← Книги сунны

Книги сунны · id 541

القسم الثاني من المعجم الأوسط للطبراني

الطبراني

Полный текст (1 397 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وابن رجب الحنبلي: لم يسمع من أبيه شيئًا. وقال العلائي: قال أبو حاتم، والجماعة: لم يسمع من أبيه شيئًا، ثم ذكر الرواية التي استند عليها القائلون بصحة سماعه، ثم قال: وضَعَّف أبو حاتم هذه الرواية. وقال الحافظ ابن حجر في "التقريب": والرَّاجح أنَّه لم يصح سماعه من أبيه. _ وذكره ابن حجر في المرتبة الثالثة في "طبقات المدلِّسين"، وقال: ثِقَةٌ مَشْهُورٌ، حديثه عن أبيه في "السنن"، وعن غير أبيه في "الصحيح"، واختُلف في سماعه من أبيه، والأكثر أنه لم يسمع منه، وثبت له لقاؤه، وسماع كلامه، فروايته عنه داخلة في التدليس، وهو أَوْلى بالذكر من أخيه عبد الرحمن. (١) قلتُ: مما سبق يتبين أنَّ الراجح أنه لم يسمع من أبيه شيئًا، وهذا هو ما رجّحه الحافظ في "التقريب"، وعلى هذا فروايته عن أبيه من قبيل المُرسل الخفي وليس من التدليس، ونفى سماعه عن أبيه من حديثه، لا ينفي سماعه عن أبيه من كلامه. فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ، يُرسل عن أبيه". وأخرج له الجماعة. (٢) ٦) عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب، أبو عبد الرحمن الهُذَلي. روى عن: النبي ﷺ ، وعمر بن الخطَّاب ﵁، وسعد بن معاذ ﵁، وغيرهم. روى عنه: ابنه أبو عبيدة، ولم يسمع منه، وأنس بن مالك، والأسود بن يزيد، وخلقٌ كثير. صاحب رسول الله ﷺ ، أمه: أمُّ عبد بنت وُدّ من هُذَيل، لها صحبة. أسلم بمكة قديمًا، وهاجر الهجرتيْن، وشَهِد بدْرًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ . وسادس ستة، وأول من جهر بالقرآن بمكة. أخرج البخاري في "صحيحه" عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: سألنا حذيفة عن رجلٍ قريب السمت والهدي من النبي ﷺ حتى نأخذ عنه، فقال: "ما أعرِف أحدًا أقرب سَمْتًا وهديًا ودَلا بالنبي ﷺ من ابن أم عبد". (٣) وفَضَائلُهُ كثيرةٌ لا تُحْصى. (٤) ثانيًا:- الوجه الثاني: عن أبي عُبيدة، عن عبد الله بن مسعود (مرفوعًا إلى النبي ﷺ ). أ) تخريج الوجه الثاني: • أخرجه أبو سعيد بن الأعرابي في "مجمعه" (٧٠٣)، والطبراني في "الكبير" (١٠٢٨٠)، وفي "الأوسط" (١٠٢٦)، كلاهما من طريق علي بن عابس، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي عبيدة، عن عبد الله أنَّ النبي ﷺ ، وأبا بكر، وعمر كانوا يستفتحون الصلاة: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلا إِلَهَ غَيْرُكَ»، وفي "الكبير": كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا استفتحنا أن نقول - بدون ذكر أبي بكر ﵁، لكنه قال: وكان

стр. 247

عمر بن الخطاب يفعل ذلك، وكان عمر يعلمنا، ويقول: كان رسول الله ﷺ يقوله-، وفي "الأوسط": كان رسول الله ﷺ يُعلّمنا، وذكره مطولًا، بدون ذكر أبي بكر وعمر ﵁. • بينما أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٦/ ٣٢٣) بسنده عن علي بن عابس، عن ليث بن أبي سليم، عن أبي عبيدة، عن أبيه، كان رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمر ﵁ يقرؤون في أول الصلاة … وذكره مطولًا. وزاد: وكان ابن مسعود يفعل ذلك. قال البيهقي في "السنن الكبرى" (٢/ ٥٢): وروى في الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك حديث آخر عن ليث عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه مرفوعًا، وليس بالقوي. ب) دراسة إسناد الوجه الثاني: _ الحديث بالوجه الثاني مداره على عليّ بن عابس الأزرق الكوفي، وهو "ضَعيفٌ يُكتب حديثه، ويُعتبر به". (١) وضَعْفه مع اضطرابه يدل على وهمه وخطئه وأنه لم يضبط هذا الحديث فلا يُعتبر به. (٢) ج) متابعة للوجه الثاني (بروايته عن ابن مسعود مرفوعًا): • وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١٠١١٧)، قال: حدَّثنا محمد بن عبد اللهِ الحَضْرَمِيُّ، ثنا أبو كُرَيْبٍ، ثنا فِرْدَوْسٌ الأَشْعَرِيُّ، ثنا مَسْعُودُ بن سُلَيْمَانَ، قال: سَمِعْتُ الحَكَمَ يُحَدِّثُ، عن أبي الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاةَ قَالَ: «سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلا إِلَهَ غَيْرُكَ». _ بينما أخرجه الطبراني في "الدعاء" (٥٠٤)، بسنده السابق عن مسعود بن سليمان، عن أبي الأحوص مباشرة، عن عبد الله، به. قلتُ: وهذه المتابعة لا تصلح لتقوية الحديث ففي سندها مسعود بن سليمان، قال أبو حاتم: مجهول. وتابعه الذهبي في "الميزان"، ووافقه ابن حجر في "اللسان". (٣) ولم أقف على أحدٍ روى عنه غير فِرْدوسٍ الأشعري، فهو "مجهول العين". وفردوس: يُقال له الأشعري، وابن الأشعري، قال أبو حاتم: شَيْخٌ، وذكره ابن حبَّان في "الثقات". (٤) وقد اضطرب مسعود بن سُليمان في روايته للحديث: فرواه مرَّة عن أبي الأحوص مباشرة، ومَرَّة بواسطةٍ بينهما، مما يدل على أنه لم يضبط هذا الحديث. فجهالة الراوي مع اضطرابه يدلُّ على وهمه، وأنَّه من مناكيره، وليس هو ممن يُحتمل منه تعدد أسانيده، فمَنْ كان هذا حاله، كيف يُقْبل ما انفرد به عن مِثْل أبي الأحوص بما لم يُتابعه عليه أصحابه؟!

стр. 248

ثالثًا:- النظر في الخلاف على الحديث: مما سبق يَتَبَيَّنُ أن الحيث مداره على أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، واختُلف عنه من وجهين: الوجه الأول: عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود (مَوْقوفًا). الوجه الثاني: عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود (مرفوعًا). والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الأول هو الأشبه والأقرب إلى الصواب؛ للقرائن الآتية: أنَّ الوجه الثاني مَداره على عليّ بن عابسٍ، وهو "ضَعيفٌ"، واضطرب في روايته للحديث، فاختلف عنه فيه مِنْ وجهين - كما سبق - بما يَدل على عدم ضبطه له؛ بينما رواه خُصَيْف بن عبد الرحمن بالوجه الأول ولم يُخْتَلف عليه فيه. رابعًا:- الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث مِنْ وجهه الراجح بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ"؛ فيه: يوسف بن يونس الأفطس "ضَعيفٌ يُعتبر به"، وعَتَّاب بن بَشير "صدوقٌ، إلا في روايته عن خُصَيف"، وهذا الحديث مِنْ روايته عن خُصَيْف، لكن تابعهما عبد السلام بن حرب المُلَائي عند ابن أبي شيبة - كما سبق في التخريج -. وفيه: خُصَيْف بن عبد الرحمن "ضَعيفٌ يُعتبر به"؛ وأبو عُبيدة بن عبد الله بن مسعود الراجح أنَّه لم يصح سماعه مِنْ أبيه، وهذا مِنْ روايته عنه، فهو "مُنْقَطِعٌ". شواهد للحديث: أخرج أبو داود، والترمذي، وابن خزيمة، وغيرهما مِنْ طريق جَعْفَر بن سُلَيْمَان الضُّبَعِيّ، عن عَلِيِّ بن عَلِيٍّ الرِّفَاعِيِّ، عن أبي المُتَوَكِّلِ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قال: كان رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ بِاللَّيْلِ كَبَّرَ، ثُمَّ يَقُولُ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلا إِلَهَ غَيْرُكَ»، ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا»، ثُمَّ يَقُولُ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ». (١) قال أبو داود: وهذا الحديثُ، يقولون هو عن عَلِيِّ بن عَلِيٍّ، عن الحَسَنِ مُرْسَلًا، الوهم مِنْ جَعْفَر. وقال الترمذي: وفي الباب عن عَلِيٍّ، وعائِشَةَ، وجَابِرٍ، وجُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ، وابن عُمَرَ، وحديثُ أبي سَعِيدٍ أشهر حديثٍ في هذا الباب، وقد أخذ قومٌ مِنْ أهل العلم بهذا الحديث، وأمَّا أَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ، فَقَالُوا: إِنَّمَا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ"، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ مِنَ التَّابِعِينَ، وَغَيْرِهِمْ. وقال ابن خُزيمة: لا نعلم في هذا خَبَرًا ثَابِتًا عن النَّبِيِّ ﷺ عند أهل المعرفة بالحديث، وأَحْسَنُ إِسْنَادٍ نَعْلَمُهُ رُوِيَ في هذا خَبَرُ أبي المُتَوَكِّلِ، عن أبي سَعِيدٍ، … ثُمَّ قال: ولستُ أكرهُ الافْتِتَاحَ بقوله: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ

стр. 249

وَبِحَمْدِكَ" على ما ثَبَتَ عَنِ الفَارُوقِ ﵁، غير أنَّ الافْتِتَاحَ بما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في خبرِ عليِّ بن أبي طَالِبٍ، وأبي هُرَيْرَةَ (١)، وغَيْرِهِمَا بنقلِ العَدْلِ عن العَدْلِ مَوْصُولًا إليه ﷺ أَحَبُّ إليَّ، وأولى بالاسْتِعْمَالِ إِذِ اتِّبَاعُ سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ أَفْضَلُ وخَيْرٌ مِنْ غيرها. قلتُ: ومِنْ أمثل الشواهد لحديث الباب: - ما أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (٢٥٥٧)، وابن شيبة في "المصنف" (٢٣٨٧، ٢٣٨٩، ٢٤٠٤)، والدَّارقطني في "السنن" (١١٤٤، ١١٤٦)، والحاكم في "المستدرك" (٨٦٠) - وصححه ووافقه الذهبي-، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٢٣٥٠، ٢٣٥٨)، كلهم من طُرُقٍ عن الأسود بن يزيد، قال: "سمعتُ عمر افتتح الصلاة، وكبَّر، فقال: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلا إِلَهَ غَيْرُكَ". وفي بعض الروايات: أنه كان يرفع بها صوته؛ ليُسمع بها مَنْ خلفه. وفي بعضها: أنه كان يُعلمها لأصحابه. وهذا سنده صحيح. وقال البيهقي فيه: وأصح ما رُويَ فيه - أي في الاستفتاح بسبحانك اللهم- الأثر الموْقوف على عمر ﵁. - وأخرجه الدَّارقطني في "السنن" (١١٤٣)، من طريق نافع، عن ابن عمر، عن عمر، أنه كان إذا كَبَّرَ للصلاة، قال: "وذكر الحديث". قال الدارقطني: وهذا صحيحٌ عن عمر. قلتُ: وهذا وإن كان موقوفًا على عمر بن الخطاب ﵁ من قوله؛ إلا أنه مما له حكم الرفع؛ لأن هذا لا يُقال من قِبَل الرأي والاجتهاد؛ لكوْنه من الأذكار التوقيفية، لذا كان عمر ﵁ يرفع بها صوته، ويُعَلِّمها لأصحابه (٢). (٣)

стр. 250

خامسا:- النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لمْ يَرْوِه عن خُصيف بن عبد الرحمن إلا عتَّاب، تفرَّد به يوسف بن يونس. - قلتُ: أما قوله: لمْ يَرْوِ هذا الحديث عن خُصيف بن عبد الرحمن إلا عتَّاب؛ فهذا غير مُسَلَّم له فيه، فلقد أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "المصنف" - كما سبق بيانه في التخريج- عن عبد السلام بن حرب، وهو ثقة حافظ له مناكير (١). - وأمَّا قوله تفرَّد به يوسف بن يونس - أي عن عَتَّاب -: فَمِمَّا سبق في التخريج يَتَبَيَّن صحة ذلك. - قلتُ: وكلام المصنف هذا نقله علاء الدين مُغلطاي في "شرح سنن ابن ماجة"، فقال عن حديث عبد الله بن مسعود: وذكره في "الأوسط" من حديث خُصيف، عن أبي عبيدة، وقال: لم يروه عن خُصيف إلا عتَّاب بن بشير، تفرَّد به يوسف بن يونس الأفطس. ولم يتعقبه بشيء. (٢) * * *

стр. 251

[٢٩/ ٤٢٩]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السُّرِيِّ (١) الأَنطَاكِيُّ (٢)، قَالَ: نا هَارُونُ أَبُو الطَّيِّب، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ. عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ بَدَأَ بِالسُّؤَالِ قَبْلَ السَّلامِ فَلا تُجِيبُوهُ». أولًا:- تخريج الحديث: • أخرجه الخرائطي في "مكارم الأخلاق" (٨٨٠) - ومن طريقه أبو الحسين الطُّيُّوري في "الطيوريات" (١١٨٧)، بانتخاب تلميذه أبي طاهر السلفي-، قال: حدثنا نصر بن داود الصَّاغاني، حدَّثنا الواقدي، حدثنا أبو الطيب هارون السَّرْخسي، عن عبد الله بن عُمر، به، وزاد الخرائطي: "فلا تجبه حتى يبدأ بالسلام". قلتُ: وفيه الواقدي "متروكٌ"، ورماه ابن حبَّان بالوضع. وقال الذهبي، وابن حجر: متروك. (٣) • وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٢١٤)، من طريق كثير بن عُبيد الحمصي، وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ١٩٩)، من طريق هشام بن عبد الملك الحمصي؛ كلاهما عن بقية بن الوليد - عند ابن السني، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي روّاد، عن نافع، عن ابن عمر ﵁، بنحوه، بلفظ: "من بدأ بالكلام … ". • وابن عدي في "الكامل" (٦/ ٥٠٨ - ٥٠٩)، والسِّلفي في "المشيخة البغدادية" (الجزء الثامن/ل ١١٨ أ)، كلاهما من طريق السّري بن عاصم، قال: نا حفص بن عمر أبو إسماعيل الأُبليُّ، نا عبد العزيز بن أبي روَّاد، عن نافع، به، بلفظ: "السلام قبل السؤال، فمن بدأكم بالسؤال قبل السلام فلا تجيبوه". ثانيًا:- دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) عبدُ الله بن السُّري الأَنْطَاكِيُّ الزَاهِد، أصله من المدائن، وتحوَّل إلى أنطاكية، فنزلها فنُسب إليها. روى عن: هارون بن محمد أبو الطيب، وشعيب بن حرب، وسعيد بن زكريا، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن خُليد الحلبيُّ، وعبَّاس بن محمد الدُّوريُّ، وموسى بن سهل، وآخرون. حاله: قال البخاري: لا أعرف عبد الله ولا له سماع من ابن المنكدر. وقال ابن حبَّان: شيخٌ يَروي عن أبي عمران الجوني العجائب التي لا يشك مَنْ هذا الشأن صناعته أنها موضوعة، لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل الإنباه عن أمره لمن لا يعرفه، ثم ساق له حديثًا في فضل أنطاكية. وقال أبو نعيم الأصبهاني: يَروي عن محمد بن المنكدر، وأبي عمران الجوني، وغيره بالمناكير، لا شيء. وقال الذهبي في "المغني":

стр. 252

ضعَّفوه. وفي "الديوان": واهٍ. وقال العقيلي: لا يُتابَع. وقال البوصيري: ضَعِيْفٌ. _ وقال ابن معين: رجلٌ. قال ابن أبي حاتم: كان رجلًا صالحًا، فأحسب يحيى حاد عنه من أجل ذلك. قلتُ: وكلام ابن أبي حاتم يشير إلى تضعيفه، فلعلَّ مراده: أنَّ ابن معين حاد عنه ولم يتكلَّم فيه لصلاحه. _ وقال ابن عدي: لا بأس به، وذكر أنَّ بعض ما أُنكر عليه ليس من جهته؛ بل من جهة غيره. وقال الذهبي في "الكاشف": صَدوقٌ. وقال ابن حجر: زَاهِدٌ صَدُوقٌ، روى مناكير كثيرة، يتفرَّد بها. قلتُ: أمَّا قول ابن عدي فلعله ينفي به بأسًا خاصًا وهو تعمُّد الكذب (١). وأمَّا توثيق البعض له فمحمول على صدقه في نفسه، وعدالته، وديانته وصلاحه، وكم مِنْ عابد زاهدٍ، لكنَّه مِنْ جهة الضبط "ضَعيفٌ"، وكثرة مَنَاكيره، وتَفَرُّدِه يدل على ضَعفه وعدم ضَبطه وإنْ كان صالحاً. فالحاصل: أنَّه "ضَعِيْفٌ، يُعتبر به". (٢) ٣) هَارُونُ بن محمد أبو الطَّيِّب الحَربيُّ السَّرخَسِيُّ. روى عن: عبد الله بن عُمر العمري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهم. روى عنه: عبد الله بن السُّري، وداود بن رُشيد، والواقدي، وآخرون. حاله: قال ابن معين: كان كذَّابًا. وذكر له ابن عدي حديثًا عن يحيى بن سعيد، وقال: لا يرويه عن يحيى غير هارون، وقد رأيتُ لهارون عن يحيى غير هذا الحديث، على أنه معروفٌ بهذا الحديث، وهارون ليس بمعروف، ومقدار ما يرويه ليس بمحفوظ. وذكره الذهبي في "المغني" ونقل قول ابن معين فيه. وذكره في "الميزان" وذكر بعض مناكيره. وقال الساجي، والعقيلي: الغالب على حديثه الوهم. (٣) ٤) عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب، أبو عبد الرحمن العُمري، المدني. روى عن: نافع مولى ابن عمر، وحُميد الطويل، ومحمد بن مسلم الزهري، وآخرين. روى عنه: هارون بن محمد أبو الطيب، وأبو نُعيم الفضل بن دُكين، ووكيع بن الجرَّاح، وغيرهم. حاله: قال ابن معين: صُويلح. وقال مَرَّةً: ضعيفٌ. وقال أخرى: ليس به بأسٌ، يُكتب حديثه. وقال أحمد: صالحٌ لا بأس به، لكن ليس مثل عبيد الله. وقال أيضًا: كان يزيد في الأسانيد، ويخالف، وكان رجلًا صالحًا. وقال أحمد أيضًا: كذا وكذا؛ قال ابنه عبد الله: وكأنه ضعَّفه. وقال ابن المديني، والترمذي، والدَّارقطني، وابن شاهين: ضَعيفٌ. وقال أبو حاتم: عبد الله العمري أحبّ إليّ من عبد الله بن نافع (٤)، يُكتب حديثه ولا يُحتجُّ

стр. 253

به. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق، في حديثه اضطراب. وقال الذهبي في "السير": وحديثه يتردد فيه النَّاقد، أمَّا إذا تابعه شيخٌ في روايته فذلك حَسَنٌ قويٌّ إن شاء الله. وقال في "الميزان": صدوقٌ في حفظه شيء. وقال ابن حجر: ضعيفٌ عابدٌ. بينما قال العجلي: لا بأس به. وقال ابن عدي: هو في نفسه صدوقٌ لا بأس به. (١) فالحاصل: أنه "ضعيفٌ، يُعتبر به في المتابعات والشواهد". (٢) ٥) نافع مَوْلى عبد الله بن عُمَر، أبو عبد الله المدني، أصابه في بعض غزواته، وكان راويته. روى عن: عبد الله بن عُمر، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وآخرين. روى عنه: عبد الله بن عُمر العمري، والزهري، ومالك بن أنس، وغيرهم كثير. حاله: قال مالك بن أنس: إذا سَمِعْتُ حديث نافع عن ابن عمر لا أبالي أن لا أسمع من غيره. وكان أيُّوب السِّختياني يُحَدِّث عن نافع، ونافع حي. وقال ابن عيينة: أيُّ حديثٍ أَوْثق من حديث نافع. وقال عبيد الله بن عمر: لقد مَنَّ الله علينا بنافع مَوْلى ابن عمر. وقال البخاري: أصحُّ الأسانيد: مالكٌ عن نافع، عن ابن عمر. وقال يحيى بن معين: كان أعلمهم بابن عمر. وقال الخليلي: نافعٌ من الأئمة التابعين بالمدينة، إمامٌ في العلم، مُتَّفَقٌ عليه، صحيح الرواية، منهم مَنْ يُقدِّمهم على سالم، ومنهم من يقارنه به، ولا يُعْرَف له خطأٌ في جميع ما رواه. وقال ابن حجر: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ فَقِيهٌ مَشْهورٌ". روى له الجماعة. (٣) ٦) عبدُ الله بن عُمر بن الخطَّاب العَدويُّ القُرشيُّ: "صحابيٌّ جليلٌ مُكثرٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٦). ثالثًا:- الحكم على الحديث: _ مما سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضعيفٌ جدًا"؛ لأجل هارون بن محمد السَّرخسي "غَلَبَ على حديثه الوهم"، وكَذَّبه ابن معين. والإسناد أيضًا فيه عبد الله بن السُّري، وعبد الله بن عمر العمري الصغير؛ وكلاهما "ضعيف" - كما سبق بيانه-. _ وقال ابن أبي حاتم: وسُئل أبو زرعة عن هذا الحديثٍ، فقال: هذا حديثٌ ليس له أصل. (٤) _ وقال الهيثمي: رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه: هارون بن محمد وهو كذاب. (٥)

стр. 254

- وعزاه العراقيُّ إلى الطبرانيُّ، من حديث ابن عمر، وقال: سنده فيه لِين. (١) _ ورمز له السيوطي في "الجامع الصغير" بالضعف. (٢) متابعات للحديث: وللحديث متابعة برواية عبد العزيز بن أبي روّاد - كما هو موضح في التخريج- عن نافع، عن ابن عمر، وقد رُويَ عن عبد العزيز من طريقيْن: أ الطريق الأول: أخرجه ابن عدي في "الكامل"، وأبو طاهر السلفي في "المشيخة البغدادية" من طريق السَّري بن عاصم، قال: نا حفص بن عمر الأُبُليّ، نا عبد العزيز بن أبي روَّاد، به. قلتُ: وهذا سنده "ضعيفٌ جدًا" لا يصلح للاعتبار، ففيه: - السّريّ بن عاصم: قال ابن حبَّان: كان يسرق الحديث، ويرفع الموْقوفات، لا يحل الاحتجاج به. وقال ابن عدي: يسرق الحديث. وكَذَّبه ابن خراش. وقال أبو الفتح الأزدي: متروك الحديث. (٣) - وحفص بن عمر أبو إسماعيل الأُبُليّ: كذَّبه أبو حاتم، والساجي. وقال ابن عدي: وأحاديثه كلها إما منكر المتن، أو منكر الإسناد، وهو إلى الضَّعف أقرب. (٤) ب الطريق الثاني: من طريق كثير بن عُبيد - عند ابن السني-، وأبو تقى هشام بن عبد الملك - عند أبي نعيم في "الحلية"- كلاهما عن بقية بن الوليد، عن عبد العزيز بن أبي روَّاد - وقد صرَّح بالتحديث في رواية ابن السني-، عن نافع، عن ابن عمر. قلتُ: وهذا الطريق آفته بقية بن الوليد "يُدلس تدليس التسوية، فلا بد أن يُصرح بالسماع في كل طبقات الإسناد، في شيخه ومَنْ فوقه، إلا إذا كان الراوي عنه حمصي فلا يُقبل منه صَرَّح أم لم يُصَرّح لأنهم لا يُميّزون ما هو بسماعٍ عن غيره، وكان كثير التدليس عن الضعفاء والكذَّابين. (٥) وعلى هذا فبقية وإن روى عن ثقة - وهو عبد العزيز بن أبي روّاد (٦) - وإن صَرَّح بالتحديث عن شيخه - برواية كثير بن عُبيد - إلا أنه لم يصرّح بالتحديث في كل طبقات الإسناد فيمن فوقه شيخه، بالإضافة إلى أنَّ الراوي عنه (كثير بن عبيد، وهشام بن عبد الملك) كلاهما حمصيان؛ وبالتالي فلا يُقبل منه صَرَّح أم لا. ويُضاف إلى ذلك أنّ تصريحه بالسماع من شيخه - كما في رواية ابن السني، عن كثير بن عُبيد- خطأ،

стр. 255

والدليل ما ذكره ابن عدي في "الكامل"، قال: سمعت الحسين بن عبد الله القطَّان، سمعتُ أبا التقى هشام بن عبد الملك، يقول: من قال إن بقية قال: حدثنا؛ فقد كذب، ما قال بقية قط إلا حدثني فلان. (١) وقال ابن أبي حاتم: سألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رواه بَقِيَّة؛ قال: حدَّثني عبد العزيز بن أَبِي رَوَّاد، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وذكر الحديث؛ فقال: هَذَا حديثٌ باطِلٌ، لَيْسَ مِن حَدِيثِ أَبِي رَوَّاد. (٢) وقال أيضًا: سألتُ أبا زُرْعَةَ عَنْه؛ فقال: هَذَا حديثٌ لَيْسَ لَهُ أصلٌ؛ لَمْ يَسْمَعْ بَقِيَّة هذا الحديثَ من … عبد العزيز؛ إِنَّمَا هُوَ عَنْ أَهْلِ حِمْص، وأهلُ حِمْص لا يميِّزون هَذَا - أي يجعلون سماعًا ما ليس بسماع-. (٣) وبهذا يتضح أنَّ الشيخ الألباني قد جانبه الصواب حين حَسَّن هذا الطريق في "السلسلة الصحيحة"، ولم يذكر دليلاً على ما ذهب إليه غير قوله: ومن الصعب الاقتناع بأن مجرد كونه حمصيًّا مع كونه - يقصد كثير بن عبيد - ثقة لا يُميز بين قول بقية: "عن"، وبين: "حدثنا"! (٤) قلتُ: وكلامه ﵀ مردودٌ بأمور ملخصها: أ) اتفاق كلّ من أبي حاتم، وأبي زرعة على أنَّ الحديث بإسناد بقية باطل، ولا أصل له، وهذا اتفاقٌ من إماميْن لا يُشق لهما غبار في هذا الفن. ب) يُضاف إليهما قول هشام بن عبد الملك بأن بقية لم يقل حدثنا قط. ج) أنَّ بقية يدلِّس تدليس التسوية، فلا بد وأن يصرح بالسماع في كل طبقات السند، ولم يتحقق ذلك معنا. شواهد للحديث: • أخرج الإمام أحمد في "مسنده" (١٥٤٢٥)، بسندٍ صحيحٍ، أنَّ كَلَدَةَ بْنَ الحَنْبَلِ أَخْبَرَ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ بَعَثَهُ فِي الْفَتْحِ بِلِبَإٍ، وَجَدَايَةٍ، وَضَغَابِيسَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ بِأَعْلَى الْوَادِي، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَلَمْ أُسَلِّمْ، وَلَمْ أَسْتَأْذِنْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " ارْجِعْ فَقُلِ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، أَدْخُلُ؟ " بَعْدَ مَا أَسْلَمَ صَفْوَانُ. (٥) والشاهد أنه دخل بالهدية قبل السلام، وقَدَّم هديته ولم يسلّم، وتقديمه للهدية يقوم مقام الكلام والسؤال، ومع

стр. 256

هذا لم تشفع له هديته، وأمره النبي ﷺ بالسلام. • وأخرج الإمام أبو داود، بسندٍ صحيحٍ، من طريق رِبْعِيٍّ بن حراش، قَالَ: حَدَّثَنَا رَجُلٌ مَنْ بَنِي عَامِرٍ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتٍ فَقَالَ: أَلِجُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِخَادِمِهِ: اخْرُجْ إِلَى هَذَا فَعَلِّمْهُ الاِسْتِئْذَانَ، فَقُلْ لَهُ: قُلِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟ فَسَمِعَهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟ فَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَدَخَلَ. (١) • وأخرج الإمام أحمد، بسندٍ صحيحٍ، من طريق زيد بن أسلم، قال: أَرْسَلَنِي أَبِي إِلَى ابْنِ عُمَرَ فَقُلْتُ: أَأَدْخُلُ؟ فَعَرَفَ صَوْتِي، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ، إِذَا أَتَيْتَ إِلَى قَوْمٍ فَقُلِ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ رَدُّوا عَلَيْكَ فَقُلْ: أَأَدْخُلُ؟ قَالَ: ثُمَّ رَأَى ابْنَهُ وَاقِدًا يَجُرُّ إِزَارَهُ فَقَالَ: ارْفَعْ إِزَارَكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ مِنَ الْخُيَلَاءِ، لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ ". (٢) وعليه فالمتن بمجموع الشواهد يرتقي إلى "الصحيح لغيره"، والله أعلم. رابعًا:- التعليق على الحديث: - شرط الله مع هذه الأمة في دينهم أن يأمن بعضهم بعضاً، ويَسلم بعضهم من بعض، ولذلك سماهم مؤمنين ومسلمين، وعَلَّم الله آدم الأسماء كلها، والأسماء سمات الشيء، فكل اسم دليل على صاحبه، ومشتق من معناه، وكل أمة تَسَمَّت باسم من تلقاء نفسها، فقالت طائفة: نحن يهود، وقالت الأخرى: نحن نصارى، وقالت الأخرى: نحن الصابئون، فتولى الله تسمية هذه الأمة، فقال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ (٣)؛ فاقتضى منها وفاء هذا الاسم أن يأمن بعضهم بعضاً، ويسلم بعضهم من بعض، ولذلك قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (٤)، وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٥)، لذا سنَّ لهم النبي ﷺ تحية السلام ليكون أمانًا لهم في الدم والعرض والمال، ونهاهم عن السؤال قبل السلام. (٦) - وقال المناوي: السّنة أَن يبْدَأ بِهِ قبل الْكَلَام لأَن في الابْتِدَاء بِالسَّلَامِ إشعاراً بالسلامة وإيناساً لمن يخاطبه وتبركاً بِذكر الله، ومن ترك السلام قبل الكلام فلا تجيبوه على سبيل الندب، لإعراضه عن السنة. (٧) - قلتُ: والحديث قد يتعارض في الظاهر مع قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ

стр. 257

حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (١) حيث جاء الأمر في الآية بالاستئناس ثم إلقاء السلام؛ والجواب عن هذا بعدة أوجه: _ قال المناوي: يُحمل الحديث على الفضاء فيسلّم أولًا ثم يتكلم، وأما في البيوت فيستأذن فإذا دخل سلَّم للآية، حيث أمر بالاستئذان قبل السلام. (٢) _ وقال النووي: أَجْمَعَ العلماء على أنَّ الاستئذان مشروع، وتظاهرت به دلائل القرآن والسنة، وإجماع الأمة، والسنة: أن يسلّم ويستأذن ثلاثًا فيجمع بين السلام والاستئذان، كما صرَّح به في القرآن، واختلفوا في أنه هل يُستحب تقديم السلام ثم الاستئذان؛ أو تقديم الاستئذان ثم السلام؟ والصحيح الذي جاءت به السنة وذكره المحققون: أنه يقدم السلام، فيقول: السلام عليكم، أدخل؟ والثاني يقدم الاستئذان، وقيل غير ذلك. (٣) قال الشيخ/ محمد الشنقيطي: الصواب أنَّ ما صَحَّ عن النبي ﷺ مُقدَّمٌ على غيره في تقديم السَّلام على الاستئذان ولا ينبغي العدول عنه، ويُجاب عن الآية الكريمة أنَّ العطف بالواو في قوله تعالى: " حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا " لا يقتضي الترتيب وإنما يقتضي مطلق التشريك، فيجوز عطف الأول على الأخير بالواو، كقوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٤) والركوع قبل السجود، وهذا معروف، ولا ينافي بما ذكر أنَّ الواو في العطف ربما تأتي للترتيب؛ كقوله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ وذلك لأن الواو عند التجرد من القرائن والأدلة الخارجية لا تقتضي إلا مطلق التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه، ولا ينافي ذلك إن قام دليل على إرادة الترتيب في العطف، والآية التي نحن بصددها لم يقم دليلٌ راجحٌ ولا قرينة على إرادة الترتيب فيها بالواو. (٥) قلتُ: وخير ما نفسّر به القرآن الكريم هو السنة؛ ودلَّت السنة على تقديم السلام على الاستئذان، ولا بأس بالجمع بينهما، لقوله: "السلام عليكم، أأدخل؟، والله أعلم. (٦) * * *

стр. 258

[٣٠/ ٤٣٠]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السُّرِيِّ الأَنطَاكِيُّ، قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَاذَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ. عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا لَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَوَّلَهَا، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ فَلْيُظْهِرْهُ، فَإِنَّ كَاتِمَ الْعِلْمِ يَوْمَئِذٍ كَكَاتِمِ مَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ». هذا الحديث مداره على عبد الله السُّريّ، واختُلف عليه فيه من وجهين: الوجه الأول: عبد الله بن السَّري، عن سعيد بن زكريا، عن عنبسة بن عبد الرحمن، عن محمد بن زاذان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ﵁. الوجه الثاني: عبد الله بن السُّريّ، عن محمد بن المُنْكَدِر، عن جابر بن عبد الله ﵁. وتفصيل ذلك كالآتي: أولًا:- الوجه الأول: عبد الله بن السُّري، عن سعيد بن زكريا، عن عَنْبَسة بن عبد الرحمن، عن محمد بن زَاذَان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ﵁. أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه العقيلي في "الضعفاء" (٢/ ٢٦٥)، من طريق أحمد بن إسحاق البزاز؛ والطبراني في "الأوسط" (٣٤٠) وهي رواية الباب - ومن طريقه الخطيب البغدادي في "تاريخه" (١١/ ١٤٦)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٧/ ٦)، وفي "تبيّن كذب المفتري فيما نُسِب إلى الأشعري" (ص/٣٠)، والمزي في "التهذيب" (١٥/ ١٧) -، عن أحمد بن خُليد؛ وابن عدي في "الكامل" (٥/ ٣٥٤)، والخطيب البغدادي في "تاريخه" (١١/ ١٤٦) - ومن طريقه ابن عساكر في "تبيّن كذب المفتري" (ص/٣٠) - كلاهما من طريق موسى بن النُّعْمَان أبو هارون المصري. وابن عدي أيضًا في "الكامل" (٥/ ٣٥٥)، من طريق أحمد بن نصر. أربعتهم (البزاز، وابن خُليد، وموسى، وابن نصر) عن عبد الله بن السُّري، عن سعيد بن زكريا، به. متابعة للوجه الأول: وتُوبع عبد الله بن السري على الوجه الأول، تابعه محمد بن معاوية الأَنْمَاطيُّ: • فأخرجه ابن عدي في "الكامل" (٥/ ٣٥٥)، عن يحيى بن محمد بن صاعد، عن محمد بن معاوية، عن سعيد بن زكريا، عن عنبسة بن عبد الرحمن به. • بينما أخرجه الآجريّ في "الشريعة" (١٩٨٥)، وابن بطة في "الإبانة" (٤٨)، مِنْ طريق نُعيم بن حمَّاد، عن سعيد بن زكريا، عن عنبسة، عن ابن المنكدر، عن جابر بن عبد الله - بإسقاط محمد بن زاذان -. ب دراسة إسناد الوجه الأول (إسناد الطبراني): ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١).

стр. 259

٢) عبد الله بن السُّريّ الأَنْطَاكيُّ: "ضعيفٌ، يُعتبر به"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٩). ٣) سعيد بن زكريا، أبو عُثْمَان القُرَشِيُّ: "صَدُوقٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٨). ٤) عَنْبَسَة بن عبد الرحمن بن عَنْبَسَة بن سعيد بن العاص القرشيُّ، الأُمَويُّ. روى عن: محمد بن زاذان، ومحمد بن المنكدر، وهشام بن عروة، وغيرهم. روى عنه: سعيد بن زكريا المدائني، وحفص بن عمر، وعبد الرحمن بن مُسهر، وآخرون. حاله: قال ابن معين، والنسائي، وأبو حاتم، والذهبي، وابن حجر: متروك الحديث. وزاد أبو حاتم: كان يضع الحديث، وكان عند أحمد بن يونس عنه شيء فلم يُحدّث عنه على عَمد. وقال ابن معين أيضًا: ليس بشيء. وقال البخاري: تركوه. وقال أيضًا: مُنكر الحديث، ذاهب الحديث. وقال أبو زرعة، وابن عدي: منكر الحديث. وزاد أبو زرعة: واهي الحديث. وقال ابن حبَّان: صاحبُ أشياء موضوعة وما لا أصل له مقلوب، لا يحل الاحتجاج به. وقال النسائي، وأبو داود، والدارقطني: ضعيفٌ. وكذَّبه أبو الفتح الأزدي. وذكره العقيلي، وابن عدي، والدَّارقطني، وأبو نعيم، وابن الجوْزي في الضعفاء. فالحاصل: أنَّه "متروكٌ". (١) ٥) مُحَمَّدُ بن زَاذَان المَدَنِيُّ. روى عن: محمد بن المنكدر، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله ﵃، وآخرين. روى عنه: عَنْبَسة بن عبد الرحمن، وداود بن عبد الرحمن العطار. حاله: قال ابن معين: ليس حديثه بشيء. وقال البخاري، وأبو نعيم، وأبو زرعة، والترمذي: منكر الحديث. وزاد البخاري: لا يُكتب حديثه. وقال أبو حاتم، وابن حجر: متروك الحديث. وزاد أبو حاتم: ولا يُكتب عنه. وقال الساجي: لا يُكتب حديثه. وذكره الدَّارقطني، وأبو نعيم، في الضعفاء. فالحاصل: أنَّه "متروكٌ". (٢) ٦) مُحَمَّدُ بن المُنْكَدِر بن عبد الله بن الهُدَير، القُرَشِيُّ، أبو عبد الله، ويُقال: أبو بكر، المَدَنِيُّ. روى عن: جابر بن عبد الله، وعبد الله بن الزّبير، وعبد الله بن عمر ﵃، وغيرهم. روى عنه: محمد بن زَاذَان، وشُعبة، والثوري، وآخرون كثيرون. حاله: قال ابن معين، وأبو حاتم، والعجلي: ثِقَةٌ. وزاد العجلي: رجلٌ صالحٌ. وقال ابن عيينة: لم أَرَ أحدًا أَجْدر أن يُحمل عنه قال رسول الله ﷺ منه، وكان من معادن الصدق، يجتمع إليه الصالحون. وقال يعقوب بن شيبة: صحيحُ الحديثِ جدًا. وقال ابن حجر: "ثِقَةٌ، فَاضِلٌ". وروى له الجماعة. (٣) ٧) جابر بن عبد الله: "صحابيٌّ جليلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٠).

стр. 260

ثانيًا:- الوجه الثاني: عبد الله بن السَّريّ، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ﵁. أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (٣/ ١٩٧)، وابن ماجة في "سننه" (٢٦٣)، في المقدمة ب/مَنْ سُئل عن علمٍ فكتمه، وابن أبي عاصم في "السنة" (١٠٢٨)، والعقيلي في "الضعفاء" (٢/ ٢٦٤)، والآجُري في "الشريعة" (١٩٨٦ و ١٩٨٧)، وابن عدي في "الكامل" (٥/ ٣٥٤)، وابن بطة في "الإبانة" (٤٦ و ٤٧ و ٤٩)، وعثمان بن سعيد في "السنن الواردة في الفتن" (٢٨٧)، والخطيب البغدادي في "تاريخه" (١١/ ١٤٥) - ومن طريقه ابن عساكر في "تبيّن كذب المفتري فيما نُسِب إلى الأشعري" (ص/٣٠) -، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٧/ ٥)، والمزي في "تهذيب الكمال" (١٥/ ١٦). كلهم من طرقٍ عدةٍ، عن خلف بن تميم، عن عبد الله بن السّري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، البعض بلفظه كما في "الأوسط"، والبعض بنحوه. ب دراسة إسناد الوجه الثاني (إسناد ابن أبي عاصم في "السنة"): ١) محمد بن عبد الرحيم، أبو يحيى البغدادي، المعروف بصاعقة - لشدة حفظه-: "ثِقَةٌ حَافِظٌ". (١) ٢) خلف بن تميم بن أبي عَتَّاب، التميمي: "صَدُوقٌ". (٢) ٣) وبقية رجال الإسناد: تقدَّمت ترجمتهم في الوجه الأول من هذا الحديث. ثالثًا:- النظر في الخلاف على الحديث: مما سبق يتضح أنَّ هذا الحديث مداره على عبد الله بن السّري، واختُلف عليه فيه من وجهين: الوجه الأول: عبد الله بن السّري، عن سعيد بن زكريا، عن عنبسة بن عبد الرحمن، عن محمد بن زاذان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ﵁. الوجه الثاني: عبد الله بن السّري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ﵁. والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الأول هو الأشبه والأقرب إلى الصواب؛ وذلك للقرائن التالية: ١) الأكثرية: فرواه بالوجه الأول عن عبد الله بن السّري أربعةٌ من الرواة: (أحمد بن خُليد، وموسى بن النعمان، وأحمد بن إسحاق بن عيسى، وأحمد بن نصر)؛ بينما انفرد خلف بن تميم برواية الوجه الثاني. ٢) الأحفظية: فخلف بن تميم "صدوقٌ" وخالف مَنْ هو أحفظ منه وأضبط كأحمد بن خُليد "ثِقَةٌ"، فكيف إذا تابعه غيره على روايته؟! ٣) وجود مُتابعات لعبد الله بن السُّريّ على الوجه الأول، دون الثاني، تابعه محمد بن معاوية الأنطاكي. ٤) ويُضاف إلى ما سبق أنَّ محمدًا بن السّري لم يُدْرك محمد بن المنكدر، مما جعل غير واحدٍ من أهل العلم يُصَرّح بأن الحديث بالوجه الثاني منقطع سقط منه ثلاثة أنفس، بل وأسندوا الخطأ في ذلك إلى خلف بن

стр. 261

تميم لاتفاق جميع الرواة عنه على روايته هكذا بإسقاط الرواة، ولم يتابعه على ذلك أحد. ٥) ترجيح الأئمة للوجه الأول، ونذكر منهم ما يلي: - قال العقيلي - بعد أن أخرج الحديث بالوجه الأول -: والحديث بهذا الإسناد أشبه وأَوْلى. (١) - وقال الدّارقطني - بعد أن ذكر الوجه الأول -: وهو الصواب. (٢) - وقال المزي - بعد أن أخرج الحديث من وجهه الثاني -: ورواه غير واحدٍ عن عبد الله بن السّري، عن سعيد بن زكريا، وذكر الحديث بالوجه الأول، وأسنده من طريق الطبراني، ثم قال: وكذلك رواه محمد بن معاوية الأنماطي، عن سعيد بن زكريا، والله أعلم. (٣) وقال البخاري -بعد إخراجه للحديث بالوجه الثاني-: لا أعرف عبد الله، ولا له سماع من ابن المنكدر. (٤) قلتُ: والحديث أخرجه في ترجمة خلف بن تميم، وهذا فيه إشارة إلى إسناد الوهم في هذا الحديث إليه. وقال العقيلي - عن رواية عبد الله بن السّري، عن محمد بن المنكدر -: لا يُتابَع عليه، ولا يُعرف إلا به، وقد رواه غير خلف فأدخل بين عبد الله ومحمد رَجُلَيْن مشهورين بالضَّعْف. (٥) وقال الدَّارقطني: وبَيْن عبد الله ومحمد بن المنكدر ثلاثة أنفس. (٦) وقال ابن عدي: قال لنا ابن صاعد: وقد رواه سُريج بن يُونُس وقدماء شيوخنا عن خلف بن تميم هكذا، وكانوا يرون أن عَبد الله بن السري هذا شيخ قديم ممن لقي ابن المنكدر وسَمِع منه، … وَإذا خلف قد أسقط من الإسناد ثلاثة نفر. (٧) وبنحو ما سبق صرَّح به الخطيب في "تاريخه"، والمزي في "التهذيب"، وغيرهما. رابعًا:- الحكم على الحديث من وجهه الراجح: مما سبق يتضح أنَّ الحديث بوجهه الراجح "ضعيفٌ جدًا"؛ لأجل عَنْبَسة بن عبد الرحمن، ومحمد بن زَاذَان، وهما متروكان، وعليهما مدار الحديث. وقال ابن عدي: إنكار متن هذا الحديث ليس من جهة عبد الله بن السُّريّ، إنَّما هو من جهة عَنْبَسَة بن عبد الرحمن، فإنه منكر الحديث. (٨) وأورده المنذري في "الترغيب والترهيب" (٩)، بصيغة التمريض، ولم يتكلَّم

стр. 262

عليه في آخره - وهذا إشارة منه إلى أنَّ في إسناده كذّاب أو وضّاع أو متهم، أو مُجْمعٌ على تركه وضعفه، وغير ذلك مما يدل على شدة ضعفه - كما بيّن ذلك ﵀ في مقدمة كتابه-. والحديث أورده الألباني في "ضعيف الترغيب والترهيب" (١). وقال في "السلسلة الضعيفة" (٢): ضعيفٌ جدًا. قلتُ: ولم أقف على ما يشهد لمجموع هذا الحديث من الشواهد الصحيحة (٣)، لكنّ معناه صحيح فإنَّ كتمان العلم من الكبائر خاصةً عند انتشار الجهل وقلة العلم، قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥)، وعاب الله هذا الفعل القبيح على أهل الكتاب؛ فقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ .... الآية﴾ (٦)، وأخرج الإمام أحمد في "مسنده" (٧) بسندٍ صحيح من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: "مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٨)، فإن كان هذا على سبيل العموم، فهو عند انتشار الجهل أَوْكد، بل وعند وقوع الكبائر والمُنكرات؛ كسبّ الصحابة الأبرار أشد وأعظم، لثبوت فضل الصحابة ومن تبعهم بإحسان، ومكانتهم، ورضا الله عنهم بما هو معلومٌ من الدين بالضرورة، قال الله : ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ … الآية﴾ (٩)، فإذا وقع هذا؛ ولعن آخر هذه الأمة أولها فقد وجب على الأمة عمومًا وعلى أهل العلم خصوصًا النفير للتصدي لهؤلاء، ولتعليم الأمة، وتحذيرها من هذا الفعل الشنيع، جعلنا الله تعالى من الدعاة المخلصين إليه، آمين.

стр. 263

خامسًا:- التعليق على الحديث: قال المناوي: وإذا ظهرت البدع المذمومة كالوقيعة في الصحابة والطعن في السلف الصالح، ولعن آخر هذه الأمة أولها؛ فمن كان عنده علم بفضل الصدر الأول وما للسلف من المناقب الحميدة والمآثر الجميلة فلينشره؛ أي يظهره بين الخاصة والعامة ليعلم الجاهل فضل المتقدم وينزجر عن قبيح قوله، ويبين للناس ما أظهروه من الدين، وأصّلوه من الأحكام، الذي استوجبوا به الإعظام، ونهاية الإكرام، فإنَّ كاتم العلم يومئذ - أي يوم ظهور البدع ولعن الآخر الأول - ككاتم ما أنزل الله على محمد، فيُلْجَم يوم القيامة بلجامٍ من نارٍ كما جاء في عدة أخبار. قال الغزالي: والعلماء أطباء الدين، فعليهم أن يتكفل كل عالم منهم بقطره أو محلته، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويعلمهم أمر دينهم، ويميز البدعة من السنة، وما يضرهم عما ينفعهم، وما يشقيهم عما يسعدهم، ولا يصبر حتى يسأل منه، بل يتصدى للدعوة بنفسه، لأنهم ورثة الأنبياء، والأنبياء ما تركوا الناس على جهلهم، بل كانوا ينادونهم في مجامعهم، ويدورون على دورهم، فإن مرضى القلوب لا يعرفون مرضهم، فهذا فرض عين على كافة العلماء. وقال: هذا الحديث فيما إذا كان العالم بينهم فسكت، ولا يجوز له الخروج من بينهم حينئذ ولا العزلة. (١) * * *

стр. 264

[٣١/ ٤٣١]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: نا شَبِيبُ بْنُ شَيْبَةَ السَّعْدِيُّ، قَالَ: نا الْحَسَنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكَرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهدًا (١)، لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَتُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمَائةِ عَامٍ». * لم يَرْوِ هذا الحديث عن شَبِيبِ بن شَيْبَةَ إلا محمدُ بنُ سَعِيدٍ القُرَشِيُّ. هذا الحديث مَدَاره على الحسن البصري، واختلف عليه فيه مِنْ وجهين: الوجه الأول: الحسن، عن أبي بَكْرة، مرفوعاً "وإنَّ رِيحَهَا لَتُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمَائةِ عَامٍ". الوجه الثاني: الحسن، عن أبي بَكْرة، مرفوعًا "وإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ مِائَةِ عَامٍ". وتفصيل ذلك كالآتي: أولاً:- الوجه الأول: الحسن، عن أبي بَكْرة، مرفوعاً "وإنَّ رِيحَهَا لَتُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمَائةِ عَامٍ". أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه أحمد بن سُليمان بن أيوب - المعروف بابن حذلم - في "الأول مِنْ حديثه" (٤٨)، مِنْ طريق إسماعيل بن عَيَّاش، قال: حدَّثني عبد اللَّهِ بن المُحَرَّرِ الجَزَرِيُّ، عن الحَسَنِ، عن أبي بَكْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قال: «مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهِدًا ظُلْمًا لَمْ يَرَحْ رِيحَ الْجَنَّةِ أَبَدًا، وَإِنَّهُ لَيُوجَدُ رِيحُهَا مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِ مِائَةِ عَامٍ». • وابن حبان في "صحيحه" (٧٣٨٣)، قال: أخبرنا أبو يَعْلَى، قال: حدَّثنا مُسْلِمُ بن أبي مُسْلِمٍ الجَرْمِيُّ، قال: حدَّثنا مَخْلَدُ بن الحُسَيْن، عن هِشَامٍ بن حَسَّان الأزديّ، عن الحَسَنِ، عن أبي بَكْرَةَ، به. ب دراسة إسناد الوجه الأول (بإسناد الطبراني): ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) محمد بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص، أبو عبد الله القرشيُّ، الكوفيُّ، وليس الأنصاريُّ. روى عن: شبيب بن شيبة، وعبد الملك بن عُمير، وهشام بن عروة، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن خُليد، وابن أخيه سعيد بن يحيى الأموي. حاله: قال ابن معين: لم يكتب عنه كبير أحد. وقال أحمد: رأيته ولم أكتب عنه شيئًا. وذكره البخاري في "التاريخ الكبير"، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"؛ ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. وقال الدَّارقطني: بنو سعيد بن أبان ستة، كلهم رووا الحديث، وكلهم ثقات - وذكر منهم: محمد بن سعيد هذا-. وقال الذهبي: كان

стр. 265

مصاحبًا للدولة فقَلَّ مَنْ كتب عنه. قلتُ: وعليه فقد قَلَّ مَنْ كتب عنه بسبب مصاحبته للدولة، ولعلَّ هذا - والله أعلم- هو سبب سكوت البخاري، وابن أبي حاتم عنه. فالحاصل: أنَّه "ثقة"، قَلَّ من كتب عنه. (١) ٣) شَبِيْبُ بن شَيْبَة بن عبد الله بن عَمرو، أبو معمر البصري الخطيب، مِنْ فُصَحَاء النَّاس في زمانه. روى عن: الحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، ومحمد بن المنكدر، وغيرهم. روى عنه: محمد بن سعيد بن أبان، وأبو معاوية محمد بن حازم الضرير، وجُبارة بن المُغَلّس، وغيرهم. حاله: قال يحيى بن معين، وأبو محمد الإشبيلي: ليس بثقة. وقال أبو حاتم، وأبو زرعة: ليس بالقوي. وقال أبو داود: ليس بشيء. وقال ابن حبَّان: كان يَهِم في الأخبار، ويُخطئ إذا روى غير الأشعار، لا يُحتج بما انفرد به من الأخبار ولا يُشتغل بما لم يُتابع عليه من الآثار. وقال ابن عدي: أرجو أنَّه لا يتعمَّد الكذب؛ بل لعله يَهِمُ في بعض أحاديثه. وقال النسائي، والدَّارقطني: ضعيفٌ. وقال الذهبي: ضعَّفوه في الحديث. وقال ابن حجر: أخباري صدوقٌ، يَهِمُ في الحديث. والحاصل: أنَّه "ضعيف، يُعتبر به". (٢) ٤) الحسن بن أبي الحسن، واسمه يَسَار، أبو سعيد البصري، وأُمُّهُ خَيْرَة مَوْلاة أم سلمة زوج النبي ﷺ . روى عن: أبي بِكْرَة نُفيع بن الحارث، وأنس بن مالك، وابن عُمر ﵃، وغيرهم. روى عنه: شَبِيْبُ بن شيبة، والشعبيُّ، وشُعبة، وخلقٌ كثير. حاله: قال العِجْليُّ: ثِقَةٌ، رجلٌ صالحٌ، صاحبُ سُنة. وقال ابن سعد: ثِقَةٌ، فقيهٌ، مأمونٌ، عابدٌ، ناسكٌ، عالمٌ، فصيحٌ. وقال الذهبي: كان كبير الشأن، رفيع الذكر، رأسًا في العلم والعمل. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ، فَقِيهٌ، فَاضِلٌ مشهورٌ، وكان يُرسل كثيرًا، ويُدلّس. وكان أنس بن مالك ﵁ إذا سُئِل عن مسألةٍ فيقول: سَلُوا مولانا الحسن فإنه سَمِع وسَمِعْنا، فحَفِظ ونَسِينا. وقال أبو موسى الأشعري: والله لقد أدركتُ أصحاب محمد ﷺ فما رأيت أحدًا أشبه بأصحاب محمد من الحسن. وقال حُمَيد الطويل: رأينا الفقهاء، فما رأينا أحدًا أكمل مروءةً من الحسن. وقال قتادة: كان الحسن من أَعْلم الناس بالحلال والحرام. وقال أيُّوب: ما رأت عَيْنايَ رجلًا قط كان أفقه من الحسن. • وَصْفُهُ بالتدليس: قال ابن حبَّان في "الثقات": كان يُدَلِّس. وذكره النسائي، والدَّارقطني في المدلسين. وقال العلائي: كثير التدليس والإرسال؛ وذكره في المرتبة الثالثة. وَوَصَفَه الحافظ ابن حجر بالتدليس، وذكره في "طبقات المدلّسين"، و"النكت على ابن الصلاح" في المرتبة الثانية - وهم مَنْ احتمل الأئمة تدليسهم، وأخرجوا له في الصحيح لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى -. قلتُ: وبيان ذلك، والجواب عنه كالآتي: أ أمَّا وصف ابن حبَّان له بالتدليس فقد أجاب عنه د/حاتم العوني؛ فقال ما ملخصه:

стр. 266

١) إنَّه قد ثبت أنَّ ابن حبَّان كان من أَصْرح وأوضح مَنْ أَطْلَقَ التدليس على (رواية المعاصر عمن لم يلقه)، وهذا كافٍ لإبطال الاحتجاج بمجرد إطلاق ابن حبَّان (التدليس) على الحسن. (١) ٢) إنَّ ابن حبَّان وإن أطْلق وصف الحسن بالتدليس في كِتابَيْه: "الثقات"، و"مشاهير علماء الأمصار"، لكنه فَسَّر مراده في مقدمة كتابه "المجروحين"؛ فذكر حين عَدَّدَ أنواع الجرح: ومنهم المدلّس عمن لم يره، ثم ذكر عدة أمثلة؛ منها: رواية الحسن البصري عن أبي هريرة، مع عدم سماعه منه. وهذا قاطعٌ أنَّ ابن حبَّان حين أَطْلق وصف الحسن بالتدليس أراد به الإرسال الخفي ولا شك. قلت: ويؤيّد ذلك أيضًا قول ابن سعد في الحسن البصري، حيث قال: كل ما أسند من حديثه وروى عمن سمع منه فهو حجة، وما أرسل فليس بحجة. وكذلك الحاكم في "معرفة علوم الحديث" وَصَف الحسن بالتدليس، ولكنَّه قَسّم التدليس إلى ستة أقسام، ومَثَّلَ للقسم السادس منها بعدة أمثلة؛ منها قوله: فليعلم صاحب الحديث أنَّ الحسن لم يسمع من أبي هريرة، ولا من ابن عمر، ولا من ابن عباس شيئًا قط. قال د/حاتم العوني مُعَلّقًا على كلام الحاكم بقوله: ومع قوة هذا التمثيل بأنَّ الحسن عند الحاكم داخل ضمن المدلسين؛ إلا أنَّ الأقوى من ذلك هو أنَّ الحاكم إنما اعتبره مدلّسًا لأنه (يروي مِمَّن عاصره ولم يلقه)، فلا أحسب أحدًا بعد ذلك يقول: إنَّ الحسن مردود العنعنة عند الحاكم. وبهذا يتضح جليًا أن ابن سعد، والحاكم، وابن حبَّان حين وصفوا الحسن بالتدليس؛ إنما أرادوا به الإرسال الخفي، وهو روايته عمن عاصره ولم يسمع منه، وإلى هذا ذهب الشيخ/ محمد عمرو بن عبد اللطيف - نقلًا عن "معجم المدلسين"، وسيأتي ملخص كلامه قريبًا إن شاء الله ، والدكتور/ عبد الله يوسف الجديع - في "تحرير علوم الحديث" (٢) - والشيخ/ ناصر بن حمد الفهد- في "منهج المتقدمين في التدليس"-. ب وأمَّا وصف النسائي للحَسَن بالتدليس، فيُجاب عنه - مُختصراً -، كالآتي: ١) أجاب الشيخ/محمد بن طلعت في "معجم المدلسين" عن ذلك بما ملخصه: أنَّ النسائي قد وصف جماعة من المدلسين بالتدليس المطلق، والتدليس الموصوفون به خاص في بعض الشيوخ. فعلى سبيل المثال: حُميد الطويل، وَصَفه النسائي بالتدليس، وتدليسه خاصٌ بروايته عن أنس. وعبد الله ابن أبي نجيح وصفه النسائي أيضًا بالتدليس، وهو خاص بروايته التفسير عن مجاهد، فإنه لم يسمع التفسير منه، أما باقي حديثه عن مجاهد فسمعه منه. وغير ذلك من الأمثلة، ثم قال: وعليه فينبغي النظر في كلام باقي العلماء في الراوي الذي وصفه النسائي بالتدليس؛ فقد يكون تدليسه خاص بأحد شيوخه فقط، والله أعلم. ٢) وأجاب الدكتور/حاتم العوني، فقال: وبما أنه قد ثبت عن بعض الأئمة المتقدمين أنَّ وصفهم الحسن بالتدليس إنما هو لروايته عمن عاصره ولم يسمع منهم، وجب حمل وصف النسائي بالتدليس عليه أيضًا؛ لأن

стр. 267

الأئمة وخاصةً المتقدمين منهم إنما يَرِدُون - في الغالب- مَوْردًا واحدًا ويصدرون مصدرًا واحدًا، وكلامهم يخرج من مشكاةٍ واحدةٍ، فإطلاق الواحد منهم يقيده تقييد غيره، وعموم كلام أحدهم يخصصه كلام أخيه. ت وأمَّا وصف الذهبي فجوابه ما قاله هو في "السير"؛ حيث قال: لا يُحتجّ بقوله (عن) فيمن لم يدركه، وقد يدلِّس عمن لَقِيَه، ولكنَّه حافظٌ علَّامةٌ من بحور العلم. ث وأمَّا الحافظ ابن حجر فقد ذكره في المرتبة الثانية من مراتب المدلّسين. وعليه فالذهبي، وابن حجر قد ذهبا إلى قبول عنعنة الحسن إذا روى عمَّن ثبت سماعه له في الجملة، وأنَّه إذا روى بالعنعنة عمن لم يدركه فلا يُحتجّ به لأنه يُرسل. قلتُ: وللشيخ/ محمد عمرو عبد اللطيف كلام دقيق في تدليس الحسن - نقلًا عن "معجم المدلسين" أَذْكُرُ ملخصه لدقته وأهميته-، كالآتي: ١) أنَّ عنعنة الحسن ليس لها قاعدة مطردة تنطبق على جميع الحالات، بل تختلف من حالة لأخرى. ٢) أنّ من ثبت سماعه منه بإطلاقٍ كأنس بن مالك وغيره، لا يتوقف في عنعنته عنهم. ٣) أنَّ إطلاق وصف الحسن بالتدليس ليس بصواب، إلا إذا قَيَّدناه بالحسن عن سمرة، لأنه عنعن عنه كثيرًا، مع أنَّه لم يسمع منه إلا بضعة أحاديث، ففي هذه الحالة لابد من التصريح. ٤) ثُمَّ قال: والتحقيق أنَّ الحسن يُرسل، ولا يدلّس إلا في روايته عن سمرة، والتدليس الذي وُصف به الحسن معناه الإرسال الخفي، والمتقدّمون كثيرًا ما يُطلقون التدليس على الإرسال الخفي. ٥) وفي آخر كلامه قال: فالذي نخلص إليه أنَّ الحسن متى صَحَّ سماعه من صحابي في بعض الطرق فهذا كافٍ في الحكم على الحديث بالاتصال. أ. هـ وملخص ما سبق ذكره: أنَّ وصف الحسن بالتدليس إما مقيد بروايته عن سمرة، أو محمولٌ على الإرسال الخفي، وأنَّ روايته بالعنعنة عمن ثبت له سماعه منه في الجملة فهي محمولة على الاتصال. قلتُ: وعلى هذا عمل البخاري ومسلم في "صحيحيهما"، فلقد تتبعتُ روايات الحسن عندهما؛ فوجدتهما إذا أخرجا له عمن ثبت له سماعه منه في الجملة حَمَلَا عنعنته عنه على الاتصال كروايته عن أبي بَكْرَة - وسيأتي بيانها- وبعض هذه الروايات حين تتبعتُ طرقها لم أقف للحسن على طريقٍ منها صَرَّح فيه بسماعه من أبي بكرة؛ مِمَّا يُؤكد أنهما حملوا عنعنته عمن ثبت له سماعه منه في الجملة على السماع، أما من لم يسمع منه كأبي هريرة وغيره؛ فإما أن يُثْبِت الحسن الواسطة بينهما، وعلى هذا فلا إشكال، وإن رواه بالعنعنة فوجدتُ البخاري في غير موضع قَرَنَه بغيره، والله أعلم. • بيان ثبوت سماع الحسن من أبي بكرة ﵁: ذهب يحيى بن معين، وابن أبي حاتم، والدَّارقطني إلى أنَّ الحسن لم يسمع من أبي بكرة ﵁. قلتُ: ويُجاب عن ذلك بما يلي: ١) أنه قد ثبت له سماعه منه في الجملة، فمن ذلك ما أخرجه البخاري في "صحيحه" عن الحسن، قال: وَلَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ وَالحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ، وَهُوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً، وَعَلَيْهِ أُخْرَى، وَيَقُولُ:

стр. 268

«إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ» (١). قَالَ البخاري: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المديني: إِنَّمَا ثَبَتَ لَنَا سَمَاعُ الحَسَنِ مِنْ أَبِي بَكْرَةَ، بِهَذَا الحَدِيثِ. قلتُ: وهذا يدلّ على أنَّهما يُثبتان سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث وحده، وعندما تتبعتُ روايات الحسن عن أبي بكرة عند البخاري (٢)؛ وجدتها كلها بالعنعنة غير هذا الحديث، وهذا يؤكد ما ذكرتُهُ أنَّ عنعنته محمولةٌ على الاتصال في روايته عمن ثبت سماعه منه في الجملة - باستثناء ما تقدم-. ٢) وقال العلائي: وغاية ما استدلَّ به الدارقطني أن الحسن روى أحاديث عن الأحنف بن قيس عن أبي بكرة، وذلك لا يمنع من سماعه منه؛ لِما أخرجه البخاري. ٣) وقال أبو حاتم في "المراسيل": وسمع من أبي بكرة شيئًا. • وأخيرًا: وصفه بالإرسال: قال علي بن المديني: مُرْسلات يحيى بن أبي كثير شبه الريح، ومُرسلات الحسن البصري التي رواها عنه الثقات صحاحٌ ما أقل ما يسقط منها. وقال أبو زرعة: كل شيء قال الحسن: قال رسول الله ﷺ ، وجدت له أصلًا ثابتًا ما خلا أربعة أحاديث. وقال الدارقطني: مراسيله فيها ضعف. وقال العلائي: كثير الإرسال. وقال ابن حجر: يُرْسل كثيرًا عن كل أحد. والحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ فَقِيْهٌ فَاضِلٌ، كثير الإرسال، وعنعنته محمولة على الاتصال والسماع في روايته عمن صَحَّ له سماعه منه في الجملة، إلا في روايته عن سمرة بن جندب فإنه يُدَلِّس عنه، وأمَّا في روايته عَمَّن لم

стр. 269

يسمع منه - وإن لَقِيَهُ أو عاصره - فلا بد أن يصرح بسماعه منه في الجملة، وإلا فمنقطع - لإرساله-". (١) ٥) أبو بَكْرة نُفيع بن الحارث الثقفي: "صحابيٌّ جليلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٥). ثانيًا:- الوجه الثاني: الحسن، عن أبي بَكْرة، مرفوعًا "وإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ مِائَةِ عَامٍ". أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه عبد الرَّزَّاق في "المصنف" (١٨٥٢٢)، عن ابن عُيَيْنَةَ، عن عَمْرو بن عامر، عن الحَسَنِ، عن أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قال: «مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدَةً بِغَيْرِ حِلِّهَا فَحَرَامٌ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ أَنْ يَشُمَّ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ مِائَةِ عَامٍ». • وأخرجه عبد الرزاق في "الجامع" (١٩٧١٢) - ومن طريقه أحمد في "مسنده" (٢٠٤٦٩)، والبزار في "مسنده" (٣٦٣٩ و ٣٦٤٠)، والحاكم في "المستدرك" (٢٥٧٩)، وأبو نُعيم في "صفة الجنة" (١٩٣)، والبيهقي في "الكبرى" (١٦٤٨٤)، والبغوي في "شرح السنة" (٢٥٢٢) -، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قَتَادَةَ - مِنْ أصح الأوجه عنه (٢) -، وغير واحدٍ، عن الحَسَنِ، عن أَبِي بَكْرَةَ، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ رِيحَ الْجَنَّةِ لَتُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ مِائَةِ عَامٍ، وَمَا مِنْ عَبْدٍ يَقْتُلُ نَفْسًا مُعَاهَدَةً إِلا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَرَائِحَتَهَا أَنْ يَجِدَهَا ". قَالَ أَبُو بَكَرَةَ: " أَصَمَّ اللهُ أُذُنِي إِنْ لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُهَا. متابعات للوجه الثاني: • وأخرجه عبد الرَّزَّاق في "المصنف" (١٨٥٢١) - ومن طريقه أحمد في "مسنده" (٢٠٥٢٣) -، عن الثَّوريِّ، عن يُونُسَ بن عُبَيد - مِنْ أصح الأوجه عنه (٣) -، عن الحكم بن عبد الله الأعرج، عن الأَشْعَثِ بن ثرملة، عن أبي بَكْرَةَ ﵁، قال: قال النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدَةً بِغَيْرِ حِلِّهَا فَحَرَامٌ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ أَنْ يَشُمَّ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ مِائَةِ عَامٍ». شواهد للوجه الثاني: • أخرج الطبراني في "الأوسط" (٦٦٣ و ٨٠١١)، وأبو بكر الإسماعيلي في "معجم شيوخه" (٣٤١)، وغيرهما مِنْ طُرُقٍ عن عِيسَى بن يُونُسَ، عن عوفٍ الأَعْرَابِيِّ، عن ابن سِيرِينَ، عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رَسُولُ اللَّهِ

стр. 270

- ﷺ : «مِنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدَةً بِغَيْرِ حَقِّهَا، لَمْ يَرُحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَ الْجَنَّةِ تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ مِائَةِ عَامٍ». وإسناده صحيحٌ. ب دراسة إسناد الوجه الثاني (بإسناد عبد الرَّزَّاق مِنْ طريق قتادة): ١) سُفْيَان بن عُيَيْنَة: "ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ إمامٌ حجةٌ"، سيأتي بإذن الله تعالى في الحديث رقم (٧٨). ٢) عمرو بن عامر البجلي: "صدوقٌ حسن الحديث". (١) ٣) الحسن بن أبي الحسن، أبو سعيد البصري: "ثِقَةٌ، فقيهٌ، فَاضلٌ، كثير الإرسال، وصحَّ سماعه مِنْ أبي بَكْرة"، تَقَدَّم في الوجه الأول. ٤) أبو بَكْرة نُفيع بن الحارث الثقفي: "صحابيٌّ جليلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٥). ثالثًا:- النظر في الخلاف: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث مَدَاره على الحسن البصري، واختلف عليه فيه مِنْ وجهين: الوجه الأول: الحسن، عن أبي بَكْرة، مرفوعاً "وإنَّ رِيحَهَا لَتُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمَائةِ عَامٍ". الوجه الثاني: الحسن، عن أبي بَكْرة، مرفوعًا "وإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ مِائَةِ عَامٍ". والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الثاني هو الأشبه والأقرب للصواب؛ للقرائن الآتية: ١) أنَّ الوجه الأول رواه عن الحسن البصري شَبِيْبُ بن شَيْبَة وهو "ضَعيفٌ" - كما سبق -، وتابعه عليه بهذا الوجه اثنان مِنْ الرواة، وهما: الأول: عبد الله بن المُحرَّر الجَزَرِيُّ وهو "متروك الحديث". (٢) والثاني: هشام بن حَسَّان الأزدي، وقد تكلموا في روايته عن الحسن البصري على وجه الخصوص. (٣) ٢) أمَّا الوجه الثاني، فرواه عن الحسن البصري عَمرو بن عامر البَجَليُّ وهو "حسن الحديث"، وتابعه قتادة بن دعامة السَدُوسيُّ، وقتادة "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ"، ومِنْ أصحاب الحسن البصريّ المُقدَّمين فيه؛ قَال عَبْد الرزاق، عن معمر: قال قتادة: جالست الحسن ثنتي عشرة سنة، أصلي معه الصبح ثلاث سنين، ومثلي أخذ عَنْ مثله. (٤) ٣) بالإضافة إلى وجود مُتابعات، وشواهد صَحيحة للوجه الثاني؛ وأمَّا الشواهد للوجه الأول - وسيأتي بإذن الله ذكرها - فلا تصلح للاعتبار، والله أعلم. رابعًا:- الحكم على الحديث: أ الحكم على الحديث بإسناد الطبراني: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "مُنْكرٌ" بلفظ: " وَإِنَّ رِيحَ الجنَّةِ لَتُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمَائةِ عَامٍ"؛ لأجل

стр. 271

شَبيب بن شَيْبَة "ضَعيفٌ"، وقد خالف ما رواه الثقات عن الحسن البصريّ. ب الحكم على الحديث مِنْ وجهه الراجح: والحديث مِنْ وجهه الراجح بمجموع طرقه، وشواهده "صَحيحٌ"، والله أعلم. قلتُ: والحديث قد ثبت بألفاظ أخرى غير مسيرة المائة عام، منها: • ما أخرجه البخاري في "صحيحه" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا». (١) • وأخرج الإمام الترمذي في "سننه" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «أَلا مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهِدًا لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَقَدْ أَخْفَرَ بِذِمَّةِ اللَّهِ، فَلا يُرَحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ خَرِيفًا». وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. خامسًا:- النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن شَبِيبِ بن شَيْبَةَ إلا محمدُ بنُ سَعِيدٍ القُرَشِيُّ. قلتُ: مِمَّا سبق في التخريج يَتَبَيَّنُ صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁. سادسًا:- التعليق على الحديث: قال ابن حبَّان: هَذِهِ الْأَخْبَارُ كُلُّهَا مَعْنَاهَا: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، يُرِيدُ جَنَّةً دُونَ جَنَّةِ، الْقَصْدِ مِنْهُ الْجَنَّةُ الَّتِي هِيَ أَعْلَى وَأَرْفَعُ؛ يُرِيدُ مَنْ فَعَلَ هَذِهِ الْخِصَالَ، أَوِ ارْتَكَبَ شَيْئًا مِنْهَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، أَوْ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ الَّتِي هِيَ أَرْفَعُ الَّتِي يَدْخُلُهَا مَنْ لَمْ يَرْتَكِبْ تِلْكَ الْخِصَالَ، لِأَنَّ الدَّرَجَاتِ فِي الْجِنَانِ يَنَالُهَا الْمَرْءُ بِالطَّاعَاتِ، وَحَطُّهُ عَنْهَا يَكُونُ بِالْمَعَاصِي، الَّتِي ارْتَكَبَهَا. (٢) وقال ابن القيم: وهذه الألفاظ لا تعارض بينهما بوجه، وريح الجنة نوعان: ريح يوجد في الدنيا تشمه الأرواح، أحيانًا لا تدركه العباد، وريح يدرك بحاسة الشم للابدان، كما يشم روائح الأزهار، وهذا يشترك أهل الجنة في إدراكه في الآخرة من قرب وبعد، وأما في الدنيا فقد يدركه من شاء الله من أنبيائه ورسله. وقد أشهد الله سبحانه عباده في هذه الدار آثارا من آثار الجنة وأنموذجًا منها من الرائحة الطيبة، واللذات المشتهاة، والمناظر البهية، والفاكهة الحسنة، والنعيم والسرور، وقرة العين، وقد روى أبو نعيم من حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال قال رسول الله ﷺ : " يقول الله للجنة: طيبى لأهلك فتزداد طيبا فذلك البرد الذي يجده الناس بالسحر من ذلك"، كما جعل سبحانه نار الدنيا وآلامها وغمومها وأحزانها

стр. 272

تذكرة بنار الآخرة، قال تعالى في هذه النار: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣)﴾ (١) وأخبر النبي ﷺ : أن شدة الحر والبرد من أنفاس جهنم، فلا بد أن يشهد عباده جنته وما يذكرهم بها والله المستعان. (٢) وقال الحافظ ابن حجر: والمراد بهذا النفي وان كان عامّاً التخصيص بزمان ما، لما تعاضدت الأدلة العقلية والنقلية أن من مات مسلماً، ولو كان من أهل الكبائر، فهو محكوم بإسلامه غير مخلد في النار، ومَآله إلى الجنة ولو عذب قبل ذلك. (٣) وقال ابن حجر: وهذا اختلاف شديد، … والذي يظهر لي في الجمع أن يُقال: إن الأربعين أقل زمن يدرك به ريح الجنة من في الموقف، والسبعين فوق ذلك، أو ذكرت للمبالغة، والخمسمائة ثم الألف أكثر من ذلك، ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص، والأعمال، فمن أدركه من المسافة البعدي أفضل ممن أدركه من المسافة القربى، وقد أشار إلى ذلك شيخنا في "شرح الترمذي"، فقال: الجمع بين هذه الروايات أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص بتفاوت منازلهم ودرجاتهم، ثم رأيت نحوه في كلام ابن العربي، فقال: ريح الجنة لا يدرك بطبيعة ولا عادة، وإنما يدرك بما يخلق الله من إدراكه، فتارة يدركه من شاء الله من مسيرة سبعين، وتارة من مسيرة خمسمائة. ونقل ابن بطال أن المهلب احتج بهذا الحديث على أن المسلم إذا قتل الذمي أو المعاهد لا يقتل به للاقتصار في أمره على الوعيد الأخروي دون الدنيوي. (٤) * * *

стр. 273

[٣٢/ ٤٣٢]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ عُمَيْرٍ. عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ عَلَى جَبْهَتِهِ عَلَى قِصَاصِ الشَّعَرِ. * لم يَرْوِ هذا الحديث عن حَكِيمِ بن عُمَيْرٍ إلا أبو بكر بنُ أبي مَرْيَمَ. أولًا:- تخريج الحديث: • أخرجه الطبراني ﵁ في "مسند الشاميين" (١٤٧٠)، عن أحمد بن خُليد، به. • وتمَّام بن محمد في "فوائده" - كما في "الروض البسام" (٣٤٠) -، من طريقين، عن أحمد بن خُليد بسنده، بلفظ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْجُدُ مَعَ قُصَّاصِ الشِّعْرِ عَلَى أَعْلَى الْجَبْهَةِ». • وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (١/ ٣٢٤)، وأبو يعلى في "مسنده" (٢١٧٦) - ومن طريقه ابن حبَّان في "المجروحين" (٣/ ١٤٧)، في ترجمة أبي بَكْرِ بن أبي مَرْيَمَ -، كلاهما من طريق مُبَشّر بن إسماعيل، عن أَبي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَم، بنحوه، وفيه "مع قصاص الشعر" بدل "على". • وأخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (١٩٠٠)، وأبو بكر بن أبي شيبة في "المصنف" (٢٦٩٧)، والدارقطني في "مسنده" (١٣٢٠)، والطبراني في "مسند الشاميين" (١٣٤٦)، وابن عدي في "الكامل" (٦/ ٤٩٩)، وأبو محمد الجوهري في "حديث أبي الفضل عُبيد الله بن عبد الرحمن الزَّهري" (٣٢٠). كلهم عن إسماعيل بن عَيَّاش، عن عبد العزيز بن عُبَيْد الله بن حمزة، قال: قلتُ لوَهْب بن كيسان: مَالَكَ لا تُمَلِّك جَبْهَتَكَ وَأَنْفَكَ مِنْ الأَرْضِ؟ قَالَ: ذَلِكَ أَنِّي سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبد اللَّهِ يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ عَلَى جَبْهَتِهِ عَلَى قصاص الشعر. وعند أبي داود بلفظ: رَأَيْتُ وَهْبَ بْنَ كَيْسَانَ يَسْجُدُ عَلَى قصَاصِ الشَّعْرِ، قَالَ: فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ. وعند الطبراني: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا سَجَدَ سَجَدَ عَلَى أَعْلَى جَبْهَتِهِ عَلَى قِصَاصِ الشَّعْرِ. قال الدارقطني: تفرَّد بها عبد العزيز، عن وهبٍ، وليس بالقوي. وقال ابن عدي: وهذه الأحاديث التي ذكرتُها لعبد العزيز هذا مناكير كلها، وما رأيتُ أحدًا يحدِّث عنه غير إسماعيل بن عياش. وقال البوصيري: عبد العزيز ضعيف. وضعَّفها كذلك الحافظ ابن حجر. (١) ثانيًا:- دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١).

стр. 274

٢) الحَكَمُ بن نَافِع البَهْرانيُّ، أبو اليَمَان الحِمْصيُّ. روى عن: أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، وشُعيْب بن أبي حمزة، وإسماعيل بن عيَّاش، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن خُليد، والبخاري، وأبو زرعة الدمشقي، وآخرون. حاله: قال ابن معين، ومحمد بن عبد الله المَوْصلي: ثقة. وقال العجلي: لا بأس به. وقال أبو حاتم: كان كاتب إسماعيل بن عَيَّاش - كما يُسمَّى أبو صالح كاتب الليث -، وهو نبيلٌ صَدُوقٌ ثِقَةٌ. وقال الذهبي: ثِقَةٌ نَبِيلٌ إمامٌ. وقال: من أَثْبت أصحاب الزهري. وقال ابن حجر في "التقريب": ثِقَةٌ ثَبْتٌ. وقال في "مقدمة الفتح": مُجمَعٌ على ثقته، اعتمده البخاري، وروى عنه الكثير، وتكلّمَ بعضهم في سماعه من شُعيْب. وقد تكلَّم البعض - كالإمام أحمد وأبي زُرعة، وغيرهما - أنَّ روايته عن شُعيب بن أبي حمزة مناولة، بل وقال أبو زرعة: لمْ يسمع منه إلا حديثًا واحدًا. والجواب عن ذلك مجملٌ كالآتي: فقد روى ابن معين، قال: سألت أبا اليمان عن حديث شُعيب بن أبي حمزة؟ فقال: ليس هو مُناولة، المناولة لم أخرجها لأحدٍ. وقال الذهبي في "الميزان": أبو اليمان ثَبْتٌ في شُعيب، عالمٌ به، وأكثر في "الصحيحين" الرواية عنه عن شُعيب، مع احتمال أن يكون ذلك بالإجازة عنه. (١) وقال ابن حجر في "مقدمة الفتح": إن صح ذلك - أي: روايته عن شُعيب بالإجازة - فهو حجة في صحة الرواية بالإجازة، إلا أنه كان يقول في جميع ذلك أخبرنا، ولا مشاححة في ذلك أن كان اصطلاحًا له. قلتُ: فروايته عن شُعيب محمولة على الاتصال على كل حال؛ إمَّا لكون ما رواه بالمناولة لم يُخرجه لأحدٍ، أو على أنَّ الرواية بالإجازة صحيحة، لذا اعتمده البخاري، ومسلم. فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ". (٢) ٣) أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغسَّاني، الشَّاميّ، قيل اسمه بُكَير، وقيل عبد السَّلام. قال ابن حبَّان: ولمْ أسمعْ أحدًا من أصحابنا يذكر له اسمًا. وقد يُنسب إلى جده. روى عن: حَكيم بن عُمير، وحمزة بن حبيب، وعطية بن قيس، وغيرهم. روى عنه: الحَكَم بن نافع، وإسماعيل بن عيَّاش، وعبد الله بن المبارك، وآخرون. حاله: قال ابن معين: ليس حديثه بشيء. وقال أحمد: ليس بشيء. وقال أيضًا: ضعيف، كان عيسى بن يونس لا يرضاه. وقال ابن سعد، والنسائي، والدَّارقطني: ضَعيفٌ. وقال أبو حاتم: ضعيفُ الحديثِ طرقته لصوص فأخذوا متاعه فاختلط. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث، منكر الحديث. وقال أبو داود: سُرق له حُلى فأنكر عقله. وقال ابن حبَّان: رديء الحفظ، يُحدِّث بالشيء ويَهِمُ فيه، لم يفحش ذلك منه حتَّى استحقَّ

стр. 275

الترك، ولا سَلَكَ سَنَن الثقات حتى صار يُحتجّ به، فهو عندي ساقط الاحتجاج به إذا انفرد - وذكر بعض مناكيره وعَدَّ حديث الباب منها-. وقال ابن عدي: الغالب على حديثه الغرائب، وقلَّما يوافقه الثقات، وأحاديثه صالحة، لا يُحتجّ بحديثه، ولكن يُكتب حديثه. وقال الذهبي في "السِيَر": لا يبلغ حديثه رتبة الحسن. وفي "العلو": من المتوسّطين وليس من المتروكين. وقال ابن حجر: ضعيف، وكان قد سُرِقَ بيته فاختلط. _ بينما قال ابن معين: صَدُوقٌ. وقال البَزَّار، ويعقوب بن شيبة (١): ثِقَةٌ. والحاصل: أنَّه "ضعيف يُعتبر بحديثه". (٢) فالجمهور على تضعيفه، والجرح مُفَسَّر، فَيُقَدَّمُ على التعديل. ٤) حَكِيْمُ بن عُمَيْر بن الأَحْوص العَنْسيُّ، ويُقال الهَمْدانيُّ، أبو الأَحْوَص الحِمْصِيُّ. روى عن: جابر بن عبد الله، وعُتْبَة بن عَبْد السُّلَميّ، والعرباض بن سارية، وآخرين. روى عنه: أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم، وابنه الأحوص بن حكيم، وعبد الله بن بُسر، وآخرون. حاله: قال أبو حاتم: لا بأس به. وقال محمد بن عوف: شيخٌ صالحٌ. وقال ابن حبَّان في "المشاهير": من ثِقَاتِ الشَّامِيِّين، ومُتْقِنِيهم. وقال الذهبي: صَدُوقٌ. وقال ابن حجر: صدوقٌ يَهِم. وقال صاحبا "تحرير التقريب": ولفظة "يَهِمُ" لا نعلم من أين أتى بها، ولَمْ يَصِفْهُ بها أحدٌ مِمَّن سبقه. فالحاصل: أنه "ثِقَةٌ، مُتْقِنٌ". (٣) ٥) جابر بن عبد الله ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٠). ثالثًا:- الحكم على الحديث: • مما سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبرانيّ "مُنْكَرٌ"؛ لتفرُّد أبو بكر بن أبي مريم بروايته عن حَكيم بن عُمير، ولم يتابعه عليه أحد من الثقات. قال ابن عدي: الغالب على حديثه الغرائب، وقلَّما يوافقه الثقات. وقال ابن حبَّان: هُوَ عِنْدِي سَاقِط الِاحْتِجَاج بِهِ إِذَا انْفَرد، ثم ذكر بعض مناكيره، وعَدَّ رواية الباب منها. ونقل تَمَّام بن محمد الرازي في "فوائده" عن المنذري، قال: أبو بكر بن أبي مريم شاميّ ضعيف، كان من خيار الشام، ولكنَّه كان ركيك الحفظ. (٤) وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى، والطبراني في "الأوسط"، وفيه أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم، وهو ضعيفٌ لاختلاطه. (٥) وضَعَّفه كذلك الحافظ ابن حجر. (٦)

стр. 276

• وأمَّا مُتَابعة عبد العزيز بن عُبَيْد الله، عن وهب بن كَيْسَان، عن جابر، فلا تَصْلح للمتابعات؛ فقد عَدَّها ابن عدي مِنْ مُنْكرات عبد العزيز بن عُبَيْد الله، وقد تَفَرَّد بها عن وهب بن كيسان، كما قال الدّارقطني، وقال: وليس هو بالقوي. (١) وضَعَّفها البوصيري، وابن حجر، وقد سبق نقل أقوالهم عقب تخريج هذه المتابعة. • قلتُ: ومِمَّا يُؤَكِّدُ نكارتها أنَّه قد ثبت في "الصحيح" ما يخالفها - فجمعت مع التفرّد المخالفة -، فرواية الباب تدلُّ على أنَّ النبي ﷺ كان يسجد على الجبهة دون الأنف - كما يدل عليه مجموع الروايات -، وهذا مخالف لما أقرَّ به النبي ﷺ ، وأَمَر به، بل ومخالف لفعله ﷺ ؛ من ذلك: _ ما أخرجه البخاري ومسلم في "صحيحيْهما"، من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الجَبْهَةِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ - وَاليَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ القَدَمَيْنِ، وَلَا نَكْفِتَ الثِّيَابَ وَالشَّعْرَ». (٢) _ وأخرج البخاري ومسلم في "صحيحيْهما" في حديث تَحَرِّي ليلة القدر، من حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، وفيه: ...... "فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ وَالمَاءِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَرْنَبَتِهِ"، وفي لفظٍ عند مسلم: "فَخَرَجَ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَلاةِ الصُّبْحِ، وَجَبِينُهُ وَرَوْثَةُ أَنْفِهِ فِيهِمَا الطِّينُ وَالْمَاءُ، .... الحديث". (٣) _ وعند مسلم من حديث عبد الله بن أُنيس: "فَانْصَرَفَ وَإِنَّ أَثَرَ الْمَاءِ وَالطِّينِ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ". (٤) _ وأخرج الترمذي في "سننه" من حديث أبي حميد الساعدي: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا سَجَدَ أَمْكَنَ أَنْفَهُ وَجَبْهَتَهُ مِنَ الأَرْضِ، وَنَحَّى يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ". قال الترمذي: وفي البابِ عن ابن عَبَّاسٍ، وَوَائِلِ بن حُجْرٍ، وأبي سَعِيدٍ، وحَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ثم قال: والعملُ عليه عند أهل العلم: أَنْ يَسْجُدَ الرَّجُلُ على جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ، فَإِنْ سَجَدَ عَلَى جَبْهَتِهِ دُونَ أَنْفِهِ، فَقَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ: يُجْزِئُهُ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ: لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَسْجُدَ عَلَى الجَبْهَةِ وَالأَنْفِ. (٥)

стр. 277

رابعًا:- النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ عُمَيْرٍ إِلا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ. قلتُ: مِمَّا سبق في التخريج يَتَبَيَّنُ صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁. والحديث أخرجه تَمَّام بن محمد في "فوائده"، فلَعَلَّ هذا فيه إشارة ضمنيَّة أنَّه مِنْ الغرائب - كما سبق -. خامسًا:- التعليق على الحديث: _ قال ابن رجب الحنبلي: وذهب البعض إلى أنه يجب السجود على الأنف مع الجبهة، وهو قول مالك، وأحمد - في رواية عنهما - وإسحاق، - واختار هذه الرواية عن أحمد: أبو بكر عبد العزيز، وغيره من أصحابنا - وأبي خيثمة، وأبي بكر بن أبي شيبة، ورُويَ معناه عن طاوس، والنخعي، وسعيد بن جبير، ورَوَى نحوه ابن عمر، قال: السجود على الأنف تحقيق السجود. ولو اقتصر على السجود على أنفه دون جبهته لم يجزئه عند أحد العلماء ممن أوجب السجود على الأنف، غير أبي حنيفة، وهي رواية عن الثوري. ومن ذهب إلى أنّ السجود على الأنف مستحب، واستدلَّ على ذلك بأن عدَّ الأعضاء المأمور بالسجود عليها سبعًا، ولو كان الأنف معها لكانت ثمانية؛ مردود لأن الأنف من الجبهة. فقد قال: سبعة أعظم، وطرف الأنف المسجود عليه ليس عظمًا فعُلِم أنَّه تابعٌ لعظم الجبهة، وليس عضوًا مستقلًّا. (١) _ وقال الحافظ ابن حجر ﵀: لمّا سجد النبي ﷺ بجبهته وأنفه في الطين دلَّ ذلك على تأكيد الأمر بالسجود على الأنف وأنَّه لم يُترك مع وجود عذر الطين الذي أثَّر فيه، وهو دالٌّ على وجوب السجود عليهما ولولا ذلك لصانهما عن لوث الطين، قاله الخطابي. (٢) * * *

стр. 278

[٣٣/ ٤٣٣]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ. عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ (١)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّهَا كَائِنَةٌ، وَلَمْ يَأْتِ تَأْوِيلُهَا بَعْدُ» (٢). * لا يُرْوَى هذا الحديثُ عن سَعْدٍ إلا بهذا الإسنادِ، تَفَرَّدَ به: أبو بكرُ بنُ أبي مريمَ. أولًا:- تخريج الحديث: • أخرجه الطبراني ﵁ في "مسند الشاميين" (١٤٤٨) - ومن طريقه أبو العلاء الحسن بن أحمد العطَّار في "فُتيا وجوابها وذكر الاعتقاد وذم الاختلاف" (ص/٤١) -، قال: حدثنا أحمد بن خليد، به. • وتَمَّام بن محمد في "فوائده" - كما في "الروض البسَّام" (١٣٣٨) -، من طريق أحمد بن خُليد، به. • وأحمد في "مسنده" (١٤٦٦)، قال: حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، به. • ونُعيم بن حمَّاد في "الفتن" (٤٣ و ١٧٠٠)، والحسن بن عرفة في "جزئه" (٧٧) - ومن طريقه الترمذي في "سننه" (٣٠٦٦)، ك/التفسير، ب/سورة الأنعام، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧٣٩٧)، وابن عساكر في "تاريخه" (٩/ ٣٦)، وابن جماعة في "مشيخته" (١/ ٣٥٧)، والذهبي في "معجم الشيوخ الكبير" (١/ ٢٦٤)، والسّبكي في "معجم الشيوخ" (١/ ١٠٩) -، وأبو يعلى في "مسنده" (٧٤٥)، والطبراني في "مسند الشاميين" (١٤٤٨)، كلهم من طُرُقٍ عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، به. ووقع عند الطبراني في "الشاميين" بلفظ: "إنَّهَا كَائِنَةٌ، وَلَمْ تَأْتِ بَعْدُ". وقال الترمذي: حديثٌ غريب. (٣) وقال الذهبي: إسناده ضعيفٌ مِنْ قِبَل أبي بكر الغَسَّانيّ.

стр. 279

ثانيًا:- دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) أبو اليمان الحكم بن نافع: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٣٢). ٣) أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم: "ضعيفٌ يُعتبر به"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٣٢). ٤) راشد بن سعد المَقْرائِيُّ، ويُقال: الحُبْرَانِيُّ، الحِمْصيُّ. روى عن: سعد بن أبي وقَّاص - مُرْسل -، وأنس بن مالك، وأبي أُمامة الباهلي، وآخرين. روى عنه: أبو بكر بن أبي مريم، والأحوص بن حكيم بن عُمير، وجرير بن عثمان، وآخرون. حاله: قال ابن معين، والعجلي، وأبو حاتم، وابن سعد، ويعقوب بن شيبة، والنسائي، وعثمان بن سعيد الدَّارمي، وابن كثير، والذهبي، وابن حجر: ثِقَةٌ. وزاد ابن كثير: نَبِيلٌ. وزاد ابن حجر: كثير الإرسال. وقال أحمد: لا بأس به. وقال المُفضّل بن غسّان: من أَثْبت أهل الشام. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال الدّارقطني: لا بأس به، وهو يُعتبر به إذا لمْ يحدِّث عنه مَتْرُوكٌ. - بينما قال ابن شاهين: لا يُكتب حديثه. وقال ابن حزم: ضعيف. لكن تعقَّبه الذهبي في "السير" بقوْله: هذه من أقواله المردودة، وقال في "الميزان": وشذّ ابن حزم. ووافقه الحافظ ابن حجر في "اللسان". - وقال أحمد: لمْ يسمع من ثوْبان. وقال أبو زُرعة: راشد بن سعد، عن سعد مُرْسَلٌ. والحاصل: أنّه "ثِقَةٌ، يُرسلُ". (١) ٥) سعد بن أبي وقَّاص - واسمه مالك - بن أُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب القُرشي. روى عن: النبي ﷺ ، وخَوْلة بنت حكيم. روى عنه: راشد بن سعد، وعبد الله بن عبَّاس، وعبد الله بن عمر بن الخطَّاب ﵃، وغيرهم كثير. أحد العشرة المشهود لهم بالجنَّة، أسلمَ قديمًا، وهاجر إلى المدينة قبل النبي ﷺ ، وشَهِد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ . ومناقبه وفضائله كثيرة جدًّا لا تُحْصى (٢)، منها: ما أخرجه البخاري، ومسلم في "صحيحيْهما"، من حديث سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، قَالَ: "لَقَدْ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَوَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ". (٣)

стр. 280

ثالثًا:- الحكم على الحديث: _ مما سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "مُنْكَرٌ"؛ فيه: أبو بكر بن أبي مريم "ضَعيفٌ"، وانفرد بروايته، فلم يتابعه عليه أحد من الثقات. _ وأخرجه الترمذي - كما سبق -، وقال: غَريبٌ. وقال الذهبي: إسناده ضعيف مِنْ قِبَلِ أبي بكر. _ ومِمَّا يؤكِّد نكارته أنّ هذا الحديث ظاهره يدلُّ على وقوع الأمور الأربعة الواردة في الآية على هذه الأمة، وهي: عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، وأنَّها كائنة، لكنَّ وقت وقوعها لمْ يأتِ بعد. وهذا مخالف لِمَا ثَبَتَ في "صحيح البخاري" عن جَابِرٍ بن عبد الله ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ»، قَالَ: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾، قَالَ: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ»، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ (١)، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَذَا أَهْوَنُ - أَوْ هَذَا أَيْسَرُ -». (٢) قال ابن حجر في "الفتح" (٣): وَقد روى ابن مرْدَوَيْه من حَدِيث ابن عَبَّاسٍ مَا يُفَسِّرُ بِهِ حَدِيثَ جَابِرٍ، وَلَفْظُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يَرْفَعَ عَنْ أُمَّتِي أَرْبَعًا، فَرَفَعَ عَنْهُمْ ثِنْتَيْنِ، وَأَبَى أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ اثْنَتَيْنِ، دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ الرَّجْمَ مِنَ السَّمَاءِ وَالْخَسْفَ مِنَ الأَرْضِ، وَأَنْ لا يَلْبِسَهُمْ شِيَعًا وَلا يُذِيقُ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْخَسْفَ وَالرَّجْمَ وَأَبَى أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ الأُخْرَيَيْنِ" (٤). قال ابن بطَّال: أَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى دُعَاءَ نَبِيِّهِ فِي عَدَمِ اسْتِئْصَالِ أُمَّتِهِ بِالْعَذَابِ، وَلَمْ يُجِبْهُ فِي أَنْ لَا يُلْبِسَهُمْ شِيَعًا - أَيْ فِرَقًا مُخْتَلِفِينَ - وَأَنْ لَا يُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ - أَيْ بِالْحَرْبِ وَالْقَتْلِ بِسَبَبِ ذَلِكَ - وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ لَكِنْ أَخَفُّ مِنَ الِاسْتِئْصَالِ، وَفِيه للْمُؤْمِنين كَفَّارَة. (٥) - قلتُ: وأمَّا ما أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" بسنده عن أُبيّ بن كعب في قوْله تعالى: ﴿هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ

стр. 281

يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ (١)، قال: "هُنَّ أَرْبَعٌ وَكُلُّهُنَّ عَذَابٌ، وَكُلُّهُنَّ وَاقِعٌ لا مَحَالَةَ، فَمَضَتْ اثْنَتَانِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، فَأُلْبِسُوا شِيَعًا، وَذَاقَ بَعْضُهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، وَبَقِيَ ثِنْتَانِ وَاقِعَتَانِ لا مَحَالَةَ: الْخَسْفُ وَالرَّجْمُ ". (٢) ومدار سنده على أبي جعفر عيسى بن ماهان، مُتكلَّم فيه: فقال ابن حبَّان: ممن ينفرد بالمناكير عن المشاهير، لا يعجبني الاحتجاج بخبره إلا فيما وافق الثقات، ولا يُعتبَر بروايته إلا فيما لم يُخالف الأثبات. وقال أبو زرعة: شيْخٌ يَهِمُ كثيرًا. وقال الذهبي: صالح الحديث. وقال ابن حجر: صدوقٌ سيء الحفظ. (٣) وقد خالفه عبد الله بن المُبارك - كما عند الطبري في "تفسيره" (٧/ ٢٢٢) - فرواه عن الرَّبيع، عن أبي العالية قَوْله، وليس عن أُبيّ بن كعب، وهو الأَوْلى بالصواب. وعلى كل حال فهو مخالف لحديث جابر المُخرَّج في "الصحيح"، والسَّابق ذكره. وبهذا يَتَبَيَّن أنَّ رواية الباب فيه عِلَّتان: التفرُّد، والمُخالفة، بالإضافة إلى أنَّ السند فيه انقطاع؛ فراشد بن سعد، عن سعد بن أبي وقَّاص مُرْسل، كما قال أبو زرعة ﵁، والله أعلم. رابعًا:- النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لَا يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ سَعْدٍ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِهِ: ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ. قلتُ: مِمَّا سبق في التخريج يَتَّضح صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁. وإخراج تمَّام بن محمد لهذا الحديث في "فوائده" فيه إشارة ضمنية إلى أنَّه من غرائب الرواة، والله أعلم. * * *

стр. 282

[٣٤/ ٤٣٤]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ. عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ إِخْوَانُ الْعَلانِيَةِ، أَعْدَاءُ السَّرِيرَةِ». فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «يَكُونُ بِرَغْبَةِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ، ولِرَهْبَةِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ». * لا يُرْوَى هذا الحديثُ عن مُعَاذٍ إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّدَ به: أبو بكرُ بنُ أبي مريمَ. هذا الحديث مداره على أبي اليمان الحكم بن نافع، واختُلف عليه فيه من وجهين: الوجه الأول: أبو اليمان، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن حَبيب بن عُبيد، عن معاذ بن جبل، (مرفوعًا). الوجه الثاني: أبو اليَمَان، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن حَبيب بن عُبيد، عن مُعاذ بن جبل، (موْقُوفًا). وتفصيل ذلك كالآتي: أولًا:- الوجه الأول: أبو اليمان الحكم بن نافع، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن حَبيب بن عُبيد، عن معاذ بن جبل، (مرفوعًا). أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه أحمد في "مسنده" (١٢٠٥٥)؛ والبزَّار في "مسنده" (٢٦٥٠)، عن محمد بن عامر؛ والطبراني في "الأوسط" (٤٣٤) - رواية الباب - عن أحمد بن خُليد؛ وفي "الشاميين" (١٤٥٦) عن أحمد بن خُليد، وأبي المغيرة عبد القدُّوس بن الحجَّاج، معًا - ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" (٦/ ١٠٢)، وابن عساكر في "ذم ذي الوجهين" (١٢)، وأبو العلاء العطار في "فُتيا وجوابها" (٨) -؛ والبيهقي في "الشعب" (٩٠٤٧)، من طريق عبد الكريم بن الهَيْثم؛ وأبو القاسم الأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (١٢٦)، عن أحمد بن مهدي. كلهم (أحمد بن حنبل، ومحمد بن عامر، وأحمد بن خُليد، وعبد القدُّوس، وعبد الكريم، وأحمد بن مهدي)، عن أبي اليمان الحكم بن نافع، به. وقال أبو نُعيم: تَفَرَّد به أبو بكر بن أبي مريم، عن حَبيب بن عُبيد. ب دراسة إسناد الوجه الأول (إسناد الطبراني): ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) أبو اليمان الحكم بن نافع: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٣٢). ٣) أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم: "ضعيفٌ يُعتبر به"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٣٢). ٤) حَبيب بن عُبيد الرَّحْبيُّ، أبو حفص الشاميّ الحِمْصيُّ. روى عن: معاذ بن جبل، وجُبير بن نُفير، والمقدام بن مَعْدي كرب، وغيرهم. روى عنه: أبو بكر بن أبي مريم، ويزيد بن خُمَير، وحَريز بن عثمان، وآخرون. حاله: قال العجلي، والنسائي، والسمعاني، وابن حجر: ثِقَةٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال في

стр. 283

"المشاهير": وكان فاضلًا. وأخرج له مسلم وأصحاب السنن. وقال أبو حاتم: روايته عن أبي الدَّرْداء مُرسلة، وعن عائشة مُرسل. قلتُ: إذا كانت روايته عن عائشة مرسلة، وقد تُوفِيَّت سنة سبعٍ وخمسين على الصحيح، فمن باب أولى أنْ تكون روايته عن مُعاذ بن جبل كذلك مُرْسَلَةٌ، فهو قديمٌ، تُوفي سنة ثماني عَشرة (١). فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ، يُرْسِلُ". (٢) ٥) معاذ بن جبل بن عمرو بن أَوْس الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو عبد الرّحمن المَدَني. روى عن: النبي ﷺ . روى عنه: حَبيب بن عُبيد، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله ﵃، وغيرهم. شَهِدَ بدرًا والعَقَبة، والمشاهد كلها مع النبي ﷺ ، وفضائله كثيرة، منها: ما أخرجه البخاري ومسلم، من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، يَقُولُ: «اسْتَقْرِئُوا القُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ، … وذكر مِنْهم مُعَاذ بن جَبَلٍ». (٣) روى له الجماعة. (٤) ثانيًا:- الوجه الثاني: أبو اليَمَان الحَكَم بن نافع، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن حَبيب بن عُبيد، عن مُعاذ بن جبل، (موْقُوفًا). أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه أبو بكر الدَّيْنُوريُّ في "المجالسة وجواهر العلم" (٣٠٥٨) - ومن طريقه ابن عساكر في "ذم ذي الوجهيْن" (١٣) - قال: حدثنا إبراهيم بن دازيل، ثنا أبو اليمان، به، مُخْتصرًا. ب دراسة إسناد الوجه الثاني: ١) أبو بكر بن مروان الدِّينَوَريّ: "حسن الحديث". (٥) ٢) إبراهيم بن الحسين بن علي، أبو إسحاق الهَمَذاني، يُعرف بـ"ابن دازيل": قال الحاكم: "ثقة مأمون". وقال الذهبي: إليْه المُنْتهى في الإتقان، وكان يُضرب بضبط كتابه المَثَل. (٦) ٣) بقية رجال الإسناد: تَقَدَّم ذكرهم في الوجه الأول من هذا الحديث.

стр. 284

ثالثًا:- النظر في الخلاف على هذا الحديث: مما سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث مداره على أبي اليمان الحكم بن نافع، واختُلف عليه فيه من وجهين: الوجه الأول: أبو اليمان، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن حَبيب بن عُبيد، عن مُعاذ بن جبل، (مَرْفُوعًا). الوجه الثاني: أبو اليمان، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن حَبيب بن عُبيد، عن مُعاذ بن جبل، (مَوْقُوفًا). والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الأول هو الأشبه والأقرب للصواب؛ للقرائن الآتية: الأكثرية: حيث رواه بالوجه الأول جماعة مِنْ الثِّقَات، بخلاف الوجه الثاني فلم يروه إلا ابن دازيل، ولا شك أنَّ الجماعة أحفظ مِنْ الواحد؛ وعلى كُلٍّ فالوجه الموقوف مِمَّا له حكم الرفع، والله أعلم. رابعًا:- الحكم على الحديث من وجهه الرَّاجح: مما سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث مِنْ وجهه الراجح (المرفوع) "ضَعيفٌ"؛ لأجل أبي بكر بن أبي مريم "ضَعيفٌ يُعتبر به"، وفيه أيضًا: حَبيب بن عُبيد روايته عن معاذ بن جبل فيه نظر؛ فإنَّ معاذًا قديم الموت. (١) وفي الباب عن أبي هريرة (٢)، وابن عُمر (٣)، وسندهما ضعيفٌ جدًا فلا يُعتبر بهما، والله أعلم. وقد صحَّ الحديث بلفظٍ آخر؛ أخرجه البخاري ومسلم في "صحيحيْهما" من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «تَجِدُ مِنْ شَرِّ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ ذَا الوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ». (٤)

стр. 285

خامسًا:- النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لا يُرْوَى هذا الحديث عن مُعاذ إلا بهذا الإسناد، تفرَّد به: ابن أبي مريم. قلتُ: ومِمَّا سبق في التخريج يَتَّضح صحة ما قاله المُصَنِّفُ ﵁. وقال أبو نُعيم في "الحلية" - كما سبق -: تفرَّد به أبو بكر بن أبي مريم، عن حبيب بن عُبيد. سادسًا:- التعليق على الحديث: قال القرطبيُّ: إنَّما كان ذُو الوَجْهَيْنِ شَرَّ النَّاس لأنَّ حاله حالُ المُنَافِقِ؛ إذ هو مُتَمَلِّقٌ بالباطل وبالكذب، مُدْخِلٌ للفساد بين النَّاسِ. وقال النَّوويُّ: هو الذي يأتي كلَّ طائفةٍ بما يُرْضِيهَا؛ فَيُظْهِرُ لها أنَّه منها ومُخَالِفٌ لضدِّها، وصَنِيعُهُ نِفَاقٌ وَمَحْضُ كَذِبٍ وَخِدَاعٌ وَتَحَيُّلٌ على الاطِّلاع على أَسْرَارِ الطَّائِفَتَيْنِ، وهي مُدَاهَنَةٌ مُحَرَّمَةٌ، قال: فأمَّا مَنْ يَقْصِدُ بذلك الإصلاح بين الطائفتين فهو مَحْمُودٌ، وقال غيره: الفرقُ بينهما أنَّ المذموم مَنْ يُزَيِّنُ لكلِّ طائفةٍ عَمَلَهَا ويُقَبِّحُهُ عند الأخرى، ويذُمُّ كلَّ طائفة عند الأخرى، والمحمود أن يأتي لِكُلِّ طائفةٍ بكلام فيه صلاح الأخرى، ويعتذر لكلِّ واحدة عن الأخرى وينقل إليه ما أمكنه مِنَ الجَمِيلِ ويَسْتُرُ القَبِيحَ. وقال ابن عَبْدِ البَرّ: حَمَلَهُ على ظَاهِرِهِ جَمَاعَةٌ وَهُوَ أَوْلَى، وَتَأَوَّلَهُ قَوْمٌ على أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَنْ يُرَائِي بِعَمَلِهِ فَيُرِي النَّاسَ خُشُوعًا وَاسْتِكَانَةً، وَيُوهِمُهُمْ أَنَّهُ يَخْشَى اللَّهَ حَتَّى يُكْرِمُوهُ، وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِ ذَلِكَ. (١) * * *
следующие страницы →