← Книги сунны

Книги сунны · id 541

القسم الثاني من المعجم الأوسط للطبراني

الطبراني

Полный текст (1 397 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

[٣/ ٤٠٣]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا أَبُو تَوْبَةَ، قَالَ: نا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ (١): أَنَّ رَجُلا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه! أَنَبِيًّ كَانَ آدَمُ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: كَمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نُوحٍ؟ قَالَ: «عَشَرَةُ قُرُونٍ». قَالَ: كَمْ بَيْنَ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: «عَشَرَةُ قُرُونٍ». قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمْ كَانَتِ الرُّسُلُ؟ قَالَ: «ثَلاثُمَائةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ». * لا يُرْوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَبِي أُمَامَةَ إِلا بِهَذَا الإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِهِ: مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّام. أولاً:- تخريج الحديث: • أخرجه الطبراني في "الكبير" (٧٥٤٥)، وفي "الشاميين" (٢٨٦١) (٢) - ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخه" (٦/ ٤٤٦) -، قال: حدثنا أحمد بن خُليْد، به. • وأخرجه عثمان بن سعيد الدارمي في "الرد على الجهمية" (٢٩٩) - ومن طريقه الحاكم في "المستدرك" (٣٠٣٩)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٤٤٠)، وابن عساكر في "تاريخه" (٧/ ٤٤٦) -؛ وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٥١٨٣)، وأبو جعفر البَخْتَريُّ في "جزئه" (٣) (٧٦٨) - ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخه" (٧/ ٤٤٦) -؛ وابن حبان في "صحيحه" (٦١٩)، (٤) كلهم من طرق عن أبي توبة، به. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وذكره ابن كثير بإسناد ابن حبان، وقال: هذا على شرط مسلم، ولم يخرجه. (٥) • وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢٢٢٨٨)، والطبراني في "الكبير" (٧٨٧١)، وابن عساكر في "تاريخه"

стр. 107

(٧/ ٤٤٥)، مِنْ طُرُقٍ عن أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الخولاني، عن مُعان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة. عند أحمد، والطبراني مطولًا، وعند ابن عساكر مختصرًا. ثانياً:- دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) أبو توبة الربيع بن نافع: "ثِقَةٌ حُجَّةٌ عابدٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١) ص ٨٧. ٣) معاوية بن سلّام: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢). ٤) زيد بن سلّام: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢). ٥) أبو سلّام مَمْطُور الأسود الحُبْشِيُّ: "ثِقَةٌ، مُتَّفَقٌ على توثيقه، لكنَّه يُرْسِلُ"، تقدم في الحديث رقم (٢). قلتُ: جاء في "المراسيل" لابن أبي حاتم، و"جامع التحصيل" للعلائي: ما يفيد بأن رواية أبي سلام عن أبي أُمامة مرسلة، فقال أبو حاتم: حديثه عن النعمان بن بشير، وأبي أمامة، وعمرو بن عبسة مرسل. (١) لكن جاء في "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم: ما يفيد تقييد الإرسال بروايته عن عمرو بن عبسة حيث قال: روى عن ثوبان، والنعمان (٢)، وأبي أمامة، وروى عن عمرو بن عبسة مرسل. (٣) قلتُ: وقد صرّح أبو سلام بسماعه من أبي أمامة لهذا الحديث على وجه الخصوص، كما في رواية الباب، وثبت ذلك أيضاً في بعض طُرُقِ الحديث - كما عند ابن حبَّان في "صحيحه" (٦١٩٠)، وفي "مسند الشاميين" (٢٨٦١) -، وصَرَّح بسماعه مِنْه في غير حديث الباب، من ذلك: أ حديث " اقْرَأُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصْحَابِهِ ..... " (٤) فقد صرّح فيه أبو سلام بسماعه من أبي أمامة فقال: "سمعتُ أبا أمامة يقول … " كما عند الطبراني في "الأوسط" (٤٦٨)، بسند صحيح. ب وحديث "سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: «إِذَا سَرَّتْكَ حَسَنَتُكَ، وَسَاءَتْكَ سَيِّئَتُكَ، فَإِنَّكَ مُؤْمِنٌ»، كما عند الحاكم في "المستدرك" (٣٤)، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وبهذا يكون قد ثبت بالحجة سماعه منه، فَلِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّة (٥).

стр. 108

٦) أبو أُمامة صُدَيُّ - بالتصغير - بن عَجْلان، البَاهِلِيُّ، غلبت عليه كُنيته، فاشتهر بها. روى عن: النبي ﷺ ، وعمر ﵁، وعثمان ﵁، وغيرهم. روى عنه: أبو سلام ممطور الأسود، والقاسم أبو عبد الرحمن، وشَرَحْبيل، وآخرون. قال حبيب بن عُبَيْد: إن أبا أمامة كان يُحَدِّثُ بالحديث كالرجل الذي يؤدي ما سمع. (١) ثالثاً:- الحكم على الحديث: مما سبق يَتَبَيَّن أن هذا الحديث بإسناد الطبراني "إسناده صحيح لذاته". وقال الهيثمي: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح. وزاد أيضاً: غير أحمد بن خُليد، وهو ثقة. (٢) وصَحَّحَهُ الألبانيُّ ﵀. (٣) رابعاً:- النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المصنِّفُ ﵁: لا يُروى عن أبي أُمامة إلا بهذا الإسناد، تفرد به معاوية بن سلام. - أمَّا قوله: لا يُروى هذا الحديث عن أبي أُمامة إلا بهذا الإسناد: قلتُ: بل رُوي عن أبي أُمامة بغير هذا الوجه - كما سبق في التخريج - مِنْ طريق عبد القدوس بن الحجاج الخولاني، عن مُعان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة، به. قلتُ: لكنَّ هذه المتابعة لا يُفْرح بها، ففي سندها: عليّ بن يَزيد الألهانيّ "مجمع على ضَعْفِه، خاصة فيما يرويه عن القاسم، عن أبي أُمامة". (٤) - وأما قوله: تفرد به معاوية بن سلام: فمن خلال ما سبق في التخريج يتضح أنه قد تفرد برواية الحديث بهذا الطريق عن أبي أُمامة ـ ومعاوية بن سلام متفق على توثيقه، فلا يضر تفرده برواية هذا الحديث؛ وقد رواه عن أخيه، وله خصوصية فيه؛ فقد صرح ابن رجب، والشهيد الهروي: بأن معاوية بن سلام أعلم بحديث أخيه زيد. (٥) * * *

стр. 109

[٤/ ٤٠٤]- حَدَّثَنَا أحمد بن خُلَيْدٍ، قال: نا أبو تَوْبَةَ، قال: نا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عامِر (١)، أَنَّ قَيْسًا الْكِنْدِيَّ، حَدَّثَهُ. أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الأَنْمَارِيَّ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ رَبِّي وَعَدَنِي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَيَشْفَعُ كُلُّ أَلْفٍ لِسَبْعِينَ أَلْفًا (٢)، ثُمَّ يَحْثِي رَبِّي ثَلاثَ حَثَيَاتٍ بِكَفَّيْهِ». قَالَ قَيْسٌ: فَقُلْتُ لأبي سَعِيدٍ: أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، بِأُذُنِي وَوَعَاهُ قَلْبِي. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: [قَالَ رَسُولُ اللَّهِ] (٣): «وَذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ يَسْتَوْعِبُ مُهَاجِرِي أُمَّتِي، ويُوَفِّيَ اللَّهُ بَقِيَّتَهُ مِنْ أَعْرَابِنَا». * لا يُرْوَى هذا الحديث عن أبي سعيدٍ الأنماريّ إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّدَ به: معاوية بن سلام. أولاً:- تخريج الحديث: سبق - بحمد الله تعالى - استيفاء تخريج هذا الحديث، واستقراء طرقه، وبيان الاختلاف فيه على أبي سلّام، وذلك عند تخريج الحديث رقم (٢). ثانياً:- دراسة الإسناد:

стр. 110

سبق - بفضل الله دراسة إسناده في الحديث رقم (٢)، في الوجه الثاني. ثالثاً:- الحكم على الحديث: مِنْ خلال ما سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "صحيحٌ لذاته". ثالثاً:- النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لا يُرْوَى عن أبي سعيدٍ الأنماريّ إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّدَ به: معاوية بن سلام. مما سبق في التخريج، يتبين أنّ هذا الحديث قد رُوي عن أبي سعيد الأنماري من طريقين: الأول: مُعَاوية بن سَلَّام، عن زيد بن سَلَّام، عن أبي سلَّام، عن عبد الله بن عامر، عن قيس الكندي، عن أبي سعيد الأنماري. الثاني: عبد الله بن سالم، عن محمد بن الوليد الزُّبَيْدِيّ، عن عبد الله بن عامر، عن قيس، عن أبي سعيد. وعبد الله بن سالم "ثِقَةٌ"، والإسناد إليه بمجموع طرقه "حَسَنٌ لغيره" - كما سبق بيانه -. وعلى هذا فلا يُسَلَّم للإمام الطبراني ﵁ في إطلاقه بأنَّ هذا الحديث لم يُرو إلا بهذا الإسناد؛ وتَبَيَّن أنَّه لم يَنْفرد به مُعاوية بن سلام، بل تابعه عبد الله بن سالم، والله أعلم. * * *

стр. 111

[٥/ ٤٠٥]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا أَبُو تَوْبَةَ، قَالَ: نا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ، يَقُولُ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَرُّوخٍ. أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ، تُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «خُلِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلاثِمائَةِ مَفْصِلٍ». أولاً:- تخريج الحديث: • أخرجه الطبراني في "الشاميين" (٢٨٦٤) - ومِنْ طريقه أبو نُعيم في "المُستخرَج" (٢٢٥٧)، وفي "الطب النبوي" (٧٢) (١)، والمزي في "التهذيب" (١٥/ ٤٢٦) -، قال: حدثنا أحمد بن خُليد، به، مُطولاً. • ومُسْلِمٌ في "صحيحه" (١٠٠٧)، ك/الزكاة، ب/بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، وأبو القاسم ابن مندة في "التوحيد" (٩٣) - ومن طريقه أبو القاسم الأصبهاني في " الحجة في بيان المحجة" (٢٢٤) -، والبيهقي في "السنن" (٧٨٢٢)، وفي "الشعب" (١١١٦١)، والذهبي في "تذكرة الحفاظ" (٢/ ٦٠٢)، كلهم من طرق عن أبي توبة، بسنده، مطولاً. • ومُسْلِمٌ في "صحيحه" (١٠٠٧)، ك/الزكاة، ب/بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، والنسائي في "الكبرى" (١٠٦٠٥)، ك/عمل اليوم والليلة، ب/أفضل الذكر، وابن حبان في "صحيحه" (٣٣٨٠)، وأبو الشيخ في "العظمة" (١٠٦٥)، والمروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (٨١٦)، وأبو نُعيم في "المُستخرَج" (٢٢٥٧)، كلهم مِنْ طُرُقٍ عِدَّة عن معاوية بن سلَّام، بسنده، مطولاً. • ومُسْلِمٌ في "صحيحه" (١٠٠٧)، ك/الزكاة، ب/بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، والمروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (٨١٧)، وأبو يعلى في "مسنده" (٤٥٨٩)، وأبو عوانة في "المُستخرَج" -

стр. 112

كما في "إتحاف المهرة" (٢١٨٧٨) -، والطحاوي في "مشكل الأثار" (٩٧)، وأبو الشيخ في "العظمة" (١٠٦٥)، وابن مندة في "التوحيد" (٩٤)، وأبونعيم في "المُستخرَج" (٢٢٥٨)، وفي "الطب النبوي" (٧٣)، وابن الأبَّار في "معجم أصحاب الصدفي" (١/ ٢٧٦)، كلهم من طُرُقٍ عن يحيى بن أبي كثير - من أصحّ الأوجه عنه (١) - عن زيد بن سلام، به. • وأبو نعيم في الطب (٧٤)، قال: أخبرنا أحمد بن محمد أبو بكر من كتابه، قال: ثنا حُسَيْن بن عبد الله القَطَّان، قال: ثنا هشام بن عروة، قال: ثنا حَمَّاد بن عبد الرحمن الكلبي، قال: ثنا المبارك بن أبي حمزة، عن عبد الله بن فَرُّوخ مَوْلى عائشة، عن عائشة، بنحوه مطولًا. (٢) ثانياً:- دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) أبو توبة الربيع بن نافع: "ثِقَةٌ حُجَّةٌ عابدٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٣) معاوية بن سلّام: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢). ٤) زيد بن سلّام: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢). ٥) أبو سلّام مَمْطُور الأسود الحُبْشِيُّ: "ثِقَةٌ، مُتَّفَقٌ على توثيقه، لكنَّه يُرْسِلُ"، تقدم في الحديث رقم (٢). ٦) عبد الله بن فرّوخ، القُرَشِيُّ، التَيْميُّ، مَوْلى عائشة أم المؤمنين (٣)، نزل الشام. روى عن: عائشة ﵁، وأبي هريرة ﵁. روى عنه: أبو سلام ممطور الحبشي، وزيد بن سلام، والمبارك ابن أبي حمزة، وآخرون. حاله: قال أبو حاتم: مجهول. وفي ترجمة المبارك ابن أبي حمزة قال أيضاً: مجهول، وهما ضعيفان. وتعقّبه الذهبي في "الكاشف" فقال: بل ثقةٌ مشهورٌ. وفي "الميزان": صَدُوقٌ. وقال العجلي، وابن حجر: ثِقَةٌ. وأخرج له مسلم في "صحيحه"، حديث الباب، وحديث "أَنَا سَيِّدُ وَلِدِ آدَمَ وَلا فَخْر" (٤). فالحاصل: أنه "ثِقَةٌ". (٥)

стр. 113

٧) عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵃، أم المؤمنين، وتُكنّى بِأُمِّ عبد الله. روت عن: النبي ﷺ الكثير الطيب، وعن أبيها ﵁، وفاطمة الزهراء، وآخرين. روى عنها: عبد الله بن فرّوخ، وعبد الله بن عمر ﵁، وعبد الله بن عبّاس ﵃، وجمع غفير. لها فضائل كثيرة لا تحصى: فهي البريئة المبرأة من فوق سبع سماوات، وحبيبة رسول الله ﷺ ، الفقيهة، المُحَدِّثَة، مرجع الصحابة عند الاختلاف بعد رسول الله ﷺ ، من أفضل النساء، وأعلمهنّ، العابدة الزاهدة، التَقيّة النّقيّة، ﵂ وأرضاها. (١) ثالثاً:- الحكم على الحديث: مما سبق يَتَبَيَّن أن هذا الحديث بإسناد الطبراني "صحيح لذاته". والحديث أخرجه مسلم في "صحيحه" كما سبق. رابعاً:- التعليق على الحديث: هذا الحديث يدل دلالة واضحة على لطيف صنع الله وحكمته ، وعلى حسن تقديره، وعجيب صنيعه، وحسن تركيب خلقه؛ هكذا ترجم الإمام أبو الشيخ بن حيان الأنصاري في العظمة لهذا الحديث. بل ويدل على وحدانية الخالق ﷻ ، وأنه ناقل أحوال النطفة إلى العلقة، ثم إلى المضغة، ثم إلى العظام، إلى إنشائه بشراً سوياً، هكذا ترجم الإمام أبو عبد الله ابن مندة في كتابه "التوحيد". وهذا ما يدعونا إلى النظر والتأمل في أنفسنا، كما قال الله : ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. (٢) ولقد أبدع الإمام ابن القيّم في الحديث عن حكمة خلق الله لكل عضو من أعضاء جسم الإنسان ظاهراً كان أو باطناّ، ومما قاله في الحكمة من خلق المفاصل، وتعددها: ولمّا كان الإنسان محتاجا إلى الحركة بجملة بدنه، وببعض أعضائه للتردد في حاجته لم يجعل عظامه عظماّ واحداّ، بل عظاماّ متعددة، وجعل بينها مفاصل حتى تتيسر بها الحركة، وكان قدر كل واحد منها وشكله على حسب الحركة المطلوبة منه، وكيف شدّ أسر تلك المفاصل والأعضاء، وربط بعضها ببعض بأوتار ورباطات … فإذا أراد العبد أن يحرّك جزء من بدنه لم يمتنع عليه، ولولا المفاصل لتعذر ذلك عليه … فتبارك الله أحسن الخالقين. (٣) لذا وجب علينا شكر الله على هذه النعمة العظيمة التي غفلنا عنها؛ ويدل على ذلك ما أخرجه مُسلمٌ في "صحيحه"، من حديث أبي ذر ﵁، أنّ النبي ﷺ قال: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلامَى (٤) مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ

стр. 114

صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى». (١) ثُمَّ يُبَيِّنُ النَّبِيُّ ﷺ أن عدد المفاصل في جسم الإنسان ثلاث مائة وستين مَفْصلاً، وهو النبي الأمي الذي لا ينطق عن الهوى، قال ذلك قبل أربعة عشر قرناً من الزمان، وليس عنده من الأجهزة الحديثة التي نراها الآن، ولم ير تلك التكنولوجيا، والتقدم الرهيب في علم الطب والتشريح الذي وصل إليه علماء زماننا، فأثبت النَّبيّ ﷺ بذلك صحة ما توصّل إليه العلم الحديث من أنّ عدد مفاصل جسم الإنسان ثلاث مائة وستين مفصلاّ. فيذكر كتاب "رحلة الإيمان في جسم الإنسان" (٢) مفاصل الجسم على النحو التالي: العمود الفقري (١٤٧)، الصدر (٢٤)، الطرف العلوي (٤٣)، الطرف السفلي (٤٤)، الحوض (١٣)، الفك (٢)؛ فيكون المجموع الكلي (٣٦٠) مَفصِلا. (٣) ورحمة الله بعباده لم تقف إلى هذا الحد فحسب؛ فقال النبي ﷺ ، كما عند مُسْلم في بعض طُرُق الحديث: «فَمَنْ كَبَّرَ اللهَ، وَحَمِدَ اللهَ، وَهَلَّلَ اللهَ، وَسَبَّحَ اللهَ، وَاسْتَغْفَرَ اللهَ، وَعَزَلَ حَجَرًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ شَوْكَةً أَوْ عَظْمًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، وَأَمَرَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ، عَدَدَ تِلْكَ السِّتِّينَ وَالثَّلاثِمِائَةِ السُّلامَى، فَإِنَّهُ يَمْشِي يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ». (٤) فالحمد لله الذي وسعت رحمته كل شيء. * * *

стр. 115

[٦/ ٤٠٦]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا أَبُو تَوْبَةَ، قَالَ: نا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مِينَاءَ. أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ، حَدَّثَاهُ، أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونَنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ». أولًا:- تخريج الحديث: • أخرجه الطبراني في "الشاميين" (٢٨٦٥) - ومِنْ طريقه أبو نعيم في "المُستخرَج" (١٩٤٨) -، عن أحمد بن خليد، به. • ومُسْلِمٌ في "صحيحه" (٨٦٥)، ك/الجمعة، ب/التغليظ في ترك الجمعة، وابن خزيمة في "صحيحه" (١٨٥٥) - ومِنْ طريقه ابن عساكر في "تاريخه" (١٥/ ٦٣) (١) -، وأبو عوانة في "المُستخرَج" (٢٥٣٢) (٢)، والطحاوي في "شرح المشكل" (٣١٨٧)، والبيهقي في "الكبرى" (٥٥٧١)، وفي "فضائل الأوقات" (٣٠٦)، وفي "الشعب" (٣٠٠٨)، وابن عساكر في "تاريخه" (١٥/ ٦٤)، من طُرُقٍ عن أبي توبة الربيع بن نافع، به. • والدارمي في "مسنده" (١٦١١)، والبيهقي في "الشعب" (٣٠٠٨)، والبغوي في "شرح السنة" (١٠٥٤)، و"معالم التنزيل" (٨/ ١١٩)، وأبو القاسم الأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (٩٣٦)، كلهم من طريقين عن معاوية بن سلام - مِنْ أصح الأوجه عنه (٣) -، به. وفي بعض ألفاظه عند البيهقي: "أو ليُكتبَنَّ مِنْ الغَافِلين". • والنسائي في "الكبرى" (١٦٧١)، ك/الجمعة، ب/ التشديد في التخلف عنها، من طريق يحيى بن أبي كثير - من أصح الأوجه عنه (٤) -، عن زيد بن سلام، به.

стр. 116

• وأخرجه أبو القاسم المُزَكِّي في "المزكيات" (٥)، والخطيب في " تلخيص المتشابه" (ص/ ٥٨٣)، وابن عبد البر في "التمهيد" (١٦/ ٢٤١ - ٢٤٢)، وأبو نُعيم في "أخبار أصبهان" (٢/ ٢٧٦)، مِنْ طُرُقٍ عن فَرَجِ بن فَضَالة، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر، بنحوه. (١) ثانياً: ـ دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) أبو توبة الربيع بن نافع: "ثِقَةٌ حُجَّةٌ عابدٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٣) معاوية بن سلّام: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢). ٤) زيد بن سلّام: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢). ٥) أبو سلّام مَمْطُور الأسود الحُبْشِيُّ: "ثِقَةٌ، مُتَّفَقٌ على توثيقه، لكنَّه يُرْسِلُ"، تقدم في الحديث رقم (٢). ٦) الحَكَمُ بن مِيْنَاء، المَدَنِيُّ، ويُقَال: الشَّامِيُّ، مَوْلى أبي عامر الراهب الأنصاريّ، لأبيه صحبة. روى عن: ابن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس ﵃، وآخرين. روى عنه: أبو سلام الحبشي، وابنه شَبيب، وسعيد بن إبراهيم، وآخرون. حاله: قال أبو حاتم: شيخٌ يُروى عنه. وقال أبو زرعة، والدارقطني، والذهبي: ثِقَةٌ. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن حجر: صدوقٌ مِنْ أولاد الصحابة. وأخرج له مسلم حديث الباب. فالحاصل: أنه "ثِقَةٌ". (٢) ٧) أبو هريرة ﵁، الدَوسِيّ، اليَمانِيّ: صاحب النبي ﷺ ، وحافظ الصحابة ﵃، اختُلِف في اسمه، واسم أبيه اختلافًا كثيرًا، لكنه مشهور ومعروف بكنيته. روى عن: النبي ﷺ الكثير الطيب، وأبي بكر، وعمر ﵃، وآخرين. روى عنه: الحكم بن ميناء، وأنس بن مالك، وسالم بن عبد الله، وجمعٌ. وفضائله كثيرة لا تُحصى. (٣) ٨) عبدالله بن عمر بن الخطاب، أبو عبد الرحمن، القرشي، المكيُّ، ثم المدنيُّ. روى عن: النبي ﷺ ، والخلفاء الراشدين الأربعة ﵃، وآخرين. روى عنه: الحكم بن ميناء، وابنه بلال، وابن أخيه حفص بن عاصم، وخلق لا يحصى. له ولأبيه صحبة، أسلم قديماً مع أبيه وهو صغير لم يبلغ الحلم، وهاجر معه، وشهد الخندق وما بعدها من المشاهد مع رسول الله ﷺ ، وفضائله كثيرة لا تُحصى. (٤)

стр. 117

ثالثًا:- الحكم على الحديث: مما سبق يَتَبَيَّن أن الحديث بهذا بإسناد الطبراني "صحيحٌ لذاته". وأخرجه مسلم في "صحيحه". رابعًا:- التعليق على الحديث: • الحديث فيه وعيد شديد لمن تخلّف عن صلاة الجمعة، وذلك بالختم على القلوب، واختلف أهل العلم في المُراد بالختم على القلوب على أقوال عدة؛ منها: انعدام اللطف، وأسباب الخير، وقيل هو خلق الكفر في صدورهم - وهو قول أكثر متكلم أهل السنة -، وقيل هو علامة يجعلها الله في قلوبهم لتعرف بها الملائكة مَنْ يُمدح، ومَن يُذم. قال النووي: والختم هو الطبع والتغطية. قلتُ: أي يغطي الله على القلوب فلا ترى الحق والنور، وإنما تظل في العمى والضلال، والعياذ بالله. • ومن عقوبة المتخلف عنها أيضا أنه بعد أن يُختم على قلبه يكون من الغافلين. قال الصنعاني: أي يغفلون عن اكتساب ما ينفعهم من الأعمال، وعن ترك ما يضرهم منها. (١) قلت - والله أعلم -: بل هو أعم من ذلك، فإنه يكون غافلا عن كل خير دنيوي، وعن كل عمل أخروي، بل وعن كل ما فيه سعادة له في الدنيا، ونجاة له في الآخرة، قال الله : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ (٢) نسأل الله العفو والعافية. بل لقد همَّ النبي ﷺ أن يأتي أقوامًا يتخلّفون عن صلاة الجمعة، فيحرق عليهم بيوتهم، أخرج الإمام مُسْلِمٌ في "صحيحه" عن عبد اللهِ بن مسعود ﵁، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ لِقَوْمٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أُحَرِّقَ عَلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ». (٣) * * *

стр. 118

[٧/ ٤٠٧]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا أَبُو تَوْبَةَ، قَالَ: نا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي السَّلُولِيُّ (١). عَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ، أَنَّهُمْ سَارُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ [حُنَيْنٍ] (٢)، فَأَطْنَبُوا السَّيْرَ (٣) حَتَّى كَانَ عَشِيَّةً، فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَارِسٌ (٤)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي انْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ، حَتَّى طَلَعْتُ جَبَلَ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا أَنَا بِهَوَازِنَ (٥) عَلَى بَكْرَاتِهِمْ (٦)، بِظُعُنِهِمْ (٧)، وَنَعَمِهِمْ (٨)، وَشَائِهِمْ، اجْتَمَعُوا إِلَى [حُنَيْنٍ] (٩). فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: «تِلْكَ غَنَائِمُ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ». ثُمَّ قَالَ: «مَنْ يَحْرُسنا (١٠) اللَّيْلَةَ؟». فَقَالَ أَنَسُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ (١١): أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ.

стр. 119

فَقَالَ: «ارْكَبْ». فَرَكِبَ فَرَسًا لَهُ، [فَجَاءَ إِلَى] (١) رَسُولِ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اسْتَقْبِلْ هَذَا الشِّعْبَ، حَتَّى تَكُونَ فِي أَعْلاهُ وَلا نُغَرَّنَّ [مِنْ قِبَلِكَ اللَّيْلَةَ». فَلَمَّا أَصْبَحْنَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مُصَلاهُ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ] (٢). ثُمَّ قَالَ: «هَلْ حَسَسْتُمْ فَارِسَكُمْ؟». فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَسَسْنَاهُ. فَثُوِّبَ بِالصَّلاةِ (٣). فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلاةِ يَلْتَفِتُ إِلَى الشِّعْبِ، حَتَّى إِذَا قَضَى صَلاتَهُ، وَسَلَّمَ، قَالَ: «أَبْشِرُوا، فَقَدْ جَاءَكُمْ فَارِسُكُمْ». فَجَعَلْنَا نَنْظُرُ إِلَى خِلالِ الشَّجَرِ فِي الشِّعْبِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ جَاءَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ: إِنِّي قَدِ انْطَلَقْتُ، حَتَّى كُنْتُ فِي أَعَلَى هَذَا الشِّعْبِ، حَيْثُ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ طَلَعْتُ الشِّعْبَتَيْن كِلْتَيْهِمَا، فَنَظَرْتُ، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَدْ أَوْجَبْتَ، فَلا عَلَيْكَ أَنْ لا تَعْمَلَ بَعْدَهَا (٤)» (٥). * لا يُرْوَى هذا الحديثُ إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّدَ به: معاويةُ بن سلام. أولاً:- تخريج الحديث: • أخرجه الطبراني في "الكبير" (٥٦١٩)، وفي "الشاميين" (٢٨٦٦) - ومن طريقه أبو نُعيم في "معرفة الصحابة" (١/ ٢٣٩)، والحازمي في "الناسخ والمنسوخ" (ص/ ٦٤)، والعراقي في "أماليه على مستدرك الحاكم" (ص/ ٩٩) -، قال: حدثنا أحمد بن خُلَيْد، به. وقال الحازمي: حديثٌ حسنٌ. وقال العراقي: صحيحٌ.

стр. 120

• والبخاري في "التاريخ الكبير" (٢/ ٣٠)، وابن أبي عاصم في "الجهاد" (١٤٩)، وأبو داود في "سننه" (٩١٦)، ك/الصلاة، ب/الرخصة في النظر في الصلاة، وبرقم (٢٥٠١)، ك/ الجهاد، ب/ فضل الحرس في سبيل الله - ومن طريقه أبو عوانة في "المُستخرَج" (٧٤٨١)، والجصاص في "أحكام القرآن" (٥/ ٩١)، والبيهقي في "الكبرى" (٣٨٦٨)، والبغوي في "شرح السنة" (٧٣٦)، وابن الأثير في "أسد الغابة" (١/ ٢٩٧) -؛ والنسائي في "الكبرى" (٨٨١٩)، ك/السير، ب/فضل الحرس، وابن خزيمة في "صحيحه" (٤٨٧)، وأبو عوانة في "المُستخرَج" (٧٤٨١)، والحاكم في "المستدرك" (٨٦٥ و ٢٤٣٣) - ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" (١) (٢٢٥٠ و ١٨٤٤٣) -، كلهم من طُرُقٍ عن أبي توبة - مِنْ أصح الأوجه عنه (٢) -، به. وقال الحاكم في الموضع الأول: صَحيحٌ الإسناد. وقال في الموضع الثاني: صحيحٌ على شرط الشيخين، غير أنهما لم يُخَرِّجا مسانيد سهل بن الحَنْظَلِيَّة، وهو من كبار الصحابة. ووافقه الذهبي. • وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢٠٧٦)، والسرقسطي في "الدلائل في غريب الحديث" (٨٥)، والبيْهقي في "الكبرى" (٢٢٢١)، ثلاثتهم من طُرُقٍ عن الوليد بن مسلم - من أصحّ الأوجه عنه (٣) -، قال: حدثني معاوية بن سلام، به، مُختصراً. • وابن خزيمة في "صحيحه" (٤٨٧)، من طريق مُعَمّر بن يَعْمر، والبيهقي في "الكبرى" (١٨٤٤٣)، من طريق مَرْوَان بن محمد الطاطري؛ كلاهما عن معاوية بن سلام، به، وعند ابن خزيمة مختصرًا. ثانيًا:- دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) أبو توبة الربيع بن نافع: "ثِقَةٌ حُجَّةٌ عابدٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٣) معاوية بن سلّام: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢). ٤) زيد بن سلّام: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢). ٥) أبو سلّام مَمْطُور الأسود الحُبْشِيُّ: "ثِقَةٌ، مُتَّفَقٌ على توثيقه، لكنَّه يُرْسِلُ"، تقدم في الحديث رقم (٢).

стр. 121

٦) أبو كبشة السلولي: قال أبو حاتم: لا أعلم أنه يُسمّى، وذكره البخاري، ومسلم، وغير واحد، فيمن لا يُعلم اسمه، وهو الصواب؛ وقد سماه الحاكم وتعقبه أهل العلم. روى عن: سهل بن الحنظلية، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وثوبان، وآخرين. روى عنه: أبو سلام الحبشي، وحسان بن عطية، ويوسف بن سيف، وآخرون. حاله: قال العجلي، ويعقوب بن سفيان، والذهبي، وابن حجر: ثِقَةٌ. وذكره ابن حبان في "الثقات". (١) ٧) سَهْلُ بن عَمرو - وقيل: ابن الربيع بن عمرو- بن الحنظلية، والحنظلية أمه، وقيل غير ذلك. روى عن: النبي ﷺ . روى عنه: أبو كبشة السلولي، وبِشْر بن قيس، والقاسم بن عبد الرحمن، وغيرهم. شَهِد أُحد، وبيعة الرضوان، والخندق، وغيرها. وقال الذهبي: كان رجلاً متوحدًا - أي معتزل الناس - ما يجالس أحدًا، إنما هو في صلاة، فإذا انصرف فهو في ذكر وتسبيح. فالحاصل: "أنَّه صحابيٌّ كبيرٌ، انشغل بالعبادة، فَقَلَّتْ عنه الرواية. (٢) ثالثًا:- الحكم على الحديث: مما سبق يَتَبَيَّن أن الحديث بإسناد الطبراني "صَحِيْحٌ لِذَاتِه". وأخرجه الحازمي مِنْ طريق الطبراني - كما سبق في التخريج -، وقال: حديثٌ حَسَنٌ. وصححه الحاكم في "المستدرك"، ووافقه الذهبي. وأخرجه العراقي في "أماليه على المستدرك" - كما سبق في التخريج -، وقال: صحيحٌ. وذكره الحافظ في "الفتح" بإسناد أبي داود، وحسّنه. (٣) وصَحَّحَه الألباني في "الصحيحة". (٤) رابعاً:- النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّف ﵁: لا يُرْوَى هذا الحديثُ إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّدَ به: معاويةُ بن سلام. قلتُ: مَمَّا سبق في التخريج يَتَّضح صحة ما قاله المُصَنِّفُ ﵁؛ أمّا قوله: لا يُرْوَى إلا بهذا الإسناد: أي بإسناد صحيح؛ وإلا فقد أخرجه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" معلقًا، فقال: رواه أبو توبة، عن محمد بن مهاجر، عن العباس بن سالم، عن أبي سلام، به. قلتُ: وهذا الوجه "شَاذٌ" - كما سبق بيانه في التخريج -، والله أعلم. وتفرد معاوية بن سلام بهذا الحديث لا يؤثر في صحته، كما سبق بيان ذلك في الحديث رقم (٣). * * *

стр. 122

[٨/ ٤٠٨]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الطَّبَّاعُ (١)، قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْمَدَائِنِيُّ (٢)، قَالَ: نا الزُّبَيْرُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَاشِمِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سَالِمٍ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ لَعِقَ الْعَسَلَ ثَلاثَ غَدَوَاتٍ كُلَّ شَهْرٍ، لَمْ يُصِبْهُ عَظِيمٌ مِنَ الْبَلاءِ». أولا:- تخريج الحديث: • أخرجه أبو نعيم في "الطب" (١٦٢ و ٥٦٣)، عن علي بن أحمد المَصِيصيَّ، عن أحمد بن خليد، به. • والبخاري في "التاريخ" (٦/ ٥٤)، والمزي في "التهذيب" (١٠/ ٤٣٨) مِنْ طريق محمد بن عيسى، به. • وأخرجه ابن ماجه في "سننه" (٣٤٥٠) ك/الطب، ب/العسل، وأبو يعلى في "مسنده" (٦٤١٥)، والدولابي في "الكنى" (١٠٢٥)، وابن حبان في "المجروحين" (١/ ٣١٣)، وابن عدي في "الكامل" (٤/ ١٩١)، وابن بشران في "أماليه" (٨٠٩)، والبيهقي في "الشعب" (٥٩٣٠)، وابن بَشْكُوَالَ في "الآثار المروية في الأطعمة السرية" (٢)، والعقيْلي في "الضعفاء" (٣/ ٤٠) - ومن طريقه ابن الجوْزي في "الموضوعات" (٣/ ٢١٥) -، كلهم من طُرُقٍ عِدَّة عن سعيد بن زكريا المدائني، به. قال البخاري: لا نَعْرِفُ سماع عبد الحميد مِنْ أبي هريرة. وقال العُقَيلي: ليس له أصل عن ثقة. وقال ابن الجوزي: لا يَصحُ. وقال البوصيري: إسناده لَيِّنٌ، وهو منقطع، قال البخاري: لا نعرف لعبد الحميد سماع من أبي هريرة. (٣) ثانياً:- تراجم رجال الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) محمد بن عيسى بن نَجِيْح الطَّبَّاع، أبو حفص، وقيل أبو جعفر، البَغْدَاديُّ. روى عن: سعيد بن زكريا، وشَرِيك، وحَمَّاد بن زيد، وآخرين. روى عنه: البخاري تعليقًا، وأبو داود، وأبو حاتم الرَّازيُّ، وأحمد بن خليد، وغيرهم. حاله: قال أحمد: ثبْتٌ كيِّسٌ، عَالِمٌ فَهْمٌ. وقال أبو حاتم: ثِقَةٌ مَأمونٌ، ما رأيت من المحدثين أحفظ للأبواب منه. وسُئل عنه وعن أخيه إسحاق، فقال: محمد أحبّ إلي، كان إسحاق أجلُّ، ومحمد أتقن. وقال النسائي،

стр. 123

والدارقطني، والذهبي، وابن حجر: ثِقَةٌ. وقال ابن المديني: سمعت القطان، وابن مهدي يسألانه عن حديث هُشيم. لذا قال ابن حبان، وابن حجر: كان أعلم الناس بحديث هُشيْم. وقال أبو داود: وكان ربما دلَّس. ووصفه الدارقطني أيضًا بالتدليس. وذكره ابن حجر في المرتبة الثالثة من مراتب الموصوفين بالتدليس. قلت: لم أقف - على حد بحثي - على أحدٍ مِنْ الأئمة المتقدمين وصَفَه بالتدليس، إلا أبو داود، فإنه قال: رُبَّمَا دَلَّس، وأبو داود تلميذه، ومِن أعلم الناس به، فقوله "رُبَّمَا" يُشعر بقلة تدليسه، فينبغي أن يكون ابن الطباع في المرتبة الأولى، أو الثانية من مراتب المدلسين، وليس من الثالثة، كما ابن حجر. بل ومن تلاميذه أيضاً أبو حاتم الرازي، وهو أَدْرَى بحديثه من غيره، ولم يصفه بالتدليس، بل وصَفَه بأنه الثقة المأمون، ولمّا سُئل عنه، وعن أخيه، قال: محمد أَتْقن، فهذا أبو حاتم، وما أدراك ما هو؟! ونجد كذلك الحافظ ابن حجر لخّص لنا حاله في "التقريب"، فقال: ثقة فقيه. ولم يذكره بالتدليس. فالحاصل: أنه "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، فَقِيْهٌ، مِنْ أَعْلَمِ النَّاس بحديث هُشيم بن بَشير". (١) ٣) سعيد بن زكريا، أبو عثمان القرشي، ويُقال المدائني. روى عن: الزبير بن سعيد الهاشمي، وزكريا بن يحيى، وزَمْعة بن صالح، وآخرين. روى عنه: أحمد بن حنبل، ومحمد بن عيسى الطباع، ونُعَيْم بن حَمَّاد، وغيرهم. حاله: قال ابن معين، وأحمد، وصالح بن محمد البغدادي، وأبو مسعود الرازي، وأبو نُعيْم الأصبهاني: ثِقَةٌ. _ وقال ابن معين: شيخٌ صالحٌ. وسُئل أحمد عنه، فقال: ما به بأس، كتبنا عنه أحاديث زَمْعَة ثم عرضتها على أبي داود الطيالسي، فحدثني بها كلها إلا أربعة أحاديث، أو خمسة. وقال البخاري: صدوقٌ. وقال النسائي: صالحٌ. وقال ابن شاهين: ليس به بأسٌ. وقال عثمان بن أبي شيبة: لا بأس به صدوقٌ، لكنَّه لم يَعْرِف الحديث. وقال الذهبي: صدوقٌ، لينه بعضهم شيئا. وقال ابن حجر: صدوقٌ، لم يكن بالحافظ. _ وروى أبو داود عن ابن معين أنه قال فيه: ليس بشيء. وتعقبه الخطيب: بأن غيره قد نقل عن يحيى توثيقه له. وقال أحمد: كتبنا عنه ثم تركناه، فقيل له: لِمَ؟ قال: لم يكن به في نفسه بأسٌ، ولكنه لم يكن بصاحب حديث. وقال أبو حاتم: صالح ليس بذاك القوي. فالحاصل: أنه "صَدُوقٌ". (٢) ٤) الزُّبيْر بن سَعِيْد بن سُلَيْمَان بن سَعِيْد الهَاشِمِيُّ، المَدَنِيُّ، نزيل المدائن. روى عن: عبد الحميد بن سالم، ومحمد بن المنكدر، وعبد الله بن علي بن يزيد، وآخرين. روى عنه: جرير بن حازم، وأبو عاصم النبيل، وسعيد بن زكريا المدائني، وغيرهم.

стр. 124

حاله: قال ابن المديني، والنسائي، وزكريا بن يحيى الساجيُّ، والذهبيُّ: ضَعيفٌ. وليَّنه الإمام أحمد. وأرجحُ الروايات عن ابن معين، أنه قال فيه: ليس بشيء. وقال أبو داود: في حديثه نكارة. وقال ابن حبان: منكر الرواية فيما يرويه، يجب التنكيب عن مفاريده، والاحتجاج بما وافق الثقات. وقال الدارقطني: يُعتبر بما رواه عن عبد الله بن علي بن يزيد، فأمَّا ما يرويه عن محمد بن المنكدر فإنه يُترَك. وقال ابن حجر: ليِّنُ الحديث. وحاصله: أنَّه "ضَعِيْفٌ". (١) ٥) عبد الحميد بن سالم، أبو سالم، مَوْلى عمرو بن الزُّبير. روى عن: أبي هريرة ﵁. وقال البخاري، وأبو حاتم: لا نعرف سماعه من أبي هريرة ﵁. روى عنه: الزبير بن سعيد الهاشمي. وقال الذهبي: ما حدَّث عنه غيره. حاله: ذكره ابن حبَّان في "الثقات". (٢) وذكره ابن عدي في "الكامل"، وذكر له حديث الباب، وقال: وهذا حديثٌ واحدٌ. وقال الذهبي في "المغني": لا يُعرَف. وقال ابن حجر: مجهولٌ. وحاصله: أنه "مجهول العين"، ولم يصح سماعه من أبي هريرة. (٣) قلتُ: ولم أجد له - بعد البحث - غير حديث الباب، وعليه يُحمل قول ابن عدي: وهذا حديثٌ واحدٌ. ٦) أبو هريرة ﵁: "صَحَابيٌّ جليلٌ مُكْثِرٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٦). ثالثاً:- الحكم على الحديث: مما سبق يَتَبَيَّن أن هذا الحديثَ بإسناد الطبرانيّ " ضَعِيْفٌ"؛ فيه الزبير بن سعيد "ضعيفٌ"، وقد انفرد به، وعبد الحميد بن سالم "مجهول العين"، ولم يَسمع الحديث من أبي هريرة فهو منقطع. والحديث ساقه ابن حبَّان في "المجروحين"، وابن عدي في "الكامل" في ترجمة الزبير بن سعيد. وذكره أيضاً ابن عدي في "الكامل"، والذهبي في "الميزان" في ترجمة عبد الحميد بن سالم. وقال العُقيْلي: ليس له أصل عن ثقة. وقال البوصيري: إسناده لَيِّنٌ، وهو منقطع، قال البخاري: لا نعرف لعبد الحميد سماع من أبي هريرة. وقال الذهبي في "المُغني"، وفي "تذكرة الحفاظ": هذا حديثٌ مُنْكَرٌ. (٤) وقال

стр. 125

ابن حجر: سنده ضعيفٌ. (١) ورمز له السيوطي بالضَعف. (٢) وضَعَّفَهُ الألباني في "الضعيفة". (٣) والحديث أورده ابن الجوزي في "الموضوعات"، وقال: لا يصح. وقد ذكر في "مقدمة الكتاب" أنه جرد كتابه للأحاديث الموضوعة. (٤) لذلك اعترض عليه ابن عَرَّاق في "تنزيه الشريعة" لإيراده هذا الحديث في "الموضوعات"، فقال: "ورأيتُ بخط الحافظ ابن حجر على هامش "تلخيص الموضوعات"، ما نصه: الزبير بن سعيد لم يُتهم بكذب، فكيف يحكم على حديثه بالوضع؟! (٥) وبهذا يكون قد زال الحكم على حديثنا بالوضع"، فالحمد لله وحده. لكن هل لهذا الحديث شاهد يقويه؟ والجواب - والله أعلم -: لقد ساق الإمام السيوطي في "اللآلئ" (٦) شاهدا لهذا الحديث، فقال: وله شاهد أخرجه أبو الشيخ في "الثواب"، قال: حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الملك، حدثنا أبو أُميّة الحَرَّاني، ثنا عثمان بن عبد الرحمن (٧)، عن علي بن عروة، عن عبد الملك، عن عطاء، عن أبي هريرة مرفوعاً: "مَنْ شَرِبَ العَسَلَ ثَلاثَةَ أَيْامٍ فِي كُلَّ شَهْرٍ عَلى الرِّيْقِ عُوفِيَ مِنْ الدَّاءِ الأَكْبَر الفَالِجُ، والجُذَامُ، والبَرَصُ". قلتُ: وأخرجه ابن حبَّان في "المجروحين" (٢/ ١٠٨)، وابن عدي في "الكامل" (٦/ ٣٥٧)، مِنْ طريق عُثْمان بن عبد الرحمن، بسنده، لكن بلفظ: "أَوَّلُ رَحْمَةٍ تُرْفَعُ مِنَ الأَرْضِ الطَّاعُونُ وَأَوَّلُ نِعْمَةٍ تُرْفَعُ مِنَ الأَرْضِ العَسَلَ". قال الألباني: مَوْضُوعٌ، وآفتُهُ علي بن عروة. (٨) قلتُ: وعليُّ بن عُرْوَة: قال ابن حبان في "المجروحين": كان يضع الحديث على قلة روايته. وقال صالح جزرة: حديثه كله كذب. وقال أيضاً: عثمان بن عبد الرحمن كان يضع الحديث، وعلي بن عروة أكذب منه. وقال أبو حاتم، وابن حجر: متروك الحديث. (٩) قلتُ: وعلى هذا فلا يصلح هذا الحديث أن يكون شاهداً.

стр. 126

فهل للحديث من شواهد أخرى؟ قلت - والله أعلم -: لم أقف - على حد بحثي - على ما يشهد بأنَّ مَنْ لَعِقَ العسل ثلاث غدوات، يقيه من عظيم البلاء؛ لكن قد صحّ عن النبي ﷺ ما يدل على فضل التداوي بالعسل، نذكر منها ما يلي: • أخرج البخاري في "صحيحه" من حديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: " الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: شَرْبَةِ عَسَلٍ، وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وَكَيَّةِ نَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الكَيِّ ". (١) • وأخرج البخاري، ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أَخِي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «اسْقِهِ عَسَلا». فَسَقَاهُ، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: إِنِّي سَقَيْتُهُ عَسَلا فَلَمْ يَزِدْهُ إِلا اسْتِطْلاقًا، فَقَالَ لَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ جَاءَ الرَّابِعَةَ فَقَالَ: «اسْقِهِ عَسَلا». فَقَالَ: لَقَدْ سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إِلا اسْتِطْلاقًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «صَدَقَ اللهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ» فَسَقَاهُ فَبَرَأَ. واللفظ لمسلم. (٢) والمراد به قول الله : ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ (٣) فجمهور المفسرين أجمعوا على أن الضمير يعود إلى العسل، وهو الصحيح. رابعاً:- التعليق على الحديث: قال الطيبي: من لعق العسل ثلاث غدوات كل شهر لم يصبه عظيم من البلاء؛ لما في العسل من المنافع الدافعة للأدواء، وتخصيص الثلاث لسر علِمه الشارع. ا. هـ. (٤) قلت - والله أعلم-: ولم يصح التخصيص في لعق العسل بالثلاث في دفع عظيم البلاء كما مرَّ. وقال الحافظ ابن حجر: والعسل يذكَّر ويؤنث، وأسماؤه تزيد على المائة، وفيه من المنافع الكثيرة، منها: أنه يجلو الأوساخ التي في العروق والأمعاء، ويدفع الفضلات، ويغسل خمل المَعِدة، ويسخنها تسخينا معتدلا، ويَشُدُّ المعدة، والكَبِد، والكُلى، والمثانة، وغيرها من المنافع؛ ثم هو غِذَاء من الأغذية، ودَواء من الأدوية، وشَرَاب من الأشربة، وحَلْوى من الحَلاوات، وطِلاء من الأَطْلية، ومُفرح من المُفرحات … " ا. هـ. (٥) ويكفي فيه ما أخرجه البخاري من حديث عائشة ﵁ قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ الحَلْوَاءَ وَالعَسَلَ» (٦). قال الكرمانيُّ: والإعجاب أعمّ من أن يكون على سبيل الدواء والغذاء. (٧)

стр. 127

وقد ثبت بالتجارب العلمية، والمعملية أن للعسل فوائد كثيرة، وجُلُّها مذكور في كتاب "الإعجاز العلمي في السنة النبوية"، لمن رام المزيد. (١) فكم سبق النبي ﷺ العلم، والبحث حيث دعا إلى التداوي بالعسل؛ خاصة لمن استطلقت بطنه حتى شُفي بإذن الله ﷻ ، وذلك قبل المعامل والأجهزة الحديثة، إنه بحق لرسول كريم لرب عظيم، إنه العلم الرباني الذي لا يدانيه علم البشرية بأسرها، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (٢). * * *

стр. 128

[٩/ ٤٠٩]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ (١)، قَالَ: نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ. عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنِ ارْتَبَطَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَعَلَفُهُ، وَأَثَرُهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». هذا الحديث مداره على أبي إسحاق السبيعي، واختُلف عليه فيه من وجهين: الوجه الأول: أبو إسحاق السَّبِيْعِيُّ، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب ﵁ (مرفوعًا). الوجه الثاني: أبو إسحاق، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب ﵁ (موقوفًا). وتفصيل ذلك كالآتي: أولاً:- الوجه الأول: أبو إسحاق السَّبيعيّ، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب ﵁ (مرفوعًا). أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه الطبراني في "الأوسط" (١١٧٢)، قال: حدثنا أحمد بن إسحاق الخَشَّاب، عن عبد الله بن جعفر، عن عُبيْد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أُنيسة. _ وابن عدي في "الكامل" (٧/ ٥٣٩)، مِنْ طريق محمد بن إسحاق السجزي، والدارقطني في "العلل" (٣/ ١٧٨/مسألة ٣٤٢)، وأبو نعيْم في "الحلية" (٧/ ١٣٥)، من طريق أبي مسعود أحمد بن الفرات، كلاهما (السجزي، وابن الفرات) عن عبد الرزاق، عن سُفْيَان الثَّوريّ. _ وأخرجه القاضي محمد بن عبد الباقي الأنصاري المارستان في "المشيخة الكبرى" (٦٣٤)، والقاضي ابن الأشنان في "جزئه " (٩) - ومن طريقه الخطيب في "الموضّح للأوهام" (٢/ ٢٦١) -، والدارقطني في "العلل" (٣/ ١٧٩/مسألة ٣٤٢)، كلهم عن يوسف بن إسحاق. _ وأورده الدارقطني في "العلل" (٣/ ١٧٩/مسألة ٣٤٢)، عن موسى بن عقبة. أربعتهم (ابن أبي اُنَيْسة، والثوري، ويوسف، وموسى)، عن أبي إسحاق، به. وقال ابن عدي: ومحمد بن إسحاق ضعيف يقلب الأحاديث، ويسرقها؛ وهذه الأحاديث التي أمليْتُها لمحمد بن إسحاق عن عبد الرزاق، عن مَعْمر، والثوري، كلها غير محفوظة، وله غيرها لا يتابعه عليها أحد من الثقات. وقال الدارقطني: تَفَرَّد به عبد الرزاق عن الثوري. (٢) وقال أبو نعيم: غريب من حديث الثوري. ثانيًا:- دراسة إسناد الوجه الأول: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١).

стр. 129

٢) عَبْدُ الله بن جَعْفَر بن غَيْلان، أبو جعفر، القرشي الرَّقِّي. روى عن: عُبَيْدِ الله بن عَمرو، وأبي مليح، وموسى بن أعين، وآخرين. روى عنه: أبو حاتم الرَّازي، وأبو زرعة الدمشقي، وأحمد بن خليد، وغيرهم. حاله: قال ابن معين، وأبو حاتم، والعجلي: ثِقَةٌ. وقال الذهبي: ثِقَةٌ حَافِظٌ. وقال النسائي: ليس به بأس قبل أن يتغير. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: اختلط سنة ثماني عشرة ومائتين، وبقي في اختلاطه إلى أن مات سنة عشرين ومائتين، ولم يكن اختلاطه فاحشاً حتى كان لا يدري ما يخرج منه، وكان قد عمي، ورُبَّما خالف. وقال ابن حجر: ثقة، لكنَّه تغير بآخره، فلم يفحش اختلاطه. وحاصله: أنَّه "ثِقَةٌ قبل أنْ يَتَغَيَّر". (١) ومَيَّز الأئمة من روي عنه قبل وبعد الاختلاط. (٢) ٧) عُبَيدِ اللهِ بن عَمرو بن أبي الوليد، أبو وهب الرَّقِّيُّ، مولى بني أسد. روى عن: زيد بن أبي أُنَيْسَة، ومَعْمَر بن راشد، ويحيى بن سعيد، وآخرين. روى عنه: عبد الله بن جعفر الرقي، وزكريا بن عدي، والربيع بن نافع، وغيرهم. حاله: قال ابن معين، والعجلي، والنسائي، وابن نُميْر: ثِقَةٌ. وقال ابن سعد: ثِقَةٌ، صدوقٌ، رُبَّما أخطأ، وكان أحفظ مَن روى عن عبد الكريم الجزري. وقال أبو حاتم: صالحُ الحديثِ، ثِقَةٌ، صَدُوقٌ، لا أعرف له حديثًا مُنْكَرًا. وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وقال: كان راويًا لزيد بن أبي أُنَيْسَة. وقال الذهبي: ثِقَةٌ، حُجَّةٌ. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ، فَقِيهٌ، رُبَّمَا وَهِمَ. وقال في "العُجاب": ثِقَةٌ. فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ، فَقِيْهٌ، حُجَّةٌ". (٣) ٨) زيد بن أبي أُنِيْسة، أبو أسامة، الجَزَريُّ. روى عن: أبي إسحاق السبيعي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والمنهال بن عمرو، وخلق. روى عنه: عُبيد الله بن عمرو، ومالك بن أنس، ومِسْعَر بن كِدام، وغيرهم. حاله: قال ابن معين، والعجلي، وأبو داود، وابن حبَّان، وابن نُمير، والذُهَلي، والذهبي، وابن حجر: ثِقَةٌ. _ وقال النسائي: ليس به بأسٌ. وقال الدارقطني: صدوقٌ. _ وقال الإمام أحمد: حديثه حَسَنٌ مُقَارِبٌ، وإنّ فيه لبعض النَّكارة، وهو على ذاك حسن الحديث. وقال المروزي: سألتُ أحمد عنه؛ فحرّك يده، وقال: صالحٌ، وليس هو بذاك.

стр. 130

قال ابن رجب: وهو متفق على الاحتجاج بحديثه في الصحيح، وقد استنكر أحمد ما تَفَرَّد به. (١) وقال ابن حجر في "هدي الساري": متفق على الاحتجاج به وتوثيقه. وقال في "التقريب": ثِقَةٌ له أَفْرَاد. وحاصله: أنَّه "ثِقَةٌ، فَقِيْهٌ، له أفراد"، فلا يُحْتَجُّ به إذا تَفَرَّد، وخالف بدليل قول الإمام أحمد فيه. (٢) ٨) أبو إسحاق عَمْرو بن عبد الله بن أبي شَعِيرَة، السَّبِيعِيّ، الهَمْدَاني. روى عن: البراء بن عازب، وزيد بن أرقم، والحارث بن عبد الله الأعور (٣)، وغيرهم. روى عنه: الثوري، وزيد بن أبي أنيسة، وشريك، وخلق كثير. حاله: قال أبو حاتم: ثِقَةٌ، شبيه بالزهري في كثرة الرواية، واتساع الرجال. و قال ابن معين، والعجلي، والنسائي، والعقيلي، والبيهقي، وابن حجر: ثِقَةٌ. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الإمام أحمد: أبو إسحاق رجلٌ ثِقَةٌ، صَالِحٌ، لكنَّ هؤلاء الذين حملوا عنه بآخرة. وَوَصَفَهُ بالتدليس جماعةٌ، منهم: ابن حبان، والكرابيسيُّ، والطبريُّ، والنسائيُّ. وقال ابن عيينة: حديثه يقوم مقام الحجة ما لم يُعلَم أنه مُدلِّس. وذكره العلائي، وابن حجر في المرتبة الثالثة مِنْ مراتب المدلِّسين. وَوَصَفَهُ بالاختلاط جماعةٌ، منهم: أحمد، وأبو حاتم، والعقيليُّ، وابن الصلاح، وابن الكيّال، وابن حجر. وأجاب الذهبيُّ عن وَصْفِه بالاختلاط، فقال: شاخ، ونَسِيَ، ولم يختلط. وقال أيضًا: ثِقَةٌ حُجَّةٌ بلا نزاع، وقد كَبِرَ، وتَغَيَّر حفظه، ولم يختلط. وأجاب الدكتور/عبد الجبار سعيد، على كلام الإمام الذهبي، فقال: لا مُبَرِّرَ لإنكار اختلاطه؛ لأنَّ الأئمة مَيَّزوا من روى عنه قبل وبعد الاختلاط، كأحمد وغيره، وهم أكثر معرفة وأقرب عهداً به من الذهبي. (٤) قلت: والأمر كما قال فضيلته، ويدل على ذلك صنيع الإمام البخاري في "صحيحه"؛ فقال ابن حجر: أحد الأعلام الأثبات قبل اختلاطه، ولم أر في البخاري من الرواية عنه إلا عن القدماء من أصحابه، كالثوري، وشعبة، لا عن المتأخرين، كابن عيينة، وغيره، واحتج به الجماعة. والحاصل: أنه "ثِقَة، إِمَامٌ، عَابِدٌ، مُدَلِّسٌ - من الثالثة - اختلط بآخرةٍ". فلا بد أن يصرح بالسماع، إلا إذا كان الراوي عنه شعبة؛ لأنَّه كان لا يروي عنه إلا ما سمع (٥)، أو كان هو يروي عن أبي الأحوص عن ابن مسعود (٦)؛ ويُقْبل حديثه من رواية القدماء عنه، لا المتأخرين. (٧)

стр. 131

٩) الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَمْدَانِيُّ الأَعْوَرُ، أَبُو زُهَيْرٍ الْكُوفِيُّ. روى عن: علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وابن مسعود ﵃، وغيرهم. روى عنه: أبو إسحاق السبيعي، وعامر الشعبي، وعطاء، وآخرون. حاله: الحارث هذا مُخْتَلَف فيه بين التوثيق، والتضعيف، والتكذيب، كالآتي: - فقال ابن معين، والنَّسائي - بإحدى الروايات عنهما -: ليس به بأس، وقال أيضًا: ثِقَةٌ. وتَعَقَّبه عثمان ابن سعيد الدَّارميُّ، فقال: لا يُتابع ابن معين على توْثيقه للحارث. وقال أحمد بن صالح: ثِقَةٌ، ما أحفظه، وأحسن ما روى عن عليّ؛ فقيل له: كذَّبه الشَّعبي! فقال: لم يكن يكذب في الحديث، إنما كذبه في رأيه. - وقال ابن معين، وأبو زرعة، والترمذي، والنسائي، والدارقطني: ضَعيفٌ. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، ولا يُحْتَجُّ بحديثه. وقال ابن حبان: غاليا في التَّشَيُّعِ، واهيًا في الحديث. وقال ابن سعد: له قول سوءٍ، وهو ضَعِيْفٌ في روايته. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه عن علي غير محفوظ. وقال بُنْدار: أخذ يحيى … وعبد الرحمن العِلْمَ - أي الحديث - من يدي فضرب على نحو أربعين حديثًا من حديث الحارث عن عليّ. وكان ابن مَعين، وابن مَهْدي لا يُحدّثان عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، وكان يحيى يُحَدِّثُ عن الحارث من حديث عبد الله بن مُرَّة، والشَّعبي، وغيرهم. - وكَذَّبه: ابن المَديني، وأبو خيثمة. وقال الشعبي: أشهد أنه أحد الكَذَّابين. قلتُ: وتفصيل ما سبق على النحو التالي: - أمَّا رَمْيُهُ بالكذب، فمردودٌ؛ لِعِدَّة أمور: أ أنَّه وصفٌ مُجْمَلٌ، فلم يبينوا لنا أين كذبه - كما قال ابن عبد البر ﵀. ب أن وصفه بالكذب محمولٌ على الكذب في رأيه. قال ابن حبان: كان غاليا في التشيع. وقال ابن عبد البر: إنما نُقِم عليه إفراطه في حب علي وتفضيله له على غيره. قلتُ: قال الذهبي: من أوعية العلم، ومن الشيعة الأُوَل. فقول الذهبي "من الشيعة الأُوَل" يدل على أنه لم يعتقد ما يعتقده الروافض مِنْ البُغض أو التكفير لأحد من الصحابة، ولكن تفضيله لعليٍّ على غيره فقط.

стр. 132

ت لو كان المراد به الكذب في الحديث لضرب يحيى بن سعيد، وابن مهدي على جميع حديثه؛ لكنَّهما ضربا على أربعين حديثٍ فقط. وكان يحيى بن سعيد يُحَدِّث عن أبي إسحاق ما قال فيه سَمعتُ الحارث. - وأما توثيقه، فالجواب عنه كالآتي: أ أمَّا توثيق ابن معين، فقد أجاب عنه الدَّارميُّ، واختلفت الروايات عنه فيُقبل منها ما وافق الجمهور. ب وأما النسائي فوثَّقه مَرَّة، وضَعَّفه أخرى، فَيُقْبل منهما ما وافق قول الجمهور. ت وأما توثيق أحمد بن صالح، فيُقابله تَضْعيف الجمهور، والجرح منهم مُفَسَّرٌ فيُقَدَّم على التعديل. وعليه؛ فالحاصل: أنَّه "ضَعيفٌ يُعتبر به". (١) ٩) عليُّ بن أبي طالب بن عبد المطلب، أبو الحسين القرشيُّ الهاشميُّ. روى عن: النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر ﵃، وغيرهم. روى عنه: الحارث بن عبد الله الأعور، وجابر بن عبد الله، وجابر بن سَمُرَة، وآخرون. ابنُ عَمِّ النبي ﷺ ، ورابع الخلفاء الراشدين، شهد بدرًا، والمشاهد كلها مع النبي ﷺ ما عدا تبوك. (٢) ثانيًا:- الوجه الثاني: أبو إسحاق، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب ﵁. (موْقوفًا). أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه ابن الجعد في "المسند" (٢٦٢٤)، من طريق زُهَيْر بن مُعَاوية؛ وابن أبي شيْبة في "المصنّف" (٣٣٤٩١)، من طريق إسرائيل بن يونس؛ وابن عبد البر في "التمهيد" (٤/ ٢٠٥/ معلقا)، من طريق شرِيك. ثلاثتهم (زُهير، وإسرائيل، وشريك)، عن أبي إسحاق، به. ب دراسة إسناد الوجه الثاني (بإسناد ابن أبي شَيْبَة): ١) وكيع بن الجَرَّاح الكوفيُّ: "ثِقَةٌ، حافظٌ، عابدٌ". (٣) ٢) إسرائيل بن يُونس بن أبي إسحاق السَّبيعيُّ: "ثِقَةٌ، تُكُلِّم فيه بلا حُجَّة"، وسَمِعَ مِنْ جده قبل الاختلاط، وسماعه مِنْه في غاية الإتقان، للزومه إياه، وكان خِصِّيصاً به. (٤) ٣) وبقية رجال الإسناد: سبقت دراستهم في الوجه الأول.

стр. 133

ثالثًا:- النظر في الخلاف على أبي إسحاق السَّبِيعِيِّ: مما سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث مداره على أبي إسحاق السبيعي، واختلف عليه فيه من وجهين: الوجه الأول: أبو إسحاق السَّبِيْعِيُّ، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب ﵁ (مرفوعًا). الوجه الثاني: أبو إسحاق، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب ﵁ (موقوفًا). والذي يظهر - والله أعلم -، أنَّ الوجه الثاني (الموقوفُ) هو الأشبه والأقرب للصواب؛ للقرائن الآتية: ١) أن الوجه الأول لا يخلو كل طريق من طرقه الأربعة من كلامٍ في سنده: _ فرواية زيد بن أبي أُنيسة: في السند إليه عبد الله بن جعفر الرقي "تغيّر بآخره، ورُبَّما خالف"؛ والراوي عنه أحمد بن خليد، ولم يتميز هل روى عنه قبل الاختلاط أم بعده؟ _ وأما رواية الثوري، فهو وإنْ كان من أَثْبَتِ الناس في أبي إسحاق؛ لكنَّه أُتِيَ في هذه الرواية من الراوي قبله، ففي السند إليه: محمد بن إسحاق السجزي، قال فيه ابن عدي: ضعيفٌ يقلب الأحاديث ويسرقها. (١) لذا قال ابن عدي: وهذه الأحاديث التي أمليتُها لمحمد بن إسحاق، عن عبد الرزاق، عن مَعْمر، والثوري، كلها غير محفوظة. وقال الدارقطني، وأبو نُعيم: غريبٌ مِنْ حديث الثوري. _ وأما رواية يوسف بن إسحاق ففي السند إليه سعيد بن عَنْبَسة الرازي أبو عثمان الخزّاز: قال فيه ابن معين، وابن الجُنَيد: كذَّابٌ. وقال أبو حاتم: كان لا يُصدّق. (٢) _ وأما رواية موسى بن عُقبة، فهو وإنْ كان ثقةً، لكنَّه خالف ما رواه الثقات عن أبي إسحاق، ولم يتميَّز حديثه عن أبي إسحاق، هل قبل الاختلاط، أم بعده؟ ومن كان هذا حاله فلا يُقبل حديثه حتى يُتابع عليه. ٢) أمَّا الوجه الثاني، فقد رواه عن أبي إسحاق ثلاثةٌ مِنْ الرواة، كالآتي: _ زُهَيْر بن معاوية، وهو "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ"؛ لكنه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط. (٣) _ لكن تابعه شريك بن عبد الله بن أبي شريك النَّخعيُّ، وهو "صدوقٌ، عند المتابعة"، إلا أنَّ له خُصُوصيَّة في أبي إسحاق؛ فلقد كان الإمام أحمد، وابن معين يُوثِّقانه، ويُقَدِّمَانه على غيره في أبي إسحاق بعد الثوري؛ وبَيَّن الإمام أحمد أن سماعه من أبي إسحاق قديمٌ. (٤) _ وتابعه كذلك إسرائيل بن يونس: وسماعه مِنْ جدِّه قديمٌ، ومِنْ أثبت النَّاس فيه، كما سبق. ٣) وقال أبو داود: لم يسمع أبو إسحاق من الحارث الأعور إلا أربعة أحاديث ليس فيها شيءٌ مُسْنَد. (٥)

стр. 134

٤) ويُضاف إلى ذلك، ترجيح الأئمة للوجه الموقوف: فقال أبو حاتم: الموقوف أشبه بالصواب. وقال أبو زرعة: الموقوف أصح لأنَّ إسرائيلَ، وزُهيراً أحفظ. وبَيَّن الدَّارقطني أنَّه مِنْ رواية الجماعة. (١) قلت: ومع ترجيح الأئمة للوجه الموقوف، إلا أنَّ له حكم الرفع، لكونه مِمَّا لا يُقال من قِبل الرأي والاجتهاد، ولاشتماله على ثواب مخصوص، فلابد فيه من نص توقيفي. رابعاً:- الحكم على الحديث: أ الحكم على الحديث بإسناد الطبراني: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبرانيّ "شَاذٌ"؛ لمخالفته ما رواه الثقات عن أبي إسحاق السَّبيعيّ. وفيه أبو إسحاق لم يَسْمع من الحارث إلا أربعة أحاديث - وهذا ليس منها -، وليس فيها شيءٌ مُسْنَد، والباقي وجادة، فهو منقطع. وقال الهيثمي: رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه الحارث، وهو ضعيفٌ. (٢) ب الحكم على الحديث مِنْ وجهه الراجح: ومِنْ خلال ما سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث مِنْ وجهه الراجح "ضَعيفٌ"؛ فيه الحارث بن عبد الله الأعور "ضَعيفٌ، يُعْتبر به"، وأبو إسحاق السَّبيعيَّ "مُدَلِّسٌ"، ورواه بالعنعنة، ولم يَسْمعه مِنْ الحارث. شواهد للحديث: وللحديثِ شواهدٌ، مِنْهَا ما أخرجه البخاري، مِنْ حديث، أَبَي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيُّ ﷺ قال: "مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِيمَانًا بِاللَّهِ وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ، فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ وَرَوْثَهُ وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ". (٣) وعليه؛ فالحديث مِنْ وجهه الراجح بشواهده يرتقي إلى "الصحيح لغيره"، والله أعلم. خامساً:- التعليق على الحديث: يدل هذا الحديث على فضل الجهاد، وفضل مَن أنفق ماله في سبيل الله ، ولو أن يحبس شيئا من ماله - ولو قليلاً - من أجل الجهاد، والغزو لإعلاء كلمة الله . قال المُهلّب بن أبي صُفرة: في هذا الحديث جواز وقف الخيْل للمدافعة عن المسلمين، ويُستنبط منه جواز وقف غير الخيل من المنقولات، وغيرها، من باب أوْلى. ويُبين النبي ﷺ أن كل ما ينفقه العبد في سبيل الله فهو في ميزان حسناته بوم القيامة، حتى علف الفرس، وروثه، وبوله. والمراد بذلك كما قال ابن حجر: هو ثواب هذه الأشياء، لا أن الأرواث بعينها توزن. (٤) * * *

стр. 135

[١٠/ ٤١٠]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ (١)، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ، قَالَ: نا أَبُو الْمَلِيحِ (٢)، عَنِ الزُّهْرِيِّ (٣). عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَعَرَضَ لَهُ أَعْرَابِيٌّ، وَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَقَالَ: «مَا أَعَدَدْتَ لَهَا؟». قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ خَيْرٍ أَحْمَدُ عَلَيْهِ نَفْسِي، غَيْرَ أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. قَالَ: «فَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ». * لم يَرْوِ أبو المليحِ عن الزُّهْرِيِّ، عن أنسٍ غير هذا. أولاً:- تخريج الحديث: • أخرجه البزار في "مسنده" (٦٢٨٤)، من طريق علي بن معبد بن شدَّاد (٤)؛ وتَمَّام في "فوائده" (الروض/١١٩٩)، عن سعيد بن حفص؛ وأبو نُعيْم في "أخبار أصبهان" (١/ ١٦٠) - ومِنْ طريقه الخطيب في "تاريخه" (٦/ ١٦٤) -، من طريق عُبَيْد بن هِشام، ثلاثتهم عن أبي المليح، به، وبنحوه، وعند تَمَّام مُخْتَصَراً. وأخرجه أبو نُعيم في "المحبين مع المحبوبين" - كما في "الفتح" (١٠/ ٥٦٠) - من رواية أبي المَليح، به. _ وأخرجه عبد الرزاق في "جامعه" (٢٠٣١٧) - ومن طريقه الإمام مُسْلِمٌ في "صحيحه" (٢٦٣٩)، ك/ البر والصلة، ب/المرء مع من أحب، وأحمد في "مسنده" (١٢٦٩٢)، وابن مندة في "الإيمان" (٢٩٠)، والبَيهقي في "الشعب" (٤٦٢) -، عن مَعْمَر بن راشد.

стр. 136

- وأخرجه سفيان بن عيينة في "جزئه" (١٢) - ومِنْ طريقه أبو يحيى زكريا المَرْوَزِي في زوائده على ابن المبارك في "الزهد" (١٠١٨)، وفي "جزئه" - مطبوع ضمن مجموع فيه مصنفات أبي الحسن بن الحَمَّامي (٣٩٠) -، والحُمَيْدي في "مسنده" (١٢٢٤)، وابن أبي شيْبة في "مصنفه" (٣٧٥٦١)، وأحمد في "مسنده" (١٢٠٧٥)، وهَنَّاد السِّرِيُّ في "الزهد" (٤٨٢)، ومسلم في "صحيحه" (٢٦٣٩) ك/البر والصلة، ب/المرء مع من أحب، وأبو يَعْلى في "مسنده" (٣٥٥٦ و ٣٥٥٧ و ٣٥٩٧) - ومن طريقه ابن عساكر في "الأربعون في المساواة" (ص/١٣٧) -، والطحاوي في "مشكل الآثار" (٤٧٥)، وابن حبان في "صحيحه" (٥٦٣)، وابن المُقرئ في "معجمه" (١١٦٣ و ١١٦٤)، وابن مندة في "الإيمان" (٢٨٩)، وأبو نعيم في "الحلية" (٧/ ٣٠٩)، والبيهقي في "الشعب" (٤٩٨)، وفي "الآداب" (١٠٣٦)، والخطيب في "تاريخه" (٢/ ٦٦)، وأبو الحسين الطُّيُوّري في "الطيوريات" (٧٠٥)، وأبو الحسن الخِلَعي في "الخِلَعِيَّات" (ق ١٧/أ) (١) - ومن طريقه ابن ناصر الدين في "توضيح المشتبه" (٢/ ١٣٤) -، والبغوي في "شرح السنة" (٣٤٧٦)، وفي "تفسيره" (٢/ ٢٤٧)، وابن عساكر في "تاريخه" (٣٥/ ٣٦٧ و ٣٦/ ٤٤٨ و ٥٦/ ٢٨٩)، وفي "معجمه" (٢٨٩ و ١١٣٠)، وفي "الأربعون حديثا من المساواة" (ص/١٣٧)، وابن البخاري المَقْدسي في "المشيخة" (١/ ٢٢١)، والعلائي في "إثارة الفوائد" (١٩٥)، والمراغي في "المشيخة" (ص/ ١٨٧)، والسِّلَفي في "الوجيز في ذكر المجاز والوجيز" (٤٢،٤١)، والإرْبِلي في "تاريخ أَرْبَل" (١/ ١٠٤)، وابن بَشْكُوال في "الغوامض والمُبهمات" (٣٦٥ و ٣٦٦)، والذهبي في "تذكرة الحفاظ" (٣/ ٨٦٤، ٤/ ١٣١٩)، وفي "السير" (٢٠/ ٤٦٣) -، كلهم من طُرُقٍ عِدَّة عن ابن عُيينة. _ وأخرجه البزار في "مسنده" (٦٢٨٣)، من طريق سفيان الثوري. _ والطبراني في "الأوسط" (٩١٥٤)، من طريق محمد بن عبد الله - ابن أخي الزُهري -. _ والطبراني في "الصغير" (١١٩٠)، من طريق مرزوق بن أَبِي الهُذَيل. _ وفي "الشاميين" (٢٩٨٥)، وابن مندة في "الإيمان" (٢٩١) من طريق شُعيب بن أَبي حمْزة. ستتهم عن محمد بن شِهاب الزهري، بسنده، معظمهم بنحوه، والبعض بلفظه، والبعض مختصراً. • وأخرجه البخاري (٦١٧١) ك/الأدب، ب/علامة حب الله ، وبرقم (٧١٥٣) ك/ الأحكام، ب/القضاء والفُتيا في الطريق، ومسلمٌ (٢٦٣٩) ك/البر والصلة، ب/المرء مع من أحب، مِنْ طريق سالم بن أبي الجَعْد. _ والبخاري في "صحيحه" (٣٦٨٨) ك/فضائل الصحابة، ب/مناقب عمر بن الخطاب، ومسلم في "صحيحه" (٢٦٣٩) ك/البر والصلة، ب/المرء مع من أحب، من طريق ثابت بن أَسْلم البُنَاني. _ والبخاري في "صحيحه" (٦١٦٧) ك/الأدب، ب/ما جاء في قول الرجل وَيْلك، ومسلم في "صحيحه" (٢٦٣٩) ك/البر والصلة، ب/المرء مع من أحب، من طريق قتادة السَدُوسي. _ ومسلمٌ (٢٦٣٩) ك/البر، ب/المرء مع من أحب، من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة. أربعتهم (سالم، وثابت، وقتادة، وإسحاق) عن أنس بن مالك ﵁، البعض بلفظه، وبعضهم بنحوه.

стр. 137

ثانياً:- دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) عبد الله بن جعفر الرَّقيّ: "ثِقَةٌ قبل أنْ يَتَغَيَّر"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٩). ٣) أبو المَلِيح الحسن بن عُمر الفَزَاري، أبو عبد الله الرَّقيّ، وأبو المَليح لقبه وقد غَلَب عليه. روى عن: الزهري، ومَيْمُون بن مِهْرَان، وحبيب بن أبي مَرْزُوق، وآخرين. روى عنه: عبد الله بن جعفر، وسعيد بن حفص، وعُبَيْد بن هشام، وغيرهم. حاله: قال أبو زرعة، وابن معين، والنسائي، والدَّارَقُطني، وابن حجر: ثِقَةٌ. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أحمد: ثقةٌ، ضَابِطٌ لحديثه، صَدوقٌ، وهو عندي أضبط من جَعفر بن بُرقان. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه. وقال ابن سعد: وكان راوية لمَيْمُون بن مِهْرَان. وحاصله: أنه "ثقة". (١) ٤) محمد بن مسلم بن عُبَيْد الله بن عبد الله بن شِهاب، أبو بكر الزُّهْريُّ القُرَشيُّ، المَدَنِيُّ. روى عن: أنس بن مالك، وسَهْل بن سَعد، وأبي الطُّفَيل ﵃، وآخرين. روى عنه: أبو المَليح الحسن بن عُمر، وسُفيان بن عيينة، ومَعْمَر بن رَاشد، وأمم سواهم. حاله: قال مالك: ما أدركْتُ بالمدينة فقيهاً محدثاً غير ابن شِهاب. وقال أحمد: الزُّهْري أحسن الناس حديثاً، وأجود الناس إسناداً. وقال أبو حاتم: الزُّهْري أَحَبُّ إلىَّ مِنْ الأَعْمَش، يُحْتج به، وأثبت أصحاب أنس الزُّهْري. وقال النسائي: ثِقَةٌ ثَبْتٌ. وكان موصوفاً بالسخاء، والكرم، والعبادة، وفضائله كثيرة لا تُحصى. والزُهري مع إمامته وجلالته، لم يسلم من انتقادات وُجهت إليه، لَعَلَّ مِنْ أهمها وأبرزها الإرسال، والتدليس: - أما الإرسال: فقد وصفه غير واحد به من المتقدمين كالشافعي، وابن المديني، وابن معين، وغيرهم من المتأخرين، كالذهبي، والعلائي؛ بل ورجح الأكثرون ضعف مراسيله، حتى قال العلائي: الظاهر أن قوْل الأكثرين - أي في رد مراسيله - أوْلى بالاعتماد. قلتُ: وقام د/عبد الله دَمْفُو بدفع هذا الانتقاد (٢)، وساق الأدلة على ذلك (٣)؛ وانتهى إلى أن مراسيله من

стр. 138

المراسيل التي يمكن قبولها، فليس كما قيل بأنها من شر المراسيل، ولا من أشدها ضعفاً (١). وذهب إلى ذلك أيضًا د/محمد عواجي فَبَيَّن أنَّ مراسيله مقبولة، خاصة فيما لا يتعلق بالحلال والحرام. (٢) - وأما التدليس: فقد وصفه به غير واحد كالشافعي، والدارقطني، والذهبي، لكنهم اختلفوا في طبقته: أ فالعلائي قد عَدَّه في المرتبة الثانية من مراتب المدلسين - وهم من احتمل الأئمة تدليسهم، وإن لم يُصرحوا بالسماع، وذلك إما لإمامتهم أو لقلة تدليسهم بالنسبة لمجموع مروياتهم -، بل ووصفه الذهبي في الميزان فقال: كان يدلس في النادر. وقال الحلبي: مشهور بالتدليس، وقد قَبِل الأئمة قوله "عن". ب ولم يخالف هؤلاء إلا الحافظ ابن حجر، فجعله في المرتبة الثالثة - وهم من أكثروا من التدليس، فلم يقبل الأئمة من أحاديثهم إلا ما صرّحوا فيه بالسماع على الراجح -. قلتُ - والله أعلم -: وقد بيّن د/عبد الله دَمْفُو، أن كلام الحافظ فيه نظر؛ لكونه لم يوافقه أحد على ذلك، بالإضافة إلى أن الحافظ قد صرّح في "الفتح": بأن الزهري قليل التدليس (٣)؛ فلعل اجتهاده قد تغير بعد ذلك. وذهب د/محمد عواجي أيضًا إلى نُدْرة تدليسه، وأنه من الطبقة الثانية. (٤) وعليه فالراجح: أنَّه قليل التدليس؛ لكن قَيَّده أستاذنا الفاضل أ. د/أحمد معبد، فقال: وعلى هذا تُحمل عنعنة الزهري عن من أدركه، أو لقيه على الاتصال، ما لم يأت نافٍ لذلك. (٥) وقال الشيخ/ طارق عوض الله: نعم؛ لا ينبغي أن يُتوقف في عنعنة الزهري، بل الظاهر أنه لا يُدلّس إلا في النادر، فلا تُحمل عنعنته على التدليس إلا حيث يظهر في الحديث نكارة، فتُحمل على العنعنة. (٦) وعليه فالحاصل: أنه "ثِقَةٌ، حَافِظٌ، مُتَّفَقٌ على جلالته، وإتقانه، وإمامته، لكنه مع ذلك يُرسل، ويُدلس؛ إلا أن مراسيله يُمكن قبولها والاحتجاج بها، وتدليسه مقبول، ومُحتمل ما لم يأت نافٍ لذلك". (٧) ٥) أنس بن مالك بن النضر، أبو حمزة الأنصاري، الخزرجي، المُفتي، المُقرئ، المحدّث. روى عن: النبي ﷺ علماً جماً، وأبي بكر، وعمر بن الخطاب ﵃، وآخرين.

стр. 139

روى عنه: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وحُمَيد الطويل، وثابت البُنَانيُّ، وخلق عظيم. راوية الإسلام، وخادم النبي ﷺ ، وقرابته من النساء، وتلميذه، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة ﵁. (١) ثالثاً:- الحكم على الحديث: مما سبق يَتَبَيَّن أن الحديث بإسناد الطبرانيُّ "ضعيفٌ"؛ فيه: عبد الله بن جعفر "ثِقَةٌ، قبل أنْ يَتَغَيَّر"، وأحمد ابن خليد، لا نعلم هل روى عنه قبل الاختلاط أم بعده، ومن كان كذلك فلا يُقبل حديثه إلا إذا تُوبع. (٢) مُتابعات للحديث: وتُوبِع عبد الله بن جعفر في روايته لهذا الحديث بمتابعات تامة وقاصرة: فتابعه عليّ بن مَعْبَد بن شَدَّاد، عن أبي المليح - كما سبق في التخريج -، وسنده صَحيحٌ. وتابعه كذلك سالم بن أبي الجَعْد، وثابت البُنَانيُّ، وقتادة السَّدُوسيُّ، عند البخاري ومُسْلم، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عند مُسْلم - كما سبق بيان ذلك كله في التخريج -. شواهد للحديث: وللحديث شواهد في "الصحيحين"، منها: ما أخرجه البخاري، ومُسْلمٌ مِنْ حديث عبد الله بن مسعود ﵁، قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ». واللفظ لمسلم. (٣) وفي الباب عن أبي موسى الأشعري ﵁، عند البخاري، ومُسْلم. (٤) قلتُ: وعليه فالحديث بمتابعاته، وشواهده يرتقي مِنْ "الضَعيف"، إلى "الصَحيحِ لغيره"، والله أعلم. - وأمّا عنعنة الزهري: فإنَّه لا يُتَوَقَّف في روايته ما لم يأت نافٍ لذالك؛ ومع هذا فقد صَرَّح الزهري بالتحديث عن أنس كما عند مسلم في "صحيحه". (٥) - وأما رواية أبي المليح عن الزهري: فقد تابعه جماعة من أصحاب الزهري المُقَدَّمِينَ فيه، كما سبق. قلتُ: والحديثُ عَدَّه بعض أهل العلم من المتواتر، فقال الحافظ ابن حجر: وقد جمع أبو نعيم طرق هذا الحديث في جزء سماه "المحبين مع المحبوبين" بلغ عدد الصحابة فيه نحو العشرين. (٦) وقال ابن كثير: هذا الحديث له طرق متعددة في "الصحيحين" وغيرهما، عن جماعة من الصحابة، عن

стр. 140

رسول الله ﷺ ، وهي متواترة عند كثيرٍ من الحفاظ المتقنين. (١) وذكره غير واحد مِمَّن ألف في الأحاديث المتواترة منهم: السيوطي، والزبيدي، والكتاني. رابعاً:- النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّفُ ﵁: لم يروِ أبو المليح، عن الزهري، عن أنس غير هذا الحديث. قلتُ: ما قاله المُصَنِّف ﵁ نقله الإمام ابن طاهر الدين الدمشقي، فقال - بعد أنْ أخرج الحديث بسنده -: ورواه مَعْمر، وأبو المليح عن الزهري، وليس لأبي المليح فيما ذكره الطبراني عن الزهري سواه. (٢) قلتُ: لَكِنَّ أبا المليح قد روى عن الزُّهْريِّ، عن أنس بن مالك ﵁، غير هذا الحديث: أخرجه الطحاوي في "شرح مُشْكِل الآثار" (٣٧٧)، قال: حدَّثنا سُلَيْمَانُ بن شُعَيْبٍ، حدَّثنا عَلِيُّ بن مَعْبَدٍ العَبْدِيُّ، حدَّثنا أبو مَلِيحٍ الحسنُ بن عُمَرَ الفَزَارِيُّ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَنَسٍ، قال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ اتَّكَأَ عَلَى غُلامٍ، فَقَالَ: " رَأْسُ مِائَةِ سَنَةٍ لا يَبْقَى أَحَدٌ مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ الْيَوْمَ حَيٌّ ". قلتُ: ولم أقف - على حد بحثي - على غير هذا الحديث برواية أبي المليح عن الزُّهْري. والحديث بهذا الوجه عن أبي المليح عن الزُّهْريّ "شَاذٌ"؛ لمخالفة أبي المليح ما رواه عامة أصحاب الزُّهْريّ: _ فلقد أخرجه البخاريُّ (١١٦)، ك/العلم، ب/السمر في العلم، ومسلم (٢٥٣٧/ ٢)، ك/فضائل الصحابة، ب/قوله ﷺ : "لا تَأْتي مِائة سَنة وعلى الأرض نَفْس مَنْفُوسة اليوم"، مِنْ طريق عبد الرحمن بن خالد بن مُسَافر. _ والبخاري في "صحيحه" (٥٦٤)، ك/مواقيت الصلاة، ب/ذكر العشاء، من طريق يونس بن يزيد. _ ومُسْلِمٌ في "صحيحه" (٢٥٣٧/ ١،٢)، ك/فضائل الصحابة، ب/قوله ﷺ : "لا تَأْتي مِائة سَنة وعلى الأرض نَفْس مَنْفُوسة اليوم"، مِنْ طريق مَعْمر بن راشد، وشُعيب بن أبي حمزة - وهو مِنْ أثبت النَّاس في الزُّهْريّ -. _ والطبراني في "الكبير" (١٣١١٠)، من طريق إسحاق بن راشد. خمستهم (عبد الرحمن، ويونس، ومعمر، وشعيب، وإسحاق)، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، وأبو بكر بن سليمان، عن عبد الله بن عمر. فرواية أبي المليح للحديث عن الزُّهْري، عن أنس، "شاذٌ"، سلك فيها الجادة، والصواب ما رواه الجماعة. قلتُ: وعليه، فَيُحْمل كلام الطبراني ﵁ بقوله: لم يروِ أبو المليح، عن الزهري، عن أنس غير هذا الحديث: أي مِنْ وجهٍ صَحيح مُعْتمد، والله أعلم.

стр. 141

خامساً:- التعليق على الحديث: - يدل هذا الحديث دلالة واضحة على مدى حرص الصحابة، وخوْفهم من الله ، فكانوا يسألون رسول الله ﷺ عن ميعاد الساعة ظناً منهم أنه يعلم وقت وقوعها، فيسأله الصحابي: يا رسول الله، متى الساعة؟. - ولما كان علم وقوعها أمر لا يعلمه مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نبيٌّ مُرْسَلٌ؛ بل لا يعلمه إلا الله ، قال الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ (١) لذا وقف النبي ﷺ بحكمته البالغة، وتوجيهاته الرشيدة، ووجّه الصحابة إلى الأهم في حقهم؛ وهو الاستعداد ليوم القيامة، والتهيؤ لها قبل وقوعها، وإن لم يعرفوا تعيين وقتها؛ فقال ﷺ : "وَيْحَك! إنّ السّاعَة آتِيَةٌ، فمَا أَعْددتَ لَهَا؟ " (٢) أي ما أَعْدَدتَ لها بما ينفعُك من الطاعات، والخيرات؟ - فاستكان الرجل وفَكَّرَ، واستصغر نفسه وأعماله، ثم قال: "ما أعددتُ لها من خير أَحْمِد عليه نفسي … "، وفي رواية أحمد - السابقة -: "ما أعددتُ لها من كبير صلاة ولا صوم غير أني أحب الله ورسوله". - إنه حب الله ورسوله، وما أدراك ما حب الله ورسوله؟! إنه الحب الذي به يكتمل إيمان العبد؛ فقد أخرج البخاري، ومسلم في "صحيحيهما"، من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». (٣) - لذا استحق كل من كان مُحِبَّاً لله، ولرسوله تلك البُشرى العظيمة التي سَاقها النبي الكريم الرؤوف بالمؤمنين الرحيم ﷺ حيث قال للسائل: "أَنْتَ مَعَ مَن أَحْبَبْت"، وفي روايةٍ: "المَرءُ مَع مَن أَحبَّ". (٤) فما فرح المسلمون أشدّ فَرحاً بعد إسلامهم لقوله ﷺ : "أَنْتَ مَعَ مَن أَحْبَبْت"؛ لأنهم كانوا يخافون من عدم رؤيتهم للنبي ﷺ في الآخرة، لعلمهم أن أعمالهم لن تبلغ عمله ﷺ ، ولهذا كان أنس ﵁ يقول: «فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ». (٥)

стр. 142

- لكن يا تُرى ما حقيقة تلك المعية؟ أهي الاستواء في الدرجات؟ أم كلٌ في درجته ومكانه مع إمكان الرؤية إن أرادوا، وإن تباعدت الدرجات والأماكن؟! فذهب إلى الأول ابن بطال؛ مُعَلِّلًا ذلك بأنه لمَّا كان مُحِبًّا لهم من أجل طاعتهم لله، والمحبة عملا من أعمال القلوب، أثابه الله مثل ثوابهم، إذ النية هي الأصل، والعمل تابع لها، والله يؤتي فضله من يشاء. بينما ذهب النووي، وابن حجر، والقسطلاني إلى الأمر الثاني؛ فقال النووي: لا يَلزم من كوْنه معهم أن تكون منزلته وجزاؤه مثلهم من كل وجه. وقال ابن حجر: ليس من لازم المعية الاستواء في الدرجات. وزاد القسطلاني، فقال: بأنه يتمكن كل واحد منهما من رؤية الآخر، وإن بَعُدَ المكان؛ لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضاً، وإن أرادوا الرؤية والتلاقي قدروا على ذلك. - إلا أن هذا الحديث قيّده بعض أهل العلم بشرطٍ: وهو أن المرء إذا أحبهم عَمِل أعمالهم. لكنَّه شرطٌ مُقَيدٌ بالقدرة والاستطاعة، ويدل على ذلك ما جاء في بعض روايات الحديث: "أن رجلاُ قال: يا رسول الله! الرجل يُحِبُّ القوْم ولم يَبْلُغ عَمَلَهم، فقال رسول الله ﷺ : "المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ". (١) لذا قال الإمام النووي: ومن فضل محبة الله ورسوله امتثال أمرهما، واجتناب نهيهما، والتأدب بالآداب الشرعية؛ ولا يُشترط في الانتفاع بمحبة الصالحين أن يعمل عملهم، إذ لو عمله لكان معهم، أو مثلهم. (٢) * * *

стр. 143

[١١/ ٤١١]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ، قَالَ: نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، … عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ (١). عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجَالاً (٢) تُقَطَّعُ أَلْسِنَتُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ. فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَؤُلاءِ؟ قَالَ: هَؤُلاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِمَا لا يَفْعَلُونَ». * لم يَرْوِ هذا الحديث عن سليمان التَّيْمِيِّ إلا عيسى بن يونس. أولاً:- تخريج الحديث: • أخرجه الضياء المقدسي في "المختارة" (٢١٦١)، من طريق الطبراني، عن أحمد بن خليد به. وعزاه العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (١/ ١٨٧)، إلى الطبراني من رواية عيسى بن يونس عن سليمان التيمي عن أنس، وقال: إسناده صحيح. • وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (٤٠٦٩) - ومن طريقه الضياء في "المختارة" (٢١٦٠) -، والبيهقي في "الشعب" (٤٩٦٥)، من طريق معتمر بن سليمان، عن أبيه سليمان التَّيمِي، به، وبنحوه مختصراً. _ وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ١٧٢)، وفي "تاريخ دمشق" (٢٥/ ٢٢)، من طريق عبد الله بن المبارك، عن سليمان التَّيميّ، به. وقال أبو نعيم: مشهور من حديث أنس، رواه عنه عدة، وحديث سليمان عزيزٌ. • وابن المبارك في "الزهد" (٨١٩)، وفي "المسند" (٢٧ و ١٣٢) - ومن طريقه ابن أبي الدنيا في "الصمت" (٥٠٩) -، ووكيع بن الجَرَّاح في "الزهد" (٢٩٧) - ومن طريقه أحمد في "المسند" (١٢٢١١ و ١٢٨٥٦)، وفي "الزهد" (٢٤٤)، وابن الجوْزي في "القصاص والمذكرين" (٥٧) -، وأبو داود الطيالسي في "مسنده" (٢١٧٢)، وعبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ٣٧٣) - ومن طريقه ابن أبي الدنيا في "الصمت" (٥٧٠) -، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٦٥٧٦)، وأحمد في "المسند" (١٣٤٢١ و ١٣٥١٥)، وعبدٌ بن حُميد في "المسند" - كما في "المنتخب" (١٢٢٢) -، والحارث بن أبي أسامة في "مسنده" - كما في "بغية الباحث" (٢٦ و ٧٦٩) -، وأبو يعلى في "مسنده" (٣٩٩٢ و ٣٩٩٦)، وأبو بكر بن أبي داود في "المصاحف" (٣٥٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤٧٢)، وابن حبان في "صحيحه" (٥٣)، والطبراني في "الأوسط" (٢٨٣٢ و ٨٢٢٣) - ومن طريقه الضياء في "المختارة" (٢٦٤٧) -، وأبو نعيْم في "الحلية" (٢/ ٣٨٩ و ٦/ ٢٤٨ و ٨/ ٤٣)، والبيهقي في "الشعب" (١٧٧٣ و ٤٩٦٦ و ٤٩٦٧)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٥٠٥ و ٧/ ١٥٣)، وفي "الموضّح للأوهام" (٢/ ١٧٠)، وفي "اقتضاء العلم" (١١١)، والواحدي في "تفسيره"

стр. 144

(١/ ١٣١)، والبغوي في "تفسيره" (١/ ٨٨)، وفي "شرح السنة" (٤١٥٩). كلهم من طُرُقٍ عِدَّة عن أنس ﵁، بنحوه، لكن بلفظ "شفاههُهُم" بدل "ألسنتهم"، وعند ابن أبي أسامة، … وأبي يعلى "ألسنتهم وشفاههم"، وزاد عبد الرزاق "فكلما قُصت عادت" وعند ابن أبي داود "فكلما قُرضت رَجَعت". وقال البغوي: حديثٌ حَسَنٌ. وقال الألباني: وهو كما قال أو أعلى، فإن له طرقًا أخرى بعضها جَيِّدٌ. (١) ثانياً:- دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) عبد الله بن جعفر الرَّقيّ: "ثِقَةٌ قبل أنْ يَتَغَيَّر"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٩). ٣) عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعي، أبو عمرو، ويُقال: أبو محمد الكوفي. روى عن: سليمان التَّيْمِي، والأعمش، والأوزاعي، وآخرين. روى عنه: عبد الله بن جعفر الرَّقي، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وغيرهم. حاله: قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي، ويعقوب بن شيْبة، وابن خراش: ثِقَةٌ. وقال أبو زرعة: ثِقَةٌ حافظٌ. وقال ابن حبان: كان متقِنًا. وقال علي بن المديني: بخٍ بخٍ، ثقةٌ مأمونٌ. (٢) ٤) سُليمان بن طَرْخَان التَّيْمِيُّ، أبو المُعْتَمر، مَوْلى عمرو بن مُرَّة. روى عن: أنس بن مالك، وأبي عثمان النَّهْدي، وثابت البُناني، وآخرين. روى عنه: عيسى بن يونس، وشعبة، والسفيانان، وخلق كثير. حاله: قال ابن معين، والنسائي، وأحمد، والعجلي، ومحمد بن سعد، والدارقطني، وابن حجر: ثقةٌ. وقال ابن حبان: كان من عُبَّاد البصْرة، وصَالِحِيهم، ثِقَةً، وإتْقانًا، وحِفظًا، وسُنَّةً. ووصفه ابن معين، والنسائي بالتدليس، وجعله ابن حجر، والعلائي في المرتبة الثانية، وهؤلاء قبِل الأئمة عنعنتهم بالاتفاق. وحاصله: أنه "ثقة حافظ". (٣) ٥) أنس بن مالك ﵁: صحابي جليل، تقدم في الحديث رقم (١٠). ثالثا:- الحكم على الحديث: مما سبق يَتَبَيَّن أن الحديث بإسناد الطبرانيُّ "ضعيفٌ"؛ فيه: عبد الله بن جعفر "ثِقَةٌ، قبل أنْ يَتَغَيَّر"، وأحمد ابن خليد، لا نعلم هل روى عنه قبل الاختلاط أم بعده، ومن كان كذلك فلا يُقبل حديثه إلا إذا تُوبع.

стр. 145

قلتُ: وقد تابعه مُعْتَمر بن سليمان - وإسناده صَحيحٌ -، وعبد الله بن المبارك - وإسناده حسنٌ -، كما سبق ذكرها في التخريج. وعليه فالحديث بمتابعاته يرتقي إلى "الصحيح لغيره"، والله أعلم. رابعًا:- النظر في كلام المُصَنِّف ﵁، على الحديث: قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرو هذا الحديث عن سليمان التّيْمِي إلا عيسى بن يونس. قلتُ: نقَل الضياء المقدسي في "المختارة": كلام الإمام الطبراني ﵁؛ ونقل أيضًا عن الدارقطني، أنَّه قال: تفرّد به مُعْتَمر، عن أبيه. وتعقبهما بقوله: بَانَ برواية مُعتمر، عن أبيه؛ أنه لم يتفرّد به عيسى بن يونس؛ وبَانَ برواية عيسى أنه لم يتفرّد به مُعتمر. (١) وتعقّبه الشيخ/الحويني: بمتابعة عبد الله بن المبارك، ومعتمر بن سليمان، ونقل كلام الضياء المقدسي. (٢) قلتُ: سبق ذكر هذه المتابعات، وبيان الحكم عليها، وبالتالي فلا يُسَلَّم للإمام الطبراني في القول بالتَّفرد. خامسًا:- التعليق على الحديث: - جعل الله الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من خصائص هذه الأمة، قال الله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾. (٣) - وحثّ الله على الدعوة إليه، وبيّن فضل القائمين بهذه المهمة، فقال : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ (٤)، لمّا تلا الحسنُ هذه الآية، قال: هذا حبيب الله، هذا وليّ الله، هذا صفوة الله، هذا خِيرة الله، هذا أحبّ أهل الأرض إلى الله، أجاب اللهَ في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب فيه من دعوتِه، وعمل صالحًا في إجابته، وقال: ﴿إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. (٥) - وفي المقابل نجدُ النبيَ ﷺ ينقل لنا صورةً ينخلع لها القلب، ويطير منها الفؤاد!! صورةً رآها النبيُ ﷺ حين أُسري به، رأى رجالا تُقطّع ألسنتهم بمقاريض من نار؛ فيَسألُ جبريلَ: مَن هؤلاء؟! فتكون المفاجأة: إنهم خطباء أمتك، لكنهم كانوا يأمرون الناس بما لا يفعلون، فاللهم سلّم سلّم.
следующие страницы →