[١٩٢/ ٥٩٢]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: نا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، وَثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ الْمَطَرَ قُحِطَ (١) عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، حَتَّى غَلا السِّعْرُ، وخَشُوا الهَلاكَ عَلَى الأَمْوَالِ، وَخَشِينَا الْهَلاكَ عَلَى أَنْفُسِنَا.
فَقُلْنَا: ادْعُ رَبَّكَ أَنْ يَسْقِيَنَا، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، ولا وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ بَيْضَاءَ، ولا وَاللَّهِ مَا قَبَضَ يَدَهُ حَتَّى رَأَيْتُ السَّمَاءَ تَشَقَّقُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا، حَتَّى رَأَيْتُ رُكَامًا، فَصَبَّ سَبْعَ لَيَالٍ وأَيَّامَهُنَّ، مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ الأُخْرَى، وَالسَّمَاءُ تَسْكُبُ.
فَقَالُوا: خَشِينَا الْغَرَقَ، فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ أَنْ يَحْبِسَهَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَافِعًا يَدَيْهِ، وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ خَضْرَاءَ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا ولا عَلَيْنَا».
قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا قَبَضَ يَدَهُ حَتَّى رَأَيْتُ السَّمَاءَ تَصَدَّعُ.
* لم يَرْوِ هذا الحديث عن مُبَارَكٍ، عن الحَسَنِ وثَابِتٍ جَمِيعًا، إلا سَعِيدُ بن سُلَيْمَانَ.
أولاً: تخريج الحديث:
• أخرجه الطبرانيُّ في "الدعاء" (٢١٨٣)، حدَّثنا أحمد بن يحيى الحُلوَانِيُّ، ثنا سَعِيدُ بن سُلَيْمَانَ، به.
• والبَزَّار في "مسنده" (٦٦٨١)، مِنْ طريق أَسَدِ بن مُوسَى، والبَزَّار أيضًا برقم (٦٦٨٢)، مِنْ طريق سَهْلِ بن حَمَّادٍ أبي عَتَّابٍ، كلاهما قال: حدَّثنا مُبَارَكُ بن فَضَالَةَ، عن الحَسَنِ - وحده -، عن أنس بن مالك ﵁.
وقال البَزَّار: لا نعلمُ رَوَاهُ عن الحَسَنِ، عن أَنَسٍ إلا مُبَارَكٌ، وقد رَوَاهُ ثَابِتٌ، وَقَتَادَةُ، ويَحْيَى بن سَعِيدٍ، وشَرِيكُ بن أبي نَمِرٍ، عن أَنَسٍ بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ، وَمَعْنَاهُ قَرِيبٌ مِنَ السَّوَاءِ.
• وأحمد في "مسنده" (١٣٨٦٧)، وأبو يعلى في "مسنده" (٣٥٠٩)، مِنْ طُرُقٍ عن حَمَّاد بن سلمة.
- وأحمد في "مسنده" (١٣٠١٦)، وعبد بن حُميد في "مسنده" - كما في "المُنتخب" (١٢٨٠) -، ومسلمٌ في "صحيحه" (٨٩٧/ ٤) ك/الاستسقاء، ب/الدُّعَاءِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١٨٩٣)، والطبرانيُّ في "الدعاء" (٢١٨٢/ ٥)، مِنْ طُرُقٍ عن سُلَيْمَان بن المُغِيرَةِ.
- والبخاري في "صحيحه" (٩٣٢) ك/الاستسقاء، ب/رَفْعِ اليَدَيْنِ في الخُطْبَةِ، وبرقم (٣٥٨٢) ك/المناقب، ب/علامات النبوة في الإسلام، وأبو داود في "سننه" (١١٧٤) ك/الصلاة، ب/رَفْعِ الْيَدَيْنِ في الِاسْتِسْقَاءِ،
стр. 1122
والبَزَّار في "مسنده" (٦٩٥٥)، وأبو عوانة في "المُستخرَج" (٢٤٩٦)، والطبرانيُّ في "الدعاء" (٢١٨٢/ ١)، والبيهقي في "الكبرى" (٦٤٤٤)، مِنْ طُرُقٍ عن حمَّاد بن زيد، عن يونس بن عُبيد.
- والبخاري في "صحيحه" (١٠٢١) ك/الاستسقاء، ب/الدُّعَاءِ إِذَا كَثُرَ المَطَرُ حَوَالَيْنَا ولا عَلَيْنَا، ومسلمٌ في "صحيحه" (٨٩٧/ ٣) ك/الاستسقاء، ب/ الدُّعَاء في الاستِسْقَاءِ، والبَزَّار في "مسنده" (٦٩٥٤)، والنَّسائي في "الكبرى" (١٨٣٥) ك/الاستسقاء، ب/الدعاء، وأبو يعلى في "مسنده" (٣٣٣٤)، وابن خزيمة في "صحيحه" (١٤٢٣)، وأبو عوانة في "المُستخرَج" (٢٤٩٥)، وابن حبَّان في "صحيحه" (٢٨٥٨)، والطبرانيُّ في "الدعاء" (٢١٨٢/ ٣)، والبيهقي في "الكبرى" (٦٤٣٢)، مِنْ طُرُقٍ عن عُبيد الله بن عُمر العُمَريّ.
- ومسلمٌ في "صحيحه" (٨٩٧/ ٦) ك/الاستسقاء، ب/ الدُّعَاءِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، والطبرانيُّ في "الدعاء" (٢١٨٢/ ٤)، مِنْ طريق جعفر بن سُليمان.
خمستهم عن ثَابِتٍ - وحده -، عَنْ أَنَسٍ، بنحوه، مختصرًا، ومُطولاً.
وقال البَزَّار: ولم يَرْوِ هذا الحديثَ عن يُونُس إلا حَمَّادُ بن زَيْدٍ.
• والبخاري في "صحيحه" (٩٣٣) ك/الجمعة، ب/الاسْتِسْقَاءِ في الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وبرقم (١٠١٣) ك/الاستسقاء، ب/الاستِسْقَاء في المَسْجِدِ الجَامِعِ، وبرقم (١٠١٤) ك/الاستسقاء، ب/الاستِسْقَاءِ في خُطْبَةِ الجُمُعَةِ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِ القِبْلَةِ، وبرقم (١٠١٥) ك/الاستسقاء، ب/الاستِسْقَاءِ على المِنْبَرِ، وبرقم (١٠١٦) ك/الاستسقاء، ب/مَنِ اكْتَفَى بِصَلَاةِ الجُمُعَةِ في الِاسْتِسْقَاءِ، وبرقم (١٠١٧) ك/الاستسقاء، ب/الدُّعَاءِ إِذَا تَقَطَّعَتِ السُّبُلُ مِنْ كَثْرَةِ المَطَرِ، وبرقم (١٠١٨) ك/الاستسقاء، ب/مَا قِيلَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُحَوِّلْ رِدَاءَهُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وبرقم (١٠١٩) ك/الاستسقاء، ب/إِذَا اسْتَشْفَعُوا إلى الإِمَامِ لِيَسْتَسْقِيَ لَهُمْ لَمْ يَرُدَّهُمْ، وبرقم (١٠٢٩) ك/الاستسقاء، ب/رَفْعِ النَّاسِ أَيْدِيَهُمْ مَعَ الإِمَامِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، وبرقم (١٠٣٣) ك/الاستسقاء، ب/مَنْ تَمَطَّرَ في المَطَرِ حَتَّى يَتَحَادَرَ عَلَى لِحْيَتِهِ، وبرقم (٦٠٩٣) ك/الأدب، ب/التَّبَسُّمِ وَالضَّحِكِ، وبرقم (٦٣٤٢) ك/الدعوات، ب/الدُّعَاءِ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِ القِبْلَةِ، ومسلمٌ في "صحيحه" (٨٩٧/ ١،٢،٥) ك/الاستسقاء، ب/ الدُّعَاءِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، مِنْ طُرُقٍ عِدَّة عن أنس بن مالك ﵁، بنحوه، مُطولًا، ومُختصرًا.
ثانيًا: - دراسة الإسناد:
١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوْهَرِيُّ: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠١).
٢) سَعِيدُ بن سُلَيْمان الضَّبِّيُّ، أبو عُثْمَان الواسطيُّ: "ثِقَةٌ مأمونٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠٣).
٣) مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ: "صَدُوقٌ، يُدَلِّسُ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٧٩).
٤) الحَسَنُ بن أبي الحسن البَصْريُّ: "ثِقَةٌ فَقِيهٌ، فَاضِلٌ وَرِعٌ، كثير الإرسال"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٣١).
٥) ثَابت بن أَسْلم البُنَانيُّ: "ثِقَةٌ عابدٌ، صَحِب أنس أربعين سنة"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٨٣).
٦) أنس بن مالك ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ مُكثر"، تقدم في الحديث رقم (١٣).
стр. 1123
ثالثًا: - الحكم على الحديث:
مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبرانيّ "ضَعيفٌ"؛ لأجل مُبَارك بن فضالة، يُدَلِّسُ، ورواه بالعنعنة.
وللحديث طُرُق عِدَّة عن أنس في "الصحيحين" - كما سبق -، يرتقي الحديث بها إلى "الصحيح لغيره".
وقال ابن كثير - بعد أن ذكر الحديث مِنْ وُجُوهٍ كثيرة عن أنس بن مالك ﵁: فَهَذِهِ طُرُقٌ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ لأنها تُفِيدُ الْقَطْعَ عِنْدَ أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ. (١)
رابعًا: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث:
قال المُصَنِّفُ ﵁: لم يَرْوِه عن مُبَارَكٍ، عن الحَسَنِ وثَابِتٍ جَمِيعًا، إلا سَعِيدُ بن سُلَيْمَانَ.
قلتُ: مِمَّا سبق في التخريج يَتَبَيَّنُ صحة كلام المُصَنِّف ﵁، وقد رواه أسد بن موسى، وسهل بن حَمَّاد، كلاهما عن المُبارك، عن الحسن - وحده -، عن أنس بن مالك ﵁، والله أعلم.
خامسًا: - التعليق على الحديث:
قال ابن رجب: هذا الحديث باهرة من آيات النبوة ومعجزاتها.
وفي هذا الحَدِيثِ - بمجموع رواياته - مِنَ الفَوَائِد: جَوَازُ مُكَالَمَةِ الإمام في الخُطْبَةِ لِلحَاجَةِ.
وفيه: القِيَامُ في الخُطْبَةِ، وأنَّها لا تَنْقَطِعُ بالكلام، ولا تَنْقَطِعُ بالمطر. وفيه: قِيَامُ الوَاحِدِ بِأَمْرِ الجَمَاعَةِ، وإنَّما لم يُبَاشِرْ ذلك بَعْضُ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ؛ لأنَّهم كانوا يَسْلُكُونَ الأدب بالتَّسْلِيم، وترك الابتداء بالسُّؤَالِ.
وفيه: إدخال دُعَاءِ الاستسقاء في خُطْبَةِ الجُمُعَةِ، والدُّعَاءُ به على المِنْبَرِ، ولا تحويل فيه، ولا اسْتِقْبَالَ، والاجتزاء بصلاة الجُمُعَةِ عن صلاة الاستِسْقَاء؛ وليس في السِّيَاقِ ما يَدُلُّ على أنَّه نواها مع الجُمُعَةِ.
وفيه: عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ في إِجَابَةِ اللَّهِ دُعَاءَ نَبِيِّهِ ﷺ عَقِبَهُ، أو مَعَهُ، ابْتِدَاءً في الاستسقاء، وانتهاءً في الاستِصْحَاءِ، وامْتِثَالِ السَّحَابِ أمره بِمُجَرَّدِ الإِشَارَةِ. وفيه: الأدبُ في الدُّعَاء؛ حيثُ لَمْ يَدْعُ بِرَفْعِ الْمَطَرِ مُطْلَقًا، لاحتمال الاحتياجِ إلى اسْتِمْرَارِهِ، فاحترز فيه بما يَقْتَضِي رفع الضَّرَر، وإبقاء النَّفْعِ.
ويُسْتَنْبَطُ منه أنَّ مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعْمَةٍ لا يَنْبَغِي له أَنْ يَتَسَخَّطَهَا لعارضٍ يَعْرِضُ فِيهَا، بل يَسْأَلُ اللَّهَ رَفْعَ ذلك العَارِضِ، وإبقاء النِّعْمَةِ. وفيه: أَنَّ الدُّعَاءَ بِرَفْعِ الضَّرَرِ لا يُنَافِي التَّوَكُّلَ، وَإِنْ كان مقام الأفضل التَّفْوِيض؛ لأنَّهُ ﷺ كان عَالِمًا بِمَا وَقَعَ لَهُمْ مِنَ الجَدْبِ، وأخَّر السُّؤَالَ في ذلك تَفْوِيضًا لِرَبِّهِ، ثُمَّ أَجَابَهُمْ إلى الدُّعَاءِ لَمَّا سَأَلُوهُ في ذلك، بَيَانًا لِلْجَوَازِ، وَتَقْرِيرَ السُّنَّةِ في هذه العِبَادَةِ الخَاصَّةِ. وفيه: جَوَازُ الصِّيَاحِ في المَسْجِدِ بِسَبَبِ الحَاجَةِ المُقْتَضِيَةِ لذلك. وفيه: اليَمِينُ لِتَأْكِيدِ الكلام، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذلك جرى على لِسَانِ أَنَسٍ ﵁ بغير قَصْدِ اليَمِينِ. واسْتُدِلَّ به على جَوَازِ الاستسقاء بغير صلاةٍ مَخْصُوصَةٍ. (٢)
* * *
стр. 1124
[١٩٣/ ٥٩٣]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: نا أَبُو بِلالٍ، قَالَ: نا عَدِيُّ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ نَافِعٍ.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلالَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنَّ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَاقْدُرُوا».
* لم يَرْوِ هذا الحديث عن عَدِيِّ بن الفَضْلِ إلا أبو بِلالٍ.
أولاً: - تخريج الحديث:
• أخرجه عبد الرَّزَّاق في "المُصَنَّف" (١٩٤٩٨) - ومِنْ طريقه الخطيب البغدادي في "حديث ابن عمر في ترائي الهلال" (٢٧) -، عَنْ مَعْمَرٍ.
- وأحمد في "مُسْنَده" (٤٤٨٨) - ومِنْ طريقه الخطيب البغدادي في "حديث ابن عمر في ترائي الهلال" (٢٠) -، ومُسْلِمٌ في "صحيحه" (١٠٨٠/ ٥) ك/الصيام، ب/وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَالفِطْرِ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، والبَزَّار في "مُسْنَدِه" (٥٥٨٤)، وابن خزيمة في "صحيحه" (١٩١٨)، وابن حبَّان في "صحيحه" (٣٥٩٣)، والدَّارقُطنيُّ في "سننه" (٢١٦٨)، والبيهقي في "الكبرى" (٧٩٢٣)، والخطيب البغدادي في "حديث ابن عمر في ترائي الهلال" (١٦)، عن إسماعيل بن عُلَيَّة.
- والدَّارميُّ في "مُسْنَدِه" (١٧٣٢)، وأبو داود في "سننه" (٢٣٢٠) ك/الصوم، ب/الشَّهْر يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ - ومِنْ طريقه أبو بكر الجَصَّاص في "أحكام القرآن" (١/ ٢٤٩)، والخطيب البغدادي في "حديث ابن عمر في ترائي الهلال" (١٧) -، والبيهقي في "الكبرى" (٧٩٢٣)، مِنْ طريق حَمَّاد بن زيد.
- والطحاوي في "شرح مُشْكِل الآثار" (٣٧٧٩)، مِنْ طريق عُبَيْد الله بن عَمرو الرَّقيّ.
أربعتهم (مَعْمَر، وإسماعيل، وحمَّاد، وعُبَيْد الله) عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، مُطولًا، ومُختصراً.
• والبخاري في "صحيحه" (١٩٠٦) ك/الصوم، ب/قَوْل النَّبِيّ ﷺ : «إِذَا رَأَيْتُمُ الهِلَالَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا»، ومُسْلِمٌ في "صحيحه" (١٠٨٠/ ١ - ٤،٦) ك/الصيام، ب/وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَالفِطْرِ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، مِنْ طُرُقٍ عن نافع، به.
• والبخاري في "صحيحه" (١٩٠٠) ك/الصوم، ب/هَلْ يُقَالُ رَمَضَانُ أَوْ شَهْرُ رَمَضَانَ، وَمَنْ رَأَى كُلَّهُ وَاسِعًا، وبرقم (١٩٠٧) ك/الصوم، ب/قَوْل النَّبِيّ ﷺ : «إِذَا رَأَيْتُمُ الهِلَالَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا»، ومُسْلِمٌ في "صحيحه" (١٠٨٠/ ٧) ك/الصيام، ب/وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، مِنْ طُرُقٍ عن ابن عُمر، به.
ثانيًا: - دراسة الإسناد:
١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوْهَرِيُّ: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠١).
٢) أَبُو بِلَالٍ بن مُحَمَّدِ بن الحَارِثِ بن عَبْد اللهِ بن أبي بُرْدَة بن أبي مُوسَى الأَشْعَريُّ: "ضَعيفٌ"، وقال ابن حبَّان: يُغرب، ويَتَفَرَّد. تَقَدَّم في الحديث رقم (١٧٤).
стр. 1125
٣) عَدِيُّ بن الفَضْلِ التَّيْمِيُّ، أبو حاتم البَصْرِيُّ، مولى بَنِي تَيْم بن مُرَّة.
روى عن: أيوب السَّختيانيّ، وخالد الحَذَّاء، وداود بن أبي هند، وآخرين.
روى عنه: أبو بلال الأَشْعَرِيُّ، وعبد الوهاب بن عَطَاء الخَفَّاف، وعلي بن الجَعْد، وآخرون.
حاله: قال ابن معين: ليس بشيء، فقيل له: يُكتب حديثه؟ فقال: لا ولا كرامة. وقال أبو حاتم، والنَّسائيُّ، والدَّارقُطنيّ، وابن حجر: متروك الحديث. وقال أبو داود: ليس بشيء، لا يُكتب حديثه. (١)
٤) أَيُّوب بن أَبي تَمِيْمَة، السَّخْتِيَانيُّ: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ مِن كِبَار الفقهاء العُبَّاد"، تقدَّم في الحديث رقم (١٤٠).
٥) نَافع مولى ابن عُمر: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، فَقيهٌ، مَشْهورٌ"، تَقدَّم في الحديث رقم (٢٩).
٦) عبد الله بن عُمر بن الخَطَّاب ﵁: "صحابيٌّ، جَليلٌ، مُكْثرٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٦).
ثالثًا: - الحكم على الحديث:
مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبرانيّ "ضَعيفٌ جدًا"؛ لأجل عديّ بن الفضل "متروك الحديث"، وانفرد به عنه: أبو بلال الأشعري، وهو: "ضَعيفٌ"، وقال ابن حبَّان: يُغرب، ويَتَفَرَّد.
ويُغني عنه الطرق الأخرى عن أيوب السَّختياني، وبعضها في "صحيح مُسلم"، وللحديث أيضًا طُرُق عن نافع، وطُرُق أخرى عن ابن عُمر، وكلها في "الصحيحين" - كما سبق في التخريج -.
شواهد للحديث:
والحديث أخرجه البخاري في "صحيحه" (١٩٠٩) ك/الصوم، ب/قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِذَا رَأَيْتُمُ الهِلَالَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا»، ومسلمٌ في "صحيحه" (١٠٨١) ك/الصيام، ب/وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَالفِطْرِ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلالَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلاثِينَ يَوْمًا».
وعليه، فالحديث بمتابعاته، وشواهده يرتقي إلى "الصحيح لغيره"، والله أعلم.
رابعًا: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث:
قال المُصَنِّفُ ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن عَدِيِّ بن الفَضْلِ إلا أبو بِلالٍ.
قلتُ: مِمَّا سبق في التخريج يَتَبَيَّنُ أنَّ حكم الإمام على الحديث بالتَّفرد صحيحٌ، وهو تَفرد نسبيٌّ؛ ولم أقف على ما يدفعه، والله أعلم. (٢)
* * *
стр. 1126
[١٩٤/ ٥٩٤]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: نا أَبُو بِلالٍ الأَشْعَرِيُّ، قَالَ: نا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ.
عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا زَالَتْ قُرَيْشٌ كَافَّةً عَنِّي، حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ».
* لم يَرْوِ هذا الحديث عن هِشَامِ بن عُرْوَةَ إلا قَيْسٌ، تَفَرَّدَ به: أبو بِلالٍ.
هذا الحديث مَدَاره على هِشَام بن عُروة، واختُلف عنه مِنْ وجهين:
الوجه الأول: هِشَام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة ﵁ (موصولاً).
الوجه الثاني: هِشَام بن عُروة، عن أبيه (مُرْسلاً).
وتفصيل ذلك كالآتي:
أولاً: - الوجه الأول: هِشَام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة (موصولاً).
أ تخريج الوجه الأول:
• أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦٦/ ٣٣٩)، مِنْ طريق إبراهيم بن إسحاق الحربيّ، قال: حدَّثني أبو بلال الأَشْعَريّ، به. وقال ابن عساكر: كذا قال "كافة" بالفاء، والمحفوظ كاعة بالعين.
• والحاكم في "المستدرك" (٤٢٤٣) - ومِنْ طريقه البيهقي في "دلائل النبوة" (٢/ ٣٤٩)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦٦/ ٣٣٩) -، مِنْ طُرُقٍ عن العَبَّاس بن محمد الدُّورِيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بن مَعِينٍ، قال: حدَّثنا عُقْبَةُ المُجَدَّرُ، عن هشام بن عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عَائِشَةَ ﵂، عن النبي ﷺ ، قَالَ:
«مَا زَالَتْ قُرَيْشٌ كَاعَّةٌ عَنِّي، حَتَّى تُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ».
وقال الحاكم: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ على شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ولم يُخَرِّجَاهُ.
وقال ابن عساكر: كذا قالا - أي قيس بن الرَّبيع، وعُقبة المُجَدَّر - عن عائشة، والمحفوظ مرسلٌ.
ب دراسة إسناد الوجه الأول:
١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوْهَرِيُّ: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠١).
٢) أَبُو بِلَالٍ بن مُحَمَّدِ بن الحَارِثِ بن عَبْد اللهِ بن أبي بُرْدَة بن أبي مُوسَى الأَشْعَريُّ: "ضَعيفٌ"، وقال ابن حبَّان: يُغرب، ويَتَفَرَّد. تَقَدَّم في الحديث رقم (١٧٤).
٣) قَيْس بن الربيع الأسدي، أبو محمد الكوفي: "ضَعيفٌ يُعتبر به"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠٦).
٤) هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: "ثِقَةٌ، فقيهٌ، إمامٌ حُجَّةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٧٤).
٥) عُروة بن الزُّبير بن العَوَّام بن خُوَيْلد: "ثِقَةٌ فَقِيهٌ مشهورٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٧٤).
٦) عائشة بنت أبي بكر: "أم المؤمنين، وزوج النبي الكريم ﷺ "، تَقَدَّمت في الحديث رقم (٥).
стр. 1127
ثانيًا: - الوجه الثاني: هِشَام بن عُروة، عن أبيه (مُرْسلاً).
أ تخريج الوجه الثاني:
• أخرجه ابن معين في "تاريخه" - برواية الدُّوريّ - (٣/ ٤٣) - ومِنْ طريقه أبو سُليمان الخَطَّابيُّ في "غريب الحديث" (١/ ١٢٨ - ١٢٩)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦٦/ ٣٣٩) -، قال: حدَّثنا عقبة المُجَدَّر، نا هشام بن عروة، عن أبيه، قال رسول الله ﷺ : «مَا زَالَتْ قُرَيْشٌ كَاعَّة عَنِّي، حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ».
• والبيهقي في "دلائل النبوة" (٢/ ٣٤٩)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦٦/ ٣٣٩)، مِنْ طُرقٍ عن أحمد بن عبد الجَبَّار، قال: حدّثنا يونس بن بُكَيْر، عن هِشَامِ بن عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، بنحوه.
ب دراسة إسناد الوجه الثاني:
١) يحيى بن مَعِين بن عَون، أبو زكريا البغداديّ: "ثِقَةٌ، حافظٌ، مَشْهورٌ، إمام الجرح والتعديل". (١)
٢) عُقْبَةُ بن خالد بن عُقْبة المُجَدَّر: "ثِقَةٌ". (٢)
٣) هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: "ثِقَةٌ، فقيهٌ، إمامٌ حُجَّةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٧٤).
٤) عُروة بن الزُّبير بن العَوَّام بن خُوَيْلد: "ثِقَةٌ فَقِيهٌ مشهورٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٧٤).
ثالثًا: - النظر في الخلاف على هذا الحديث:
مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث مَدَاره على هِشَام بن عُروة، واختُلف عنه مِنْ وجهين:
الوجه الأول: هِشَام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة ﵁ (موصولاً).
الوجه الثاني: هِشَام بن عُروة، عن أبيه (مُرْسلاً).
والذي يَظهر - والله أعلم -، أنَّ الحديث صحيحٌ مِنْ الوجهين مَعًا:
حيث إنَّ الحديث رواه عُقْبة المُجَدَّر، عن هِشَام بن عُروة بالوجهين، مع صحة الإسناد إليه بالوجهين.
بالإضافة إلى أنَّ الحديث أخرجه الحاكم بالوجه الموصول، وقال: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ على شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ولم يُخَرِّجَاهُ؛ وعليه فالوجه الموصول لا يُعلُّ بالوجه المُرْسَل، والله أعلم.
وأمَّا قول ابن عَساكر: كذا قالا - أي قيس بن الرَّبيع، وعُقبة المُجَدَّر - عن عائشة، والمحفوظ مرسلٌ: فَلَعَلَّه بسبب أنَّ عُقبة المُجَدَّر قد تُوبع على الوجه المرسل؛ فتابعه يُونس بن بُكير - كما عند البيهقي في "الدلائل"، وابن عساكر في "تاريخه" -، وإسناده صحيحٌ.
بينما تابعه قيس بن الرَّبيع، عن هشام، بالوجه الموصول - كما في رواية الباب - لكن إسنادها ضَعيفٌ.
قلتُ: لكنَّ عُقْبَة لمَّا رواه بالوجهين معاً، مع ثِقَته، واتحاد المخرج عنه في الوجهين، وصحة الإسناد إليه، دَلَّ ذلك على أنَّ الحديث محفوظٌ عنه بالوجهين، والله أعلم.
стр. 1128
رابعًا: - الحكم على الحديث:
مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ"، لأجل قيس بن الرَّبيع، وأبي بلال الأشعري "ضَعيفَان"، وفيه علَّة أخرى، وهي: قوله في الحديث " كَافَّةً عَنِّي"، فقد خالف فيها قيس بن الربيع ما رواه الثقات عن هِشَام بن عروة، حيث قالوا: "مَا زَالَتْ قُرَيْشٌ كَاعَّة عَنِّي".
لذا قال ابن عساكر: كذا قال - أي أبو بلال الأَشْعريّ - "كافةٌ" بالفاء، والمحفوظ كاعَّةٌ بالعين.
وكاعةٌ: جَمْعُ كَائِعٍ، وهو الجَبَانُ، كما يقال: بائع وباعة، وقائد وقَادةٌ، يريد: أنَّه كان يحوط رسول الله ﷺ ، ويَذُبُّ عَنْه، فكانت قُريْش تَكِيع وتَجْبُن عن أذاه، يقال: كَعَّ الرجلُ عن الأَمر إذا جَبُن وانْقَبَض، أَرَادَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْبُنُون عَنْ أذى النَّبِيِّ ﷺ في حياة أبي طَالِبٍ، فَلَمَّا مَاتَ اجْتَرَأوا عَلَيْهِ. (١)
وقال الهيثميّ: رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه أبو بلال الأشعري وهو ضعيفٌ. (٢)
قلتُ: والحديث أخرجه الحاكم في "المستدرك" بسند صحيح، مِنْ طريق عُقْبَة المُجَدَّر، عن هِشَام بن عروة، عن أبيه، عن عَائِشَةَ ﵂، عن النبي ﷺ ، قَالَ: «مَا زَالَتْ قُرَيْشٌ كَاعَّةٌ عَنِّي، حَتَّى تُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ».
وقال الحاكم: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ على شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ولم يُخَرِّجَاهُ.
فالحديث بهذه المتابعة يرتقي إلى "الصحيح لغيره"، والله أعلم.
وقال الحاكم: تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لمَّا مَاتَ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ لَقِيَ هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ أَذًى مِنَ الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ ابْتُلُوا وَشَطَّتْ بِهِمْ عَشَائِرُهُمْ تَفَرَّقُوا، وَأَشَارَ قِبَلَ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَكَانَتْ أَرْضًا فِيهِ تَرْحَلُ إِلَيْهَا قُرَيْشٌ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ، فَكَانَتْ أُولَى الْهِجْرَةِ فِي الْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ بِالْخُرُوجِ إِلَى النَّجَاشِيِّ لِعَدْلِهِ. (٣)
خامسًا: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث:
قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن هِشَامِ بن عُرْوَةَ إلا قَيْسٌ، تَفَرَّدَ به: أبو بِلالٍ.
قلتُ: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ حكم الإمام على الحديث بالتَّفرد صحيحٌ، لكنَّه مُقَيَّدٌ بقوله في الحديث: " كَافَّةً عَنِّي"، فلم يَروه عن هشام بن عروة بهذا اللفظ إلا قيس بن الربيع، تَفَرَّد به: أبو بلال.
بينما رواه عُقْبَة المُجَدَّر، ويُونس بن بُكير عن هشام بن عروة، بلفظ: "كَاعَّة عَنِّي".
* * *
стр. 1129
[١٩٥/ ٥٩٥]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانٍ، قَالَ: نا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ أَحَبُّ الدُّعَاءِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَدْعُوَ ثَلاثًا.
* لم يَرْوِ هذا الحديث عن أبي إِسْحَاقَ، عن أبي عُبَيْدَةَ إلا زَائِدَةُ، تَفَرَّدَ به: حُسَيْنٌ، وَرَوَاهُ أصحاب أبي إسحاق: عن أبي إِسْحَاقَ، عن عَمْرِو بن مَيْمون (١)، عن عَبْدِ اللَّهَ.
هذا الحديث مَدَاره على أبي إسحاق، واختلف عنه مِنْ أوجهٍ:
الوجه الأول: أبو إسحاق، عن أبي عُبَيْدة، عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁.
الوجه الثاني: أبو إسحاق، عن عَمرو بن مَيْمُون، عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁.
الوجه الثالث: أبو إسحاق، عن عَمرو بن مَيْمُون، عن أبي عُبَيْدة، عن عبد الله بن مسعود ﵁.
وتفصيل ذلك كالآتي:
أولاً: - الوجه الأول: أبو إسحاق، عن أبي عُبَيْدة، عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁.
أ تخريج الوجه الأول:
• لم أقف عليه - على حد بحثي - بهذا الوجه إلا برواية الباب.
ب دراسة إسناد الوجه الأول:
١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوْهَرِيُّ: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠١).
٢) عَبد اللَّهِ بن عُمَر بن مُحَمَّد بن أبان، مُشْكدَانة: "ثِقَةٌ، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٣٣).
٣) الحُسَيْنُ بن عليّ بن الوليد الجُعْفيُّ، مولاهم، الكُوفيُّ المُقْرِئ الزَّاهد، أبو عَبْد اللَّه وأبو محمد.
روى عن: زائدة بن قدامة، وسُلَيْمان الأعمش، والفُضَيل بن عِيَاض، وآخرين.
روى عنه: عبد الله بن عُمر بن أبان، وأحمد بن حَنْبَل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، وآخرون.
حاله: قال ابن معين: ثِقَةٌ. وقال العِجْليّ: ثِقَةٌ، وكان رأسًا في القرآن، صحيح الكتاب، ومِنْ أروى النَّاس عن زائدة. وقال عثمان بن أبي شيبة: بخٍ بخٍ ثِقَةٌ صَدُوقٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وروى له الجماعة. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ عَابِدٌ. فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ، عَابِدٌ، مِنْ أروى النَّاس عن زائدة". (٢)
٤) زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ، أَبُو الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ، الْكُوفِيُّ.
روى عن: أبي إسحاق السَّبِيْعِيّ، وسُليمان الأعمش، وحُميد الطويل، وآخرين.
روى عنه: الحُسين بن عليّ الجُعْفِيُّ، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وأبو نُعيم الفضل بن دُكين، وآخرون.
стр. 1130
حاله: قال العجليُّ، والنَّسائيُّ، والدَّارقُطنيّ: ثِقَةٌ. وقال أبو حاتم: ثِقَةٌ، صاحب سُنَّةٍ. وقال أبو زرعة: صَدُوقٌ، مِنْ أهل العلم. وقال ابن حبَّان: كان مِنْ الحُفَّاظ المُتْقِنِين، ولا يَعُدُّ السماع حَتَّى يسمعهُ ثلاث مَرَّاتٍ، ولا يُحَدِّث أحدًا حَتَّى يَشْهَد عِنْده عدلٌ أنَّه مِنْ أهل السُنَّةٍ. وقال الذهبي، وابن حجر: ثِقَةٌ حُجَّةٌ صاحبُ سُنَّةٍ.
- وقال الإمام أحمد: إذا سمعت الحديث عن زائدة وزُهير، فلا تبال أن لا تسمعه عن غيرهما، إلا حديث أبي إسحاق. وقال أبو داود الطيالسي: ولم يكن زائدة بالأستاذ في حديث أبي إسحاق. (١)
٥) أبو إسحاق عَمرو بن عبد الله، السَّبيعيُّ: "ثِقَةٌ، إمامٌ، عابدٌ، مُكْثِرٌ، مُدَلِّسٌ من الثالثة - فلا بد أن يُصَرِّح بالسماع، إلا أذا كان الراوي عنه شعبة، أو روى هو عن أبي الأحوص -، اختلط بآخرةٍ - فيُقبل حديثه من رواية القدماء عنه، لا المتأخرين -، تَقَدَّم في الحديث رقم (٩).
٦) أبو عُبيدة بن عبد الله بن مسعود: "ثِقَةٌ، لم يَصِح سماعه مِنْ أبيه"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٨).
٧) عبد الله بن مسعودٍ ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٨).
ثانياً: - الوجه الثاني: أبو إسحاق، عن عَمرو بن مَيْمُون، عن عبد الله بن مسعود ﵁.
أ تخريج الوجه الثاني:
• أخرجه الطبراني في "الدعاء" (٥٣)، قال: حدَّثنا عَبْدَانُ بن أحمد، ثنا أحمد بن محمد بن يَحْيَى بن سَعِيدٍ القَطَّانُ، ثنا الحُسَيْنُ بن عَلِيٍّ الجُعْفِيُّ، عن زَائِدَةَ، عن زُهَيْر بن مُعاوية.
- وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (٣٢٥) - ومِنْ طريقه أبو داود في "سننه" (١٥٢٤) ك/الصلاة، ب/في الاستغفار، والبيهقي في "الدعوات الكبير" (٢٦٨) -، والشاشيُّ في "مسنده" (٦٧٨)، عن زُهَيْر بن مُعاوية.
- وأحمد في "مسنده" (٣٧٤٤ و ٣٧٦٩)، والنَّسائيُّ في "الكبرى" (١٠٢١٨) ك/عمل اليوم والليلة، ب/الاقتصار على ثلاث مَرَّاتٍ - ومِنْ طريقه ابن السُّنيّ في "عمل اليوم والليلة" (٣٦٩) -، وأبو يعلى في "مسنده" (٥٢٧٧)، والشاشيُّ في "مسنده" (٦٧٧)، وابن حبَّان في "صحيحه" (٩٢٣)، والطبرانيُّ في "الكبير" (١٠٣١٧)، وفي "الدعاء" (٥١) - ومِنْ طريقه أبو نُعيم في "الحلية" (٤/ ٣٤٧) -، وابن سمعون في "أماليه" (٣٣٩)، وتَمَّام في "فوائده" (الروض/١٦٠٧)، مِنْ طُرُقٍ عن إسرائيل بن يُونس.
- والطبرانيُّ في "الدعاء" (٥٢)، والدَّارقُطني في "العلل" (٥/ ٢٢٨/مسألة ٨٣٨)، عن سُفْيان الثوري.
- وأبو نُعيم في "الحلية" (٤/ ١٥٣ و ٤/ ٣٤٧)، مِنْ طريق زكريا بن أبي زائدة.
أربعتهم (زُهير، وإسرائيل، والثوري، وزكريا)، عن أبي إسحاق، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ أَنْ يَدْعُوَ ثَلاثًا، وَيَسْتَغْفِرَ ثَلاثًا. وعند بعضهم بدون ذكر الاستغفار.
وقال الدَّارقُطني: ورواه شُعْبَةُ، عن أبي إسحاق، عن عَمرو بن مَيْمُون، عن عبد الله - ولم أقف عليه -.
وقال أبو نُعيم في الموضع الأول: رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَزُهَيْرٌ، وَإِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ نَحْوَهُ.
стр. 1131
ب دراسة إسناد الوجه الثاني (بإسناد الإمام أحمد):
١) يَحْيَى بن آدَمَ بن سُلَيْمَان الكُوفيُّ: "ثِقَةٌ، حافظٌ، فاضِلٌ". (١)
٢) إسرائيل بن يُونس: "ثِقَةٌ مُتْقِنٌ، مِنْ أثبت أصحاب أبي إسحاق"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١١١).
٣) أبو إسحاق عَمرو بن عبد الله، السَّبيعيُّ: "ثِقَةٌ، إمامٌ، عابدٌ، مُكْثِرٌ، مُدَلِّسٌ من الثالثة - فلا بد أن يُصَرِّح بالسماع، إلا أذا كان الراوي عنه شعبة، أو روى هو عن أبي الأحوص -، اختلط بآخرةٍ - فيُقبل حديثه من رواية القدماء عنه، لا المتأخرين -، تَقَدَّم في الحديث رقم (٩).
٤) عَمرو بن مَيْمُون الأَوْدِيّ: "ثِقَةٌ، عابدٌ، ومُخَضْرمٌ، مَشْهورٌ". (٢)
٥) عبد الله بن مسعودٍ ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٨).
ثالثًا: - الوجه الثالث: أبو إسحاق، عن عَمرو بن مَيْمُون، عن أبي عُبَيْدة، عن عبد الله ﵁.
أ تخريج الوجه الثالث:
• أخرجه الدَّارقُطني في "العلل" (٥/ ٢٢٨/مسألة ٨٣٨) - مُعَلَّقًا -، فقال - بعد أن ذكر رواية الجماعة بالوجه الثاني -: وخالفهم عبد الكبير بن دينار، فرواه عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عن أبي عبيدة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ وَذَلِكَ وَهْمٌ. وَقِيلَ: عَنْ عَبْدِ الْكَبِيرِ مِثْلَ قَوْلِ شُعْبَةَ وَمَنْ تَابَعَهُ.
ب دراسة إسناد الوجه الثالث:
١) عبد الكبير بن دينار مِنْ أهل مَرو: لم أقف على أحدٍ ترجم له غير ابن حبَّان في "الثقات". (٣)
٢) أبو إسحاق السَّبيعيُّ: "ثِقَةٌ، إمامٌ، عابدٌ، مُكْثِرٌ، مُدَلِّسٌ، مُخْتَلِطٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٩).
٣) عَمرو بن مَيْمُون الأَوْدِيّ: "ثِقَةٌ، عابدٌ، ومُخَضْرمٌ، مَشْهورٌ"، تَقَدَّم في الوجه الثاني.
٤) أبو عُبيدة بن عبد الله بن مسعود: "ثِقَةٌ، لم يَصِح سماعه مِنْ أبيه"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٨).
٥) عبد الله بن مسعودٍ ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٨).
رابعًا: - النظر في الخلاف على هذا الحديث:
مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث مَدَاره على أبي إسحاق، واختلف عنه مِنْ أوجهٍ:
الوجه الأول: أبو إسحاق، عن أبي عُبَيْدة، عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁.
الوجه الثاني: أبو إسحاق، عن عَمرو بن مَيْمُون، عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁.
الوجه الثالث: أبو إسحاق، عن عَمرو بن مَيْمُون، عن أبي عُبَيْدة، عن عبد الله بن مسعود ﵁.
стр. 1132
والذي يَظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الثاني هو الأشبه والأقرب للصواب؛ للقرائن الآتية:
١) الأكثرية، والأحفظية؛ فرواه بالوجه الثاني: شُعبة، والثوري، وإسرائيل، وغيرهم، وهؤلاء مِنْ أثبت النَّاس في أبي إسحاق، ومِمَّن رووا عنه قبل الاختلاط. (١)
٢) والوجه الأول مِنْ رواية زائدة بن قُدامة، وقد اضطرب فيه، فرواه مَرَّة بالوجه الأول، ومَرَّة بالوجه الثاني، وقد تَكَلَّم الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي في روايته عن أبي إسحاق، فَيُرجح مِنْهما ما وافق رواية الجماعة.
٣) وأمَّا الوجه الثالث فرواه عبد الكبير بن دينار، ولم أقف على أحد وثَّقه غير ابن حبَّان، وهو مَرْوَزيٌّ، وليس الحديث بالوجه الثالث معروفًا عند الكوفيين، بالإضافة إلى اضطرابه فيه؛ لذا وَهَّمه الدَّارقُطنيّ.
٤) إخراج ابن حبَّان للوجه الثاني في "صحيحه" - والله أعلم -.
خامسًا: - الحكم على الحديث:
أ الحكم على الحديث بإسناد الطبراني:
مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "شاذٌّ"؛ لأجل زائدة بن قُدامة، تُكُلِّم في روايته عن أبي إسحاق، مع مخالفته لمَا رواه الثِّقات - شُعبة، والثوري، وإسرائيل، وغيرهم -، عن أبي إسحاق.
وفي الحديث عِلَّةٌ أُخرى، وهى "الانقطاع"، فأبو عُبيدة بن عبد الله بن مسعود: "ثِقَةٌ، لم يَصِح سماعه مِنْ أبيه" - على الراجح -، كما سبق في ترجمته - والله أعلم -.
وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه. (٢)
ب الحكم على الحديث مِنْ وجهه الراجح:
ومِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث مِنْ وجهه الراجح - بإسناد الإمام أحمد - "صحيحٌ".
وأمَّا الاختلاط الذي وُصِفَ به أبو إسحاق، فالحديث رواه عنه: إسرائيل بن يُونس، وشعبة، والثوريّ، وهؤلاء مِنْ أَثْبَتِ النَّاس في أبي إسحاق، ومِمَّن رووا عنه قبل الاختلاط، فزال ما نخشاه مِنْ اختلاطه.
وأمَّا التدليس: فَمَدْفُوعٌ برواية شُعبة بن الحَجَّاج - التي أشار إليها الدَّارقُطني، كما في التخريج -، فَيُتَوقَّف في عَنْعَنة أبي إسحاق إلا إذا كان الحديث مِنْ رواية شُعبة بن الحَجَّاج عنه، فالمعروف أنَّه كان لا يحمل عن شيوخه المعروفون بالتدليس إلا ما سمعوه، فقد رُوي عن شُعبة، قال: كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش، وأبو إسحاق، وقتادة - كما سبق في ترجمته -.
قلتُ: والحديث ضَعَّفه الألباني، فقال: ضَعيفٌ … رجاله ثقات؛ غير أن أبا إسحاق كان قد اختلط، ثم هو إلى ذلك مُدَلِّس وقد عنعنه … نعم؛ برواية سفيان الثوري تزول شبهة الاختلاط؛ فإنه مِمَّن سَمِعَ منه قديماً بالاتفاق، وتترجح روايته على رواية إسرائيل، ولا سيما وقد تابعه زُهَيْر، ولكن تبقى العلة الأخرى وهي
стр. 1133
العنعنة، فإن وجد تصريحه بالتحديث أو السماع صحت جملة الدعاء، والله أعلم. (١)
قلتُ: برواية شُعبة بن الحَجَّاج يَزول ما نَخْشَاه مِنْ تدليسه - كما سبق -.
سادسًا: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث:
قال المُصَنِّفُ ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن أبي إِسْحَاقَ، عن أبي عُبَيْدَةَ إلا زَائِدَةُ، تَفَرَّدَ به: حُسَيْنٌ، وَرَوَاهُ أصحاب أبي إسحاق: عن أبي إِسْحَاقَ، عن عَمْرِو بن مَيْمون، عن عَبْدِ اللَّهَ.
قلتُ: ومِمَّا سبق في التخريج، وبيان الخلاف على أبي إسحاق، يَتَبَيَّن صحة كلام المُصَنِّف ﵁.
* * *
стр. 1134
[١٩٦/ ٥٩٦]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - أَخُو أَبِي مَعْمَرٍ -، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْوَاسِطِيُّ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَجَازَ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ (١).
* لم يَرْوِ هذا الحديث عن الأَعْمَشِ إلا مُحَمَّدُ بن عَبْدِ المَلِكِ.
أولاً: - تخريج الحديث:
• أخرجه الدَّارقُطنيّ في "سننه" (٤٥٥٦)، والبيهقي في "الكبرى" (٢٠٥٤٢)، مِنْ طُرُقٍ عن أحمد بن القاسم، به. وقال الدَّارقُطنيُّ، والبيهقيُّ: محمد بن عَبْدِ المَلِكِ لم يَسْمَعْهُ مِنَ الأَعْمَشِ، بَيْنَهُمَا رَجُلٌ مَجْهُولٌ.
• بينما أخرجه الدَّارقُطني في "سننه" (٤٥٥٧) - ومِنْ طريقه البيهقيُّ في "الكبرى" (٢٠٥٤٣)، والخطيب البغداديُّ في "تاريخ بغداد" (١٦/ ٥٨٠) -، مِنْ طُرُقٍ عن وَهْبِ بن بَقِيَّةَ، قال: نا محمد بن عَبْدِ المَلِكِ، عن أبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَدَائِنِيِّ، عن الأَعْمَشِ، عن أبي وَائِلٍ، عن حُذَيْفَةَ ﵁، به.
وقال البيهقي: قال الدَّارَقُطْنِيُّ: أبو عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَدَائِنِيُّ رَجُلٌ مَجْهُولٌ. وقال الخطيب البغداديُّ: رَوَاهُ محمد بن إبراهيم أخو أبي مَعْمَرٍ القَطِيعِيُّ، عن محمد بن عَبْدِ المَلِكِ، وهو الوَاسِطِيُّ، عن الأَعْمَشِ، ولم يَذْكُرْ بَيْنَهُمَا أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَدَائِنِيَّ. وقال البيهقي: وهذا لا يَصح. (٢)
ثانيًا: - دراسة الإسناد:
١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوْهَرِيُّ: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠١).
٢) محمد بن إبراهيم، أبو بكر القَطِيْعِيُّ: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠١).
٣) مُحَمَّد بن عَبد المَلِك الواسطي الكبير، كنيته أَبُو إسماعيل.
روى عن: إِسْمَاعِيل بن أبي خالد، والحسن بن عُبَيد الله، ويحيى ابن أبي كثير، وآخرين.
روى عنه: مُحَمَّد بن أبان، ووهب بن بقية - الواسطيان -، وأبو بكر القطيعيُّ، وآخرون.
حاله: قال ابن حبَّان: يُعْتَبر حَدِيثه إِذا بَيَّن السَّمَاع في رِوَايَتِه؛ فَإِنَّهُ كَانَ مُدَلِّسًا، يُخطئ. وقال الذهبيّ: مُدَلِّسٌ، قاله ابن حبان. وذكره ابن حجر في المرتبة الثالثة مِنْ مراتب المُدَلِّسين. وفي "التقريب": مقبولٌ. (٣)
٤) سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ الأَعْمَشُ: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، لكنَّه يُدلس، فيُتوقف في عنعنته، إلا في شيوخه الذين أكثر الرواية عنهم، أو كان الراوي عنه شُعبة، أو حفص بن غياثٍ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٢٩).
٥) شقيق بن سلمة، أَبُو وائل الأسدي.
روى عن: حذيفة بْن اليمان، وعَبْد اللَّهِ بن مسعود، وأبي سَعِيد الخُدْرِيّ ﵃، وآخرين.
стр. 1135
روى عنه: سُلَيْمان الأعمش، وعَمْرو بن مُرَّة، ومنصور بن المُعْتَمِر، وآخرون.
حاله: قال وكيعٌ: ثِقَةٌ. وقال ابن معين: ثِقَةٌ، لا يُسأل عنه. وقال البخاريُّ، وابن حبَّان: أدرك النَّبيَّ ﷺ ، ولم يَسْمَع منه. وقال العجلي: ثِقَةٌ، صَالِحٌ جاهليٌّ. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ مُخضرم. وروى له الجماعة. (١)
٦) حُذَيْفَة بن اليَمَان: "صحابيٌّ جليلٌ، مِنْ كبار أصحاب النَّبيّ ﷺ "، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٢٩).
ثالثًا: - الحكم على الحديث:
مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ"؛ لأجل محمد بن عبد الملك الواسطي ذكره ابن حبَّان وحده في "الثِّقات"، وقال: يُخطئ، ومع ذلك فهو مُدَلِّسٌ، لا يُقبل مِنْ حديثه إلا ما بَيَّن فيه السَّماع؛ لذا ذكره ابن حجر في المرتبة الثالثة، وقال في "التقريب": مقبولٌ.
والحديث أخرجه الدَّارقُطني - كما سبق في التخريج -، مُبَيّنًا الواسطة بين محمد بن عبد الملك والأعمش، فأخرجه مِنْ طريق آخر عن وَهْبِ بن بَقِيَّةَ، قال: نا محمد بن عَبْدِ المَلِكِ، عن أبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَدَائِنِيِّ، عن الأَعْمَشِ، عن أبي وَائِلٍ، عن حُذَيْفَةَ ﵁، به.
وأبو عبد الرحمن المدائني هذا، قال عنه الدَّارقُطني، والبيهقي: مجهولٌ. وقال البيهقي: وهذا لا يَصِحُّ.
قلتُ: وأمَّا تدليس الأعمش: فالحديث رواه الأعمش عن أبي وائل، وهو مِنْ شيوخه الذين أكثر الرواية عنهم، فلا يُتوقَّف في عنعنته - كما سبق تفصيل ذلك في ترجمته -، والله أعلم.
وقال ابن عبد الهادي: حديث حذيفة لم يخرِّجوه، وهو حديثٌ باطلٌ لا أصل له. (٢)
وقال الذهبي: إسناده واهٍ … ورواه الدَّارقُطنيّ وَوَهَّاه. (٣)
وقال الهيثميُّ: رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه من لم أعرفه. (٤)
وقال الألبانيُّ: ضَعيفٌ. (٥)
شواهد للحديث:
لم أقف - على حد بحثي - عن شاهدٍ له مرفوعًا إلى النَّبيّ ﷺ ، وهناك بعض الأخبار الموقوفة عن بعض الصحابة ﵃، مِنْ أمثلها:
• ما أخرجه عبد الرَّزَّاق في "المُصَنَّف" (١٣٩٨٦)، عن سُفْيَان الثوريّ؛ والدَّارقُطني في "سننه" (٤٥٥٨)، مِنْ طريق أبان بن تَغْلِبَ؛ والبيهقي في "الكبرى" (٢٠٥٤٤)، مِنْ طريق سَعِيد بن مَنْصُورٍ، قال: ثنا أَبُو
стр. 1136
عَوَانَةَ، وَهُشَيْمٌ؛ أربعتهم (الثوريّ، وأبان، وأبو عوانة، وهُشَيم) عن جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بن نُجَيٍّ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قال: «شَهَادَةُ الْقَابِلَةِ جَائِزَةٌ عَلَى الاسْتِهْلالِ». زَادَ أَبُو عَوَانَةَ: "وَحْدَهَا".
وقال البيهقي: هذا لا يَصِحُّ، جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ مَتْرُوكٌ، وَعَبْدُ اللهِ بن نُجَيٍّ فيه نَظَرٌ. ثُمَّ قال البيهقيّ: وَرَوَاهُ سُوَيْدُ بن عَبْدِ الْعَزِيزِ، عن غَيْلَانَ بن جَامِعٍ، عن عطاء بن أبي مَرْوَانَ، عن أَبِيهِ، عن عَلِيٍّ، وَسُوَيْدٌ هذا ضَعِيفٌ. وقال إِسْحَاقُ الحَنْظَلِيُّ: لَوْ صَحَّتْ شَهَادَةُ القَابِلَةِ عن عَلِيٍّ ﵁ لَقُلْنَا بِهِ، ولكن في إِسْنَادِهِ خَلَلٌ. وقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: لو ثَبَتَ عن عَلِيٍّ ﷺ صِرْنَا إِلَيْهِ - إِنْ شَاءَ اللهُ -، لَكِنَّهُ لا يَثْبُتُ عِنْدَكُمْ، ولا عِنْدَنَا.
قلتُ: وفيه جابر بن يزيد بن الحارث الجُعْفِيّ: "ضَعيفٌ رافضيٌّ". (١)
رابعًا: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث:
قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن الأَعْمَشِ إلا مُحَمَّدُ بن عَبْدِ المَلِكِ.
قلتُ: بل رواه أبو عبد الرحمن المدائني عن الأعمش، أخرجه الدَّارقُطني - كما سبق في التخريج -.
* * *
стр. 1137
[١٩٧/ ٥٩٧]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: نا يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمٍ.
عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: لَمَّا أَرَادَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الخُرُوجَ إِلَى الْعِرَاقِ، قَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ:
لا تَخْرُجْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَاخْتَارَ الآخِرَةَ، وَإِنَّكَ لَنْ تَنَالَهَا أَنْتَ، ولا أَحَدٌ مِنْ وَلَدِكَ.
فَلَمَّا أَبَى إلا الخُرُوجَ، قَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: أَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ مِنْ مَقْتُولٍ.
* لم يَرْوِ هذا الحديث عن الشَّعْبِيِّ إلا يَحْيَى بن إِسْمَاعِيلَ بن سَالِمٍ، ولا رَوَاهُ عن يَحْيَى بن إِسْمَاعِيلَ إلا سَعِيدُ بن سُلَيْمَانَ، وَشَبَابَةُ بن سَوَّارٍ.
أولاً: - تخريج الحديث:
• أخرجه أبو عليّ الصَوَّاف في "فوائده" (٥١)، والطبرانيُّ في "الكبير" (١٣/ ٦٩/برقم ١٣٦٩٩)، وأبو نُعيم في "الحلية" (٤/ ٣٣١)، عن أحمد بن يحيى الحُلْوانِيّ، ثنا سعيد بن سُلَيمان، به، مُختصرًا، بلفظ: خُيِّر رسولُ الله ﷺ بين الدُّنيا والآخِرَة؛ فاختارَ الآخِرَة. وقال أبو نُعيم: غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ، تَفَرَّدَ بِهِ يَحْيَى.
• وابن أبي عاصم في "الزهد" (٢٦٧)، وأبو سعيد بن الأعرابي في "معجمه" (٢٤٠٩) - ومِنْ طريقه الآجري في "الشريعة" (١٦٦٨)، والخطابي في "العزلة" (١٣)، والبيهقي في "الكبرى" (١٣٣٢٠)، وفي "الشعب" (١٤٥١)، وابن عساكر في "تاريخه" (٤/ ١٢٦ و ١٤/ ٢٠٢) -، وابن حبَّان في "صحيحه" (٦٩٦٨)، والبيهقي في "الدلائل" (٦/ ٤٧٠) - ومِنْ طريقه ابن عساكر في "تاريخه" (١٤/ ٢٠١)، وابن العديم في "تاريخ حلب" (٦/ ٢٦٠٣) -، مِنْ طُرُقٍ عن شَبَابة بن سَوَّار، عن يحيى بن إسماعيل، بنحوه.
• والطيالسيُّ في "مسنده" - كما في "البداية والنهاية" لابن كثير (٩/ ٢٤٠) -، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٤/ ٢٠١)، عن الحسن بن قتيبة، كلاهما (أبو داود، والحسن) عن يحيى بن إسماعيل، بنحوه.
ثانيًا: - دراسة الإسناد:
١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوْهَرِيُّ: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠١).
٢) سَعِيدُ بن سُلَيْمان الضَّبِّيُّ، أبو عُثْمَان الواسطيُّ: "ثِقَةٌ مأمونٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠٣).
٣) يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمٍ الأَسَدِيُّ.
روى عن: الشَّعبيّ، وأبيه إسماعيل بن سالم.
روى عنه: سعيد بن سُلَيْمان، وأبو داود الطَّيَالسيّ، وشَبَابة بن سَوَّار.
حاله: ذكره البخاري، وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. وجعله ابن حبَّان راويان، فذكره في "الثقات" في طبقة أتباع التابعين، وقال: يروي عن: الشّعبِيّ، روى عَنْهُ: شَبَابه بن سَوَّار؛ ثُمَّ أعاد ذكره في طبقة الآخذين عن أتباع التابعين، وقال: يروي عن: أَبِيه، روى عنه: سعيد بن سُلَيْمَان الوَاسِطِيّ. ولم يُفَرِّق
стр. 1138
بينهما غيره. فالحاصل: أنَّه "صدوقٌ"، فقد وروى عنه جمعٌ مِنْ الثقات، ولم أقف فيه على جرح. (١)
٤) عامر بن شَراحيل الشَّعْبي: "ثقةٌ فقيهٌ مَشْهورٌ فاضلٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (٧٢).
٥) عبد الله بن عُمر بن الخَطَّاب: "صحابيٌّ، جَليلٌ، مُكْثرٌ"، تَقدَّم في الحديث (٦).
ثالثًا: - الحكم على الحديث:
مِمَّا سَبَق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبرانيّ "حسنٌ"؛ لأجل يحيى بن إسماعيل الأسديّ، ذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وروى عنه جماعةٌ مِنْ الثقات، والله أعلم.
وقال الهيثميُّ: رواه البزار، والطبراني في "الأوسط"، ورجال البزار ثقات. (٢)
وقال الهيثميُّ - بعد أن ذكر المتن بلفظه في "المعجم الكبير" -: رواه الطبراني، وإسناده حسن. (٣)
رابعًا: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث:
قال المُصَنِّفُ ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن الشَّعْبِيِّ إلا يَحْيَى بن إِسْمَاعِيلَ بن سَالِمٍ، ولا رَوَاهُ عن يَحْيَى بن إِسْمَاعِيلَ إلا سَعِيدُ بن سُلَيْمَانَ، وَشَبَابَةُ بن سَوَّارٍ.
قلتُ: أمَّا قوله: لم يَرْوِه عن الشَّعْبِيِّ إلا يَحْيَى بن إِسْمَاعِيلَ بن سَالِمٍ: فبمراجعة التخريج يَتَبَيَّنُ صحة كلام المُصَنِّف ﵁، وقد وافقه على ذلك الإمام أبو نُعيم، فقال: غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ، تَفَرَّدَ بِهِ يَحْيَى.
وأمَّا قوله: ولا رَوَاهُ عن يَحْيَى بن إِسْمَاعِيلَ إلا سَعِيدُ بن سُلَيْمَانَ، وَشَبَابَةُ بن سَوَّارٍ: فغير مُسَلَّم له في ذلك، بل هو مُنْخَرِمٌ بمتابعة أبي داود الطيالسي، والحسن بن قُتيبة لهما عن يحيى بن إسماعيل، والله أعلم.
خامسًا: - التعليق على الحديث:
قال ابن كثير: هذا الكلامُ الحَسَنُ الصَّحِيحُ المُتَوَجِّهُ المَعْقُولُ مِنْ هذا الصَّحَابِيِّ الجليل، يَقْتَضِي أنَّه لا يَلِي الخلافة أَحَدٌ مِنْ أهل البَيْتِ إلا محمد بن عَبْدِ اللَّهِ المَهْدِيَّ، الذي يكون في آخِرِ الزَّمَانِ وَقْتَ نُزُولِ عِيسَى بن مَرْيَمَ مِنَ السَّمَاءِ إلى الأرضِ. (٤)
* * *
* لم يُرْوَ هذا الحديث عن أَنَسٍ إلا بهذا الإسنادِ، تَفَرَّدَ بِهِ: بَقِيَّةُ.
أولاً: - تخريج الحديث:
• ذكره ابن حجر في "المطالب العالية" (١١/ ٨٦٧/برقم ٢٧٢٢)، بإسناد المُصَنِّف، ومتنه، وقوله.
• وأخرجه البخاري في "الضعفاء" - كما في "الميزان" (٤/ ١٣٩)، و"تهذيب التهذيب" (١٠/ ٢٢٠) -، وابن أبي الدنيا في "مداراة الناس" (١١٣)، عن داود بن رُشَيْد، به.
وذكره الذهبي، وابن حجر في ترجمة مُعاوية بن يحيى الصَّدَفيّ، ووقع عندهما: سُلَيْمان بن سُلَيْم.
• والطبراني في "الأوسط" (٩٤٥٨)، عن سَلْمِ بن قَادم، وابن عديّ في "الكامل" (٨/ ١٤٢) - في ترجمة مُعاوية بن يحيى الأطرابُلْسيّ -، عن عُمر بن عُثْمان، كلاهما (سلم، وعُمر) عن بَقِيَّة بن الوليد، به.
وقال الطبرانيُّ: لا يُرْوَى هذا الحديثُ عن أَنَسٍ إلا بهذا الإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِهِ بَقِيَّةُ.
وقال أبو سعد عبد الملك بن محمد الخركوشي: ومعاوية بن يحيى المذكور هو الأطرابلسي، الدمشقي لا الصدفي. (١) وقال ابن القيسراني: رَوَاهُ مُعَاوِيَة بن يحيى الأطرابلسي، عَن سُلَيْمَان بن مُسلم، عَن أنس. (٢)
• بينما أخرجه ابن أبي الدُنيا في "مدارة النَّاس" (١١٥)، عن داود بن رُشَيْد؛ وأبو عبد الله القضاعي في "مسند الشهاب" (٢٤)، مِنْ طريق أبو التقي هشام بن عبد الملك؛ كلاهما (داود، وهشام) عن بَقِيَّةِ بن الوَلِيدِ، عن الوَلِيدِ بن كَامِلٍ البَجَلِيِّ، عن نَصْرِ بن عَلْقَمَةَ الحَضْرَمِيِّ، عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عَائِذٍ الأَزْدِيِّ، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ مِنَ الْحَزْمِ أَنْ تَتَّهِمَ النَّاسَ». واللفظ لابن أبي الدنيا.
• وأبو الفضل الهروي في "المعجم في مشتبه أسامي المحدثين" (ص/٣٣)، وتَمَّام بن محمد في "فوائده" (الروض/١١٦٧)، مِنْ طُرُقٍ عن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد المَقْدِسِيّ، عن عبد الله بن الوليد العدنيّ، عن إبراهيم بن طَهْمَان، عن أبان، عن أنس، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ «احْتَرِسُوا مِنَ النَّاسِ بِسُوءِ الظَّنِّ».
ثانيًا: - دراسة الإسناد:
١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوْهَرِيُّ: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠١).
٢) دَاوُد بن رُشَيْد الهاشِميُّ: "ثِقَةٌ نبيلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١١٦).
٣) بَقِيَّةُ بن الوليد الكَلاعيُّ، أبو يُحْمِد الحمصيُّ: "ثِقَةٌ إذا روى عن الثقات - خاصةً مِنْ الشاميين -، بشرط أن يُصَرِّح بالسماع في كل طبقات الإسناد؛ لأنَّه كان يُدلس تدليس التسوية - بشرط أنَّ يكون التصريح بالسماع محفوظاً عنه، كما سبق بيانه -، وأمَّا إذا روى عن الضعفاء - خاصة مِنْ أهل الحجاز والعراق - فلا يُحيج بحديثه صَرَّح أو لم يُصَرِّح، ولا يُحتمل تَفَرُّده، فلا يُحتج بما تَفَرَّد به؛ تقدَّم في الحديث رقم (٢٦).
стр. 1141
٤) مُعَاوِيَةُ بْنُ يَحْيَى، أَبُو مُطِيعٍ الأَطْرَابُلُسِيُّ، ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ.
روى عن: سُلَيْمَان بن مُسْلِم، وسُليمان بن سُليم، ومحمد بن عجلان، وآخرين.
روى عنه: بَقِيَّةُ بن الوليد، وهِشَام بن عَمَّار، والوليد بن مُسْلِم، وآخرون.
حاله: قال ابن معين، ودُحيم، وأبو داود، والنَّسائيُّ: ليس به بأسٌ. وزاد ابن معين: وهو أقوى مِنْ الصَّدَفيّ. وقال أبو حاتم: صدوقٌ مُستقيم الحديث. وقال أبو زرعة، وأبو عليّ النَّيسابوريُّ، وهشام بن عَمَّار، وجزرة: ثِقَةٌ. وقال ابن عدي: في بعض رواياته ما لا يُتَابَعُ عليه. وقال البغويُّ، والدَّارقُطنيّ: ضَعيفٌ. وزاد الدَّارقُطني: هو أكثر مَنَاكِيرَ مِنَ الصَّدَفِيِّ. وقال الذهبي: لَهُ غَرَائِبُ وَأَفْرَادٌ. وقال ابن حجر: صدوقٌ له أوهام.
فالحاصل: أنَّه "صدوقٌ حسن الحديث"، فقد وثَّقه جماعة، وضَعَّفَه آخرون لبعض أوهامه. (١)
٥) سُليمان بن مُسلم، يروي عن: أنس بن مالك ﵁، وروى عنه: مُعاوية بن يحيى.
حاله: لم أعرفه، ولم أقف له على ترجمة، ولم يعرفه كذلك المحقق الفاضل لـ"مجمع البحرين".
قلتُ: وفي الرواة سُلَيْمان بن مُسْلِم مؤذن مسجد ثابت البناني: قال فيه العُقَيْليُّ - بعد أن ذكر له حديثًا عن ثابت عن أنسٍ ﵁: لا يُتابع على حديثه، ولا يُعْرَف إلا به. (٢)
وسليمان بن مسلم الخَشَّاب: يروي عن سُليمان التَّيْميّ، وقال ابن حبَّان: لا تحل الرواية عنه إلا على سبيل الاعتبار. وقال ابن عدي: قليل الحديث، وَهو شبه المجهول ولم أر للمتقدمين فيه كلامًا، ومقدار ما يرويه لا يتابع عليه، وذكر له حديثان، وقال: هذان مُنْكران جدًا. وقال الذهبي: هما موضوعان في نقدي. (٣)
وأمَّا سُليمان بن سُليم، فهو: أبو سلمة الكنانيّ الكَلْبيّ، وذكره ابن معين، وغيره في تابعي أهل الشام.
روى عن: لم أقف على رواية له عن أنس ﵁، ولم يذكره أحدٌ في شيوخه، وإنَّما روى عن: الزُّهري، وزيد بن أسلم، وآخرين. روى عنه: مُعاوية الأطرابلسيّ، وبَقيّةُ بن الوليد، وإسماعيل بن عَيَّاش، وآخرون.
حاله: قال ابن معين، وأحمد، وأبو حاتم، وأبو داود، والدَّارقُطنيُّ: ثِقَةٌ. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ عابدٌ. (٤)
٦) أنس بن مالك ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ مُكثر"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٣).
ثالثًا: - الحكم على الحديث:
مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبرانيّ "ضَعيفٌ"؛ فيه بَقِيَّةُ بن الوليد يُدَلِّس، وقد رواه بالعنعنة، وسُلَيْمان بن مُسلم لم أعرفه - على حد بحثي -، فإنْ كان هو سُليمان بن سُلَيْم فهو ثِقَةٌ، لكن يبقي ثبوت سماعه مِنْ أنس بن مالك ﵁، والذي يغلب على ظني عدم ثبوت سماعه منه، فلم يذكره أحدٌ في شيوخه، ولم
стр. 1142
أقف على رواية له عن أنس ﵁، وأغلب شيوخه في التابعين.
وقال الهيثمي: رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه بقية بن الوليد، وهو مدلس، وبقية رجاله ثقاتٌ. (١)
قلتُ: وهذا يَدُل على أنَّه اعتبر مُعاوية بن يحيى الأطرابُلسيّ، وسُليمان بن سُليم، وليس بن مُسْلم.
وقال الحافظ ابن حجر: أخرجه الطَّبَرَانِيُّ في "الأَوْسَطِ" مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ، وهو مِنْ رِوَايَةِ بَقِيَّةَ بِالعَنْعَنَةِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بن يَحْيَى، وهو ضَعِيفٌ، فَلَهُ عِلَّتَانِ؛ وَصَحَّ مِنْ قَوْلِ مُطرف التَّابِعِيّ الْكَبِير، أخرجه مُسَدّد. (٢)
وذكره السيوطي، وعزاه إلى الطبرانيّ في "الأوسط"، وابن عدي في "الكامل"، ورمز له بالضعف. (٣)
وقال الألباني: ضَعيفٌ جدًا، وأعلَّه بمعاوية بن يحيى، وقال: هو الصدفيّ، وهو ضَعيفٌ جدًا، ثُمَّ أعله بنكارة المتن - وسيأتي بإذن الله بيان ذلك، وتفصيله، والجواب عنه -. (٤)
قلتُ: واضطرب فيه بَقِيَّةُ بن الوليد، فروي عنه مِنْ وجهٍ آخر - كما سبق في التخريج -، عن الوَلِيدِ بن كَامِلٍ البَجَلِيِّ، عن نَصْرِ بن عَلْقَمَةَ الحَضْرَمِيِّ، عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عَائِذٍ الأَزْدِيِّ، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ مِنَ الْحَزْمِ أَنْ تَتَّهِمَ النَّاسَ». وفيه: الوليد بن كامل: قال البخاري: عنده عجائب. وقال أبو حاتم: شيخٌ. وقال ابن حبَّان: يروي المَرَاسِيل والمقاطيع. وقال ابن حجر: لَيِّنُ الحديث. (٥)
وأمَّا عبد الرحمن بن عائذ: فقال أبو حاتم: روى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرسلاً، ولا صحبة له، هو من التابعين. وقال الذهبيُّ: يُقَالُ: لَهُ صُحْبَةٌ، وَلا يَصِحُّ. وقال ابن حجر: وَهِمَ مَنْ ذكره في الصحابة. (٦)
قلتُ: والحديث بهذا الوجه ذكره الذهبيُّ في ترجمة الوليد بن كامل، وقال: مُرْسلٌ. (٧)
وذكره أيضًا العلائي، وقال: قال أبو حاتم: هو مُرْسَلٌ، ليست لابن عائذ صحبةٌ، بل هو مِنْ التَّابعين. (٨)
متابعات للحديث:
• والحديث أخرجه أبو الفضل الهروي في "معجم المحدثين" (ص/٣٣)، وتَمَّام في "فوائده" (الروض/١١٦٧)، مِنْ طُرُقٍ عن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد المَقْدِسِيّ، عن عبد الله بن الوليد العدنيّ، عن إبراهيم بن طَهْمَان، عن أبان، عن أنس، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ «احْتَرِسُوا مِنَ النَّاسِ بِسُوءِ الظَّنِّ».
стр. 1143
قلتُ: وفيه إسماعيل بن أبي خالد: "مجهول الحال". (١)
وأمَّا أبان الراوي عن أنس بن مالك ﵁: هل هو أبان بن صالح بن عُمَير القرشيّ، أم أبان بن أبي عَيَّاش البَصْريّ؟ فكلاهما يروي عن أنس بن مالك ﵁؛ والأقرب إلى الصواب - والله أعلم - أنَّه أبان بن أبي عَيَّاش: لكون إبراهيم بن طَهْمَان تُوفي سنة ثمان وستين بعد المئة. (٢) وأبان بن صالح تُوفي سنة مئة وبضعة عشر. (٣) وأمَّا أبان بن أبي عَيَّاش فمُتَوفَّي في حدود مئة وأربعين مِنْ الهجرة، وأبان هذا "متروكٌ". (٤)
قلتُ: وهذا هو ما ذهب إليه السخاوي ﵁، في "المقاصد الحسنة"، فبَيَّن أنَّه أبان بن أبي عَيَّاش. (٥)
شواهد للحديث:
• وللحديث شاهدٌ مِنْ حديث ابن عبَّاس ﵄: أخرجه تَمَّام بن محمد في "فوائده" (الروض/١١٦٨) - ومِنْ طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٥٧/ ١٢٦) -، قال: حدَّثني أبو محمد بن عبد الله بن جعفر الرَّازي، حدَّثني أبو العبَّاس محمود بن محمَّد بن الفَضْلِ الرَّافِقِيُّ، حدَّثني أبو عبد اللَّهِ أحمد بن أبي غَنَائِمٍ الرَّافِقِيُّ، ثنا محمد بن يوسف الفِرْيَابِيُّ، عن الأَوْزَاعِيِّ، عن حَسَّانَ بن عَطِيَّةَ، عن طَاوُسٍ، عن ابن عَبَّاسٍ، عن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ حَسَّنَ ظَنَّهُ بِالنَّاسِ كَثُرَتْ نَدَامَتُهُ».
قلتُ: وفي إسناده محمود بن محمد بن الفضل الرَّافِقِيّ المُقْرِئ الأديب "مجهول الحال". (٦)
وأبو عبد الله أحمد بن أبي الغنائم الرَّافقي: لم أجد له ترجمة، ولم أقف له إلا على هذا الحديث.
- وأخرجه ابن أبي الدنيا في "مداراة الناس" (١١٤)، قال: حَدَّثَنِي أَبِي ﵀، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، عَمَّنْ أَخْبَرَهُ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ مِنَ الْحَزْمِ سُوءُ الظَّنِّ بِالنَّاسِ».
رجاله ثِقَاتٌ، إلا أنَّه مُرْسَلٌ، ومُنْقَطِعٌ.
- بينما أخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٧/ ١٣١)، قال: قَالَ: أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ بن نُصَيْر، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بن مِهْرَان، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: "احترسوا مِنَ النَّاسِ بِسُوءِ الظَّنِّ".
• والحديث قد رُوي موقوفًا، ومقطوعاً:
- فأخرجه ابن شبة في "تاريخ المدينة" (٣/ ٨٠١)، وأبو نُعيم في "تاريخ أصبهان" (٢/ ٢٢٠)، مِنْ طريقين
стр. 1144
عن فَرَجِ بن فَضَالَةَ، قال: حدَّثنا عَمَرو بن شُرَحْبيل، قال: قال عُمَرُ ﵁: «إِنَّ مِنَ الْحَزْمِ سُوءَ الظَّنِّ بِالنَّاسِ».
قلتُ: وفيه فَرَجُ بن فَضَالة "ضَعيفٌ". (١)
- والحديث عزاه السخاوي إلى أبي الشيخ، ومِنْ طريقه الديلمي في "مسنده"، عن عليّ بن أبي طالب ﵁، من قوله: "الحَزْمُ سُوُءُ الظَّنِّ". (٢)
وقال الألباني في "السلسلة الضعيفة": ثم رأيت الحديث في "مسند الفردوس" للديلمي (ص/١٠٩/مصورة الجامعة)، فإذا فيه - مع وقفه - هشام بن محمد بن السائب الكلبي، وهو متروكٌ. (٣)
- وأخرجه أحمد في "الزهد" (١٣٥٤)، وأبو نُعيم في "الحلية" (٢/ ٢١٠)، والبيهقي في "الكبرى" (٢٠٤١٦) - ومِنْ طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٥٨/ ٣٣٠) -، مِنْ طُرُقٍ عن مَهْدِيّ بن مَيْمُونٍ، ثنا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: قَالَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بن الشِّخِّير: " احْتَرِسُوا مِنَ النَّاسِ بِسُوءِ الظَّنِّ ".
وقال البيهقي: وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مَرْفُوعًا، وَالْحَذَرُ مِنْ أَمْثَالِهِ سُنَّةٌ متَّبَعَةٌ.
وذكره الحافظ ابن حجر في "الفتح"، وعزاه لمُسَدد، وصَحَّحَهُ. (٤)
• فالحديث بمجموع طرقه، وشواهده يتقوى بعضها ببعضٍ، ويرتقي إلى "الحسن لغيره".
قال السخاوي - بعد أن ذكر جملة مِنْ طرقه، شواهده -: وكلها ضعيفة، وبعضها يتقوى ببعض، وقد أفردته في جزء. (٥) وقال الصنعانيُّ: وكُلُّ طُرُقِهِ ضَعِيفَةٌ، وَبَعْضُهَا يُقَوِّي بَعْضًا، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهَا أَصْلًا. (٦)
• دفع التعارض عن الحديث:
أنكر البعض هذا الحديث لكونه يتعارض في الظاهر مع قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (٧)، ولما صَحَّ عن النَّبيّ ﷺ في الأمر بإحسان الظن في التعامل مع النَّاس:
فقال الألباني ﵁: إن الحديث منكر عندي؛ لمخالفته للأحاديث التي يأمر النبي ﷺ فيها المسلمين بأن لا يُسيئوا الظن بإخوانهم، منها قوله ﷺ : "إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ" (٨)؛ ثُمَّ إنه لا يمكن التعامل مع الناس
стр. 1145
على أساس سوء الظن بهم، فكيف يعقل أن يأمر ﷺ أمته أن يتعاملوا على هذا الأساس الباطل؟!
قلتُ: وأجاب بعض أهل العلم عن هذا التعارض، بعدة أجوبة، كالآتي:
- قال أبو سعد الخركوشي: أنكر بعضهم الحديث لمخالفته عندهم الأمر النبوي بحسن الظن بالمسلم، والحقيقة أنه لا يعارض ذلك لأن أمر المؤمن العاقل وسط، يعقل ويتوكل لا يفعل واحدا دون الاخر، يتوكل مع أخذ الحذر والحيطة، يتقدم تارة عزما، ويتأخر حزما تارة أخرى. (١)
- وقال المناوي: ولا يعارض هذا خبر: "إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ"؛ لأنَّه فيمن تحقق حسن سريرته وأمانته، والأول فيمن ظهر منه الخِدَاع والمكر والخيانة، والقرينة تغلب أحد الطرفين؛ فمن ظهرت عليه قرينة سوء يستعمل معه سوء الظن، وفيه تحذير مِنْ التَغَفُّل، وإشارة إلى استعمال الفطنة، فإن كل إنسان لا بد له من عدو بل أعداء يأخذ حذره منهم؛ قال بعض العارفين: هذه حالة كل موجود، لا بد له من عدو وصديق، بل هذه حالة سارية في الحق والخلق، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (٢)، فهم عبيده، وهم أعداؤه، فكيف حال العبيد بعضهم مع بعض، بما فيهم من التنافس والتباغض والتحاسد والتحاقد؟. (٣)
- وقال العجلوني: ويجاب بحمل الحديث: على أهل التهمة ونحوهم، والآية ونحوها على خلافهم. (٤)
- وقال الصنعانيّ: قَسَّمَ الزَّمَخْشَرِيُّ الظَّنَّ إلى واجبٍ، ومَنْدُوبٍ، وحرامٍ، ومُبَاحٍ، فالواجبُ: حُسْنُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ، والحرامُ سُوءُ الظَّنِّ بِهِ تَعَالَى، وبكلِّ مَنْ ظَاهِرُهُ العدالة مِنْ المُسْلِمِينَ، وهو المراد بقوله ﷺ : «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ»، والمندوب حُسْنُ الظَّنِّ بِمَنْ ظاهره العَدَالَةُ مِنْ المُسْلِمِينَ … وَمِنْ الجائز: سُوءُ الظَّنِّ بِمَنْ اُشْتُهِرَ بَيْنَ النَّاسِ بِمُخَالَطَةِ الرّيبِ، والمُجَاهِرَةِ بالخبائث فلا يَحْرُمُ سُوءُ الظَّنِّ به؛ لأنَّه قد دَلَّ على نَفْسِهِ، وَمَنْ سَتَرَ على نفسه لَمْ يُظَنَّ به إلا خَيْرًا، وَمَنْ دَخَلَ في مداخل السُّوءِ اتُّهِمَ، وَمَنْ هَتَكَ نَفْسَهُ ظَنَنَّا به السُّوءَ، والذي يُمَيِّزُ الظُّنُونَ التي يَجِبُ اجْتِنَابُهَا عما سِوَاهَا: أَنَّ كُلَّ ما لا تُعْرَفُ له أَمَارَةُ صَحِيحَةُ وَسَبَبٌ ظَاهِرٌ كان حَرَامًا واجب الاجْتِنَابِ، وذلك إذا كان المَظْنُونُ به مِمَّنْ شُوهِدَ مِنْهُ السَّتْرُ والصَّلَاحُ، وَمَنْ عُرِفَتْ مِنْهُ الأَمَانَةُ في الظَّاهِرِ فَظَنُّ الفَسَادِ، والخيانة به مُحَرَّمٌ، بخلاف مَنْ اُشْتُهِرَ بَيْنَ النَّاسِ بِتَعَاطِي الرّيبِ فَنُقَابِلُهُ بِعَكْسِ ذَلِكَ. (٥)
- وقال الشيخ أبو يعقوب إسحاق بن محمد النَّهْرَجُورِيّ في قوله ﷺ «احترسوا من النّاس بسوء الظّنّ»: فقال: بسوء الظن في أنفسكم بأنفسكم، لا بالناس. (٦)
стр. 1146
- وقال الإمام السخاوي: وقد أفردته في جزء، وأوردت فيه الجمع بينه، وبين قوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ (١) وما أشبهها مما هو في الحديث. (٢)
رابعًا: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث:
قال المُصَنِّفُ ﵁: لم يُرْوَ هذا الحديث عن أَنَسٍ إلا بهذا الإسنادِ، تَفَرَّدَ بِهِ: بَقِيَّةُ.
قلتُ: بل أخرجه أبو الفضل الهروي في "المعجم في مشتبه أسامي المحدثين" (ص/٣٣)، وتَمَّام بن محمد في "فوائده" (الروض/١١٦٧)، مِنْ طُرُقٍ عن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد المَقْدِسِيّ، عن عبد الله بن الوليد العدنيّ، عن إبراهيم بن طَهْمَان، عن أبان، عن أنس بن مالك ﵁، به.
لكن الإسناد فيه أبان بن أبي عَيَّاش، وهو "متروك الحديث" - كما سبق بيانه -.
* * *
стр. 1147
[١٩٩/ ٥٩٩]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: نا مُحْرِزُ بْنُ عَوْنٍ، وَالْفَضْلُ بْنُ غَانِمٍ، قَالا: نا حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ … عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مَكْحُولٍ.
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلاثٌ، وَأَكْثَرُهُ عَشْرٌ».
* لم يَرْوِ هذا الحديث عن مَكْحُولٍ إلا العَلاءُ.
أولاً: - تخريج الحديث:
• أخرجه الطبراني في "الكبير" (٧٥٨٦)، وفي "الشاميين" (١٥١٥ و ٣٤٢٠)، قال: حدَّثنا أحمد بن بَشِيرٍ الطَّيَالِسِيُّ، ثنا الفضل بن غَانِمٍ، ثنا حَسَّانُ بن إبراهيم، عن عَبْدِ المَلِكِ، عن العَلَاءِ بن الحَارِثِ، عن مَكْحُولٍ، به، فجعله عن العلاء بن الحارث، وليس ابن كثير. وفي "الشاميين": عبد الملك الحِنَّائيّ. (١)
• وأخرجه ابن حبَّان في "المجروحين" (٢/ ١٨٢)، مِنْ طريق إسحاق بن شاهين، وابن عدي في "الكامل" (٣/ ٢٥٥)، مِنْ طريق سويد بن سعيد، والدَّارقُطني في "سننه" (٨٤٥)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١٥٥٤)، وفي "معرفة السنن والآثار" (٢٢٦٥)، مِنْ طريق عَمرو بن عَوْنٍ؛ والدَّارقُطني في "السنن الكبرى" (٨٤٦)، مِنْ طريق إبراهيم بن مهديّ المِصِّيصِيّ - ومِنْ طريقه ابن الجوزي في "التحقيق في مسائل الخلاف" (١/ ٣٦٧/برقم ٣٣٤)، وفي "العلل المتناهية" (٦٤٢) -؛ أربعتهم عن حَسَّانِ بن إبراهيم الكِرْمَانِيّ، قال: أنا عَبْدُ المَلِكِ، عن العَلَاءِ، قال: سَمِعْتُ مَكْحُولًا، يَقُولُ عن أبي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ، قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا يَكُونُ الحَيْضُ لِلْجَارِيَةِ البِكْر وَالثَّيِّبِ الَّتِي قَدْ أَيِسَتْ مِنَ الْحَيْضِ أَقَلَّ مِنْ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ولا أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ، فَإِذَا رَأَتِ الدَّمَ أَكْثَر مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ، فَإذا زَادَت عَلَى أَيَّامِ أَقْرَائِهَا قَضَتْ، وَدَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ فَاتِرٌ تَعْلُوهُ حُمْرَةٌ، وَدَمُ الْمُسْتَحَاضَةِ أَصْفَرُ رَقِيقٌ تَعْلوه صُفْرَةٌ، فَإِنْ
стр. 1148
غَلَبَهَا فَلْتَحْتَشِي كُرْسُفًا، فَإِنْ غَلَبَهَا فَلْتُعْلِيهَا بِأُخْرَى، فَإِنْ غَلَبَهَا فِي الصَّلاةِ فلا تَقْطَعِ الصَّلاةَ وَإِنْ قَطَرَ، ويأتيها زوجها وتصوم».
وعند ابن حِبَّان: عبدُ الملك بن عُمير. وتَعَقَّبه الدَّارقُطني، فقال: قَوْلُهُ في هَذَا الإِسْنَادِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ وَهْمٌ؛ حسان بن إبراهيم لم يسمع من عبد الملك بن عُمَيْر، وعبد الملك بن عُمَيْر لا يُحَدِّث عَن العلاء بن كثير، وَإِنَّمَا هُوَ عبد الملك رجلٌ مَجْهُولٌ، غير مَنْسُوبٍ، ولا مَعْرُوفٍ، وَهُوَ بلية الحَدِيث. (١)
وعند ابن عدي، قال: رجلٌ مِنْ أهل الكوفة.
والحديث أخرجه ابن حبَّان في ترجمة العلاء بن كثير، وقال: وهو الذي روى عن مَكْحُولٍ عن أبي أُمامة هذا الحديث؛ ثُمَّ قال: والعلاء بن كثير كان مِمَّن يَروي الموضوعات عن الأثبات لا يحل الاحتجاج بما روى وإن وافق فيها الثقات؛ ومِنْ أصحابنا مَنْ زعم أنَّه العلاء بن الحارث، وليس كذلك؛ لأنَّ العلاء بن الحارث حضرميٌّ مِنْ اليمن، وهذا من موالي بني أمية، وذاك صدوقٌ، وهذا ليس بشيء في الحديث.
بينما أخرجه ابن عدي في ترجمة حسَّان بن إبراهيم، وقال: له حديثٌ كثيرٌ … ولم أجد له أنكر مِمَّا ذكرته مِنْ هذه الأحاديث، وحَسَّان عندي مِنْ أهل الصدق، إلا أنَّه يغلط في الشيء … وهو عِنْدي لا بأس به.
وقال الدَّارقُطنيّ - وتبعه البيهقي، وابن الجوزي، وابن عبد الهادي (٢)، والزيلعي (٣) -: وَعَبْدُ الْمَلِكِ هَذَا رَجُلٌ مَجْهُولٌ، وَالعَلَاءُ هُوَ ابنُ كَثِيرٍ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ، وَمَكْحُولٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي أُمَامَةَ شَيْئًا. وقال البيهقي: إسناده ضَعيفٌ، وروينا عن البخاري، قال: العلاء بن كثيرٍ عن مكحولٍ مُنْكرُ الحديث، وقال الإمام أحمد: ورُوي ذلك مِنْ أوجهٍ أُخر كُلّها ضعيفةٌ. ونقل ابنُ الجوزي كلامَ الدَّارقُطني، وزاد عليه قول ابن حبَّان في العلاء بن كثير، ثُمَّ قال: وقال أحمد: العلاء بن كثير ليس بشيء. وقال أبو زرعة: واهي الحديث.
• وأخرجه ابن حبَّان في "المجروحين" (١/ ٣٣٣)، وابن عدي في "الكامل" (٤/ ٢٢٤)، مِنْ طريق سُليمان بن عَمرو، عن يَزيد بن جابر، عن مكحولٍ، عن أبي أمامة، بنحوه.
وقال ابن حبَّان: سُليمان بن عَمرو أبو داود النَّخعي كان رجلًا صالحًا في الظاهر، إلا أنه كان يضع الحديث وضعًا، وكان قدريًا لا تحل كتابة حديثه إلا على جهة الاختبار، ولا ذكره إلا من طريق الاعتبار. (٤)
• وأخرجه الدَّارقُطني في "سننه" (٨٤٧)، قال: حدَّثنا أبو حَامِدٍ محمَّدُ بن هَارُونَ، نا محمَّد بن أحمد بن أَنَسٍ الشَّامِيُّ، ثنا حَمَّادُ بن المِنْهَالِ البَصْرِيُّ، عن محمَّد بن رَاشِدٍ، عن مَكْحُولٍ، عن وَاثِلَةَ بن الأَسْقَعِ ﵁، قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ، وَأَكْثَرَهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ».
وقال الدَّارقُطني: حمَّادُ بن مِنْهَالٍ مَجْهُولٌ، ومحمَّدُ بن أحمد بن أنسٍ ضَعِيفٌ.
стр. 1149
ثانياً: - دراسة الإسناد:
١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوْهَرِيُّ: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠١).
٢) مُحْرِزُ بن عَوْنٍ بن أبي عَوْن الهِلاليُّ، أبو الفضل البغداديُّ.
روى عن: حسَّان بن إبراهيم الكرماني، ومالك بن أنس، وعبد الله بن المبارك، وآخرين.
روى عنه: أحمد بن القاسم، وأحمد بن علي الأَبَّار، وأحمد بن حنبل، وابن معين، ومُسْلمٌ، وآخرون.
حاله: قال ابن معين: ثقةٌ، ليس به بأس. وقال ابن سعد: ثِقَةٌ ثَبْتٌ. وقال صالح بن محمد الأسدي، وابن قانع: ثِقَةٌ. وقال النَّسَائيُّ: ليس به بأسٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال ابن حجر: صدوقٌ.
والحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ"، فقد وثَّقه جمعٌ، واحتج به مُسْلمٌ في "صحيحه"، ولم أقف فيه على جرحٍ. (١)
٣) الفَضْلُ بن غَانِم، أبو عليّ الخُزَاعِيُّ، المَرْوَزِيُّ، سكن بغداد.
روى عن: حَسَّان بن إبراهيم، ومالك بن أنس، وسليمان بن بلال، وآخرين.
روى عنه: أحمد بن أبي خَيْثَمة، وأبو القاسم البغويُّ، وأحمد بن القاسم، وآخرون.
حاله: قال أحمد: مَنْ يَقْبل عنه حديثًا؟! قال ابن أبي حاتم: يعني من يكتب عنه. وقال ابن معين: ضَعيفٌ ليس بشيء. وقال الدَّارقُطنيّ: ليس بالقويّ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". فالحاصل: أنَّه "ضَعيفٌ". (٢)
٤) حَسَّان بن إِبْرَاهِيم بن عَبد اللَّه الكِرْمَانِيُّ، أَبُو هِشَام العَنَزِيُّ، قاضي كِرْمَان.
روى عن: عبد الملك، رجل من أهل الكوفة، وسُفْيَان الثوريّ، ويونس بن يزيد الأيليُّ، وآخرين.
روى عنه: مُحْرِز بن عون، والفضل بن غانم، وعليّ بن المدينيّ، وسعيد بن مَنْصور، وآخرون.
حاله: قال أحمد، وأبو زرعة: لا بأس به. وزاد أحمد: وحديثه حديث أهل الصدق. وقال ابن معين، والدَّارقُطنيّ، والذهبي في "الكاشف": ثِقَةٌ. وقال ابن معين أيضًا: ليس به بأسٌ إذا حدَّث عن ثِقَةٍ. وقال ابن حبَّان: رُبَّما أخطأ. وَاسْتَنْكَرَ له أحمد غير حَدِيثٍ. وقال ابن عدي: حدث بأفرادات كثيرة، وهو من أهل الصدق إلا أنه يغلط. وقال النَّسائيُّ: ليس بالقوي. وروى له البُخَارِيّ، ومسلم، وأبو داود.
وقال الذهبيُّ في "من تُكلم فيه وهو موثَّق": صدوقٌ. وقال ابن حجر في " مقدمة الفتح ": له في الصحيح أحاديث يسيرة تُوبع عليها. وفي "التقريب": صدوقٌ يُخطئ.
والحاصل: أنَّه "صدوقٌ"، فقد وثَّقه الأئمة، ولعلَّ مَنْ تَكَلَّم فيه بسبب بعض أوهامه، وأفراداته. (٣)
стр. 1150
٥) عبد الملك رجلٌ مِنْ الكوفة. روى عن: العلاء بن كثير. روى عنه: حَسَّان بن إبراهيم، وقتادة.
حاله: قال الدَّارقطني: عبد الملك هذا رجلٌ مَجْهولٌ. (١)
٦) العَلاءُ بن كَثِيرٍ الليْثِيُّ، أبو سَعْدٍ الشَّامِيُّ الدِّمَشْقِيُّ، مولى بني أمية، سكن الكوفة.
روى عن: مكحول الشامي، وأَبي الدَّرْدَاء مُرْسلاً.
روى عنه: عَبْدُ المَلِك شيخٌ من الكوفة، وسُلَيْمان بن عَمْرو النخعيُّ، وعَنْبَسة بن عبد الرحمن، وآخرون.
حاله: قال ابن معين، وأحمد: ليس حديثه بشيء، وليس بشيء. وقال ابن المديني: ضَعيفُ الحديث جدًا. وقال البخاري: العلاء بن كثير، عن مكحولٍ مُنْكرُ الحديث. وقال أبو حاتم: ضَعيفُ الحديث، مُنْكرُ الحديث، لا يُعرفُ بالشام. وقال أبو زرعة: ضَعيفُ الحديث، واهي الحديث، يُحَدِّثُ عن مَكْحولٍ عن واثلة بمناكير. وقال النَّسائي: ضَعيفٌ. وقال أيضًا: متروك الحديث. وقال ابن حبَّان: كان مِمَّن يَروي الموضوعات عن الأثبات، لا يحل الاحتجاج بما روى وإن وافق فيها الثقات. وقال ابن عدي: وللعلاء بن كَثِيرٍ عن مَكْحُولٍ عن الصحابة عن النَّبِيِّ ﷺ نُسَخٌ كلها غير محفوظةٍ، وهو مُنْكَر الحديث. وقال الأزدي: ساقِطٌ لا يُكتب حديثه. وقال ابن حجر في "اللسان": تالفٌ. وفي "التقريب": متروكٌ. (٢)
٧) مكحول الشاميُّ، أَبُو عَبْد اللَّه، ويُقال: أبو أيوب. والمحفوظ أَبُو عَبْد اللَّهِ، الدِّمَشْقِيُّ الفقيه.
روى عن: النَّبِيّ ﷺ مُرْسلاً، وواثلة بن الأسقع، وأبي أُمامة ﵃، وآخرين.
روى عنه: العلاء بن كثير، والعلاء بن الحارث، والزُّهريّ، ومحمد بن الوليد الزُّبَيْديّ، وآخرون.
حاله: قال العِجْليُّ: ثِقَةٌ. وقال أبو حاتم: ما أعلم بالشام أفقه مِنْ مَكْحُولٍ.
وقال ابن معين: ليس يُثَبِّتونه في رواية أبي أُمامة. وقال أبو حاتم: لا يصح لمكحولٍ سماع مِنْ أبي أُمامة. وقال أبو سعيد بن يُونس: كان فقيهًا عالمًا، رأى أبا أُمامة الباهليّ، وأنس بن مالك، وسمع واثلة بن الأسقع. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ، فَقِيهٌ، كثير الإرسال. (٣)
٨) أبو أمامة صُدَي بن عَجْلان البَاهِلِيُّ: "صَحَابِيٌّ جَليلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٣).
ثالثًا: - الحكم على الحديث:
مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ جدًا"؛ لأجل العلاء بن كثير "متروك الحديث"، وفيه أيضًا: عبد الملك رجل مِنْ أهل الكوفة "مجهولٌ". ومكحولٌ لم يَسمع مِنْ أبي أُمامة. (٤)
стр. 1151
والحدث عن أبي أمامة ذكره الهيثمي، وقال: رواه الطبراني في "الكبير"، و"الأوسط"، وفيه: عبد الملك الكوفي عن العلاء بن كثير، لا ندري من هو. (١)
قلتُ: ولم يُفَرِّق الهيثميّ بين إسناد الطبراني في "الكبير"، و"الأوسط"، ففي "الكبير" العلاء بن الحارث، وفي "الأوسط" العلاء بن كثير - كما سبق بيانه -؛ والعلاء بن كثير "متروكٌ" - سبقت ترجمته -.
وذكره السيوطي عن أبي أمامة، وعزاه إلى الطبراني في "الكبير"، ورمز له بالضعف. (٢)
وقال الإمام أحمد: ورُوي ذلك مِنْ أوجهٍ أُخر كُلّها ضعيفةٌ.
وقال ابن حِبَّان - كما سبق -: العلاء بن كثير كان مِمَّن يَروي الموضوعات عن الأثبات لا يحل الاحتجاج بما روى وإن وافق فيها الثقات.
وقال ابن عدي: وللعلاء بن كَثِيرٍ عن مَكْحُولٍ عن الصحابة عن النَّبِيِّ ﷺ نُسَخٌ كلها غير محفوظةٍ.
وقال الدَّارقُطنيّ - وتبعه البيهقي، وابن الجوزي، وابن عبد الهادي، والزيلعي -: وَعَبْدُ الْمَلِكِ هَذَا رَجُلٌ مَجْهُولٌ، وَالعَلَاءُ هُوَ ابنُ كَثِيرٍ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ، وَمَكْحُولٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي أُمَامَةَ شَيْئًا.
وقال الدَّارقُطني أيضًا: وعبد الملك رجلٌ مَجْهُولٌ، غير مَنْسُوبٍ، ولا مَعْرُوفٍ، وَهُوَ بلية الحَدِيث.
وقال البيهقي: وَقَدْ رُوِيَ فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ وَأَكْثَرِهِ أَحَادِيثُ ضِعَافٌ قَدْ بَيَّنْتُ ضَعْفَهَا فِي الْخِلَافِيَّاتِ. (٣)
وقال ابن رجب: المرفوع كله باطل لا يصح، وكذلك الموقوف طرقه واهية، وقد طعن فيها الأئمة. (٤)
وقال ابن تيمية: هذا حديثٌ بَاطِلٌ، بَلْ هُوَ كَذِبٌ مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الحَدِيثِ … فَهُمْ يَقُولُونَ: لَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ولا عَنْ أَصْحَابِهِ في هذا شَيْءٌ، والمرجعُ في ذلك إلى العادة. (٥)
وقال ابن القيم: تقدير أقل الحَيْضِ بِثَلاثَةِ أَيَّامٍ وَأَكْثَرُهُ بِعَشَرَةٍ ليس فيها شيءٌ صَحِيحٌ بل كله باطلٌ. (٦)
وتعقَّبه المُلا علي القاري، فقال: وَله طرق مُتعَدِّدَة رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ وَالْعُقَيْلِيُّ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَتَعَدُّدُ الطُّرُقِ وَلَوْ ضَعُفَتْ يُرَقِّي الْحَدِيثَ إِلَى الْحسن فالحكم بِالْوَضْعِ عَلَيْهِ لَا يُستحسن. (٧)
وقال بدر الدين العيني - بعد أن ذكر طُرُق الحديث، وأقوال العلماء في تضعيفها -: قد شهد لمذهبنا عدة
стр. 1152
أحاديث من عدة عن الصحابة من طرق مختلفة كثيرة يشد بعضها بعضاً، وإن كان كل واحد ضعيفاً، لكن يحدث عند الاجتماع ما لا يحدث عند الانفراد، على أن بعض طرقها صحيحة!! وذلك يكفي للاحتجاج. (١)
وقال ابن الهَمَام - بعد أن ذكر الحديث بطرقه وشواهده -: فَهَذِهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مُتَعَدِّدَةُ الطُّرُقِ، وَذَلِكَ يَرْفَعُ الضَّعِيفَ إلَى الْحَسَنِ، وَالْمُقَدَّرَاتُ الشَّرْعِيَّةُ مِمَّا لَا تُدْرَكُ بِالرَّأْيِ، فَالْمَوْقُوفُ فِيمَا حُكْمُهُ الرَّفْعُ، بَلْ تَسْكُنُ النَّفْسُ بِكَثْرَةِ مَا رَوَى فِيهِ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إلَى أَنَّ الْمَرْفُوعَ مِمَّا أَجَادَ فِيهِ ذَلِكَ الرَّاوِي الضَّعِيفُ؛ وَبِالْجُمْلَةِ فَلَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ. (٢)
قلتُ: ومِنْ المقرر عند أهل هذا الفن أن ليس كل ضَعيفٍ يصلح للاعتبار (٣)، كما هو الحال في حديث الباب، فجميع طُرُقه تدور بين متروكٍ أو مُتَّهمٍ، لذا أنكره غير واحدٍ مِنْ أهل العلم، والله أعلم.
وقال الألباني: مُنْكَرٌ. (٤)
قلتُ: والحديث مع شدة ضعف راويه فهو مُخالفٌ لمَا صَحَّ عن النَّبي ﷺ :
أخرج البخاري ومُسْلمٌ في "صحيحيهما" عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ، كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ، فَدَعِي الصَّلَاةَ وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي». (٥)
وأخرج الإمام مالك، والبخاري - تعليقًا -، قال: وَكُنَّ نِسَاءٌ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ بِالدّرَجَةِ (٦) فِيهَا الكُرْسُفُ فِيهِ
стр. 1153
الصُّفْرَةُ، فَتَقُولُ: لا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ القَصَّةَ البَيْضَاءَ، تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الحَيْضَةِ. (١)
رابعًا: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث:
قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن مَكْحُولٍ إلا العَلاءُ.
قلتُ: بل أخرجه ابن حبَّان في "المجروحين"، وابن عدي في "الكامل"، مِنْ طريق سُليمان بن عَمرو، عن يَزيد بن جابر، عن مكحولٍ، عن أبي أمامة، بنحوه. لكن أعلَّه ابن حبَّان بسليمان بن عمرو أبي داود النَّخعيّ، واتَّهمه بالوضع - كما سبق بيانه في التخريج -، والله أعلم.
* * *
стр. 1154
[٢٠٠/ ٦٠٠]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: نا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَبَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ.
عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «يُوشِكُ الرَّجُلُ أَنْ يهمَّهُ (١) مَنْ أَنْ (٢) يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ مِنْهُ، فلا يَجِدْهُ».
* لم يَرْوِ هذا الحديث عن مُبَارَكٍ إلا سَعِيدٌ.
أولاً: - تخريج الحديث:
• أخرجه البخاري في "صحيحه" (١٤١٣) ك/الزكاة، ب/الصدقة قبل الرد، مِنْ طريق سَعْدَان بن بِشْر، قال: حدَّثنا أبو مجاهد سَعْد الطائيّ، حدَّثنا مُحِلُّ بن خَلِيفَةَ الطَّائِيُّ، قال: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ ﵁، يقول: وذكره مُطولاً، وفيه: فَإِنَّ السَّاعَةَ لا تَقُومُ، حَتَّى يَطُوفَ أَحَدُكُمْ بِصَدَقَتِهِ، لا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا مِنْهُ … الحديث.
• وأخرجه البخاري في "صحيحه" (٣٥٩٥) ك/المناقب، ب/علامات النبوة في الإسلام، مِنْ طريق إسرائيل بن يُونس، أخبرنا سَعْدٌ الطَّائِيُّ، أخبرنا مُحِلُّ بن خَلِيفَةَ، عن عَدِيِّ بن حَاتِمٍ، قَالَ: وذكره بنحو الرواية السابقة، وفيه: وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتُفْتَحَنَّ كُنُوزُ كِسْرَى، قُلْتُ: كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ؟ قَالَ: كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ، لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ فلا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ مِنْهُ … الحديث.
ثانيًا: - دراسة الإسناد:
١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوْهَرِيُّ: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠١).
٢) سَعِيدُ بن سُلَيْمان الضَّبِّيُّ، أبو عُثْمَان الواسطيُّ: "ثِقَةٌ مأمونٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠٣).
٣) مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ: "صَدُوقٌ، يُدَلِّسُ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٧٩).
٤) مُحَمَّد بن سيرين: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ عابدٌ، كبير القدر، كان لا يَرى الرواية بالمعنى"، تَقَدَّم في رقم (١٣١).
٥) بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْمُزَنِيُّ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ.
روى عن: عدي بن حاتم، وأنس بن مالكٍ، وابن عُمر، وابن عبَّاس ﵃، وآخرين.
روى عنه: مُبَارك بن فَضَالة، وقتادة، وحُميد الطويل، وآخرون.
حاله: قال ابن معين، والعِجْليُّ، والنَّسائيُّ: ثِقَةٌ. وقال أبو زُرْعة: ثِقَةٌ مأمونٌ. وقال ابن حِبَّان: كان عابدًا فاضلًا، وكان أبوه مِنْ الصحابة. وقال الذهبيُّ: ثِقَةٌ إمامٌ. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، جليلٌ. وروى له
стр. 1155
الجماعةُ. وقال ابن المديني، وغيره: مات سنة ١٠٦ هـ. (١)
٦) عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ، أبو طريف الطائي، ويكنى أبا وهب.
روى عن: النَّبِي ﷺ ، وعن عُمَر بن الخطاب ﵁.
روى عنه: محمد بن سيرين، وأَبُو عُبَيدة بن حذيفة بن اليمان، وعامر الشَّعْبيّ، وآخرون.
وفد على النَّبِيّ ﷺ في شَعْبَانَ سَنَةَ سَبْعٍ، فَأَكْرَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، واحترمه، وَكَانَ سَيِّدُ قَوْمِهِ؛ وثبت على إسلامه في الرِّدَّة، وأحضر صدقة قومه إلى أبي بكر ﵁. ومات سنة ٦٨ هـ. (٢)
ثالثًا: - الحكم على الحديث:
مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبرانيّ "ضَعيفٌ"؛ فيه: مُبارك بن فَضَالة "يُدَلِّسُ"، وقد عنعنه.
والحديثُ أخرجه البخاريُّ في "صحيحه"، فيرتقي بمتابعاته إلى "الصحيح لغيره"، والله أعلم.
رابعًا: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث:
قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن مُبَارَكٍ إلا سَعِيدٌ.
قلتُ: ومِمَّا سبق في التخريج يَتَّضح صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁، وهو تَفَرُّدٌ نِسْبيُّ، والله أعلم.
* * *
стр. 1156
[٢٠١/ ٦٠١]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاهِبِ الحَارِثِيُّ، قَالَ: نا مُسْلِمُ بنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ (١)، عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ».
* لم يَرْوِ هذا الحديثَ عن هِشَامٍ، عن أبيه، عن عبد اللَّهِ بنِ عَمْرٍو إلا مُسْلِمٌ.
هذا الحديث مداره على هِشَام بن عُرْوَة، واختلف عليه مِنْ أوجه:
الوجه الأول: هِشَام بن عُرْوة، عن أبيه، عن عبد الله بن عَمرو ﵁.
الوجه الثاني: هِشَام بن عُرْوة، عن أبيه (مُرْسلاً).
الوجه الثالث: هِشَام بن عُرْوة، عن أبيه، عن عائشة ﵂.
الوجه الرابع: هِشَام بن عُرْوة، عن عُبَيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، عن جابر بن عبد الله ﵁.
الوجه الخامس: هِشَام بن عُرْوة، عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله ﵁.
الوجه السادس: هِشَام بن عُرْوة، عن أبيه، عن سعيد بن زيد ﵁.
وتفصيل ذلك كالآتي:
أولاً: - الوجه الأول: هِشَام بن عُرْوة، عن أبيه، عن عبد الله بن عَمرو ﵁.
أ تخريج الوجه الأول:
• لم أقف عليه بهذا الوجه إلا برواية الباب، وذكره الزيلعيُّ في "نصب الرَّاية" (٤/ ٢٨٩)، قال: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ في "معجمه الوسط"، قال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن القَاسِمِ بن مُسَاوِرٍ، ثنا مُحَمَّدُ بن عَبْدِ الوَاهِبِ الحَارِثِيُّ، ثنا مُسْلِمُ بن خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ، عن هِشَامِ بن عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بن عَمْرٍو مَرْفُوعًا، وقال: تَفَرَّدَ به مُسْلِمُ ابن خَالِدٍ، عن هِشَامٍ، عن أَبِيهِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بن عَمْرٍو، انْتَهَى.
وقال الهيثمي: رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه مسلم الزَّنجي وَثَّقَهُ ابن معين، وضعفه أحمد وغيره. (٢)
ب دراسة إسناد الوجه الأول:
١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوْهَرِيُّ: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠١).
стр. 1157
٢) محمد بن عبد الواهب بن الزبير، أبو جعفر الحارثيُّ الكوفيُّ.
روى عن: مُسْلِم بن خالد الزَّنْجيّ، ومحمد بن مُسلم الطائفي، ومحمد بن أبان الجعفيُّ، وآخرين.
روى عنه: أحمد بن خُليد، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وأبو القاسم البغويّ، وآخرون.
حاله: قال جزرة، والحاكم: ثِقَةٌ. وقال ابن حبَّان: رُبَّما أخطأ. وقال الدَّارقُطنيّ: ثِقَةٌ، عنده غرائب. (١)
٣) مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، المَكِّيُّ، الْفَقِيهُ أَبُو خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ.
روى عن: هشام بن عُروة، وازُّهريّ، وعَمرو بن دينار، وآخرين.
روى عنه: محمد بن عبد الواهب الحارثيّ، ومَرْوان بن محمد الطاطري، وسُفْيَان الثوريّ، وآخرون.
حاله: قال ابن معين: ثِقَةٌ. وقال أيضًا: ليس به بأسٌ. وقال ابن أبي حاتم: إمامٌ في الفقه والعلم. وقال ابن حبَّان: كان يُخطئ أحيانًا. وقال ابن عدي: حسنٌ الحديث، وأرجو أنَّه لا بأس به.
- وقال البخاري: مُنْكرُ الحديث. وقال ابن المدينيُّ: ليس بشيء. وقال ابن معين أيضًا، وأبو جعفر النُّفيليُّ، وأبو داود، والنَّسائيُّ: ضَعيفٌ. وقال أبو حاتم: ليس بذاك القوى، مُنْكَرُ الحديث، يُكتب حديثه ولا يُحْتَجُّ به، تَعْرِفُ وتُنْكِرُ. وقال السَّاجيُّ: صدوقٌ، كثير الغلط.
- وقال الذهبيُّ في "المغني": إِمَامٌ صَدُوقٌ يَهِمُ. وفي "السير": بعض النُّقاد يُرَقِّي حديث مُسْلِم إلى درجة الحسن. وفي "الميزان": ذكر له جملة مِنْ مناكيره، ثُمَّ قال: فهذه الأحاديث وأمثالها تُرَدُّ بها قُوَّة الرجل ويُضَعَّفُ. وقال ابن حجر: صدوقٌ كثير الأوهام. والحاصل: أنَّه "ضَعيفٌ يُعتبر به"، والله أعلم. (٢)
٤) هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: "ثِقَةٌ، فقيهٌ، إمامٌ حُجَّةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٧٤).
٥) عُروة بن الزُّبير بن العَوَّام بن خُوَيْلد: "ثِقَةٌ فَقِيهٌ مشهورٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٧٤).
٦) عَبْد اللَّهِ بن عَمْرِو بن العاص: "صحابيٌّ جليلٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (١٦٣).
ثانيًا: - الوجه الثاني: هِشَام بن عُرْوة، عن أبيه (مُرْسلاً).
أ تخريج الوجه الثاني:
• أخرجه الإمام مالك في "الموطأ" برواية يحيى الليثي برقم (٢١٦٦)، وبرواية أبي مُصْعب الزُّهري برقم (٢٨٩٣) - ومِنْ طريقه البغويُّ في "شرح السنَّة" (٢١٨٩) -، وبرواية محمد بن الحسن الشيباني برقم (٨٣٣)، والشافعي في "المسند" (١١١٩ و ١٧٩٤) - ومِنْ طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" (١١٧٨١)، وفي "معرفة السنن والآثار" (١٢١٧١) -، أربعتهم (يحيى، وأبو مُصْعب، ومحمد، والشافعي) عن مالك.
стр. 1158
قال الإمام مالك: والعِرْقُ الظَّالِمُ: كُلُّ مَا احْتُفِرَ أَوْ أُخِذَ أَوْ غُرِسَ بِغَيْرِ حَقٍّ. (١)
- ويحيى بن آدم في "الخراج" (٢٦٦)، قال: حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ.
- ويحيى بن آدم أيضًا في "الخراج" (٢٦٧) - ومِنْ طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" (١١٧٧٤) -، قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.
- ويحيى بن آدم أيضًا في "الخراج" (٢٦٨)، قال: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بن سِيَاه الأسديّ.
- ويحيى بن آدم أيضًا في "الخراج" (٢٧٢) - ومِنْ طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" (١١٧٧٥) -، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ بن يزيد الأَوديّ.
- وأبو عُبَيد القاسم بن سلام في "الأموال" (٧١٤) - ومِنْ طريقه البغوي في "شرح السنَّة" (٢١٦٧) -، قال: حدَّثنا سعيد بن عبد الرحمن الجُمحيُّ، وأبو معاوية محمد بن خازم الضرير.
قَالَ الْجُمَحِيُّ: قَالَ هِشَامٌ: الْعِرْقُ الظَّالِمُ، أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ إِلَى أَرْضٍ قَدْ أَحْيَاهَا رَجُلٌ قَبْلَهُ، فَيَغْرِسُ فِيهَا، أَوْ يُحْدِثُ فِيهَا شَيْئًا، لِيَسْتَوْجِبَ بِهِ الأَرْضَ، هَذَا الْكَلامُ أَوْ نَحْوُهُ.
- وابن أبي شيبة في "المُصَنَّف" (٢٢٣٨٢)، قال: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ بن الجَرَّاح.
- وابن زنجويه في "الأموال" (١٠٥٣)، مِنْ طريق سُفْيَان الثوريّ - مِنْ أصح الأوجه عنه -.
- وأبو محمد السرقسطيُّ في "الدلائل في غريب الحديث" (١٣)، مِنْ طريق يَعْقُوب بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
- والنَّسائيُّ في "الكبرى" (٥٧٣٠) ك/إحياء الموات، ب/مَنْ أحيا أرضًا مَيْتةً ليست لأحدٍ، قال: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بن سعد، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القًطَّان.
كلهم (مالكٌ، وقيس بن الربيع، وابن عُيَيْنَة، ويزيد بن عبد العزيز، وعبد الله بن إدريس، والجُمحيُّ، … وأبو معاوية الضريرُ، ووكيعٌ، والثوريُّ، ويعقوب بن عبد الرحمن، ويحيى القَطَّان)، عن هِشَامِ بن عُرْوَةَ، عن أبيه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ».
وعند النَّسائيّ: قَالَ اللَّيْثُ: ثُمَّ كَتَبْتُ إِلَى هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، فَكَتَبَ إِلَيَّ بِمِثْلِ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ.
قلتُ: وجميعهم مِنْ الثِّقات، ومِنْ أثبت النَّاس في هشام بن عُروة، قال الدَّارقُطني: أثبت الرواة عن هشام ابن عروة: الثوريُّ، ومالكٌ، ويحيى القَطَّان، وابن نُمَير، والليث بن سعد. (٢)
وقال البغوي: هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا، وَرَوَاهُ أَيُّوبُ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وقال الدَّارقُطنيّ: وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ
стр. 1159
الْأُمَوِيُّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا … وَالْمُرْسَلُ عَنْ عُرْوَةَ أَصَحُّ. (١)
وقال الدَّارقُطني أيضًا: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عبد الله بن إدريس، وأبو أسامة، وغيرهم عن هشام، عن أبيه مرسلًا، والصحيح عن عروة مرسلًا. (٢)
وقال ابن عبد البر: هَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ عِنْدَ جَمَاعَةِ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ لا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ، وَاخْتُلِفَ فيه على هشام فروته عند طَائِفَةٌ عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا - كما رَوَاهُ مَالِكٌ - وَهُوَ أَصَحُّ مَا قِيلَ فِيهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ -، وَرَوَتْهُ طَائِفَةٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَرَوَتْهُ طَائِفَةٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ جَابِرٍ، وَرَوَتْهُ طَائِفَةٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بن عبد الرحمان بْنِ رَافِعٍ عَنْ جَابِرٍ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ فِيهِ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ جَابِرٍ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ … هَذَا الِاخْتِلَافُ عَنْ عُرْوَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْهُ الْإِرْسَالُ، كَمَا رَوَى مَالِكٌ وَمَنْ تَابَعَهُ، وَهُوَ أَيْضًا صَحِيحٌ مُسْنَدٌ على ما أَوْرَدْنَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَغَيْرِهِمْ. (٣)
ب متابعات للوجه الثاني:
• والحديث أخرجه أبو يوسف في "الخراج" (ص/٦٤ - ٦٥)، ويحيى بن آدم في "الخراج" (٢٧٤ و ٢٧٥)، وأبو عُبيد في "الأموال" (٧١٦)، مِنْ طُرُقٍ عن مُحَمَّد بن إِسْحَاق، عن يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ".
وعند أبي يوسف: قَالَ عُرْوَةُ: فَحَدَّثَنِي مَنْ رَأَى ذَلِكَ النَّخْلَ يُضْرَبُ فِي أَصْلِهِ بِالفُئُوسِ.
• وأبو داود في "سننه" (٣٠٧٦) ك/الخراج، ب/إحياء الموات - ومِنْ طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" (١١٧٧٣) -، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الآمُلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى أَنَّ الأَرْضَ أَرْضُ اللَّهِ، وَالْعِبَادَ عِبَادُ اللَّهِ، وَمَنْ أَحْيَا مَوَاتًا فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، جَاءَنَا بِهَذَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِينَ جَاءُوا بِالصَّلَوَاتِ عَنْهُ.
ثالثاً: - الوجه الثالث: هِشَام بن عُرْوة، عن أبيه، عن عائشة ﵂.
أ تخريج الوجه الثالث:
• أخرجه الإمام أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم - صاحب الإمام أبي حنيفة - في "الخراج" (ص/٦٤)، قال: حَدَّثَنِي هِشَام بن عُرْوَة، عن أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، به.
قلتُ: ويعقوب: خالف ما رواه الثِّقات عن هشام بن عُروة - كما سبق -، وضَعَّفه غير واحدٍ مِنْ أهل
стр. 1160
العلم، بينما قال الذهبي في "الميزان": إذا روى عنه ثِقَةٍ، وروى هو عن ثِقَةٍ فلا بأس به. (١).
• وأخرجه أبو يَعْلَى في "مُسْنَدِهِ" - كما في "نصب الرَّاية" للزيلعيّ (٤/ ٢٨٨) -، قال: حدثنا زُهَيْرٌ، ثنا إسماعيل بن أبي أُوَيْسٍ، حدَّثني أَبِي، عن هِشَامِ بن عُرْوَةَ، به.
قلتُ: وإسماعيل بن أبي أويس، اختلف فيه أهل العلم، فوثَّقه بعضهم، وَضَعَّفه آخرون. وقال الذهبي: استقرّ الأمرُ على توثيقه وتجنُّب ما يُنكر له. وقال ابن حجر في "هدي الساري": لا يحتج بشيء من حديثه غير ما في الصحيح من أجل ما قدح فيه النسائيُّ وغيره، إلا إن شاركه فيه غيره، فيُعتبر به. وهو أولى؛ لذا قال الذهبي في "الميزان": مُحَدِّثٌ مُكْثِرٌ، فيه لِينٌ. والله أعلم. (٢)
وأمَّا والده: أبو أُويس عبد الله بن عبد الله بن أويس فـ "ضَعِيفٌ". (٣)
• وأخرجه الدَّارقُطني في "المؤتلف والمختلف" (٤/ ١٨٤٩)، قال: حدَّثنا الحَسَن بن رشيق بمصر، حَدَّثَنا أبو الحُسَين فقير بن موسى بن فَقِير، قال أبو حنيفة قَحْزَم بن عَبد الله بن قَحْزَم بأسوان، حَدَّثَنا أبو عَبد الله مُحمَّد بن إدريس الشافعي، حَدَّثَنا مَالِك بن أنس، عن هِشَام بن عُرْوَة، به، بدون جزئه الثاني.
وقال الدَّارقُطني: أَسْنَدَهُ عن عائشة، وغَيْرُه يُرْسِلُه.
قلتُ: وفيه: الحسن بن رشيق أبو محمد العسكري: وثَّقه جماعةٌ، وأنكر عليه الدارقطني أنه كان يُصلح في أصله ويُغيِّر. (٤) وأبو حنيفة قَحْزَم بن عبد الله بن قَحْزَم: فقال ابن عبد البر: يَرْوِي عن الشافعيّ كثيرًا مِنْ كتبه، وكان مفتيًا، كتب كثيرًا مِنْ كتب الشافعيّ وصحبه. (٥)
قلتُ: وخالف فيه راويه ما صَحَّ عن الشافعيّ، وما رواه في "مسنده" - كما سبق -، بل وخالف أيضًا ما رواه مالكٌ في "الموطأ"، وما رواه عنه عامةُ أصحابه - كما سبق -، فلعلَّه سلك فيه الجادة، وهو ما يَدُلُّ عليه كلام الدَّارقُطني: أَسْنَدَهُ عن عائشة، وغَيْرُه يُرْسِلُه.
وقال الدَّارقُطني أيضًا: ورواه الحجاج بن أرطاة، وعبد الله بن الأجلح، وسعيد بن الصلت، وعائذ بن حبيب، وأبو أويس، ويزيد بن سنان، وأبو قرة الجندي، رووه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
ورواه عثمان بن خالد العثماني والد أبي مروان، عن مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بن عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عن عائشة، وَوَهِمَ فِيهِ عَلَى مَالِكٍ. وَالصَّحِيحُ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا. (٦)