← Книги сунны

Книги сунны · id 541

القسم الثاني من المعجم الأوسط للطبراني

الطبراني

Полный текст (1 397 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ (١)، قال: "هُنَّ أَرْبَعٌ وَكُلُّهُنَّ عَذَابٌ، وَكُلُّهُنَّ وَاقِعٌ لا مَحَالَةَ، فَمَضَتْ اثْنَتَانِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، فَأُلْبِسُوا شِيَعًا، وَذَاقَ بَعْضُهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، وَبَقِيَ ثِنْتَانِ وَاقِعَتَانِ لا مَحَالَةَ: الْخَسْفُ وَالرَّجْمُ ". (٢) ومدار سنده على أبي جعفر عيسى بن ماهان، مُتكلَّم فيه: فقال ابن حبَّان: ممن ينفرد بالمناكير عن المشاهير، لا يعجبني الاحتجاج بخبره إلا فيما وافق الثقات، ولا يُعتبَر بروايته إلا فيما لم يُخالف الأثبات. وقال أبو زرعة: شيْخٌ يَهِمُ كثيرًا. وقال الذهبي: صالح الحديث. وقال ابن حجر: صدوقٌ سيء الحفظ. (٣) وقد خالفه عبد الله بن المُبارك - كما عند الطبري في "تفسيره" (٧/ ٢٢٢) - فرواه عن الرَّبيع، عن أبي العالية قَوْله، وليس عن أُبيّ بن كعب، وهو الأَوْلى بالصواب. وعلى كل حال فهو مخالف لحديث جابر المُخرَّج في "الصحيح"، والسَّابق ذكره. وبهذا يَتَبَيَّن أنَّ رواية الباب فيه عِلَّتان: التفرُّد، والمُخالفة، بالإضافة إلى أنَّ السند فيه انقطاع؛ فراشد بن سعد، عن سعد بن أبي وقَّاص مُرْسل، كما قال أبو زرعة ﵁، والله أعلم. رابعًا:- النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لَا يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ سَعْدٍ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِهِ: ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ. قلتُ: مِمَّا سبق في التخريج يَتَّضح صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁. وإخراج تمَّام بن محمد لهذا الحديث في "فوائده" فيه إشارة ضمنية إلى أنَّه من غرائب الرواة، والله أعلم. * * *

стр. 282

[٣٤/ ٤٣٤]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ. عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ إِخْوَانُ الْعَلانِيَةِ، أَعْدَاءُ السَّرِيرَةِ». فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «يَكُونُ بِرَغْبَةِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ، ولِرَهْبَةِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ». * لا يُرْوَى هذا الحديثُ عن مُعَاذٍ إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّدَ به: أبو بكرُ بنُ أبي مريمَ. هذا الحديث مداره على أبي اليمان الحكم بن نافع، واختُلف عليه فيه من وجهين: الوجه الأول: أبو اليمان، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن حَبيب بن عُبيد، عن معاذ بن جبل، (مرفوعًا). الوجه الثاني: أبو اليَمَان، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن حَبيب بن عُبيد، عن مُعاذ بن جبل، (موْقُوفًا). وتفصيل ذلك كالآتي: أولًا:- الوجه الأول: أبو اليمان الحكم بن نافع، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن حَبيب بن عُبيد، عن معاذ بن جبل، (مرفوعًا). أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه أحمد في "مسنده" (١٢٠٥٥)؛ والبزَّار في "مسنده" (٢٦٥٠)، عن محمد بن عامر؛ والطبراني في "الأوسط" (٤٣٤) - رواية الباب - عن أحمد بن خُليد؛ وفي "الشاميين" (١٤٥٦) عن أحمد بن خُليد، وأبي المغيرة عبد القدُّوس بن الحجَّاج، معًا - ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" (٦/ ١٠٢)، وابن عساكر في "ذم ذي الوجهين" (١٢)، وأبو العلاء العطار في "فُتيا وجوابها" (٨) -؛ والبيهقي في "الشعب" (٩٠٤٧)، من طريق عبد الكريم بن الهَيْثم؛ وأبو القاسم الأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (١٢٦)، عن أحمد بن مهدي. كلهم (أحمد بن حنبل، ومحمد بن عامر، وأحمد بن خُليد، وعبد القدُّوس، وعبد الكريم، وأحمد بن مهدي)، عن أبي اليمان الحكم بن نافع، به. وقال أبو نُعيم: تَفَرَّد به أبو بكر بن أبي مريم، عن حَبيب بن عُبيد. ب دراسة إسناد الوجه الأول (إسناد الطبراني): ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) أبو اليمان الحكم بن نافع: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٣٢). ٣) أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم: "ضعيفٌ يُعتبر به"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٣٢). ٤) حَبيب بن عُبيد الرَّحْبيُّ، أبو حفص الشاميّ الحِمْصيُّ. روى عن: معاذ بن جبل، وجُبير بن نُفير، والمقدام بن مَعْدي كرب، وغيرهم. روى عنه: أبو بكر بن أبي مريم، ويزيد بن خُمَير، وحَريز بن عثمان، وآخرون. حاله: قال العجلي، والنسائي، والسمعاني، وابن حجر: ثِقَةٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال في

стр. 283

"المشاهير": وكان فاضلًا. وأخرج له مسلم وأصحاب السنن. وقال أبو حاتم: روايته عن أبي الدَّرْداء مُرسلة، وعن عائشة مُرسل. قلتُ: إذا كانت روايته عن عائشة مرسلة، وقد تُوفِيَّت سنة سبعٍ وخمسين على الصحيح، فمن باب أولى أنْ تكون روايته عن مُعاذ بن جبل كذلك مُرْسَلَةٌ، فهو قديمٌ، تُوفي سنة ثماني عَشرة (١). فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ، يُرْسِلُ". (٢) ٥) معاذ بن جبل بن عمرو بن أَوْس الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو عبد الرّحمن المَدَني. روى عن: النبي ﷺ . روى عنه: حَبيب بن عُبيد، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله ﵃، وغيرهم. شَهِدَ بدرًا والعَقَبة، والمشاهد كلها مع النبي ﷺ ، وفضائله كثيرة، منها: ما أخرجه البخاري ومسلم، من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، يَقُولُ: «اسْتَقْرِئُوا القُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ، … وذكر مِنْهم مُعَاذ بن جَبَلٍ». (٣) روى له الجماعة. (٤) ثانيًا:- الوجه الثاني: أبو اليَمَان الحَكَم بن نافع، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن حَبيب بن عُبيد، عن مُعاذ بن جبل، (موْقُوفًا). أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه أبو بكر الدَّيْنُوريُّ في "المجالسة وجواهر العلم" (٣٠٥٨) - ومن طريقه ابن عساكر في "ذم ذي الوجهيْن" (١٣) - قال: حدثنا إبراهيم بن دازيل، ثنا أبو اليمان، به، مُخْتصرًا. ب دراسة إسناد الوجه الثاني: ١) أبو بكر بن مروان الدِّينَوَريّ: "حسن الحديث". (٥) ٢) إبراهيم بن الحسين بن علي، أبو إسحاق الهَمَذاني، يُعرف بـ"ابن دازيل": قال الحاكم: "ثقة مأمون". وقال الذهبي: إليْه المُنْتهى في الإتقان، وكان يُضرب بضبط كتابه المَثَل. (٦) ٣) بقية رجال الإسناد: تَقَدَّم ذكرهم في الوجه الأول من هذا الحديث.

стр. 284

ثالثًا:- النظر في الخلاف على هذا الحديث: مما سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث مداره على أبي اليمان الحكم بن نافع، واختُلف عليه فيه من وجهين: الوجه الأول: أبو اليمان، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن حَبيب بن عُبيد، عن مُعاذ بن جبل، (مَرْفُوعًا). الوجه الثاني: أبو اليمان، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن حَبيب بن عُبيد، عن مُعاذ بن جبل، (مَوْقُوفًا). والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الأول هو الأشبه والأقرب للصواب؛ للقرائن الآتية: الأكثرية: حيث رواه بالوجه الأول جماعة مِنْ الثِّقَات، بخلاف الوجه الثاني فلم يروه إلا ابن دازيل، ولا شك أنَّ الجماعة أحفظ مِنْ الواحد؛ وعلى كُلٍّ فالوجه الموقوف مِمَّا له حكم الرفع، والله أعلم. رابعًا:- الحكم على الحديث من وجهه الرَّاجح: مما سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث مِنْ وجهه الراجح (المرفوع) "ضَعيفٌ"؛ لأجل أبي بكر بن أبي مريم "ضَعيفٌ يُعتبر به"، وفيه أيضًا: حَبيب بن عُبيد روايته عن معاذ بن جبل فيه نظر؛ فإنَّ معاذًا قديم الموت. (١) وفي الباب عن أبي هريرة (٢)، وابن عُمر (٣)، وسندهما ضعيفٌ جدًا فلا يُعتبر بهما، والله أعلم. وقد صحَّ الحديث بلفظٍ آخر؛ أخرجه البخاري ومسلم في "صحيحيْهما" من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «تَجِدُ مِنْ شَرِّ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ ذَا الوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ». (٤)

стр. 285

خامسًا:- النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لا يُرْوَى هذا الحديث عن مُعاذ إلا بهذا الإسناد، تفرَّد به: ابن أبي مريم. قلتُ: ومِمَّا سبق في التخريج يَتَّضح صحة ما قاله المُصَنِّفُ ﵁. وقال أبو نُعيم في "الحلية" - كما سبق -: تفرَّد به أبو بكر بن أبي مريم، عن حبيب بن عُبيد. سادسًا:- التعليق على الحديث: قال القرطبيُّ: إنَّما كان ذُو الوَجْهَيْنِ شَرَّ النَّاس لأنَّ حاله حالُ المُنَافِقِ؛ إذ هو مُتَمَلِّقٌ بالباطل وبالكذب، مُدْخِلٌ للفساد بين النَّاسِ. وقال النَّوويُّ: هو الذي يأتي كلَّ طائفةٍ بما يُرْضِيهَا؛ فَيُظْهِرُ لها أنَّه منها ومُخَالِفٌ لضدِّها، وصَنِيعُهُ نِفَاقٌ وَمَحْضُ كَذِبٍ وَخِدَاعٌ وَتَحَيُّلٌ على الاطِّلاع على أَسْرَارِ الطَّائِفَتَيْنِ، وهي مُدَاهَنَةٌ مُحَرَّمَةٌ، قال: فأمَّا مَنْ يَقْصِدُ بذلك الإصلاح بين الطائفتين فهو مَحْمُودٌ، وقال غيره: الفرقُ بينهما أنَّ المذموم مَنْ يُزَيِّنُ لكلِّ طائفةٍ عَمَلَهَا ويُقَبِّحُهُ عند الأخرى، ويذُمُّ كلَّ طائفة عند الأخرى، والمحمود أن يأتي لِكُلِّ طائفةٍ بكلام فيه صلاح الأخرى، ويعتذر لكلِّ واحدة عن الأخرى وينقل إليه ما أمكنه مِنَ الجَمِيلِ ويَسْتُرُ القَبِيحَ. وقال ابن عَبْدِ البَرّ: حَمَلَهُ على ظَاهِرِهِ جَمَاعَةٌ وَهُوَ أَوْلَى، وَتَأَوَّلَهُ قَوْمٌ على أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَنْ يُرَائِي بِعَمَلِهِ فَيُرِي النَّاسَ خُشُوعًا وَاسْتِكَانَةً، وَيُوهِمُهُمْ أَنَّهُ يَخْشَى اللَّهَ حَتَّى يُكْرِمُوهُ، وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِ ذَلِكَ. (١) * * *

стр. 286

[٣٥/ ٤٣٥]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ، قَالَ: نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلاةِ فَتُقَامُ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ آخُذُ حُزَمًا مِنْ حَطَبٍ، ثُمَّ آتِي أَقْوَامًا فِي دُورِهِمْ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ، فَأُحَرِّقُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ». * لم يَرْوِ هذا الحديث عن عديِّ بن ثابتٍ إلا زيدُ بنُ أبي أُنَيْسَةَ. هذا الحديث مداره على زيد بن أبي أُنيْسة، واختُلف عليْه فيه من وجهيْن: الوجه الأول: زيْد بن أبي أُنيْسة، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁. الوجه الثاني: زيْد بن أبي أُنيْسة، عن عاصم بن أبي النَّجُود، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁. وتفصيل ذلك كالآتي: أولًا:- الوجه الأول: زيْد بن أبي أنَيْسَة، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة. أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٤٣٥) - وهي رواية الباب -، قال: حدَّثنا أحمد بن خُلَيْدٍ، قال: نا عَبْدُ اللَّهِ بن جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ، قال: نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، به. ب دراسة إسناد الوجه الأول: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) عبد الله بن جعفر الرَّقِّيُّ: "ثِقَةٌ قبل أن يَتَغَيَّر"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٩). ٣) عُبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد: "ثِقَةٌ، فَقِيهٌ، حُجَّةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٩). ٤) زَيْدُ بن أبي أُنَيْسة: "ثِقَةٌ، فَقِيهٌ، له أفراد"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٩). ٥) عَدِيُّ بن ثَابِت الأَنْصَارِيُّ، الكُوفيُّ، جده لأمه عبد الله بن يزيد الخَطْمي. روى عن: أبي حازم سلمان الأَشْجَعيّ، والبراء بن عازب، وعبد الله بن أَبِي أَوْفَى، وغيرهم. روى عنه: زيْد بن أبي أُنيْسة، وشُعبة بن الحجَّاج، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وآخرون. حاله: قال ابن معين: ليس به بأس إذا حدَّث عن الثقات. وقال أحمد: ثِقَةٌ إلا أنَّه كان يتشيَّع. وقال العجلي: ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، لم يُدركه الثوري. وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وكان إمام مسجد الشيعة وقاصّهم. وقال النسائي، والذهبي: ثِقَةٌ. وقال الدَّارقطني: ثِقَةٌ، إلا أنَّه كان رافضيًّا غاليًا في التشيُّع. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ، رُميَ بالتشيُّع. وفي "هدي الساري": احتجَّ به الجماعة، وما أُخرج له في الصحيح شيء مما يُقوِّي بدعته. - وقال الدَّارقطني: عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ لا يَثْبت، ولا يُعرف أبوه ولا جده. وقال أبو داود: عدي عن أبيه، عن جده معلول.

стр. 287

قلتُ: أمَّا رمْيُهُ بالتشيُّع فلعلَّه ليس المراد به الرفض - كما قال الدارقطني- وهو سبّ الصحابة رضوان الله عليهم، إنما المراد به المغالاة في حب آل بيت النبي ﷺ أي ليس المراد به التشيُّع العقائدي -؛ لذا قال الذهبي في "الميزان": عالِم الشيعة، وقاصِّهم، وصادقهم، وإمام مسجدهم، ولو كانت الشيعة مثله لَقَلَّ شرهم. ويدلُّ على ذلك أنّ الإمام مسلم أخرج في "صحيحه" من طريق عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ زِرٍّ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ ﷺ إِلَيَّ: «أَنْ لا يُحِبَّنِي إِلا مُؤْمِنٌ، وَلا يُبْغِضَنِي إلا مُنَافِقٌ». (١) وقال د/ بشار عوَّاد في تعليقه على "التهذيب": لم أجد له ذكرًا في كتب الشيعة، ولمْ أجد لهم عنه رواية في كتبهم المعتبَرَة، فيُنظر في أمر تشيُّعه. والحاصل: أنَّه "ثقة، رُميَ بالتشيُّع - مع نظرٍ في ذلك -". (٢) ٦) أبو حازم سلمان الأَشْجَعِيُّ، الكُوفِيُّ، مَوْلى عَزَّة الأشْجعيَّة. روى عن: أبي هريرة - وقاعَدَه خمس سنين -، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزُّبير، وغيرهم. روى عنه: عدي بن ثابت، والأعمش - وهو راويته -، وميسرة الأشجعي، وآخرون. حاله: قال أحمد، وابن معين، والعجلي، وابن سعد، وأبو داود، والذهبي، وابن حجر: ثِقَةٌ. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنَّه ثقة. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال ابن معين: صاحب أبي هريرة. ويُقال: صاحَبَه خمس سنين. فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ". روى له الجماعة. (٣) ٧) أبو هريرة ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ، من المكثرين"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٦). ثانيًا:- الوجه الثاني: زَيْدٌ، عن عاصم بن أبي النَّجُود، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه أبو بكر البزَّار في "مسنده" (٩٠٣٧)، وأبو العبَّاس السَّرَّاج في "حديثه" (٨٥١)، كلاهما قال: حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحَرَّاني، ثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم خالد بن أبي يزيد، عن زيْد بن أبي أُنيسة، عن عاصم بن أبي النَّجود، عن أبي صالح السّمَان، عن أبي هريرة ﵁، مرْفوعًا. ولفظه عند البزار: عن أبي هريرة ﵁، قال: أَخَّرَ رسول الله ﷺ عشاء الآخرةِ ذات ليلةٍ حتى ذهب ثلث الليل أو قريب، ثم خرج علينا والناس عزون، فغضب غضبًا شديدًا، ثم قال: "لو أنَّ رَجُلاً دَعَا النَّاسَ إلى عَرْقٍ (٤) سَمِينٍ ومِرْمَاتَيْن (٥) لأجابوه وهم

стр. 288

يسمعون، لقد هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رجالَا يحْمِلون حزم الحطب ثم يتخلفون إلى قوم لا يشهد أهلها الصلاة فأضرمها عليهم بالنار"، فأتاه ابن أم مَكْتُومٍ الأَعْمَى، قال: يا رسول الله إني رجلٌ ضريرٌ شاسعُ الدَّار، وليس لي قائدٌ يلائمني، فهل تجد لي من رخصة؟ قال: "يبلغك النداء؟ " قال: نعم، قال: "ما أجد لك من رخصة". وقال البزّار: وهذا الحديثُ قد روى بعض كلامه حمَّاد، وأبو بَكْر، وبعضه لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عن عاصم، عن أبي صالح إلا زيد - قصة ابن أم مكتوم -. قلتُ: ومُراده أنَّ زيادة قصة ابن أم مكتوم في حديث عاصم، عن أبي صالح، لمْ يرْوِها إلا زيد بن أبي أُنيسة، وأنَّه بهذه الزيادة خالف عامة الرواة؛ منهم: أبو بكر بن عيَّاش، وحمَّاد بن سَلَمة، عن عاصم، عن أبي صالح؛ حيث رواه هؤلاء بدون قصة ابن أمّ مكتوم - وستأتي هذه المتابعات قريبًا إن شاء الله . وعند السرَّاج: "لَقَدْ هَمَمْتُ آمُرَ رِجَالاً فَيَحْمِلُونَ حُزَمًا مِنْ حَطَبٍ، ثُمَّ أَتَخَلَّلَ دُورَ قومٍ لا تشهد الصَّلاةَ فَأَضْرِمَهَا عَلَيْهِمْ … ". ب متابعات للوجه الثاني: ولقد تُوبع زيد بن أبي أُنيسة بروايته للحديث بالوجه الثاني، تابَعَهُ جماعة كالآتي: • فأخرجه الإمام أحمد في "مسنده" (٩٣٨٣)، والدَّارمي في "سننه" (١٢٤٨)، والطحاوي في "شرح مُشْكِل الآثار" (٥٨٧٤)، وفي "شرح معاني الآثار" (١٠٠٤)، مِنْ طريق حَمَّاد بن سلمة. • وأحمد في "مسنده" (٨٩٠٣، ١٠٨٠٣)، والطحاوي في "شرح مُشْكِل الآثار" (٥٨٧٥)، وفي "شرح معاني الآثار" (١٠٠٥)، مِنْ طريق أبي بكر بن عَيَّاش. • وأحمد في "مسنده" (١٠٩٣٥)، مِنْ طريق شيْبان بن عبد الرَّحمن التميمي. ثلاثتهم (حمَّاد بن سلمة، وأبو بكر بن عَيَّاش، وشيبان بن عبد الرحمن) عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، بنحو رواية البزار، بدون قصة ابن أم مكتوم. قلتُ: ويتضح بهذه المتابعات أنهم قد تابعوا زيد بن أبي أُنيسة في روايته عن عاصم - بالوجه الثاني -، وأنَّ الجميع قد رووا الحديث عن عاصم بدون قصة ابن أم مكتوم - كما قال البزَّار -. ت دراسة إسناد الوجه الثاني (إسناد السَّراج): ١) الحسن بن أحمد بن أبي شُعيْب الحرَّاني: "ثِقَةٌ". (١) ٢) محمد بن سلمة، أبو عبد الله الحَرَّانيُّ: "ثِقًةٌ، مِنْ أثبت النَّاس في خاله خالد بن أبي يزيد". (٢) ٣) أبو عبد الرَّحيم خالد بن أبي يزيد الحرَّاني: "ثِقَةٌ، وكان راوية لزيد بن أبي أُنيسة". (٣) ٤) زَيْدُ بن أبي أُنَيْسة: "ثِقَةٌ، فَقِيهٌ، له أفراد"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٩).

стр. 289

٥) عاصم بن بَهْدلة: وهو ابن أبي النَّجُود الأسدي، أبو بكر المُقرئْ: "صدوقٌ، حُجَّةٌ في القراءة". (١) ٦) أبو صالح ذَكْوان السَّمَّان، المدني: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ". (٢) ٧) أبو هُرَيْرة ﵁: صحابيٌّ جليلٌ، من المكثرين، تقدَّم في الحديث رقم (٦). ثالثًا:- النظر في الخلاف على هذا الحديث: مما سبق يتبيّن أنَّ الحديث مداره على زيْد بن أبي أُنيسة، واختُلف عليه فيه من وجهين: الوجه الأول: زيْد بن أبي أُنيسة، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة. الوجه الثاني: زيْد بن أبي أُنيْسة، عن عاصم بن بَهْدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الثاني هو الأشبه والأقرب للصواب؛ وذلك للقرائن الآتية: ١) أنَّ الوجه الأول فيه: عبد الله بن جعفر "ثِقَةٌ، قبل أنْ يَتَغَيَّر"، ورُبَّمَا خالف - كما قال ابن حبَّان -، والرَّاوي عنه أحمد بن خُليد، ولم يتميَّز هل روى عنه قبل الاختلاط أم بعده، ومثله لا يُحتجّ به حتَّى يُتابَع. ٢) وهذا بخلاف الوجه الثاني، فإسناده صَحيحٌ، بل وقد رواه محمد بن سلمة، عن خاله خالد بن أبي يزيد، وهو راويته، ورواه خالد بن أبي يزيد، عن زيْد بن أبي أُنيسة، وهو راويته أيضًا. ٣) وجود مُتابعات لزيد بن أبي أُنَيْسة على الوجه الثاني - وأسانيدها صحيحة -، بخلاف الوجه الأول فلم يُتابع عليه، ولا شك أنَّ ما تُوبع فيه الراوي أثبت مِمَّا لم يُتابع عليه، والله أعلم. رابعًا:- الحكم على الحديث: أ الحكم على الحديث (بإسناد الطبراني): مما سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "شَاذٌّ"؛ لمُخالفته ما رواه الثقات عن زيد بن أبي أُنَيْسة. ب الحكم على الحديث من وجهه الرَّاجح (بإسناد السَّرَّاج): مِمَّا سبق يتبيّن أنّ الحديث مِنْ وجهه الراجح "حَسَنٌ لذاته"؛ فيه: عاصم بن بَهْدَلة، صدوقٌ حسن الحديث. متابعات للحديث: أخرج البخاري، ومسلم في "صحيحيهما"، من طريق الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ أَثْقَلَ صَلاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلاةِ، فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ». واللفظ لمسلم. (٣)

стр. 290

شواهد للحديث: وأخرج الإمام أحمد في "مسنده" بسندٍ صحيحٍ، من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد هَممتُ أن آمر رجلاً فيُصليَ بالناس، ثم آمُرَ بأناسٍ لا يُصَلُّون معنا فُتحَرَّقَ عليهم بيوتُهم". (١) وقد أخرجه مسلم في "صحيحه" وخصَّه بالمتخلّفين عن صلاة الجمعة. (٢) وعليه فالحديث بمتابعاته، وشواهده يَرْتَقي مِنْ "الحسن لذاته"، إلى "الصحيح لغيره"، والله أعلم. تنبيه: سبق أنَّ الحديث لم يَثْبُت مِنْ رواية زيد بن أبي أُنيْسة، عن عدي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة. قلتُ: لكنه ثَبَتَ من رواية أبي حازم، عن أبي هريرة - بغير هذا الوجه -، وذلك من طريق أبي إسماعيل يزيد بن كيسان عن أبي حازم، عن أبي هريرة: فأخرجه أبو العبَّاس السَّرَّاج في "حديثه" (٨٦١)، قال: حدثنا مُحَمَّدِ بْنُ أَحْمَدُ بْنِ الْجُنَيْدِ الدَّقَّاقُ (٣)، ثنا الْوَلِيدُ بْنُ الْقَاسِمِ (٤)، ثنا أَبُو إِسْمَاعِيلَ يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ (٥)، ثنا أَبُو حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ فِتْيَتِي إِذَا سَمِعُوا الإِقَامَةَ مَنْ تَخَلَّفَ أَنْ يُحَرِّقُوا عَلَيْهِمْ، إِنَّكُمْ لَوْ تَعْلَمُونَ ما فيهما لَأَتيْتمُوها ولو حَبْواً". وإسناده "حَسَنٌ لذاته"، ويرتقي بالمتابعات والشواهد السَّابقة إلى "الصحيح لغيْره". خامسًا:- النظر في كلام المصنف ﵁: قال المصنف ﵁: لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ إِلَّا زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ. قلتُ: ومِمَّا سبق في التخريج يَتَّضح صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁.

стр. 291

سادسًا:- التعليق على الحديث: قال ابن رجب: الحديث ظاهرٌ في وجوب شهود الجماعة في المساجد، وإجابة المنادي بالصلاة؛ فإن النَّبِيّ ﷺ أخْبَرَ أَنَّهُ هَمَّ بتحريق بيوت المتخلفين عَن الجماعة، ومثل هذه العقوبة الشديدة لا تكون إلا عَلَى تَرْكِ واجبٍ. (١) وقال ابن حجر: وفيه الإشارةُ إلى ذَمِّ المُتَخَلِّفِينَ عن الصَّلَاةِ بوصفهم بالحرص على الشَّيء الحقير مِنْ مطعوم أو مَلْعُوبٍ به مع التَّفْرِيطِ فيما يُحَصِّلُ رَفِيعَ الدَّرَجَاتِ وَمَنَازِلَ الكَرَامَةِ، وفي الحديث مِنَ الفَوَائِدِ أَيْضًا تَقْدِيمُ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ على العُقُوبَةِ، وَسِرُّهُ: أَنَّ المَفْسَدَةَ إذا ارتَفَعَتْ بالأَهْوَنِ مِنَ الزَّجْرِ اكتُفِيَ به عن الأَعْلَى مِنَ العُقُوبَةِ، نَبَّهَ عليه ابن دقيقِ العِيدِ، وفيه جَوَازُ العُقُوبَةِ بالمال، كذا اسْتَدَلَّ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ القَائِلِينَ بذلك مِنَ المالكيَّة وغيرهم، وفيه نَظَرٌ، ولاحْتِمَالِ أنَّ التَّحْرِيقَ مِنْ بَابِ ما لا يَتِمُّ الوَاجِبُ إلا به إذ الظَّاهِرُ أَنَّ الْبَاعِثَ على ذلك أَنَّهُمْ كانوا يَخْتَفُونَ في بُيُوتِهِم فلا يُتَوَصَّلُ إلى عُقُوبَتِهِم إلا بِتَحْرِيقِهَا عَلَيْهِمْ، وفيه جَوَازُ أَخْذِ أَهْلِ الجَرَائِمِ على غِرَّةٍ؛ لأنَّهُ ﷺ هَمَّ بِذَلِكَ في الوَقْتِ الَّذِي عُهِدَ مِنْهُ فِيهِ الاشْتِغَالُ بِالصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ، فَأَرَادَ أَنْ يَبْغَتَهُمْ في الْوَقْتِ الذي يَتَحَقَّقُونَ أنَّه لا يَطْرُقُهُمْ فيه أَحَدٌ، وفي السِّيَاقِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ تَقَدَّمَ مِنْهُ زَجْرُهُمْ عَنِ التَّخَلُّفِ بِالْقَوْلِ حَتَّى اسْتَحَقُّوا التَّهْدِيدَ بِالْفِعْلِ. (٢) * * *

стр. 292

[٣٦/ ٤٣٦]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ، قَالَ: نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ ابْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ. عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلاً، مِنْ ثَقِيفٍ يُكْنَى أَبَا تَمَّامٍ (١) أَهْدَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَاوِيَةَ خَمْرٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّهَا قَدْ حُرِّمَتْ يَا أَبَا تَمَّامٍ (١)». فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فأَسْتَنْفِقُ ثَمَنَهَا؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ ثَمَنَهَا». * لم يَرْوِ هذا الحديث عن أبي بَكْرِ بن حَفْصٍ إلا زيدُ بنُ أبي أُنَيْسَةَ، ولا يُرْوَى عَنْ عَامِرِ بن رَبِيعَةَ إلا بهذا الإسناد. هذا الحديث مداره على زيد بن أبي أُنَيْسة، واختُلف عليه فيه من وجهين: الوجه الأول: زيد بن أبي أُنَيْسة، عن أبي بكر بن حفص، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه. الوجه الثاني: زيد بن أبي أُنيسة، عن أبي بكر بن حفص، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن رجلٍ من ثقيف يُقال له: أبو عامر. وتفصيل ذلك كالآتي: أولًا:- الوجه الأول: زيد بن أبي أنيسة، عن أبي بكر بن حفص، عن عبد الله بن عامر، عن أبيه. أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٤٣٦) - رواية الباب-، ومن طريقه ابن الأثير في "أسد الغابة" (٦/ ٣٨) -، قال: حدثنا أحمد بن خُليد، عن عبد الله بن جعفر، عن عُبيد الله بن عمرو، عن زيدٍ، به. ب متابعات للوجه الأول: • وأخرجه الطبراني في "الكبير" - كما في "جامع المسانيد والسنن" (٥٦٢٦)، ولم أقف عليه في المطبوع من "المعجم" -، قال: حدثنا عبد الله بن سعد بن يحيى الرَّقي، قال: حدثنا أبو فَرْوَةَ: يزيد بن سِنان الرّهَاوي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، قال: حدثني عمر أبو حفص، حدثني أبو حصين: عثمان بن عاصم الأسدي، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه: أنه أهدى إلى رسول الله ﷺ رواية من خمر؛ فقال له: «يَا عَامِر أّمَا عَلِمْتَ أَنَّهَا حُرِّمَتْ بَعْدَك؟» قال: أفلا أبيعها لليهود؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنَّ بَائِعَهَا كَشَارِبهَا فَأَهْرِقْهَا». قلتُ: وهذه متابعة جيدة لزيد بن أبي أُنيسة، لكن لو سَلِمَ سندها، لكنَّها بَيَّنت أنَّ الذي أَهْدَى إلى النبي ﷺ الرَاوية هو عامر بن ربيعة؛ بينما في رواية زيد بن أبي أُنيسة بيَّنت أنَّه رجلٌ من ثقيف يُكْنَى أبا تَمَّام.

стр. 293

إلا أنَّ هذه المتابعة سندها ضَعيفٌ؛ قال الهيثمي: رواه الطبراني في "الكبير"، وفيه: يزيد بن سِنان "ضعيفٌ" (١). (٢) وفيه أيضًا سِنَان بن يزيد - والد يزيد بن سنان- "مجهول الحال" (٣)، وكذلك يزيد التميمي - والد سنان-، وعمر أبي حفص؛ لم أقف لهما على ترجمة، ولم أعرفهما إلا إذا كان عمر أبو حفص؛ المراد به: عمر بن حفص بن عمر بن سعد أبو حفص المدني، فهو ضعيفٌ. (٤) ت دراسة إسناد الوجه الأول (بإسناد "الأوسط"): ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) عبد الله بن جعفر الرَّقِّيُّ: "ثِقَةٌ قبل أن يَتَغَيَّر"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٩). ٣) عُبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد: "ثِقَةٌ، فَقِيهٌ، حُجَّةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٩). ٤) زَيْدُ بن أبي أُنَيْسة: "ثِقَةٌ، فَقِيهٌ، له أفراد"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٩). ٥) أبو بكر عبد الله بن حفص بن عُمر بن سعد بن أبي وَقَّاص القُرَشي، الزُّهْريّ، مشهورٌ بكنيته. روى عن: عبد الله بن عامر بن ربيعة، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عُمر ﵃، وغيرهم. روى عنه: زيد بن أبي أُنيسة، وشُعبة بن الحجَّاج، ومِسْعر بن كِدَام، وآخرون. حاله: قال أحمد، والعجلي، والنسائي، وابن حجر: ثقة. وقال الدَّارقطني: أخرجوا عنه في "الصحيح". وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وقال: كان راويًا لعروة بن الزّبير. وأخرج له الجماعة. (٥) ٦) عَبْدُ الله بن عَامِر بن رَبِيْعَة العَنَزِيُّ، أبو محمد المَدَني. وُلِد في عهد النبي ﷺ . روى عن: النبي ﷺ ، وأبيه عامر بن ربيعة، وعبد الرحمن بن عوف ﵃، وغيرهم. روى عنه: عبد الله بن حفص أبو بكر، والزُّهْري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وغيرهم. حاله: قال الترمذي: رأى النبي ﷺ وروى له حرفًا، وإنما روايته عن الصحابة. وقال أبو حاتم: رأى النبي ﷺ دخل على أمه، وهو صغير. وقال أبو زرعة: أدرك النبي ﷺ ؛ وهو ثِقَةٌ صغير. وقال ابن حبَّان: أتاهم النبي ﷺ وهو غلام، وعامة روايته عن أصحاب النبي ﷺ . وقال ابن أبي حاتم، وأبو زرعة العراقي: لم يسمع من النبي ﷺ . وقال العلائي: وُلِدَ على عهد النبي ﷺ قبل سنة ستٍ، وله عنه ﷺ في "سنن أبي داود" حديثٌ يدل على حفظه عنه وهو صغير، وما عدا ذلك فمُرسل.

стр. 294

قلتُ: وذكروا هذا الحديث في ترجمته، والحديث أخرجه أبو داود في "سننه". (١) لكن قال عنه الذهبي: وهو مُرْسَلٌ. وقال ابن حجر في "تهذيب التهذيب": ويُحتمل أن تكون أمه أخبرته بذلك، فأرسله هو - يعني: أنه لم يكن مميّزًا ومُدركًا حين حَدَثَ ذلك -. وقال أحمد، والعجلي، وأحمد بن صالح، وأبو زرعة: ثِقَةٌ. وزاد العجلي، وابن صالح: من كبار التابعين. فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ مِنْ كِبَار التَّابعين"، وأخرج له الجماعة. (٢) ٧) عَامِرُ بن رَبِيْعَة بن كَعْب بن مَالِك بن رَبِيْعَة العَنَزيّ، أبو عبد الله العَدَويّ. روى عن: النبي ﷺ ، وأبي بكر الصِدَّيق، وعمر بن الخطَّاب ﵃. روى عنه: ابنه عبد الله بن عامر، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزُّبير، وغيرهم. من المهاجرين الأولين، أسلم قبل عمر بن الخطاب ﵁، وهاجر الهجرتين، وشَهِد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ . قام يصلي من الليل أيام فتنة عثمان، فنام؛ فأتاه آتٍ فقال له: قم فسل الله أن يُعيذك من الفتنة، فقام فصلَّى، ثم اشتكى، فما خرج إلا جنازته. (٣) ثانيًا:- الوجه الثاني: زيد بن أبي أُنيسة، عن أبي بكر بن حفص، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن رجلٍ من ثقيف يُقال له: أبو عامر. أ تخريج الوجه الثاني: • ذكره الحافظ ابن حجر في "الإصابة" (١٢/ ٤١٧)، وقال: رواه ابن السكن، من طريق زيد بن أبي أنيسة، عن أبي بكر بن حفص، عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة، عن رجلٍ من ثقيف يقال له: أبو عامر؛ أنه أهدى لرسول اللَّه

стр. 295

- ﷺ راوية خمرٍ، فقال: يا أبا عامر، إنها قد حُرِّمت بعدك. قال: يا رسول اللَّه، بِعْها. قال: «إنّ الّذي حرّم شُرْبها حرّم بَيْعها». قال ابن حجر: وهذا أخرجه الطّبرانيّ في "الأوسط" من هذا الوجه، لكن قال: إن رجلًا من ثقيف يُكْنى أبا تمام - بمثناة، وميم ثقيلة، وآخره ميم-، وقد صحفه أبو موسى - أي قال: إحدى الروايتيْن تصحيف، قاله ابن حجر في "الإيثار بمعرفة رواة الآثار" (١/ ٢٠٦) -. وقال في "الإصابة" - في ترجمة أبي تَمَّام الثَّقَفِي -: وهذا خطأٌ نشأ عن تغيير؛ والرَّاجح أنه أبو عامر. (١) قلتُ: ولم أقف عليه بهذا الوجه إلا عنده. ثالثًا:- النظر في الخلاف على هذا الحديث: مما سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث مداره على زيد بن أبي أُنَيسة، واختُلف عليه فيه من وجهين: الوجه الأول: زيد بن أبي أُنَيسة، عن أبي بكر بن حفص، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه. الوجه الثاني: زيد بن أبي أُنَيسة، عن أبي بكر بن حفص، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن رجلٍ من ثقيف يُقال له: أبو عامر. والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ الحديث لعلَّه محفوظٌ مِنْ الوجهين؛ فالحديث بالوجه الأول وإنْ كان سنده فيه ضَعْفٌ، ألا أنَّ له مُتابعة "سندها "ضَعيفٌ" - كما سبق -، فيتقوى أحدهما بالآخر. والحديث بالوجه الثاني احتج به الحافظ ابن حجر، ولم يذكر للإسناد علَّة. ولَعَلَّ عبد الله بن عامر سمعه مِنْ أبيه، ومَرَّة مِنْ رجلٍ مِنْ ثَقيفٍ، وسماعه منهما مُحتمل، ولم يُوصف بالتدليس. رابعًا:- الحكم على الحديث: مما سبق يَتَبَيَّن أن الحديث بإسناد الطبرانيُّ "ضعيفٌ"؛ فيه: عبد الله بن جعفر "ثِقَةٌ، قبل أنْ يَتَغَيَّر"، وأحمد ابن خُليد، لا نعلم هل روى عنه قبل الاختلاط أم بعده، ومن كان كذلك فلا يُقبل حديثه إلا إذا تُوبع. شواهد للحديث: • أخرج الإمام مسلم في "صحيحه" من حديث ابْنُ عَبَّاسٍ؛ قال: إِنَّ رَجُلاً أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ رَاوِيَةَ خَمْرٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَهَا؟» قَالَ: لا، فَسَارَّ إِنْسَانًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «بِمَ سَارَرْتَهُ؟»، فَقَالَ: أَمَرْتُهُ بِبَيْعِهَا، فَقَالَ: «إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا»، قَالَ: فَفَتَحَ الْمَزَادَةَ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهَا. (٢) • أخرج البخاري ومسلم في "صحيحيهما" من حديث عَائِشَةَ ﵂؛ قال: لَمَّا نَزَلَتْ آيَاتُ سُورَةِ البَقَرَةِ عَنْ آخِرِهَا، خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: «حُرِّمَتِ التِّجَارَةُ فِي الخَمْرِ». (٣)

стр. 296

• وأخرج البخاري ومسلم في "صحيحيهما" من حديث جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، أَنَّهُ: سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ الفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ، وَالمَيْتَةِ وَالخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ»، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ، فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: «لَا، هُوَ حَرَامٌ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: «قَاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ». (١) وعليه فالحديث بمتابعاته، وشواهده يرتقي إلى "الصحيح لغيره"، والله أعلم. خامسًا- النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف: لم يَرْوِه عن أبي بَكْرِ بن حَفْصٍ إلا زيدُ، ولا يُرْوَى عَنْ عَامِرِ إلا بهذا الإسناد. قلتُ: مِمَّا سبق في التخريج يَتَبَيَّن صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁. * * *

стр. 297

[٣٧/ ٤٣٧]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ، قَالَ: نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ ابْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ عَطَاءٍ. عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كُنَّا لا نُمْسِكُ لُحُومَ الأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَأْكُلَ ونَتَزَوَّدَ. * لم يَرَوْهُ عن زَيْدٍ إلا عُبَيْدُ اللَّهِ بن عَمْرٍو. أولًا:- تخريج الحديث: • أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه" (١٩٧٢/ ٣) ك/الأضاحي، ب/بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام، وبيان نسخه وإباحته إلى متى شاء، من طريق زكريا بن عدي. - وأبو عوانة في "المُستخرَج" (٧٨٦٩)، من طريق هلال بن العلاء الرَّقيّ، عن أبيه. - والطحاوي في "شرح مُشْكِل الآثار" (٦٢٧٦)، من طريق علي بن معبد. - وأبو الحسين الشَجَري في "الآمال الخميسية" (٢/ ٧٩)، من طريق هاشم بن الحارث المروزي. أربعتهم عن عُبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أُنَيسة، بنحوه، غير هاشم بن الحارث فبلفظه. • وأخرجه الحُميدي في "مسنده" (١٢٩٧)، وأحمد في "مسنده" (١٤٣١٩، ١٤٩٥٦)، والدَّارمي في "مسنده" (٢٠٤)، والبخاري في "صحيحه" (٥٤٢٤) ك/الأطعمة، ب/ما كان السلف يدَّخرون في بيوتهم، وبرقم (٥٥٦٧) ك/الأضاحي، ب/ما يؤكل من لحوم الأضاحي وما يُتزوَّد منها، وبرقم (٢٩٨٠) ك/الجهاد والسير، ب/حمل الزاد في الغزو، ومسلمٌ في "صحيحه" (١٩٧٢/ ٤) ك/الأضاحي، ب/بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام وبيان نسخه وإباحته إلى متى شاء، والنسائي في "الكبرى" (٤١٤٠، ٤١٤١) ك/المناسك، ب/التزود من لحوم الهدي، وأبو عوانة في "المُستخرَج" (٧٨٦٨)، وابن حبَّان في "صحيحه" (٥٩٣١)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١٩٢٠٩). كلهم من طُرُقٍ، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله، قال: "كنا نتزوَّد لحوم الهدي على عهد رسول الله ﷺ إلى المدينة". - وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "المصنف" (١٥٤٩٠)، وأحمد في "المسند" (١٤٤١٢، ١٥٠٤٢)، والبخاري في "صحيحه" (١٧١٩) ك/الحج، ب/وما يُؤكل من البُدْن وما يُتصدَّق، ومسلم في "صحيحه" (١٩٧٢/ ٢)، والنسائي في "الكبرى" (٤١٢٤) ك/المناسك، ب/الأكل من لحوم البُدْن، وبرقم (٤١٢٧) ك/المناسك، ب/كم يؤكل؟، وأبو عوانة في "المُستخرَج" (٧٨٦٤)، والبيهقي في "الكبرى" (١٩٢٠٨). كلهم من طرقٍ عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله، بنحو رواية الباب. وقد صرَّح ابن جريج عند البخاري، ومسلم، وغيرهما بسماعه من عطاء؛ فزال ما نَخْشَاه مِنْ تدليسه.

стр. 298

ثانيًا:- دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) عبد الله بن جعفر الرَّقِّيُّ: "ثِقَةٌ قبل أن يَتَغَيَّر"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٩). ٣) عُبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد: "ثِقَةٌ، فَقِيهٌ، حُجَّةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٩). ٤) زَيْدُ بن أبي أُنَيْسة: "ثِقَةٌ، فَقِيهٌ، له أفراد"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٩). ٥) عَطَاءُ بن أبي رَبَاح - واسمه أَسْلَم- القُرَشي، الفِهْريُّ، أبو محمد المَكْيُّ. روى عن: جابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وعائشة بنت أبي بكر ﵃، وغيرهم. روى عنه: زيد بن أبي أُنَيسة، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، وعمرو بن دينار، وخلقٌ سواهم. حاله: قال ابن سعد: ثِقَةٌ، فقيهٌ، كثيرُ الحديث. وقال العجلي: تابعيٌّ، ثِقَةٌ، ومفتي أهل مكة في زمانه. وقال ابن معين، أبو زرعة، والذهبي: ثِقَةٌ. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ، فَقِيهٌ، فَاضِلٌ، لكنَّه كثير الإرسال. - وقال يحيى بن سعيد القطَّان: مُرسلات مجاهد أحبّ إليّ من مرسلات عطاءٍ بكثير، كان عطاء يأخذ عن كل ضرب. وقال أحمد بن حنبل: ليس في المرسلات شيء أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح، فإنهما كانا يأخذان عن كل أحد. وقال ابن معين: ليست مرسلات عطاء بذاك. - وقال علي بن المديني: اختلط بآخرةٍ، فتركه ابن جُريج وقيس بن سعد. وعلَّق الذهبي على هذا في "الميزان"، فقال: لم يَعْنِ ابن المديني بقوله "فتركه" الترك الاصطلاحي، بل عَنَى أنهما بَطَّلا الكتابة عنه، وإلا فعطاء ثبتٌ رضي. وزاد في "السير": ولكنه - أي عطاء - كَبُرَ وضَعُفت حواسه، وكانا قد تَكَفَّيَا منه، وتَفَقَّهَا، وأكثرا عنه فبَطَّلا. ونقل ابن حجر في "تهذيب التهذيب" عن قيس بن سعد ما يؤيّد ذلك. وقال ابن حجر في "التقريب": وقيل إنه تَغَيَّر بآخرةٍ ولم يَكْثُر ذلك منه. وفسَّر الشيخ/ طارق بن عوض الله قول الحافظ ابن حجر: "ولم يَكْثُر ذلك منه"؛ فقال: لعلَّها "ولم يُؤَثِّر ذلك فيه". (١) وقال صاحبا "تحرير التقريب": لا نعلم أحدًا روى عنه بعد تغيّره إن صَحَّ أنَّه تَغَيَّر، ولم يذكره أحد ممن أَلَّف في المختلطين. قلتُ: ولعلَّ المراد بالتغيُّر هنا هو نقص الحفظ بسبب الهِرَم والشَيْخُوخة، وليس الاختلاط الاصطلاحي (٢)، ويؤكد ذلك أنَّ العلماء لم يُميزوا مَنْ روى عنه قبل الاختلاط، وبعده؛ بل بالعكس فابن جريج وقيس بن سعد لمّا تغيَّر حفظه لم يسمعا منه؛ فهو مِنْ المرتبة الأولى مِنْ المختلطين، الذين لم يَصح وصفهم بالاختلاط، أو الذين لم يسمع منهم أحدٌ بعد الاختلاط، لذا ذكره ابن حجر بصيغة التمريض "قيل". - وأمَّا ما نقله ابن حجر في "تهذيب التهذيب" عن الإمام أحمد أنَّه نُقل عنه ما يدل على أنه كان يُدَلِّس؛ فَلَعَلَّ المراد به الإرسال، لذا لم يذكره في "طبقات المدلسين"، ولم يصفه أحدٌ من أهل العلم بالتدليس.

стр. 299

- وأخيرًا، أقول: وصَحَّ سماعه من جابر بن عبد الله، كما في رواية الباب عند البخاري ومسلم في "صحيحيهما" من طريق عمرو بن دينار، وابن جُريج، عن عطاء أنه سمع جابر بن عبد الله. وقال البخاري في "تاريخه": وسمع من جماعة، وعدَّ منهم: جابر بن عبد الله. وقال ابن حجر في "الفتح": وهو معروفٌ بالرواية عن جابر وابن الزُّبير. فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ، فَقِيهٌ، فَاضِلٌ، عابدٌ، كَثِيرُ الإِرسال". (١) ٦) جابر بن عبد الله ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ، مُكثرٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (٢٠). ثالثًا:- الحكم على الحديث: مما سبق يَتَبَيَّن أن الحديث بإسناد الطبرانيُّ "ضعيفٌ"؛ فيه: عبد الله بن جعفر "ثِقَةٌ، قبل أنْ يَتَغَيَّر"، وأحمد ابن خُليد، لا نعلم هل روى عنه قبل الاختلاط أم بعده، ومن كان كذلك فلا يُقبل حديثه إلا إذا تُوبع. مُتَابعات للحديث: والحديث لم يَنْفرد به عبد الله بن جعفر، بل تابعه جماعةٌ مِنْ الثقات (متابعة تامة)، مِنْهم: زكريا بن عدي، والعلاء بن هلال الرَّقي، وعليّ بن مَعْبد، وهاشم بن الحارث المروزي، أربعتهم عن عُبيد الله بن عَمرو، به، وبعض هذه المتابعات أخرجها مُسْلمٌ في "صَحيحه"، كما سبق في التخريج. وتابعه عمرو بن دينار، وابن جُريجٍ، عن عطاءٍ، به، عند البخاري، ومُسلم - كما سبق في التخريج -. شواهد للحديث: • أخرج البخاري ومسلم في "صحيحيهما"، من حديث سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلَا يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَبَقِيَ فِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ»، فَلَمَّا كَانَ العَامُ المُقْبِلُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا عَامَ المَاضِي؟ قَالَ: «كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا، فَإِنَّ ذَلِكَ العَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ، فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهَا». (٢) • وأخرج الإمام مسلم في "صحيحه"، من حديث بُرَيدة بن الحُصيب الأسلمي ﵁، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلاثٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلا فِي سِقَاءٍ، فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا». (٣) وعليه فالحديث بمتابعاته، وشواهده يرتقي إلى "الصحيح لغيره"، والله أعلم.

стр. 300

رابعًا:- النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لم يَرَوْهُ عن زَيْدٍ إلا عُبَيْدُ اللَّهِ بن عَمْرٍو. قلتُ: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ صحة كلام المُصَنِّف ﵁. وتَفَرُّد عُبَيْد اللَّهِ بن عَمْرٍو، عن زيد، لا يضر الحديث؛ لكون عُبَيْد اللَّهِ بن عَمْرٍو "ثقةٌ حجةٌ" بالإضافة إلى كَوْنه راوية زيد بن أبي أُنيسة - كما سبق في ترجمته- فله خصوصيته فيه، والله أعلم. خامسًا:- التعليق على الحديث: - اشتمل الحديث على النهي عن أكل وادّخار لحوم الأضحية بعد انقضاء ثلاثة أيام، وأنَّ هذا الحكم قد نُسخ بقوله: "فأمرنا رسول الله ﷺ أن نتزوَّد منها ونأكل منها، يعني فوق ثلاث"، ودلَّ على هذا النَّسخ أيضًا ما جاء في حديث بُرَيدة - عند مسلم في "صحيحه"- "ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث" فهذا حكمٌ مُتَقَدِّم، ثم نَصَّ على ناسخه بقوله ﷺ : "فامسكوا ما بدا لكم"، وهذا من ناسخ السُّنَّة بالسُّنَّة، وهو القول الصحيح، وإليه ذهب الجمهور، وهذا يدل على أنّه يُباح للمُضَحِّي في عيد الأضحى أو مَنْ ذبح الهدي من الحجاج - كما دلَّت عليه بعض الروايات- أن يأكل ويدَّخر من الأضحية من العام إلى العام سواءً ادَّخرَ لَحْمًا أو شَحْمًا. - وجاء في بعض الروايات بيان علة النهي عن الأكل والادّخار فوق ثلاث في أول الأمر؛ وهو أنَّ قومًا من ضعفاء الأعراب وفقرائهم قَدِمُوا المدينة؛ فأراد رسول الله ﷺ أن يواسي أهلها من لحوم الأضاحي، فنهاهم عن الأكل والادّخار لأجل مواساة هؤلاء الأعراب؛ لضعفهم وجوعهم، ثم أباح بعد هذا العام الأكل والادّخار من الأضاحي بعد ثلاث، وصُرِّح بهذه العلة في أحاديث؛ منها: ما أخرجه مسلم في "صحيحه" من طريق مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ وَاقِدٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلاثٍ»، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمْرَةَ، فَقَالَتْ: صَدَقَ، سَمِعْتُ عَائِشَةَ، تَقُولُ: دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ حَضْرَةَ الأَضْحَى زَمَنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ادَّخِرُوا ثَلاثًا، ثُمَّ تَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ»، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ النَّاسَ يَتَّخِذُونَ الأَسْقِيَةَ مِنْ ضَحَايَاهُمْ، وَيَجْمُلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَمَا ذَاكَ؟» قَالُوا: نَهَيْتَ أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلاثٍ، فَقَالَ: «إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ، فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا». (١) - ونازع القرطبي في "المُفهم" في نسخ النهي عن الأكل والادخار، وأدار الحكم مع علته، وأنّ رفع النهي لارتفاع العلة لا للنسخ، فقال: الفرق بين رفع الحكم بالنسخ ورفعه لارتفاع علته؛ أن المرفوع بالنسخ لا يُحكم به أبدا، والمرفوع لارتفاع علته يعود الحكم لعود العلة، فلو قدم على أهل بلدة ناس محتاجون في زمان الأضحى، ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعة يسدون بها فاقتهم إلا الضحايا لتعين عليهم ألا يَدَّخِرُوها فوق

стр. 301

ثلاث كما فعل النبي ﷺ ، وهذا كان مذهب علي بن أبي طالب ﵁، وعبد الله بن عُمر، وعلى هذا القول فلو وقع مثل تلك العلّة اليوم؛ واساهم النَّاس مِنْ لحوم الأضاحي. - وتعقَّبه الحازمي في "الاعتبار"؛ فقال: خالفهم في ذلك جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار، ورأوا جواز ذلك، وتمسَّكوا بالأحاديث الدَّالة على النسخ. وقال ابن قدامة في "المغني": وَيَجُوزُ ادِّخَارُ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَلَمْ يُجِزْهُ عَلِيٌّ، وَلَا ابْنُ عُمَرَ ﵁ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: " … فَامْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ". وقال: فَأَمَّا عَلِيٌّ وَابْنُ عُمَرَ فَلَمْ يَبْلُغْهُمَا تَرْخِيصُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ كَانُوا سَمِعُوا النَّهْيَ، فَرَوَوْا عَلَى مَا سَمِعُوا. ا. هـ مُختصرًا. وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح": قال الشافعي: لعلّ عليًّا لم يبلغه النسخ. وقال النووي في "شرح مسلم": الصحيح نسخ النهي مطلقًا، وأنه لم يبقَ تحريمٌ ولا كراهةٌ فيُباح اليوم الادّخار فوق ثلاث، والأكل إلى متى شاء، لصريح حديث بُرَيدة. (١) * * *

стр. 302

[٣٨/ ٤٣٨]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا عُبَيْدُ بْنُ جَنَّادٍ الْحَلَبِيُّ، قَالَ: نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ حُمَيْدِ ابْنِ مَالِكٍ اللَّخْمِيِّ (١)، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ (٢). عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ. * لم يَرْوِ هذا الحديث عن حُمَيْدِ بن مالكٍ إلا إسماعيلُ بن عَيَّاشٍ. هذا الحديث مَدَاره على إبراهيم بن جرير بن عبد الله، واختلف عليه مِنْ وجهين: الوجه الأول: إبراهيم بن جرير بن عبد الله البَجَليّ، عن أبيه ﵁. الوجه الثاني: إبراهيم بن جرير بن عبد الله، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير البَجَليِّ ﵁. وتفصيل ذلك كالآتي: أولاً:- الوجه الأول: إبراهيم بن جرير بن عبد الله البَجَليّ، عن أبيه ﵁ (مُرْسلًا). أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٤٣٨) - وهي رواية الباب -، قال: حدَّثنا أحمد بن خُليد، نا عُبيد بن جَنَّاد؛ وابن عدي في "الكامل" (٣/ ٨٨)، مِنْ طريق عَبد الْوَهَّابِ بن الضَّحَّاكِ؛ كلاهما عن إسماعيل بن عَيَّاش، قال: حدَّثَنا حُمَيْدُ بن مالكٍ، قال: حدَّثني إبراهيمُ بن جرير بن عَبد اللَّه، عن أَبِيهِ، سَأَلْنَاهُ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَامَ فَهَرَقَ الْمَاءَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ صَلَى بِنَا صَلاةَ الْعَصْرِ، فَقِيلَ لَهُ أَتَمْسَحُ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ، قَالَ هَلْ كَانَ إِسْلامِي إِلا بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ، وَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ. واللفظ لابن عدي. • والطبراني في "الكبير" (٢٣٩٤)، وفي "الأوسط" (٣٦١٧)، مِنْ طريق حفص بن سُلَيْمَانَ، عن قَيْسِ بن مُسْلِمٍ، عن إبراهيم بن جَرِيرِ بن عَبْدِ الله، بنحوه. قلتُ: وفيه حفص بن سليمان - صاحب عاصم - "متروك الحديث، مع إمامته في القراءة". (٣) • والطبراني في "الكبير" (٢٣٩٣)، والبيهقي في "الكبرى" (٥٢١)، مِنْ طريق أَبَان بن عَبْدِ اللهِ البَجَلِيّ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ دَخَلَ الْغَيْضَةَ فَقَضَى حَاجَتَهُ، فَأَتَاهُ جَرِيرٌ بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ، فَاسْتَنْجَى، وَمَسَحَ يَدَهُ بِالتُّرَابِ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ، وَعَلَى خُفَّيْهِ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ قَالَ: «إِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ». قَدَمَيْكَ

стр. 303

ب دراسة إسناد الوجه الأول (بإسناد الطبراني): ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) عُبَيْد بن جَنَّاد الكِلابيّ الرَّقِّيُّ: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٦). ٣) إِسْمَاعِيْلُ بنُ عَيَّاشِ بنِ سُلَيْمٍ العَنْسِيُّ، أَبُو عُتْبَةَ الحِمْصِيُّ. روى عن: حُميد بن مالك، وسفيان الثوري، وسليمان الأعمش، وآخرين. روى عنه: عُبَيد بن جَنَّاد الحلبي، وهشام بن عَمَّار، وعبد الله بن المبارك، وابن معين، وآخرون. حاله: قال يزيد بن هارون: ما رأيت شامياً ولا عراقياً أحفظ منه. وقال ابن معين: ليس به بأس. _ وقال النَّسائي: ضَعيفٌ. وقال أبو حاتم: ليِّنٌ، يُكتب حديثه، لا أعلم أحداً كفَّ عنه إلا أبو إسحاق الفَزَاريّ. _ وقال ابن معين: إذا حدَّث عن الشَّامِيِّينَ عن صَفْوَان وجريرٍ فحديثه صَحِيحٌ، وإذا حدَّث عن العراقيّين والمدنيين خَلَطَهُ ما شِئْتَ. وقال أحمد: في روايته عن أهل العراق وأهل الحجاز بعض الشيء، وروايته عن أهل الشام كأنه أثبت وأصح، وإذا حدَّث عن غير الشاميين أتى بالمناكير. وقال البخاري: ما روى عن الشاميين فهو أصح. وقال أبو زرعة: صدوقٌ، إلا أنَّه غلط في حديث الحجازيين والعراقيين. وقال النَّسائي أيضاً: صالحٌ في حديث أهل الشام. وقال ابن عدي: يُكتب حديثه، ويُحتج به في حديث الشاميين خاصة. _ وقال الذهبي في "المغني": صَدُوقٌ في حديث أهل الشَّام، مُضْطَربٌ جداً في حديث أهل الحجاز. وفي "الديوان": ضعيفٌ في غير الشاميين. وفي "السير": حَدِيْثُه عَنِ الحِجَازِيّينَ وَالعِرَاقِيّينَ، لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَحَدِيْثُهُ عَنِ الشَّامِيّينَ صَالِحٌ مِنْ قبِيْلِ الحَسَنِ، وَيُحْتَجُّ بِهِ إِنْ لَمْ يَعَارضْهُ أَقوَى مِنْهُ. وقال ابن حجر: صدوقٌ في روايته عن أهل بلده، مُخَلِّطٌ في غيرهم. (١) والحاصل: أنَّه "صَدُوقٌ في روايته عن الشاميين، مُخَلِّطٌ في غيرهم". (٢) ٤) حُمَيْدِ بْنِ مَالِكٍ بن سُحَيْم، اللَّخْمِيِّ، الكوفيُّ. روى عن: إبراهيم بن جرير بن عبد الله البَجَليِّ، ومكحول، روى عنه: إسماعيل بن عَيَّاش، ومُعاوية بن حفص، والربيع بن حُميد، والمسيّب بن شريك، وآخرون.

стр. 304

حاله: قال ابن معين: ضعيفٌ، لم يُحَدِّث عنه إلا إسماعيل بن عَيَّاش. وقال أبو حاتم، وأبو زرعة: ضَعيفُ الحديث. وزاد أبو زرعة: ليس بالقوي. فالحاصل: أنَّه "ضَعيفُ الحديث". (١) ٥) إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ. روى عن: أبيه جرير بن عَبد الله، وقيس بن أَبي حازم، وابن أخيه أبي زرعة بن عَمْرو، وآخرين. روى عنه: حُميد بن مالك اللَّخْميُّ، وأبان بن عبد الله بن جرير، وشريك بن عبد الله النَّخعيُّ، وآخرون. حاله: ذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال ابن عدي: أحاديثه مستقيمة. وقال الذهبي، وابن حجر: صدوقٌ. - وقال ابنُ سَعْدٍ، وإبراهيم الحربي: وُلِدَ بعد مَوْتِ أبيه. وقال ابن معين، وأبو حاتم، وأبو داود، وابن أبي حاتم: لم يسمع مِنْ أبيه شيئًا. وقال ابن عدي: في بعض رواياته يقول: حَدَّثني أبي، ولم يُضَعَّف في نفسه، إنَّما قيل: لم يسمع من أبيه شيئا. قلتُ: وذكر البخاري الحديث الذي يقول فيه: حدَّثني أبي، وبَيَّن أنَّ في سنده دَاوُدُ بن عَبد الجبار، وأنَّه مُنكر الحديثِ. لذا قال ابن حجر: لم يَسْمع مِنْ أبيه، وقد روى عنه بالعنعنة، وجاءت رواية بصريح التَّحديث لكنَّ الذنب لغيره. فالحاصل: أنَّه "صدوقٌ، لم يَسْمع مِنْ أبيه". (٢) ٦) جَريرُ بن عَبْد اللَّهِ أَبُو عمرو البَجَليُّ، الأحْمَسيُّ، اليمنيُّ. روى عن: النَّبِيّ ﷺ ، وعن عُمَر بن الخطاب، ومعاوية بن أَبي سفيان ﵃. روى عنه: أنس بن مالك ﵁، وعامر بن شراحيل الشَّعْبيُّ، وقيس بن أبي حازم، وآخرون. أسلم جرير في السنة التي تُوفي فيها النَّبيُّ ﷺ . وكان حسن الصورة، وقال عمر بن الخطاب ﵁: جرير يوسف هذه الأمة، وهو سيد قومه. وعن جَرِيرِ بن عَبْدِ اللَّهِ، قال: مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلا ضَحِكَ. (٣) ودعا له النَّبيُّ ﷺ ، فقال: «اللهُمَّ ثَبِّتْهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا». (٤) (٥) ثانياً:- الوجه الثاني: إبراهيم بن جرير، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير البَجَليِّ (مُتَّصلًا). أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه أحمد في "مسنده" (١٩٢٢٣)، عن أسود بن عامر؛ والطبراني في "الكبير" (٢٢٩٣)، مِنْ طريق أبي نُعيم الفضل بن دُكين، ويحيى بن عبد الحميد الحِمَّانيّ؛ ثلاثتهم، عن شَرِيك بن عبد الله النَّخَعي، عن إبراهيمَ بن جَرِيرٍ، عن قَيس بن أبي حازم، عن جَرِيرٍ، قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَالَ فَتَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ.

стр. 305

ب دراسة إسناد الوجه الثاني (بإسناد الإمام أحمد): ١) الأسود بن عامر الشَّاميّ: "ثِقَةٌ". (١) ٢) شريك بن عبد الله النَّخعيّ: "ضَعيفٌ، يُعتبر به"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٠). ٣) قيس بن أبي حازم البَجَليّ: "ثِقَةٌ، مُخَضْرم". (٢) ت متابعات للوجه الثاني: • أخرج ابن الأعرابي في "معجمه" (٢٣١٩)، مِنْ طريق سُفيان الثوري - مِنْ أصح الأوجه عنه (٣) -، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قَيْسِ بن أبي حازم، عن جَرِيرٍ، قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ، فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ؛ لأَنَّ جَرِيرًا أَسْلَمَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ. ثالثًا:- النظر في الخلاف على هذا الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث مَدَاره على إبراهيم بن جرير بن عبد الله، واختلف عليه مِنْ وجهين: الوجه الأول: إبراهيم بن جرير بن عبد الله البَجَليّ، عن أبيه ﵁. الوجه الثاني: إبراهيم بن جرير بن عبد الله، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير البَجَليِّ ﵁. والذي يَظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الثاني هو الأشبه والأقرب للصواب؛ للقرائن الآتية: ١) الوجه الأول لا يخلو كل طريق مِنْه مِنْ ضَعفٍ في إسناده. ٢) وأمَّا الوجه الثاني، وإنْ كان مَداره على شريك بن عبد الله النَّخعيّ، وهو "ضَعيفٌ"، لكنَّه تابعه إسماعيل بن أبي خالد، فرواه عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله ﵁، فَدَلَّ ذلك على أنَّه حفظه. ٣) اتفق أهل العلم - كما سبق في دراسة الإسناد - على أنَّ إبراهيم بن جرير لم يَسْمع مِنْ أبيه. ٤) بالإضافة إلى أنَّ الإمام الدَّارقطني ﵀ قد ساق الخلاف في هذا الحديث على إبراهيم بن جرير بن عبد الله بالوجهين، وقال: وحديث شريك - أي بالوجه المتصل - هو الأشبه، والله أعلم. (٤) رابعًا:- الحكم على الحديث: أ الحكم على الحديث بإسناد الطبراني: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ"؛ فيه: حُميد بن مالك بن سُحيم الكوفي "ضَعيفُ الحديث، ورواه عنه إسماعيل بن عَيَّاش "مُضْطَربٌ في روايته عن غير الشَّاميين"، وهذه مِنْها. وإبراهيم بن جرير الراجح أنَّه لم يَسْمع مِنْ أبيه بالاتفاق - كما سبق -.

стр. 306

ب الحكم على الحديث مِنْ وجهه الراجح: ومِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث مِنْ وجهه الراجح "ضَعيفٌ"؛ فَمَدَاره على شريك النَّخعيّ "ضَعيفٌ يُعتبر به". مُتَابَعَاتٌ للحديث: • والحديث أخرجه البخاري في "صحيحه" (٣٨٧)، ك/الصلاة، ب/الصلاة في الخِفَاف، ومُسْلمٌ في "صحيحه" (٢٧٢)، ك/الطهارة، ب/المسح على الخفين، وغيرهما، مِنْ طُرُقٍ عن الأَعْمَشِ، قال: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ - النَّخعيّ -، يُحَدِّثُ عن هَمَّامِ بن الحَارِثِ، قَالَ: بَالَ جَرِيرٌ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقِيلَ: تَفْعَلُ هَذَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ. قَالَ الْأَعْمَشُ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَانَ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ؛ لأَنَّ إِسْلامَ جَرِيرٍ، كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ. شواهد للحديث: • أخرج البخاري، ومُسلمٌ في "صحيحيهما"، عن المُغِيرَةِ بن شُعْبَةَ، عن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ، فَاتَّبَعَهُ الْمُغِيرَةُ بِإِدَاوَةٍ فِيهَا مَاءٌ، فَصَبَّ عَلَيْهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ، فَتَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ. (١) واللفظ لمسلم، في إحدى روايته. • وأخرج الإمام البخاري في "صحيحه"، مِنْ طريق أبي سَلَمَة بن عبد الرَّحْمَنِ، عن عبد اللَّهِ بن عُمَرَ، عن سَعْدِ بن أبي وَقَّاصٍ ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵁ سَأَلَ عُمَرَ ﵁ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: نَعَمْ، إِذَا حَدَّثَكَ شَيْئًا سَعْدٌ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ ، فَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ غَيْرَهُ. (٢) • وأخرج البخاري في "صحيحه"، عن جَعْفَرِ بن عَمْرِو بن أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، أَنَّ أَبَاهُ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى الخُفَّيْنِ. (٣) • وأخرج الإمام مُسْلمٌ في "صحيحه" عن حُذَيْفَةَ ﵁، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَانْتَهَى إِلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِمًا، فَتَنَحَّيْتُ فَقَالَ: «ادْنُهْ». فَدَنَوْتُ حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ، فَتَوَضَّأَ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ. (٤) وقال الترمذي: وفي البَابِ عن عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَبِلَالٍ، وأبي أَيُّوب، وَسَلْمَان، وبُرَيْدَةَ، وأَنَسٍ، وسَهْلِ بن سَعْدٍ، ويَعْلَى بن مُرَّةَ، وعُبَادَةَ بن الصَّامِتِ، وأُسَامَةَ بن شَرِيكٍ، وأبي أُمَامَةِ، وجَابِرٍ، وأُسَامَةَ بن زَيْدٍ ﵃. (٥)

стр. 307

وقال البوصيري: وفي الباب مِمَّا لم يذكره التِّرْمِذِيُّ: عن أبي بَكْرَةَ، وصَفْوَانَ بن عَسَّالٍ، وأبي مُوسَى، وعَوْفِ بن مالك، وخُزَيْمَةَ بن ثَابِتٍ، وقَيْسِ بن سَعْدِ بن عُبَادَةَ، وعَبْدِ اللَّهِ بن عَبَّاسٍ، وَمَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ . (١) وقال أبو بكر بن المنذر: ورُوِّينَا عن الحَسَنِ البصريّ، أنَّهُ قال: حدَّثني سَبْعُونَ من أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ مَسَحَ على الخُفَّيْنِ. (٢) وقال ابن عبد البر: رَوى عن النبي ﷺ المَسْحَ على الخفين نحوُ أربعين من الصحابة، واستفاض وتواتر. (٣) وقال ابن حجر: صَرَّح جَمْعٌ مِنْ الحفاظ بأنَّ المسح على الخفين متواترٌ، وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين، ومنهم العشرة. (٤) وقال المُنَاوي: وقد بلغت أحاديث المسح التواتر، حتى قال الكمال بن الهمام: قال أبو حنيفة ﵁: ما قلت بالمسح حتى جاءني فيه مثل ضوء النهار، وعنه أخاف الكفر على من لم ير المسح على الخفين؛ لأنَّ الآثار التي جاءت فيه في حيز التواتر. (٥) لذا عدَّه السيوطي، والكتاني في الأحاديث المتواترة. (٦) وعليه فالحديث بمتابعاته، وشواهده يرتقي إلى "الصحيح لغيره"، والله أعلم. خامساً:- النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن حُمَيْدِ بن مالكٍ إلا إسماعيلُ بن عَيَّاشٍ. قلتُ: ومِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ حكم الإمام بالتَّفرد صحيحٌ، ولم أقف على ما يدفعه، وهو تَفَرُّدٌ نسبيٌّ. خامسًا:- التعليق على الحديث: قال الترمذي: هذا حَدِيثٌ مُفَسَّرٌ، لأنَّ بعض مَنْ أنكر المسح على الخُفَّيْنِ تأوَّلَ أنَّ مَسْحَ النَّبِيِّ ﷺ كان قبل نُزُولِ المائدة، وذكر جَرِيرٌ في حديثه أَنَّهُ رأى النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ على الخُفَّيْنِ بَعْدَ نُزُولِها. (٧) وقال النووي: أجمع من يُعتد به في الإجماع على جواز المسح على الخفين في السفر والحضر سواء كان لحاجة أو لغيرها، حتى يجوز للمرأة الملازمة بيتها؛ وإنَّما أنكرته الشيعة، والخوارج، ولا يُعتد بخلافهم، وقد روي عن مالك روايات فيه، والمشهور مِنْ مذهبه كمذهب الجماهير، وقد روى المسح على الخفين خلائق لا يحصون من الصحابة، قال الحسن البصري حدثني سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ كان يمسح على الخفين. وقال: وقولهم: "كَانَ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ؛ لأَنَّ إِسْلامَ جَرِيرٍ، كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ" معناه: أن الله

стр. 308

قال في سورة المائدة: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (١)، فلو كان إسلام جرير متقدما على نزول المائدة، لاحتمل كون حديثه في مسح الخف منسوخا بآية المائدة، فلمَّا كان إسلامه متأخرًا، علمنا أنَّ حديثه يُعْمَلُ به، وهو مُبَيِّنٌ أنَّ المراد بآية المائدة غير صاحب الخف، فتكون السنة مُخَصِّصَة للآية، وروينا في "سنن" البيهقي، عن إبراهيم بن أدهم، قال: ما سمعت في المسح على الخفين أحسن من حديث جرير، والله أعلم. (٢) وقال ابن كثير: وقد ثبت بالتواتر عن رسول الله ﷺ مشروعية المسح على الخفين قولًا منه، وفعلًا، وقد خالفت الروافض ذلك كله بلا مُسْتَنَد، بل بجهلٍ وضلالٍ، فقد ثبت عن جمع مِنْ الصحابة، والتابعين، وأئمة السلف، وهم مخالفون لذلك كله، وليس لهم دليلٌ صحيحٌ في نفس الأمر، ولله الحمد. (٣) * * *

стр. 309

[٣٩/ ٤٣٩]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا عُبَيْدُ بْنُ جَنَّادٍ، قَالَ: نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عُمَيْرٍ (١)، عَنِ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيِّ، قَالَ: أَقْرَأَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الْقُرْآنَ، فَأَهْدَيْتُ إِلَيْهِ قَوْسًا، فَغَدَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ تَقَلَّدَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «تَقَلَّدْهَا مِنْ جَهَنَّمَ». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا رُبَّمَا حَضَرْنَا طَعَامَهُمْ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ. فَقَالَ: «أَمَّا مَا عُمِلَ لَكَ فَإِنَّكَ إِنْ أَكَلْتَهُ، فَإِنَّمَا تَأْكُلُهُ بِخَلاقِكَ (٢)، وَأَمَّا مَا عُمِلَ لِغَيْرِكَ، فَحَضَرْتَهُ فَأَكَلْتَ مِنْهُ، فَلا بَأْسَ بِهِ». * لا يُرْوَى هذا الحديث عن الطُّفَيْلِ بن عَمْرٍو إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّدَ به: إسماعيلُ بن عَيَّاشٍ. أولاً:- تخريج الحديث: • أخرجه سعيد بن منصور في "التفسير مِنْ سننه" (١٠٩)؛ وحَنْبَل بن إسحاق في "جزئه التاسع مِنْ فوائد ابن سمّاك" (٤٢)، والبغوي في "معجم الصحابة" (١٣٧٠) - ومِنْ طريقه أبو العبَّاس المُسْتَغْفري في "فضائل القرآن" (١٥)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٥/ ٧) -، كلاهما (حنبل، والبغوي) عن داود بن عمرو الضبيّ؛ وأبو العبَّاس المُسْتَغْفري في "فضائل القرآن" (١٤) مِنْ طريق محمد بن عُبيد المُحاربي. ثلاثتهم، عن إسماعيل بن عَيَّاشٍ، عن عبد رَبِّه بن سُلَيْمَان، عن الطُّفَيل بن عَمْرٍو، بنحوه. وقال أبو القاسم البغوي: والذي روى عنه إسماعيل بن عيَّاش هذا الحديث عبد ربه، واسمه ابن زيتون، أحسبه من أهل حمص، ولم يسمع من الطُّفَيْل بن عَمرو، وهو حديثٌ غَرِيْبٌ، وللطُّفَيْل رواية عن النبي ﷺ غير هذا. وقال ابن عساكر: والطُّفَيْل أحسبه سكن الشام، ابن زيتون من أهل بيت المقدس، وليس بحمصي. ثانيًا:- دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) عُبَيْد بن جَنَّاد الكِلابيّ الرَّقِّيُّ: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٦). ٣) إِسْمَاعِيْلُ بنُ عَيَّاشِ: "صَدُوقٌ في روايته عن الشاميين، مُخَلِّطٌ في غيرهم"، تَقَدَّم في الحديث (٣٨). ٤) عبد الله بن سُليمان بن عُمير. روى عن: الطُّفيل بن عَمرو الدَّوْسيّ ﵁. روى عنه: إسماعيل بن عيَّاش. حاله: لم أقف له على ترجمة؛ ولَعَلَّه هو: عَبْدِ رَبِّهِ بن سُلَيْمَانَ بن عُمَيْر بن زَيْتُون الدِّمَشْقِيّ، يروي عن:

стр. 310

رجاء بن حيوة، وعَبْد اللَّهِ بن محيريز، وأم الدرداء، والطُّفيل، روى عَنهُ: إسماعيل بن عَيَّاش، ورجاء بن أَبي سلمة، والشاميون. وذكره البخاري، وابن أبي حاتم ولم يَذْكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال الذهبي: مجهولٌ. وقال ابن حجر في "اللسان": وثَّقه ابن حبَّان. وفي "التقريب": مقبولٌ. (١) ٥) الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو بن طَريف، الدَّوْسِيُّ الأَزْدِيُّ. روى عن: النَّبيّ ﷺ ، وصعصعة بن ناجية البصري ﵁. روى عنه: عبد الله بن سُليمان بن عُمَيْر، وصالح بن كَيْسَان، وعبَّاد بن كَسيب، وآخرون. أسلم، وصدق النبي ﷺ بمكة، ثم رجع إلى بلاد قومه من أرض دوس، فلم يزل مقيمًا بها حتى هاجر رسول الله ﷺ ، ثم قدم على رسول الله ﷺ وهو بخيبر بمن تبعه من قومه، فلم يزل مقيما مع رَسُول اللَّهِ ﷺ حتى قبض ﷺ ، ثم كان مع المسلمين حتى قُتِلَ باليمامة شهيدًا. وكان سيدًا مُطاعًا مِنْ أشراف العرب. (٢) ثالثاً:- الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ"؛ لأجل عبد الله بن سُليمان بن عُمير "مجهول الحال"، والانقطاع بينه وبين الطُّفيل بن عَمرو. قال البغوي - كما سبق في التخريج -: والذي روى عنه إسماعيل بن عيَّاش هذا الحديث عبد ربه، واسمه ابن زيتون، أحسبه من أهل حمص، ولم يسمع من الطُّفَيْل بن عَمرو، وهو حديثٌ غَرِيْبٌ. وقال الهيثمي: وفيه: عبد الله بن سليمان بن عُمَير، ولم أجد من ترجمه، ولا أظنه أدرك الطفيل. (٣) شواهد للحديث: أخرج ابن ماجة بسندٍ ضَعيفٍ، عن أُبَيِّ بن كَعْبٍ، قال: عَلَّمْتُ رَجُلاً الْقُرْآنَ، فَأَهْدَى إِلَيَّ قَوْسًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "إِنْ أَخَذْتَهَا أَخَذْتَ قَوْسًا مِنْ نَارٍ"، فَرَدَدْتُهَا. (٤) وعليه فالحديث بشاهده يرتقي مِنْ "الضَعيفِ"، إلى "الحسن لغيره".

стр. 311

رابعًا:- النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّف ﵁: لا يُرْوَى عن الطُّفَيْلِ بن عَمْرٍو إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّدَ به: إسماعيلُ بن عَيَّاشٍ. قلتُ: مِمَّا سبق في التخريج يَتَّضح صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁. خامسًا:- التعليق على الحديث: اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث؛ قال الخطابي: اختلف الناس في معنى هذا الحديث، وتأويله، فذهب قوم من العلماء إلى ظاهره، فرأوا أن أخذ الأجرة والعوض على تعليم القرآن غير مباح، وإليه ذهب الزهري وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه. وقالت طائفة: لا بأس به ما لم يشترط، وهو قول الحسن البصري، وابن سيرين، والشعبي، وأباح ذلك آخرون، وهو مذهب عطاء، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، واحتجوا بحديث سهل بن سعد قال: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ لَكَ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيهَا، قَالَ: «قَدْ زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ». (١) وتأولوا حديث الباب على أنه أمرٌ كان تبرع به ونوى الاحتساب فيه، ولم يكن قصده وقت التعليم إلى طلب عوض ونفع، فحذره النبي ﷺ إبطال أجره وتوعده عليه، ولو أنه طلب لذلك أجرة قبل أن يفعله حسبة كان ذلك جائزاً. وأهل الصفة قوم فقراء كانوا يعيشون بصدقة الناس فأخذ الرجل المال منهم مكروه ودفعه إليهم مستحب. وقال بعض العلماء: أخذ الأجرة على تعليم القرآن له حالات: فإذا كان في المسلمين غيره مِمَّن يقوم به حل له أخذ الأجرة عليه، لأن فرض ذلك لا يتعين عليه، وإذا كان في حال أو موضع لا يقوم به غيره لم يحل له أخذ الأجرة، وعلى هذا تأول اختلاف الأخبار فيه. وفي الحديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانُوا فِي سَفَرٍ، فَمَرُّوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَاسْتَضَافُوهُمْ فَلَمْ يُضِيفُوهُمْ، فَقَالُوا لَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ رَاقٍ؟ فَإِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ لَدِيغٌ أَوْ مُصَابٌ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: نَعَمْ، فَأَتَاهُ فَرَقَاهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَبَرَأَ الرَّجُلُ، فَأُعْطِيَ قَطِيعًا مِنْ غَنَمٍ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، وَقَالَ: حَتَّى أَذْكُرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَاللهِ مَا رَقَيْتُ إِلا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: «وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟»، ثُمَّ قَالَ: «خُذُوا مِنْهُمْ، وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ مَعَكُمْ». (٢) قال الخطابي: وفيه بيان جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، ولو كان ذلك حراماً لأمرهم النبي ﷺ

стр. 312

برد القطيع، فلمَّا صَوَّب فعلهم، وقال لهم: أحسنتم، ورضي الأجرة التي أخذوها لنفسه، فقال: اضربوا لي معكم بسهم، ثبت أنه مباحٌ، وأنَّ المذهب الذي ذهب إليه من جَمَعَ بين أخبار الإباحة والكراهة في جواز أخذ الأجرة على ما لا يتعين الفرض فيه على معلمه، ونفى جوازه على ما يتعين فيه التعليم مذهب سديدٌ. (١) وقال النووي بعد أن ذكر حديث الرقية: هذا تصريح بجواز أخذ الأجرة على الرقية بالفاتحة والذكر، وأنها حلال لا كراهة فيها، وكذا الأجرة على تعليم القرآن، وهذا مذهب الشافعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وآخرين من السلف ومن بعدهم، ومنعها أبو حنيفة في تعليم القرآن، وأجازها في الرقية. (٢) وقال ابن حجر: وفي الحديث عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مَرُّوا بِمَاءٍ، فِيهِمْ لَدِيغٌ أَوْ سَلِيمٌ، فَعَرَضَ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ المَاءِ، فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ، إِنَّ فِي المَاءِ رَجُلا لَدِيغًا أَوْ سَلِيمًا، فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ عَلَى شَاءٍ، فَبَرَأَ، فَجَاءَ بِالشَّاءِ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَكَرِهُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا: أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا، حَتَّى قَدِمُوا المَدِينَةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخَذَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ». (٣) هذا الحديث استدل به الجمهور على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وخالف الحنفية فمنعوه في التعليم، وأجازوه في الرقى كالدواء، قالوا: لأن تعليم القرآن عبادة والأجر فيه على الله، وهو القياس في الرقى، إلا أنهم أجازوه فيها لهذا الخبر، وحمل بعضهم الأجر في هذا الحديث على الثواب، وسياق القصة التي في الحديث يأبى هذا التأويل؛ وادعى بعضهم نسخه بالأحاديث الواردة في الوعيد على أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وتعقب بأنه إثبات للنسخ بالاحتمال وهو مردودٌ، وبأنَّ الأحاديث ليس فيها تصريح بالمنع على الإطلاق، بل هي وقائع أحوال محتملة للتأويل لتوافق الأحاديث الصحيحة كحديثي الباب، وبأنَّ الأحاديث المذكورة أيضا ليس فيها ما تقوم به الحجة فلا تعارض الأحاديث الصحيحة. (٤) وذهب بعض أهل العلم على أنَّ الإباحة محمولة على أخذ الأجرة من بيت مال المسلمين، فهذا جائز، كما يُعطى الأئمة والمؤذنون والقضاة؛ والخلاف إنما هو فيما كان على وجه الارتزاق، فهذا جوّزه بعضهم، ومنعه آخرون، وقال بعضهم بجوازه مع الحاجة دون الغنى، وقال بعضهم بجوازه إذا دفع إليه من غير سؤال ولا استشراف نفس، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وإنما تنازع العلماء في جواز الاستئجار على تعليم القرآن والحديث والفقه على قولين مشهورين، هما روايتان عن أحمد: إحداهما - وهو مذهب أبي حنيفة وغيره -: أنه لا يجوز الاستئجار على ذلك، والثانية- وهو قول الشافعي -: أنه يجوز الاستئجار، وفيها قول ثالث في مذهب أحمد: أنه يجوز مع الحاجة دون الغني، ويجوز أن يعطى هؤلاء من مال المسلمين على التعليم؛ كما

стр. 313

يعطى الأئمة والمؤذنون والقضاة، وذلك جائز مع الحاجة. (١) وقال الشوكاني: وذهب الجمهور إلى أنها تحلّ الأجرة على تعليم القرآن، وأجابوا عن أحاديث الباب بأجوبة، منها: أن حديث أُبَيّ، وعُبَادة قضيّتان في عين، فيحتمل أنَّ النَّبِيَ ﷺ علم أنهما فعلا ذلك خالصًا لله، فكره أخذ العوض عنه، وأما من علّم القرآن على أنه لله، وأن يأخذ من المتعلِّم ما دفعه إليه بغير سؤال ولا استشراف نفس، فلا بأس به. (٢) وقال الشيخ/ محمد الأمين الشنقيطي: الذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - أن الإنسان إذا لم تدعه الحاجة الضرورية فالأولى له ألا يأخذ عوضا على تعليم القرآن، والعقائد، والحلال، والحرام، للأدلة الماضية، وإن دعته الحاجة أخذ بقدر الضرورة من بيت مال المسلمين ; لأن الظاهر أن المأخوذ من بيت المال من قبيل الإعانة على القيام بالتعليم لا من قبيل الأجرة. والأولى لمن أغناه الله أن يتعفف عن أخذ شيء في مقابل التعليم للقرآن، والعقائد، والحلال والحرام، والعلم عند الله تعالى. (٣) * * *

стр. 314

[٤٠/ ٤٤٠]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: نا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ مُهَاجِرِ ابْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ فَاطِمَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَيْنَ أُمُّنَا خَدِيجَةُ؟ قَالَ: «فِي بَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ (١)، لا لَغْوٌ فِيهِ وَلا نَصَبٌ (٢)، بَيْنَ مَرْيَمَ وَآسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ». قَالَتْ: أَمِنْ هَذَا الْقَصَبِ؟ قَالَ: «لا، بَلْ مِنَ الْقَصَبِ الْمَنْظُومِ بِالدُّرِّ، وَاللُّؤْلُؤِ، وَالْيَاقُوتِ». * لا يُرْوَى هذا الحديثُ عن فاطمةَ إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّدَ به: صَفْوَانُ. أولًا:- تخريج الحديث: • أخرجه المصنف ﵁ في "مسند الشاميين" (١٠٢٤)، قال: حدَّثنا أحمد بن خُليد، به. • وأَوْرده ابن كثير في "البداية والنهاية" (٢٠/ ٢٨٢)، وفي "النهاية في الفتن والملاحم" (٢/ ٢٥٨)، بإسناد الطبراني هذا، ونَقَلَ قوله، وقال: وهو حديثٌ غريبٌ، ولِأَوله شاهدٌ في "الصحيح": "إِنَّ الله أَمَرَني أَنْ أُبَشِّر خديجة ببَيْتٍ في الجنَّة من قَصَبٍ، لا صَخْب فيه ولا نَصَب". قلتُ: وسيأتي بإذن الله تعالى ذكر شواهد الحديث. ثانيًا:- دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُليد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) أبو اليمان الحَكَم بن نافع: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ"، تقدّم في الحديث رقم (٣٢). ٣) صَفْوَان بن عَمْرو بن هَرم السَّكْسَكيُّ، أبو عمرو الحِمْصِيُّ. روى عن: مهاجر بن ميمون، وعبد الله بن بُسر، ومكحول الشامي، وغيرهم من الكبار. روى عنه: الحكم بن نافع، وعبد الله بن المبارك، وعيسى بن يونس، وآخرون. حاله: قال أحمد، وابن معين: ليس به بأسٌ. وقال العجلي، وابن المبارك، وأبو حاتم، وابن خِراش، ودُحيم، والنسائي، وابن حجر: ثقة. وزاد أبو حاتم: لا بأس به. وقال ابن سعد: كان ثقةً مأمونًا. وقال عمرو بن علي:

стр. 315

ثَبْتٌ في الحديث. وقال أبو زُرْعة الدمشقي: قلتُ لِدُحيم: مَنْ أَثْبَتُ بحمص؟ فقال: صفوان، وسمَّى جماعة. وقال ابن حبَّان في "المشاهير": من صالحي أهل الشام وخيارهم، ومتقني أتباع التابعين، وأبرارهم. وقال علي بن المديني: كان يحيى القطَّان عنده صفوان أَرْفع من عبد الرحمن بن يزيد. والحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ". (١) ٤) مُهَاجِرُ بن مَيْمُون الحَضْرَمِيُّ. روى عن: فاطمة بنت رسول الله ﷺ . روى عنه: صفوان بن عمرو، ولم أجد أحدًا روى عنه غيره - على حد بحثي -. حاله: قال الهيثمي في "مجمع الزوائد": لم أعرفه، ولا أظنه سَمِع من فاطمة. (٢) وقال الشوكاني: مهاجر بن ميمون لا يُعْرَف. (٣) وقال د/عبد القدُّوس بن محمد نذير في تحقيقه لـ"مجمع البحرين": لم أجده. (٤) قلتُ: ولم أقف له على ترجمة، ولم أجد أحدًا روى عنه غير صفوان بن عمرو - وهو ثقة -، بل ولم أقف له على رواية غير رواية الباب، ونَسَبَه الطبراني في "مسند الشاميين"، فقال: صفوان بن عمرو، عن مهاجر بن ميمون الحَضْرمي. والراوي عنه وهو صفوان بن عمرو "ثِقَةٌ"، وعَدَّهُ ابن سعد، وابن حجر في الطبقة الخامسة، وهم الطبقة الصُّغرى من التابعين الذين رأوا الواحد والاثنين من الصحابة، وقد روى عن عبد الله بن بُسر، وذكر ابن حبَّان أنَّه أدرك أبا أُمامة، وذكر الحافظ في "التقريب" أنَّه تُوُفيَ سنة خمس وخمسين ومائة أو بعدها، فهذا كله يدلّ على أنَّ صَفوان بن عَمرو مِنْ التابعين إن شاء الله . فرواية الثِّقَةِ عنه، مع تقدم طبقته - بكونه مِنْ طبقة التابعين - يرفع عنه جهالة العين. (٥) فالحاصل: أنَّه "مجهول الحال".

стр. 316

٥) فاطمة الزهراء، بنت رسول الله ﷺ ، زوجة علي بن أبي طالب ﵁، أمُّ الحسنين. روت عن: النبي ﷺ . وروى عنها: مهاجر بن ميمون - ولعله لم يسمع منها-، وعائشة أم المؤمنين، وأنس بن مالك، وغيرهم. وهي سيدة نساء العالمين في زمانها، البَضْعة النبوية، والجهة المُصْطفوية، التي كان النبي ﷺ يُحبُّها ويُكرمها ويَسِرُّ إليها، ومناقبها غزيرةٌ؛ منها: ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي». (١) أخرج لها الجماعة. (٢) ثالثًا:- الحكم على الحديث: - مما سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضعيف"؛ لأجل مُهَاجِر بن مَيْمُون "مجهول الحال"، ولعلّه لم يسمع من فاطمة لتقدُّم وفاتها - فقد اختُلف في سنة وفاتها، وأعلى مدة في ذلك: أنَّها تُوُفيت بعد النبي ﷺ بستة أشهر- فهو منقطع. قال الهيثمي: رواه الطبراني في "الأوسط" من طريق مُهَاجر بن ميمون عن فاطمة، ولم أعرفه، ولا أظنه سَمِع منها، وبقية رجاله ثقاتٌ. (٣) وقال الشوكاني: إسناد رجاله ثقات غير مَيْمُون بن مهاجر فإنه لا يُعْرَف. (٤) وقال ابن رجب الحنبلي في "تفسيره": إسناده منقطع. (٥) وكذلك قال السيوطي: إسناده منقطع. (٦) شواهد للحديث: • يشهد لأوله "فِي بَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ، لا لَغْوٌ فِيهِ ولا نَصَبٌ" ما جاء في "الصحيحين"؛ من ذلك: • ما أخرجه البخاري ومسلم في "صحيحيهما" من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: قال رسول الله ﷺ : «بَشِّرُوا خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ مِنَ الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ، وَلَا نَصَبَ». (٧) • وفي "الصحيحين" أيضًا من حديث عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ: «مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، مَا غِرْتُ عَلَى

стр. 317

خَدِيجَةَ، هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي، لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا، وَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ، وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ فَيُهْدِي فِي خَلَائِلِهَا مِنْهَا مَا يَسَعُهُنَّ». (١) • وفي الباب أيضًا من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وهو مُخرّجٌ في "الصحيحين"، قَالَ: " أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ، أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ ﵍ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ، وَلَا نَصَبَ". (٢) • ويشهد لكونها الآن في الجنة في هذا البيت الذي بُشِّرت به؛ عموم الأدلة الدَّالة على أنَّ أرواح المؤمنين بعد الوفاة تكون في الجنة، من ذلك: - قول الله : ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ … الآية﴾ (٣)، فهذا في الكافرين وبمفهوم المخالفة يدل على أنَّ أرواح المؤمنين في الجنة. (٤) - وقال تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (٥)، قال ابن رجب في "تفسيره" (٦): وإنما قال ذلك بعد أن قتلوه ورأى ما أعدَّ الله له. وقال القرطبي: والظاهر من الآية أنه لما قُتِل قِيل له ادخل الجنة، قال قتادة: أَدْخَلَه الله الجنة وهو فيها حيٌّ يُرْزَق. (٧) - وأخرج الإمام أبو بكر الآجري في "الشريعة" من حديث جابر بن عبد الله ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : سُئِلَ عَنْ خَدِيجَةَ أَنَّهَا مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْفَرَائِضُ وَالأَحْكَامُ؟ فَقَالَ: «أَبْصَرْتُهَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، فِي بَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ، لا لَغْوَ فِيهِ ولا نَصَبَ». (٨)

стр. 318

- وأخرج ابن حبَّان في "صحيحه"، من حديث جَابِرٍ بن عبد الله ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا رَجَمَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: "لقد رأيته يتخضخض في أنهار الجنة". (١) • ويشهدُ لتفسير النبي ﷺ لمعنى "القَصَب"؛ في قوله: «بَلْ مِنَ الْقَصَبِ الْمَنْظُومِ بِالدُّرِّ، وَاللُّؤْلُؤِ، وَالْيَاقُوتِ». ما أخرجه البزَّار في "مسنده" (٣٣٣٣) من حديث إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَشَّرَ خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَقِيلَ لابن أَبِي أَوْفَى: قَصَبٌ؟، قَالَ: قَصَبُ اللُّؤْلُؤِ. فتفسير الصحابي هذا يقوِّي ويؤيِّد رواية الباب؛ لأنَّ هذا له حكم الرَّفع، فهو مما لا يُقال من قِبَلِ الرأي والاجتهاد. وسنده ضَعيفٌ (٢). وعليه فالحديث يرتقي بمجموع شواهده إلى "الصحيح لغيره"، فَلِلَّه الحمد والمِنَّة. رابعًا:- النظر في كلام المصنّف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لا يُرْوَى هذا الحديثُ عن فاطمة إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّدَ به: صَفْوَانُ. قلتُ: ومِمَّا سبق في التخريج يتضحُّ صحة ما قاله المُصَنِّفُ ﵁، وأنَّه بالفعل لم يُرْوَ هذا الحديث عن فاطمة إلا بهذا الإسناد، بل ولم أقف عليه إلا عند الطبراني - وهذا يدلُّ على سعة علمه، وكثرة رواياته، واتِّساع رحلاته، والوقوف على ما لم يقف عليه غيره -، وقد تفرَّد به صفوان بن عمرو، عن مُهَاجر بن ميمون، بل ولم أقف على أحدٍ روى عن مهاجر بن ميمون غير صفوان بن عمرو - والله أعلم-. ووافقه على ذلك الإمام ابن كثير، فقال - كما سبق -: وهذا حديثٌ غريبٌ، ولأوَّلِهِ شاهدٌ في "الصحيح". خامسًا:- التعليق على الحديث: - هذا الحديث فيه مَنْقَبَةٌ عظيمةٌ لأم المؤمنين خديجة بنت خُوَيلد ﵂، حيث أمر الله

стр. 319

نبيَّه ﷺ أن يُبَشِّرَ خديجة ببيتٍ في الجنة من قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ، وَلَا نَصَب. قال أهل العلم: والمُراد بهذا البيت هو بيتٌ زائدٌ على ما أَعَدَّ الله لها من ثوابِ عملها؛ ولهذا قال "لا نَصَبَ فيه"؛ أي: لم تتعب بسببه. - وقال السهيلي: لِذِكْرِ البيت معنى لطيف؛ لأنها كانت ربةُ بيتٍ قبل المبعث، ثم صارت ربة بيتٍ في الإسلام منفردة به، فلم يكن على وجه الأرض في أول يومٍ بُعِث النبي ﷺ بيتُ إسلامٍ إلا بيتها وهي فضيلة ما شاركها فيها أيضًا غيرها. قال: وجزاء الفعل بذكر الفعل غالبًا بلفظه، وإن كان أشرف منه، فلهذا جاء في الحديث بلفظ البيت دون لفظ القصر. - وقال الحافظ ابن حجر: وفي البيت معنى آخر لأن مرجع أهل بيت النبي ﷺ إليها لما ثبت في تفسير قوله : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ (١)، قالت أمُّ سَلَمَة: لَمَّا نَزَلَت دعا النبي ﷺ فاطمة وعليًا والحَسَن والحُسين فجللهم بكِساءٍ؛ فقال: "اللهُمَّ هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي" (٢)، ومرجع أهل البيت هؤلاء إلى خديجة، لأن الحسنين من فاطمة، وفاطمة ابنتها، وعلي نَشَأَ في بيتِ خديجة وهو صغيرٌ، ثم تزوَّجَ ابنتها بعدها، فظهر رجوع أهل البيت النبوي إلى خديجة دون غيرها. - وقوله ﷺ : "من قَصَبٍ"؛ قال ابن التين: المُراد به لؤلؤة مُجَوفة واسعة كالقصر المنيف، ثم ذكر رواية الطبراني في "الأوسط"، وهي رواية الباب. قال السهيلي: والنكتة في قوله "من قَصَبٍ"، ولم يقل "من لؤلؤٍ" أنَّ في لفظ القصب مناسبة لكونها أحرزت قصب السبق بمبادرتها إلى الإيمان دون غيرها. - وقال السهيلي: ومناسبة نفي الصفتين - من قوله: "لا صَخب فيه ولا نَصَب": أنّه ﷺ لمَّا دعا إلى الإسلام أجابت خديجة طَوْعًا فلم تحوجه إلى رفع صوتٍ، ولا منازعةٍ، ولا تعبٍ في ذلك، بل أزالت عنه كل نصب، وآنَسَتْه من كل وَحشة، وهَوَّنَت عليه كل عسير، فناسب أن يكون منزلها الذي بشَّرها به ربها بالصفة المقابلة لفعلها. (٣) * * *

стр. 320

[٤١/ ٤٤١]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ الْحَلَبِيُّ، قَالَ: نا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُطَرِّفٍ أَبُو سُفْيَانَ السُّرُوجِيُّ، قَالَ: نا أَيُّوبُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، قَالَ: نا أَبُو مَرْوَانَ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ الْحَسَنِ. عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ إِجَابَةِ طَعَامِ الْفَاسِقِينَ». * لا يُرْوَى هذا الحديثُ عن عِمْرَانَ بن الحُصَيْنِ إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّدَ به: عَبْدُ الرَّحِيمِ بن مُطَرِّفٍ. أولًا:- تخريج الحديث: • أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٣٧٦)، قال: حدَّثنا أحمد بن خُلَيد، به. • والدُّولابي في "الكُنى" (١٠٧٣)، من طريق عبد الرَّحِيمِ بن مُطَرِّفٍ، بنحوه. • والبيهقي في "شعب الإيمان" (٥٨٠٣)، قال: أخبرنا أبو عبد الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، أنا محمد بن عبد اللهِ بن المطَّلِبِ الشَّيْبَانِيّ، ثنا عبد اللهِ بن سعدِ بن يحيى القاضي، ثنا محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة، ثنا الفُضَيْلُ بن عِيَاضٍ، ثنا هِشَامُ بن حَسَّانٍ، عن الحَسَنِ، به. ثانيًا:- دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) عبد الرَّحيم بن مُطَرِّف بن أُنَيس بن قُدَامة بن عبد الرَّحمن الرُّؤاسيُّ، أبو سفيان السَّروجيُّ. روى عن: أيُّوب بن أبي هند، وعُبيد الله بن عمرو، وعَتَّاب بن بَشير، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن خُليد، وأبو حاتم، وأبو زُرعة الرَّازيان، وآخرون. حاله: قال أبو حاتم، والذهبي، وابن حجر: ثِقَةٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". (١) ٣) أيُّوبُ بن أبي هِنْد، أبو سُلَيْمَان الحَرَّانيُّ، الفَرَّاء. روى عن: أبي مروان يحيى بن أبي زكريا الواسطي. روى عنه: عبد الرَّحيم بن مُطَرِّف، وعُبيد الله بن عبد الله بن موهب. حاله: قال أبو حاتم: لا أعرفه. وقال الذهبي: مجهولٌ، لا يُدْرَى من هو. وقال ابن حجر في "اللسان": قال أبو حاتم: لا أعرفه، وكذا نَقَل الأزدي عن ابن معين، وقال الأزدي: ضعيفٌ لا يُحتجُّ به. بينما ذكره ابن حبَّان في "الثقات" كعادته في توثيق المجاهيل، وعليه فلا يُعتبر بذكره إياه في "الثقات". والحاصل: أنَّه "ضَعيفٌ". (٢)
следующие страницы →