← Книги сунны

Книги сунны · id 541

القسم الثاني من المعجم الأوسط للطبراني

الطبراني

Полный текст (1 397 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

خامساً:- التعليق على الحديث: - يدل هذا الحديث دلالة واضحة على مدى حرص الصحابة، وخوْفهم من الله ، فكانوا يسألون رسول الله ﷺ عن ميعاد الساعة ظناً منهم أنه يعلم وقت وقوعها، فيسأله الصحابي: يا رسول الله، متى الساعة؟. - ولما كان علم وقوعها أمر لا يعلمه مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نبيٌّ مُرْسَلٌ؛ بل لا يعلمه إلا الله ، قال الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ (١) لذا وقف النبي ﷺ بحكمته البالغة، وتوجيهاته الرشيدة، ووجّه الصحابة إلى الأهم في حقهم؛ وهو الاستعداد ليوم القيامة، والتهيؤ لها قبل وقوعها، وإن لم يعرفوا تعيين وقتها؛ فقال ﷺ : "وَيْحَك! إنّ السّاعَة آتِيَةٌ، فمَا أَعْددتَ لَهَا؟ " (٢) أي ما أَعْدَدتَ لها بما ينفعُك من الطاعات، والخيرات؟ - فاستكان الرجل وفَكَّرَ، واستصغر نفسه وأعماله، ثم قال: "ما أعددتُ لها من خير أَحْمِد عليه نفسي … "، وفي رواية أحمد - السابقة -: "ما أعددتُ لها من كبير صلاة ولا صوم غير أني أحب الله ورسوله". - إنه حب الله ورسوله، وما أدراك ما حب الله ورسوله؟! إنه الحب الذي به يكتمل إيمان العبد؛ فقد أخرج البخاري، ومسلم في "صحيحيهما"، من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». (٣) - لذا استحق كل من كان مُحِبَّاً لله، ولرسوله تلك البُشرى العظيمة التي سَاقها النبي الكريم الرؤوف بالمؤمنين الرحيم ﷺ حيث قال للسائل: "أَنْتَ مَعَ مَن أَحْبَبْت"، وفي روايةٍ: "المَرءُ مَع مَن أَحبَّ". (٤) فما فرح المسلمون أشدّ فَرحاً بعد إسلامهم لقوله ﷺ : "أَنْتَ مَعَ مَن أَحْبَبْت"؛ لأنهم كانوا يخافون من عدم رؤيتهم للنبي ﷺ في الآخرة، لعلمهم أن أعمالهم لن تبلغ عمله ﷺ ، ولهذا كان أنس ﵁ يقول: «فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ». (٥)

стр. 142

- لكن يا تُرى ما حقيقة تلك المعية؟ أهي الاستواء في الدرجات؟ أم كلٌ في درجته ومكانه مع إمكان الرؤية إن أرادوا، وإن تباعدت الدرجات والأماكن؟! فذهب إلى الأول ابن بطال؛ مُعَلِّلًا ذلك بأنه لمَّا كان مُحِبًّا لهم من أجل طاعتهم لله، والمحبة عملا من أعمال القلوب، أثابه الله مثل ثوابهم، إذ النية هي الأصل، والعمل تابع لها، والله يؤتي فضله من يشاء. بينما ذهب النووي، وابن حجر، والقسطلاني إلى الأمر الثاني؛ فقال النووي: لا يَلزم من كوْنه معهم أن تكون منزلته وجزاؤه مثلهم من كل وجه. وقال ابن حجر: ليس من لازم المعية الاستواء في الدرجات. وزاد القسطلاني، فقال: بأنه يتمكن كل واحد منهما من رؤية الآخر، وإن بَعُدَ المكان؛ لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضاً، وإن أرادوا الرؤية والتلاقي قدروا على ذلك. - إلا أن هذا الحديث قيّده بعض أهل العلم بشرطٍ: وهو أن المرء إذا أحبهم عَمِل أعمالهم. لكنَّه شرطٌ مُقَيدٌ بالقدرة والاستطاعة، ويدل على ذلك ما جاء في بعض روايات الحديث: "أن رجلاُ قال: يا رسول الله! الرجل يُحِبُّ القوْم ولم يَبْلُغ عَمَلَهم، فقال رسول الله ﷺ : "المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ". (١) لذا قال الإمام النووي: ومن فضل محبة الله ورسوله امتثال أمرهما، واجتناب نهيهما، والتأدب بالآداب الشرعية؛ ولا يُشترط في الانتفاع بمحبة الصالحين أن يعمل عملهم، إذ لو عمله لكان معهم، أو مثلهم. (٢) * * *

стр. 143

[١١/ ٤١١]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ، قَالَ: نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، … عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ (١). عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجَالاً (٢) تُقَطَّعُ أَلْسِنَتُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ. فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَؤُلاءِ؟ قَالَ: هَؤُلاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِمَا لا يَفْعَلُونَ». * لم يَرْوِ هذا الحديث عن سليمان التَّيْمِيِّ إلا عيسى بن يونس. أولاً:- تخريج الحديث: • أخرجه الضياء المقدسي في "المختارة" (٢١٦١)، من طريق الطبراني، عن أحمد بن خليد به. وعزاه العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (١/ ١٨٧)، إلى الطبراني من رواية عيسى بن يونس عن سليمان التيمي عن أنس، وقال: إسناده صحيح. • وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (٤٠٦٩) - ومن طريقه الضياء في "المختارة" (٢١٦٠) -، والبيهقي في "الشعب" (٤٩٦٥)، من طريق معتمر بن سليمان، عن أبيه سليمان التَّيمِي، به، وبنحوه مختصراً. _ وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ١٧٢)، وفي "تاريخ دمشق" (٢٥/ ٢٢)، من طريق عبد الله بن المبارك، عن سليمان التَّيميّ، به. وقال أبو نعيم: مشهور من حديث أنس، رواه عنه عدة، وحديث سليمان عزيزٌ. • وابن المبارك في "الزهد" (٨١٩)، وفي "المسند" (٢٧ و ١٣٢) - ومن طريقه ابن أبي الدنيا في "الصمت" (٥٠٩) -، ووكيع بن الجَرَّاح في "الزهد" (٢٩٧) - ومن طريقه أحمد في "المسند" (١٢٢١١ و ١٢٨٥٦)، وفي "الزهد" (٢٤٤)، وابن الجوْزي في "القصاص والمذكرين" (٥٧) -، وأبو داود الطيالسي في "مسنده" (٢١٧٢)، وعبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ٣٧٣) - ومن طريقه ابن أبي الدنيا في "الصمت" (٥٧٠) -، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٦٥٧٦)، وأحمد في "المسند" (١٣٤٢١ و ١٣٥١٥)، وعبدٌ بن حُميد في "المسند" - كما في "المنتخب" (١٢٢٢) -، والحارث بن أبي أسامة في "مسنده" - كما في "بغية الباحث" (٢٦ و ٧٦٩) -، وأبو يعلى في "مسنده" (٣٩٩٢ و ٣٩٩٦)، وأبو بكر بن أبي داود في "المصاحف" (٣٥٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤٧٢)، وابن حبان في "صحيحه" (٥٣)، والطبراني في "الأوسط" (٢٨٣٢ و ٨٢٢٣) - ومن طريقه الضياء في "المختارة" (٢٦٤٧) -، وأبو نعيْم في "الحلية" (٢/ ٣٨٩ و ٦/ ٢٤٨ و ٨/ ٤٣)، والبيهقي في "الشعب" (١٧٧٣ و ٤٩٦٦ و ٤٩٦٧)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٥٠٥ و ٧/ ١٥٣)، وفي "الموضّح للأوهام" (٢/ ١٧٠)، وفي "اقتضاء العلم" (١١١)، والواحدي في "تفسيره"

стр. 144

(١/ ١٣١)، والبغوي في "تفسيره" (١/ ٨٨)، وفي "شرح السنة" (٤١٥٩). كلهم من طُرُقٍ عِدَّة عن أنس ﵁، بنحوه، لكن بلفظ "شفاههُهُم" بدل "ألسنتهم"، وعند ابن أبي أسامة، … وأبي يعلى "ألسنتهم وشفاههم"، وزاد عبد الرزاق "فكلما قُصت عادت" وعند ابن أبي داود "فكلما قُرضت رَجَعت". وقال البغوي: حديثٌ حَسَنٌ. وقال الألباني: وهو كما قال أو أعلى، فإن له طرقًا أخرى بعضها جَيِّدٌ. (١) ثانياً:- دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) عبد الله بن جعفر الرَّقيّ: "ثِقَةٌ قبل أنْ يَتَغَيَّر"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٩). ٣) عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعي، أبو عمرو، ويُقال: أبو محمد الكوفي. روى عن: سليمان التَّيْمِي، والأعمش، والأوزاعي، وآخرين. روى عنه: عبد الله بن جعفر الرَّقي، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وغيرهم. حاله: قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي، ويعقوب بن شيْبة، وابن خراش: ثِقَةٌ. وقال أبو زرعة: ثِقَةٌ حافظٌ. وقال ابن حبان: كان متقِنًا. وقال علي بن المديني: بخٍ بخٍ، ثقةٌ مأمونٌ. (٢) ٤) سُليمان بن طَرْخَان التَّيْمِيُّ، أبو المُعْتَمر، مَوْلى عمرو بن مُرَّة. روى عن: أنس بن مالك، وأبي عثمان النَّهْدي، وثابت البُناني، وآخرين. روى عنه: عيسى بن يونس، وشعبة، والسفيانان، وخلق كثير. حاله: قال ابن معين، والنسائي، وأحمد، والعجلي، ومحمد بن سعد، والدارقطني، وابن حجر: ثقةٌ. وقال ابن حبان: كان من عُبَّاد البصْرة، وصَالِحِيهم، ثِقَةً، وإتْقانًا، وحِفظًا، وسُنَّةً. ووصفه ابن معين، والنسائي بالتدليس، وجعله ابن حجر، والعلائي في المرتبة الثانية، وهؤلاء قبِل الأئمة عنعنتهم بالاتفاق. وحاصله: أنه "ثقة حافظ". (٣) ٥) أنس بن مالك ﵁: صحابي جليل، تقدم في الحديث رقم (١٠). ثالثا:- الحكم على الحديث: مما سبق يَتَبَيَّن أن الحديث بإسناد الطبرانيُّ "ضعيفٌ"؛ فيه: عبد الله بن جعفر "ثِقَةٌ، قبل أنْ يَتَغَيَّر"، وأحمد ابن خليد، لا نعلم هل روى عنه قبل الاختلاط أم بعده، ومن كان كذلك فلا يُقبل حديثه إلا إذا تُوبع.

стр. 145

قلتُ: وقد تابعه مُعْتَمر بن سليمان - وإسناده صَحيحٌ -، وعبد الله بن المبارك - وإسناده حسنٌ -، كما سبق ذكرها في التخريج. وعليه فالحديث بمتابعاته يرتقي إلى "الصحيح لغيره"، والله أعلم. رابعًا:- النظر في كلام المُصَنِّف ﵁، على الحديث: قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرو هذا الحديث عن سليمان التّيْمِي إلا عيسى بن يونس. قلتُ: نقَل الضياء المقدسي في "المختارة": كلام الإمام الطبراني ﵁؛ ونقل أيضًا عن الدارقطني، أنَّه قال: تفرّد به مُعْتَمر، عن أبيه. وتعقبهما بقوله: بَانَ برواية مُعتمر، عن أبيه؛ أنه لم يتفرّد به عيسى بن يونس؛ وبَانَ برواية عيسى أنه لم يتفرّد به مُعتمر. (١) وتعقّبه الشيخ/الحويني: بمتابعة عبد الله بن المبارك، ومعتمر بن سليمان، ونقل كلام الضياء المقدسي. (٢) قلتُ: سبق ذكر هذه المتابعات، وبيان الحكم عليها، وبالتالي فلا يُسَلَّم للإمام الطبراني في القول بالتَّفرد. خامسًا:- التعليق على الحديث: - جعل الله الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من خصائص هذه الأمة، قال الله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾. (٣) - وحثّ الله على الدعوة إليه، وبيّن فضل القائمين بهذه المهمة، فقال : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ (٤)، لمّا تلا الحسنُ هذه الآية، قال: هذا حبيب الله، هذا وليّ الله، هذا صفوة الله، هذا خِيرة الله، هذا أحبّ أهل الأرض إلى الله، أجاب اللهَ في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب فيه من دعوتِه، وعمل صالحًا في إجابته، وقال: ﴿إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. (٥) - وفي المقابل نجدُ النبيَ ﷺ ينقل لنا صورةً ينخلع لها القلب، ويطير منها الفؤاد!! صورةً رآها النبيُ ﷺ حين أُسري به، رأى رجالا تُقطّع ألسنتهم بمقاريض من نار؛ فيَسألُ جبريلَ: مَن هؤلاء؟! فتكون المفاجأة: إنهم خطباء أمتك، لكنهم كانوا يأمرون الناس بما لا يفعلون، فاللهم سلّم سلّم.

стр. 146

بل ووبّخهم الله في كتابه فقال - وهو أصدق القائلين -: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾. (١) قال ابن كثير: ولم يكن هذا الذم، والتعذيب، والتوْبيخ بسبب أمرهم بالبر مع تركهم له، بل بسبب تركهم له، فإنّ الأمر بالمعروف معروف، وواجبٌ على العالم، لكن الواجب على العالِم والأوْلى أن يفعله مع أمرهم به، ولا يتخلف عنه، كما قال شعيبٌ ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾. (٢) (٣) فالواجب على الخطيب والداعية أن يُخلص نيته لله أولًا، ثم يحرص على طلب العلم النافع، ثم العمل بهذا العلم، والدعوة إلى الله به، قال : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾. (٤) وليحذر من تثبيط الشيطان له، بأنه لم يفعل ما يقوله، ولم ينتهِ عما ينهى الناس عنه، بل يحرص على الطاعة ما أمكنه، مع الدعوة إلى الله ﷻ ؛ قال سعيد بن جبيْر: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء: ما أمر أحد بمعروف، ولا نهى عن منكر، قال مالك: وصدق، مَن ذا الذي ليس فيه شيء؟! لذا قال ابن كثير: الصحيح أن العالِم يأمر بالمعروف وإن لم يفعله، وينهى عن المنكر وإن ارتكبه. * * *

стр. 147

[١٢/ ٤١٢]- حَدَّثنا أحمد بن خُلَيْدٍ، قال: نا عبْدُ اللَّهِ بن جَعْفَر الرَّقِّيُّ، قال: نا عُبَيْدُ اللَّهِ بن عَمْرٍو، عن زَيْدِ بن أبي أُنَيْسَةَ، عن الْعَلاءِ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عن نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ (١). عن ابن عُمَر، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِزْرَةُ (٢) الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، وَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ، وَمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فِي النَّارِ». * لم يَرْوِ هذا الحديث عن نُعَيْم المُجْمِرِ إلا العلاءُ بن عبد الرَّحْمَن، تَفَرَّدَ به: زَيدُ بن أبي أُنيسَةَ. هذا الحديث مداره على العلاء بن عبد الرحمن، واختُلف عليه فيه من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: العلاء بن عبد الرحمن، عن نُعيم المُجْمِر، عن ابن عُمر ﵁. الوجه الثاني: العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي سعيد الخُدري ﵁. الوجه الثالث: العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁. وتفصيل ذلك كالآتي: أولًا:- الوجه الأول: العلاء بن عبد الرحمن، عن نُعيم المُجْمِر، عن ابن عمر ﵁. أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه عبد الرحمن بن أبي شُرَيح في "المائة الشُرَيحية" (٤٤) من طريق أحمد بن خُليد، قال: نا عبد الله بن جعفر، قال: نا عُبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أُنيسة، عن العلاء بن عبد الرحمن، به. • وأبو زُرعة الدمشقي في "الفوائد المُعَللة" (١٠٣)، قال: نا عبد الله بن جعفر الرَّقي، بالرقة، سنة ستة عشر ومائتين (٣)، بسنده، مختصرًا: "إِزْرة المُؤْمن إلى أَنْصاف سَاقَيْه". _ والطبراني في "الأوسط" (١١٦٩)، وفي "الكبير" (١٣٢٩٢)، قال: حدثنا أحمد بن إسحاق الخَشَّاب، نا عبد الله بن جعفر، بسنده، وبنحو لفظه، وفيه زيادة، قوله: "ومَنْ جَرَّ ثَوْبه مِن المَخْيلة لم ينظر الله إليه".

стр. 148

• والنسائي في "الكبرى" (٩٦٣٥)، ك/الزينة، ب/إسبال الإزار، من طريق علي بن مَعْبد؛ وابن عدي في "الكامل" (٦/ ٣٧٢)، من طريق حَكِيم بن سيف؛ كلاهما عن عُبيد الله بن عمرو، بنحوه، وفيه زيادة. ب دراسة إسناد الوجه الأول (إسناد الطبراني): ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) عبد الله بن جعفر الرَّقيّ: "ثِقَةٌ قبل أنْ يَتَغَيَّر"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٩). ٣) عبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الرَّقِّيُّ: "ثِقَةٌ، فَقِيْهٌ، حُجَّةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٩). ٤) زيد بن أبي أُنيسة الجَزَريُّ: "ثِقَةٌ، فَقِيْهٌ، له أفراد، فلا يُحْتَجُّ به إذا تَفَرَّد، وخالف"، تَقَدَّم في رقم (٩). ٥) العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحُرَقِيّ، أبو شِبْل، المَدَني. روى عن: نُعَيم بن عبد الله المُجْمِر، وأنس بن مالك ﵁، وعبد الله بن عمر ﵁، وغيرهم. روى عنه: زيد بن أبي أُنَيسة، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وجَمْعٌ من الثقات. حاله: اخْتَلَف أهل العلم فيه، فوثَّقه جماعةٌ، وضَعَّفه آخرون: _ فقال ابن سعد، وأحمد، والعجلي، والترمذي: ثِقَةٌ. وقال ابن مَعين: ليس به بأسٌ. وقال أحمد: لم نسمع أحدًا ذكره بسوء، والعلاء فوق سُهَيْل (١)، ومحمد بن عمرو (٢). وقال أبو حاتم: صالحٌ، فقيل له: فهو أوثق أَمِ العلاء بن المُسَيب (٣)؟ فقال: العلاء بن عبد الرحمن عندي أشبه. وقال أيضًا: روى عنه الثقات، وأنا أُنكر من حديثه أشياء. وقال النسائي: ليس به بأسٌ. وقال ابن عدي: ما أرى بحديثه بأسًا، وقد روى عنه شُعبة، ومالك، ونُظرائهم. وقال الذهبي في "السِيَر": لا ينزل حديثه عن درجة الحسن، لكن يُتجنب ما أُنكر عليه. وفي "الميزان": صدوقٌ مشهور. وقال الخليلي، وابن حجر: أخرج له مسلم من حديث المشاهير، دون الشواذ. وقال ابن حجر في "التقريب": صدوقٌ رُبَّمَا وَهِم. _ بينما قال ابن مَعين: ليس حديثه بحُجة، وهو وسُهيل قريبٌ من السواء. وقال أيضًا: ليس بذاك، لم يزل الناس يتقون حديثه. وقال أبو زُرعة: ليس هو بأقوى ما يكون. _ وقال الخليلي: مَدَنيٌّ يُختلف فيه، لأنه ينفرد بأحاديث لا يُتابع عليها. (٤) _ فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ، له مناكير"، فَيُتَّقى مِنْ حديثه ما أُنْكِرَ عليه؛ فقد وثَّقه الجمهور، وروى عنه مالك وشُعبة، ونظرائهم؛ ويُحمل التضعيف على مناكيره التي انفرد بها، بالإضافة إلى أنَّ الجرح غير مُفَسَّر، فَيُقَدَّم

стр. 149

التعديل عليه، وابن معين معروفٌ بتشدُّده، واختلفت أقواله فيه، فَيُقْبَل مِنْها ما وافق قول الجمهور (١). ٦) نُعيم بن عبد الله المُجْمِر، أبو عبد الله المدني، مَوْلى آل عمر بن الخطّاب ﵁. روى عن: عبد الله بن عمر ﵁، وأبي هريرة ﵁، وأنس بن مالك ﵁، وآخرين. روى عنه: العلاء بن عبد الرحمن، وزيد بن أبي أُنيسة، ومالك بن أنس، وغيرهم. حاله: قال ابن مَعين، وأبو حاتم، وابن سعد، والنسائي، والذهبي، وابن حجر: ثِقَةٌ. وذكره ابن حبان في "الثقات". وروى عن الإمام مالك، أنَّه قال: أَتَى نُعيم المُجْمِر أبا هريرة عشرين سنة. وأخرج له الجماعة. (٢) ٦) عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁: "صحابيٌّ، جليلٌ، مُكْثِرٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٦). ثانيًا:- الوجه الثاني: العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي سعيد الخُدري ﵁. أ- تخريج الوجه الثاني: • أخرجه مالك في "الموطأ" (٢٦٥٧) - ومِنْ طريقه أبو سعيد الدارمي في "رده على المَرِّيسي" (١/ ٣٣٥)، وأبو عوانة في "المُستخرَج" (٨٦٠٢، ٨٦٠٣)، وابن حبان في "صحيحه" (٥٤٤٧)، والبيهقي في "الكبرى" (٣٣١٧) وفي "الشُّعب" (٦١٣٣)، والبغوي في "شرح السنة" (٣٠٨٠) -، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، أنه قال: سَأَلتُ أبا سَعِيد الخُدْرِيَّ عَنِ الإِزَار، فَقال: أَنَا أُخْبِرُكَ بِعِلْمٍ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، لا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ، مَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ، مَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ، لا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا». _ وأخرجه إبراهيم بن طَهْمان في "مشيخته" (١٢٠)، والطيالسي في "مسنده" (٢٣٤٢) - ومن طريقه أبو عوانة في "المُستخرَج" (٨٦٠٥) -، وأحمد في "مسنده" (١١٠١٠ و ١١٣٩٧ و ١١٩٢٥)، وأبو داود في "سننه" (٤٠٩٣)، ك/اللباس، ب/قدر موْضع الإزار، وأبو عوانة في "المُستخرَج" (٨٦٠٦)، وابن بِشْرَان في "أماليه" (٣١٥)، كلهم مِنْ طُرُقٍ عِدَّة عن شُعْبَة - مِنْ أصح الأوجه عنه (٣) -.

стр. 150

- وعَلِيُّ بن حُجْر في "جزئه" (٣٠٥) - ومن طريقه النسائيُّ في "الكبرى" (٩٦٣١)، ك/الزينة، ب/إسبال الإزار، وابن عساكر في "تاريخه" (١٣/ ٣٩٩) -، عن إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير. _ والحُمَيْدي في "مُسنده" (٧٥٤)، وأحمد في "مسنده" (١١٠٢٨)، وابن ماجة في "سننه" (٣٥٧٣)، ك/اللباس، ب/موْضع الإزار أين هو؟، والنسائي في "الكبرى" (٩٦٣٢)، ك/الزينة، ب/إسبال الإزار، وأبو يعلى في "مسنده" (٩٨٠)، وأبو عوانة في "المُستخرَج" (٨٦٠٤)، وابن حبان في "صحيحه" (٥٤٤٦)، والدارقطني في "العلل" (١١/ ٢٧٧/مسألة ٢٢٨٢)، والبيهقي في "الكبرى" (٣٣١٧)، وفي "الشُّعب" (٦١٣٣)، وفي "الآداب" (٦١٥)، كلهم مِنْ طرقٍ عن سُفيان بن عُيينة. وفي "العلل" للدَّارقطني: قال علي بن المَديني: قال سفيان: أرأيت كما يقول زائدة، ليس في هذا مثل هذا الإسناد؟ قال سفيان: فأنا أقول ليس في الإزار مثل هذا. _ والليث بن سعد في "جزئه" (٧) - مطبوع ضمن كتاب "أحاديث الشيوخ الكبار"-، - ومن طريقه النسائي في "الكبرى" (٩٦٣٣)، ك/الزينة، ب/إسبال الإزار -، عن يزيد بن أبي حبيب. _ وابن أبي شيبة (٢٤٨٢١)، وأحمد في "مسنده" (١١٢٥٦، ١١٤٨٧)، مِنْ طريق محمد بن إسحاق. _ والنسائي في "الكبرى" (٩٦٣٤)، ك/الزينة، ب/إسبال الإزار، وابن حبان في "صحيحه" (٥٤٥٠)، والخطيب في "المتفق والمفترق" (٥٢٧)، مِنْ طُرُقٍ عن عُبيد الله بن عُمر. _ وابن المُقرئ في "معجمه" (٣٦١)، مِنْ طريق ورقاء بن عمر اليَشْكُري - مِنْ أصح الأوجه عنه (١) -. سبعتهم عن العلاء بن عبد الرحمن، بسنده، وبنحو رواية مالك. ب- دراسة إسناد الوجه الثاني (إسناد الإمام مالك): ١) مالك بن أنس: "إمام دار الهجرة، ورأس المتقنين، وكبير المتثبتين". (٢) ٢) العلاء بن عبد الرحمن: "ثِقَةٌ، له مناكير"، تَقَدَّم في الوجه الأول. ٣) عبد الرحمن بن يعقوب الجُهَني: "ثِقَةٌ". (٣) ٤) أبو سعيد الخدري ﵁: "صحابيٌ جليلٌ"، ستأتي ترجمته بإذن الله في الحديث رقم (٦٤). ثالثًا:- الوجه الثالث: العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁. أ تخريج الوجه الثالث: • أخرجه النسائي في "الكبرى" (٩٦٣٠)، ك/الزينة، ب/إسبال الإزار، قال: أخبرني هِلَالُ بن العلاء، قال: حدَّثنا مُعَافَى بن سليمان، قال: حدَّثنا فُلَيْحُ بن سليمان المدنيُّ، عن الْعَلَاءِ، به. قال النَّسائيُّ: هذا خَطَأٌ - يعني حديث فُلَيْح -، وفُلَيْحُ ليس بالقويِّ، وأخوه عبد الحميد أضْعَفُ مِنْه.

стр. 151

وقال المزِّيُّ: يعني أَنَّ حديث فُلَيح خطأ، والصواب: حديث العلاء، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري. (١) ب دراسة إسناد الوجه الثالث: ١) هلال بن العلاء بن هلال بن عُمر الرَّقي: "صدوقٌ". (٢) ٢) المُعافَى بن سُليمان: "صدوقٌ". (٣) ٣) فُلَيْحُ بن سليمان بن أبي المُغيرة: "ضَعيفٌ يُعْتبر به". (٤) ٤) العلاء بن عبد الرحمن: "ثِقَةٌ، له مناكير"، تَقَدَّم في الوجه الأول. ٥) عبد الرحمن بن يعقوب: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الوجه الثاني. ٦) أبو هريرة ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٦). رابعًا:- النظر في الخلاف: مما سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث مداره على العلاء بن عبد الرحمن، واختُلف عليه فيه من ثلاثة أوْجه: الوجه الأول: العلاء بن عبد الرحمن، عن نُعيم المُجْمِر، عن ابن عمر ﵁. الوجه الثاني: العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي سعيد الخُدري ﵁. الوجه الثالث: العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁. ومما سبق يَتَّضِحُ أنَّ الوجه الثاني هو الأشبه، والأقرب بالصواب؛ للقرائن الآتية: ١) للأكثرية، والأحفظية: فرواة الوجه الثاني أكثر عددًا، وأعلى حفظًا وضبطًا مِنْ رواة الأوجه الأخرى. ٢) تَفَرُّد زيد بن أبي أُنَيْسة بالوجه الأول، وفُليح بن سُلَيْمان بالوجه الثالث، مع مخالفتهما لِمَا رواه الثقات. ٣) ترجيح الأئمة للوجه الثاني: فقال النسائي عقب رواية زيد بن أبي أُنيسة، وفُلَيْح: وهذا خطأٌ. (٥) وعَقَّب المزي على هذا بقوله: والصواب حديث العلاء، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري ﵁. (٦) وقال ابن عدي - بعد أنْ ذكر الحديث بالوجه الأول والثالث -: وهاتان الرِّوَايَتَانِ خطأٌ، والصَّحِيحُ عن العلاء ما رواهُ شعبة والدَّارَوَرْدِيّ وغيرهما، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي سَعِيد ﵁. (٧)

стр. 152

وقال الدارقطني - بعد ذكره للحديث بالوجه الثاني -: وهو الصواب. (١) وقال ابن حجر: اتفق أكثر أصحاب العلاء عنه على هذا - أي على روايته بالوجه الثاني-، وخالفهم زيد بن أبي أُنيسة، فقال: عن العلاء، عن نُعيم، عن ابن عمر. (٢) تنبيه: الحديث وإنْ لمْ يَصح عن العلاء بن عبد الرحمن، إلا بروايته عن أبيه، عن أبي سعيد الخُدْري: _ إلا أنّ الحديث له أصلٌ - من غير طريق العلاء - عن ابن عُمر ﵁، فأخرج البخاري ومسلم في "صحيحيهما" من طُرُقٍ عن ابن عمر ﵁، أن النبي ﷺ قال: "مَنْ جَرَّ ثَوْبه خُيَلاء، لَمْ يَنظُر الله إليه يومَ القِيامة". (٣) _ والحديث له أصلٌ أيضًا من طريق عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبي هريرة ﵁ من غير طريق العلاء -، أخرجه أحمد في "مسنده" (٧٤٦٧، ٧٨٥٧)، من طريق محمد بن إبراهيم بن الحارث، والنسائي في "الكبرى" (٩٦٢٩)، ك/ الزينة، ب/ إسبال الإزار. من طريق محمد بن عمرو بن علقمة، كلاهما عن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبي هريرة ﵁، أنّ رسول الله ﷺ قال: «إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، فَمَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى فَوْقِ الْكَعْبَيْنِ فَمَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ» واللفظ للنسائي. _ قال محمد بن يحيى الذُّهلي: وكلا الحديثين - أي العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي سعيد؛ ومحمد بن عمرو، عن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبي هريرة - محفوظان. (٤) - وصَحَّ الحديث عن أبي هريرة ﵁، من غير رواية عبد الرحمن بن يعقوب: فأخرجه البخاري عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة ﵁، أنّ رسول الله ﷺ قال: "مَا أَسْفل مِن الكَعْبَين مِن الإِزَارِ فَفِي النَّار". (٥) خامسًا:- الحكم على الحديث: أ الحكم على الحديث بإسناد الطبراني: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن لنا أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "شَاذٌ"؛ لتَفَرُّد زيد بن أبي أُنَيْسة به، مع المخالفة. ب الحكم على الحديث مِنْ وجهه الراجح: ومِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث مِنْ وجهه الراجح "صَحيحٌ لذاته"، وللحديث شواهد في "الصحيحين".

стр. 153

سادسًا:- النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لم يرْوِه عن نُعَيم المُجْمر، إلا العلاء، تَفَرَّد به زيد بن أبي أنيسة. قلتُ: مِمَّا سبق في التخريج يَتَّضح صحة ما قاله المُصَنِّفُ ﵁. سابعاً:- التعليق على الحديث: قال الإمام النووي: ويحرم إطالة الثوب عن الكعبين للخيلاء، ويكره لغير الخيلاء، ولا فرق في ذلك بين حال الصلاة وغيرها، والسراويل والإزار في حكم الثوب، وله لبس يباع بعذبة وبغيرها، وحكم إطالة عذبتها حكم إطالة الثوب فقد روينا في سنن أبي داود والنسائي وغيرهما بإسناد حسن أن النبي ﷺ ، قال: «الإِسْبَالُ فِي الإِزَارِ، وَالْقَمِيصِ، وَالْعِمَامَةِ، مَنْ جَرَّ مِنْهَا شَيْئًا خُيَلاءَ، لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١)، والله أعلم. (٢) وقال الذهبي: كل لباس أوجد في المرء خيلاء وفخرًا فتركه متعين، ولو كان من غير ذهب ولا حرير، فإنَّا نرى الشاب يلبس الفرجية الصوف بفرو من أثمان أربع مئة درهم ونحوها، والكبر والخيلاء على مشيته ظاهر، فإن نصحته ولمته برفق كابر، وقال: ما في خيلاء ولا فخر، وهذا السيد ابن عمر يخاف ذلك على نفسه؛ وكذلك ترى الفقيه المترف إذا ليم في تفصيل فرجية تحت كعبيه، وقيل له: قد قال النَّبي ﷺ :"مَا أَسْفل مِن الكَعْبَين مِن الإِزَارِ فَفِي النَّار". (٣)، يقول: إنَّما قال هذا فيمن جَرَّ إزاره خيلاء، وأنا لا أفعل خيلاء، فتراه يُكابر، ويُبَرئ نفسه الحمقاء، ويعمد إلى نص مستقل عام، فيخصه بحديث آخر مستقل بمعنى الخيلاء، ويترخص بقول الصديق: إِنَّ أَحَدَ شِقَّيْ ثَوْبِي يَسْتَرْخِي، إِلا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّكَ لَسْتَ تَصْنَعُ ذَلِكَ خُيَلَاءَ» (٤)، فقلنا: أبو بكر ﵁ لم يكن يشد إزاره مسدولا على كعبيه أولًا، بل كان يشده فوق الكعب، ثم فيما بعد يسترخى، وقد قال ﷺ : «إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، فَمَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى فَوْقِ الْكَعْبَيْنِ فَمَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ»، ومثل هذا في النهى لمن فَصَّل سراويل مغطيًا لكعابه، ومنه طول الأكمام زائدًا، وتطويل العذبة، وكل هذا من خيلاء كامن في النفوس، وقد يعذر الواحد منهم بالجهل، والعالم لا عذر له في تركه الإنكار على الجهلة. (٥) وقال ابن حجر: أخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عمر: أنه كان يكره جر الإزار على كل حال. فقال ابن بطال: هو من تشديداته، وإلا فقد روى هو حديث الباب، فلم يخف عليه الحكم، قلت (ابن حجر): بل كراهة

стр. 154

ابن عمر محمولة على من قصد ذلك سواء كان عن مخيلة أم لا، وهو المطابق لروايته المذكورة، ولا يظن بابن عمر أنه يؤاخذ من لم يقصد شيئا، وإنما يريد بالكراهة من انجر إزاره بغير اختياره، ثم تمادى على ذلك ولم يتداركه، وهذا متفق عليه، وإن اختلفوا هل الكراهة فيه للتحريم أو للتنزيه؛ وفي الحديث اعتبار أحوال الأشخاص في الأحكام باختلافها، وهو أصل مطرد غالبًا. (١) * * *

стр. 155

[١٣/ ٤١٣]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بنُ عِيسَى بنِ الطَّبَّاع (١)، قَالَ: نا يَحْيَى بنُ مُحَمَّدِ بن قَيْسٍ أَبُو زُكَيْر، عن عَمْرِو بنِ أبِي عَمْرٍو. عَنَ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَسْتُ مِنْ دَدٍ، وَلا دَدٌ مِنِّي». يَقُولُ: لَسْتُ مِنْ بَاطِلٍ، وَلا بَاطِلٌ مِنِّي. * لم يَرْوِ هذا الحديث عن عَمْرِو بن أبي عَمْرٍو إلا أَبُو زُكَيْر. هذا الحديث مداره على عَمْرو بن أبي عَمْرو، واختُلف عليه فيه من وجهين: الوجه الأول: رواه أبو زُكَيْر يحيى بن محمد بن قيس، واختُلف عنه مِنْ طريقين: الطريق الأول: أبو زُكَيْر، عن عَمْرِو بن أبي عَمْرو، عن أنس بن مالك ﵁. الطريق الثاني: أبو زُكَيْر، عن عَمْرِو بن أبي عَمرو، عن المُطَّلِب بن عبد الله، عن أنس ﵁. الوجه الثاني: رواه عبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَرْدِيّ، واختُلف عنه مِنْ طريقين: الطريق الأول: الدَّراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب بن عبد الله، عن معاوية بن أبي سفيان. الطريق الثاني: الدَّراوردي، عن عَمرو بن أبي عَمرو، عن المطلب بن عبد الله، مُرسلًا. وتفصيل ذلك كالآتي: أولاً: ـ الوجه الأول: رواه أبو زُكَيْر يحيى بن محمد بن قيس، واختُلف عنه مِنْ طريقين: • الطريق الأول: أبو زُكَيْر، عن عَمْرِو بن أبي عَمْرو، عن أنس بن مالك ﵁. أ تخريج الوجه الأول، من الطريق الأول: • أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (٧٨٥)، عن محمد بن سَلَام (٢) البيكَنْدي؛ والبزار في "مسنده" (٦٢٣١)، عن أبي موسى محمد بن المثنى العَنَزيّ؛ وابن عدي في "الكامل" (٩/ ١٠٥)، مِنْ طريق أبي بِشْر بكر بن خلف البصري؛ والبيهقي في "الكبرى" (٢٠٩٦٥)، و"الأدب" (٧٨٦)، من طريق علي بن المديني - بإحدى الأوجه عنه -؛ والدارقطني في "الجزء الثاني من الأفراد" (٣٧)، مِنْ طريق وهب بن يحيى بن هَمَّام؛

стр. 156

وابن عساكر في "تاريخه" (٣٨/ ٣٦٩)، من طريق عمرو بن الصلت (١). ستتهم عن أبي زُكَيْر، به. وعند البَزَّار، والدَّارقطني: قال أبو زُكير: لَسْتُ مِنْ بَاطِلٍ، وَلا بَاطِلٌ مِنِّي. وقال البَزَّار: لا نعلمه يُرْوى إلا عن أنس، ولا نَعْلم رواه عن عمرو بن أبي عمرو إلا يحيى بن محمد. قلتُ: وسيأتي التعقيب عليه عند النظر في كلام المُصَنِّف ﵁. وقال الدَّارقطني: غريبٌ مِنْ حديث عمرو بن أبي عمرو، عن أنس، لم يَرْوِه عنه غير أبي زُكَيْر. وعزاه الهيثمي إلى البزار، والطبراني، وقال: فيه أبو زُكَيْر، وقد وُثَّق، لكنهم ذكروا هذا الحديث من منكرات حديثه، ونقل عن الذهبي أنه قال: وتابعه عليه غيره. (٢) قلتُ: ولم أقف - على حد بحثي - على مَنْ تابعه على هذا الوجه، ولم أقف على قول الذهبي. وعزاه السيوطي إلى البيهقي، ورمز له بالصحة. وتعقَّبه المناوي فقال: وفيه يحيى بن محمد، ضعَّفه ابن مَعِين، وغيره، وساق له الذهبي في "الميزان" أخبارًا هذا منها. (٣) وعزاه السيوطي أيضاً إلى ابن عساكر، ورمز له بالضعف. (٤) ب دراسة إسناد الوجه الأول بالطريق الأول (إسناد الطبراني): ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) محمد بن عيسى بن نَجِيْح الطَّبَّاع: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، فَقِيْهٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٨). ٣) أبو زُكَيْر، يحيى بن محمد بن قيس، كنيته أبو محمد، البَصْرِي، وأبو زُكير لقبٌ غلَب عليه. روى عن: عَمْرو بن أبي عَمرو، وشريك بن عبد الله، وزيد بن أسلم، وآخرين. روى عنه: محمد بن عيسى الطَّبَّاع، وعلي بن المديني، ومحمد بن المُثنّى، وغيرهم. حاله: قال ابن مَعين: ضَعيفٌ. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه. وقال ابن حبان: لا يُحْتَجُّ به إلا عند الوفاق، وإن اعتُبر بما لم يخالف الأثبات في حديثه فلا يضر. وقال الطحاوي: تُكُلم في روايته من غير اسقاطٍ لها. وقال ابن عدي: عامَّة أحاديثه مستقيمة إلا هذه الأحاديث التي بيَّنْتُها - وقد ذكر له أربعة أحاديث، منها

стр. 157

حديث الباب -. وقال الذهبي: لَيِّن الحديث. وقال ابن حجر: صدوقٌ يُخطئ كثيرًا. وأخرج له مسلم متابعةً. فالحاصل: أنه "ضعيفٌ، يُعتبر به في المتابعات والشواهد". (١) ٤) عَمْرُو بن أبي عَمْرو مَيْسرة، مَوْلى المطلب، بن عبد الله بن حَنْطب، أبو عثمان المخزومي. روى عن: أنس بن مالك ﵁، والمطلب بن عبد الله، وسعيد بن أبي سعيد المقبُري، وآخرين. روى عنه: يحيى بن محمد بن قيْس، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، ومالك بن أنس، وغيرهم. حاله: مُختلف فيه بين التوثيق، والتحسين، والتضعيف، كالآتي: - قال أبو زرعة: ثِقَةٌ. وقال ابن مَعين: ثقةٌ يُنْكر عليه حديث البهيمة. وقال أبو حاتم، وأحمد، وابن عدي: ليس به بأسٌ. وقال ابن حبَّان: رُبَّمَا أخطأ، يُعتبر به مِنْ رواية الثقات عنه. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ، رُبَّمَا وَهِم. - وقال الذهبي: صدوقٌ، وحديثه مُخرّج في "الصحيحين" في الأصول. وقال أيضًا: حديثه صالحٌ، حسَنٌ، مُنْحطٌ عن الدرجة العليا من الصحيح. وتعقبه ابن حجر في "التهذيب" فقال: وحق العبارة أن يحذف العليا. - بينما قال ابن مَعين: ليس بحُجة. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال أبو داود: ليس هو بذاك، حدَّث عنه مالك بحديثين. وقال ابن القطَّان: مُسْتضعف، وأحاديثه تدل على حاله. وتعقبه الذهبي في "الميزان" فقال: ما هو بمُسْتضعَف، ولا بضعيف، نعم، ولا هو في الثقة كالزُهري، وذويه. (٢) فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ، له أوهام"، فَيُتَجَنَّب مِنْ روايته ما عُلِمَ أنَّه أخطأ فيه. فقد وثَّقه الجمهور، وفيهم … أبو حاتم، وغيره؛ وأمَّا مَنْ ضَعَّفَه فيُحمل قوله على بعض مناكيره، والجرح غير مُفَسَّر فَيُقَدَّم التعديل عليه. ٥) أنس بن مالك ﵁: "صحابيٌ، جليلٌ، من المكثرين"، تقدم في الحديث رقم (١٠). • الطريق الثاني: أبو زُكَيْر، عن عَمْرِو بن أبي عَمرو، عن المُطَّلِب بن عبد الله، عن أنس ﵁. أ تخريج الوجه الأول بالطريق الثاني: • أخرجه الدولابي في "الكُنى" (٩٩٨)، قال: حدثنا إبراهيم بن الجُنَيد، حدثني علي بن عبد الله بن جعفر ابن المديني، وعبد الله بن محمد بن حُميد، قالا: حدثنا أبو زُكَيْر يحيى بن محمد بن قيس، به. ب دراسة إسناد الوجه الاول بالطريق الثاني: ١) إبراهيم بن عبد الله الجُنيد - صاحب ابن معين -: "ثِقَةٌ". (٣) ٢) عليِّ بن عبد الله بن جَعْفر، أبو الحسن ابن المديني: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، إمامٌ". (٤)

стр. 158

٣) عبد الله بن محمد بن أبي الأسود حُمَيْد: "ثِقَةٌ حافظٌ". (١) ٤) أبو زُكَيْر، يحيى بن محمد بن قيس: "ضَعيفٌ، يُعْتبر به"، تَقَدَّم في الطريق الأول. ٥) عَمْرُو بن أبي عَمْرو، أبو عثمان المخزومي: "ثِقَةٌ، له أوهام"، تَقَدَّم في الطريق الأول. ٦) المُطَّلِب بن عبد الله بن المُطَّلِب المخزوميُّ: "ثِقَةٌ، كثير الإرسال". (٢) ٧) أنس بن مالك ﵁: صحابيٌ، جليلٌ، من المكثرين، تقدم في الحديث رقم (١٠). ثانياً:- الوجه الثاني: رواه عبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَرْدِيّ، واختُلف عنه مِنْ طريقين: • الطريق الأول: الدَّراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب بن عبد الله، عن معاوية ابن أبي سفيان. أ تخريج الوجه الثاني بالطريق الأول: • أخرجه الطبراني في "الكبير" (٧٩٤)، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن نصر أبو جعفر الترمذي، ثنا محمد بن عبد الوهاب الأزهري، ثنا محمد بن إسماعيل الجعفري، ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، به. ب دراسة إسناد الوجه الثاني بالطريق الأول: ١) محمد بن أحمد بن نصر أبو جعفر الترمذي: "ثِقَةٌ"، ولم يصح وصفه بالاختلاط. (٣) ٢) محمد بن عبد الوهاب الأزهري: "مجهول الحال". (٤)

стр. 159

٣) محمد بن إسماعيل الجعفريُّ: قال أبو حاتم: منكر الحديث، يتكلمون فيه. وقال ابن حبَّان: كان يُغْرِب. وقال أبو نُعيم: متروكٌ. (١) ٤) عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ: "صدوقٌ، إلا في روايته عند عبيد الله العمري فضعيفٌ"، ستأتي ترجمته - بإذن الله تعالى - في الحديث رقم (٥٤). ٥) عَمْرُو بن أبي عَمْرو، أبو عثمان المخزومي: "ثِقَةٌ، له أوهام"، تَقَدَّم في الوجه الأول. ٦) المُطَّلِب بن عبد الله بن المُطَّلِب المخزوميُّ: "ثِقَةٌ، كثير الإرسال"، تَقَدَّم في الوجه الأول. ٧) مُعاوية بن أبي سُفْيان: "صَحَابيٌّ جليلٌ". (٢) • الطريق الثاني: الدَّراوردي، عن عَمرو بن أبي عَمرو، عن المطلب بن عبد الله، مُرسلًا. أ تخريج الوجه الثاني بالطريق الثاني: ذكره الدارقطني في "العلل" (١٢/ ١١٤/مسألة ٢٤٩٦)، ولم أقف عليه - على حد بحثي - إلا عنده. وقال الدَّارقطني: والمرسل أشبه. ثالثاً:- النظر في الخلاف في الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ هذا الحديث مداره على عَمْرو بن أبي عَمْرو، واختُلف عليه فيه من وجهين: الوجه الأول: رواه أبو زُكَيْر يحيى بن محمد بن قيس، واختُلف عنه مِنْ طريقين: الطريق الأول: أبو زُكَيْر، عن عَمْرِو بن أبي عَمْرو، عن أنس بن مالك ﵁. الطريق الثاني: أبو زُكَيْر، عن عَمْرِو بن أبي عَمرو، عن المُطَّلِب بن عبد الله، عن أنس ﵁.

стр. 160

الوجه الثاني: رواه عبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَرْدِيّ، واختُلف عنه مِنْ طريقين: الطريق الأول: الدَّراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب بن عبد الله، عن معاوية بن أبي سفيان. الطريق الثاني: الدَّراوردي، عن عَمرو بن أبي عَمرو، عن المطلب بن عبد الله، مُرسلًا. ومِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بالوجه الثاني مِنْ طريقه المرسل هو الأشبه بالصواب؛ للقرائن الآتية: ١) إنَّ أبا زُكير يحيى بن محمد بن قيس "ضَعيفٌ"، وقد اضطرب في هذا الحديث، فرواه مَرَّة عن عَمرو بن أبي عَمرو عن أنس، ورواه مَرَّة عن عَمرو بن أبي عَمرو عن المطلب بن عبد الله عن أنس، ولم أقف على حد بحثي - على مَنْ تابعه على أحد الوجهين، بل وخالف مَنْ هو أوثق مِنْه؛ حيثُ رواه الدَّراوردي عن عَمرو بن أبي عَمرو عن المطلب بن عبد الله (مُرْسلًا)؛ وهذا يُؤكد ضَعْفه، وعدم ضَبْطِه للحديث بالطريقين. قال البَزَّار: لا نَعْلم رواه عن عمرو بن أبي عمرو إلا يحيى بن محمد. وقال ابن عدي - في ترجمة أبي زُكير -: عامَّة أحاديثه مستقيمة إلا ما ذكرته، وذكر رواية الباب فيها. وقال الدَّارقطني: غريبٌ مِنْ حديث عمرو بن أبي عمرو، عن أنس، لم يَرْوِه عنه غير أبو زُكَيْر. ٢) اتفاق أئمة العلل (أبو حاتم، وأبو زُرعة، وابن عدي، والدَّارقطني) على أنَّ الحديث مِنْ رواية أبي زُكَيْر غير محفوظٍ، لمخالفته لما رواه الدَّراوردي عن عَمرو بن أبي عَمرو. (١) ٣) كما أنَّ الحديث بالطريق الموصول عن الدَّراوردي - مِنْ حديث مُعاوية بن أبي سُفيان - إسناده ضَعيفٌ؛ فيه: محمد بن عبد الوهاب الأزهري "مجهول الحال"، ومحمد بن إسماعيل الجعفري "مُنْكر الحديث، يُغْرِب" - كما سبق بيانه في دراسة الإسناد -. ٤) ترجيح الإمام الدَّارقطني للوجه المرسل - كما سبق -. قلتُ: بينما ذهب أبو حاتم، وأبو زرعة إلى ترجيح الوجه الموصول عن الدَّراوردي - مِنْ حديث مُعاوية بن أبي سُفْيان - (٢)، لكنَّ هذا باعتبار ما اطلاعا عليه مِنْ الوجوه المُخْتلف فيها على الحديث، فكلاهما قد ذكر الحديث مِنْ رواية أبي زُكَيْر بالطريق الأول، ورواية الدَّراوردي بالطريق الأول - الموصول -، ولم يَتَطرقا لذكر الوجه المُرْسل؛ مِمَّا يُؤكد أنَّ حكمهما باعتبار عِلْمِهِما، وهذا بخلاف الدَّارقطني، فقد ذكر رواية … أبي زُكير، ورواية الدَّراوردي بالوجه المُرْسَل، بمَا يُؤكد أنَّ معه زيادة عِلْمٍ، ومَنْ عَلِمَ حُجَّةٌ على مَنْ لم يَعْلم؛ وعليه فلا تعارض بين ما ذهب إليه أبو حاتم وأبو زرعة، وما ذهب إليه الدَّارقطني، والله أعلم. ٥) أن المطلب لم يصح سماعه من معاوية بن أبي سفيان، فيكون الوجه المرسل هو الأشبه. (٣)

стр. 161

رابعاً:- الحكم على الحديث: أ الحكم على الحديث بإسناد الطبراني: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "مُنْكَرٌ"؛ لأجل أبي زُكير يحيى بن محمد بن قيْس، "ضعيفٌ"، وقد انفرد به، فلم يتابعه عليه أحد، مع مخالفته لمن هو أوثق منه. والحديثُ عَدَّه غير واحدٍ مِنْ مُنْكراته. ب الحكم على الحديث مِنْ وجهه الراجح: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث مِنْ وجهه الراجح "ضَعيفٌ"؛ لإرساله. شواهد الحديث: أخرج الإمام أبو بكر الإسماعيلي في "معجم شيوخه" (١/ ٣٤١)، قال: حدَّثنا أبو الفضل أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل السدوسي من حفظه إملاءً، قال: حدثني أبي، عن أبي عاصم النبيل، عن ابن جُريج، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "لسْتُ من دَدٍ، ولا الدَّدُ منّي". قال: لسْتُ من باطلٍ، ولا الباطل مني. قلتُ: لكن هذا الحديث سنده "شديد الضَّعف"، وعلَّته ما يأتي: أ أبو الفضل أحمد بن إبراهيم، وأبوه إبراهيم بن إسماعيل "مجهولان"؛ لم أقف لهما على ترجمة، وإبراهيم بن إسماعيل لم يرو عنه غير ابنه أحمد، وأحمد بن إبراهيم لم يرو عنه غير أبو بكر الإسماعيلي؛ ولم يعرفهما كذلك د/زياد بن محمد - محقق "معجم الاسماعيلي" -، والشيخ/ الألباني، والشيخ/ الحويني. (١) ب وفيه أيضًا ابن جُرَيْج عبد الملك بن عبد العزيز الأموي "ثقةٌ، فقيهٌ، كثير التدليس والإرسال" وقد ذكره الحافظ ابن حجر في المرتبة الثالثة، من مراتب المدلسين. وقال ابن حبان: ياسين بن مُعَاذ الزَّيات، كُنيته أبو خَلف، يَروي عن أبي الزبير، والزهري، وكان ممن يَروي الموضوعات عن الثقات، ويَنْفرد بالمُعْضلات عن الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به بحال، وكل ما وقع في نسخة ابن جُريج، عن أبي الزبير، كان ذلك مِمَّا سمعه ابن جُريج، عن ياسين الزَّيات، عن أبي الزُبير فَدَلَّسَه عنه. وقال الدارقطني: شَرُّ التدليس تَدليس … ابن جُريج، فإنَّه قَبيح التدليس، لا يُدلس إلا فيما سمعه من مجروح. (٢) ت وأبو الزُّبير: ثقة، تكلموا في عنعنته عن جابر، لأنه يُدَلِّس، إلا مِنْ رواية الليث بن سعد، عنه. (٣) قلتُ: وبهذا يتضح أنَّ الحديث "ضعيفٌ"؛ لضَعفه مِنْ جميع طُرُقِه. والحديث وإن كان ضَعيفاً مِنْ جهة إسناده، لكنَّ معناه ثابتٌ، وصحيحٌ - لكن صحة المعنى، كما هو

стр. 162

معلومٌ، لا تدل على صحة ثبوت الحديث إلى النبي ﷺ ؛ فالحديث يشهد له أصول هذا الدين من القرآن، والسنة، بل وإجماع الأمة، على أن النبي ﷺ ليس من الباطل في شيء، ولا الباطل منه في شيء، قال الله : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (١)، وغير ذلك من الآيات، والأحاديث، وقواعد هذا الدين الكثيرة، التي تشهد لهذا المعنى، بل ولَعَلَّ معناه مِمَّا هو معلومٌ من الدين بالضرورة، والله أعلم. سادسًا:- النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لم يرو هذا الحديث عن عمرو بن أبي عمرو، إلا أبو زُكَير. قلتُ: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّه لم يروه عن عَمرو بن أبي عَمرو إلا أبو زُكير، أي: عن أنس بن مالكٍ ﵁؛ وإلا فلقد رواه عبد العزيز بن محمد الدَّراوردي عن عَمرو بن أبي عَمرو، لكنَّه رواه عن المطلب بن عبد الله، مَرَّة: عن مُعاوية بن أبي سُفيان ﵁، ومَرَّة أخرى: مُرْسلًا، كما سبق. _ ووافقه على ذلك البزار، والدارقطني: فقال البَزَّار: لا نَعْلم رواه عن عمرو بن أبي عمرو إلا يحيى بن محمد. وقال الدَّارقطني: غريبٌ مِنْ حديث عمرو بن أبي عمرو، عن أنس، لم يَرْوِه عنه غير أبو زُكَيْر. ونلاحظ أنَّ عبارة الدَّارقطني جاءت أدقُّ وأضبط مِنْ عبارة الطبراني، والبزَّار، حيث قَيَّده مِنْ حديث أنس. _ وزاد البزَّار ﵁، فقال: ولا نعلمه يُرْوى إلا عن أنس. قلتُ: بل رُوي عن مُعاوية بن أبي سُفْيان، وجابر بن عبد الله، وسبق ذكرهما، وبيان حكمهما. لكنْ يُعتذر عن الإمام البزار: بأنَّه قَيَّد كلامه باعتبار عِلْمِه، والله أعلم. سابعاً: ـ التعليق على الحديث: قال المناوي - نقلًا عن الزمخشري -: «لَسْتُ مِنْ دَدٍ» بفتح الدال الأولى، وكسر الثانية، بضبط المصنف - أي السيوطي-، «وَلا الدَّد مِنِّي» أي: لست من اللهو، واللعب، ولا هما مني، ومعنى تنكير الدد في الجملة الأولى: العموم، بمعنى أنه لا يبقى طرف منه إلا وهو منزه عنه؛ كأنه قال ما أنا من نوع من أنواع الدد، وما أنا في شيء منه. وتعريفه في الثانية: لأنه صار معهودا بالذكر؛ كأنه قال ولا ذلك النوع مني. وإنما لم يقل ولا هو مني لأن التصريح آكد، وأبلغ، والكلام جملتان، وفي الموضعين مضاف محذوف، تقديره: وما أنا من أهل دَدٍ، ولا الدّدُ من أشغالي. وهذا لا يناقضه أنه كان ﷺ يمزح؛ لأنه كان لا يقول في مزاحه إلا حقًا. (٢)

стр. 163

قلتُ: وأخرج البخاري، ومسلم في "صحيحيهما" من حديث عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الفِرَاشِ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَانْتَهَرَنِي، وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «دَعْهُمَا»، فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا. (١) فانصراف النبي ﷺ ، وتحويل وجهه - مع كوْنه مباحًا، لا خلاف في ذلك؛ بدليل عدم منعه له، ولو كان حرامًا لكان من أشد المنكرين له - يدل على عدم انشغاله به، فإن كان هذا في المُباح، فكيف باللهو، واللعب، والباطل؟ فلا شكّ أنه ﷺ ليس من الباطل في شيء، ولا الباطل منه في شيء. والحمد لله رب العالمين. * * *

стр. 164

[١٤/ ٤١٤]- حَدَّثَنَا أَحْمَد بنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا عَمْروُ بْنُ عثْمَانَ الْكَلابِيُّ (١)، قَالَ: نا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَة، عن … أبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ. عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ (٢) إِلَى الْيَمَنِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَوْصِنَا. فَقَالَ: «تَكَاتَفَا وَلا تَعَاصَيَا، ويَسِّرَا وَلا تُعَسِّرَا». * لم يَرْوِ هذا الحديث عن زُهَيْرٍ إِلا عَمْرُو بن عُثْمَانَ. أولاً:- تخريج الحديث: • أخرجه البزار في "مسنده" (٣١١٩)، مِنْ طريق إسرائيل بن يونس؛ وبرقم (٣١٥١)، مِنْ طريق فُضيل ابن مَرْزوق؛ كلاهما عن أبي إسحاق السَّبيعيِّ، عن أبي بُرْدة، عن أبي موسى ﵁، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: «بَشِّرَا وَلا تُنَفِّرَا، وَيَسِّرَا وَلا تُعَسِّرَا» - وزاد فُضيل بن مَرزوق: "ولا تعاصيا" -، فَقَالَ مُعَاذٌ: إِنَّكَ تَبْعَثُنَا إِلَى أَرْضٍ كَثِيرَةِ الأَشْرِبَةِ، فَمَا نَشْرَبُ؟، قَالَ: «اشْرَبُوا وَلا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا». • وأحمد في "مسنده" (١٩٥٧٢) - ومِنْ طريقه ابن البخاري في "مشيخته" (١١٠٤) -، ومسلم في "صحيحه" (١٧٣٢)، ك/الجهاد، ب/في الأمر بالتيسير - ومن طريقه البغوي في "شرح السنة" (٢٤٧٥) -، وأبو داود في "سننه" (٤٨٣٥)، ك/الأدب، ب/في كراهية المراء، والبزار في "مسنده" (٣١٨٦)، وأبو يعلى في "مسنده" (٧٣١٩)، وأبو عوانة في "المُستخرَج" (٦٥٥٨)، والدارقطني في "الأربعون حديثاً من مسند بُرَيد" (٥٠) - ومن طريقه ابن البخاري في "مشيخته" (١١٠٠ و ١١٠٣) -، والذهبي في "السير" (١١/ ٣٩٨). كلهم من طرق، عن بُريد بن عبد الله بن أبي بُردة، عن أبي بُرْدة، عن أبي موسى، قال: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا

стр. 165

بَعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ قَالَ: " بَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا ". • وأخرجه البخاري في "صحيحه" (٧١٥٦)، ك/الأحكام، ب/الحاكم يحكم بالقتل على من وجب عليه، دون الإمام الذي فوقه، من طريق حُميد بن هلال، عن أبي بُردة، مختصراً، بلفظ "أنَّ النَّبي ﷺ بَعَثَه، وأتْبَعَه بمُعاذ" • وأخرجه مسلم في "صحيحه" (١٧٣٣/ ٣)، ك/الجهاد، ب/الأمر بالتيسير، وترك التنفير، وبرقم (٢٠٠١/ ٦)، ك/الأشربة، ب/بيان أنَّ كل مسكر خمر، وكل خمر حرام، وأبو عوانة في "المُستخرَج" (٦٥٦١ و ٦٥٦٢ و ٧٩٥٠)، وابن حبان في "صحيحه" (٥٣٧٦)، والبيهقي في "الكبرى" (١٧٣٦٣). كلهم من طرق، عن زيد بن أبي أُنَيسة، عن سعيد بن أبي بُردة، عن أبي بُردة، بنحوه، مُطولاً بالسؤال عن الشراب، وزاد ابن حبان: قصة اليهودي الذي أسلم، ثم ارتد، وقيام أبي موسى الليل، بقراءة القرآن. ثانياً:- دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) عَمرو بن عُثمان بن سيَّار، الكَلابي، الرَّقي، أبو سعيد، وقيل أبو عُمر، ويُقال أبو عَمرو. روى عن: زُهَير بن مُعاوية، وهارون بن حَيَّان، وعُبيد الله بن عَمرو، وآخرين. روى عنه: سَلَمة بن شَبيب، ومحمد بن يحيى الذُّهلي، ومحمد بن مُسلم بن وارة الرَّازي، وغيرهم. حاله: قال أبو حاتم: يَتكلمون فيه، كان شيخاً أعمى يُحَدث الناس من حِفظه بأحاديث مُنْكَرة، لا يُصِيبونها في كُتبه، أدركتُه ولم أسمع منه. وقال النسائي، والأزدي: متروك الحديث. وقال ابن حبان: رُبَّمَا أخطأ. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وروى عنه الثقات، وهو ممن يُكتب حديثه. وذكر العُقيلي بسند صحيح: أنه حدَّث من غير كُتبه. وقال الدارقطني: ضعيفٌ. وقال الذهبي: لَيِّنٌ. وقال ابن حجر: ضَعِيفٌ. والحاصل: أنه "ضعيف، يُعتبر به في المتابعات، والشواهد". (١) ٣) زُهَير بن مُعاوية بن حُدَيج - بالحاء المهملة، مُصغراً - بن الرُّحَيل بن زُهَير، أبو خَيثمة الكوفي. روى عن: أبي إسحاق السَّبيعي، والأسود بن قيس، وحُمَيْد الطويل، وآخرين. روى عنه: عمرو بن عثمان، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو نُعَيْم الفضل بن دُكَيْن، وغيرهم. حاله: قال أحمد: زُهَيْرٌ فيما روى عن المشايخ ثبْتٌ بَخٍ بَخٍ، وفي حديثه عن أبي إسحاق لِينٌ، سمع منه بآخرةٍ. وقال العجلي: ثقةٌ، ثبتٌ، مأمونٌ، صاحب سنة واتباع، وكان يحدّث من كتابه، وسماعه من أبي إسحاق بآخرةٍ. وقال أبو زُرعة: ثقةٌ إلا أنه سمِعَ من أبي إسحاق بعد الاختلاط. وقال أبو حاتم: زُهيرٌ أحب إلينا من إسرائيل في كل شيء، إلا في حديث أبي إسحاق؛ وزُهيرٌ أتقن من زَائِدَة، وأحفظ من أبي عوانة، وزهير مُتْقنٌ، صاحب سُنَّةٍ، غير أنه تأخر سماعه من أبي إسحاق. وقال النسائي، وابن حجر: ثِقَةٌ، ثَبْتٌ.

стр. 166

وقال الذهبي: ثِقَةٌ، حُجَّةٌ. (١) والحاصل: أنه "ثقة، ثبتٌ، إلا أن سماعه من أبي إسحاق بآخرة". ٤) أبو إسحاق عَمرو بن عبد الله السَّبيعيُّ: "ثِقَة، إِمَامٌ، مُدَلِّسٌ من الثالثة، اختلط بآخرةٍ". ولا يُتوقف في عنعنته إذا كان الراوي عنه شُعْبَة، أو كان هو يَرْوي عن أبي الأحوص، تَقَدَّم في الحديث رقم (٩). ٥) أبو بُرْدة عامر بن أبي موسى عبد الله بن قيْس، ويُقال: اسمه الحارث، ويُقال: اسمه كُنيته. روى عن: أبيه أبي موسى الأشعري ﵁، وعلي بن أبي طالب ﵁، وعبد الله بن عُمر ﵁، وآخرين. روى عنه: أبو إسحاق السّبيعي، والشَّعْبِي، وثابت البُناني، وغيرهم. حاله: قال ابن سعد، والعجلي، وأبان بن عُمر بن عثمان، وابن خِراش، والذهبي، وابن حجر: ثِقَةٌ. وذكره ابن حبان في "الثقات". وروى له الجماعة. وقال أبو زُرعة: أبو بُرْدة، عن أبي عُبيدة، وعن معاذ بن جبل مرسلٌ. وقال البخاري: لا يُعرف له سماع من واثلة بن الأسقع. وحاصله: أنه "ثقةٌ، يُرْسِل". (٢) ٦) أبو موسى عبد الله بن قيس بن سُليم، الأشعري، صاحب النبي ﷺ . روى عن: النبي ﷺ ، وعمر بن الخطاب ﵁، وأُبي بن كعب ﵁. روى عنه: ابناه: أبو بُريدة، وأبو بكرٍ، وأنس بن مالك ﵁، وغيرهم. خرج في خمسين رجلًا في سفينةٍ، فألقتهم الريح إلى الحبشة، فوافقوا بها جعفر بن أبي طالب، فأقاموا عنده، ثم خرجوا معه إلى المدينة - وهو الصحيح -، وكان من أحسن أصحاب النبي ﷺ صَوْتًا (٣). (٤) ثالثًا:- الحكم على الحديث: مما سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبرانيُّ "ضَعيفٌ"؛ فيه عِدَّة علل: _ ففيه عمرو بن عُثْمان "ضَعيفٌ يُعْتبر به"، كما سبق. _ وزهير بن مُعاوية: "ثقة، ثبتٌ، إلا أن سماعه من أبي إسحاق بآخرة"، وهذا مِنْ روايته عنه. _ وأبو إسحاق السَّبيعيُّ: مُدَلِّسٌ مِنْ الثالثة، ورواه بالعنعنة. متابعات للحديث: قلتُ: ولم يَنْفَرد به زُهير بن مُعاوية عن أبي إسحاق، بل تابعه إسرائيل بن يُونس، وفُضَيل بن مَرْزُوق، كلاهما عن أبي إسحاق السَّبيعيِّ، وإسرائيل "ثقةٌ، ثبتٌ" وسماعه من جده قديم، وفي غاية الاتقان للزومه إياه، وكان خصيصًا به (٥)؛ فزال بذلك ما نخشاه مِنْ اختلاطه.

стр. 167

ولم يَنْفرد به كذلك أبو إسحاق، بل تابعه حُمَيْد بن هلال، وبُرَيد بن عبد الله، وزيد بن أبي أُنَيْسة، ثلاثتهم عن أبي بُرْدة، به، فَزَال بذلك ما نخشاه مِنْ تدليسه. شواهد للحديث: • وفي الباب عن أنس بن مالك ﵁، أخرجه البخاري، ومسلم في "صحيحيهما"، من طريق شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا، وَسَكِّنُوا وَلا تُنَفِّرُوا». (١) وعليه؛ فالحديث بمتابعاته، وشواهده يرتقي إلى "الصحيح لغيره"، والله أعلم. رابعًا:- النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المُصنف ﵁: لم يَرو هذا الحديث، عن زُهَير، إلا عَمرو بن عثمان. قلتُ: مِمَّا سبق في التخريج يَتَبَيَّن صحة ما قاله المُصَنِّفُ ﵁. خامساً:- التعليق على الحديث: - يُعتبر هذا الحديث من أعظم القواعد التي أُسس عليها هذا الدين الحنيف، قال الله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ (٢)، وقال الله ﷻ : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣)، وقال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ (٤)، وأخرج البخاري، ومسلم في "صحيحيهما"، من حديث أمّ المؤمنين عائشة، قالت: " مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ إِلا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا ". (٥) - وقد رَبَّى النبي الكريم ﷺ الصحابة الكرام ﵃، على ذلك قولاً، وعملاً، فلقد حثِّ النبي ﷺ ، وأوصى الصحابة بذلك، كما في حديث الباب، وفي بعض روايات الحديث، من حديث أبي موسى الأشعري ﵁، قال: قال: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا بَعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ قَالَ: " بَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا " (٦)، وأخرج البخاري

стр. 168

في "صحيحه" من حديث أبي هريرة ﵁، قَالَ: قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي المَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : "دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ". (١) - فالإسلام رَسَّخ الأحكام في النفوس، مُعتمداً على التيسير في الدين، وترك التشديد، والتنطع في الدين، والغُلو فيه، فلا إفراط، ولا تفريط، قال الله: ﷻ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٢)، فالأمة الإسلامية وسط في كل شيء، في عقيدتها، وعبادتها، ومعاملاتها، وسلوكها، بل وفي طعامها، وشرابها، قال الله : ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ (٣)، والأدلة على ذلك من القرآن، والسنة أكثر من أن تُحصى؛ لذا رأينا أنَّ كل مَن ترك الرفق فَتَرَ، وعجز؛ وهذا ليس معناه منع طلب الأكمل في العبادة، والتربية، وفي كل مجالات الحياة، وإنما المراد أن نلتزم بما أمرنا به ديننا الحنيف، وذلك بقدر الطاقة، والاستطاعة، قال الله : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٤)، وقال الله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ (٥)، وأن ننتهي عن كل ما نهى عنه الشرع، حتى ولو كان فيه مشقة على النفس، فهو في الحقيقة في الابتعاد عنه فيه النفع الكامل للبشرية، إلا إذا كان ضرورةً، والضرورةُ تُقدّر بقدرها، ففي "الصحيحين" من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: "دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ". (٦) - قال الحافظ ابن حجر: " قوله "يَسِّرَا وَلا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلا تُنَفِّرَا" قال الطِّيبي: هو معنى الثاني مِنْ بَاب الْمُقَابَلَةِ المَعْنويَّة لأَن الحقيقية أَنْ يُقَال بَشِّرَا، ولا تُنْذِرَا، وآنسا، ولا تُنَفِّرَا، فَجَمَع بينهما لِيَعُمَّ البِشَارة، والنِّذَارة، والتَّأْنِيس والتَّنْفِير. قُلْتُ - ابن حجر -: ويَظْهر لي أَنَّ النُّكْتَةَ في الْإِتْيان بلَفْظ البِشَارة، وهو الأَصل، وبلفظ التَّنْفِير، وهو اللَّازِم، وأتَى بالَّذي بَعْدَه على العكس؛ للإشارة إلى أَنَّ الإِنْذَار لَا يُنْفَى مُطْلَقًا، بخلاف التَّنْفِيرِ

стр. 169

فَاكْتَفَى بما يَلْزَم عَنْه الإِنْذَار، وهو التَّنْفِير، فكأَنَّه قِيلَ إِنْ أَنْذَرْتُم فَلْيَكُن بِغَيْر تَنْفِيرٍ كقول الله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ (١). (٢) - وقال الإمام النووي: إنَّما جَمع في هذه الأَلفَاظ بَين الشَّيء وضِدِّه؛ لأَنَّه قَد يَفعلُهما في وقتَين، فلو اقتَصر على "يَسِّرُوا" لصدق ذلك على من يسر مرة، أو مرات، وَعَسَّر في مُعْظم الحَالَات، فإذا قال "ولا تُعَسِّرُوا" انْتفى التَّعْسِير في جَمِيع الأحوال، مِنْ جَمِيعِ وُجُوهه، وهذا هو المطلوب؛ وكذا يُقَال: في "بَشِّرَا ولا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلا تَخْتَلِفَا" لأنهما قد يتطاوعان في وقتٍ، وَيَخْتَلِفَان في وَقْتٍ، وَقَد يَتَطَاوَعَان في شَيْءٍ، وَيَخْتَلِفَان في شَيْءٍ. (٣) أ. هـ * * *

стр. 170

[١٥/ ٤١٥]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن خُلَيْدٍ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بن عِيسَى الطَّبَّاعُ، قال: نا أَبُو عَوَانَةَ، عن عَاصِمِ بن كُلَيْبٍ، عَنْ عبْد الْجَبَّارِ بنِ وَائِلٍ. عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ رَكَعَ، فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ. * لم يَرْوِ هذا الحديث عن عاصم بن كُلَيبٍ، عن عبد الجبَّار بن وائلٍ إلا أبو عوانة، تَفَرَّدَ [به] (١): … مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى. هذا الحديث مداره على أبي عوانة الوَضَّاح بن عبد الله اليَشْكُري، واختُلف عنه من وجهين: الوجه الأول: أبو عوانة، عن عاصمٍ بن كُلَيْب، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه وائل بن حُجْرٍ. الوجه الثاني: أبو عوانة، عن عاصم بن كُلَيْب، عن أبيه كُلَيْب، عن وائل بن حُجْرٍ. وتفصيل ذلك كالآتي: أولًا: الوجه الأول: أبو عوانة، عن عاصمٍ بن كُلَيْب، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه. أ تخريج الوجه الأول: • لم أقف عَليْه بهذا الوجه، إلا عند الطبراني برواية الباب. ب دراسة إسناد الوجه الأول: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) محمد بن عيسى بن نَجِيْح الطَّبَّاع: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، فَقِيْهٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٨). ٣) أبو عَوانة الوَضّاح بن عبد الله اليَشْكُري، الواسطي، البَزَّاز. روى عن: عاصم بن كُلَيب، والأعمش، وقتادة بن دِعامة، وآخرين. روى عنه: محمد بن عيسى الطبّاع، وأبو داود الطيالسي، ووكيع بن الجراح، وغيرهم. حاله: قال ابن مَعِين، والعِجلي، وابن حبان، والدارقطني: ثِقَةٌ. وقال ابن المُبارك: أَرْوى الناس عن المُغِيرة. وقال أبو زُرْعة: ثقةٌ إذا حدَّث من كتابه. وقال الذهبي: ثقةٌ متقنٌ لكتابه. وقال ابن حجر: كتابه في غاية الإتقان. - بينما قال أحمد: صحيح الكتاب، وإذا حَدَّث من حفظه رُبَّما يَهِم. وقال أبو حاتم: كتبه صحيحة، وإذا حَدَّث من حفظه غَلَط كثيرًا، وهو ثقةٌ. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنّه ثقةٌ ثبتٌ، إذا حَدَّث من كتابه، وإذا حدَّث من غيره رُبَّما غلط. وقال ابن حجر: كان يُحَدِّث من حفظه، فَرُبَّما وَهِم، وحديثه من كتابه أثبت. - وقال ابن المديني: كان أبو عوانة في قتادة ضعيفًا، ذهب كتابه - أي عن قتادة -، وكان يَتَحَفَّظ من سعيد - أي يتذاكر أحاديثه عن قتادة من سعيد -، وقد أغرب فيها أحاديث. وقال يعقوب السدوسي: أبو

стр. 171

عوانة أثبتهم في المغيرة، وهو في قتادة ليس بذاك. - وقال الذهبي في "السِيَر": استقر الحال على أن أبا عوانة "ثقةٌ"، وله أوْهامٌ تجانب إخراجها الشيخان. فحاصله: أنه "ثقةٌ، إذا حَدَّث مِنْ كتابه، وإذا حَدَّث مِنْ حفظه رُبَّما وهم، وليس بذاك في قتادة خاصة، ومِنْ أثبتهم في المغيرة بن مَقْسم". (١) ٤) عاصم بن كُلَيب بن شهاب الجَرْمي، الكوفي. روى عن: أبيه كُليب، وعَلْقمة، وعبد الجبار ابني وائل بن حُجْر، وغيرهم. روى عنه: أبو عوانة الوضاح بن عبد الله، والسُّفيانان، وشُعبة، وغيرهم. حاله: قال ابن معين، وأحمد، والعجلي، وابن سعد، ويعقوب بن سُفْيَان، والنَّسائي، والذهبي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالحٌ. وقال ابن حجر: صدوقٌ رُمِي بالإرجاء. والحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ". (٢) ٥) عبد الجبار بن وائل بن حُجر، الحضرمي، الكوفي، أبو محمد. روى عن: أخيه علقمة بن وائل، ومولى لهم، وعن أبيه مُرْسل. روى عنه: عاصم بن كُلِيب، وأبو إسحاق السبيعي، وزيد بن أبي أُنيسة، وغيرهم. حاله: قال ابن معين: ثِقَةٌ، لم يَسْمع مِنْ أبيه. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: ثِقَةٌ، يتكلمون في روايته عن أبيه. وقال ابن حجر: ثقةٌ، يُرْسِل عن أبيه. وذهب ابن المديني، والبخاري، والنَّسائيّ، وابن حبان، وأبو حاتم، والطبري، ويعقوب بن سفيان، ويعقوب ابن شيبة، والدارقطني، وابن عبد البر، وغيرهم، إلى أنَّه لم يَسْمَع مِنْ أبيه. قال ابن حبان: مَن زعم أنه سَمِع أباه فقد وَهِم، وقال في روايته عن أبيه: فهذا ضَرْبٌ من المُنْقطع الذي لا تقوم به الحجة. (٣) ٦) وائل بن حُجْر بن سعد بن مسروق، أبو هُنَيْدة - أو أبو هُنَيْد -، الحضرمي. روى عن: النبي ﷺ . … روى عنه: كُلَيْب بن شهاب، وابناه علقمة، وعبد الجبار، وغيرهم. وفد على النبي ﷺ مسلمًا، فأنزله، وقَرَّبه، وأدناه، وبسط رداءه فأجلسه عليه، وأَصْعد به معه على منبره ﷺ ، وأقْطَعه القطائع، وكتب له به عهدًا، وبشّر به أصحابه قبل قدومه بأيام. (٤)

стр. 172

ثانيًا:- الوجه الثاني: أبو عوانة، عن عاصم بن كُلَيْب، عن أبيه كُلَيْب، عن وائل بن حُجْرٍ. أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه الطبراني في "الكبير" (٢٢/ ٣٨/٩٠)، مِنْ طريق أسد بن مُوسَى، وحَجَّاج بن المِنْهَال، قالا: ثنا أبو عَوَانَة، عن عاصم بن كُلَيْبٍ، عن أبيه، عن وائلٍ الحَضْرَمِيِّ، به، مُطولاً. _ والبيهقي في "معرفة السنن" (٣٦٤٥)، من طريق حجاج بن المنهال، قال: حدثنا أبو عوانة، به. • والخطيب في "المُدرج في النقل" (١/ ٤٣٢)، من طريق عبَّاس بن طالب، عن أبي عوانة، به. متابعات للحديث بالوجه الثاني: وتُوبع أبو عوانة على هذا الوجه، تابعه عليه جمعٌ مِنْ الرواة، وقد عَدَّ منهم الخطيب البغدادي أحد عشر راويًا، وخرَّج رواية كل راوٍ منهم (١)، وسأذكر بعضهم على النحو التالي: • أخرجه الطيالسي في "مسنده" (١١١٣)، والطحاوي في "معاني الآثار" (١٣٧٥)، والطبراني في "الكبير" (٢٢/ ٣٤/٨٠)، عن سَلَّام بن سُلَيْم؛ وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢٥٢٥)، وابن خزيمة في "صحيحه" (٤٧٨)، عن محمد بن فُضَيل؛ وأحمد في "مسنده" (١٨٨٧٦)، والطبراني في "الكبير" (٢٢/ ٣٦/٨٤)، من طريق زُهَير بن مُعاوية؛ وأحمد في "مسنده" (١٨٨٦٥)، من طريق عبد العزيز بن مسلم؛ وأحمد في "مسنده" (١٨٨٥٠)، والبيهقي في "الكبرى" (٢٥١٦، ٢٦١٩)، وابن المنذر في "الأوسط" (١٥١٢)، من طريق عبد الواحد؛ وأبو داود في "سننه" (٧٢٦)، ك/الصلاة، ب/رفع اليدين في الصلاة، وبرقم (٩٥٧)، ك/الصلاة، ب/كيف الجلوس في التشهد، والنسائي في "الكبرى" (١١٨٩)، ك/المساجد، ب/موضع حَدّ المِرفق الأيمن، وفي "الصغرى" (١٢٦٥)، والطبراني في "الكبير" (٢٢/ ٣٧/٨٦)، من طريق بِشْر بن المُفضّل. سِتّتُهم عن عاصم بن كُليب، عن أبيه، عن وائل بن حُجْر، به، البعض بنحوه، والبعض مطولاً. ب دراسة إسناد الوجه الثاني (إسناد الطبراني): ١) أسد بن موسى بن إبراهيم المصري: "ثِقَةٌ". (٢) قلتُ: والإسناد إليه ضعيف؛ فيه المقدام بن داود. (٣) ٢) حَجَّاج بن المِنْهال: "ثِقَةٌ". (٤) قلتُ: والإسناد إليه "صحيحٌ". ٣) وأما أبو عوانة، وعاصم بن كُليب، ووائل بن حُجر فقد سبقت تراجمهم في الوجه الأول. ٤) وكُلَيْب بن شِهَاب: "ثِقَةٌ". (٥)

стр. 173

ثالثاً:- النظر في الخلاف في هذا الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث مداره على أبي عوانة اليَشْكُري، واختُلف عنه من وجهين: الوجه الأول: أبو عوانة، عن عاصمٍ بن كُلَيْب، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه وائل بن حُجْرٍ. الوجه الثاني: أبو عوانة، عن عاصم بن كُلَيْب، عن أبيه كُلَيْب، عن وائل بن حُجْرٍ. ومِنْ خلال ما سبق يَتَبَيَّن أنَّ الوجه الثاني هو الأقرب، والأشبه بالصواب؛ للقرائن الآتية: ١) الأكثرية: فرواة الوجه الثاني أكثر عدداً مِنْ رواة الوجه الأول. ٢) أنَّ الوجه الأول تَفَرَّد به محمد بن عيس الطَّبَّاع، مع وجود مَنْ يُخالفه. ٣) وجود متابعات لأبي عوانة بالوجه الثاني، مِمَّا يؤكد أنَّه ضبط الحديث بالوجه الثاني دون الأول؛ وقد بَيَّن غير واحدٍ مِنْ أهل العلم - كما سبق - أنَّه رُبَّما وَهِمَ إذا حدَّث مِنْ حفظه، فلعلَّه حدَّث بالحديث مِنْ حفظه بالوجه الأول فوهم فيه، والله أعلم. رابعًا:- الحكم على الحديث: أ الحكم على الحديث بإسناد الطبراني: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "شاذٌ"؛ لمخالفة محمد بن عيسى الطَّبَّاع ما رواه الثقات عن أبي عوانة، مع عدم وجود مُتابعٍ له على هذا الوجه. ب الحكم على الحديث مِنْ وجهه الراجح: ومِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث مِنْ وجهه الراجح "صَحيحٌ لذاته"، وللحديث شواهد في "الصحيحين". (١) خامسا:- النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المُصنف ﵁: لم يَرْوِه عن عاصم، عن عبد الجبَّار إلا أبو عوانة، تَفَرَّدَ به: مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى. قلتُ: ومِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ حكم الإمام بالتَّفرد صحيحٌ، ولم أقف على ما يدفعه، وهو تفرد نسبيٌّ. * * *

стр. 174

[١٦/ ٤١٦]- حدَّثَنَا أَحمد بن خُلَيْد، قال: نا مُحَمَّد بن عِيسَى الطَّبَّاع، قال: نا قَزَعَةُ بن سُوَيْدٍ، عن الحَجَّاجِ بن الحَجَّاجِ قال: نا سُوَيْدُ بْنُ حُجَيْرٍ قال: حَدَّثَنِي أَنَسُ بن مَالِكٍ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «مَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ (١)، يُقَاتِلُ عَصَبَةً، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقِتْلَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ». * لم يَرْوِ هذا الحديث عن سُوَيدِ بن حُجَيْرٍ إلا الحجَّاجُ بن الحجَّاجِ الباهليُّ، تَفَرَّدَ به: قَزَعَةُ بن سُوَيْدٍ. أولاً:- تخريج الحديث: • أخرجه أبو يعلى - كما في "الإتحاف" للبوصيري (٤٤٠٧) -، والطبراني في "الأوسط" (٣٩٤٦)، كلاهما مِنْ طريق عبد الواحد بن غِيَاثٍ، عن قَزَعَة بن سُوَيْدٍ، بنحوه. وقال الطبراني: لم يَرْوِ هذا الحديث عن سُوَيْدِ بن حُجَيْرٍ إلا الحَجَّاجُ بن الحجَّاجِ، تَفَرَّدَ به: قَزَعَةُ بن سُوَيْدٍ. وقال البوصيري: هذا إسناد حسن، قَزعة بن سُويد مُختلف فيه. قلتُ: وسيأتي بيان حاله. • والقشيري في "تاريخ الرقة" (٢٦٨)، قال: حدَّثَنا هِلال بن العلاء، ثنا أبي، ثنا أبي، ثنا كُلْثُوم بن جَوْشَن، عن حاتم بن الحسن، عن أنس بن مالك ﵁: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ، يَدْعُو إلى عَصَبِيَّةٍ، أَو يَنْصُرُ عَصَبِيةً، وَجَبَتْ لَهُ النَّار؛ ومَنْ أَشَار بِسِلاحٍ إلى مسلمٍ، لَعَنَتْه المَلائِكَةُ حَتى يَشِيمَهُ عَنْه". أي يَغْمِدَه عنه. ثانياً:- دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) محمد بن عيسى بن نَجِيْح الطَّبَّاع: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، فَقِيْهٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٨). ٣) قَزَعَة - بزاي، وفَتَحات - بن سُوَيد - مصغرًا - بن حُجَير، أبو محمد الباهلي، البصري. روى عن: حَجَّاج بن الحَجَّاج، وأبيه، ومحمد بن المُنْكدر، وغيرهم. روى عنه: محمد بن عيسى الطباع، وقُتيبة بن سعيد، ومحمد بن الفضل السَّدوسي، وغيرهم. حاله: قال ابن معين: ثِقَةٌ. وقال ابن عَدي: أحاديثه مستقيمة، وأرجو أنه لا بأس به. بينما روى الجماعة عن يحيى بن مَعين، أنَّه قال: ضعيفٌ. وقال البخاري: ليس هو بذاك القوي. وقال أبو حاتم: ليس بذاك القوي، محله الصدق، وليس بالمتين، يُكتب حديثه، ولا يُحتج به. وقال العجلي: لا بأس به، وفيه ضَعْفٌ. وقال البَزَّار: ليس به بأسٌ، ولكن ليس بالقوي. وقال الدارقطني: يغلب عليه الوهم. وقال أبو داود، والعباس العَنْبري، والنسائي، وابن حجر، ضَعيفٌ. والحاصل: أنَّه "ضَعيفٌ يُعتبر به". (٢)

стр. 175

٤) حَجَّاج بن الحجَّاج، الأحْول، الباهلي، البصري، وليس هو حجاج الأسود ولا القَسْملي. روى عن: أبي قَزَعة سُويد بن حُجير، وأنس بن سِيرين، وقَتَادة بن دِعامة السَّدوسي، وغيرهم. روى عنه: إبراهيم بن طهمان - راويته -، وقَزَعة بن سُويد، وسعيد بن أبي عَرُوبة، وغيرهم. حاله: قال أحمد، وابن مَعين، وأبو داود، والذهبي، وابن حجر: ثِقَةٌ. وقال أبو حاتم: ثقةٌ من الثقات، صدوقٌ. وذكره ابن حبان في "الثقات". والحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ صَدوقٌ". (١) ٥) سُويد بن حُجير - بتقديم المُهملة، مُصغرًا -، بن بيان، أبو قَزَعة الباهلي. روى عن: أنس بن مالك، والحسن البصري، وأبيه، وآخرين. روى عنه: حجّاج بن حجّاج الباهلي، وشُعبة، وابنه قَزَعة، وغيرهم. حاله: قال ابن المَديني، وأحمد، وأبو زُرعة، وأبو داود، والعجلي، والنسائي، والبزار، وابن حجر: ثِقَةٌ. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أبو حاتم: صالحٌ. والحاصل: أنه "ثقة". (٢) ٦) أنس بن مالك ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ، مِنْ المكثرين"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠). ثالثًا:- الحكم على الحديث: _ مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ"؛ لأجل قَزَعة بن سُويد "ضَعيفٌ". وقال البوصيري: هذا إسناد حسن، قَزعة بن سُويد مُختلف فيه. وقال الهيثمي: رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه قَزَعَة بن سُوَيْد، وهو ضعيف، وقد وُثق. (٣) متابعات للحديث: والحديث أخرجه القشيري في "تاريخ الرقة" - كما سبق في التخريج -؛ وفيه: "حاتم بن الحسن": "مجهول العين"، لم أقف له على ترجمة، ولم أقف على أحدٍ روى عنه غير كُلْثُوم بن جَوْشن. وكُلثومٌ هذا "ضَعيفٌ". (٤) وفيه: "العلاء بن هلال": قال أبو حاتم: مُنْكر الحديث. وقال النسائي: يَرْوي عنه ابنه هلال غير حديثٍ مُنكر، لا أدري منه أتى أَمْ مِنْ أبيه. (٥). شواهدٌ للحديث: - وأخرج الإمام مسلم في "صحيحه"، من حديث جُنْدب بن عبد الله البَجَلي ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ قُتِلَ

стр. 176

تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ، يَدْعُو عَصَبِيَّةً، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبِيَّةً، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ». (١) - وأخرج الإمام مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي، يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ». (٢) - وعليه فلحديث بمتابعاته، وشواهده يرتقي إلى "الصحيح لغيره". رابعًا:- النظر في كلام المصنف ﵁: قال المصنف ﵁: لم يَرْوِه عن سُوَيْدِ بن حُجَيْرٍ إلا الحَجَّاجُ البَاهِلِيُّ، تَفَرَّدَ به: قَزَعَةُ بن سُوَيْدٍ. قلتُ: ومما سبق في التخريج يَتَبَيَّن صحة ما قاله المُصَنِّفُ ﵁. * * *

стр. 177

[١٧/ ٤١٧]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بنُ عِيْسَى الطَّبَّاع، قَالَ: نا فَرَجُ بنُ فَضَالَة، عَنَ يَحْيَى بنِ سَعِيْدٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَمْرَة. عَنَ أُمِّ سَلَمَة زَوج النَّبِي ﷺ ، أنها كَانَت لَهَا شَاةٌ تَحْلُبُهَا، فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلَ عَنْهَا أُمَّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: مَاتَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «أَفَلا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا مَيْتَةٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يُحِلُّهَا دِبَاغُهَا، كَمَا يَحِلُّ خَلُّ الخَمْرِ». * لم يَرْو هذا الحديث عن يَحْيَى بن سَعِيد إلا فَرَجُ بن فَضَالَةَ. أولًا:- تخريج الحديث: • أخرجه الطبري في "تهذيب الآثار من مسند عبد الله بن عباس" (١٢٠٢)، والطبراني في "الكبير" (٢٣/ ٣٦٠/٨٤٧)، و"الأوسط" (٩٣٩٠)، والدارقطني في "السنن" (٤٧٠٧،١٢٥) - ومن طريقه ابن الجوزي في "التحقيق في مسائل الخلاف" (١٠٦) -، والخطيب في "تاريخ بغداد" (١٦/ ٩٤). كلهم من طرقٍ، عن محمد بن عيسى الطباع، عن فرج بن فَضَالة، بسنده، وبنحوه. وقال الطبراني: لم يَرْوه عن يَحْيَى بن سَعِيد إلا فَرَجُ بن فَضَالَةَ، ولا يُروى عن أمّ سلمة إلا بهذا الإسناد. وقال الدارقطني: تفَرَّد به فرج بن فضَالة، وهو ضعيفٌ. • وأبو يَعْلى في "مسنده" - كما في "الإتحاف" للبوصيري (٤٩١)، و"المطالب العالية" (٢٥) -، وابن عدي في "الكامل" (٧/ ١٤٢) - ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" (١١٢٠٢) -، من طريق محمد بن بَكّار. _ والطبراني في "الكبير" (٢٣/ ٣٦٠/٨٤٧)، من طريق زكريا بن يحيى زَحْمَوَيه. كلاهما عن فرج بن فضالة، بنحوه. وزاد محمد بن بكار: قال فرج بن فضالة: يعني أَنَّ الخَمْر إذا تغيَّرَت فصارت خلًّا حَلّت. وقال ابن عدي: وهذا الحديث لا يَرْويه عن يحيى غير فرج، وله عن يحيى غيره مناكير. وقال البوصيري: وهذا إسنادٌ رجاله ثقات!! قلتُ: وسيأتي بيان ما فيه. • وأخرجه الطبري في "تهذيب الآثار" (١٢٠٣)، والطبراني في "الكبير" (٢٣/ ٣١٦/٧١٦)، مِنْ طريق عمرو بن الحارث، عن إسحاق بن أبي فروة، أنَّ مسلم بن سُلَيْم حَدّثه، عن أمِّ سلمة، أنَّ شاةً لهم ماتت فلم يُدْركوا ذكاتها حتى ماتت، فبَلَغَ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: " لو اِنْتَفَعْتُم بإِهابِهَا؟ "، واللفظ للطبراني، وعند الطبري بنحوه،

стр. 178

وكلاهما بدون قوْله: «يُحِلُّهَا دِبَاغُهَا، كَمَا يَحِلُّ خَلُّ الخَمْرِ». • وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢٣/ ٣٢٩/٧٥٧)، من طريق شَرِيك بن عبد الله، عن أبي إسحاق السَّبِيعِي، عن سعيد بن وَهْب، أو عن أخيه، عن أمِّ سَلَمة، مُخْتصراً. ثانيًا:- دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) محمد بن عيسى بن نَجِيْح الطَّبَّاع: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، فَقِيْهٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٨). ٣) فَرَجُ بن فَضَالة بن النُّعْمان بن نُعَيم، أبو فَضَالة الحِمْصي. روى عن: يحيى بن سعيد الأنصاري، ولقمان بن عامر، وهشام بن عُرْوة، وآخرين. روى عنه: محمد بن عيسى الطَبَّاع، ومحمد بن بكَّار، وشُعْبة بن الحَجَّاج، وغيرهم. حاله: قال الدارمي، عن ابن معين: ليس به بأسٌ. وقال المُفَضَّل بن غسَّان، عن ابن مَعين: صالحٌ. بينما قال أبو بكر بن أبي خَيْثَمة، عن ابن مَعِين: ضعيف الحديث. وقال ابن الجُنَيْد: قال رجلٌ ليحيى بن مَعين، وأنا أسمع: أيُّهما أعجب إليك؛ إسماعيل بن عيَّاش، أم فرج بن فَضَالة؟ قال: لا، بل إسماعيل، ثُم قال: فرج ضعيف الحديث، وإيش عند فرج! وقال الفلَّاس: كُنا عند يحيى بن مَعين يوْمًا، ومعنا مُعاذ، فقال مُعاذ: حدثنا فرج بن فَضَالة، قال عمرو: فرأيتُ يحيى كَلَّح وجهه. _ وقال أحمد: ثقةٌ، لا بأس به إذا حدَّث عن الشاميين، ويُحَدِّث عن الثقات أحاديث مناكير. _ وقال أبو حاتم: صدوقٌ، يُكتب حديثه، ولا يُحْتجّ به، حديثه عن يحيى فيه إنكار، وهو في غيره أحسن حالًا، وروايته عن ثابتٍ لا تَصحُّ. وقال ابن عدي: وهذه الأحاديث التي أمليْتُها له، عن لُقمان بن عامر، عن أبي أُمامة، غيرُ محفوظةٍ؛ وحديث يحيى بن سعيد، عن عَمْرة، لا يرْويها عن يحيى غيرُ فَرَج؛ وله عن يحيى غيرها مناكير، وله غير ما أمليْتُ أحاديث صالحةٍ، وهو مع ضعفه يُكْتب حديثه. _ وقال ابن المَديني: وسطٌ، وليس بالقوي. وقال: ضعيفٌ لا أُحدِّث عنه. وقال البخاري، ومسلمٌ: مُنْكر الحديث. وقال النَّسائي، وأبو أحمد الحاكم، والذهبي، وابن حجر: ضَعيفٌ. وقال العُقَيْليُّ: مُضْطَرِبُ الحديث. _ وقال ابن مهدي، والبخاري: حَدَّث عن يحيى أحاديث مقلوبة مُنكرة. وقال أحمد: حديثه عن يحيى مُضْطرب. وقال الدَّارقطني: يَرْوي عن يحيى أحاديث لا يُتابعُ عليها. والحاصل: أنَّه "ضَعيفٌ يُعتبر به، وحديثه عن يحيى بن سعيد مُنْكرٌ". (١) ٤) يحيى بن سعيد بن قيْس بن عمرو، أبو سعيد المَدَني، الأنصاري. روى عن: عَمْرة بنت عبد الرحمن، وأنس بن مالك، وهشام بن عُروة، وغيرهم. روى عنه: فرج بن فَضَالة، وشُعبة، ومالك، والناس.

стр. 179

حاله: قال ابن عُيينة: كان يحيى بن سعيد، يجيئ بالحديث على وجهه. وقال أيّوب: ما خَلَّفْتُ بالمدينة أحدًا أفقه من يحيى بن سعيد. وقال الثوْري: كان مِن حُفَّاظ الناس، وكان أجَلُّ عند أهل الحديث من الزُّهري. وقال ابن المديني، والعِجلي، وهشام بن عُروة، وأحمد، وابن مَعين، وأبو حاتم، وأبو زُرْعة: ثِقَةٌ. وقال النسائي: ثِقَةٌ ثَبْتٌ مَأمُونٌ. وقال الذهبي: ثِقَةٌ حافظٌ فقيهٌ. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ، ثَبْتٌ. وروى له الجماعة. (١) ٥) عَمْرةُ بنت عبد الرحمن بن سعد، الأنصارية، كانت في حِجْرِ عائشة، وأعلم الناس بحديثها. روت عن: عائشة، وأم سلمة، وأم هشام بنت حارثة - أختها لأمها -، ﵃ وغيرهن. روى عنها: يحيى بن سعيد، والزُّهري، وابنها أبو الرجال محمد بن عبد الرحمن، وغيرهم. حالها: قال ابن معين: ثِقَةٌ حُجَّةٌ. وقال ابن المديني، والعجلي، وابن حجر: ثِقَةٌ. وذكرها ابن حبَّان في "الثقات". وقال الذهبي: ثِقَةٌ حُجَّةٌ خَيِّرَةٌ، كثيرة العلم. وروى لها الجماعة. والحاصل: أنها "ثقةٌ، حجةٌ". (٢) ٦) أم سلمة هندٌ بنت أبي أُمية بن المغيرة المخزومية، زَوْج النبي ﷺ ، بنت عم خالد بن الوليد. روت عن: النبي ﷺ ، وأبي سلمة بن عبد الأسد ﵁، وفاطمة بنت رسول الله ﷺ . روى عنها: عَمْرة بنت عبد الرحمن، ونافعٌ موْلاها، ونافعٌ موْلى ابن عُمر، وخلقٌ كثير. تزوجها النبي ﷺ حين حَلَّت في شوال سنة أربع، بعد أبي سلمة - أخو النبي ﷺ من الرضاعة -، وكانت من أجمل النساء، وأشرفهن نسبًا، ومن المهاجرات الأُول، وتُعَدُّ من فقهاء الصحابيات. (٣) ثالثًا:- الحكم على الحديث: _ من خلال ما سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "مُنْكَرٌ"؛ لأجل فرج بن فَضَالة، روايته عن يحيى بن سعيد الأنصاري منكرة، وقد انفرد به، عنه. وانفراده عن مِثْل يحيى بن سعيد الأنصاري في جلالته، وكثرة أصحابه الحفاظ المُتْقنين لحديثه، كالسفيانين، والحمَّادين، وشعبة، ومالك، والليث، وخلقٌ سواهم، دون أنْ يُتابعه أحدٌ مِنْ هؤلاء، لا شك أنَّه يَدُل على شدة ضَعف ونكارة روايته التي انفرد بها. قال الطبراني: لم يَرْوه عن يَحْيَى بن سَعِيد إلا فَرَجُ بن فَضَالَةَ. وقال الدارقطني: تفَرَّد به فرج بن فضَالة، وهو ضعيفٌ. وقال ابن عدي: وهذا الحديث لا يَرْويه عن يحيى غير فرج، وله عن يحيى غيره مناكير. وقال البيهقي: وهذا الحديث مما تفَرَّد به الفرج بن فضالة، وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يُحَدِّث عنه، ويقول: حَدَّث عن يحيى بن سعيد أحاديث مُنْكرة، مقلوبة، وضَعَّفه سائر أهل العلم بالحديث. (٤)

стр. 180

وقال الهيثمي: رواه الطبراني في "الكبير"، و"الأوسط"، تَفَرَّد به فَرَجُ بن فَضَالة، وضَعَّفَه الجمهور. (١) وقال ابن حجر: في إسناده فَرَجُ بن فَضَالَةَ، وهو ضَعِيفٌ. (٢) _ وقوله في الحديث: «كَمَا يَحِلُّ خَلُّ الخَمْرِ»: فلم أقف - على حد بحثي - على ما يشهد لحل الخمر بتخليله من الأحاديث المقبولة، المرفوعة إلى النبي ﷺ (٣)، وغاية ما وَقَفْتُ عليه إنما هي آثار موْقوفة على بعض الصحابة الكرام (٤). إلا أنه قد ثبت في الصحيح ما يناقض ذلك ويخالفُهُ؛ فقد أخرج الإمام مسلم في "صحيحه" من حديث أنس بن مالك ﵁ أنّ النبي ﷺ سُئل عن الخمر تُتَخَذُ خلا، فقال: "لا". (٥) وأخرج الإمام أحمد في "مسنده"، من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرًا، فَقَالَ: " أَهْرِقْهَا " قَالَ: أَفَلا نَجْعَلُهَا خَلًّا؟ قَالَ: " لا ". (٦) قلتُ: وقد حاول جماعةٌ من أهل العلم الجمع بين هذا الحديث الصحيح الوارد في النهي عن تخليل الخمر، وبين ما ورد في تخليل الخمر كحديث الباب، وما ورد عن بعض الصحابة في ذلك، إن ثبت صحتها؛ بأن المُراد بخل الخمر، التي تخللت بنفسها، لا باتخاذها. مُتابعاتٌ للحديث: وللحديث مُتابعاتٌ قاصرةٌ، عن أُمِّ سلمة ﵂، وبيانها كالآتي: • أخرج الطبري، والطبراني - كما سبق -، مِنْ طريق عمرو بن الحارث، عن إسحاق بن أبي فروة، عن مُسلم بن سُلَيم، عن أُمِّ سلمة. قلتُ: وهذه مُتابعةٌ لا يُفْرح بها، فلا يُعتبر بها؛ ففي سندها: إسحاق بن أبي فَرْوة، قال أبو حاتم، وأبو
следующие страницы →