حدَّثنا هِشَامٌ الكِنَانِيُّ، عن أنس بن مالك ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ ، عن جِبْرِيلَ، عن اللَّهِ ، قَالَ: " مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ، … الحديث " مُطولاً، بنحو رواية ابن أبي الدنيا الآتية.
ب دراسة إسناد الوجه الأول (إسناد الطبراني في "الأوسط"):
١) أحمد بن علي بن مسلم الأَبَّار: "ثِقَةٌ حافظٌ مُتْقنٌ زاهدٌ"، تقدم في الحديث رقم (٦٠٨).
٢) عُمَر بن سعيد بن سُلَيْمَان، أبو حفص، القرشيّ الدمشقيّ.
روى عن: صدقة بن عبد الله، وسعيد بن بَشير، وسعيد بن عبد العزيز، وآخرين.
روى عنه: أحمد بن علي الأبَّار، والحارث بن أبي أسامة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وآخرون.
حاله: قال أحمد: تركته؛ أخرج لنا كتاب سَعِيد بن بَشير، فقال هذه أحاديث سعيد بن أبي عروبة، فتبين أمره فتركوه. وقال مسلم: ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: كتبت حديثه وطرحته. وقال النَّسائي: ليس بثقة. وقال ابن حبَّان: كان مِمَّن يَروي كتباً لم يَسْمعها عن أقوامٍ أكرههم. وقال الدارقطني: روي بواطيل. وقال الساجي: كذاب. وقال الذهبي: تركوه. فالحاصل: أنَّه "متروكٌ". (١)
٣) صَدَقَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الدِّمَشْقِيُّ، أبو محمد السَّمِينُ: "ضَعيفٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٥٩).
٤) عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مَالِكٍ الْجَزَرِيُّ، أَبُو سَعِيدٍ الْحَرَّانِيُّ.
روى عن: سعيد بن المُسيب، وسعيد بن جُبير، ومجاهد، وآخرين. ورأى أنس بن مالك.
روى عنه: صدقة بن عبد الله، والسُّفيانان، ومالك، وآخرون.
حاله: قال أحمد: ثقةٌ ثبتٌ. وقال ابن معين، والعجلي، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والنَّسائي، والدَّارقطني: ثقةٌ. وقال الذهبي: قفز القنطرة، واحتج به الشيخان. وقال ابن حجر: ثقةٌ مُتْقنٌ. ورَوَى له الجَمَاعَة. (٢)
٥) أنس بن مالك ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ مُكثر"، تقدم في الحديث رقم (١٣).
ثانياً: - الوجه الثاني: صدقة بن عبد الله، عن هشام الكناني، عن أنس بن مالك ﵁.
أ تخريج الوجه الثاني:
• أخرجه ابن أبي الدنيا في "الأولياء" (١)، قال: حدَّثنا الهيثم بن خارجة، والحكم بن موسى؛ والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٢٣١)، وأبو القاسم الأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (٢٠٥)، وابن عساكر في "تاريخه" (٧/ ٩٦ و ٤١/ ٢٨٥)، ثلاثتهم مِنْ طريق الهيثم بن خارجة؛ وأبو نُعيم في "الحلية" (٨/ ٣١٨ - ٣١٩)، والبغوي في "شرح السنة" (١٢٤٩/ ٢)، وابن الجوزي في "العلل" (٢٧)، ثلاثتهم مِنْ طريق الحكم بن موسى؛
стр. 1192
والقضاعي في "مسند الشهاب" (١٤٥٦)، والشجري في "أماليه" (٢/ ٢٠٤)، مِنْ طريق هشام بن عمَّار.
ثلاثتهم (الهيثم، والحكم، وهشام)، عن الحسن بن يحيى الخُشَنِيُّ، عن صدقة، عن هشام الكنانيِّ، عن أنسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ عن جبريل ﵇ عن رَبِّه تعالى، قال: «مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ، وَمَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ مَا تَرَدَّدْتُ فِي قَبْضِ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ؛ لأَنَّهُ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مُسَاءَتَهُ ولا بُدُّ لَهُ مِنْهُ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ مَنْ يُرِيدُ بَابًا مِنَ الْعلْمِ فَأَكُفُّهُ عَنْهُ لا يَدْخُلُهُ عُجْبٌ فَيَفْسَدُ لِذَلِكَ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِيَ بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَنَفَّلُ لِي حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ لَهُ سَمْعًا، وَبَصَرًا، وَيَدًا، وَمُؤَيِّدًا، دَعَانِي فَأَجَبْتُهُ، وَسَأَلَنِي فَأَعْطَيْتُهُ، وَنَصَحَ لِي فَنَصَحْتُ لَهُ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إلا الْغِنَى وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لأفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ لا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إلا الْفَقْرُ، وَلَوْ بَسَطْتُ لَهُ لأفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لا يُصْلِحُ لَهُ إِيمَانَهُ إلا الصِّحَّةُ، وَلَوْ أَسْقَمْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إلا السَّقَمُ، وَلَوْ أَصْحَحْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، إِنِّي أُدَبِّرُ أَمْرَ عِبَادِي بِعِلْمِي، إِنِّي عَلِيمٌ خَبِيرٌ». ولفظ القضاعي مُختصراً.
وقال أبو نُعيم: غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، لم يَرْوِهِ عنه بهذا السِّيَاقِ إلا هِشَامٌ الكنانيُّ، وعنه صدقةُ بن عبد اللهِ أبو مُعَاوِيَة الدِّمَشْقِيُّ، تَفَرَّدَ به: الحسن بن يحيى الخُشَنِيّ.
قلتُ: بل رواه عبد الكريم الجزري عن أنس بنحو هذا السياق، أخرجه الثعلبي في "تفسيره" كما سبق في الوجه الأول؛ بالإضافة إلى أنَّ هذا الحديث لم يَنْفرد به الحسن بن يحيى الخُشَنيّ عن صدقة بن عبد الله، بل رواه أبو حفص عُمر بن سعيد الدمشقي، أخرجه البغوي في "شرح السنة" كما سبق بيانه في الوجه الأول.
وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح؛ فيه الخُشَني، قال الدَّارقطني: متروك، وصدقة مجروح.
• بينما أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٧/ ٣٥)، بسنده مِنْ طريق إبراهيم بن عبد الله بن أيوب المُخَرّمي، نا الحكم بن موسى، نا عبد الملك بن صدقة الدمشقي، عن أبيه، عن هشام الكناني، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ ، عن الله ﵎، قال: «مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ ".
قال ابن عساكر: رواه أحمد بن الحسن، عن الحكم بن موسى، عن الحسن بن يحيى، عن صدقة؛ فيُحتمل: أنه كان عند الحكم عنهما جميعاً، والأظهر أنه خطأ - والله أعلم - فإنَّا لم نجده إلا من هذا الوجه.
ب دراسة إسناد الوجه الثاني (إسناد ابن أبي الدنيا):
١) الهيثم بن خارجة، الخراساني: "ثقةٌ". (١)
٢) الحكم بن موسى بن أبى زهير البغدادي: "ثقةٌ". (٢)
٣) الحَسَنِ بن يَحْيَى الخُشَنِيِّ: قال ابن حبَّان: منكر الحديث جداً. وقال الدارقطني: "متروكٌ". وقال ابن
стр. 1193
حجر: صدوقٌ كثير الغلط. (١)
٤) صَدَقَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الدِّمَشْقِيُّ: "ضعيفٌ"، تقدَّم في الوجه الأول.
٥) هشام بن عبد الله الكناني: ترجم له ابن عساكر في "تاريخ دمشق"، وذكر أنَّه هو الذي روى حديث الولاية عن أنس بن مالك، ولم يذكر فيه جرحٌ أو تعديل، وقال ابن رجب: هشامٌ لا يُعْرَفُ، وسُئِلَ ابن معين عن هشام هذا: مَنْ هو؟ قال: لا أحد، يعني: لا يُعْتَبَرُ به. فأقل أحواله أنَّه "مجهول الحال". (٢)
٦) أنس بن مالك ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ مُكثر"، تقدَّم في الحديث رقم (١٣).
ثالثاً: - الوجه الثالث: صدقة بن عبد الله، عن إبراهيم بن أبي كريمة، عن هشام الكناني، عن أنس بن مالك ﵁.
أ تخريج الوجه الثالث:
• أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٧/ ٩٥)، قال: أنبأنا أبو القاسم علي بن إبراهيم، وأبو محمد بن الأكفاني، قالا: نا عبد العزيز بن أحمد، أنا تَمَّام بن محمد، أنا أبو الحسن أحمد بن سليمان بن حَذْلم، نا يزيد بن محمد بن عبد الصمد، نا سلامة بن بشر، نا صدقة، عن إبراهيم بن أبي كريمة، به، مُطولاً.
قال ابن عساكر: ورواه الحسن بن يحيى الخُشَنِيُّ، عن صدقة، عن هشام، ولم يذكر فيه إبراهيم بن أبي كريمة؛ ثم ساق الحديث بإسناده بالوجه الثاني.
ب دراسة إسناد الوجه الثالث:
١) علي بن إبراهيم بن العباس بن الحسن الحسيني: "ثقةٌ". (٣)
٢) عبد العزيز بن أحمد بن محمد، أبو محمد التميمي: "ثقةٌ مُتقنٌ". (٤)
٣) تمام بن محمد بن عبد الله بن جعفر الرازي: "ثقةٌ حافظٌ". (٥)
٤) أحمد بن سُلَيْمَان بن أيوب بن دَاوُد بن عبد اللَّه بن حَذْلَم: "ثقةٌ مأمونٌ نبيلٌ". (٦)
٥) يزيد بن محمد بن عبد الصمد القرشي: "ثقةٌ حافظٌ". (٧)
٦) سلامة بن بشر بن بُدَيل العُذْري: "ثقةٌ". (٨)
стр. 1194
٧) صَدَقَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الدِّمَشْقِيُّ: "ضعيفٌ"، تقدم في الوجه الأول.
٨) إبراهيم بن أبي كريمة الصيداوي: ترجم له ابن عساكر في "تاريخ دمشق"، وبين أنَّه روى حديث الباب عن هشام الكناني، ولم يذكر فيه جرحٌ أو تعديل، فأقل أحواله أنَّه "مجهول الحال". (١)
٩) هشام بن عبد الله الكناني: "مجهول الحال"، تقدم في الوجه الثاني.
١٠) أنس بن مالك ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ مُكثر"، تقدم في الحديث رقم (١٣).
رابعاً: - النظر في الخلاف على هذا الحديث:
مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث مداره على صدقة بن عبد الله، واختُلف عنه مِنْ ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: صدقة بن عبد الله، عن عبد الكريم الجزري، عن أنس بن مالك ﵁.
ورواه عن صدقة بهذا الوجه أبو حفص عُمر بن سعيد الدمشقي، واضطرب فيه أيضاً، فرواه عن صدقة بالوجهين؛ مرَّة بالوجه الأول، ومرَّة بالوجه الثاني - كما سبق تفصيله -؛ وأبو حفص هذا "متروكٌ الحديث".
الوجه الثاني: صدقة بن عبد الله، عن هشام الكناني، عن أنس بن مالك ﵁.
بينما رواه غير واحد، عن الحسن بن يحيى الخُشَني، عن صدقة بهذا الوجه؛ قال الدَّارقطني: الخُشَنيّ متروكٌ، وقال ابن حجر: صدوقٌ كثير الغلط؛ وأخرجه ابن الجوزي في "العلل" مِنْ هذا الوجه، وقال: هذا الحديث لا يصح. وقال ابن حبان: هذا الطريق لا يصح. (٢) وذكره كذلك ابن رجب، وقال: الخُشَنِيُّ وصَدَقَةُ ضعيفان، وهشامٌ لا يُعْرَفُ، وسُئِلَ ابن معين عن هشام هذا: مَنْ هو؟ قال: لا أحد، يعني: لا يُعْتَبَرُ به. (٣)
الوجه الثالث: صدقة بن عبد الله، عن إبراهيم بن أبي كريمة، عن هشام الكناني، عن أنس بن مالك.
بينما أخرجه ابن عساكر بإسناد رواته ثقات إلى صدقة بن عبد الله بهذا الوجه.
ومِنْ خلال ما سبق يتضح أنَّ الوجه الثالث هو أقرب الوجوه إلى الصواب؛ لكون إسناده إلى صدقة بن عبد الله: رواته ثِقات.
قلتُ: إلا أنَّ هذا الحديث مداره على صدقة بن عبد الله، وقد ضَعفَّه الجمهور - كما سبق -، وقد اضطرب في هذا الحديث، فالتلون مِنْ مثله في الحديث الواحد يدل على وهن راويه، ويُنبئ بقلة ضبطه، وعدم حفظه لهذا الحديث - كما قال الحافظ ابن حجر (٤) -، وقد انفرد صدقة بن عبد الله بهذا الحديث، ولم أقف - على حد بحثي - على مَنْ تابعه على وجه مِنْ الوجوه الثلاثة، فيبقى الحديث على ضعفه، والله أعلم.
стр. 1195
خامساً: - الحكم على الحديث:
أ الحكم على الحديث بإسناد الطبراني:
مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ جداً"؛ فيه أبو حفص عُمر بن سعيد الدِّمَشقيّ "متروك الحديث"، وفيه أيضاً صدقة بن عبد الله "ضَعيفٌ"، وعليه مدار الحديث، وقد اضطرب فيه، مِمَّا يَدل على عدم ضبطه لهذا الحديث.
وقال الهيثمي: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ في "الأوسط"، وفيه عُمَرُ بن سَعِيدٍ، وهو ضَعِيفٌ. (١)
وعزاه الحافظ ابن حجر إلى الطبراني وغيره، وقال: في سنده ضعفٌ. (٢)
قلت: بل في سنده عُمر بن سعيد، وهو "متروك الحديث" - كما سبق بيانه في ترجمته -.
ب الحكم على الحديث من وجهه الثالث:
وأمَّا الحديث مِنْ وجهه الثالث - أقرب الوجوه إلى الصواب - فسنده "ضَعيفٌ"، مُسلسلٌ بالعلل:
فيه صدقة بن عبد الله "ضَعيفٌ"، وعليه مدار الحديث، وقد اضطرب فيه، مِمَّا يَدل على عدم ضبطه لهذا الحديث؛ وفيه أيضاً إبراهيم بن أبي كريمة "مجهول الحال"، وهشام الكناني لا يُعرف.
بالإضافة إلى وجود نكارة في المتن، فالمؤمن يُصاب بسبب ذنبٍ، وبغير ذنبٍ، وذلك ابتلاءً من الله .
شواهد للحديث:
ويُغني عنه ما أخرجه البخاري في "صحيحه" مِنْ حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ ". (٣)
стр. 1196
سادساً: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث:
قال المُصَنِّف ﵁: لَمْ يَرْوِ هذا الحديث عن عبد الكريم إلا صدقةُ، تَفَرَّدَ به: عُمَرُ.
مِمَّا سبق في التخريج يَتَّضح صحة ما قال المُصَنِّف ﵁؛ ويَتَبَيَّن أنَّ عبارة المُصَنِّف في الحكم على الحديث بالتفرد أدق مِنْ عبارة أبي نُعيم في "الحلية"، كما سبق ذكره والتعليق عليه عند تخريج الوجه الثاني.
سابعاً: - التعليق على الحديث:
قال الحافظ ابن حجر: قوله: "مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا"، المراد بولي الله: العالم بالله، المواظب على طاعته، المخلص في عبادته؛ وقد استُشكل وجود أحد يعاديه، لأن المعاداة إنما تقع من الجانبين، ومن شأن الولي الحلم والصفح عمن يجهل عليه، وأجيب: بأن المعاداة لم تنحصر في الخصومة والمعاملة الدنيوية مثلاً، بل قد تقع عن بغض ينشأ عن التعصب، كالرافضي في بغضه لأبي بكر، والمبتدع في بغضه للسني، فتقع المعاداة من الجانبين، أما من جانب الولي فلله تعالى وفي الله، وأما من جانب الآخر فلما تقدم؛ وقد تطلق المعاداة ويراد بها الوقوع من أحد الجانبين بالفعل ومن الآخر بالقوة.
وقال ابن هبيرة في "الإفصاح": قوله "عَادَى لِي وَلِيًّا" أي اتخذه عدواً، ولا أرى المعنى إلا أنه عاداه من أجل ولايته، وهو وإن تضمن التحذير من إيذاء قلوب أولياء الله ليس على الإطلاق، بل يستثنى منه ما إذا كانت الحال تقتضي نزاعا بين وليين في مخاصمة أو محاكمة ترجع إلى استخراج حق أو كشف غامض، فإنه جرى بين أبي بكر وعمر مشاجرة، وبين العباس وعلي إلى غير ذلك من الوقائع. انتهى ملخصاً موضحاً
وتعقبه الفاكهاني: بأن معاداة الولي لكونه وليا لا يفهم إلا إن كان على طريق الحسد الذي هو تمني زوال ولايته وهو بعيد جداً في حق الولي، فتأمله! قلت (ابن حجر): والذي قدمته أولى أن يعتمد.
وقد استشكل وقوع المحاربة وهي مفاعلة من الجانبين، مع أن المخلوق في أسر الخالق، والجواب: أنه من المخاطبة بما يفهم، فإن الحرب تنشأ عن العداوة، والعداوة تنشأ عن المخالفة، وغاية الحرب الهلاك، والله لا يغلبه غالب؛ فكأن المعنى فقد تعرض لإهلاكي إياه، فأطلق الحرب وأراد لازمه، أي: أعمل به ما يعمله العدو
стр. 1197
المحارب. قال الفاكهاني: في هذا تهديدٌ شديدٌ، لأن من حاربه الله أهلكه، وهو من المجاز البليغ، لأن من كره من أحب الله خالف الله، ومن خالف الله عانده، ومن عانده أهلكه؛ وإذا ثبت هذا في جانب المعاداة ثبت في جانب الموالاة، فمن والى أولياء الله أكرمه الله، وقال الطوفي: لما كان ولي الله من تولى الله بالطاعة والتقوى تولاه الله بالحفظ والنصرة، وقد أجرى الله العادة بأن عدو العدو صديق وصديق العدو عدو، فعدو ولي الله عدو الله فمن عاداه كان كمن حاربه ومن حاربه فكأنما حارب الله. (١)
* * *
стр. 1198
[٢١٠/ ٦١٠]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: نا أَبُو حَصِينٍ الرَّازِيُّ، قَالَ: نا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيمٍ، عَنْ نَافِعٍ.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا بَيْنَ قَبْرِي (١) وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، … [وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي] (٢)».
* لم يَرْوِ هذا الحديث عن ابنِ خُثَيمٍ إلا يَحْيَى، تَفَرَّدَ به: أَبُو حَصِينٍ.
أولاً: تخريج الحديث:
• أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٧٣٣)، عن أحمد بن علي بن مُسلم الأبَّار، بإسناده ومتنه سواء، وزاد فيه: "وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي"، كما ذكرته، ولا أدري ما علة تكراره.
• ورواه عن نافعٍ جماعة، وتفصيل روايتهم كالآتي:
١) مالك بن أنس، واختلف عنه:
أ فأخرجه بقي بن مخلد في "الحوض والكوثر" (٩ و ١٠)، والعقيلي في "الضعفاء" (٤/ ٧٣)، وابن أبي حاتم في "العلل" (٣/ ٣٠٠/مسألة ٨٨٥)، والآجري في "الشريعة" (١٨٣٧)، وابن المُقْرئ في "المنتخب من غرائب مالك" (٢١)، وأبو الحسين الكلابي في "جزئه" (٢٤)، وأبو نُعيم في "الحلية" (٩/ ٣٢٤)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٩/ ١١٨ و ٥١/ ٥٢)، كلهم مِنْ طرقٍ عن عبد اللَّهِ بن نافعٍ الصَّائِغ؛ وأخرجه الطحاوي في "شرح مُشْكِل الآثار" (٢٨٧٤)، والعقيلي في "الضعفاء" (٤/ ٧٢)، وتَمَّام بن محمد في "فوائده" - كما في "الروض البسام" (٦٦٠) -، والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (١٤/ ٥٥)، وفي "المهروانيات" (١٠٠)، كلهم مِنْ طُرُقٍ عن أحمد بن يحيى المَسْعُودِيُّ؛ وأخرجه العقيلي في "الضعفاء" (٤/ ٧٣)، مِنْ طريق حَبَّاب بن جلبة الدَّقاق؛ وأخرجه ابن الجوزي في "مثير العزم الساكن" (٤٤٩)، مِنْ طريق إسماعيل بن أبي أويس.
أربعتهم (عبد الله بن نافع، وأحمد بن يحيى، وحبَّاب، وإسماعيل) عن مالكٍ بن أنس، عن نَافِعٍ، عن ابن
стр. 1199
عُمَرَ، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا بَيْنَ مِنْبَرِي وَبَيْتِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ مِنْبَرِي لَعَلَى حَوْضِي».
- قال أبو زرعة: عبد الله بن نافع عندي منكر الحديث، وعَدَّ له هذا الحديث في مناكيره عن مالك. (١)
- وقال أَبُو جَعْفَر الطحاوي: وهذا مِنْ حديث مالك، يقول أهل العلم بالحديث: إِنَّهُ لم يُحَدِّثْ به عن مَالِكٍ أحدٌ غيرُ أحمد بن يحيى هذا، وغير عبد اللهِ بن نافعٍ الصَّائِغِ. قلتُ: بل رواه غيرهما كما سبق.
- والحديث ذكره ابن عبد البر مِنْ رواية أحمد بن يحيى عن مالك، وقال: هذا إسناد خطأ لم يُتابع عليه، ولا أصل له. (٢) قلتُ: بل تُوبع عليه، كما سبق.
- وقال الخطيب في "المهروانيات": هذا حديثٌ غريبٌ مِنْ حديث مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، تَفَرَّدَ بِرِوَايَتِهِ عَنْهُ أَحمد بْنُ يَحْيى الأَحول، وتابعه عبد الله بن نافع. قلتُ: بل رواه غيرهما كما سبق.
- وقال ابن عساكر: غريبٌ مِنْ حديث مالك عن نافع.
ب وأخرجه العقيلي في "الضعفاء" (٤/ ٧٢)، وابن الأعرابي في "معجمه" (١٩٧٠)، وعُثمان السمرقندي في "فوائده" (٦١)، وأبو نُعيم في "الحلية" (٣/ ٢٦٤ و ٦/ ٣٤١)، كلهم عن محمَّد بن سُلَيْمَانَ بن معاذٍ، عن مالكُ، عن ربيعة بن أبي عبد الرَّحمنِ، عن سعيد بن المُسَيِّبِ، عن ابن عُمَرَ، عن أبيه عُمَرُ بن الخطَّاب، بنحوه.
- وقال العقيلي: محمد بن سُليمان عن مالك مُنكر الحديث.
- وقال الدَّارقطني - بعد أن ذكر الحديث بالوجهين -: وهذا الحديث مُنْكرٌ عن مالك لم يُتابع عليه. (٣)
- وقال أبو نُعيم: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ رَبِيعَةَ، تَفَرَّدَ بِهِ محمَّد بن سُلَيْمَانَ عن مَالِكٍ عنه.
- وقال ابن عبد البر: ومحمد بن سليمان هذا ضَعيفٌ، ولم يُتابعه أحدٌ على هذا الإسناد عن مالك. (٤)
ت بينما أخرجه البخاري في "صحيحه" (٧٣٣٥) ك/الاعتصام بالكتاب والسنة، ب/ما ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَحَضَّ عَلَى اتِّفَاقِ أَهْلِ العِلْمِ، وغيره، من طرقٍ عدة عن مالك، عن خُبَيْبِ بن عبد الرَّحمن، عن حَفْصِ بن عَاصِمٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي».
قلتُ: والراجح مِنْ هذه الوجوه عن مالكٍ، هو الوجه الثالث، وهو ما أخرجه البخاري في "صحيحه"، لذا ذهب غير واحدٍ مِنْ أهل العلم إلى اعتبار الوجه الأول والثاني عن مالكٍ مِنْ مناكير الرواة، لمخالفتهم لما رواه أصحاب مالكٍ، ولعلَّهم سلكوا فيه الجَّادة؛ لذا رجَّحه غير واحدٍ مِنْ أهل العلم، وصرَّحوا بأنَّه هو المحفوظ:
- فقال العقيلي - بعد أن ذكر الوجوه عن مالكٍ -: وحديثُ القَعْنَبِيِّ أَوْلَى - أي بالوجه الثالث -. (٥)
стр. 1200
- وقال ابن أبي حاتم في: سُئِلَ أبو زُرْعَةَ عن هذا الحديث؟ فقال: هكذا كان يقول عبد الله بن نافعٍ، وإنَّما هو: مالكٌ، عن خُبَيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصمٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ . (١)
- وقال الدَّارقطني: يرويه مالك، عن نافع، عن ابن عمر، وهو غريب عنه، رواه عنه: عبد الله بن نافع، وأحمد بن يحيى؛ ورُوي عن موسى الجهني، وعن ابن خثيم، عن نافع، عن ابن عمر، وهو غريب عنهما. (٢)
٢) عُبيد الله بن عُمر العُمَري، واختلف عنه:
أ أخرجه الطحاوي في "المُشْكِل" (٢٨٧٣)، والدَّارقطني في "العلل" (١٣/ ٥٤)، من طرقٍ عن عُبَيْدِ اللهِ، عن نَافِعٍ، عن ابن عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي ".
ب وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٣١٥٦)، مِنْ طريق محمَّد بن بِشْرٍ العَبْدِيّ، ثنا عُبَيْدُ اللهِ بن عُمَرَ، عن أبي بكر بن سالم، عن سالم، عن ابن عُمَرَ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، بنحوه، لكن بلفظ "قبري".
ت وأخرجه الدَّارقطني في "العلل" (٨/ ٢٢١/مسألة ١٥٣١) عَنِ أبي عُبَيْدَةَ بن أبي السَّفَرِ، عن عبد الله بن نُمَيْرٍ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرة، بنحوه.
وقال الدَّارقطني: تَفَرَّدَ به أبو عُبَيْدَةَ بن أبي السَّفَرِ، عن ابن نُمَيْرٍ بهذا الإسناد.
ث بينما أخرجه البخاري في "صحيحه" (١١٩٦) ك/فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، ب/فضل ما بين القبر والمنبر، وبرقم (١٨٨٨) ك/فضائل المدينة، ب/ كراهية النَّبِيِّ ﷺ أن تُعرى المدينةُ، وبرقم (٦٥٨٨) ك/الرقاق، ب/في الحوض، ومسلمٌ في "صحيحه" (١٣٩١) ك/الحج، ب/ما بين القبر والمنبر روضةٌ من رياض الجنَّة، وغيرهما، مِنْ طرقٍ عدة، عن عُبَيْدِ اللَّهِ، قال: حدَّثني خُبَيْبُ بن عبد الرَّحمن، عن حَفْصِ بن عاصم، عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ ، قال: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي».
قلتُ: والراجح مِنْ هذه الوجوه هو الوجه الرابع، وهو ما أخرجه البخاري ومسلمٌ؛ لذا رجَّحه الدَّارقطني:
- فقال الدَّارقطني: والمعروف والمحفوظ عن عُبَيْدِ اللَّهِ، عن خُبَيْبِ، عن حفص، عن أبي هريرة. (٣)
٣) عبد الله بن عُمر العُمري، واختلف عنه:
أ أخرجه الدولابي في "الكنى" (١٤٨٣)، وابن خزيمة في "مختصر المختصر" - كما في "الميزان" للذهبي (٤/ ٢٢٦) -، مِنْ طريق موسى بن هلالٍ العَبْدي، قال: حدَّثنا عبد اللَّهِ بن عُمَرَ، عن نافعٍ، عن ابن عُمَرَ، قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي، وَمَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي تُرْعَةٌ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ».
قلتُ: والحديث عدَّه الذهبي مِنْ أَنْكَرِ ما رواه موسى بن هلال، وقال: قال العقيلي: لا يُتابع على
стр. 1201
حديثه. (١)
ب وأخرجه أحمد في "مسنده" (٩٢١٥)، قال: حدَّثنا نوح بن ميمون؛ والطبراني في "الأوسط" (٩٨)، بسنده عن عبد الرَّحمن بن أشرس؛ كلاهما عن عبد اللَّهِ بن عُمَرَ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ»، وزاد أحمد: «ومِنْبَرِي عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ».
وقال الطبراني: لم يَرْوِ هذا الحديث عن عبد اللَّهِ إلا عبد الرَّحمن بن أشرس.
قلتُ: بل تابعه نوح بن ميمون - كما عند أحمد -، وهو "ثِقَةٌ". (٢) وعبد الرحمن بن أشرس "ضَعيفٌ". (٣)
ت بينما أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣١٦٥٩)، وأحمد في "مسنده" (٩٢١٤)، مِنْ طُرُقٍ عن عبد اللَّهِ، عن خُبَيْبِ بن عبد الرَّحمن، عن حفص بن عاصمٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا بَيْنَ مِنْبَرِي وَبَيْتِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي»، واللفظ لأحمد.
قلتُ: والوجه الثالث عن عبد الله بن عُمر هو أقرب الوجوه إلى الصواب، لوجود متابعات له في "الصحيحين" عن مالكٍ، وعُبيد الله، كلاهما عن خُبيب بن عبد الرحمن، به، كما سبق، والله أعلم.
٤) موسى بن عبد الله الجُهَنيّ، واختلف عنه:
أ فأخرجه ابن خزيمة - كما في "إتحاف المهرة" (١١٤٢٧) -، قال: ثنا محمَّد بن هشام، ثنا أبو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ، عن موسى الجُهَنِيُّ، عن نافعٍ، عن ابن عُمَرَ (مرفوعاً): " مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ ".
قلتُ: أمَّا محمد بن هشام بن عيسى الطالقاني، فهو "ثِقَةٌ". (٤) وأبو مُعاوية الضرير محمد بن خازم "ثِقَةٌ، أحفظ النَّاس لحديث الأعمش، وقد يَهم في حديث غيره. (٥) وموسى بن عبد الله الجُهني، فهو "ثِقَةٌ عابدٌ". (٦)
ب وأخرجه أبو نُعيم في "أخبار أصبهان" (١/ ٣٥٣) - ومِنْ طريقه ابن عساكر في "تاريخه" (٤٣/ ٥٢٨) -، قال: ثنا أحمد بن جعفر، ثنا عُمَرُ بن أحمد بن السُّنِّيِّ، ثنا نصرُ بن عليٍّ، ثنا زياد بن عبد اللَّهِ، عن مُوسَى الجُهَنِيِّ، عن نافع، عن ابن عُمَرَ، بنحوه (موقوفاً). وقال البوصيري: رَوَاهُ مُسَدَّدٌ مَوْقُوفًا، ورجاله ثِقَاتٌ. (٧)
قلتُ: بل فيه زياد بن عبد الله بن الطفيل البَكَّائي، "صدوقٌ ثَبْتٌ في المغازي، وفي حديثه عن غير ابن
стр. 1202
إسحاق لينٌ". (١) وعُمر بن أحمد بن بشر المعروف بابن السني، "عامة أحاديثه مُستقيمةٌ". (٢)
ولعلَّ الوجه الأول (المرفوع) هو الأقرب للصواب، ولا يُعَلّ بالوجه الثاني فهو أيضاً مِمَّا له حكم الرفع.
وعليه؛ فمِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّه لم يَسلم مِنْ هذه الطرق كلها عن نافعٍ عن ابن عُمر إلا رواية موسى الجهني.
ثانياً: - دراسة الإسناد:
١) أحمد بن علي بن مسلم الأَبَّار: "ثِقَةٌ حافظٌ مُتْقنٌ زاهدٌ"، تقدم في الحديث رقم (٦٠٨).
٢) أبو حصين بن يحيى بن سليمان الرازي. قال أبو حاتم: قلت لأبي حُصين: هل لك اسم؟ قال: لا، اسمى وكنيتي واحد؛ فقلت: فأنا قد سميتك عبد الله فتبسم. وقال الطبراني: قيل إنَّ اسم أبي حُصَيْن يحيى بنُ سليمان.
روى عن: يحيى بن سُليم، وسُفيان بن عُيَيْنة، وأبي مُعاوية الضرير، وآخرين.
روى عنه: أحمد بن علي الأبَّار، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وآخرون.
حاله: قال أبو حاتم، والطبراني، والذهبي، وابن حجر: ثِقَةٌ. وقال ابن أبي حاتم: ثِقَةٌ صدوقٌ. (٣)
٣) يَحْيَى بنُ سُلَيْمٍ، أَبُو مُحَمد، ويُقال: أَبُو زَكَرِيَّا القُرَشِيُّ الطَّائِفِيُّ.
روى عن: عبد الله بن عثمان بن خُثَيم، والثوري، وإسماعيل بن أمية، وآخرين.
روى عنه: أبو حصين الرازي، وعبد الله بن المبارك، ووكيع، وآخرون.
حاله: قال ابن سعد، وابن معين، وأحمد، والعجلي، والذهبي في "الكاشف": ثِقَةٌ. وقال ابن معين أيضاً: ليس به بأسٌ، يُكتب حديثه. وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وقال: يُخطئ. وقال ابن عدي: أحاديثه صالحة، وله إفرادات وغرائب يتفرد بها عن مشايخه، وأحاديثه متقاربة، وهو صدوقٌ لا بأس به.
_ وقال أحمد: كان قد أتقن حديث ابن خُثَيْم، وكانت عنده في كتاب. وعن يحيى، قال: قال لي يحيى بن سُليم: قرأتُ على ابن خُثَيْم هذه الأحاديث.
_ وقال ابن حجر في "تهذيبه": قال البخاري في "تاريخه" في ترجمة عبد الرحمن بن نافع: ما حدَّث الحميدي عن يحيى بن سليم فهو صحيح. قلتُ: وقد رجعت إلى "التاريخ الكبير" فلم أجده.
_ وقال أحمد: وقعت على يحيى بن سليم وهو يحدث عن عبيد الله أحاديث مناكير فتركته، ولم أحمل عنه إلا حديثًا. وقال البخاري: يَروي أحاديث عن عُبيد الله يَهم فيها. وقال النَّسائي: ليس به بأسٌ، مُنْكر الحديث عن عُبيد الله بن عُمر. وقال الساجي: أخطأ في أحاديث رواها عن عبيد الله بن عمر. وقال ابن حجر في "الفتح": والتحقيق أن الكلام فيه إنما وقع في روايته عن عبيد الله بن عمر خاصة.
_ وقال أحمد: رأيته غلط في الحديث فتركتُه. وسُئل عنه، فقال: يحيى بن سُليم كذا وكذا، والله إنَّ حديثه
стр. 1203
يَبلغني فيه شيء، فكأنَّه لم يحمده. وقال أبو حاتم: شيخٌ محله الصدق، ولم يكن بالحافظ، يُكتب حديثه ولا يحتج به. وقال النَّسائي، وأبو بشر الدولابي: ليس بالقوي. وقال الخليلي: أخطأ في أحاديث. وقال الدَّارقطني: سيء الحفظ. وقال ابن حجر: صدوقٌ سيء الحفظ.
فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ، مُتْقِنٌ لحديث ابن خُثَيْم، مُنْكر الحديث في روايته عن عُبيد الله بن عُمر خاصة". (١)
٤) عَبدُ اللَّهِ بن عُثْمَان بن خُثَيْم: "ثقةٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (١٢١).
٥) نَافع مولى ابن عُمر: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، فَقيهٌ، مَشْهور"، تَقدَّم في الحديث رقم (٢٩).
٦) عبد الله بن عُمر بن الخَطَّاب: "صحابيٌّ، جَليلٌ، مُكْثرٌ"، تَقدَّم في الحديث رقم (٦).
ثالثاً: - الحكم على الحديث:
مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "صحيحٌ لذاته"؛ وللحديث شواهد في "الصحيحين" عن أبي هُريرة ﵁، وغيره، كما سبق ذكره في التخريج. والحديث عدَّه السيوطي، والكتاني في الأحاديث المتواترة. (٢)
وقال الهيثمي - بعد أن ساقه عن ابن عُمر -: رواه الطبرانيُّ في "الكبير"، "والأوسط"، ورجاله ثقاتٌ. (٣)
قلتُ: أمَّا حديث ابن عُمر عند الطبراني في "الكبير" فليس مِنْ طريق نافعٍ؛ وإنَّما أخرجه مِنْ طريق محمَّد بن بِشْرٍ العَبْدِيّ، عن عُبَيْد اللهِ بن عُمَرَ، عن أبي بكر بن سالم، عن سالم، عن ابن عُمَرَ، وهذا الوجه "شاذٌ"، لمخالفته ما رواه عامة الثقات عن عُبيد الله بن عُمر، كما سبق تفصيله في التخريج، ولله الحمد والمنة.
رابعاً: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث:
قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن ابنِ خُثَيمٍ إلا يَحْيَى، تَفَرَّدَ به: أَبُو حَصِينٍ.
قلتُ: ومِمَّا سبق في التخريج يَتَّضح صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁ على الحديث؛ وأمَّا يحيى بن سُليم فلا يَضر تَفَرُّده عن ابن خُثَيم، فقد صرَّح الإمام أحمد وغيره أنَّه مُتْقِنٌ لحديث ابن خُثيم، وكانت عنده في كتاب.
وكلام المُصَنِّف وافقه على بعضه الإمام الدَّارقطني، فقال: ورُوي عن موسى الجهني، وعن عبد الله بن عثمان بن خثيم، جميعاً، عن نافع، عن ابن عمر، وهو غريب عنهما. (٤)
* * *
стр. 1204
[٢١١/ ٦١١]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: نا عَبَّادُ بْنُ مُوسَى الْخُتّليُّ (١)، قَالَ: نا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ:
قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: مَا كُنَّا [نَرَى] (٢) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَاتَ يَوْمَ مَاتَ وَهُوَ يُحِبُّ رَجُلاً، فَيُدْخِلُهُ اللَّهُ النَّارَ.
قِيلَ لَهُ: قَدْ كَانَ يَسْتَعْمِلُكَ؟ فَقَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ كَانَ يُحِبُّ رَجُلاً.
قَالُوا: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: كَانَ يُحِبُّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ.
* لم يَرْوِ (٣) هذا الحديث عن ابن عَوْنٍ إلا أَزْهَرُ، تَفَرَّدَ به: عَبَّادٌ.
أولاً: - تخريج الحديث:
• أخرجه أحمد في "فضائل الصحابة" (١٦٠٦)، قال: ثنا أزهر بن سعد، عن ابن عون، بسنده، وبنحوه، وزاد: "قِيلَ لَهُ: ذَاكَ قَتِيلُكُمْ يَوْمَ صِفِّينَ، قَالَ: قَدْ وَاللَّهِ قَتَلْنَاهُ".
• وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" (٣/ ٢٤٣) - وعنه ابن عساكر في "تاريخه" (٤٣/ ٣٩٧) -، والنَّسائي في "الكبرى" (٨٢١٦)، وفي "فضائل الصحابة" (١٦٩)، والحاكم في "المستدرك" (٥٦٧٧)، كلهم مِنْ طرقٍ عن مُعاذ بن مُعاذ العَنْبَري؛ والبلاذري في "أنساب الأشراف" (١/ ١٧٤)، عن إسماعيل بن إبراهيم الكرابيسي.
كلاهما (مُعاذ، وإسماعيل) عن ابن عونٍ، بسنده، وبنحوه، وفيه زيادة.
وقال الحاكم: هذا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإسناد، على شرط الشَّيْخَيْن، إن كان الحسنُ بن أبي الحسنِ سَمِعَهُ مِنْ عَمْرِو بن العاص، فإنَّهُ أدركه بالبصرةِ بلا شكٍّ. وتعقبه الذهبي، فقال: لكنَّه مُرْسلٌ.
• وأخرجه ابن سعدٍ في "الطبقات" (٣/ ٢٤٤) - ومِنْ طريقه ابن عساكر في "تاريخه" (٤٣/ ٣٩٧) -، وأحمد في "مسنده" (١٧٨٠٧)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٣/ ٣٩٧)، كلهم عن جرير بن حازم - مِنْ أصح الأوجه عنه (٤) -، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٦/ ١٥٠) بسنده عن المبارك بن فَضَالة.
كلاهما (جرير، والمبارك) عن الحسن، بنحوه، وفيه زيادة.
• وأخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (١٠٦٤) - ومِنْ طريقه ابن عساكر في "تاريخه" (٣٣/ ١٢٣) -؛ وأحمد بن مَنيع - كما في "المطالب العالية" (٤٠٤٨) -، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٣/ ١٢٢
стр. 1205
و ٤٣/ ٣٩٧)، كلاهما (أحمد، وابن عساكر) مِنْ طريق يزيد بن هارون؛ وأحمد في "مسنده" (١٧٧٨١) - ومِنْ طريقه ابن عساكر في "تاريخه" (٤٦/ ١٩٧) -، قال: حدَّثنا عَفَّانُ - واللفظ له -؛ وابن عساكر في "تاريخه" (٤٦/ ١٩٧)، بسنده مِنْ طريق الحَجَّاج بن المنهال.
أربعتهم (أبو داود، ويزيد، وعفَّان، والحَجَّاج) عن الأسود بن شَيْبَانَ، قال: حدَّثنا أبو نَوْفَلِ بنُ أبي عَقْرَبٍ، قال: جَزِعَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عِنْدَ الْمَوْتِ جَزَعًا شَدِيدًا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، مَا هَذَا الْجَزَعُ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُدْنِيكَ وَيَسْتَعْمِلُكَ؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، قَدْ كَانَ ذَلِكَ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ ذَلِكَ: إِنِّي وَاللهِ مَا أَدْرِي أَحُبًّا كَانَ ذَلِكَ، أَمْ تَأَلُّفًا يَتَأَلَّفُنِي، وَلَكِنِّي أَشْهَدُ عَلَى رَجُلَيْنِ أَنَّهُ قَدْ فَارَقَ الدُّنْيَا وَهُوَ يُحِبُّهُمَا: ابْنُ سُمَيَّةَ، وَابْنُ أُمِّ عَبْدٍ، فَلَمَّا حَدَّثَهُ وَضَعَ يَدَهُ مَوْضِعَ الْغِلَالِ مِنْ ذَقْنِهِ، وَقَالَ: اللهُمَّ أَمَرْتَنَا فَتَرَكْنَا، وَنَهَيْتَنَا فَرَكِبْنَا، وَلا يَسَعُنَا إِلَّا مَغْفِرَتُكَ، وَكَانَتْ تِلْكَ هِجِّيرَاهُ حَتَّى مَاتَ.
ثانياً: - دراسة الإسناد:
١) أحمد بن علي بن مسلم الأَبَّار: "ثِقَةٌ حافظٌ مُتْقنٌ زاهدٌ"، تقدم في الحديث رقم (٦٠٨).
٢) عَبَّاد بن موسى، أبو محمد الخُتّليّ.
روى عن: أزهر بن سعد، وأبي مُعاوية الضرير، ومَرْوان بن مُعاوية الفَزَاريّ، وآخرين.
روى عنه: أحمد بن علي الأبَّار، وأبو زرعة، ومُسْلم بن الحجَّاج، وآخرون.
حاله: قال ابن معين، وأبو زرعة، وصالح بن محمد، وابن حبَّان، والخطيب، وابن حجر: ثِقَةٌ. (١)
٣) أزهر بن سعد السَّمَّان، أبو بكر البَاهليُّ، مولاهم البَصْرِيّ.
روى عن: عبد الله بن عَون، وسُليمان التَّيْميّ، وهشام بن عبد الله الدَّسْتُوائيِّ، وآخرين.
روى عنه: عبَّاد بن موسى، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المديني، وآخرون.
حاله: قال ابن معين، وابن سعد، وابن حجر: ثِقَةٌ. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال ابن قانع: ثِقَةٌ مأمونٌ. وقال الذهبي في "الكاشف": حُجَّةٌ. وفي "تاريخ الإسلام": كان ثِقَةً نبيلاً. وفي "الميزان": ثقةٌ مشهورٌ، تناكر العقيلي بإيراده في كتاب "الضعفاء"، وما ذكر فيه أكثر من قول أحمد بن حنبل: ابن أبي عدى أحب إلى من أزهر السمان؛ ثم ساق له حديثاً في أمر فاطمة بالتسبيح لمَّا شكت مَجَلْ يَدَيْهَا، وصله أزهر وخولف فيه (٢)، فكان ماذا؟! لذا قال ابن حجر في "التهذيب": ليس هذا بجرح يوجب إدخاله في الضعفاء.
_ وقال ابن معين: أروى الناس عن ابن عون وأعرفهم به أزهر. وقال عفَّان بن مسلم: كان حمَّاد بن زيد، وعبد الرحمن بن مهدي يُقَدِّمان أزهر على أصحاب ابن عون. وروى له الجماعة.
стр. 1206
فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ، مِنْ أثبت النَّاس في ابن عون". (١)
٤) عبد الله بن عون بن أَرْطَبان المُزَني: "ثقةٌ، ثبتٌ، فاضلٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (٧٢).
٥) الحسن بن أبي الحسن، أبو سعيد البصري: "ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ ورعٌ، كثير الإرسال، وأمَّا عَنْعَنته فمحمولة على السَّماع في روايته عمَّن صَحَّ له سماعه مِنْه في الجملة"، تقدَّم في الحديث رقم (٣١).
وروايته عن عمرو بن العاص مُرْسلةٌ، نص على ذلك الذهبي في "السير". (٢) والحسن أدرك عمرو بن العاص بلا شك، لكن أغلب الظن أنَّه لم يلقه، فإن عَمراً كان بمصر والشام، والحسن في المدينة والبصرة، وإلا فإنَّ عَمراً توفي على الصحيح سنة ثلاث وأربعين، والحسن ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وأدرك عثمان، وسمعه يخطب على المنبر؛ لذا رجَّح الذهبي أنَّ روايته عن عَمرٍ مُرسلة، والله أعلم.
٦) عَمْرو بن العاص بن وائل القُرَشِيّ، أَبُو عبد الله، وقيل: أبو محمد، السهمي، صاحب رسول الله ﷺ .
روى عن: النبي ﷺ ، وعن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها.
روى عنه: الحسن البَصْرِيّ، وابنه عَبد الله، وعروة بن الزبير، وآخرون.
كان إسلامه قبل الفتح سنة ثمانٍ مِنْ الهجرة، ولاه النبي ﷺ على جيش ذات السلاسل؛ أصله مكي نزل المدينة، ثم سكن مصر، ومات بها. ومناقبه وفضائله كثيرة جداً. وروى له الجماعة. (٣)
ثالثاً: - الحكم على الحديث:
مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ"؛ فيه الحسن بن أبي الحسن البصري روايته عن عَمرو بن العاص مُرْسلةٌ، كما قال الذهبي، والإسناد رجاله ثقاتٌ، والله أعلم.
مُتابعاتٌ للحديث:
وقد صَحَّ الحديث مِنْ طُرُقٍ - كما عند أحمد وغيره، كما سبق في التخريج -، عن الأسود بن شَيْبَانَ، عن أبي نَوْفَلِ بن أبي عَقْرَبٍ، قال: جَزِعَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عِنْدَ الْمَوْتِ جَزَعًا شَدِيدًا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، مَا هَذَا الْجَزَعُ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُدْنِيكَ وَيَسْتَعْمِلُكَ؟ … الحديث". وذكرتُ نصه في التخريج. والحديث إسناده صحيحٌ. قال الهيثمي: رواهُ الطبرانيُّ في "الأوسط"، "والكبير"، وزاد فيه: قال: «ذَاكَ قَتِيلُكُمْ يَوْمَ صِفِّينَ، قَالَ: قَدْ وَاللَّهِ قَتَلْنَاهُ». وقال: وأخرجه أحمد، ورجالُ أحمد رجال الصَّحيح. (٤)
قلتُ: وعليه فالحديث بمتابعاته يرتقي إلى "الصحيح لغيره".
стр. 1207
رابعاً: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث:
قال المُصَنِّفُ ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن ابن عَوْنٍ إلا أَزْهَرُ، تَفَرَّدَ به: عَبَّادٌ.
• ومِمَّا سبق في التخريج يَتَّضح أنَّ هذا الحديث لم يَنْفَرد به أزهر بن سعدٍ عن عبد الله بن عَونٍ، بل تابعه مُعاذ بن مُعاذ العَنْبري، وإسماعيل بن إبراهيم الكرابيسي:
_ فأخرجه ابن سعدٍ، والنَّسائيُّ، والحاكم - كما سبق في التخريج - عن مُعاذٍ، عن ابن عونٍ، به.
_ وأخرجه البلاذري في "أنساب الأشراف" - كما في التخريج - عن الكرابيسي، عن ابن عونٍ، به.
وكلاهما (مُعاذ، والكرابيسي) ثِقاتٌ، والإسنادُ إليهما صحيحٌ.
• وأمَّا قوله: "تَفَرَّدَ به: عَبَّادٌ": فغير مُسلم له أيضاً، فلم يَنْفرد به عَبَّاد بن موسى عن أَزْهر بن سعدٍ، بل تابعه الإمام أحمد بن حنبل؛ فأخرجه في "فضائل الصحابة" - كما سبق في التخريج - عن أزهر، بإسناده.
وبهذا تعقَّبه الشيخ/ أبو إسحاق الحويني في "تنبيه الهاجد". (١)
* * *
стр. 1208
[٢١٢/ ٦١٢]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: نا عَلِيُّ بْنُ عُثْمَانَ اللاحِقِيُّ (١)، قَالَ: نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ فَيْرُوزَ.
عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ، قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: رَأَيْنَاهُ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْنِ مَتَقَابِلَتَيْنِ (٢).
* لم يَرْوِ هذا الحديث عن عبد الملك إلا حَمَّادٌ، ولا رُوِيَ عن فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ إلا بهذا الإسناد.
هذا الحديث مَدَاره على حمَّاد بن سلمة، واختُلف عليه مِنْ وجهين:
الوجه الأول: حمَّاد بن سلمة، عن عبد الملك بن عُمَيْرٍ، عن سعيد بن فَيْرُوز، عن أبيه ﵁.
الوجه الثاني: حمَّاد بن سلمة، عن الحجَّاج بن أَرْطَاة، عن عبد الملك، عن سعيد بن فَيْرُوز، عن أَبِيهِ.
وتفصيل ذلك كالآتي:
أولاً: - الوجه الأول: حمَّاد بن سلمة، عن عبد الملك بن عُمَيْرٍ، عن سعيد بن فَيْرُوز، عن أبيه.
أ تخريج الوجه الأول:
أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٦١٢) - وهي رواية الباب -، قال: حدَّثنا أحمد بن علي الأَبَّار، قال: نا عليُّ بن عثمان اللاحِقِيُّ، قال: نا حمَّاد بن سلمة، به.
ب دراسة إسناد الوجه الأول:
٢) أحمد بن علي بن مسلم الأَبَّار: "ثِقَةٌ حافظٌ مُتْقنٌ زاهدٌ"، تقدم في الحديث رقم (٦٠٨).
٣) عليّ بن عثمان بن عبد الحميد، أبو الحسن، اللّاحقيّ البَصْريُّ.
روى عن: حمَّاد بن سلمة، وداود بن أبي الفُرات، وعبد الواحد بن زياد، وآخرين.
روى عنه: أحمد بن علي الأَبَّار، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وآخرون.
حاله: قال أبو حاتم: ثِقَةٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال الذهبي: ثِقَةٌ صاحب حديث. (٣)
٤) حَمَّاد بن سَلمة بن دينار البصري: "ثقةٌ عابدٌ، أثبت الناس في ثابتٍ، تغيَّر حِفظه بآخرةٍ"، وهذا التَّغير ليس المراد به التَّغير الاصطلاحي، وإنَّما هو التَّغير مِنْ قِبَل حفظه، تقدَّم في الحديث رقم (١٠٢).
٥) عَبْدُ المَلِكِ بنُ عُمَيْرِ بنِ سُوَيْدِ بنِ حَارِثَةَ، اللَّخْمِيُّ، أبو عَمْرٍو، ويُقال: أبو عُمَرَ، الكُوْفِيُّ القُرَشِيُّ.
روى عن: سَعِيد بن فيروز الدَّيْلَمِيّ، وجُنْدَب بن عبد الله البَجَليّ، وجابر بن سمرة، وآخرين.
روى عنه: حماد بن سلمة، والسفيانان، وشعبة، وآخرون.
حاله: قال ابن معين: ثقةٌ إلا أنَّه أخطأ في حديث أو حديثين. وقال العجلي، ويعقوب بن سُفْيان: ثِقَةٌ.
стр. 1209
وقال ابن نُمير: ثقةٌ مُتْقِنٌ للحديث. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال النَّسائي: ليس به بأسٌ. وقال الذهبي: ثِقَةٌ مشهورٌ، لكنَّه طال عمره، وساء حفظه. وروى له الجماعة.
_ وقال أحمد: مضطرب الحديث جداً مع قلة حديثه، ما أرى له خمسمائة حديث، وقد غلط في كثير منها. وقال ابن معين: مُخَلِّطٌ. وقال أبو حاتم: لم يُوصف بالحفظ، هو صالحٌ، تغيَّر حفظه قبل موته. وقال الذهبي في "الميزان": لم يورده ابن عدي، ولا العقيلي، ولا ابن حبان، وقد ذكروا من هو أقوى حفظاً منه، وأما ابن الجوزي فذكره فحكى الجرح، وما ذكر التوثيق؛ والرجل من نظراء أبي إسحاق السَّبِيعِيّ، وسعيد المَقْبُريّ لمَّا وقعوا في هِرَم الشيخوخة نقص حفظهم، وساءت أذهانهم، ولم يختلطوا، وحديثهم في كتب الإسلام كلها. وقال العلائي: إنَّ اختلاطه احتمله بعضهم؛ لأنه لم يأت فيه بحديث منكر، فهو من القسم الأول. وقال ابن حجر في "التقريب": ثِقَةٌ، فَصيحٌ، عالمٌ، تَغَيَّر حِفْظُه، ورُبَّما دَلَّس. وقال ابن حجر: احتج به الجماعة، وأخرج له الشيخان من رواية القدماء عنه في الاحتجاج، ومن رواية بعض المتأخرين عنه في المتابعات، وإنَّما عِيب عليه أنه تغير حفظه لكبر سنه؛ لأنَّه عاش مائة وثلاث سنين.
_ وصفه بالتدليس: قال ابن حبَّان: كان مُدَلِّساً. وذكره العلائي في المدلسين، وقال: مشهورٌ به. وذكره ابن حجر في المرتبة الثالثة مِنْ المدلِّسين، وقال: مشهورٌ بالتدليس، وصفه ابن حبَّان والدَّارقطني وغيرهما.
_ قلتُ: أمَّا وصفه بالتدليس: فأشار الحافظ ابن حجر في "التقريب" إلى قلة تدليسه، فقال: رُبَّما دَلَّس، وفي "هدي الساري" ذكره في فصل مَنْ ضُعِّفَ بأمرٍ مَردودٍ، وقال: "ذُكِرَ فيمن تَغَيَّر"، ولم يذكره بالتدليس؛ فدلَّ ذلك على أحد أمرين: إمَّا على قلة تدليسه ونُدْرَتِه، وإمَّا على أنَّ المراد بالتدليس: الإرسال، فقد وُصِفَ بأنَّه كان يُرْسل عن بعض الصحابة كأبي عُبَيْدة بن الجَرَّاح، وعدي بن حاتم، وغيرهما. (١)
فالحاصل: أنه "ثِقَةٌ، يغلط قليلاً، وساء حفظه في آخر عمره، فتقبل روايته قبل كبره وسوء حفظه، ولا تقبل بعد ذلك - إنْ أمكن تميز ذلك -، - وهذا ما فعله البخاري ومسلم، كما قال ابن حجر -، أو تُرَدُ بسوء الحفظ عند وجود قرينة، كالمخالفة ونحوها، والله أعلم. (٢)
٦) سَعِيدُ بْن فَيْرُوزَ، أَبُو البَخْتَرِيِّ الطَّائِيُّ: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، كثير الإرسال"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٧٤).
٧) فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ، ويُقال: ابن الديلمي، أبو عَبد اللَّهِ، ويُقال أبو عبد الرحمن، ابنُ أخت النَّجَاشِيّ.
روى عن: النبي ﷺ . روى عنه: بنوه سَعيد، وعبد الله، والضَّحاك، ومَرْثَد بن عبد الله اليَزَنِيّ، وآخرون.
وفد على النَّبِيّ ﷺ ، وحديثه عنه في الأشربة حديثٌ صحيحٌ، وهو قاتل الأسود العنسيّ الكذّاب الذي ادَّعى
стр. 1210
النبوة فِي أيام رسول الله ﷺ ، له صُحبةٌ وروايةٌ، وحديثه في السنن الأربعة. (١)
ثانياً: - الوجه الثاني: حمَّاد بن سلمة، عن الحجَّاج بن أَرْطَاة، عن عبد الملك، عن سعيد بن فَيْرُوز، عن أَبِيهِ.
أ تخريج الوجه الثاني:
أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٢٩٢٥)، قال: حدَّثنا إبراهيم بن مَرْزُوقٍ، قال: ثنا أبو رَبِيعَةَ؛ وابن قانع في "معجم الصحابة" (٢/ ٣٢٨)، قال: حدَّثنا عبد اللَّهِ بن أحمد بن حنبلٍ، نا إبراهيم بن الحَجَّاجِ.
كلاهما (أبو ربيعة، وإبراهيم) عن حمَّاد بن سلمة، عن الحجَّاج، عن عبد الملك، بسنده، وبنحو لفظه.
والحديث أخرجه ابن قانع في ترجمة فيروز الثقفي!؛ وتعقبه الحافظ ابن حجر، فقال: وأنا أخشى أن يكون هو الّذي بعده - أي فيروز الدَّيْلَميّ -، وأن قول ابن قانع: إنَّه ثقفيٌّ خطأ منه. (٢)
ب دراسة إسناد الوجه الثاني (إسناد ابن قانع):
١) عبد الله بن أحمد بن محمد بن حَنْبَل: "ثِقَةٌ". (٣)
٢) إبراهيم بن الحجَّاج بن زيد السَّاميُّ: "ثِقَةٌ، يَهِمُ قليلاً". (٤)
٨) حَمَّاد بن سَلمة بن دينار البصري: "ثقةٌ عابدٌ، أثبت الناس في ثابتٍ، تغيَّر حِفظه بآخرةٍ"، وهذا التَّغير ليس المراد به التَّغير الاصطلاحي، وإنَّما هو التَّغير مِنْ قِبَل حفظه، تقدَّم في الحديث رقم (١٠٢).
٣) حَجَّاج بن أَرطاة النَّخَعيّ: "صدوقٌ، كثير الخطأ والتدليس". (٥)
٤) وبقية رجال الإسناد: سبقت ترجمتهم في الوجه الأول.
ثالثاً: - النظر في الخلاف على هذا الحديث:
مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث مَدَاره على حمَّاد بن سلمة، واختُلف عليه مِنْ وجهين:
الوجه الأول: حمَّاد بن سلمة، عن عبد الملك بن عُمَيْرٍ، عن سعيد بن فَيْرُوز، عن أبيه ﵁.
ورواه عن حَمَّاد بن سلمة بهذا الوجه: عَلِيُّ بن عُثمان اللاحِقِيُّ، وهو "ثِقَةٌ"، والإسناد إليه "صَحيحٌ".
الوجه الثاني: حمَّاد بن سلمة، عن الحجَّاج بن أَرْطَاة، عن عبد الملك، عن سعيد بن فَيْرُوز، عن أَبِيهِ.
بينما رواه عن حَمَّاد بن سلمة بهذا الوجه اثنان مِنْ الرواة، وهما:
стр. 1211
أبو ربيعة زيد بن عوفٍ العامري، وهو "متروك الحديث" (١)، فلا يُفرح بمتابعته.
وإبراهيم بن الحَجَّاج بن زيد السَّامي، وهو "ثِقَةٌ، يَهِمُ قليلاً"، والإسناد إليه "صَحيحٌ".
قلتُ: ولعلَّ الاختلاف فيه مِمَّا وهم فيه حمَّاد بن سلمة، فقد قال الذهبي كما سبق في ترجمته: إِمَامٌ ثِقَةٌ له أَوْهَامٌ وغرائب، وغيره أثبت منه؛ ولعلَّ الوجه الأول هو الأشبه بالصواب، والله أعلم.
رابعاً: - الحكم على الحديث:
مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "صَحيحٌ لذاته"؛ وأمَّا عبد الملك بن عُمير فلا يُخشى مِنْ تَغيُّره، لكونه مِنْ رواية حمَّاد بن سلمة، وقد أخرج الإمام مُسْلمٌ في "صحيحه" مِنْ رواية حمَّاد بن سلمة عن عبد الملك بن عُمير، فدلَّ ذلك على أنَّ روايته عنه قبل كبره وسوء حفظه، فزال ما نخشاه، والله أعلم.
وقال الهيثمي: رَوَاهُ الطبرانيُّ في "الأوسط"، ورجاله ثِقَاتٌ. (٢)
شواهد للحديث:
أخرج البخاري ومسلمٌ في "صحيحيهما" عن أبي مَسلمة سَعِيد بن يزيد الأَزْدِيّ، قال: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. (٣)
خامساً: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁:
قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْوه عن عبد الملك إلا حَمَّادٌ، ولا رُوِيَ عن فَيْرُوزَ إلا بهذا الإسناد.
قلتُ: ومِمَّا سبق في التخريج يتَّضح صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁، فلم يروه عن عبد الملك بن عُمير إلا حمَّاد بن سلمة؛ وأمَّا قوله: "ولا رُوي عن فيروز الدَّيْلمي إلا بهذا الإسناد": فغيرُ مُسَلَّم له فيه، فقد أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار"، وابن قانع في "معجمه" - كما سبق في التخريج -، كلاهما مِنْ طريقين عن حمَّاد بن سلمة، عن الحجَّاج بن أَرْطَاة، عن عبد الملك بن عُمير، عن سعيد بن فَيْرُوز، عن أَبِيهِ.
سادساً: - التعليق على الحديث:
قال ابن رجب الحنبلي: الصلاة في النعلين جائزة، لا اختلاف بين العلماء في ذلك، وقد قال أحمد: لا بأس أن يصلي في نعليه إذا كانتا طاهرتين، وليس مراده: إذا تحقق طهارتهما، بل مراده: إذا لم تتحقق نجاستهما.
وفي الحديث دليلٌ على أن عادة النبي ﷺ المستمرة الصلاة في نعليه، وكلام أكثر السلف يدل على أن الصلاة في النعلين أفضل من الصلاة حافيا.
стр. 1212
وقد أنكر ابن مسعود على أبي موسى خلعه نعليه عند إرادة الصلاة، قال لهُ: أبالوادي المقدس أنت؟!
وكان أبو عمرو الشيباني يضرب الناس إذا خلعوا نعالهم في الصلاة.
وأنكر الربيع بن خُثَيْم على من خلع نعليه عند الصلاة، ونسبه إلى أنه أحدث، يريد: أنه ابتدع.
وكان النخعي، وأبو جعفر محمد بن على: إذا قاما إلى الصلاة لبسا نعالهما وصليا فيها.
وأمر غير واحد منهم بالصلاة في النعال، منهم: أبو هريرة وغيره. (١)
* * *
стр. 1213
[٢١٣/ ٦١٣]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ بَحْرٍ الْعَسْكَرِيُّ (١)، قَالَ: نا عَبْثَرُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنْ أَبِي الْجَهْمِ، عَنِ [أبي] (٢) الْقَاسِمِ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.
عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، قَالَ: لَمَّا فَتْحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ، وَقَعَ النَّاسُ فِي الثَّومِ، فَجَعَلُوا يَأْكُلُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ [الخَبِيْثَةِ] (٣)، فلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا».
* لم يَرْوِ هذا الحديث عن مُطَرِّفٍ إلا عَبْثَرٌ، تَفَرَّدَ به: أحمد بن بَحْرٍ، ولا يُرْوَى عن أبي بكر إلا بهذا الإسناد.
هذا الحديث مَداره على مُطَرِّف بن طريف، واختُلف عنه مِنْ وجهين:
الوجه الأول: مُطَرِّفِ، عن أبي الجَهْمِ، عن أبي القاسم مولى أبي بكر، عن أبي بكر الصِّدِّيق ﵁.
الوجه الثاني: مُطَرِّفِ بن طَرِيفٍ، عن أبي الجَهْمِ، عن أبي القاسم مولى أبي بكر الصِّدِّيقِ.
وتفصيل ذلك كالآتي:
أولاً: - الوجه الأول: مُطَرِّفِ، عن أبي الجَهْمِ، عن أبي القاسم، عن أبي بكر الصِّدِّيق.
أ تخريج الوجه الأول:
• أخرجه ابن المديني في مسند أبي بكر الصديق - كما في "العلل" للدَّارقطني (١/ ٢٨٨/مسألة ٧٩) -؛ والطبراني في "الأوسط" (٦١٣) - وهي رواية الباب -، عن أحمد بن علي الأَبَّار.
كلاهما (علي بن المديني، وأحمد الأَبَّار) عن أحمد بن بحر العسكريُّ، قال: نا عَبْثَرُ بن القاسم، عن مُطَرِّفِ بن طَريف، به.
ب دراسة إسناد الوجه الأول:
١) أحمد بن علي بن مسلم الأَبَّار: "ثِقَةٌ حافظٌ مُتْقنٌ زاهدٌ"، تقدم في الحديث رقم (٦٠٨).
стр. 1214
٢) أحمد بن بحر العَسْكريُّ، أبو جعفرٍ السِّمْسَارُ.
روى عن: عَبْثَر بن القاسم، وعمر بن عُبَيْد، وعليّ بن مُسْهِر، وآخرين.
روى عنه: أحمد بن علي الأَبَّار، وإسماعيل بن إسحاق، وعلي بن الحسن الهسنجاني، وآخرون.
حاله: قال أبو حاتم: حديثه صَحيحٌ، ولا أعرفه. وقال الذهبي: ما علمت بالرجل بأساً. (١)
٣) عَبْثَرُ بْنُ القَاسِمِ، أَبُو زُبَيْدٍ الْكُوفِيُّ، الزُّبَيْدِيُّ.
روى عن: مُطَرِّف بن طَريف، والأعمش، والثوري، وآخرين.
روى عنه: أحمد بن بحر العسكري، وأبو نُعيم الفضل بن دُكين، وقتيبة بن سَعِيد، وآخرون.
حاله: قال ابن سعد، وابن معين، وابن المديني، ويعقوب بن سُفيان، وابن نُمير، والنَّسائي، وابن حجر: ثِقَةٌ. وقال أحمد: ثِقَةٌ صدوقٌ. وقال أبو داود: ثِقَةٌ ثِقَةٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وروى له الجماعة. (٢)
٤) مُطَرِّفُ بن طريف الحَارِثِيُّ، العَابِدُ، أبو بكر، ويُقال: أبو عَبْد الرحمن الكوفي.
روى عن: أبو الجهم سُليمان بن الجهم، وسُليْمان الأعمش، والشعبي، وآخرين.
روى عنه: عَبْثَر بن القاسم، والثوري، وابن عُيَيْنة، وآخرون.
حاله: قال ابن المديني، وابن عُيَيْنَة، وابن معين، وأحمد، وأبو زرعة، وأبو داود: ثِقَةٌ. وقال يعقوب بن شيبة: ثِقَةٌ ثَبْتٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال الذهبي: ثِقَةٌ إمامٌ عابدٌ. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ فاضلٌ. (٣)
٥) سُلَيْمان بن الجهم بن أبي الجهم، أبو الجهم الأَنْصارِيّ، الحارثيّ - مولى البراء بن عازب -.
روى عن: القاسم مولى أَبِي بَكْرٍ الصديق، ومولاه البراء بن عازب، وخالد بن وهْبَان، وآخرين.
روى عنه: مُطَرِّف بن طَريف، روح بن جَناح الدمشقي، وأخوه مروان بن جَناح - إن كان محفوظا -.
حاله: قال ابن نُمير: ليس به بأسٌ، ثِقَةٌ. وقال العِجْلي، وابن حجر: ثِقَةٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". (٤)
٦) أبو القاسم مولى أبي بكر الصديق، ويُقال: اسمه القاسم.
روى عن: النَّبي ﷺ ، وأبي بكر الصديق ﵁.
روى عنه: سُليمان بن الجهم.
حاله: قال ابن عبد البر: له صحبةٌ وروايةٌ. وذكره ابن حجر في القسم الأول، وقال: شهد خيبر.
وقيل لأبي زرْعَة: له صُحْبَة؟ فقال: ما أرى. وقال أبو نُعيم: ذكرهُ المَنِيعِيُّ في "الصَّحابة"، ولم يُتَابَع عليه.
стр. 1215
وكلام الدَّارقطني يَدُل على أنَّ روايته مُرْسلة، فقال - بعد أنْ ذكر حديث الباب -: رواه الجماعة، ولم يَذْكروا فيه أبا بكر، وأرسلوه. وصَرَّح ابن مُنْدة بأنَّ روايته عن النَّبي ﷺ مُرْسلةٌ. وقال العلائي: ذكره الصغاني فيمن اختلف في صحبته، وجزم ابن عبد البر بها، ولم يذكره ابن حبان فيهم. (١)
قلتُ: فالحاصل: أنَّه مُخْتلفٌ في صحبته، وأكثر الأقوال على أنَّ روايته مُرْسلةٌ. (٢)
٧) عَبد اللَّهِ بن عثمان - وهو أَبُو قحافة - بن عامر، أبو بكر الصديق، القرشي التَّيْمِيّ.
روى عن: النَّبي ﷺ . روى عنه: أنس بن مالك، والبَرَاء بن عازب، وعبد الله بن عبَّاس ﵃، وآخرون.
خليفة رَسُول اللَّهِ ﷺ ، وصاحبه فِي الغار، كان أول الناس إسلاماً، وهاجر مع رَسُول اللَّهِ ﷺ ، وشهد معه بدراً وأحداً، والمشاهد كلها؛ ومناقبه وفضائله كثيرة جداً. (٣)
ثانياً: - الوجه الثاني: مُطَرِّفِ، عن أبي الجَهْمِ، عن أبي القاسم مولى أبي بكر الصِّدِّيقِ.
أ تخريج الوجه الثاني:
• أخرجه الدولابي في "الكنى" (٤٦٥)، قال: حدَّثنا الحسنُ بن عليِّ بن عفَّان، قال: ثنا أَسْبَاطُ بن محمد؛
وأبو القاسم البغوي في "معجم الصحابة" (١٩٩٠)، قال: حدثني جدي، قال: نا عَبيدة بن حُميد؛ وأبو نُعيم في "معرفة الصحابة" (٦٩٥٧)، قال: حدَّثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ومحمد بن عليِّ بن حُبَيْش، قالا: ثنا أحمد بن يحيى الحُلوانيُّ، ثنا أحمد بن يونس، ثنا زُهَيْر بن مُعاوية؛ وابن عبد البر في "التمهيد" (٤٢٤) - مُعَلَّقاً -، عن جرير بن عبد الحميد، وزُهير بن مُعاوية.
أربعتهم (أسباط، وعَبيدة، وزُهير، وجرير) عن مُطَرِّفِ بن طَرِيفٍ، عن أبي الجهم، عن أبي القاسم مولى أبي بكر، قال: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ، وَقَعَ النَّاسُ فِي الثَّوْمِ يَأْكُلُونَ مِنْهُ، فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَكَلَ هَذِهِ الْبَقْلَةَ الْخَبِيثَةَ فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهَا مِنْ فِيهِ». واللفظ لأسباط بن محمد، والباقون بنحوه.
وعزاه الحافظ ابن حجر في "الإصابة" (١٢/ ٥٣٢) إلى ابن أبي خيثمة مِنْ طريق مُطَرِّف، عن أبي الجهم،
стр. 1216
به، ولفظه بنحوه، إلا أنَّه ذكره بلفظ: "لمَّا فُتِحَتْ خَيْبَر أَكَلْنَا مِنْ الثَّوْمِ … ".
وقال البغوي - بعد أن أخرج له حديثاً أخر -: ولا أعرف للقاسم غير هذا، ولا أعلم رواه غير مُطَرِّف.
وقال أبو نُعيم: رَوَاهُ خَالِدٌ، وأسْبَاطٌ، ومحمد بن فُضَيْلٍ، وأبو حَمْزَةَ السُّكَّرِيُّ، عن مُطَرِّفٍ، مِثْلَهُ، ورَوَاهُ عَبْثَرٌ، عن مُطَرِّفٍ، عن أبي الجَهْمِ، عن أبي القَاسِمِ - مولى أبي بكر الصِّدِّيقِ -، عن أبي بكر الصِّدِّيقِ ﵁.
ب دراسة إسناد الوجه الثاني (إسناد الدولابي):
١) الحسن بن علي بن عَفَّان العامريُّ: "ثِقَةٌ". (١)
٢) أَسْبَاط بن محمد بن عبد الرحمن القرشي: "ثِقَةٌ، يُخطئ عن الثوري". (٢)
٣) وبقية رواة الإسناد: سبقت تراجمهم في الوجه الأول.
ثالثاً: - النظر في الخلاف على هذا الحديث:
مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث مَداره على مُطَرِّف بن طريف، واختُلف عنه مِنْ وجهين:
الوجه الأول: مُطَرِّفِ، عن أبي الجَهْمِ، عن أبي القاسم مولى أبي بكر، عن أبي بكر الصِّدِّيق.
ولم يَروه عن مُطَرِّف بن طَريف بهذا الوجه إلا عَبْثَر بن القاسم، تَفَرَّد به عنه أحمد بن بحر العسكري.
الوجه الثاني: مُطَرِّفِ بن طَرِيفٍ، عن أبي الجَهْمِ، عن أبي القاسم مولى أبي بكر الصِّدِّيقِ.
بينما رواه عن مُطَرِّف بهذا الوجه جماعةٌ، منهم: أسباط بن محمد، وعَبيدةُ بن حُميد، وجرير بن عبد الحميد، وزُهير بن مُعاوية، وخالد بن عبد الله، ومحمد بن فُضَيْلٍ بن غَزْوان، ومحمد بن ميمون، وغيرهم.
وبه يَتَبَيَّن أنَّ الوجه الثاني هو الأشبه بالصواب، لكونه مِنْ رواية الجماعة؛ لذا رجَّحه الدَّارقطني في "العلل"، فقال - بعد أن ذكر الوجهين -: وقول الجماعة أشبه بالصواب. (٣)
رابعاً: - الحكم على الحديث:
أ الحكم على الحديث بإسناد الطبراني:
مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "شاذٌ"؛ لمخالفة عَبْثَر بن القاسم ما رواه الجماعة عن مُطَرِّف.
وقال الهيثمي: رواه الطبرانيُّ في "الأوسط" مِنْ رواية أبي القاسم - مولى أبي بكر -، ولم أجد من ذكره، وبقيَّةُ رجاله مُوَثَّقُونَ. (٤)
قلتُ: أبو القاسم - مولى أبي بكرٍ - ذكره غير واحدٍ، كما سبق تفصيله في ترجمته، وكون رجاله مُوَثَّقُون لا يتعارض مع الحكم على الحديث بالشذوذ، كما هو مُقَرَّر عند أهل هذا الفن.
стр. 1217
ب الحكم على الحديث مِنْ وجهه الراجح:
ومِنْ خلال ما سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث مِنْ وجهه الراجح بإسناد الدُّولابي في "الكنى"، "إسناده صحيحٌ لذاته"، على قول مَنْ أثبت الصحبة لأبي القاسم مولى أبي بكرٍ الصديق ﵁؛ وأمَّا على اعتبار مَنْ قال بأنَّ روايته مُرْسلة - وهم الأكثرون -، فإسناده "مُرْسلٌ، ورجاله ثِقَاتٌ"، وعلى كل حال فالحديث له عِدَّة شواهد كثيرة في "الصحيحين" وغيرهما، يَصح الحديث بها، وقد سبق ذكر هذه الشواهد في الحديث رقم (١٥٤).
خامساً: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث:
قال المُصَنِّف: لم يَرْوِ هذا الحديث عن مُطَرِّفٍ إلا عَبْثَرٌ، تَفَرَّدَ به: أحمد بن بَحْرٍ، ولا يُرْوَى عن أبي بكر إلا بهذا الإسناد.
قلتُ: ومِمَّا سبق في التخريج يَتَّضح صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁.
* * *
стр. 1218
[٢١٤/ ٦١٤]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: نا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: نا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: نا الْمُطْعِمُ بْنُ الْمِقْدَامِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ.
عَنْ جَابِرٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، يَقُولُ:
«لِتَأْخُذْ أُمَّتِي مَنَاسِكَهَا، فَإِنِّي لا أَدْرِي لَعَلِّي لا أَحُجُّ بَعْدَ عَامِي هَذَا».
أولاً: - تخريج الحديث:
• أخرجه المُصَنِّف ﵁ في "مسند الشاميين" (٩٠٨)، قال: حدَّثنا أحمد بن عليّ الأَبَّار، بسنده، ولفظه: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لا أَدْرِي لَعَلِّي لا أَحُجُّ حَجَّةً أُخْرَى».
• وأبو عوانة في "المُستخرَج" (٣٥٥٩)، قال: حدَّثنا محمد بن إبراهيم المروزي، نا عليّ بن حُجْر، به.
• وأخرجه أحمد في "مسنده" (١٤٢١٩ و ١٤٥٥٣ و ١٤٩٤٦)، وابن ماجه في "سننه" (٣٠٢٣) ك/المناسك، ب/الوقوف بجمع، والترمذي في "سننه" (٨٨٦) ك/الحج، ب/ما جاء في الإفاضة مِنْ عرفات، والنَّسائي في "الكبرى" (٤٠٠٢) ك/المناسك، ب/الأمر بالسكينة في الإفاضة مِنْ عرفة، وأبو يعلى في "مسنده" (٢١٤٧)، والطحاوي في "أحكام القرآن" (١٣٥٩ و ١٤٩٨)، وابن حكيم المديني في "جزئه" (٣٥)، وابن عدي في "الكامل" (٩/ ٦١)، والبيهقي في "الكبرى" (٩٥٢٤)، والقزويني في "أخبار قزوين" (٣/ ٣٤١).
كلهم مِنْ طُرُقٍ عن سُفْيَان الثوري، عن أبي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ، بنحوه، وفي بعضها زيادة.
وقال الترمذي: حديث جابر حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
_ وابن سعد في "الطبقات" (٢/ ١٦٣)، وأحمد في "مسنده" (١٤٤١٩ و ١٥٠٤١) - ومِنْ طريقه أبو داود في "سننه" (١٩٧٠) ك/الحج، ب/رمي الجمار -، ومُسلمٌ في "صحيحه" (١٢٩٧) ك/الحج، ب/استحباب رمي جَمْرَةِ العَقَبَة يوم النَّحْرِ راكبًا - ومِنْ طريقه البغوي في "شرح السنة" (١٩٤٦) -، والفاكهي في "أخبار مكة" (٢٦٤٢)، والنَّسائي في "الكبرى" (٤٠٥٤) ك/المناسك، ب/رمي الجمرة راكباً، وفي "الصغرى" (٣٠٦٢)، وابن خزيمة في "صحيحه" (٢٨٧٧) - ومِنْ طريقه البيهقي في "الدلائل" (٥/ ٤٤٨) -، وأبو عوانة في "المُستخرَج" (٣٥٥٨)، وأبو نُعيم في "المُستخرَج" (٢٩٩٥ و ٢٩٩٧)، والبيهقي في "الكبرى" (٩٥٥٢).
كلهم مِنْ طُرُقٍ عن ابن جُريج، قال: أخبرني أبو الزُّبَيْرِ، أنَّه: سَمِعَ جَابِرًا، وذكر الحديث بنحوه.
ثانياً: - دراسة الإسناد:
١) أحمد بن علي بن مسلم الأَبَّار: "ثِقَةٌ حافظٌ مُتْقنٌ زاهدٌ"، تقدم في الحديث رقم (٦٠٨).
٢) عَلِيُّ بن حُجْرِ بن إِيَاسِ بن مُقَاتِل بن مُشَمْرِج، أبو الحسن المروزيُّ. ولجده مُشَمْرِج صُحْبَة.
روى عن: الهيثم بن حُميد، وسُفيان بن عُيَيْنَة، وعبد الله بن المبارك، وآخرين.
روى عنه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنَّسائي، وأحمد بن علي الأَبَّار، وآخرون.
стр. 1219
حاله: قال النَّسائي: ثِقَةٌ مأمونٌ حافظٌ. وقال الحاكم: ثِقَةٌ شيخٌ فاضلٌ. وقال الخطيب البغدادي: صدوقٌ مُتْقِنٌ حافظٌ. وقال الذهبي: ثقةٌ، حافظٌ، رحّالٌ، عالي الإسناد، كبير القدر. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ حافظٌ. (١)
٣) الهَيْثَمُ بن حُمَيْدٍ، الغَسَّانِيُّ مَوْلَاهُم، أبو أحمد، وأبو الحَارِث، الدِّمَشْقِيُّ.
روى عن: المُطْعِمُ بن المِقْدَام، والأوزاعيّ، والنُّعْمان بن المنذر، وآخرين.
روى عنه: عليُّ بن حُجْر، ومَرْوان بن محمد الطاطري، والربيع بن نافع، وآخرون.
حاله: قال ابن معين، وأبو داود، وابن حبَّان، والدَّارقطني: ثِقَةٌ. وقال دُحيم: ثقةٌ، أعلم النَّاس بحديث مكحول. وبنحوه قال أبو زرعة. وحاصله: "أنَّه ثِقَةٌ، أعلم الناس بحديث مكحول". (٢)
٤) الْمُطْعِمُ بْنُ الْمِقْدَامِ بْنِ غُنَيْمٍ، الصَّنْعَانِيُّ، الشَّامِيُّ.
روى عن: أبي الزبير المكي، ونافع مولى ابْن عُمَر، وسعيد بن أبي عَروبة، وآخرين.
روى عنه: الهيثم بن حُميد، والأوزاعي، ويحيى بن حمزة الحضرميّ، وآخرون.
حاله: قال ابن معين، والأوزاعي: ثقةٌ. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال ابن حبَّان: مُتْقِنٌ. وقال الحاكم: عزيزُ الحديث. وقال الذهبي: ثِقَةٌ نبيلٌ. وقال ابن حجر: صدوقٌ. وحاصله: أنَّه "ثِقَةٌ". (٣)
٥) محمد بن مُسلم بن تَدْرُس، أبو الزُّبير، المكّي، القُرَشيّ: "ثقة، يُدَلِّس عن جابرٍ خاصة، فلا يُقبل من حديثه عنه إلا ما صرَّحَ فيه بالسماع، أو كان من رواية الليث بن سعد عنه"، تقدَّم في الحديث رقم (٤٧).
٦) جابر بن عبد الله الأنصاري: صحابيٌّ جليلٌ، مِنْ المُكْثِرين، تقدم في الحديث رقم (٢٠).
ثالثاً: - الحكم على الحديث:
مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "صحيحٌ لذاته"؛ وأمَّا عن تدليس أبي الزبير، فقد صَرَّح في بعض طرق الحديث بالسَّماع، كما سبق في التخريج عند الإمام مسلم وغيره مِنْ طريق ابن جُريجٍ، عنه.
والحديث أخرجه الترمذي في "سننه" مِنْ طريق سُفْيان الثوري عن أبي الزبير، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
رابعاً: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث:
قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْوه عن المُطْعِمِ إلا الهيثمُ بن حُمَيْدٍ، تَفَرَّدَ به: عَلِيُّ بن حُجْرٍ. (٤)
قلتُ: مِمَّا سبق في التخريج يَتَّضح صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁.
стр. 1220
خامساً: - التعليق على الحديث:
قال الإمام النووي: هذا الحديث فيه دلالة لما قاله الشافعي وموافقوه، أنَّه يُستحب لمن وصل منى راكبًا أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر راكباً، ولو رماها ماشيا جاز، وأمَّا من وصلها ماشياً فيرميها ماشياً، وهذا في يوم النحر، وأمَّا اليومان الأولان من أيام التشريق: فالسنة أن يرمي فيهما جميع الجمرات ماشياً، وفي اليوم الثالث يرمي راكباً، وينفر، هذا كله مذهب مالك والشافعي وغيرهما.
وقال أحمد وإسحاق: يُستحب يوم النحر أن يرمي ماشياً.
قال ابن المنذر: وكان ابن عمر وابن الزبير وسالم يرمون مشاة، قال: وأجمعوا على أن الرمي يجزيه على أي حال رماه إذا وقع في المرمى.
وأما قوله ﷺ "لِتَأْخُذْ أُمَّتِي مَنَاسِكَهَا": فهذه اللام لام الأمر، ومعناه: خذوا مناسككم، وهكذا وقع في رواية غير مسلم، وتقديره: هذه الأمور التي أتيتُ بها في حجتي من الأقوال والأفعال والهيئات، وهي أمور الحج وصفته، وهي مناسككم فخذوها عني واقبلوها واحفظوها واعملوا بها وعلموها الناس.
وهذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج، وهو نحو قوله ﷺ في الصلاة: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" (١).
قال الطحاوي: وكان ذلك منه ﷺ ليتبعوا آثاره، ويكونوا فيما يفعلونه في حجهم متبعين ممتثلين لأفعاله، غير خارجين عنها إلى زيادة عليها، ولا إلى نقصان عنها. "شرح مشكل الآثار" (٩/ ١٣٥).
وقوله ﷺ : "لَعَلِّي لا أَحُجُّ بَعْدَ عَامِي هَذَا": فيه إشارة إلى توديعهم وإعلامهم بقرب وفاته ﷺ ، وحثهم على الاعتناء بالأخذ عنه، وانتهاز الفرصة من ملازمته، وتعلم أمور الدين، وبهذا سميت حجة الوداع. والله أعلم (٢)
* * *
стр. 1221
[٢١٥/ ٦١٥]- وَبِهِ (١):
عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ يَرْمِي أَوَّلَ يَوْمٍ ضُحًى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَاحِدَةً، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَعِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ.
أولاً: - تخريج الحديث:
• أخرجه أبو عوانة في "المُستخرَج" (٣٥٧٢): حدَّثنا محمد بن إبراهيم المروزي، نا عليّ بن حُجْر، به.
• وأخرجه ابن سعدٍ في "الطبقات" (٢/ ١٦٣)، عن محمد بن بكر البُرْساني، وعبد الوهاب بن عطاء؛ وابن أبي شيبة في "المُصَنَّف" (١٤٥٨٣) - ومِنْ طريقه الإمام مُسْلمٌ في "صحيحه" (١٢٩٩/ ١) ك/الحج، ب/بيان وقت استحباب الرَّمي، والدَّارقطني في "سننه" (٢٦٨٢)، وابن أخي ميمي في "فوائده" (١٧٦)، وابن حزم في "حجة الوداع" (١٩٠)، والبغوي في "شرح السنة" (١٩٦٧) -، مِنْ طريق عبد الله بن إدريس بن يزيد، وأبو خالد سليمان الأحمر؛ وأحمد في "مسنده" (١٤٣٥٤)، والنَّسائي في "الكبرى" (٤٠٥٥) ك/المناسك، ب/وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر، وفي "الصغرى" (٣٠٦٣)، وابن خزيمة في "صحيحه" (٢٩٦٨/ ٣)، وابن حبَّان في "صحيحه" (٣٨٨٦)، والطبراني في "الأوسط" (٦٣٩)، كلهم مِنْ طُرُقٍ عن عبد الله بن إدريس؛ وأحمد في "مسنده" برقم (١٤٤٣٥) - ومن طريقه أبو داود في "سننه" (١٩٧١) ك/الحج، ب/رمي الجمار، وابن عبد البر في "التمهيد" (٧/ ٢٧٢) -، والدَّارقطني في "سننه" (٢٦٨٣)، مِنْ طريق يحيى بن سعيد القطان؛ وأحمد أيضاً في "مسنده" برقم (١٥٢٩١)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٣٩٩٥ و ٣٩٩٦)، والطبراني في "الأوسط" (٨٩١٩)، من طريق حمَّاد بن سلمة؛ والدَّارمي في "سننه" (١٩٣٧)، وأبو عوانة في "المُستخرَج" (٣٥٧١)، من طريق عُبيد الله بن موسى العَبْسي؛ ومُسْلمٌ في "صحيحه" (١٢٩٩/ ٢) ك/الحج، ب/بيان وقت استحباب الرَّمي، والترمذي في "سننه" (٨٩٤) ك/الحج، ب/ما جاء في رمي يوم النَّحر ضُحىً، وابن الجارود في "المنتقى" (٤٧٤)، وابن خزيمة في "صحيحه" (٢٨٧٦/ ١ و ٢٩٦٨/ ١)، كلهم مِنْ طريق عيسى بن يونس؛ وابن ماجه في "سننه" (٣٠٥٣) ك/المناسك، ب/رمي الجمار أيام التشريق، وأبو عوانة في "المُستخرَج" (٣٥٧٠)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٣٩٩٤)، وفي "أحكام القرآن" (١٤٩١)، من طريق عبد الله بن وهب؛ وابن خزيمة في "صحيحه" (٢٨٧٦/ ٢ و ٢٩٦٨/ ٤)، وأبو عوانة في "المُستخرَج" (٣٥٦٨)، عن محمد بن بكر
البُرْساني؛ وأبو عوانة في "المُستخرَج" (٣٥٦٩)، من طريق مكي بن إبراهيم البَلْخي؛ والدَّارقطني في "سننه" (٢٦٨٢)، من طريق عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رَوَّاد.
كلهم (البُرْسانيّ، وعبد الوهاب، وعبد الله بن إدريس، ويحيى القطَّان، وحمَّاد بن سلمة، والعَبْسي، وعيسى بن يونس، وابن وهبٍ، والبَلْخي، وعبد المجيد) عن ابن جُريجٍ، قال أخبرني أبو الزُّبير، أنَّه سَمِعَ جابر بن عبد الله، قَالَ: «رَمَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَأَمَّا بَعْدُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ». واللفظ لعيسى بن يونس عند مسلم
стр. 1222
في "صحيحه"، والباقون بنحوه، وعند أحمد مِنْ طريق يحيى، قال: "يَرْمِي يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى وَحْدَهُ". وعند ابن خزيمة بالطريق الثاني، قال: "يَرْمِي يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَاحِدًا، يَعْنِي: جَمْرَةً وَاحِدَةً".
وقال الترمذي: حَسَنٌ صَحِيحٌ. والعملُ عليه عند أكثر أهل العلم، فلا يَرْمي بعد يوم النَّحْرِ إلا بعد الزَّوال.
وقال الطبراني - عقب الحديث رقم (٦٣٩) -: لم يَرْوِ هذا الحديثَ عن ابن جُرَيجٍ إلا ابن إِدْرِيسَ.
قلتُ: بل رواه جماعةٌ عن ابن جُريجٍ، غير ابن إدريس، كما هو واضحٌ في التخريج.
وقال الطبراني - عقب الحديث رقم (٨٩١٩) -: لم يَرْوِ حَمَّادُ بن سلمة، عن ابن جُرَيْجٍ، عن أبي الزُّبَيْرِ حديثًا مُسْنَدًا غير هذا.
• وأخرجه أحمد في "مسنده" (١٤٦٧١)، عن حسن بن موسى الأشيب، حدَّثنا ابنُ لَهِيعَةَ، حدَّثنا أبو الزُّبَيْرِ، قال: سَأَلْتُ جَابِرًا، مَتَى كَانَ يَرْمِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: " أَمَّا أَوَّلَ يَوْمٍ فَضُحًى، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ، فَعِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ ".
• وذكره البخاريُّ في "صحيحه"، ك/الحج، ب/رمي الجمار، تَعْلِيقاً بصيغة الجزم، في ترجمة الباب فقال: وقال جابر: «رَمَى النَّبِي ﷺ يَوْم النَّحْر ضُحًى، وَرَمَى بعد ذَلِك بعد الزَّوَال».
ثانياً: - دراسة الإسناد:
١) أحمد بن علي بن مسلم الأَبَّار: "ثِقَةٌ حافظٌ مُتْقنٌ زاهدٌ"، تقدم في الحديث رقم (٦٠٨).
٢) عَلِيُّ بن حُجْرِ، أبو الحسن المروزيُّ: "ثِقَةٌ حافظٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (٢١٤).
٣) الهَيْثَمُ بن حُمَيْدٍ: "ثِقَةٌ، أعلم الناس بحديث مكحول"، تقدَّم في الحديث رقم (٢١٤).
٤) المُطْعِمُ بْنُ الْمِقْدَامِ: "ثِقَةٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (٢١٤).
٥) محمد بن مُسلم بن تَدْرُس، أبو الزُّبير، المكّي، القُرَشيّ: "ثقة، يُدَلِّس عن جابرٍ خاصة، فلا يُقبل من حديثه عنه إلا ما صرَّحَ فيه بالسماع، أو كان من رواية الليث بن سعد عنه"، تقدَّم في الحديث رقم (٤٧).
٦) جابر بن عبد الله الأنصاري: صحابيٌّ جليلٌ، مِنْ المُكْثِرين، تقدم في الحديث رقم (٢٠).
ثالثاً: - الحكم على الحديث:
مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "صحيحٌ لذاته"؛ وأمَّا عن تدليس أبي الزبير، فلقد صَرَّح في بعض طرق الحديث بالسَّماع، كما سبق في التخريج عند الإمام مسلم وغيره مِنْ طريق ابن جُريجٍ، عنه.
والحديث أخرجه الترمذي في "سننه" مِنْ طريق ابن جُريج، عن أبي الزبير، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
والحديث سيأتي - بإذن الله تعالى - مِنْ طريق ابن إدريس عن ابن جُريج في الحديث رقم (٢٣٩).
رابعاً: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث:
قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْوه عن المُطْعِمِ إلا الهيثمُ بن حُمَيْدٍ، تَفَرَّدَ به: عَلِيُّ بن حُجْرٍ.
قلتُ: مِمَّا سبق في التخريج يَتَبَيَّن صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁.
* * *
стр. 1223
[٢١٦/ ٦١٦]- وَبِهِ:
عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَرْمِي بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ (١).
* لم يَرْوِ هذه الأحاديث عن المُطْعِمِ إلا الهيثمُ بن حُمَيْد، تَفَرَّدَ بها: عليُّ بن حُجْرٍ.
أولاً: - تخريج الحديث:
• أخرجه الطبراني في "مسند الشاميين" (٩٠٩)، قال: حدَّثنا أحمد بن علي الأَبَّار، به.
• وأخرجه أبو عوانة في "المُستخرَج" (٣٥٥٠)، قال: حدَّثنا أبو جعفر محمد بن إبراهيم المروزي، ومحمد بن أبي العوام البِسْطامي، قالا: أخبرنا علي بن حُجْر، به.
• وأخرجه الشافعي في "الأم" (١٣٥٦) - ومن طريقه البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (١٠١١٠)، والبغوي في "شرح السنة" (١٩٤٧) -، وابن سعد في "الطبقات" (٢/ ١٦٣)، وأحمد في "مسنده" (١٤٣٦٠ و ١٤٤٣٧ و ١٤٨٣١)، ومُسْلمٌ في "صحيحه" (١٢٩٩)، ك/الحج، ب/استحباب كون حصى الجمار بقدر حصى الخَذْفِ، والترمذي في "سننه" (٨٩٧)، ك/الحج، ب/الجمار التي يُرمى بها مثلُ حصى الخَذْفِ، والنَّسائي في "الكبرى" (٤٠٦٧)، ك/المناسك، ب/المكان الذي تُرمى منه جمرة العقبة، وفي "الصغرى" (٣٠٧٥)، وأبو عوانة في "المُستخرَج" (٣٥٤٥ و ٣٥٤٦ و ٣٥٤٧)، والطحاوي في "أحكام القرآن" (١٥٠٥)، وابن عدي في "الكامل" (٤/ ٤٥٣)، وأبو نُعيم في "المُستخرَج" (٣٠٠٠)، والبيهقي في "الكبرى" (٩٥٣٦).
كلهم مِنْ طُرُقٍ عن ابن جُرَيْجٍ، قال: أخبرنا أبو الزُّبَيْرِ، أنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بن عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ رَمَى الْجَمْرَةَ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ». واللفظ لمسلم، والباقون بنحوه، وعند البعض مطولاً.
وقال الترمذي: حسنٌ صحيحٌ، واختارهُ أهلُ العلم بأن تكونَ الجِمَارُ التي يُرْمَى بها مثل حصى الخَذْفِ.
_ وأخرجه ابن أبي شيبة في "المُصَنَّف" (١٣٩٠٣)، وأحمد في "مسنده" (١٤٢١٩ و ١٤٥٥٣ و ١٤٩٤٦ و ١٥٢٠٧)، والدَّارمي في "سننه" (١٨٩٢)، وابن ماجه في "سننه" (٣٠٢٣)، ك/المناسك، ب/الوقوف بجمعٍ، وأبو داود في "سننه" (١٩٤٤)، ك/المناسك، ب/التعجيل من جمعٍ، والترمذي في "سننه" (٨٨٦)، ك/الحج، ب/ما جاء في الإفاضة من عرفات، والنَّسائي في "الكبرى" (٤٠٠٢)، ك/المناسك، ب/الأمر بالسَّكِينَةِ في الإفاضة من عرفة، وأيضاً برقم (٤٠٤٤)، ك/المناسك، ب/الأمر بالسكينة في السير، وفي "الصغرى" (٣٠٢١)، وأبو يعلى في "مسنده" (٢١٤٧)، وأبو عوانة في "المُستخرَج" (٣٥٤٣ و ٣٥٤٤)، والطحاوي في "أحكام القرآن" (١٤٩٨)، والبيهقي في "الكبرى" (٩٥٢٤ و ٩٥٣٥).
стр. 1224
كلهم مِنْ طُرُقٍ عن سفيان الثوري، عن أبي الزُّبَيْرِ، عن جابر، رَفَعَهُ، قَالَ: «ارْمُوهَا بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ». وهذا لفظ ابن أبي شيبة، والباقون بنحوه مختصراً، ومطولاً. وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
_ وأخرجه أحمد في "مسنده" (١٤٩٨٣)، قال: حدَّثنا أبو دَاوُدَ الطيالسي، حدَّثنا رَبَاحٌ بن أبي معروف المكِّيُّ، عن أبي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرِ بن عَبْدِ اللهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُوا الْجِمَارَ مِثْلَ حَصَى الْخَذْفِ.
_ وأخرجه أحمد في "مسنده" (١٤٦١٨)، قال: حدَّثنا حَسَنُ بن موسى الأَشْيَبُ، حدَّثنا ابنُ لَهِيعَةَ، حدَّثنا أبو الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: رَمَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْجَمْرَةَ عَلَى بَعِيرِهِ بِحَصَى الْخَذْفِ … مطولاً.
_ وأخرجه النَّسائي في "الكبرى" (٤٠٦٦)، ك/المناسك، ب/المكان الذي تُرمى منه جمرة العقبة، وفي "الصغرى" (٣٠٧٤)، وأبو يعلى في "مسنده" (٢١٠٨)، وابن خزيمة في "صحيحه" (٢٨٧٥).
كلهم مِنْ طريق عُبيد الله بن عُمر - مِنْ أصح الأوجه عنه (١) -، وعند أبي يعلى مقروناً برواية يحيى بن أبي أُنيسة، كلاهما عن أبي الزبير، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَمَى الْجَمْرَةَ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ.
• وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "المُصَنَّف" (١٤٧٠٥) - ومِنْ طريقه الإمام مسلمٌ في "صحيحه" (١٢١٨) ك/الحج، ب/حجة النَّبي ﷺ ، والدَّارمي في "سننه" (١٨٩٢)، وابن ماجه في "سننه" (٣٠٧٤)، ك/المناسك، ب/حجة النَّبي ﷺ ، وأبو داود في "سننه" (١٩٠٥)، ك/المناسك، ب/حجة النَّبي ﷺ ، والنَّسائي في "الكبرى" (٤٠٤٦)، ك/المناسك، ب/الإيضاع في وادي مُحَسِّر، وأيضاً في "الكبرى" (٤٠٦٨)، ك/المناسك، ب/عدد الحصى الذي يُرمى به الجمار، وفي "الصغرى" (٣٠٥٤)، وابن الجارود في "المنتقى" (٤٦٩)، والطحاوي في "شرح مُشْكِل الآثار" (٣٥٠٩)، وابن حزم في "حجة الوداع" (١٣٥).
كلهم مِنْ طُرُقٍ عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جابر، وذكر الحديث الطويل في مناسك الحج، وفيه: "فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ".
ثانياً: - دراسة الإسناد:
١) أحمد بن علي بن مسلم الأَبَّار: "ثِقَةٌ حافظٌ مُتْقنٌ زاهدٌ"، تقدم في الحديث رقم (٦٠٨).
٢) عَلِيُّ بن حُجْرِ، أبو الحسن المروزيُّ: "ثِقَةٌ حافظٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (٢١٤).
٣) الهَيْثَمُ بن حُمَيْدٍ: "ثِقَةٌ، أعلم الناس بحديث مكحول"، تقدَّم في الحديث رقم (٢١٤).
٤) المُطْعِمُ بْنُ الْمِقْدَامِ: "ثِقَةٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (٢١٤).
٥) محمد بن مُسلم بن تَدْرُس، أبو الزُّبير، المكّي، القُرَشيّ: "ثقة، يُدَلِّس عن جابرٍ خاصة، فلا يُقبل من حديثه عنه إلا ما صرَّحَ فيه بالسماع، أو كان من رواية الليث بن سعد عنه"، تقدَّم في الحديث رقم (٤٧).
٦) جابر بن عبد الله الأنصاري: صحابيٌّ جليلٌ، مِنْ المُكْثِرين، تقدم في الحديث رقم (٢٠).
стр. 1225
ثالثاً: - الحكم على الحديث:
مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "صحيحٌ لذاته"؛ وأمَّا عن تدليس أبي الزبير، فلقد صَرَّح في بعض طرق الحديث بالسَّماع، كما سبق في التخريج عند الإمام مسلم وغيره مِنْ طريق ابن جُريجٍ، عنه.
والحديث أخرجه الترمذي في "سننه" مِنْ طريق ابن جُريج والثوري، عن أبي الزبير، وقال: حسنٌ صحيحٌ.
رابعاً: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث:
قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْوه عن المُطْعِمِ إلا الهيثمُ بن حُمَيْدٍ، تَفَرَّدَ به: عَلِيُّ بن حُجْرٍ.
قلتُ: مِمَّا سبق في التخريج يَتَبَيَّن صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁.
* * *
стр. 1226
[٢١٧/ ٦١٧]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْوَرَكَانِيُّ (١)، قَالَ: نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلِمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَصَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ أَدْرَكَ الْحُلُمَ مِمَّنْ أَتَى الْجُمُعَةَ.
* لم يَرْوِ هذا الحديث عن محمد بن المُنْكَدِرِ، عن عطاءٍ إلا عبد الرحمن، تَفَرَّدَ به: محمد بن جعفر.
هذا الحديث مَدَاره على محمد بن المُنْكَدر، وصفوان بن سُلَيْم، واختُلف عنهما، كالآتي:
أمَّا محمد بن المُنْكدر، فقد اختُلف عليه مِنْ أوجهٍ:
الوجه الأول: محمد بن المُنْكدر، عن عطاء بن يَسار، عن أبي سعيد الخُدْري ﵁ (موقوفًا).
الوجه الثاني: محمد بن المُنْكدر، عن أبي بكر بن المُنْكدر، عن عَمرو بن سُليم عن أبي سعيد (مرفوعًا).
الوجه الثالث: محمد بن المُنْكدر، عن جابر بن عبد الله ﵃ (مرفوعًا).
وأمَّا صفوان بن سُلَيْم، فقد اختُلف عليه مِنْ وجهين:
الوجه الأول: صفوان بن سُليم، عن عطاء بن يَسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁ (موقوفاً).
الوجه الثاني: صفوان بن سُليم، عن عطاء بن يَسار، عن أبي سعيد الخُدري ﵁ (مرفوعاً).
وتفصيل ذلك كالآتي:
· أولاً: - أمَّا محمد بن المُنْكدر، فقد اختُلف عنه مِنْ ثلاثة أوجه:
أولاً: - الوجه الأول: محمد بن المُنْكدر، عن عطاء بن يَسار، عن أبي سعيد الخُدْري ﵁.
أ تخريج الوجه الأول:
• لم أقف عليه على حد بحثي إلا برواية الباب.
ب دراسة إسناد الوجه الأول:
١) أحمد بن علي بن مسلم الأَبَّار: "ثِقَةٌ حافظٌ مُتْقنٌ زاهدٌ"، تقدم في الحديث رقم (٦٠٨).
٢) مُحَمَّد بن جَعْفَر بن زِيَاد بن أَبي هاشم، الوَرَكَانيُّ، أبو عِمْران الخُراسانيُّ، سكن بغداد.
روى عن: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، والفُضَيل بن عِيَاض، ومالك بن أنس، وآخرين.
روى عنه: أحمد بن علي الأَبَّار، ومُسْلم بن الحَجَّاج، وأبو داود، وأبو زرعة، وآخرون.
حاله: قال ابن معين، وابن قانع، وابن حجر: ثِقَةٌ. وقال أبو زرعة: كان أحمد يرضاه، وكان صدوقاً ما علمته. وقال أبو داود: رأيت أحمد يَكتب عنه. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ". (٢)
стр. 1227
٣) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن زَيْدِ بن أَسْلَمَ، العَدَوِيُّ، العُمَرِيُّ، المَدَنِيُّ.
روى عن: أبيه زيد بن أسلم، ومحمد بن المُنْكدر، وصفوان بن سُليم، وآخرين.
روى عنه: محمد بن جعفر الوَرَكَانيّ، وابن عُيَيْنة، وإسماعيل بن أبي أُوَيْس، وآخرون.
حاله: قال أحمد، وأبو زرعة، والنَّسائي، وابن حجر: ضَعيفٌ. وقال أبو حاتم: ليس بقوي الحديث، كان في نفسه صالحاً، وفي الحديث واهياً. وقال ابن عدي: له أحاديث حِسَان، وهو مِمَّن يُكتب حديثه. وقال الذهبي: فيه لينٌ. وفي "الموقظة": مِنْ المتوسطين، وليس مِنْ المتروكين. وقال ابن حجر في "موافقة الخُبْر الخَبَر": ضَعيفُ الحفظ، يُكتب حديثه في المتابعات. فحاصله: أنَّه "ضَعيفٌ، يُكتب حديثه في المتابعات والشواهد". (١)
٤) محمد بن المُنْكدر: "ثقةٌ، فاضلٌ"، تقدّم في الحديث رقم (٣٠).
٥) عطاء بن يسار الهلالي: "ثِقَةٌ فاضلٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (٩٥).
٦) أبو سعيد الخَدْري: "صحابيٌّ، جليلٌ، مُكْثرٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (٦٤).
ثانياً: - الوجه الثاني: محمد بن المُنْكدر، عن أخيه أبي بكر، عن عَمرو بن سُليم، عن أبي سعيد.
أ تخريج الوجه الثاني:
• أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (١٧٤٤)، وأبو بكر ابن عبدويه الشافعي في "الغيلانيات" (٧٥٧)، عن عبد اللَّهِ بن رَجَاءٍ، عن سَعِيد بن سَلَمَة، عن محمَّد بن المُنْكَدِرِ، به.
ب دراسة إسناد الوجه الثاني (إسناد ابن خزيمة):
١) محمد بن عبد الرحيم، أبو يحيى البَزَّاز، المعروف بصاعقة: "ثِقَةٌ حَافِظٌ". (٢)
٢) عبد الله بن رَجاء بن عُمر الغُدَانيُّ: "ثِقَةٌ، له أوهام". (٣)
٣) سعيد بن سلمة بن أبي الحُسام العدوي: "صدوقٌ صحيح الكتاب، يُخطئ مِنْ حفظه". (٤)
٤) محمد بن المُنْكدر: "ثقةٌ، فاضلٌ"، تقدّم في الحديث رقم (٣٠).
٥) أبو بكر بن المُنْكدر بن عبد الله التَّيْميُّ: "ثِقَةٌ". (٥)
٦) عَمرو بن سُليم بن خَلْدة الزُّرَقيُّ: "ثِقَةٌ، مِنْ كبار التابعين، يُقال: له رؤيةٌ". (٦)
٧) أبو سعيد الخَدْري: "صحابيٌّ، جليلٌ، مُكْثرٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (٦٤).
стр. 1228
ت متابعات للوجه الثاني:
وقد تُوبع محمد بن المُنْكدر على روايته للحديث بهذا الوجه:
• فأخرج البخاري في "صحيحه" (٨٨٠) ك/الجمعة، ب/الطِّيبِ لِلْجُمُعَةِ، بسنده مِنْ طريق شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بَكرِ بْنِ المُنكَدِرِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَأَنْ يَسْتَنَّ، وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا إِنْ وَجَدَ».
قال البخاري: هو أخو محمَّد بن المُنْكَدِرِ، ولم يُسَمَّ، ورواهُ عنه بُكَيْرٌ، وسَعِيدُ بن أبي هِلَالٍ، وعدَّةٌ.
• وأخرجه مُسلمٌ في "صَحيحه" (٨٤٦) ك/الجمعة، ب/الطِّيب والسِّوَاك يوم الجُمُعَةِ، من طريق عَمْرو بن الحَارِثِ، أنَّ سعيد بن أبي هلالٍ، وبُكَيْرَ بن الأَشَجِّ، حدَّثَاهُ عن أبي بَكْرِ بن المُنْكَدِرِ، عن عَمْرِو بن سُلَيْمٍ، عن عبد الرَّحمن بن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عن أبيه، به. قال مُسلم: إلا أنَّ بُكَيْراً لم يذكر عبدَ الرَّحْمَنِ. (١)
ثالثاً: - الوجه الثالث: محمد بن المُنْكدر، عن جابر بن عبد الله ﵁.
أ تخريج الوجه الثالث:
• أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (١٧٤٦)، والطبراني في "الأوسط" (٤٢٦٧)، وابن عدي في "الكامل" (٤/ ١٨١)، كلهم مِنْ طُرُقٍ عن عَمْرو بن أبي سلمة التِّنِّسيِّ، قال: نا زُهَيْرٌ بن محمَّد، عن محمد بن المُنْكَدِر، عن جابر، عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ».
_ وقال ابن خزيمة: لَسْتُ أُنْكِرُ أن يكون محمَّد بن المُنْكَدِرِ سَمِعَ من جابر ذِكْرَ إيجاب الغُسْلَ على المُحتلم دون التَّطَيُّبِ، ودون الاستنان، وروى عن أخيه أبي بَكْرِ بن المُنْكَدِرِ، عن عمرو بن سُلَيْم، عن أبي سعيدٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ إيجاب الغُسْلِ، وإمساس الطِّيبِ إنْ كان عنده؛ لأنَّ داود بن أبي هِنْدَ، قد روى عن أبي الزُّبَيْرِ، عن جابرٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ : «عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ غُسْلُ يَوْمٍ، وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ».
قلتُ: قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديثٍ رواه داود بن أبي هندٍ، عن أبي الزبير، وذكر الحديث؛ فقال: هذا خطأٌ؛ إنَّما هو - على ما رَوَاهُ الثِّقات -: عن أبي الزُّبَير، عن طَاوُسٍ، عن أبي هريرة، موقوفاً. (٢)
_ وقال الطبراني: لم يَرْوِه عن محمَّد بن المُنْكَدِرِ إلا زُهَيْرُ بن محمَّد، تَفَرَّدَ به: عَمْرُو بن أبي سلمة.
_ وقال ابن عدي: ولا أعلم يروه، عن ابن المُنْكَدِرِ غيرُ زُهَيْرٍ.
_ وسُئل أبو حاتم عن هذا الحديث، فقال: هذا خطأ. (٣)
стр. 1229
- وقال الدارقطني: ورواه زُهَيْرُ بن محمَّد، فقال: عن محمَّد بن المُنْكَدِرِ، عن جابرٍ، وَوَهِمَ فيه. (١)
ب دراسة إسناد الوجه الثالث (إسناد ابن خزيمة):
١) مُحَمَّدُ بْنُ مَهْدِيٍّ العَطَّارُ، الفَارِسِيُّ: أخرج له ابن خزيمة في "صحيحه"، ولم أقف له على ترجمة. (٢)
٢) عمرو بن أبي سلمة التَّنِّيسيُّ، أبو حفصٍ الدمشقي: "ثِقَةٌ، له أوهام". قال أحمد: روى عن زهير أحاديث بواطيل، كأنَّه سمعها من صدقة بن عَبد الله فغلط فقلبها عن زهير. (٣)
٣) زُهَير بن مُحَمد التَّمِيميّ، الخُراسانيُّ: قال البخاري: روى عنه أهل الشام أحاديث مناكير، قال أحمد: كأنَّ الذي رَوَى عنه أهل الشام زُهَير آخر، فَقُلِبَ اسمه. وقال النَّسائي: ليس به بأسٌ، وعند عَمرو بن أبي سلمة عنه مناكير. وقال الذهبي في "السير": روى عنه عَمْرُو بنُ أبي سَلَمَة مناكير. (٤)
٤) محمد بن المُنْكدر: "ثقةٌ، فاضلٌ"، تقدّم في الحديث رقم (٣٠).
٥) جابر بن عبد الله الأنصاري: "صحابيٌّ جليلٌ مُكْثِرٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٠).
رابعاً: - النظر في الخلاف على محمد بن المُنْكدر:
مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ محمد بن المُنْكدر قد اختُلف عليه في رواية هذا الحديث مِنْ ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: محمد بن المُنْكدر، عن عطاء بن يَسار، عن أبي سعيد الخُدْري ﵁.
ورواه عن محمد بن المُنْكدر بهذا الوجه: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو: "ضَعيفٌ، يُكتب حديثه"، فلا يُحْتج به عند الانفراد، ولم أقف - على حد بحثي - على مَنْ تابعه على هذا الوجه.
لذا أعله الطبراني، فقال: لم يَرْوِه عن ابن المُنْكَدِرِ، عن عطاءٍ إلا عبد الرحمن، تَفَرَّدَ به: محمد بن جعفر.
الوجه الثاني: محمد بن المُنْكدر، عن أبي بكر بن المُنْكدر، عن عَمرو بن سُليم، عن أبي سعيد الخُدْري.
بينما رواه عن محمد بن المُنْكدر بهذا الوجه: سعيدُ بن سلمة بن أبي الحسام، وهو "صدوقٌ، صحيحُ الكتاب"، وقد تُوبع محمد بن المُنْكدر على هذا الوجه بمتابعات في "الصحيحين" كما سبق في التخريج.
الوجه الثالث: محمد بن المُنْكدر، عن جابر بن عبد الله ﵁.
ورواه عن محمد بن المُنْكدر بهذا الوجه زُهير بن محمد التَّميمي، ورواه عن زُهير عَمرُو بن أبي سلمة التِّنِّيسيُّ؛ وقال الطبراني، وابن عدي: ولم يروه عن محمد بن المُنْكدر - أي بهذا الوجه - إلا زُهير بن محمد، وزاد الطبراني: تَفَرَّد به عنه عَمرو بن أبي سلمة.
стр. 1230
وقد اتفقوا على أنَّ عمرو بن أبي سلمة قد روى عن زُهير بن محمد مناكير، بل قال الإمام أحمد: روى عنه أحاديث بواطيل - هكذا قال -؛ وهذا الحديث منها؛ لذا أخرجه ابن عدي في "الكامل" في ترجمة زُهير، وقال أبو حاتم عنه: هذا خطأ. وقال الدَّارقطني: وَهِمَ فيه زُهير بن محمد، والله أعلم.
فَمِنْ خلال ما سبق يَتَّضح أنَّ الوجه الثاني هو الأقرب إلى الصواب؛ للقرائن الآتية:
١) وجود مُتابعات للوجه الثاني في "الصحيحين".
٢) أنَّ الوجه الأول مِمَّا انفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ وأمَّا الوجه الثالث فهو أيضاً مِمَّا انفرد به زُهير بن محمد، واتفقوا على أنَّه مِنْ مناكيره.
· ثانياً: - وأمَّا صفوان بن سُلَيْم، فقد اختُلف عنه مِنْ وجهين:
أولاً: - الوجه الأول: صفوان بن سُليم، عن عطاء بن يَسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁ (موقوفاً).
أ تخريج الوجه الأول:
• لم أقف عليه إلا برواية الباب.
ب دراسة إسناد الوجه الأول:
١) أحمد بن علي بن مسلم الأَبَّار: "ثِقَةٌ حافظٌ مُتْقنٌ زاهدٌ"، تقدم في الحديث رقم (٦٠٨).
٢) مُحَمَّد بن جَعْفَر، الوَرَكَانيُّ: "ثِقَةٌ"، تقدَّم في الوجه الأول عند ذكر الاختلاف على محمد بن المُنْكدر.
٣) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن زَيْدِ بن أَسْلَمَ: "ضَعيفٌ، يُعتبر به"، تقدَّم في الوجه الأول.
٤) صَفْوان بن سُلَيم المدني: "ثِقَةٌ، عابدٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (٩٥).
٥) عطاء بن يسار الهلالي: "ثِقَةٌ فاضلٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (٩٥).
٦) أبو سعيد الخَدْري: "صحابيٌّ، جليلٌ، مُكْثرٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (٦٤).
ثانياً: - الوجه الثاني: صفوان بن سُليم، عن عطاء بن يَسار، عن أبي سعيد الخُدري (مرفوعاً).
أ تخريج الوجه الثاني: ورواه عن صفوان بهذا الوجه جماعة:
_ فأخرجه مالكٌ في "الموطأ" (٢٦٩) - ومِنْ طريقه أخرجه الشافعي في "الرسالة" (٨٣٩)، وأحمد في "مسنده" (١١٥٧٨)، والدارمي في "سننه" (١٥٧٨)، والبخاري في "صحيحه" (٨٧٩)، ك/الجمعة، ب/فضل الغُسْل يوم الجُمُعَة، وبرقم (٨٩٥)، ك/الجمعة، ب/ هل على مَنْ لم يَشهد الجمعةَ غُسْلٌ مِنَ النِّساء والصِّبْيَان وغيرهم؟، ومُسلمٌ في "صحيحه" (٨٤٦)، ك/الجمعة، ب/وُجُوب غُسْلِ الجمعة على كلِّ بالغٍ مِنَ الرِّجَالِ، وأبو داود في "سننه" (٣٤١)، ك/الطهارة، ب/الغسل للجمعة، والنَّسائي في "الكبرى" (١٦٨٠)، ك/الجمعة، ب/إيجابُ الغُسْلِ يوم الجمعة، وفي "الصغرى" (١٣٧٧)، وابن خزيمة في "صحيحه" (١٧٤٢/ ٣)، وأبو عوانة في "المُستخرَج" (٢٥٥٧)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٧٠٤)، وأبو العبَّاس الأصم في "مجلسٍ مِنْ أماليه" (٣) - مطبوع ضمن مجموع فيه مصنفات أبي العباس الأصم (٣٨٢) -، وابن حبَّان في "صحيحه" (١٢٢٨)، والرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (٦٢٦)، وأبو نُعيم في "المُستخرَج" (١٩٠٣)، والبيهقي في