغيرهم، وكلها معروفة من حديث الثوري. قال الدارقطني: قول أبي طالب عندي أولى وأليق بمَرْوَان؛ لأنَّه يروي عن شيوخ فيدلس أسماء آبائهم ويُكثر من ذلك. قلتُ: وعلَّق الشيخ/ المُعَلِّمي اليماني على ذلك في "الموضح لأوهام الجمع والتفريق"، فقال ما محصله: ما ظنَّه أبو طالب وقَوَّاه الدَّارقطني غير صوابٍ، والصواب هو ما ذهب إليه ابن نُمير وأبو زُرعة وابن عُقْدة؛ وذلك لأمور منها: أ أنَّ مَرْوان وإنْ عُرِفَ بتغير أسماء بعض شيوخه، فلم يُعرف بتدليس التسوية، ولم يُوصف به. (١) ب إنَّ ابن نُمير ثبتٌ مُتْقنٌ فاضلٌ إليه المنتهى في معرفة شيوخ الكوفيين، والثوري كوفي، وجاره هذا كوفي، ومُعاوية بن هشام كوفي، وقد صحب ابنُ نُمير جماعةً مِنْ أصحاب الثوري وروى عنهم، وكان مُعاوية بن هشام معه في البلد، وعرف مَرْوان وروى عنه، وقد قال ما قاله في مُعاوية بن أبي العبَّاس، فقوله مُقَدَّم

стр. 1040

لخبرته به. ت بالإضافة إلى أنَّ الحديث عن مُعاوية بن هشام مُشْتهرٌ ومُنْتشرٌ، فلو كان مَرْوان إنَّما روى تلك الأحاديث عنه، لظفر الحفَّاظ بعددٍ منها، قد رواه غير مَرْوان عن مُعاوية بن هشام على الوجه كما رواه مَرْوان عن مُعاوية بن أبي العبَّاس، والظاهر أنَّهم لم يَظفروا بشيء مِنْ ذلك. وفي هذا وما دونه ما يكفي لتوهين تظني أبي طالب، وإنْ قَوَّاه الدَّارقطني، والله المُوفق. (١) ٦) محمد بن المُنْكدر: "ثقة، فاضل"، تقدّم في الحديث رقم (٣٠). ٧) جابر بن عبد الله ﵁: "صَحَابِيٌّ جَليلٌ، مُكْثِرٌ"، تَقَدّم في الحديث رقم (٢٠). ثالثاً: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ جداً"؛ لأجل مُعاوية بن أبي العبَّاس كان يَسْرق أحاديث الثوري فَيَرويها عن شُيوخه، فافتُضِحَ أمره فتركوه، والحديث مَعْروفٌ مِنْ حديث الثوري عن محمد بن المُنْكَدر، أخرجه البخاري ومُسْلمٌ كما سبق في التخريج. قلتُ: قد صَحَّ الحديث مِنْ طُرُقٍ أُخْرى عن محمد بن المُنْكدر، فأخرجه البخاري ومُسْلم مِنْ طريق الثوري، وأخرجه مُسلمٌ مِنْ طريق جماعة، منهم: ابن عُيَيْنَة والزهري وشُعْبَة، وآخرون، كلهم عن ابن المُنْكدر، به. لذا قال أبو نُعيم عقب روايته لحديث الباب: هذا حديثٌ صَحِيحٌ ثابتٌ، رَوَاهُ النَّاسُ عن ابن المُنْكَدِرِ. رابعاً: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْو هذا الحديث عن مُعاوية إلا مَرْوَان. (٢) قلتُ: ومِمَّا سبق في التخريج يَتَّضح صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁. خامساً: - التعليق على الحديث: قال الإمام البغوي: اتّفق أهل الْعلم على أَنَّهُ يجوز للرجل إتيانُ زَوجته في قُبِلها مِنْ جانب دُبُرِهَا، وعلى أَي صفة شاء، وفيه نزلت الْآيَة: قَالَ ابْن عَبَّاس: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٣)، قال: ائْتِهَا مِنْ بين يديها، ومِنْ خلفهَا بعد أن يكون فِي المأتى. وقال عِكْرِمة: إنَّما هُوَ الفرج. أمَّا الإِتيان في الدُّبُر فَحَرَامٌ، فمن فعله جَاهِلاً بِتَحْرِيمِهِ، نُهِىَ عنهُ، فإن عاد عُزِّرَ، فعن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قال رَسُولُ اللَّه ﷺ : «مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا». (٤)

стр. 1041

وَرُوِيَ أنَّ عُمَر ضرب رجلاً في مثل ذلك، وسُئل أَبُو الدَّرْدَاء عن ذلك، فقال: وهل يَفْعَلُ ذلك إلا كافرٌ. وذُكر لابن عُمَر ذلك، فقال: هل يَفْعَله أحدٌ مِنْ المُسلمين؟. (١) وقال النووي: قال العلماء: وقوله تعالى ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي موضع الزرع مِنْ المرأة وهو قُبُلها الذي يزرع فيه المني لابتغاء الولد، ففيه إباحة وطئها في قُبُلِها إن شاء من بين يديها وإن شاء من ورائها وإن شاء مكبوبة، وأمَّا الدُّبُر فليس هو بحرث ولا موضع زرع، ومعنى قوله ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي كيف شئتم، واتفق العلماء الذين يُعْتَدُّ بهم على تحريم وطء المرأة في دُبُرها حائضاً كانت أو طاهراً لأحاديث كثيرة، قال أصحابنا: لا يحل الوطء في الدبر في شيء من الآدميين ولا غيرهم من الحيوان في حال من الأحوال. (٢) وقال ابن القيم: ومِنْ ها هُنَا نَشَأَ الغَلَطُ على مَنْ نُقِلَ عَنْهُ الإبَاحَةُ مِنَ السَّلَفِ والأئمَّة، فإنَّهُم أباحوا أنْ يكونَ الدُّبُرُ طريقًا إلى الوَطْءِ في الفرج، فَيَطَأُ مِنَ الدُّبُرِ لا في الدُّبُرِ، فاشتبه على السَّامِعِ "مِنْ" بـ "فِي" ولم يَظُنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا، فهذا الذي أباحهُ السَّلَفُ والأئمَّة، فغلط عليهم الغالط أقبح الغَلَطِ وأفحشه. وقال مجاهد: سألتُ ابنَ عَبَّاسٍ عن قوله تعالى ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (٣)، فَقَالَ: تأتيها من حيثُ أُمِرْتَ أن تَعْتَزِلَهَا، يعني في الحيض. وقال علي بن أبي طلحة، عنه: في الفرج، ولا تَعْدُهُ إلى غيره. وقد دلَّت الآية على تحريم الوطء في دُبُرِهَا؛ لأنَّه أباح إِتْيَانَهَا في الحَرْثِ، وهو موضعُ الولد لا في الحُشِّ الذي هو موضع الأذى، وموضعُ الحَرْثِ هو المراد من قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾؛ وإتيانها في قلبها مِنْ دُبُرِهَا مُسْتَفَادٌ مِنَ الآية أيضاً؛ لأنَّه قال: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾، أي: مِنْ أين شِئْتُمْ مِنْ أَمَامٍ أو مِنْ خَلْفٍ. وإذا كان اللَّهُ حَرَّمَ الوطء في الفرج لأجل الأذى العَارِضِ، فما الظَّنُّ بِالحُشِّ الذي هو مَحَلُّ الأذى اللَّازم مع زيادة المفسدة بالتَّعَرُّض لانقطاع النَّسْلِ والذَّريعة القريبة جدّاً مِنْ أَدْبَارِ النِّسَاءِ إلى أَدْبَارِ الصِّبْيَانِ. (٤) * * *

стр. 1042

[١٧٢/ ٥٧٢]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: نا عَمِّي عِيسَى بْنُ الْمُسَاوِرِ، قَالَ: نا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، قَالَ: نا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي الْعَبَّاسِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عُرِضَ عَلَيَّ مَا هُوَ مَفْتُوحٌ لأُمَّتِي بَعْدِي، فَسَرَّنِي». فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَتَرْضَى﴾ (١)، أَعْطَاهُ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ أَلْفَ قَصْرٍ مِنْ لُؤْلُؤٍ، تُرَابُهَا الْمِسْكُ، فِي كُلِّ قَصْرٍ مَا يَنْبَغِي لَهُ. هذا الحديث مَدَاره على إسماعيل بن عُبَيْد الله المَخْزُومي، واختُلف عنه مِنْ أوجهٍ: الوجه الأول: إسماعيل بن عُبَيْد اللَّه، عن عليِّ بن عبد اللَّه بن عَبَّاسٍ، عن أبيه (مَرْفُوعاً). الوجه الثاني: إسماعيل بن عُبَيْد اللَّه، عن عليِّ بن عبد اللَّه بن عَبَّاسٍ، عن أبيه (مَوْقُوفاً). الوجه الثالث: إسماعيل بن عُبَيْد اللَّه، عن عليِّ بن عبد اللَّه بن عَبَّاسٍ (مُرْسلاً). وتفصيل ذلك كالآتي: أولاً: - الوجه الأول: إسماعيل، عن عليِّ بن عبد اللَّه بن عَبَّاسٍ، عن أبيه (مَرْفُوعاً). أ تخريج الوجه الأول: أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٥٧٢) - وهي رواية الباب -، - ومِنْ طريقه الضياء المقدسي في "المختارة" (٣٨٠) -، قال: حدَّثنا أحمد بن القاسم، قال: نا عَمِّي عيسى بن المُسَاوِرِ، قال: نا مَرْوَانُ بن مُعَاوِيَةَ الفَزَارِيُّ، قال: نا مُعَاوِيَةُ بن أبي العبَّاس، عن إسماعيل بن عُبَيْدِ اللَّهِ المَخْزُومِيِّ، به. ب دراسة إسناد الوجه الأول (إسناد الطبراني): ١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوهري: "ثِقَةٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (١٠١). ٢) عيسى بن مُسَاور الجوهري: "ثِقَةٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (١١٣). ٣) مَرْوَان بن مُعَاوية الفَزَارِيُّ: "ثِقَةٌ حافظٌ، كان يُدَلِّس أسماء الشيوخ"، تقدَّم في الحديث رقم (١١٧). ٤) مُعَاوِيَة بن أبي العَبَّاس القَيْسيُّ: "كان يَسْرق أحاديث الثوري فَيَرويها عن شُيوخه، فافتُضِحَ أمره فتركوه"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٧١). ٥) إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي المُهَاجِرِ، أَبُو عَبْدِ الحَميِد المَخْزُومِيُّ، مَوْلاهُمُ، الدِّمَشْقِيُّ. روى عن: أنس بن مالك، وعلي بن عبد الله بن عبَّاس، وأمِّ الدَّرداء الصُّغْرى، وآخرين. روى عنه: الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، ومُعاوية بن أبي العبَّاس، وآخرون. حاله: قال الأوزاعي: كان مأموناً على ما حدَّث. وقال سعيد بن عبد العزيز: كان ثِقَةً صدوقاً، وكان ثَبْتاً.

стр. 1043

وقال العِجْلي، ويعقوب بن سُفْيَان، والدَّارقطني، والذهبي، وابن حجر: ثقةٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". روى له الجماعة، سوى التِّرْمِذِيّ. فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ ثَبْتٌ". (١) ٦) عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبَّاسِ بن عَبْدِ المُطَّلِبِ، أَبُو مُحَمَّدٍ الهَاشِمِيُّ، المَدَنِيُّ، السَّجَّادُ. روى عن: أبيه عبد الله بن عبَّاس، وعبد الله بن عُمر، وأبي هريرة، وآخرين. روى عنه: إسماعيل بن عُبيد الله، والزُّهري، ومنصور بن المُعْتمر، وآخرون. حاله: قال ابن سعد، والعِجْلي، وأبو زرعة: ثِقَةٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال ابن حجر: "ثِقَةٌ عابدٌ". وروى له البخاري في "الأدب" والباقون. (٢) ٧) عبد الله بن عبَّاس بن عبد المُطَلب: "صحابيٌّ جَليلٌ مُكْثرٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (٥١). ثانياً: - الوجه الثاني: إسماعيل، عن عليِّ بن عبد اللَّه بن عَبَّاسٍ، عن أبيه (مَوْقُوفاً). أ تخريج الوجه الثاني: - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٤٨٨)، وابن أبي حاتم في "العلل" (٥/ ١٨/مسألة ١٧٧٥)، والآجري في "الشريعة" (١١٠٩)، والطبراني في "الكبير" (١٠٦٥٠)، وفي "الأوسط" (٣٢٠٩) - ومِنْ طريقه أبو نُعيم في "الحلية" (٣/ ٢١٢)، والضياء المقدسي في "المختارة" (٣٨١) -، وتَمَّام الرَّازي في "فوائده" - كما في "الروض البَسَّام" (١٣٧٠) -، والسَّكن بن جُميع في "حديثه" (ص/٤١٩)، كلهم مِنْ طُرُقٍ عِدَّة عن عَمْرُو بن هاشمٍ، قال: سمعتُ الأَوْزَاعِيَّ يُحَدِّثُ عن إسماعيل بن عُبَيْدِ اللَّهِ، عن عَلِيِّ بن عبد اللَّه بن عَبَّاسٍ، عن أبيه، قال: عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا هُوَ مَفْتُوحٌ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ، كَفْرًا كَفْرًا (٣)، فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (٤) فَأَعْطَاهُ فِي الْجَنَّةِ أَلْفَ قَصْرٍ، فِي كُلِّ قَصْرٍ مَا يَنْبَغِي مِنَ الأَزْوَاجِ وَالْخَدَمِ. وقال أبو محمد ابن أبي حاتم: سألتُ أبي عن هذا الحديث، فقال: هذا غَلَطٌ؛ إنما هو: عن عليِّ بن عبد الله؛ قال: عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ … بلا "أَبِيهِ"؛ وهذا مِمَّا أُنْكِرَ على عَمرِو بن هاشمٍ. وقال الطبراني: لم يَرْوِ هذا الحديث عن إسماعيل بن عُبَيْدِ اللَّه إلا الأَوْزَاعِيُّ، ولا رَوَاهُ عن الأَوْزَاعِيِّ إلا عَمْرُو بن هَاشِمٍ، وسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، تَفَرَّدَ به يحيى بن يَمَانٍ، عن سُفْيَانَ. قلتُ: لم أقف - على حد بحثي - على رواية يحيى بن يمان عن سُفيان مُسْنَدةً، لكن أخرجها البيهقي مُعلَّقةً في "دلائل النبوة" (٧/ ٦٢)، فقال: ورواه يحيى بن اليمان عن الثَّوْرِيِّ، فَوَقَفَهُ.

стр. 1044

- وأخرجه الآجري في "الشريعة" (١١٠٨)، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي داود، حدَّثنا محمود بن خالد، حدَّثنا عُمر بن عبد الواحد، عن الأوزاعي، عن إسماعيل بن عُبيد الله، به. ب دراسة إسناد الوجه الثاني (بإسناد الآجري مِنْ طريق عُمر بن عبد الواحد): ١) عبد الله بن سُليمان الأشعث، أبو بكر بن أبي داود: "ثِقَةٌ حافظٌ مُتْقنٌ". (١) ٢) محمود بن خالد السُّلميّ: "ثِقَةٌ". (٢) ٣) عُمَر بن عبد الواحد بن قيس السُّلَميّ: "ثِقَةٌ"، وقال مَرْوَان بن محمد الطَّاطري، قال: نظرنا في كتب أصحاب الأَوْزَاعِيّ فما رأيت أحداً أصح حديثاً عن الأوزاعيّ مِنْ عُمَر بن عبد الواحد. (٣) ٤) عبد الرحمن بن عَمْرو بن أبي عَمْرو الأوزاعي: "ثِقَةٌ جليلٌ فقيهٌ". (٤) ٥) إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي المُهَاجِرِ: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ"، تَقَدَّم في الوجه الأول. ٦) عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبَّاسِ بن عَبْدِ المُطَّلِبِ: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الوجه الأول. ٧) عبد الله بن عبَّاس بن عبد المُطَلب: "صحابيٌّ جَليلٌ مُكْثرٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (٥١). ثالثاً: - الوجه الثالث: إسماعيل بن عُبَيْد اللَّه، عن عليِّ بن عبد اللَّه بن عَبَّاسٍ (مُرْسلاً). أ تخريج الوجه الثالث: - أخرجه ابن أبي حاتم في "العلل" (٥/ ١٩/مسألة ١٧٧٥)، قال: حدَّثَنا أَبُو زُرْعَةَ، قال: حدَّثنا عَمرو بن هاشم البَيْروتيُّ بمكةَ، عن الأَوْزاعيِّ، عن إسماعيلَ بن عُبَيد الله بن أبي المُهَاجِرِ المَخْزُوميِّ، عن عليِّ بن عبد الله بن عبَّاسٍ، قال: عُرِضَ عَلَى رسول الله ﷺ … ليس فيه: "عَنْ أَبِيهِ". قال ابن أبي حاتم: فأَحْسَبُ أنَّه سَمِعَ أبو زُرْعَةَ مِنْ عَمْرو بن هاشم بمكة على الصِّحَّةِ، ثم لعلَّه لُقِّنَ بعدَ ذلك: «عَنْ أَبِيهِ»، فَتَلَقَّنَ؛ فسمع مُوسَى بن سَهْلٍ منه على تلقين الخطأ. - وابن أبي حاتم في "العلل" (٥/ ٢١/مسألة ١٧٧٥)، قال: حدَّثنا أبو زُرْعة؛ وأخرجه أبو إسحاق الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٢٤)، مِنْ طريق عبد بن حُميد؛ والبيهقي في "دلائل النبوة" (٧/ ٦٢) مِنْ طريق إبراهيم بن هانئ النَّيسابوري؛ ثلاثتهم (أبو زرعة، وعبد بن حُميد، وإبراهيم) عن قَبِيْصَة بن عُقْبة - مِنْ أصح الأوجه عنه (٥) -، عن سُفْيَان الثوري (٦)، عن الأَوْزاعيِّ، عن إسماعيلَ، عن عليِّ بن عبد الله بن عبَّاسٍ، مُرسَلاً.

стр. 1045

وقال ابن أبي حاتم: والصَّحيحُ عند أبي زُرْعَةَ: ما حدَّثَنا به عن قَبِيصَةَ بن عُقْبةَ، وما وقع عنده عن عَمرِو بن هاشم، مُرسَلاً. - وأخرجه ابن أبي شيبة في "المُصَنَّف" (٣٣٩٨٠)، وابن جرير الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٤٨٨)، مِنْ طريقين عن رَوَّاد بن الجَرَّاح - مِنْ أصح الأوجه عنه (١) -، عن الأَوْزَاعِيِّ، عن إسماعيل بن عُبَيْدِ اللَّه، عن عَلِيٍّ بن عبد الله بن عَبَّاس، في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (٢)، قال: أَلْفُ قَصْرٍ مِنْ لُؤْلُؤٍ أَبْيَضَ، تُرَابُهُ الْمِسْكُ، وَفِيهِنَّ مَا يُصْلِحُهُنَّ. ب دراسة إسناد الوجه الثالث (بإسناد ابن أبي حاتم، مِنْ طريق عَمرو بن هاشمٍ): ١) عُبيد الله بن عبد الكريم، أبو زرعة الرَّازي: "إمامٌ حافظٌ ثِقَةٌ مَشْهورٌ". (٣) ٢) عَمرو بن هاشم البَيْرُوتي: "قال محمد بن مُسْلم بن وَارَة: كان قليل الحديث، ليس بذاك، كان صغيراً حين كتب عن الأَوْزَاعِيّ. وقال ابن عدي: ليس به بأسٌ. وقال ابن حجر: صدوقٌ يُخْطئ.". (٤) ٣) عبد الرحمن بن عَمْرو بن أبي عَمْرو الأوزاعي: "ثِقَةٌ جليلٌ فقيهٌ". (٥) رابعاً: - النظر في الخلاف على هذا الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ هذا الحديث مَدَاره على إسماعيل بن عُبَيْد الله المَخْزُومي، واختُلف عنه مِنْ أوجهٍ: الوجه الأول: إسماعيل بن عُبَيْد اللَّه، عن عليِّ بن عبد اللَّه بن عَبَّاسٍ، عن أبيه (مَرْفُوعاً). الوجه الثاني: إسماعيل بن عُبَيْد اللَّه، عن عليِّ بن عبد اللَّه بن عَبَّاسٍ، عن أبيه (مَوْقُوفاً). رواه الأوزاعي - بإحدى الأوجه عنه - بهذا الوجه؛ وجاء عن الأوزاعي مِنْ ثلاث طُرُقٍ: الأول: ما أخرجه الآجري في "الشريعة" بسندٍ صحيحٍ، عن عُمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي عن إسماعيل بن عُبيد الله، به. وعُمر بن عبد الواحد: "ثِقَةٌ، مِنْ أثبت النَّاس في الأوزاعي" كما سبق بيانه. الثاني: ما أخرجه الطبري وغير واحدٍ مِنْ طُرُقٍ عِدَّةٍ عن عَمْرو بن هاشم البَيْرُوتي - بإحدى الأوجه عنه - عن الأوزاعي عن إسماعيل بن عُبيد الله، به. والبَيْرُوُتِيُّ: "ليس بذاك في الأوزاعي" كما سبق. قلتُ: وهذا الوجه قد أخرجه ابن أبي حاتم في "العلل" كما سبق، مِنْ طريق عَمرو بن هاشمٍ وحده عن

стр. 1046

الأوزاعي، ولم يذكر بقية الطرق عن الأوزاعي بهذا الوجه، ثم ذكر قول أبي حاتم: بأنَّه غلطٌ، وأنَّه مِمَّا أُنْكر على عَمرو بن هاشمٍ، ثُمَّ رجح الوجه المرسل كما سبق بيانه. مع العلم أنَّ عَمرو بن هاشم قد اختُلف عنه في هذا الحديث، فَرواه مَرَّةً عن الأوزاعي عن إسماعيل بهذا الوجه الموقوف، ورَواه مَرَّة عن الأوزاعي عن إسماعيل بالوجه الثالث المرسل كما سبق، وهذا بخلاف عُمر بن عبد الواحد فلم يُختلف عليه في هذا الحديث. الثالث: ما رواه البيهقي مُعلَّقاً عن يحيى بن اليمان عن سُفْيان الثوري - بإحدى الأوجه عنه - عن الأوزاعي عن إسماعيل بن عُبيد الله، به. ويحيى بن اليَمان: ضَعَّفَه أحمد بن حنبل، وقال: حدَّث عن الثوري بعجائب لا أدري لم يزل هكذا أو تَغَيَّر حين لقيناه أو لم يزل الخطأ في كتبه، وروى مِنْ التفسير عن الثوري عجائب. وقال وكيع: هذه الأحاديث التي يحدِّث بها يحيى بن يمان ليست من أحاديث الثوري. وقال ابن معين: ليس بالقوي في حديثه عن سُفيان. (١) الوجه الثالث: إسماعيل بن عُبَيْد اللَّه، عن عليِّ بن عبد اللَّه بن عَبَّاسٍ (مُرْسلاً). وأمَّا هذا الوجه (المرسل) فقد رواه الأوزاعيّ أيضاً، وجاء عنه مِنْ طريقين، وهما: الأول: ما أخرجه ابن أبي حاتم في "العلل" عن أبي زُرْعة عن عَمرو بن هاشم البَيْروتي - بإحدى الأوجه عنه - عن الأوزاعيّ عن إسماعيل بن عُبيد الله، به (مُرْسلاً). قلتُ: وعَمرو بن هاشم: "ليس بذاك في الأوزاعي"، وقد اختُلف عنه في هذا الحديث كما سبق بيانه. ومع ذلك فقد قال ابن أبي حاتم بعد أنْ أخرج الحديث بهذا الوجه: أَحْسَبُ أنَّ أبا زُرْعَةَ سَمِعَه مِنْ عَمْرو بن هاشم بمكة على الصِّحَّةِ، ثم لعلَّه لُقِّنَ بعدَ ذلك: «عَنْ أَبِيهِ»، فَتَلَقَّنَ؛ فسمع مُوسَى بن سَهْلٍ منه على تلقين الخطأ. وذكر أنَّ أبا حاتم وأبا زُرْعة قد رَجَّحَا هذا الوجه. قلتُ: لكنَّ عَمرو بن هاشم لم يَنْفرد عن الأوزاعي بذكر "أبيه"، بل تابعه عُمر بن عبد الواحد عن الأوزاعيّ، وعُمر هذا "ثِقَةٌ" مِنْ أثبت النَّاس في الأوزاعي، مع صحة الإسناد إليه، وعدم الاختلاف عنه في هذا الحديث؛ فلعلَّ ابن أبي حاتم ﵁ قد جانبه الصواب في الاحتمال الذي ذكره، والله أعلم. الثاني: ما أخرجه غير واحدٍ مِنْ طُرقٍ عن قَبِيْصة عن الثوري عن الأوزاعي عن إسماعيل، به (مُرْسلاً). قلتُ: وقَبيصة بن عُقْبة قد تكلَّموا في روايته عن الثوري، فقال ابن معين: ثقةٌ إلا في حديث الثوري ليس بذلك القوى، فإنَّه سَمِع وهو صغير. وقال أحمد: كان كثير الغلط في روايته عن سُفْيان، وكان صَغيراً لا يضبط. وقال الذهبي: الرَّجل ثِقَةٌ، وما هو في سُفْيَانَ كابن مَهْدِيٍّ، ووكِيْعٍ، وقد احْتَجَّ به الجماعةُ في سُفْيَانَ وغيره. (٢) وقد اختُلف فيه على قَبِيْصة كما سبق، وقد خالفه يحيى بن اليمان فرواه عن الثوري (موقوفاً)، كما سبق بيانه في الوجه الثاني.

стр. 1047

فَمِن خلال ما سبق يَتَبَيَّن أنَّ الوجه الثاني (الموقوف) لعلَّه هو الأقرب إلى الصواب؛ للقرائن الآتية: ١) أنَّ الوجه الثاني قد رواه عُمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي، وعُمرٌ هذا: "ثِقَةٌ، مِنْ أثبت النَّاس في الأوزاعيّ"، وقد صَحَّ الإسناد إليه، ولم يُخْتلف عليه في هذا الحديث. ٢) أنَّ الوجه الأول (المرفوع) في إسناده مُعاوية بن أبي العبَّاس: "كان يَسْرق أحاديث الثوري، فتركوه"، مع مخالفته لمَا رَوَاه الأوزاعي عن إسماعيل بن عُبيد الله. ٣) أمَّا الوجه الثالث فقد رواه عَمرو بن هاشم البَيْرُوتي عن الأوزاعي، وقد اختُلِف فيه على عَمرو بن هاشم: فَرُوي عنه مَرَّة بالوجه الثاني (الموقف)، ورُوي عنه مَرَّة بالوجه الثالث (المرسل)، وعَمروٌ هذا "ليس بذاك في الأوزاعي" فدَّل ذلك على أنَّه لم يَضبط هذا الحديث عن الأوزاعي، فَيُرجح مِنْ الوجهين ما تُوبع عليه، وقد تابعه عُمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي بالوجه الثاني (الموقوف). وأمَّا متابعة الثوري له على الوجه الثالث (المرسل): فقد رواها قَبِيْصَةُ بن عُقْبة عن الثوري، وقد تكلَّموا في روايته عن الثوري، وقد اختُلف فيه أيضاً على قبيصة مِمَّا يدل على أنَّه لم يَضبط هذا الحديث عن الثوري، فلعلَّه مِمَّا أخطأ فيه عن الثوري. قلتُ: وأمَّا ترجيح الإمام أبي حاتمٍ وأبي زُرْعة للوجه الثالث (المرسل)، فهو صحيحٌ باعتبار ما ذكره فقط، بدون رواية عُمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي، فلعلَّه لم يَقف عليها أو غير ذلك مِنْ الأسباب، فالله أعلم. خامساً: - الحكم على الحديث: أ الحكم على الحديث بإسناد الطبراني: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ جداً"؛ لأجل مُعاوية بن أبي العبَّاس "كان يَسْرق أحاديث الثوري فَيَرويها عن شُيوخه، فتركوه"، وقد خالف ما رواه الثقات عن إسماعيل بن عُبيد الله. قال الهيثمي: فيه مُعَاوِيَةُ بن أبي العبَّاس، لم أعرفه، وبقيَّةُ رجاله ثِقَاتٌ. (١) قلتُ: بل سبق بيانه. ب الحكم على الحديث بالوجه الراجح (بإسناد الآجري في "الشريعة" عن عُمر بن عبد الواحد): مِنْ خلال ما سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث مِنْ الوجه الراجح (الموقوف) بإسناد الآجري في "الشريعة" بسنده عن عُمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي عن إسماعيل بن عُبيد الله عن عليّ بن عبد الله بن عبَّاس عن أبيه: "إسناده صحيحٌ"، وهو مِنْ الموقوف الذي له حكم الرفع، فمثله لا يُقال إلا بتوقيفٍ، والله أعلم. قلتُ: والحديث أخرجه الطبري وابن أبي حاتمٍ والطبراني وغيرهم، مِنْ طُرُقٍ عن عَمرو بن هاشم البَيْرُوتي عن الأوزاعي، به. وقال الهيثمي: إسناد الطبراني في "الكبير" حسنٌ. (٢) وقال ابن كثير: رواه ابن جرير مِنْ طريق الأوزاعي بسنده عن ابن عبَّاس، وإسناده صحيحٌ إلى ابن عبَّاس، ومِثْلُ هذا لا يُقال إلا عن توقيف.

стр. 1048

وقال ابن الجزري: رواه ابنُ جَرِيرٍ وابنُ أبي حاتمٍ مِنْ طريق الأوزاعي، وهذا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إلى ابن عبَّاسٍ. ومثل هذا لا يقال: إلا عن تَوْقِيفٍ فهو في حكم المرفوع عند الجماعة. (١) قلتُ: إسناد ابن جرير وابن أبي حاتم لا يَنْهض أنْ يكون صَحِيْحَاً لذاته، ففي سنده عَمرو بن هاشم البَيْرُوتِيّ، قال ابن وَارَة: كان قليل الحديث، ليس بذاك، كان صغيراً حين كتب عن الأَوْزَاعِيّ. وقال ابن حجر: صدوقٌ يُخطئ. (٢) لكن؛ لعلَّه صحيحٌ بمجموع طرقه، فقد تابعه عُمَر بن عبد الواحد عن الأوزاعي. سادساً: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْو هذا الحديث عن مُعاوية إلا مَرْوَان. (٣) قلتُ: ومِمَّا سبق في التخريج يَتَّضح صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁. * * *

стр. 1049

[١٧٣/ ٥٧٣]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: نا أَبِي، قَالَ: نا مَرْوَانُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١)، قَالَ: «هُمْ مِنْ عُكْلٍ (٢)». * لم يَرْوِ هذه الأحاديث عن مُعَاوِيَةَ إلا مَرْوَانُ. هذا الحديث مَدَاره على أيوب السِّخْتِيَانيّ، واختُلف عنه مِنْ وجهين: الوجه الأول: أيوب السَّخْتِيَانيّ، عن أبي قلابة، عن أنس ﵁، عن النَّبيّ ﷺ (مرفوعًا). الوجه الثاني: أيوب السَّخْتِيَانيّ، عن أبي قلابة، عن أنس ﵁ (موقوفًا). وتفصيل ذلك كالآتي: أولًا: - الوجه الأول: أيوب السَّخْتِيَانيّ، عن أبي قلابة، عن أنس ﵁، عن النَّبيّ ﷺ (مرفوعًا). أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه الخطيب البغداديُّ في "موضح أوهام الجمع والتفريق" (٢/ ٤٢٤)، مِنْ طريق محمد بن غَالب التّمْتَام، حدَّثنا عِيسَى بن مُسَاوِرٍ الجَوْهَرِيُّ، حدَّثنا مَرْوَانُ، عن مُعَاوِيَةَ بن أبي العَبَّاسِ، عن أَيُّوب، به. ب دراسة إسناد الوجه الأول: ١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوْهَريُّ: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠١). ٢) عيسى بن مُسَاور الجَوْهَريُّ: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١١٣). ٣) مَرْوَان بن مُعَاوية الفَزَارِيُّ: "ثِقَةٌ حافظٌ، كان يُدَلِّس أسماء الشيوخ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١١٧). ٤) مُعَاوِيَة بن أبي العَبَّاس القيسيُّ: "كان يَسْرق أحاديث الثوري فَيَرويها عن شُيوخه، فافتُضِحَ أمره فتركوه"، تقدَّم في الحديث (١٧١). ٥) أَيُّوب بن أَبي تَمِيْمَة، السَّخْتِيَانيُّ: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ مِن كِبَار الفقهاء العُبَّاد"، تقدَّم في الحديث رقم (١٤٠). ٦) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، أَبُو قِلابَةَ الْجَرْمِيُّ: "ثِقَةٌ فَاضِلٌ، كَثِيرُ الإرسال"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١١٦). ٧) أنس بن مالك ﵁: "صحابيٌّ، جليلٌ، مُكْثِرٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٣). ثانيًا: - الوجه الثاني: أيوب السَّخْتِيَانيّ، عن أبي قلابة، عن أنس ﵁ (موقوفًا). أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه الطحاوي في "شرح مُشْكِل الآثار" (١٨١٠)، وفي "شرح معاني الآثار" (٥٠٠١)، قال: حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ

стр. 1050

يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾، قَالَ: " هُمْ قَوْمٌ مِنْ عُكْلٍ قَطَعَ النَّبِيُّ ﷺ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ ". • وأخرجه عبد الرَّزَّاق في "المُصَنَّف" (١٧١٣٣) - ومِنْ طريقه أحمد في "مُسْنَدِه" (١٢٦٣٩)، وأبو عوانة في "المُستخرَج" (٦١١٢/ ٢) -، والنَّسائي في "الكبرى" (٣٤٧٦) ك/المحاربة، ب/تَأْوِيلُ قَوْلِ اللهِ ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾، وفي "الصغرى" (٤٠٢٧)، عن سُفْيَان الثوري، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ نَاسًا أَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ مِنْ عُكْلٍ فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَ لَهُمْ بِذَوْدِ لِقَاحٍ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا. واللفظ لعبد الرَّزَّاق. • وأبو داود في "سننه" (٤٣٦٦) ك/الحدود، ب/المُحَارَبَةِ، والنَّسائي في "الكبرى" (٣٤٧٤ و ٣٤٧٥) ك/المحاربة، ب/تَأْوِيلُ قَوْلِ اللهِ ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾، وبرقم (١١٠٧٨) ك/التفسير، ب/قَوْلُ الله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ وفي "الصغرى" (٤٠٢٥ و ٤٠٢٦)، مِنْ طُرُقٍ عن الأَوْزَاعِيِّ، عن يَحْيَى بن أبي كَثِيرٍ، عن أبي قِلَابَةَ، عن أَنَسِ بن مَالِكٍ ﵁، وذكر الحديث بنحو رواية حمَّاد بن زيد الآتية، وفيه: قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآيَةَ. • وأصل الحديث في "الصحيحين"، مِنْ طُرُقٍ عن أيوب السَّخْتِيَانيّ: - فأخرجه البخاري في "صحيحه" (٢٣٣) ك/الوضوء، ب/أَبْوَالِ الإِبِلِ، وبرقم (٦٨٠٥) ك/الحدود، ب/لَمْ يُسْقَ المُرْتَدُّونَ المُحَارِبُونَ حَتَّى مَاتُوا، عن حَمَّاد بن زيد؛ وبرقم (٣٠١٨) ك/الجهاد والسِّيَر، ب/إِذَا حَرَّقَ المُشْرِكُ المُسْلِمَ هَلْ يُحَرَّقُ، وبرقم (٦٨٠٤) ك/الحدود، ب/لَمْ يُسْقَ المُرْتَدُّونَ المُحَارِبُونَ حَتَّى مَاتُوا؛ عن وُهَيْبٍ بن خَالد، كلاهما عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ، فَاجْتَوَوْا المَدِينَةَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ، بِلِقَاحٍ، وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَانْطَلَقُوا، فَلَمَّا صَحُّوا، قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ، فَجَاءَ الخَبَرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَأُلْقُوا فِي الحَرَّةِ، يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ. قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فَهَؤُلَاءِ سَرَقُوا وَقَتَلُوا، وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. واللفظ لحمَّاد، والباقون بنحوه. - ومُسْلمٌ في "صحيحه" (١٦٧١) ك/القسامة والمحاربين، ب/حُكْمِ الْمُحَارِبِينَ وَالْمُرْتَدِينَ، مِنْ طريق حَمَّاد بن زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، مَوْلَى أَبِي قِلابَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو قِلابَةَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَوْمٌ مِنْ عُكْلٍ، أَوْ عُرَيْنَةَ فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِلِقَاحٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، … الحديث. (١)

стр. 1051

ثالثًا: - النظر في الخلاف على هذا الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث مَدَاره على أيوب السِّخْتِيَانيّ، واختُلف عنه مِنْ وجهين: الوجه الأول: أيوب السَّخْتِيَانيّ، عن أبي قلابة، عن أنس ﵁، عن النَّبيّ ﷺ (مرفوعًا). الوجه الثاني: أيوب السَّخْتِيَانيّ، عن أبي قلابة، عن أنس ﵁ (موقوفًا). والذي يَظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الثاني هو الأشبه والأقرب للصواب؛ لانفراد مُعاوية بن أبي العَبَّاس بروايته عن أيوب بالوجه الأول؛ مع مخالفته لِمَا رواه الثِّقات عن أيوب. قلتُ: ومُعاوية بن أبي العَبَّاس: "كان يَسْرق أحاديث الثوري، فَيَرويها عن شُيوخه، فافتُضِحَ أمره فتركوه" - كما سبق في ترجمته -، والحديث رواه الثوري عن أيوب بالوجه الثاني؛ فلَعَلَّ الحديث سرقه مُعاوية بن أبي العَبَّاس مِنْ الثوري، ورواه عن أيوب، ثُمَّ أخطأ فيه فرفعه، والله أعلم. رابعًا: - الحكم على الحديث: أ الحكم على الحديث بإسناد الطبراني: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ جداً"؛ لأجل مُعاوية بن أبي العبَّاس "كان يَسْرق أحاديث الثوري فَيَرويها عن شُيوخه، فتركوه"، وقد خالف ما رواه الثقات عن أيوب السَّخْتِيَانيّ. ب الحكم على الحديث مِنْ وجهه الراجح: ومِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث مِنْ وجهه الراجح "صَحيحٌ"، وأصله مِنْ طُرُقٍ عن أيوب في "الصحيحين". خامسًا: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْو هذا الحديث عن مُعاوية إلا مَرْوَان. قلتُ: ومِمَّا سبق في التخريج يَتَّضح صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁. سادسًا: - التعليق على الحديث: قال الإمام النووي: اختلف العلماء في المُرَادِ بهذه الْآيَةِ الكَرِيمَةِ، فقال مَالِكٌ: هي على التَّخْيِيرِ، فَيُخَيَّرُ الإِمَامُ بَيْنَ هَذِهِ الْأُمُورِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُحَارِبُ قَدْ قَتَلَ فَيَتَحَتَّمُ قَتْلُهُ؛ وقال أبو حَنِيفَةَ، وَأَبُو مُصْعَبٍ الْمَالِكِيُّ: الإِمَامُ بِالْخِيَارِ وَإِنْ قَتَلُوا؛ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَآخَرُونَ: هِيَ عَلَى التَّقْسِيمِ، فَإِنْ قَتَلُوا وَلَمْ يَأْخُذُوا الْمَالَ قُتِلُوا، وَإِنْ قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ قُتِلُوا وَصُلِبُوا، فَإِنْ أَخَذُوا الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلُوا قُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ، فَإِنْ أَخَافُوا السَّبِيلَ وَلَمْ يَأْخُذُوا شَيْئًا وَلَمْ يَقْتُلُوا طُلِبُوا حَتَّى يُعَزَّرُوا، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالنَّفْيِ عِنْدَنَا؛ قَالَ أَصْحَابُنَا: لِأَنَّ ضَرَرَ هَذِهِ الْأَفْعَالِ مُخْتَلِفٌ فَكَانَتْ عُقُوبَاتُهَا مُخْتَلِفَةً، وَلَمْ تَكُنْ لِلتَّخْيِيرِ، وَتَثْبُتُ أَحْكَامُ الْمُحَارَبَةِ فِي الصَّحْرَاءِ، وَهَلْ تَثْبُتُ فِي الْأَمْصَارِ؟ فِيهِ خِلَافٌ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَثْبُتُ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: تَثْبُتُ.

стр. 1052

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵁: واخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ في مَعْنَى حَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ هَذَا، فَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: كَانَ هَذَا قَبْلَ نُزُولِ الْحُدُودِ، وَآيَةِ الْمُحَارَبَةِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُثْلَةِ، فَهُوَ مَنْسُوخٌ؛ وَقِيلَ: لَيْسَ مَنْسُوخًا، وَفِيهِمْ نَزَلَتْ آيَةُ الْمُحَارَبَةِ، وَإِنَّمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِهِمْ مَا فَعَلَ قِصَاصًا؛ لِأَنَّهُمْ فَعَلُوا بِالرُّعَاةِ مِثْلَ ذَلِكَ. (١) وقال الحافظ ابن حجر: وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ أَوَّلًا فِيهِمْ وَهِيَ تَتَنَاوَلُ بِعُمُومِهَا مَنْ حَارَبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ لَكِنَّ عُقُوبَةَ الْفَرِيقَيْنِ مُخْتَلِفَةٌ، فَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا يُخَيَّرُ الْإِمَامُ فِيهِمْ إِذَا ظَفِرَ بِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ فَعَلَى قَوْلَيْنِ، أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّينَ يُنْظَرُ فِي الْجِنَايَةِ فَمَنْ قَتَلَ قُتِلَ، وَمَنْ أَخَذَ الْمَالَ قُطِعَ، وَمَنْ لَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا نُفِيَ، وَجَعَلُوا (أَوْ) لِلتَّنْوِيعِ، وَقَالَ مَالِكٌ: بَلْ هِيَ لِلتَّخْيِيرِ فَيَتَخَيَّرُ الْإِمَامُ فِي الْمُحَارِبِ الْمُسْلِمِ بَيْنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ الْأَوَّلَ. (٢) * * *

стр. 1053

[١٧٤/ ٥٧٤]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: نا أَبُو بِلالٍ الأَشْعَرِيُّ، قَالَ: نا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلامِهِ: لا إِلَهَ إلا اللَّهُ، لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ». * لم يَرْوِ هذا الحديث عن عَطَاءٍ إلا أبو الأَحْوَصِ. أولاً: - تخريج الحديث: • لم أقف عليه - على حد بحثي - بهذا الوجه عن سيدنا عليّ بن أبي طالبً ﵁، إلا برواية الباب. ثانياً: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوهري: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠١). ٢) أَبُو بِلَالٍ بن مُحَمَّدِ بن الحَارِثِ بن عَبْد اللهِ بن أبي بُرْدَة بن أبي مُوسَى الأَشْعَريُّ. اختُلف في اسمه، فقيل: مِرْداس، وقيل: محمد، وقيل: عبد الله. وقيل: اسمه وكنيته واحد، وهو الصواب. روى عن: أبي الأحوص سلَّام بن سُليم، وقيس بن الربيع، ومالك بن أنس، وآخرين. روى عنه: أحمد بن القاسم، ومحمد بن عُثْمان بن أبي شيبة، وأبو حاتم الرَّازي، والنَّاس. حاله: قال ابن حبَّان: يُغْرِب ويَتَفَرَّد. وقال الدَّارقُطني: ضَعيفٌ. وقال البيهقي: لا يُحْتَجُّ به. (١) ٣) سَلاَّمُ بنُ سُلَيْمٍ، أَبُو الأَحْوَصِ الحَنَفِيُّ، الكُوْفِيُّ. روى عن: عطاء بن السَّائب، وسُليمان الأعمش، وأبي إسحاق السَّبيعي، وآخرين. روى عنه: أبو بلال الأشعري، وعبد الرحمن بن مَهْدي، ووكيع بن الجَّراح، وآخرون. حاله: قال ابن معين، وابن حجر: ثِقَةٌ مُتْقِنٌ. وقال العِجْلي، وأبو زرعة، والنَّسائيُّ: ثِقَةٌ. وقال أبو حاتم: صدوقٌ دون زائدة وزُهيرٍ في الإتقان. وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وقال في "المشاهير": مِنْ الأَثْبات في الرِّوايات. وقال الذهبي في "الميزان": صدوقٌ ثقةٌ، وغيره أثبت منه. وروى له الجماعة. (٢) ٤) عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ بْنِ مَالِكٍ الثَّقَفِيُّ، أَبُو زَيْدٍ الْكُوفِيُّ. روى عن: أبي البَخْتَرِيّ الطائيّ، وسعيد بن جُبَيْر، ومُجاهد بن جَبْر، وآخرين. روى عنه: سَلَّام بن سُلَيْم، إسماعيل بن عُلَيَّة، وجرير بن عبد الحميد، والسُفْيَانان، وشُعبة، وآخرون. حاله: قال أيوب السختيانيّ، وابن معين، والعِجْليّ، والطبرانيّ، والنَّسائيّ: ثِقَةٌ. وقال أحمد: ثِقَةٌ ثِقَةٌ. وقال ابن معين: اختلط. وقال يَحيى القَطّان: ما سَمِعتُ أحدا من الناس يَقُولُ فِي عَطاء بْن السائب شيئًا

стр. 1054

في حديثه القديم. وقال أحمد: من سمع منه قديمًا كان صحيحًا، ومَنْ سَمِعَ منه حديثًا لم يكن بشيء، سمع منه قديمًا: شعبة وسفيان، وسمع منه حديثًا: جرير، وخالد بن عبد الله، وإسماعيل بن عُلَيَّة، وعلي بن عاصم. وقال وُهيب: لمَّا قَدِمَ عطاءٌ البصرة، قال: كتبتُ عن عُبَيْدة ثلاثين حديثًا، ولم يسمع من عبيدة شيئًا، فهذا اختلاطٌ شديدٌ. وقال أبو حاتم: محله الصدق قديمًا قبل أن يختلط، صالح مستقيم الحديث، ثُمَّ بآخرة تَغَيَّر حفظه في حديثه تخاليط كثيرة، وحديث البصريين الذين يحدثون عنه تخاليط كثيرة لأنَّه قدم عليهم في آخر عمره، وما روى عنه ابن فضيل ففيه غلطٌ واضطرابٌ رفع أشياء كان يرويه عن التابعين فرفعها إلى الصحابة. وقال الذهبيّ: مِنْ كِبَار العلماء، لكنَّه ساء حفظه قليلاً في أواخر عمره. وقال ابن حجر: صدوقٌ اختلط. وعلَّق د/بَشَّار في "تهذيب الكمال"، فقال: يُتَّقَى جدًا من غير حديثه القديم، فإن الشيعة قد رووا له كما يظهر في كتبهم، بل ساق له الخوئي حديثًا في التقية، ثم قال: هذه الرواية تدل على أن عطاء بن السائب كان شيعيًا، ويظهر مما ذكره غير واحد من علماء العامة (يعني: السنة) من أنه ثِقَةٌ في حديثه القديم لكنَّه اختلط وتَغَيَّر: وأنَّه كان من العامة سابقًا ثم استبصر!! فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ، اختلط بآخرة". (١) ١) سَعِيدُ بن فَيْرُوزَ، أَبُو البَخْتَرِيِّ الطَّائِيُّ مَوْلاهُمُ، الْكُوفِيُّ. روى عن: أبيه فَيْروز، وعبد الله بن عُمر، وعبد الله بن عبَّاس، وعليّ بن أبي طالب ﵃، وغيرهم. روى عنه: عبد الملك بن عُمَير، وعَمرو بن مُرَّة، وحبيب بن أبي ثابت، وعطاء بن السائب، وآخرون. حاله: قال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والعجلي، وابن حبَّان: ثِقَةٌ. وزاد أبو حاتم: صدوقٌ. وقال الذهبي: صدوقٌ. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، فيه تشيُّعٌ قليلٌ، كثير الإرسال. وروى له الجماعة. وقال ابن سعد: كثير الحديث، يُرْسِلُ، ويروي عن الصحابة، ولم يَسمع مِنْ كثير أحدٍ، فما كان من حديثه سماعاً فهو حسن، وما كان "عن" فهو ضعيفٌ. وقال ابن معين: لم يسمع من علي شيئًا. وقال المِزِّيّ: روى عن عليّ بن أبي طالب مُرْسَل. وقال الذهبي: أشار أبو أحمد الحاكم إلى تليينه، وما ذاك إلا لكونه يُرسل عن عليٍّ والكبار. وقال العلائي، وابن حجر: كثير الإرسال. فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، كثير الإرسال". (٢) ٥) عليُّ بن أبي طالب ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٩). ثالثاً: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبرانيّ "ضَعيفٌ"، لأجل أبي بلالٍ الأشًعريّ "ضَعيفٌ"، وعطاء بن السائب "اختلط بآخرة"، وقد روى عنه سَلَّام بن سُلَيْم، ولم تَتَمَيَّز روايته، هل روى عنه قبل الاختلاط أم بعده؟، وسعيد بن فَيْروز: لم يَسْمَع مِنْ سيدنا عليّ بن أبي طالبٍ ﵁ شَيئاً، فهو "مُنْقَطِعٌ".

стр. 1055

قال الهيثميُّ: رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه أبو بلال الأشعريّ، ضَعَّفَه الدَّارقُطنيّ. (١) شواهد للحديث: • أخرج البخاري، ومُسلمٌ في "صحيحيهما" مِنْ حديث عِتْبَان بن مالك ﵁، أنَّ النَّبيّ ﷺ ، قال: " إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إلا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ ". (٢) • وأخرج البخاري، ومُسلمٌ في "صحيحيهما" مِنْ حديث أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ!». قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ!». قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ!». قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أَنَّ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إِلا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلا أُخْبِرُ بِهَا فَيَسْتَبْشِرُوا، قَالَ: «إِذًا يَتَّكِلُوا»، فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذُ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا. (٣) • وأخرج الإمام مُسلمٌ في "صحيحه" عن عُبَادة بن الصامت ﵁، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ». (٤) • وأخرج البخاري، ومُسلمٌ في "صحيحيهما" عن أبي ذَرّ ﵁، أنَّ النَّبيّ ﷺ ، قال: " مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلا دَخَلَ الْجَنَّةَ " قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ» قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ» ثَلاثًا، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: «عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ» قَالَ: فَخَرَجَ أَبُو ذَرٍّ وَهُوَ يَقُولُ: وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ. (٥) وعليه؛ فالحديث يرتقي بشواهده إلى "الصحيح لغيره"، والله أعلم.
следующие страницы →