← Книги сунны

Книги сунны · id 541

القسم الثاني من المعجم الأوسط للطبراني

الطبراني

Полный текст (1 397 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

٥) فاطمة الزهراء، بنت رسول الله ﷺ ، زوجة علي بن أبي طالب ﵁، أمُّ الحسنين. روت عن: النبي ﷺ . وروى عنها: مهاجر بن ميمون - ولعله لم يسمع منها-، وعائشة أم المؤمنين، وأنس بن مالك، وغيرهم. وهي سيدة نساء العالمين في زمانها، البَضْعة النبوية، والجهة المُصْطفوية، التي كان النبي ﷺ يُحبُّها ويُكرمها ويَسِرُّ إليها، ومناقبها غزيرةٌ؛ منها: ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي». (١) أخرج لها الجماعة. (٢) ثالثًا:- الحكم على الحديث: - مما سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضعيف"؛ لأجل مُهَاجِر بن مَيْمُون "مجهول الحال"، ولعلّه لم يسمع من فاطمة لتقدُّم وفاتها - فقد اختُلف في سنة وفاتها، وأعلى مدة في ذلك: أنَّها تُوُفيت بعد النبي ﷺ بستة أشهر- فهو منقطع. قال الهيثمي: رواه الطبراني في "الأوسط" من طريق مُهَاجر بن ميمون عن فاطمة، ولم أعرفه، ولا أظنه سَمِع منها، وبقية رجاله ثقاتٌ. (٣) وقال الشوكاني: إسناد رجاله ثقات غير مَيْمُون بن مهاجر فإنه لا يُعْرَف. (٤) وقال ابن رجب الحنبلي في "تفسيره": إسناده منقطع. (٥) وكذلك قال السيوطي: إسناده منقطع. (٦) شواهد للحديث: • يشهد لأوله "فِي بَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ، لا لَغْوٌ فِيهِ ولا نَصَبٌ" ما جاء في "الصحيحين"؛ من ذلك: • ما أخرجه البخاري ومسلم في "صحيحيهما" من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: قال رسول الله ﷺ : «بَشِّرُوا خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ مِنَ الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ، وَلَا نَصَبَ». (٧) • وفي "الصحيحين" أيضًا من حديث عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ: «مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، مَا غِرْتُ عَلَى

стр. 317

خَدِيجَةَ، هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي، لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا، وَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ، وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ فَيُهْدِي فِي خَلَائِلِهَا مِنْهَا مَا يَسَعُهُنَّ». (١) • وفي الباب أيضًا من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وهو مُخرّجٌ في "الصحيحين"، قَالَ: " أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ، أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ ﵍ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ، وَلَا نَصَبَ". (٢) • ويشهد لكونها الآن في الجنة في هذا البيت الذي بُشِّرت به؛ عموم الأدلة الدَّالة على أنَّ أرواح المؤمنين بعد الوفاة تكون في الجنة، من ذلك: - قول الله : ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ … الآية﴾ (٣)، فهذا في الكافرين وبمفهوم المخالفة يدل على أنَّ أرواح المؤمنين في الجنة. (٤) - وقال تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (٥)، قال ابن رجب في "تفسيره" (٦): وإنما قال ذلك بعد أن قتلوه ورأى ما أعدَّ الله له. وقال القرطبي: والظاهر من الآية أنه لما قُتِل قِيل له ادخل الجنة، قال قتادة: أَدْخَلَه الله الجنة وهو فيها حيٌّ يُرْزَق. (٧) - وأخرج الإمام أبو بكر الآجري في "الشريعة" من حديث جابر بن عبد الله ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : سُئِلَ عَنْ خَدِيجَةَ أَنَّهَا مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْفَرَائِضُ وَالأَحْكَامُ؟ فَقَالَ: «أَبْصَرْتُهَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، فِي بَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ، لا لَغْوَ فِيهِ ولا نَصَبَ». (٨)

стр. 318

- وأخرج ابن حبَّان في "صحيحه"، من حديث جَابِرٍ بن عبد الله ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا رَجَمَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: "لقد رأيته يتخضخض في أنهار الجنة". (١) • ويشهدُ لتفسير النبي ﷺ لمعنى "القَصَب"؛ في قوله: «بَلْ مِنَ الْقَصَبِ الْمَنْظُومِ بِالدُّرِّ، وَاللُّؤْلُؤِ، وَالْيَاقُوتِ». ما أخرجه البزَّار في "مسنده" (٣٣٣٣) من حديث إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَشَّرَ خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَقِيلَ لابن أَبِي أَوْفَى: قَصَبٌ؟، قَالَ: قَصَبُ اللُّؤْلُؤِ. فتفسير الصحابي هذا يقوِّي ويؤيِّد رواية الباب؛ لأنَّ هذا له حكم الرَّفع، فهو مما لا يُقال من قِبَلِ الرأي والاجتهاد. وسنده ضَعيفٌ (٢). وعليه فالحديث يرتقي بمجموع شواهده إلى "الصحيح لغيره"، فَلِلَّه الحمد والمِنَّة. رابعًا:- النظر في كلام المصنّف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لا يُرْوَى هذا الحديثُ عن فاطمة إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّدَ به: صَفْوَانُ. قلتُ: ومِمَّا سبق في التخريج يتضحُّ صحة ما قاله المُصَنِّفُ ﵁، وأنَّه بالفعل لم يُرْوَ هذا الحديث عن فاطمة إلا بهذا الإسناد، بل ولم أقف عليه إلا عند الطبراني - وهذا يدلُّ على سعة علمه، وكثرة رواياته، واتِّساع رحلاته، والوقوف على ما لم يقف عليه غيره -، وقد تفرَّد به صفوان بن عمرو، عن مُهَاجر بن ميمون، بل ولم أقف على أحدٍ روى عن مهاجر بن ميمون غير صفوان بن عمرو - والله أعلم-. ووافقه على ذلك الإمام ابن كثير، فقال - كما سبق -: وهذا حديثٌ غريبٌ، ولأوَّلِهِ شاهدٌ في "الصحيح". خامسًا:- التعليق على الحديث: - هذا الحديث فيه مَنْقَبَةٌ عظيمةٌ لأم المؤمنين خديجة بنت خُوَيلد ﵂، حيث أمر الله

стр. 319

نبيَّه ﷺ أن يُبَشِّرَ خديجة ببيتٍ في الجنة من قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ، وَلَا نَصَب. قال أهل العلم: والمُراد بهذا البيت هو بيتٌ زائدٌ على ما أَعَدَّ الله لها من ثوابِ عملها؛ ولهذا قال "لا نَصَبَ فيه"؛ أي: لم تتعب بسببه. - وقال السهيلي: لِذِكْرِ البيت معنى لطيف؛ لأنها كانت ربةُ بيتٍ قبل المبعث، ثم صارت ربة بيتٍ في الإسلام منفردة به، فلم يكن على وجه الأرض في أول يومٍ بُعِث النبي ﷺ بيتُ إسلامٍ إلا بيتها وهي فضيلة ما شاركها فيها أيضًا غيرها. قال: وجزاء الفعل بذكر الفعل غالبًا بلفظه، وإن كان أشرف منه، فلهذا جاء في الحديث بلفظ البيت دون لفظ القصر. - وقال الحافظ ابن حجر: وفي البيت معنى آخر لأن مرجع أهل بيت النبي ﷺ إليها لما ثبت في تفسير قوله : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ (١)، قالت أمُّ سَلَمَة: لَمَّا نَزَلَت دعا النبي ﷺ فاطمة وعليًا والحَسَن والحُسين فجللهم بكِساءٍ؛ فقال: "اللهُمَّ هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي" (٢)، ومرجع أهل البيت هؤلاء إلى خديجة، لأن الحسنين من فاطمة، وفاطمة ابنتها، وعلي نَشَأَ في بيتِ خديجة وهو صغيرٌ، ثم تزوَّجَ ابنتها بعدها، فظهر رجوع أهل البيت النبوي إلى خديجة دون غيرها. - وقوله ﷺ : "من قَصَبٍ"؛ قال ابن التين: المُراد به لؤلؤة مُجَوفة واسعة كالقصر المنيف، ثم ذكر رواية الطبراني في "الأوسط"، وهي رواية الباب. قال السهيلي: والنكتة في قوله "من قَصَبٍ"، ولم يقل "من لؤلؤٍ" أنَّ في لفظ القصب مناسبة لكونها أحرزت قصب السبق بمبادرتها إلى الإيمان دون غيرها. - وقال السهيلي: ومناسبة نفي الصفتين - من قوله: "لا صَخب فيه ولا نَصَب": أنّه ﷺ لمَّا دعا إلى الإسلام أجابت خديجة طَوْعًا فلم تحوجه إلى رفع صوتٍ، ولا منازعةٍ، ولا تعبٍ في ذلك، بل أزالت عنه كل نصب، وآنَسَتْه من كل وَحشة، وهَوَّنَت عليه كل عسير، فناسب أن يكون منزلها الذي بشَّرها به ربها بالصفة المقابلة لفعلها. (٣) * * *

стр. 320

[٤١/ ٤٤١]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ الْحَلَبِيُّ، قَالَ: نا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُطَرِّفٍ أَبُو سُفْيَانَ السُّرُوجِيُّ، قَالَ: نا أَيُّوبُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، قَالَ: نا أَبُو مَرْوَانَ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ الْحَسَنِ. عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ إِجَابَةِ طَعَامِ الْفَاسِقِينَ». * لا يُرْوَى هذا الحديثُ عن عِمْرَانَ بن الحُصَيْنِ إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّدَ به: عَبْدُ الرَّحِيمِ بن مُطَرِّفٍ. أولًا:- تخريج الحديث: • أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٣٧٦)، قال: حدَّثنا أحمد بن خُلَيد، به. • والدُّولابي في "الكُنى" (١٠٧٣)، من طريق عبد الرَّحِيمِ بن مُطَرِّفٍ، بنحوه. • والبيهقي في "شعب الإيمان" (٥٨٠٣)، قال: أخبرنا أبو عبد الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، أنا محمد بن عبد اللهِ بن المطَّلِبِ الشَّيْبَانِيّ، ثنا عبد اللهِ بن سعدِ بن يحيى القاضي، ثنا محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة، ثنا الفُضَيْلُ بن عِيَاضٍ، ثنا هِشَامُ بن حَسَّانٍ، عن الحَسَنِ، به. ثانيًا:- دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) عبد الرَّحيم بن مُطَرِّف بن أُنَيس بن قُدَامة بن عبد الرَّحمن الرُّؤاسيُّ، أبو سفيان السَّروجيُّ. روى عن: أيُّوب بن أبي هند، وعُبيد الله بن عمرو، وعَتَّاب بن بَشير، وغيرهم. روى عنه: أحمد بن خُليد، وأبو حاتم، وأبو زُرعة الرَّازيان، وآخرون. حاله: قال أبو حاتم، والذهبي، وابن حجر: ثِقَةٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". (١) ٣) أيُّوبُ بن أبي هِنْد، أبو سُلَيْمَان الحَرَّانيُّ، الفَرَّاء. روى عن: أبي مروان يحيى بن أبي زكريا الواسطي. روى عنه: عبد الرَّحيم بن مُطَرِّف، وعُبيد الله بن عبد الله بن موهب. حاله: قال أبو حاتم: لا أعرفه. وقال الذهبي: مجهولٌ، لا يُدْرَى من هو. وقال ابن حجر في "اللسان": قال أبو حاتم: لا أعرفه، وكذا نَقَل الأزدي عن ابن معين، وقال الأزدي: ضعيفٌ لا يُحتجُّ به. بينما ذكره ابن حبَّان في "الثقات" كعادته في توثيق المجاهيل، وعليه فلا يُعتبر بذكره إياه في "الثقات". والحاصل: أنَّه "ضَعيفٌ". (٢)

стр. 321

٤) يحيى بن أبي زكريَّا الغَسَّانيُّ، أبو مَرْوَان الواسطيُّ، أصله من الشام. روى عن: هشام بن حسَّان، وهشام بن عُروة، ويونس بن عُبيد، وآخرين. روى عنه: أيُّوب بن أبي هند، ومحمد بن حرب، وعبد الوهاب بن عيسى، وآخرون. حاله: قال أبو حاتم: شيخٌ ليس بمشهور. وقال البزَّار: لا بأس به، روى عنه النَّاس. وقال الدَّارقطني: ثِقَةٌ. بينما قال ابن حبَّان: كان مِمَّن يَروي عن الثقات المقلوبات حتى إذا سمعها مَنْ الحديث صناعته لم يشك أنَّها مقلوبةٌ، لا تجوز الرواية عنه؛ لما أكثر من مخالفة الثقات. وقال أبو داود، وابن حجر: ضعيفٌ. قلتُ: وأخرج له البخاري في "صحيحه"؛ لكن قال ابن حجر: ماله في البخاري سوى موضعٍ واحدٍ متابعةً. بينما ذكر ابن طاهر المقدسي في "رجال الصحيحيْن": أنَّ البخاري روى له في آخر "الاعتصام" مُفردًا، وفي سائر المواضع مقرونًا. (١) ويؤكِّدُ ما ذكره ابن طاهر: أنَّ الإمام المزي ذكر له في "التحفة"، عن هشام بن عروة عند البخاري عدة مواضع. (٢) ولذا قال الدكتور/عبد الله بن ضيف الله الرُّحيلي في تعليقه على "من تُكُلم في وهو موثق": ورواية البخاري له تمنع من قبول الجرح المُبهْمَ فيه، وإن لم يَرِدْ فيه تعديل، وأما جرح ابن حبان فهو غُلُوٌّ منه. وعلَّق الدكتور/موفق بن عبد الله على توثيق الدَّارقطني له، فقال: وتوثيق الدارقطني له هو الأَوْلى، إذ أنَّ رواية البخاري عنه يُعتبر توثيقًا له، وأما ابن حبَّان فقد بالغ الطعن فيه، لذا أنكر عليه ابن حجر ذلك - كما في "هدي الساري"-، فقال: وقول ابن حبَّان قولٌ مُبالغٌ فيه؛ إذ لم يستطِع ابن حبَّان أن يأتي بحديثٍ واحدٍ يُدَلِّل فيه على قوله هذا، ولو نقل ابن حجر قول الدارقطني وتوثيقه له؛ لَمَا قال فيه "ضعيف". وعليه فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ"؛ لِتَوْثيق الدَّارقطني، والبَزَّار، وإخراج البخاري له. (٣) ٥) هشام بن حَسَّان الأَزدي، القُرْدُوسيُّ، أبو عبد الله البَصْري. روى عن: الحَسَن البصري، ومحمد بن سيرين، وعكرمة مَوْلى ابن عبَّاس، وآخرين. روى عنه: يحيى بن أبي زكريا، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، وعيسى بن يونس، وآخرون.

стр. 322

حاله: قال ابن سعد، وابن معين، والعجلي، وعثمان بن أبي شيبة، والذهبي، وابن حجر: ثِقَةٌ. وزاد العجلي: حَسَن الحديث، يُقال إنَّ عنده ألف حديثٍ حسنٍ ليست عند غيره. وقال أحمد: صالحٌ، وأَحَبُّ إِليَّ من أشعث. وقال أيضًا: لا بأس به، وما تكاد تُنْكِر عليه شيئًا إلا وَجَدْتَ غيره قد رواه. وقال أبو حاتم: كان هشام صدوقًا، وكان يثبت في رفع الحديث عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، يُكْتَبُ حديثه. وقال ابن عدي: لم أَرَ في حديثه مُنْكَرًا إذا حدَّث عنه ثقة، وهو صدوقٌ لا بأس به. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". - روايته عن محمد بن سيرين: قال محمد بن سيرين: هشامٌ مِنَّا أهل البيت. وكان هشام إذا حدَّث عن ابن سيرين سَرَدَهُ سردًا كما سمعه، وإن كان ابن سيرين يُرْسل فيه، يُرْسل فيه. وقال سعيد بن أبي عروبة: ما كان أحدٌ أَحْفَظُ عن محمد بن سيرين من هشام بن حَسَّان. وقال يحيى بن سعيد القطَّان: هشام بن حَسَّان في ابن سيرين أَحَبُّ إليَّ من عاصم الأحول، وخالد الحذاء. وكان حَمَّاد بن سلمة لا يختار على هشام في ابن سيرين أحد. وقال علي بن المديني: أحاديث محمد عن هشام صِحاحٌ، وهشام أَثْبَتُ من خالدٍ الحذاء في ابن سيرين، وهشامٌ ثَبْتٌ. وقال ابن حجر في "التقريب": من أثبت الناس في ابن سيرين. - روايته عن الحسن البصري، وَوَصْفُ روايته عنه بالتدليس: قال هشام بن حسَّان: جَاوَرْتُ الحسن عشر سنين. وقال البخاري: سمع الحسن وعطاء. وقال ابن عُيينة: كان هشام أعلم الناس بحديث الحسن من عمرو بن دينار؛ لأن عمرو لم يسمع من الحسن إلا بعدما كبر. وقال يحيى بن سعيد القطَّان: هو عندي في الحسن دون محمد بن عمرو الواقفي. وقال الذهبي في "الميزان": صاحب الحسن، وابن سيرين. بينما قال علي بن المديني: حديثه عن الحسن عامتها يدور على حوشب. وقال أيضًا: كان يحيى بن سعيد وكبار أصحابنا يُثَبِّتُون هشام بن حَسَّان، وكان يحيى يضعّف حديثه عن عطاء، وكان الناس يَرَون أنه قد أخذ حديث الحسن عن حَوْشب. وقال أبو داود: أربعةٌ لا يَرَون الرواية عن هشام عن الحسن؛ وهم: يحيى بن سعيد، وابن عُلية، ويزيد بن زُرَيع، ووهيب. وقال أبو داود أيضًا: إنما يتكلمون في حديثه عن الحسن وعطاء؛ لأنه كان يُرسل، وكانوا يَرَون أنّه قد أخذ كتب حوشب. وقال ابن حجر في "التقريب": في روايته عن الحسن وعطاء مقال؛ لأنه قيل: كان يُرسل عنهما. وذكره في "طبقات المدلِّسين" في المرتبة الثالثة، وقال: وَصَفه بذلك علي بن المديني، وأبو حاتم. وقال جرير بن حازم: قاعدتُ الحسن سبع سنين، ما رَأَيتُ هشامًا عنده، قيل له: قد حَدَّثَ عن الحسن بأشياء فمن تراها أخذها؟ قال: من حَوْشب أراه. - ذكر بعض مَنْ تَكَلَّم فيه بالضَّعف: قال شُعبة: لو حابيتُ أحداً لحابيت هشام بن حسان، كان خَتَني ولم يكن يحفظ. وقال معاذ بن معاذ: كان شُعبة يتَّقي حديث هشام عن عطاء والحسن. قلتُ: وقد أجاب الذهبي ﵀ عن ذلك فقال في "الديوان": ثقة، لا يُلْتفت إلى قول شُعبة فيه. وفي "السير": لم يُتابِع شعبة على رأيه هذا أحدٌ. وفي "الميزان": هذا قولٌ مطروحٌ، وليس شعبة بمعصومٍ من الخطأ في اجتهاده، وهذه ذلة عالمٍ. وفي "السير": هشام قد قفز القنطرة، واستقرَّ توثيقه، واحتجَّ به أصحاب الصحاح، وله أَوْهامٌ مغمورة في سعة ما روى، ولا شكَّ أنَّ يونس وابن عون أحفظ منه وأتقن، كما أنه أحفظ من ابن إسحاق، ومحمد بن عمرو، وأتقن. وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح": تكلَّم فيه بعضهم من قِبَل

стр. 323

حفظه لكن لم يضعّفه بذلك أحدٌ مطلقًا بل بقيد بعض شيوخه، وليس له في "الصحيحين" عن عطاء شيء، وله في البخاري شيءٌ يسيرٌ عن عكرمة وتُوبِع عليه. فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ، مِنْ أَثْبَتِ النَّاس في ابن سيرين، في روايته عن الحسن وعطاء وعكرمة مقال، لكن لعلَّ روايته عن الحسن صحيحة إذا صرَّح بالتحديث - يدلُّ على ذلك أقوال أهل العلم فيه، فأقوالهم تدلُّ على أنه قد سمع منه في الجملة كالبخاري وغيره-، وروايته عن عطاء وعكرمة ضعيفةٌ؛ لأنه كان يُرْسل عنهما- وعليه يُحمل قول من ضعَّفه"، أخرج له الجماعة. (١) ٦) الحَسَنُ بن أبي الحسن البَصْريُّ: "ثِقَةٌ فَقِيهٌ، فَاضِلٌ وَرِعٌ، كثير الإرسال، وعنعنته محمولةٌ على الاتصال والسماع في روايته عَمَّن صَحَّ له سماعه منه في الجملة، إلا في روايته عن سَمْرة بن جُنْدب فإنَّه يدلِّس عنه؛ وأما في روايته عمن لم يسمع منه - وإن عاصره أو لقيه- فلا بدَّ أن يصرح بسماعه منه في الجملة، وإلا فمنقطعٌ - لإرساله- والله أعلم. تقدَّم في الحديث رقم (٣١). قلتُ: وقد روى عن: عِمْرَان بن الحُصَين؛ لكنه لم يصح له سماعه مِنْه مِنْ وجهٍ صحيحٍ ثابتٍ. وهذه بعض أقوال أهل العلم في سماعه منه؛ وملخصها كالآتي: - قال أبو حاتم، وعلي بن المديني: الحسن لم يسمع من عِمْرَان، وليس يصح ذلك من وجهٍ يثبت، وزاد أبو حاتم: يُدْخل قَتَادَة عن الحسن، هَيَّاج، عن عِمْرَان، وَسَمْرَة. - وسُئل يحيى بن سعيد القطَّان: كان الحسن يقول: سَمِعتَ عِمْران بن حصين؟ فقال: أمَّا عن ثقةٍ فلا. - وسُئل يحيى بن معين: ابن سيرين والحسن سَمِعَا من عِمرَان؟ قال: ابن سيرين نعم. قال ابن أبي حاتم: يعني أنَّ الحَسَن لم يسمع من عِمْران. وإلى نحو ما سبق ذهب أحمد، والعلائي، وابن حزم، والبيهقي، وغيرهم؛ جميعهم اتفقوا على أنَّه لم يسمع من عِمْران، وما ثبت من ذلك فليس له أصلٌ عن ثقة. (٢) - ولم أقف - على حد بحثي - على أحدٍ أَثْبَتَ له سماعه منه إلا بهز بن أسد؛ فقال: سمع الحسن من عِمْرَان شيئًا. (٣) وعنه أيضًا، قال: لم يَسمع الحسن مِنْ عِمْران شيئًا. (٤) قلتُ: فلعله تردَّدَ قوله فيه، أو أنَّ الراجح قوله الثاني الموافق لقول الجمهور، وعليه فالراجح: عدم صحة سماعه مِنْه.

стр. 324

٧) عِمْرَان بن الحُصَين بن عُبيد بن خلف أبو نُجَيْد، صاحب النبي ﷺ . روى عن: النبي ﷺ ، ومَعْقَل بن يَسار ﵁. روى عنه: الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وهيَّاج بن عِمران، وآخرون. أسلم هو وأبوه، وأبو هريرة عام خيبر، وغزا مع رسول الله ﷺ غزوات، ولم يشهد الفتنة بين علي ﵁ ومعاوية، بل اعتزلها وذّمَّها - كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام"-. وقال محمد بن سيرين: أفضل من نزل البصرة من أصحاب النبي ﷺ عمران بن حصين، وكان يحلف على ذلك. أخرج له الجماعة. (١) ثالثًا:- الحكم على الحديث: - مما سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضعيفٌ"؛ فيه عدة علل، كالآتي: أ أيوب بن أبي هند "ضَعيفٌ". ب وفيه أيضًا هشام بن حسَّان، في روايته عن الحسن مقال، والذي يترجَّح - والله أعلم- أنَّه يدلّس عنه، وعَدَّهُ الحافظ في المرتبة الثالثة من مراتب المدلّسين، فلا بدَّ أن يصرح بالسماع ونحوه. ت كما أنَّ السند فيه انقطاع، فالحسن البصري لم يسمع من عِمْران بن حُصَين - كما سبق-. - وقال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه أبو مَرْوَان الواسطي، ولم أجد من ترجمه! (٢) قلتُ: بل وترجم له غير واحدٍ كالبخاري، وابن أبي حاتم، وابن حبَّان، بل والمزي، والذهبي، والعجيب أنَّ البخاري أخرج له في "صحيحه"، وقد سبقت ترجمته في دراسة إسناد هذا الحديث. - والحديث رمز له السيوطي في "الجامع الصغير" بالضّعف. (٣) وقال المناوي: إسناده ضعيف. (٤) وضعَّفه الألباني في "ضعيف الجامع"، وفي "السلسلة الضعيفة". (٥) متابعات للحديث: - والحديث أخرجه البيهقي في "الشعب" - كما سبق في التخريج -، قال: أخبرنا أبو عبد الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، أنا محمد بن عبد اللهِ بن المطَّلِبِ الشَّيْبَانِيّ، ثنا عبد اللهِ بن سعدِ بن يحيى القاضي، ثنا محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة، ثنا الفُضَيْلُ بن عِيَاضٍ، ثنا هِشَامُ بن حَسَّانٍ، عن الحَسَنِ، عن عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ، به. قلتُ: وهذه المتابعة لا تصلح للاعتبار، فإسنادها "ضعيفٌ جدًا" بل "هالكٌ"، آفته: محمد بن عبد الله بن محمد، أبو الفضل الشيباني؛ قال الخطيب: كان يَرْوي غرائب الحديث، وكتب الناس عنه بانتخاب الدَّارقطني،

стр. 325

ثم بَانَ كذبه فمزَّقوا حديثه، وأبطلوا روايته، وكان بَعْدُ يضع الأحاديث للقرامطة. وقال أبو غر الهروي: أملى على القرامطة أحاديث ذكر فيها مثالب الصحابة، وكان يُتهم بالوضع والقلب. وقال حمزة السَّهمي: كان يضع الحديث. وقال الأزهري: كان دجَّالًا كذَّابًا، ما رأينا له أصلًا قط، وظاهر أمره أنَّه كان يسرق الحديث. (١) رابعًا:- النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لَا يُرْوَى عن عِمْرَانَ إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّدَ به: عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُطَرِّفٍ. قلتُ: مِمَّا سبق في التخريج يَتَبَيَّن أنَّ حكم الطبراني ﵁ بالتفرُّد غير مُسَلَّم له فيه؛ فالحديث أخرجه البيهقي في "الشعب" - كما سبق -، قال: أخبرنا أبو عبد الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، أنا محمد بن عبد اللهِ بن المطَّلِبِ الشَّيْبَانِيّ، ثنا عبد اللهِ بن سعدِ بن يحيى القاضي، ثنا محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة، ثنا الفُضَيْلُ بن عِيَاضٍ، ثنا هِشَامُ بن حَسَّانٍ، عن الحَسَنِ، عن عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ. وهذه المتابعة سندها "ضَعيفٌ جدًا"، كما سبق بيانه في الحكم على الحديث، والله أعلم. خامسًا:- التعليق على الحديث: قال ابن بطال: لا يجوز الدخول في الدعوة يكون فيها منكر مما نهى الله ورسوله عنه؛ لِمَا في ذلك من إظهار الرضا بها، وحاصل أقوال العلماء: أنَّه إن كان هناك مُحَرَّم وقدر على إزالته فأزاله فلا بأس، وإن لم يقدر فليرجع، وإن كان مما يُكره كراهة تنزيهٍ فلا يخفى الورع، ومما يؤيد ذلك ما وقع في قصة ابن عمر من اختلاف الصحابة في دخول البيت الذي سترت جُدُره، ولو كان حراما ما قعد الذين قعدوا ولا فعله ابن عمر، فيُحمل فعل أبي أيوب على كراهة التنزيه جمعا بين الفعلين، ويُحتمل أن يكون أبو أيوب كان يرى التحريم والذين لم ينكروا كانوا يرون الإباحة، وقد فصل العلماء ذلك على ما أشرت إليه؛ وقالوا: إن كان لهوًا مِمَّا اختلف فيه فيجوز الحضور والأَوْلى الترك، وإن كان حراما كشرب الخمر نظر؛ فإن كان المدعو ممن إذا حضر رفع لأجله فليحضر، وإن لم يكن كذلك ففيه للشافعية وجهان، أحدهما: يحضر وينكر بحسب قدرته وإن كان الأولى أن لا يحضر، قال البيهقي: وهو ظاهر نص الشافعي وعليه جرى العراقيون من أصحابه. وقال صاحب "الهداية" من الحنفية: لا بأس أن يقعد ويأكل إذا لم يكن يقتدى به فإن كان ولم يقدر على منعهم فليخرج لما فيه من شين الدين وفتح باب المعصية، وحُكيَ عن أبي حنيفة أنه قعد، وهو محمول على أنه وقع له ذلك قبل أن يصير مُقتدى به، قال: وهذا كله بعد الحضور فإن علم قبله لم تلزمه الإجابة. والوجه الثاني للشافعية: تحريم الحضور؛ لأنه كالرضا بالمنكر، فإن لم يعلم حتى حضر فلينههم، فإن لم ينتهوا فليخرج، إلا إن خاف على نفسه من ذلك، وعلى ذلك جرى الحنابلة، وكذا اعتبر المالكية في وجوب الإجابة أن لا يكون هناك منكر، وإذا كان من أهل الهيئة لا ينبغي له أن يحضر موضعًا فيه لهو أصلًا. حكاه ابن بطال وغيره عن مالك، ويؤيد منع الحضور حديث عمران بن حصين: "نهى رسول الله ﷺ عن إجابة طعام

стр. 326

الفاسقين"، أخرجه الطبراني في "الأوسط"، ويؤيده مع وجود الأمر المحرم: ما أخرجه النسائي من حديث جابر مرفوعًا "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يُدار عليها الخمر" وإسناده جيد. ا. هـ. وقال المناوي: نهى عن الإصابة إلى أكله لأن الغالب عدم تجنبهم للحرام، والنهي للتنزيه، والله أعلم. (١) * * *

стр. 327

[٤٢/ ٤٤٢]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: نا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ الْحَضْرَمِيِّ، يَرُدُّهُ إِلَى أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: لَمَّا كَانَ الْعَشْرُ الأَوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ، اعْتَكَفَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ صَلاةَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ، قَالَ: «إِنَّا قَائِمُونَ اللَّيْلَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَمَنْ شَاءَ أَنْ يَقُومَ فَلْيَقُمْ»، فَهِيَ لَيْلَةُ ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ. فَصَلَّى لَنَا النَّبِيُّ ﷺ جَمَاعَةً بَعْدَ الْعَتَمَةِ، حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، ثُمَّ انْصَرَفَ. فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا، وَلَمْ يَقُمْ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، قَامَ بَعْدَ صَلاةِ الْعَصْرِ يَوْمَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ، فَقَالَ: «إِنَّا قَائِمُونَ اللَّيْلَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - يَعْنِي: لَيْلَةَ خَمْسٍ (١) وَعِشْرِينَ - فَمَنْ شَاءَ فَلْيَقُمْ». فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى ذَهَبَ نِصْفُ اللَّيْلِ. فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ [لَمْ يَقُلْ شَيْئًا، وَلَمْ يَقُمْ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ صَلاةِ الْعَصْرِ يَوْمَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ] (٢)، قَامَ، فَقَالَ: «إِنَّا قَائِمُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - يَعْنِي: لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ - فَمَنْ شَاءَ أَنْ يَقُومَ فَلْيَقُمْ». قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَتَجَلَّدْنَا لِلْقِيَامِ، فَقَامَ بِنَا النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى قُبَّةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنْ كُنَّا لَقَدْ طَمِعْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ تَقُومُ بِنَا حَتَّى نُصْبِحَ. قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ إِذَا صَلَّيْتَ مَعَ إِمَامِكَ، وَانْصَرَفْتَ إِذَا انْصَرَفَ، كُتِبَ لَكَ قُنُوتُ لَيْلَتِكَ». * لم يَرْوِ هذا الحديث عن شُرَيح بن عُبَيْدٍ إلا صَفْوَانُ بن عَمْرٍو. أولاً:- تخريج الحديث: • أخرجه الطبراني في "مسند الشاميين" (٩٧٢)، قال: حدَّثنا أحمد بن خُلَيْد، به. • وأحمد في "مسنده" (٢١٥١٠)، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٣٣١)، قالا: حدَّثنا أبو اليَمَان، به، وعند الفسوي مُخْتَصرًا، فقط بقوله: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ إِذَا صَلَّيْتَ مَعَ إِمَامِكَ، … الخ».

стр. 328

• وأخرجه عبد الرَّزَّاق في "المصنَّف" (٧٧٠٦) - ومِنْ طريقه أحمد في "مسنده" (٢١٤٤٧)، وابن الجارود في "المنتقى" (٤٠٣)، والبيهقي في "الكبرى" (٤٦١٠) -، وابن أبي شيبة في "المُصَنَّف" (٧٦٩٥)، والدارمي في "سننه" (١٨١٨ و ١٨١٩)، وابن ماجه في "سننه" (١٣٢٧)، ك/إقامة الصلاة، ب/ما جاء في قيام رمضان، وأبو داود في "سننه" (١٣٧٥)، ك/قيام الليل، ب/قيام رمضان - ومِنْ طريقه ابن عبد البر في "التمهيد" (٨/ ١١١) -، والترمذي في "سننه" (٨٠٦)، ك/الصوم، ب/ما جاء في قيام شهر رمضان، - ومِنْ طريقه البغوي في "شرح السنة" (٩٩١/ ١) -، وابن أبي الدنيا في "فضائل رمضان" (٤٢)، والبزار في "مسنده" (٤٠٤١ و ٤٠٤٢ و ٤٠٤٣)، ومحمد بن نصر المروزي في "مختصر قيام الليل" (١/ ٢١٥)، وأبو بكر الفِرْيَابي في "الصيام" (١٥٢ و ١٥٣ و ١٥٤)، والنَّسائي في "الكبرى" (١٢٨٩)، ك/المساجد، ب/ثَوَابُ مَنْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، وفي "الصغرى" (١٣٦٤ و ١٦٠٥)، وابن خزيمة في "صحيحه" (٢٢٠٦)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٢٠٥٦)، وابن حبَّان في "صحيحه" (٢٥٤٧)، وابن عبد البر في "التمهيد" (٨/ ١١١)، وأبو الطاهر بن أبي الصقر في "مشيخته" (٩١)، والبغوي في "شرح السنة" (٩٩١/ ٢)، كلهم مِنْ طُرُقٍ عن داود بن أبي هند - مِنْ أصح الأوجه عنه (١) -، عن الوليد بن عبد الرحمن الجُرَشيّ. - وأحمد في "مسنده" (٢١٥٦٦)، وأبو بكر الفِرْيَابي في "الصيام" (١٥١)، وابن خزيمة في "صحيحه" (٢٢٠٥)، مِنْ طريق أبي الزَاهِريَّةِ حُدَيْر بن كُريب الحَضْرميّ. كلاهما (الوليد بن عبد الرحمن، وحُدير بن كُريب)، عن جُبَير بن نُفَير الحَضْرميّ، عن أبي ذرٍّ، بنحوه. وقال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقال البزار: وهذا الحديثُ لا نَعْلَمُهُ يُرْوَى بهذا اللَّفْظِ إلا عن أبي ذَرٍّ، ولا نَعْلَمُ له طَرِيقًا، عن أَبِي ذَرٍّ غَيْرَ هذا الطَّرِيقِ، ورواهُ عن دَاوُدَ غير وَاحِدٍ. قلتُ: بل رُوي عن أبي ذرٍ مِنْ طريقٍ آخر كما في رواية الباب. ثانيًا:- دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) أبو اليمان الحَكَم بن نافع: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ"، تقدّم في الحديث رقم (٣٢). ٣) صَفْوَانُ بن عَمْرو السَّكْسَكيُّ: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ"، مِنْ أثبت أهل حمص، تَقَدَّم في الحديث رقم (٤٠). ٤) شُرَيْحُ بن عُبيد بن شُرَيْح، أبو الصَّلْت، وأبو الصَّواب الحَضْرميُّ، الحِمْصيُّ. روى عن: أبي ذر الغِفَاريّ، وجُبير بن نُفَير، والعِرْباض بن سارية، وآخرين. روى عنه: صَفْوان بن عَمرو، وضَمْرة بن ربيعة، وضَمْضَم بن زُرْعة، وآخرون. حاله: قال العِجْليُّ، ودُحيم، ومحمد بن عوف، والنَّسائيُّ، وابن حجر: ثِقَةٌ. وزاد دُحيم: مِنْ شيوخ حمص الكبار. وزاد ابن حجر: يُرْسِلُ كثيرًا. وقال ابن حبَّان: كان ثَبْتًا. وقال الذهبي: صَدُوقٌ، أرسل عن خلقٍ.

стр. 329

روايته عن أبي ذر: صَرَّح غير واحدٍ مِنْ أهل العلم، كالمزيّ، والعلائيّ، والذهبيّ، وأبي زرعة العراقيّ، وابن حجر، بأنَّ روايته عن أبي ذَرٍّ مُرْسَلة، وأنَّه لم يُدْرِكْهُ. (١) قلتُ: ولم أقف - على حد بحثي - على رواية صَرَّح فيها بسماعه مِنْ أبي ذَر، بل وقفت على بعض الروايات التي صَرَّح فيها بذكر الواسطة بينه وبين أبي ذَر. (٢) فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ، كثير الإرسال". ٥) أبو ذر الغِفَاريُّ، صاحب النَّبيّ ﷺ ، واختلف في اسمه واسم أبيه، والمشهور: جُنْدَب بن جُنَادة. روى عن: النَّبي ﷺ ، ومُعَاوية بن أبي سُفْيَان ﵁. روى عنه: أنس بن مالك، وعبد الله بن عبَّاس، وجُبَير بن نُفَيْر ﵃، وآخرون. كان في الجاهلية يتأله ويتوحد، ولا يَعبد الأصنام، وكان مِنْ السَّابقين الأولين، ومِمَّن جهر بإسلامه بين المشركين، (٣) ثُمَّ انصرف إلى قومه بأمر النَّبيّ ﷺ ، وهاجر إلى المدينة، ولازم النَّبيّ ﷺ ، وجاهد معه. (٤) ثالثاً:- الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ"؛ فرواية شُرَيْح بن عُبيد عن أبي ذَرٍّ مُرْسلةٌ. مُتَابعات للحديث: وللحديث مُتابعات سبق ذكرها في التخريج، فقد أخرجه غير واحد مِنْ طُرُقٍ عن جُبَير بن نُفَير الحَضْرميّ، عن أبي ذرٍّ، بنحو رواية الباب. والحديث مِنْ هذا الطريق أخرجه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صَحيحٌ. شواهد للحديث: وفي الباب بسندٍ صحيحٍ عن النُّعمان بن بَشير ﵁، قال: قُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَوَّلِ، وَقُمْنَا مَعَهُ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، وَقُمْنَا مَعَهُ لَيْلَةَ سَابِعَةٍ وَعِشْرِينَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ يَفُوتُنَا الْفَلاحُ وَكُنَّا نَعُدُّهُ السَّحُورَ. (٥) وعليه فالحديث بمتابعاته، وشواهده يرتقي مِنْ "الضَعيف" إلى "الصحيح لغيره"، والله أعلم.

стр. 330

رابعًا:- النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن شُرَيح بن عُبَيْدٍ إلا صَفْوَانُ بن عَمْرٍو. قلتُ: ومِمَّا سبق في التخريج يَتَّضح صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁. خامسًا:- التعليق على الحديث: قال أبو عبد الله الحاكم: هذا الحديث فيه الدَّلِيلُ الواضحُ أَنَّ: صلاةَ التَّرَاوِيحِ في مَسَاجِدِ المُسْلِمِينَ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ، وقد كان عَلِيُّ بن أبي طالبٍ ﷺ يَحُثُّ عُمَرَ ﵁ على إقامة هذه السُّنَّةِ إلى أَنْ أَقَامَهَا. (١) وقال البيهقي: هذا الحديث فيه تأكيدٌ لفضيلة صلاة التَّرَاوِيحِ في الجماعة. (٢) وقال محمد بن نصر المروزي: خَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ في أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ والقنادِيلُ تَزْهَرُ في المساجد وكتاب اللَّهِ يُتْلَى، فجعل يقول: نَوَّرَ اللَّهُ لك يا ابن الخَطَّابِ في قَبْرِكَ كما نَوَّرْتَ مَسَاجِدَ اللَّهِ بِالْقُرْآنِ. (٣) * * *

стр. 331

[٤٣/ ٤٤٣]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الطَّبَّاعُ، قَالَ: نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ حُمَيْدٍ الْكِنْدِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنِ انْتَسَبَ إِلَى تِسْعَةِ آبَاءٍ كُفَّارٍ يُرِيدُ بِهِمْ عِزًّا، فَهُوَ عَاشِرُهُمْ فِي النَّارِ». * لا يُرْوَى هذا الحديثُ عن أبي رَيْحَانَةَ إلا بهذا الإسنادِ، تَفَرَّدَ به: أبو بكر بن عَيَّاشٍ. أولاً:- تخريج الحديث: • أخرجه أحمد في "مسنده" (١٧٢١٢)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (٢/ ٣٥٥)، وأبو يعلى في "مسنده" (١٤٣٩) - ومِنْ طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٣/ ١٩٧) -، والبغوي في "معجم الصحابة" (١٢٦٠)، وابن قانع في "معجم الصحابة" (١/ ٣٤٥)، وأبو سعيد النَّقاش في "فوائد العراقيين" (٩٧)، … وأبو نُعيم الأصبهاني في "أخبار أصبهان" (١/ ٣٢٥ و ٢/ ٣٦٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٥١٣٢)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٣/ ١٩٧) - ومِنْ طريقه ابن حجر في "لسان الميزان" (٤/ ٨٥) -، كلهم مِنْ طُرُقٍ عِدَّة عن أبي بكر بن عَيَّاش، به. وقال البخاري: لا أراه إلا مُرْسلًا. وقال ابن حجر: غريبٌ جدًا. ثانياً:- دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) محمد بن عيسى بن نَجِيْح الطَّبَّاع: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، فَقِيْهٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٨). ٣) أَبُو بَكْر بنُ عَيَّاشِ بنِ سَالِمٍ الأَسَدِيُّ، الكُوْفِيُّ، المُقْرِئُ. اختُلف في اسمه، واشتهر بكنيته. روى عن: هشام بن عُروة، وحُميد الطويل، وحُميد الكِنْدي، وآخرين. روى عنه: أحمد بن حنبل، وعبد الله بن المبارك، ومحمد بن عيسى الطَّبَّاع، وآخرون. حاله: قال أحمد: صدوقٌ ثقةٌ، صاحب قرآن وخير، صحيح الكتاب، وإذا حدَّث مِن حفظه رُبَّما أخطأ. وقال ابن المديني: ثِقَةٌ، وربَّما غلط. وقال ابن معين، وأبو داود: ثِقَةٌ. وقال العِجْلي: ثِقَةٌ، وكان يُخطئ بعض الخطأ. وقال ابن حبَّان: مِنْ الحُفَّاظ المُتْقنين. وقال في "المشاهير": كان يَهم في الأحايين. وقال ابن عدي: لا بأس به وذاك أني لم أجد له حديثاً منكراً إذا روى عنه ثقة إلا أن يروي عنه ضعيف. وقال الذهبي في "المغني": أحد الأَعْلَام، ثِقَة يغلط. وفي "تاريخ الإسلام": أنبل أصحاب عاصم. وفي "الميزان": صدوقٌ ثبتٌ في القراءة، لكنَّه في الحديث يغلط ويهم. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ عابدٌ، إلا أنَّه لمَّا كَبُر ساء حفظه، وكتابه صحيحٌ. روى له الجماعة، لكن مُسلمٌ في مقدمة "صحيحه". - وقال ابن حبَّان في "الثقات": كان يَحْيَى القَطَّان وعلي بن المدينيّ يُسيئان الرَّأي فيه؛ وذلك أنَّه لمَّا كَبُر سِنُّه ساء حفظه، فكان يهم إذا روى، والخطأ والوهم شيئان لا ينفكّ عنهما البشر، فلو كثر خطأه حتى كان الغالب على صوابه لاستحق مجانبة رواياته، فأمَّا عند الوَهم يهم أو الخَطَأ يُخطئ لا يسْتَحق ترك حَدِيثه بعد

стр. 332

تقدم عَدَالَته وَصِحَّة سَمَاعه … والصَّوَاب في أمره مجانبة ما عُلم أنَّهُ أخطأ فيه، والاحتجاج بما يرويهِ سواء وافق الثِّقَات أو خالفهم؛ لأَنَّهُ داخل في جملة أهل العدالة ومن صحت عدالته لم يسْتَحق القدح ولا الجرح إلا بعد زَوَال العَدَالَة عَنْهُ بأحد أسباب الجرح، وهكذا حكم كل مُحدث ثِقَة صحت عَدَالَته وَتبين خطأه. وقال الذهبي في "تاريخ الإسلام": عُمّر دهرًا حتّى قارب المائة، وساء حِفظه قليلا ولم يختلط. فالحاصل: "ثِقَةٌ، عابدٌ، رُبَّمَا أخطأ إذا حدَّث مِنْ حفظه، وكتابه صحيحٌ". (١) ٤) حُمَيْد الكِنْدِيُّ، الشاميُّ. وليس هو حُمَيْد بن مهران البصريّ. روى عن: عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ. روى عنه: أبو بكر بن عَيَّاش، حبيب بن أبي ثابت. حاله: ذكره البخاري، وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". فالحاصل: أنَّه "مجهول الحال". (٢) ٥) عُبَادَة بن نُسَيّ الكِنْدِيُّ، أَبُو عُمَر الشَّامِيُّ الأُرْدِنِيُّ، قَاضِي طَبَرِيَّة. روى عن: أبي ريحانة، وأبي سَعِيد الخُدْرِيّ، وأَبي الدَّرْدَاء ﵃، وآخرين. روى عنه: حُميد الكِنْدي، والمغيرة بن زِيَاد الموصلي، ومكحول الشامي، وآخرون. حاله: قال ابن سعد، والعِجْليُّ، وأحمد، وابن معين، وابن نُمير، والنَّسائي: ثِقَةٌ. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال الذهبي: ثِقَةٌ، كبير القدر، وأظن روايته عن الكبار مُنْقطعة. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ، فَاضِلٌ. مَاتَ سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَة. وقال ابن حبَّان: مات وهو شاب. (٣) ٦) شَمْغُونُ - بمعجمتين، ويُقال بمهملتين، ويُقال بمعجمة ثُمَّ مُهْمَلة - بن زَيْد بن خُنَافَة، أَبُو ريحانة الأزديُّ، الأَنْصَاريُّ، ويُقال القُرَشِيُّ. مشهورٌ بكنيته. ويُقال له مولى رسول الله ﷺ . روى عن: النَّبيّ ﷺ . روى عنه: عُبَادة بن نُسَيّ، وشَهْر بن حَوْشَب، ومُجَاهِد بن جَبر المكيُّ، وآخرون. صحب النَّبِيّ ﷺ ، وروى عنه أحاديث، وهو ممن شهد فتح دمشق، وقدم مصر، ورابط بعسقلان، وكان من صالحي الصحابة وعُبَّادِهم. وذكره البخاري في مَنْ مات بعد الخمسين إلى الستين. (٤)

стр. 333

ثالثًا:- الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ"؛ لأجل حُمَيْد الكِنْديّ "مجهول الحال"، وفيه: عُبَادة بن نُسَيّ مات سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَة، وهو شابٌ، وأبو ريحانة مات ما بين الخمسين إلى الستين، وهذا يدل على أنَّ عُبادة لم يُدرك أبا ريحانة، فروايته عنه مُنْقطعة. قال الذهبي: وأظن روايته عن الكبار مُنْقطعة. وقال البخاري - بعد أنْ أخرج الحديث، كما سبق في التخريج -: لا أراه إلا مُرْسلًا - أي مُنْقطعًا -. (١) وقال ابن الجوزي: هَذَا حَدِيثٌ لا يَصِحُّ، وحُمَيْدٌ مَجْهُولٌ، وعُبَادة لم يُدْرِك أَبَا رَيْحَانة. (٢) وقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني في "الكبير"، و"الأوسط"، وأبو يعلى، ورجال أحمد ثقات. (٣) وقال ابن حجر: رواه أحمد، وأبو يعلى بإسنادٍ حسنٍ. (٤) وعزاه السيوطي إلى أحمد، ورمز له بالحسن. (٥) وقال الألباني: ضَعيفٌ. (٦) شواهد للحديث: • أخرج الإمام الطبراني في "المعجم الكبير"، وغيره بسند ضَعيف، مِنْ طريقين عن عَبْدِ المَلِكِ بن عُمَيْرٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أبي لَيْلَى، عن مُعَاذِ بن جَبَلٍ ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ ، قال: " انْتَسَبَ رَجُلانِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى عَهْدِ مُوسَى ﷺ ، أَحَدُهُمَا مُسْلِمٌ وَالآخَرُ مُشْرِكٌ، فَانْتَسَبَ الْمُشْرِكُ فَقَالَ: أَنَا فُلانُ بْنُ فُلانٍ، حَتَّى عَدَّ تِسْعَةَ آبَاءٍ، ثُمَّ قَالَ لِصَاحِبِهِ: انْتَسِبْ لا أُمَّ لَكَ، فَقَالَ: أَنَا فُلانُ بْنُ فُلانٍ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا وَرَاءَ ذَلِكَ، فَنَادَى مُوسَى فِي النَّاسِ فَجَمَعَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ قُضِي بَيْنَكُمَا، أَمَّا أَنْتَ الَّذِي انْتَسَبْتَ إِلَى تِسْعَةِ آبَاءٍ فَأَنْتَ تُوَفِّيهُمُ الْعَاشِرَ فِي النَّارِ، وَأَمَّا الَّذِي انْتَسَبْتَ إِلَى أَبَوَيْكَ فَأَنْتَ امْرُؤٌ مِنْ أَهْلِ الإِسْلامِ ". (٧) فيه عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع مِنْ مُعاذ بن جبل. (٨) • وأخرج الإمام أبو داود في "مُسْنَدِه"، وغيره، بسند صحيحٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابن عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قال: «لا تَفْتَخِرُوا بِآبَائِكُمِ الَّذِينَ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَمَا يُدَهْدِهُ الْجُعَلُ بِمَنْخَرَيْهِ، خَيْرٌ مِنْ آبَائِكُمِ الَّذِينَ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ». (٩)

стр. 334

قال الهيثمي: رواه أحمد، والطبراني في "الأوسط"، و"الكبير" بنحوه، ورجال أحمد رجال الصحيح. (١) وعليه؛ فالحديث بشواهده يرتقي إلى "الحسن لغيره". رابعًا:- النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّف ﵁: لا يُرْوَى عن أبي رَيْحَانَةَ إلا بهذا الإسنادِ، تَفَرَّدَ به: أبو بكر بن عَيَّاشٍ. قلتُ: مِمَّا سبق في التخريج يَتَبَيَّن صحة ما قاله المُصَنِّفُ ﵁. * * *

стр. 335

[٤٤/ ٤٤٤]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الطَّبَّاعُ، قَالَ: نا مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ. عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ». فَقَالَ: بِاللَّهِ آمَنْتُ، وَعَلَى يَدَيْكَ أَسْلَمْتُ، وَمِنْكَ تَعَلَّمْتُ. قَالَ: فَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ القَوْلَ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَذُكِرْتُ هُنَاكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ بِاسْمِكَ ونَسَبِكَ فِي الْمَلأِ الأَعْلَى». قَالَ: فَاقْرَأْ إِذًا يَا رَسُولَ اللَّهِ. أولًا:- تخريج الحديث: _ أخرجه الطبرانيُّ في "الكبير" (٥٣٩) - ومن طريقه أبو نُعيم في "الحلية" (١/ ٢٥١)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (٩٧٨)، والضياء في "المختارة" (١٢٦٦ و ١٢٦٧) -، عن أحمد بن خُليد الحَلَبي (١)، به. _ والمحاملي في "أماليه/برواية ابن البيع" (٤٥٤) - ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٧/ ٣٢١)، والضياء في "المختارة" (١٢٦٨) -، قال: حدثنا أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي، ثنا محمد بن عيسى الطبّاع، به، مُطولاً. _ والحديث بإسناد الطبراني ذكره ابن كثير في "تفسيره" (٨/ ٤٥٥)، وفي "جامع المسانيد والسنن" (١٨٧)، وابن حجر في "اتحاف المهرة" (١٢٠). وقال ابن كثير: غريبٌ من هذا الوجه، وإنما قَرَأَ عليْه النبي ﷺ تثبيتًا له، وزيادةً لإيمانه، بسبب ما حدث بينه وبين ابن مسعود - كما سيأتي بيانه في التعليق على الحديث -. ثانيًا:- دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) محمد بن عيسى الطبّاع: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، فَقِيْهٌ، حَافِظٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٨). ٣) معاذ بن محمد بن معاذ بن محمد بن أُبَيّ بن كعب، المَدَنيّ، الأَنْصاري. (٢)

стр. 336

روى عن: أبيه محمد بن معاذ، وعطاء الخُراساني، وهشام بن عُرْوة، وغيرهم. روى عنه: محمد بن عيسى الطبّاع، ومعاوية بن صالح، ويونس بن محمد المؤدِّب، وآخرون. حاله: ذكره البخاري، وابن أبي حاتم، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. وذكره ابن حبان في "الثقات". وأخرج له في "صحيحه" (١). وقال الذهبي في "تاريخ الإسلام": وهو في عداد الشيوخ. وفي "المُغني": لَيِّنٌ. وقال ابن حجر: مقبولٌ - وهو مَنْ ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يَثبت فيه ما يُتْرَك حديثه مِن أجله، فهو مقبولٌ إذا تُوبع، وإلا فلَيِّن الحديث -. وتعقبه صاحبا "تحرير التقريب"، فقالا: بل صدوقٌ حسن الحديث، فقد روى عنه جمْعٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وأمّا قوْل ابن المَدِيني مجهول؛ فهو مرفوعٌ برواية الجمْع عنه. قلتُ: أمَّا ذِكْر ابن حبان له في "الثقات" فهو معروف بتساهله في توثيق المجاهيل؛ وأمَّا قول ابن المَدِيني فذكره الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" في ترجمة معاذ هذا، وبمراجعته أكثر من مرة، وَجَدْتُ أنّ تجهيله إنما هو لمحمد بن معاذ - والد معاذ صاحب الترجمة، والآتي بعد هذا - ولأبيه وجده، وليس لمعاذ هذا كما قالا - فسبحان مَنْ لا يسهو، وجزاهما الله عنا خيرًا -؛ ورواية الجَمْع عنه ترفع عنه جهالة العَيْن، ويبقى جهالة حاله، وعليه فالحاصل: أنَّه "مجهول الحال". (٢) ٤) محمد بن معاذ بن محمد بن أُبي بن كعب. (٣) روى عن: أبيه معاذ بن محمد. … روى عنه: ابنه معاذ بن محمد. حاله: ذكره البخاري، وابن أبي حاتم، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن حجر في "تعجيل المنفعة": وثَّقه ابن حبان - قلتُ: على اعتبار ذكره له في "الثقات"، وإخراجه له في "صحيحه"، فيُعتبر ثقة عنده -. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد": محمد بن معاذ بن أُبي بن كعب عن أبيه، وهما مجهولان كما قال ابن معين. قلتُ: هكذا عزاه إلى ابن معين ولم أقف على أحدٍ غيره نقل هذا القول وعزاه إلى ابن معين، فإنْ صَحّ، وإلا فلعله تصحيف والصواب ابن المديني، والعلم عند الله تعالى.

стр. 337

ونقل الذهبي في "الميزان"، وابن حجر في "تهذيب التهذيب"، عن علي بن المديني أنه قال: لا نعرف محمدًا هذا، ولا أباه، ولا جده في الرواية. وقال ابن حجر في "التقريب": مجهولٌ. فالحاصل: أنه "مجهول الحال"، لذكر ابن حبان له في "الثقات"، ولكونه حفيد أُبَي بن كعب. (١) ٥) معاذ بن محمد بن أُبَي بن كعب الأنصاري، وقيل معاذ بن أُبَي بن كعب. روى عن: أبيه، وجده أُبَي بن كعب. روى عنه: ابنه محمد. حاله: ذكره ابن حبان في "الثقات". وسبق قول ابن المديني فيه - في ترجمة ابنه محمد - أنه لا يعرفه، وأنه مجهول. ونقل الحافظ ابن حجر في "اللسان" عن الدارقطني، أنه قال عنه: مجهولٌ. وهو كسابقه تُرفع جهالة عينه، فحاصله: أنه "مجهول الحال". (٢) ٦) أُبَي بن كعب ﵁: "صحابي جليلٌ، من كبار الصحابة"، تقدم في الحديث رقم (٣٩). ثالثًا:- الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ"؛ لأجل مُعاذ بن محمد بن مُعاذ بن أُبَي بن كعب، هو وأبوه، وجده "مجاهيل الحال". متابعاتٌ للحديث: _ أخرجه القاسم بن سَلَّام في "فضائل القرآن" (ص/ ٣٥٨)، وسعيد بن منصور في "سننه" - كما في "التفسير من سنن سعيد بن منصور" (١٠٦٢) -، وابن أبي شَيْبة في "المصنف" (٣٠٣٠٦ و ٣٢٣١٢) - ومن طريقه أبو نُعيم في "معرفة الصحابة" (٧٥١) -، وأحمد في "مسنده" (٢١١٣٦) - ومن طريقه الضياء المقدسي في "المختارة" (١٢٢٧) -، والبخاري في "خلق أفعال العباد" (٥٦٥ و ٥٦٦)، وأبو داود في "سننه" (٣٩٨١) ك/الحروف والقراءات، وابن أَبِي عاصم في "الآحاد والمثاني" (١٨٤٨ و ١٨٤٩)، والطبري في "تفسيره" (٧٦٨٨)، والطحاوي في "شرح مُشْكِل الآثار" (٣٦٢٠ و ٣٦٢١ و ٥٥٨٥ و ٥٥٨٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠٤٣١)، وأبو سعيد الشاشي في "مسنده" (١٤٣٧)، والحاكم في "المستدرك" (٢٩٤٦)، وأبو نُعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٢٥١)، والضياء المقدسي في "المختارة" (١٢٢٦)، والمزي في "تهذيب الكمال" (١٥/ ١٩٥)، وابن الجزري في "النشر في القراءات العشر" (٢/ ٢٨٥). كلهم من طُرُقٍ عن الأَجْلَح بن عبد الله بن حُجَيَّة - بالحاء المهملة، ثم الجيم، مُصغرًا -، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أَبْزَى، عن أبيه، عن أُبَيّ بن كعب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَعْرِضَ الْقُرْآنَ عَلَيْكَ " قَالَ: وَسَمَّانِي لَكَ رَبِّي؟ قَالَ: ﴿بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا﴾ هَكَذَا قَرَأَهَا أُبَيٌّ.

стр. 338

وهذا لفظه عند الإمام أحمد في "المسند"، وعند الجميع بنحوه، إلا أبو داود، والحاكم، والطبري وابن الجزري فمختصرًا، وعند بعضهم "فَلْيَفرحوا" بالياء التحتانية، وهو تصحيف، وسقط من مطبوع "تهذيب الكمال" من إسناد الحديث: "بن سعيد، عن الأَجْلح، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن". وقال الحاكم: حديثٌ صحيح الإسناد ولمْ يُخَرِّجاه، وقال الذهبي: صحيحٌ. وقال ابن الجزريُّ: حديثٌ حسنٌ. قلتُ: وهذه المتابعة إسنادها حَسَن، لأجل الأَجْلح بن عبد الله، قال ابن حجر: صدوقٌ شيعي. (١) … وعبد الله بن عبد الرحمن بن أَبْزَى - بفتح الهمزة، وسكون الموحدة، بعدها زاي - روى عنه جَمْعٌ، وذَكَرَه ابن حبان، وابن خلفون في "الثقات"، وقال أحمد: حسن الحديث. وقال ابن خلفون: ليس به بأسٌ. (٢) _ وأخرجه النسائي في "الكبرى" (٧٩٤٤) ك/فضائل القرآن، ب/ذكر قرّاء القرآن - ومن طريقه الطبراني في "الأوسط" (١٦٧٩)، والمزي في "تهذيب الكمال" (١٢/ ١٤) -، وأبو نُعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٢٥١). كلاهما (النسائي، وأبو نعيم) من طريق محمد بن يحيى بن أيوب، عن سليمان بن عامر الكِنْدي، قال: سمعت الربيع بن أنس، يقول: قَرَأْتُ الْقُرْآنَ عَلَى أَبِي الْعَالِيَةِ وَقَرَأَ أَبُو الْعَالِيَةِ عَلَى أُبَيٍّ، قَالَ: وَقَالَ أُبَيٌّ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقْرِئَكَ الْقُرْآنَ»، قَالَ: قُلْتُ: أَوَ ذُكِرْتُ هُنَاكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، فَبَكَى أُبَيٌّ، قَالَ: «فَلا أَدْرِي أَبِشَوْقٍ، أَوْ بِخَوْفٍ». وهذا لفظ النسائي. قلتُ: وتلك المتابعة أيضًا إسنادها حَسَنٌ، لأجل سليمان بن عامر الكِنْدي، قال ابن حجر: صدوقٌ. (٣) وكذلك الربيع بن أنس "صَدُوقٌ، ورمى بالتشيّع". (٤) _ وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (٥٤١) - ومن طريقه الترمذي في "سننه" (٣٧٩٣) ك/المناقب، ب/مناقب أُبيّ بن كعب وغيره، وبرقم (٣٨٩٨) ك/المناقب، ب/فضل أُبيّ بن كعب، والحاكم في "المستدرك" (٣٩٦٢)، وأبو نُعَيم في "الحلية" (٤/ ١٨٧)، والضياء في "المختارة" (١١٦٢) -، والإمام أحمد في "مسنده" (٢١٢٠٢) - ومن طريقه الضياء في "المختارة" (١١٦٣) -، وعبد الله بن الإمام أحمد في زياداته على "المسند" (٢١٢٠٣)، وأبو سعيد الشاشي في "مسنده" (١٤٨٤)، والحاكم في "المستدرك" (٢٨٨٩). كلهم من طرقٍ عن شُعبة بن الحَجَّاج، قال: أخبرني عاصم بن بَهْدَلة، عن زِرٍّ بن حُبَيْش، عن أُبَيّ بن كعب، أنَّ النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ " قَالَ: فَقَرَأَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (٥) قَالَ: فَقَرَأَ فِيهَا: وَلَوْ

стр. 339

أَنَّ ابْنَ آدَمَ سَأَلَ وَادِيًا مِنْ مَالٍ فَأُعْطِيَهُ، لَسَأَلَ ثَانِيًا، وَلَوْ سَأَلَ ثَانِيًا فَأُعْطِيَهُ، لَسَأَلَ ثَالِثًا، وَلا يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ، وَإِنَّ ذَلِكَ الدِّينَ الْقَيِّمَ عِنْدَ اللهِ الْحَنِيفِيَّةُ، غَيْرُ الْمُشْرِكَةِ، وَلا الْيَهُودِيَّةِ، وَلا النَّصْرَانِيَّةِ، وَمَنْ يَفْعَلْ خَيْرًا، فَلَنْ يُكْفَرَهُ ". وهذا لفظ رواية أحمد، والباقون بنحوه، والبعض بتقديمٍ وتأخير. وقال الترمذي: هذا حديثٌ صحيح، وقد رُوِي من غير هذا الوجه. وقال الحاكم في الموضعيْن: هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يخرّجاه، وقال الذهبي: صحيح. قلتُ: وعاصم بن أبي النَّجود، وإنْ كان صدوقاً، لكنَّه ثَبْتٌ حُجَّةٌ في القراءة. شواهد للحديث: أخرجه البخاري، ومسلم في "صحيحيهما" من طريق قتادة، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ لأُبَيٍّ: «إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ»، قَالَ: آللَّهُ سَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: «اللهُ سَمَّاكَ لِي»، قَالَ: فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبْكِي. واللفظ لمسلم. (١) وعليه فالحديث بمتابعاته، وشواهده يرتقي مِنْ "الضَعيف"، إلى "الصحيح لغيره". رابعًا:- التعليق على الحديث: _ قال القاسم بن سلام: المراد بالعرض على أُبَي ليتعلم أُبَي منه القراءة، ويتثبت فيها، وليكون عرض القرآن سنة؛ وللتنبيه على فضيلة أُبَي بن كعب، وتقدمه في حفظ القرآن، وليس المراد أن يستذكر منه النبي ﷺ شيئا بذلك العرض. _ قال الحافظ ابن حجر: ويؤخذ من هذا الحديث مشروعية التواضع في أخذ الإنسان العلم من أهله وإن كان دونه، وقال القرطبي: خَصَّ هذه السورة بالذكر لما اشتملت عليه من التوحيد والرسالة والإخلاص والصحف والكتب المنزلة على الأنبياء وذكر الصلاة والزكاة والمعاد وبيان أهل الجنة والنار مع وجازتها. _ وقال ابن كثير في "تفسيره": وَإِنَّمَا قَرَأَ عَلَيْهِ النَّبِيّ ﷺ هَذِهِ السُّورَة تَثْبِيتًا لَهُ وَزِيَادَة لِإِيمَانِهِ، واستدل على ذلك بما أخرجه مسلم عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ يُصَلِّي، فَقَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ قِرَاءَةً سِوَى قَرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الصَّلَاةَ دَخَلْنَا جَمِيعًا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا قَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، وَدَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَرَآ، فَحَسَّنَ النَّبِيُّ ﷺ شَأْنَهُمَا، فَسَقَطَ فِي نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ، وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا قَدْ غَشِيَنِي، ضَرَبَ فِي صَدْرِي، فَفِضْتُ عَرَقًا وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللهِ فَرَقًا، فَقَالَ لِي: يَا أُبَيُّ أُرْسِلَ إِلَيَّ أَنِ اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّانِيَةَ اقْرَأْهُ

стр. 340

عَلَى حَرْفَيْنِ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّالِثَةَ اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَهَا مَسْأَلَةٌ تَسْأَلُنِيهَا، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأُمَّتِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأُمَّتِي، وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ لِيَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ، حَتَّى إِبْرَاهِيمُ ﷺ . (١) _ وأمَّا ما جاء في رواية الباب من قوله: " أُمِرْتُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ" فإنَّه لا يتعارض مع رواية أنس في "الصحيحين" والتي في بعض ألفاظها: "أُمِرْتُ أَن أَعْرِض عَلَيك ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (٢) ". والجمع بينهما كما قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": بحمل المطلق على المُقيّد؛ وبما قاله الإمام أبو جعفر الطّحاوي في "شرح مُشْكِل الآثار": فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الَّذِي أُمِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُقْرِئَهُ أُبَيًّا مِنَ الْقُرْآنِ إِنَّمَا هُوَ سُورَةٌ مِنْهُ مِنَ الْقُرْآنِ، وَهَذَا جَائِزٌ فِي اللُّغَةِ، أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْقُرْآنِ، مَوْجُودٌ فِي كِتَابِ اللهِ، فَمِنْهُ قوله تعالى ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾ (٣)، وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ (٤)، وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ (٥)، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى مَا سَمِعُوهُ مِنْهُ، لَا عَلَى كُلِّهِ. (٦) * * *

стр. 341

[٤٥/ ٤٤٥]- وبإسناده: عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا جَزَاءُ الْحُمَّى (١)؟ قَالَ: «تَجْرِي الْحَسَنَاتُ عَلَى صَاحِبِهَا (٢) مَا اخْتَلَجَ (٣) عَلَيْهِ قَدَمٌ، أَوْ ضَرَبَ (٤) عَلَيْهِ عِرْقٌ». فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُمَّى لا تَمْنَعُنِي خُرُوجًا فِي سَبِيلِكَ، وَلا خُرُوجًا إِلَى بَيْتِكَ، وَلا مَسْجِدِ نَبِيِّكَ، فَلَمْ يُمْسَ أُبَيٌّ قَطُّ إِلا وَبِهِ حُمَّى. * لم يَرْوِ هذين الحديثين عن مُعَاذِ بن مُحَمَّدِ بن أُبيٍّ، إلا محمدُ بنُ عِيسَى الطَّبَّاعُ. أولًا: تخريج الحديث: • أخرجه الطبراني في "الكبير" (٥٤٠) - ومِنْ طريقه أبو نُعَيم في "حلية الأولياء" (١/ ٢٥٥)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٧/ ٣٣١)، والضياء المقدسي في "المختارة" (١٢٦٩ و ١٢٧٠)، والمزي في "تهذيب الكمال" (٢/ ٢٦٨) -، قال: حدَّثنا أحمد بن خُليد، به. • وذكره ابن كثير في "جامع المسانيد" (١٨٨)، وابن حجر في "الإتحاف" (١٢١)، بإسناد الطبراني. ثانيًا:- دراسة الإسناد: تقدم - بفضل الله دراسة إسناده في الحديث السابق، حديث رقم (٤٤)، فلِلَّه الحمد والمنَّة. ثالثًا:- الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ"؛ لأجل مُعاذ بن محمد بن مُعاذ بن أُبَي بن كعب، هو وأبوه، وجده "مجاهيل الحال". وقال الهيثمي: رواه الطبراني في "الكبير"، و"الأوسط" عن محمد بن مُعاذ بن أُبَيّ بن كعب عن أبيه، وهما مجهولان، كما قال ابن مَعين، قلتُ (الهيثمي): وذكرهما ابن حبان في "الثقات". (٥) قلتُ: سبق بيان خطئه في نسبة هذا القول إلى ابن معين، ولعلَّ الصواب ابن المديني، كما سبق.

стр. 342

وضَعّفه الشيخ الألباني في "الضعيفة". (١) بينما قال المُنْذري: سنده لا بأس به، محمد وأبوه ذكرهما ابن حبان في "الثقات". (٢) وقال الألباني: حَسَنٌ لغيره. (٣) قلتُ: أمّا ذِكر ابن حبان لهما، فقد سبق الجواب عنه. والشيخ الألباني حَسَّنه، بشواهده، والله أعلم. شواهدٌ للحديث: • أخرج الإمام أحمد، والنسائي، والحاكم، وغيرهما من طُرُقٍ، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجْرَة، قال: حدثتني زينب ابنة كعب بن عُجْرة، عن أبي سعيد الخُدري، قال: قال رجلٌ لرسول الله ﷺ : أرأيت هذه الأمراض الَّتِي تُصِيبُنَا مَا لَنَا بِهَا؟ قَالَ: " كَفَّارَاتٌ "، قَالَ أُبَيٌّ: وَإِنْ قَلَّتْ؟ قَالَ: " وَإِنْ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا "، قَالَ: فَدَعَا أُبَيٌّ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لا يُفَارِقَهُ الْوَعْكُ حَتَّى يَمُوتَ فِي أَنْ لا يَشْغَلَهُ عَنْ حَجٍّ، ولا عُمْرَةٍ ولا جِهَادٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، ولا صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ فِي جَمَاعَةٍ فَمَا مَسَّهُ إِنْسَانٌ، إلا وَجَدَ حَرَّهُ حَتَّى مَاتَ. واللفظ لأحمد، والباقون بنحوه، إلا النسائي فمُختصرًا. وقال الحاكم: على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. (٤) • وأخرج الإمام مسلم في "صحيحه" من حديث جابر بن عبد الله ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ دَخَلَ على أمّ السَّائب، أو أمّ المُسَيِّب، فقال: "مالكِ يا أم السائب! أو يا أمّ المُسَيِّب! تُزَفزفين (٥)؟ " قالت: الحُمَّى. لا بارك الله فيها. فقال: "لا تَسُبِّي الحُمَّى! فإنها تُذهب خطايا بني آدم، كما يُذهِب الكِيرُ خَبثَ الحديد". (٦) • وأخرج البخاري في "الأدب المُفرَد" عن أبي هريرة ﵁، قال: " مَا مِنْ مَرَضٍ يُصِيبُنِي أَحَبَّ إِلَيَّ مِنَ الْحُمَّى، لأَنَّهَا تَدْخُلُ فِي كُلِّ عُضْوٍ مِنِّي، وَإِنَّ اللَّهَ يُعْطِي كُلَّ عُضْوٍ قِسْطَهُ مِنَ الأَجْرِ". (٧) قال ابن حجر: إسناده صحيح، ومثل هذا لا يقوله أبو هريرة برأيه. (٨) وعَلَيْه فهذا مِمَّا له حكم الرفع.

стр. 343

• ومِمَّا يشهد لعموم جزئه الأول، الأحاديث التي تدل على تحصيل الحسنات والأجر، وتكفير الذنوب والسيئات للمريض، وأصحاب المصائب، وهي كثيرة، منها: ما أخرجه البخاري ومسلم في "صحيحيهما" من حديث عائشة ﵂، قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ ، يقول: " مَا مِنْ شَيْءٍ يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ حَتَّى الشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ، إِلا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً أَوْ حُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ" (١)، واللفظ لمسلم. وعليه فالحديث بشواهده، يرتقي إلى "الصحيح لغيره"، والله أعلم. رابعًا:- التعليق على كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لم يَرْوِ هذين الحديثين عن مُعَاذِ بن مُحَمَّدِ، إلا محمدُ بنُ عِيسَى الطَّبَّاعُ. قلتُ: ومِمَّا سبق في التخريج في الحديثين يَتَّضح صحة ما قاله المُصَنِّفُ ﵁. ومحمد بن عيسى الطَبَّاع "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ" فلا يضر تفرُّده بالحديث. خامسًا:- التعليق على الحديث: _ قال ابن حجر: قوله - في بعض روايات الحديث -: "إلا كفر الله بها عنه": أي إلا كان كفارة لذنبه، أي يكون ذلك عقوبة بسبب ما كان صدر منه من المعصية، ويكون ذلك سببًا لمغفرة ذنبه، ووقع في رواية ابن حبان: "ما من مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا رُفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ بِهَا عنه خطيئة". (٢) ومثله لمسلم: من طريق الأسود، عن عائشة. (٣) وهذا يقتضي حصول الأمرين معًا: حصول الثواب، ورفع العقاب. _ وأما ما أخرجه مسلم من طريق عَمْرَة عن عائشة: "إِلا كَتَبَ الله لَهُ بهَا حَسَنَة أَو حط عَنهُ بِهَا خَطِيئَةً" (٤) كذا وقع فيه بلفظ "أو" فيُحتمل أن يكون شكًّا من الراوي، ويُحتمل التنويع، وهذا أَوْجه، ويكون المعنى إلا كتب الله له بها حسنة إن لم يكن عليه خطايا، أو حطَّ عنه خطايا إن كان له خطايا، وعلى هذا فمقتضى الأول أن من ليست عليه خطيئة يُزادُ في رفع درجته بقدر ذلك، والفضل واسع. _ ثم قال ابن حجر: وفي هذا الحديث تعقَّب على الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام، حيث قال: ظنَّ بعض الجهلة أن المُصاب مأجور، وهو خطأ صريح، فإن الثواب والعقاب إنما هو على الكسب، والمصائب ليست منها، بل الأجر على الصبر والرضا، ووجه التعقب أنّ الأحاديث الصحيحة صريحة في ثبوت الأجر بمجرد حصول المصيبة، وأما الصبر والرضا فقدر زائد يمكن أن يثاب عليهما زيادة على ثواب المصيبة، قال القَرَافِي: المصائب كفَّارات جزمًا سواء اقترن بها الرضا أم لا، لكن إن اقترن بها الرضا عَظُم التكفير، وإلا

стр. 344

قلَّ، كذا قال؛ والتحقيق أن المصيبة كفارة لذنب يوازيها، وبالرضا يؤجر على ذلك، فإن لم يكن للمصاب ذنب عوض عن ذلك من الثواب بما يوازيه. _ ثم قال: وظاهر الحديث تعميم جميع الذنوب، لكن الجمهور خصّوا ذلك بالصغائر؛ للحديث الذي ذُكر في أوائل الصلاة «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ» (١)، فَحَمَلوا المطلقات الواردة في التكفير على هذا المقيد، ويحتمل أن يكون معنى الأحاديث التي ظاهرها التعميم أن المذكورات صالحة لتكفير الذنوب، فيكفِّر الله بها ما شاء من الذنوب، ويكون كثرة التكفير وقلته باعتبار شدة المرض وخفته، ثم المُراد بتكفير الذنب ستره، أو محو أثره المرتب عليه من استحقاق العقوبة، وقد استدل به على أن مجرد حصول المرض أو غيره مما ذُكر يترتب عليه التكفير المذكور سواءً انضم إلى ذلك صبر المصاب أم لا. (٢) * * *

стр. 345

[٤٦/ ٤٤٦]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الطَّبَّاعُ، قَالَ: نا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلانَ، عَنِ [ابْنِ] (١) وَثِيمَةَ النَّصْرِيِّ (٢)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ». * لم يَرْوِ هذا الحديثَ عن ابن عَجْلانَ إلا عَبْدُ الحميدِ بنُ سُلَيْمَانَ. هذا الحديث مداره على محمد بن عجلان، واختلف عليه فيه من أوجهٍ ثلاثة: الوجه الأول: محمد بن عجلان، عن ابن وَثِيمة، عن أبي هريرة ﵁. الوجه الثاني: محمد بن عجلان، عن سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة ﵁. الوجه الثالث: محمد بن عَجلان، عن عبد الله بن هُرْمز، واختلف فيه على ابن هُرْمز مِنْ طريقين: الطريق الأول: عن عبد الله بن هُرْمز (مُرْسلاً). الطريق الثاني: عبد الله بن هُرْمز، عن محمد وسعيد ابنَيْ عُبيد، عن أبي حاتم المُزَني. وتفصيل ذلك كالآتي: أولًا: الوجه الأول: محمد بن عجلان، عن ابن وَثِيمة، عن أبي هريرة ﵁. أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه أبو عُمر الدُّوري في "جزء قراءات النبي ﷺ " (٥٤)، وابن ماجة في "سننه" (١٩٦٧)، ك/النكاح، ب/الأكفاء، والترمذي في "سننه" (١٠٨٤)، ك/النكاح، ب/ما جاء إذا جاءكم مَنْ ترضوْن دينه فزوِّجوه، وفي "العل الكبير" (٢٦٣)، وابن حبان في "المجروحين" (٢/ ١٤٢) في ترجمة عبد الحميد بن سليمان، والحاكم في "المستدرك" (٢٦٩٥) (٣)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (١٢/ ٣٣٦)، والمزي في "التهذيب" (٩/ ٣٥٥). كلهم منْ طرقٍ عن عبد الحميد بن سُليمان، عن محمد بن عجلان، به، وبنحو رواية الباب. وقال الترمذي: وفي الباب عن أبي حاتم المُزَني، وعائشة، وحديث أبي هريرة ﵁، قد خولف عبد الحميد بن سليمان في هذا الحديث، ثم ذكر مَنْ خالفه، ورجَّح بينهما - كما سيأتي -.

стр. 346

وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرّجاه. وتعقبه الذهبي، فقال: عبد الحميد هو أخو فُلَيح، قال أبو داود: كان غير ثقة، ووثيمة - هكذا قال، وقد بَيَّنْتُ صوابه - لا يُعرف. قلتُ: وسيأتي معرفة حاله. ب دراسة إسناد الوجه الأول (إسناد الطبراني): ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) محمد بن عيسى الطبّاع: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، فَقِيْهٌ، حَافِظٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٨). ٣) عبد الحميد بن سليمان الخُزَاعيُّ، أبو عُمر المَدَني، الضرير، أخو فُلَيح بن سليمان. روى عن: محمد بن عجلان، وأبي الزِّناد عبد الله بن ذَكْوان، وأبي حازم سَلَمة بن دينار، وآخرين. روى عنه: محمد بن عيسى الطَّبَّاع، وقُتيبة بن سعيد، ومحمد بن عبد الله بن سابور، وآخرون. حاله: قال ابن مَعين: ليس بثقة. وقال أيضًا: ليس بشيء، لا يُكتب حديثه. وقال علي بن المَديني: ليس بشيء، روى عن أبي حازم أحاديث مناكير. وقال أبو داود: غير ثقة. وقال ابن حبان: كان مِمَّنْ يُخْطئ ويقلب الأسانيد، فلما كَثُرَ ذلك فيما روى بَطُل الاحتجاج بما حدّث صحيحًا، لِغَلَبَة ما ذكرنا على روايته. _ وقال الإمام أحمد: لا أرى به بأْسًا. وقال أبو حاتم: ليس بقوي. وقال الترمذي: صدوقٌ، إلا أنه رُبَّما يَهِم في الشيء. وقال ابن عدي: وهو مِمَّنْ يُكتب حديثه. وقال النسائي، وأبو زرعة، وأبو يَعلى الخليلي، وابن حجر: ضعيفٌ. فالحاصل: أنَّه "ضَعيفٌ، يُكتبُ حديثه". (١) ٤) محمد بن عَجْلان القُرَشي، أبو عبد الله المَدَني، موْلى فاطمة بنت الوليد بن عُتبة. روى عن: ابن وَثِيمة النَّصري، وسعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، وعبد الله بن هُرْمز الفَدَكي، وآخرين. روى عنه: عبد الحميد بن سليمان، والليْث بن سعد، وعبد العزيز بن محمد الدَّراوردي، وآخرون. حاله: قال ابن عُيَيْنَة، وابن معين، وأحمد، وأبو حاتم، والعجلي، والنَّسائي: ثِقَةٌ. وزاد ابن عيينة: مأمونٌ في الحديث. وابن معين: كتبتُ عنه. وقال أبو زرعة، ويعقوب بن شيبة: من الثقات. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن المبارك: لم يكن بالمدينة أحدٌ أشْبَهُ بأهل العلم من ابن عجلان، وكنتُ أُشَبِّهُه بالياقوتة بين العلماء. _ وقدَّمه ابن معين على داود بن قيْس (٢). وقيل ليحيى: أيهما أحبّ إليك محمد بن عجلان، أمْ محمد بن عمرو (٣)؟ فقال: سبحان الله! سبحان الله! ما يشك في هذا أحدٌ محمد بن عجلان أوْثق من محمد بن عمرو، ولم يكونوا يكتبون حديث محمد بن عمرو حتى اشتهاها أصحاب الأسانيد فكتبوها. وسُئل الإمام أحمد عن محمد بن عجلان، وموسى بن عُقبة (٤)، أيّهما أعجبُ إليك؟ فقال: جميعًا ثقة، ما

стр. 347

أقربهما، كان ابن عيينة يُثني على محمد بن عجلان. _ بينما قال الذهبي في "المُغني": حَسَنُ الحديث، وغيره أقْوى منه. وفي "تاريخ الإسلام": حديثه من قبيل الحسن. وفي "الديوان": صَدُوقٌ. وفي "السير": وهو حسن الحديث، وأقوى من محمد بن إسحاق، ولكن ما هو في قوة عُبيد الله بن عُمر، ونحوه، وقد وثَّقَه أبو حاتم الرازي مع تعنته في الرجال، فحديثه إنْ لم يبلغ درجة الصحيح، فلا ينحط عن رُتبة الحسن. وقال ابن حجر: صدوقٌ إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة. _ وتكلّم فيه بعضهم، لكنه مُقَيّد بروايته عن سعيد المَقْبُري، من حديث أبي هريرة: فأخرج الترمذي في "العلل الصغير" (ص/٧٤٥) بسنده عن يحيى بن سعيد، قال: قال محمد بن عَجْلان: أحاديث سعيد المَقْبُري بعضها عن سعيد، عن أبي هريرة، وبعضها عن سعيد، عن رجل، عن أبي هريرة، فاخْتَلَطت عليَّ فصَيَّرْتُها عن سعيد، عن أبي هريرة. (١) وقال ابن حجر في "التقريب": اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة. لكنه قيَّده في "تهذيب التهذيب"، بقوله: يعني أحاديث سعيد المَقْبري. وقال الترمذي في "العلل الصغير" (ص/٧٤٥): وهكذا تكلم بعض أهل الحديث في سُهَيل بن أبي صالح، ومحمد بن إسحاق، وحمَّاد بن سلمة، ومحمد بن عجلان، وأشباه هؤلاء من الأئمة، إنما تكلموا فيهم منْ قِبَل حِفْظهم في بعض ما رووا، وقد حَدَّث عنهم الأئمة، ثم قال: وإنما تكلّم القطّان عندنا في رواية محمد بن عَجْلان عن سعيد المَقْبُري، وذكر الرواية السابقة عنه، ثم قال: فإنما تكلَّم القطَّان عندنا في ابن عَجْلان لهذا. فأحاديثه عن سعيد المَقْبُري قد اختلطت عليه، فكان بعضها عن سعيد، عن أبي هريرة، وبعضها عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، وبعضها عن سعيد، عن رجل، عن أبي هريرة - لأنه أَسْقط بين المَقْبُري، وأبي هريرة رواة آخرون، غير والد المَقْبُري (٢) - فجعلها كلها عن سعيد، عن أبي هريرة. (٣) _ وَصْفُه بالتدليس، والجواب عنه: ذكره العلائي في "جامع التحصيل" ضمن أسماء المُدّلّسين، وأبو زُرعة في "المدلسين"، وابن حجر في "طبقات المدلسين" في المرتبة الثالثة، وقال: وَصَفَه ابن حبان بالتدليس. قلتُ: قال الشيخ/طارق بن عِوض الله في "تذهيب تقريب التهذيب": الذي ذَكَره ابن حبان في "الثقات" أنه اختلطت عليْه أحاديث سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة - كما سبق -، وهذا كما ترى ليس من التدليس، وإنْ كان أثرُه كأثرِه، فلوْ صَحَّ أنه تدليس لَكان منْ تدليس التسوية، ولم يصفه به أحدٌ من العلماء. إلّا أنّ العلائي

стр. 348

ذكر أنه دلَّس حديث "المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله منَ المؤمن الضعيف"، وقد وصفه به أيضًا الطحاوي في "شرح مُشْكِل الآثار" (١)، وعلى كل حال فالظاهر أنّ تدليس ابن عجلان ليس بالكثير، بل هو في مواضع محدودة، فلا ينبغي التوقف في عنعنته، بل تُحمل على الاتصال إلا إذا تبيّن في حديثٍ بعينه أنه لم يسمعه مِمَّن رواه عنه. ا. هـ. قلتُ: ولهذا لمَّا لخَّصَ ابن حجر حاله في "التقريب" لم يصفه بشيء من التدليس. فالحاصل: أنه "ثِقَةٌ، اختلطت عليه مروياته عن سعيد المَقْبُري من حديث أبي هريرة". (٢) فقد وثَّقه جُلّ المتقدّمين، بل ومنهم مَنْ قدَّمه على غيره الثقة، ومنهم مَنْ قَرَنَه بغيره الثقة، ومن هؤلاء المُوَثّقين سفيان بن عيينة، وهو أحد تلامذته، فهو أَعْلم حالًا به من الإمامين الذهبي، وابن حجر، فكيف إذا انضمَّ إليه أبو حاتم الرازي، وقد قال الذهبي: وقد وثَّقه أبو حاتم مع تعنته في نقد الرجال. بل ويُضاف إليهما توثيق ابن مَعين، وأحمد، والنسائي، وأبي زرعة، ويعقوب بن سفيان، وابن المبارك، بل وروى عنه مالك، ويحيى بن سعيد، وشُعبة، وهؤلاء لا يروون إلا عن ثِقَةٍ في الغالب، وأخرج له مُسْلمٌ متابعة، والله أعلم. ٥) ابن وَثِيمة: وهو زُفَر بن وَثِيمة بن مالك بن أَوْس بن الحَدَثان النَّصْري، والدّمَشْقي. (٣) روى عن: أبي هريرة ﵁، وحكيم بن حِزام - وقيل: لمْ يَلْقه -، والمُغيرة بن شُعبة. روى عنه: محمد بن عَجْلان، ومحمد بن عبد الله بن المهاجر. حاله: قال ابن معين، ودُحَيم: ثقة، وزاد دُحيم: ولمْ يَلْقَ حكيم بن حِزام. وذكره ابن حبان في "الثقات". _ وذكره البخاري، وابن أبي حاتم، ولمْ يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. فالحاصل: أنَّ ابن وثيمة هو زُفَر بن وثيمة - إن شاء الله ، وهو "ثِقَةٌ"، والله أعلم. (٤)

стр. 349

٦) أبو هريرة ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ، مُكْثرٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٦). ثانيًا: الوجه الثاني: محمد بن عجلان، عن سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة ﵁. أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٧٠٧٤)، قال: حدثنا محمد بن حَفْص، نا الجرَّاح بن مَخْلَد، ثنا عَمرو بن عاصم، ثنا نوح بن ذَكْوان، عن ابن عَجْلان، عن سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة، بنحو رواية الباب. وقال: لم يرو هذا الحديث عن ابن عَجْلان، عن المَقْبُري إلا نوح بن ذَكْوان، تَفَرَّد به عمرو بن عاصم، ورواه عبد الحميد بن سليمان، عن محمد بن عجلان، عن ابن وثيمة النَّصري. ب دراسة إسناد الوجه الثاني (بإسناد الطبراني): ١) محمد بن حَفْص بن بَهْمَرد العسكري: "مقبول". (١) ٢) الجَرَّاح بن مَخْلد البَصْري القَزَّاز: "ثِقَةٌ". (٢) ٣) عَمرو بن عاصم الكِلابي، أبو عثمان البَصْري: قال الذهبي في "الميزان": "صدوقٌ مشهورٌ". (٣) ٤) نُوح بن ذَكْوان، أبو أَيُّوب البَصْريُّ: قال ابن حبان: مُنْكر الحديث جدًا. وقال ابن حجر: ضعيفٌ. (٤) ٥) محمد بن عجلان: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّمت دراسته في الوجه الأول لهذا الحديث. ٦) سعيد بن أَبِي سعيد المَقْبُري: "ثِقَةٌ". (٥) ٧) أبو هريرة ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ، مُكْثرٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٦). ثالثاً: الوجه الثالث: محمد بن عَجلان، عن عبد الله بن هُرْمز. والحديث بهذا الوجه مداره على عبد الله بن هُرْمز، واختلف عليه مِنْ طريقين: • الطريق الأول: عن عبد الله بن هُرْمز (مُرْسلاً). أ تخريج الوجه الثالث، مِنْ الطريق الأول: • أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" (٥٩٠)، عن عبد العزيز بن محمد الدَّراوردي؛ وأبو داود في "المراسيل" (٢١٣)، عن الليث بن سعد. كلاهما (الدَّراوردي، والليث)، عن محمد بن عَجْلان، عن عبد الله بن هُرمز، قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَأَمَانَتَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ، وَإِنْ كَانَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". وهذا لفظ الدَّراوردي، ورواية الليث بمعناه، وفيه: فراجَعَه الناس، فردَّها

стр. 350

ثلاث مرَّات. قال أبو داود: وقد أَسْنده عبد الحميد بن سُليمان، عن ابن عَجْلان، وهو خطأ. _ وذَكَره الترمذي في "السنن" (١٠٨٤)، ك/ النكاح، ب/ ما جاء إذا جاءكم مَنْ ترْضوْن دينه فزوّجوه، فقال - بعد ذِكْرِه للحديث بالوجه الأول -: قد خُولف عبد الحميد بن سُليمان في هذا الحديث، ورواه الليث بن سعد، عن ابن عَجلان، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، مُرْسلًا. وعلَّق المحقق الفاضل الشيخ/شعيب، بقوله: يعني منقطعًا. وقال المُبارْكفوري في "تحفة الأحوذي": أي منقطعًا بعدم ذكر ابن وثيمة. (١) قلتُ - والله أعلم -: هكذا قال الترمذي في "السنن" - عن ابن عَجلان، عن أبي هريرة، من رواية الليث ابن سعد - وهذا مُخالفٌ لِما قاله الترمذي نفسه في "العلل الكبير"، فقال: سألتُ محمدًا - أي البخاري - عن هذا الحديث، فقال: رواه الليث بن سعد، عن ابن عَجْلان، عن عبد الله بن هُرْمز، عن النبي ﷺ مُرْسلًا. (٢) بل ومُخالفٌ أيضًا لِما جاء مُسندًا من رواية الليث بن سعد، السالفة الذّكر عند أبي داود. فلعلّ ما في "السنن" للترمذي خطأ إما منَ الناسخ، أو سَبْقُ قلمٍ منَ الترمذي، والأول أرجح، وهو خطأ قديم؛ بدليل أنَّ المزّي ذَكَرَه كما في "السنن" في "تحفة الأشراف" (٣). ثم قال الترمذي: قال محمد: وحديث الليث أشبه، ولمْ يَعُدّ حديث عبد الحميد بن سُليمان، عن ابن عَجْلان، عن ابن وثيمة، عن أبي هريرة محفوظًا. • وأخرجه أبو بكر الجصاص في "أحكام القرآن" (٢/ ١٠٤)، مِنْ طريق مُعَلَّى بن منصور، عن حاتم بن إسماعيل - بإحدى الأوجه عنه -، عن عبد الله بن هُرْمز، مُرْسلًا. قلتُ: والإسناد إلى المُعَلَّى صحيحٌ. والمُعَلَّى قال فيه يعقوب بن شيبة: ثِقَةٌ فيما تَفَرَّد به، وشُورك فيه، مُتْقِنٌ، صَدُوقٌ، فَقِيهٌ، مَأمُونٌ. وقال ابن عدي: لم أجد له حديثًا مُنكرًا. (٤) ب دراسة إسناد الوجه الثالث مِنْ الطريق الأول (بإسناد أبي داود): ١) قُتَيْبة بن سعيد بن جَميل بن طريف الثَّقَفي: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ". (٥) ٢) الليْث بن سعد بن عبد الرحمن، أبو الحارث المصري: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ، فَقِيهٌ، إمامٌ، مَشْهورٌ". (٦) ٣) محمد بن عجلان: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّمت دراسته في الوجه الأول لهذا الحديث. ٤) عبد الله بن هُرْمز، اليَمَانيُّ، الفَدَكيُّ، وهو - إن شاء الله غير عبد الله بن مسلم بن هُرْمز. (٧)

стр. 351

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 352

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 353

روى عن: سعيد، ومحمد ابْنيْ عُبَيد، ويزيد بن أَبي الفتيان. روى عنه: حاتم بن إسماعيل، ومحمد بن عَجلان. حاله: ذَكَره البخاري، وابن أَبِي حاتم، ولمْ يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. وذَكَره ابن حبان في "الثقات"، وقال الذهبي في "الكاشف": حَسَّن الترمذي له (١). (٢) فالحاصل: أنَّه "مجهول الحال"، وابن حبان معروفٌ بتوثيق المجاهيل على منهجه الذي خالفَ فيه الجمهور. وأمَّا تحسين الترمذي، فالظاهر أنه حَسَّنَ له بمجموع شواهد الحديث، وليس بإسناد حديثه، والله أعلم. قلتُ: وعلى فرض أَنَّه هو عبد الله بن مسلم بن هُرْمز المَكِّي، فهو "ضعيف". (٣) • الطريق الثاني: عبد الله بن هُرْمز، عن محمد وسعيد ابنيْ عُبيد، عن أبي حاتم المُزَني. أ تخريج الوجه الثالث، مِنْ الطريق الثاني: • أخرجه ابن معين في "تاريخه" (٣/ ٤٠/١٦٤) - ومن طريقه أبو داود في "المراسيل" (٢١٢)، والدُّولابي في "الكنى" (١٥٩)، والبيهقي في "الكبرى" (١٣٤٨١)، وابن قانع في "الصحابة" (٢/ ٣٠٤)، وأبو نُعيم في "الصحابة" (٦٧٤٩/ ١) -؛ والترمذي في "سننه" (١٠٨٥)، ك/النكاح، ب/ما جاء إذا جاءكم مَنْ تَرْضوْن دينه فَزَوِّجوه، وابن أبي الدنيا في "النفقة على العيال" (١١٧)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (١١٢٢) - ومن طريقه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٦٧٤٩/ ٣) -، والطبراني في "الكبير" (٢٢/ ٢٩٩/٧٦٢)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (١٦٧٤٩/ ٢، ٤)، والذهبي في "السِيَر" (١٦/ ١١٨). كلهم منْ طرقٍ عن حاتم بن إسماعيل، عن عبد الله بن هُرْمز - البعض لم ينسبه، والبعض نَسَبَه، فقال: الفَدَكي، والبعض اليماني -، عن سعيد، ومحمد بن عُبيد، عن أبي حاتم المُزَنيّ، قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَإِنْ كَانَ فِيهِ؟ قَالَ: «إِذَا

стр. 354

جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ». قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. واللفظ لابن معين، والأكثرون بنحوه، والبعض مُختصراً. وقال الترمذي: "حَسَنٌ غَريبٌ"، وأبو حاتم المُزَني له صُحبة ولا نعرف له عن النبي ﷺ غير هذا الحديث. قلتُ: هكذا رواه تسعة من الرواة عن حاتم بن إسماعيل، وفصلتهم، مع بيان حالهم، عند التعليق على ترجمة عبد الله بن هُرْمز في دراسة إسناد الطريق الأول مِنْ هذا الوجه. ب دراسة إسناد الوجه الثالث، مِنْ الطريق الثاني (بإسناد يحيى بن معين): ١) حاتم بن إسماعيل، أبو إسماعيل المَدَني: "ثقة". (١) ٢) عبد الله بن هُرْمز الفَدَكي اليماني: "مجهول الحال"، تَقَدَّم في الطريق الأول. ٣) سعيد بن عُبَيد: "مجهول العين"، لم أجد أحداً روى عنه غير ابن هُرْمُز الفَدَكي. (٢) ٤) محمد بن عُبَيد، أخو سعيد بن عُبيد: ترجم له البخاري، وابن أبي حاتم، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. ولم يذكره ابن حبان. وقال ابن القطَّان، وابن حجر: مجهول. وقال الذهبي في "الميزان": لا يُعْرَف. وقال الذهبي كما في حاشية "الكاشف": وعنه عبد الله بن هُرْمز فقط. فالحاصل: "مجهول العيْن". (٣) ٥) أبو حاتم المُزَنيُّ - مشهور بكُنيته، ولا يُعرف اسمه على الصحيح -: مُخْتَلَفٌ في صُحبته، فأثبتها له: البخاري، ومسلم، والترمذي، وغيرهم؛ ونفاها عنه أبو زُرْعة الرَّازي، فقال: لا أعرف له صُحبة. وأخرج حديثه أبو داود في "المراسيل". وذَكَره العلائي في "جامع التحصيل". وجَزَمَ أبو زُرعة الرازي، والترمذي، وعبد الغني المقدسي، وابن كثير، وغيرهم: بأنه ليس له إلا حديثٌ واحد - وهو حديث الباب، وقد سبق نقل كلام الترمذي عقبه -، وعليه فصحبته متوقفةٌ على ثبوت صحة السند إليه - كما قال ابن القطَّان -، وبعد دراسة سنده إليه تبيّن أنه "ضعيف جدًا" فيه عبد الله بن هُرْمز، ومحمد، وسعيد ابنيْ عُبيد مجاهيل، وعليْه ففي إثبات صحبته نظر - والله أعلم -. (٤) رابعًا: النظر في الخلاف على هذا الحديث: مما سبق يتضح أنَّ الحديث مداره على محمد بن عَجْلان، وقد اختلف عليه فيه من ثلاثة أَوْجه: الوجه الأول: محمد بن عجلان، عن ابن وَثِيمة، عن أبي هريرة ﵁. الوجه الثاني: محمد بن عجلان، عن سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة ﵁. الوجه الثالث: محمد بن عَجلان، عن عبد الله بن هُرْمز، واختلف فيه على ابن هُرْمز مِنْ طريقين: الطريق الأول: عن عبد الله بن هُرْمز (مُرْسلاً).

стр. 355

الطريق الثاني: عبد الله بن هُرْمز، عن محمد وسعيد ابنَيْ عُبيد، عن أبي حاتم المُزَني. والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الثالث بالطريق الأول (المرسل)، هو الأشبه والأقرب للصواب؛ وذلك للقرائن الآتية: ١) أنَّ الوجه الأول رواه عبد الحميد بن سُليمان، وهو "ضَعيفٌ"، وتَفَرَّد برواية هذا الوجه عن ابن عَجْلان: قال الإمام الطبراني: لم يَرو هذا الحديث عن ابن عَجْلان إلا عبد الحميد بن سليمان. وقال الدَّارقطني: تَفَرَّد به عبد الحميد بن سليمان، عن ابن عَجْلان، عن ابن وَثِيمة. (١) بالإضافة إلى مخالفته لِمَا رواه الثقات عن محمد بن عَجْلان، كما في الوجه الثالث. ٢) أنَّ الوجه الثاني رواه نوح بن ذَكْوان، وهو "ضعيفٌ، وواهٍ"، وانفَرَدَ برواية هذا الوجه عن ابن عجلان: قال الإمام الطبراني: لمْ يرْو هذا الحديث عن ابن عَجْلان، عن المَقْبُري إلا نُوح بن ذَكْوان، تَفَرَّد به عمرو بن عاصم. بالإضافة إلى مخالفته لِما رواه الثقات عن ابن عَجْلان، كما في الوجه الثالث. ٣) أمَّا الوجه الثالث بالطريق الأول (المرسل) فقد رواه الليث بن سعدٍ "ثِقَةٌ ثَبْتٌ"، ولم ينفرد به، بل تابعه الدَّراوردي عليه، مع صحة الأسانيد إليهما. فاجتَمَع فيه الأكثرية، والأحفظية، فكيف لا يُرَجَّح عليهما؟! ٤) وأمَّا رواية حاتم بن إسماعيل، عن عبد الله بن هُرْمز، فقد اختلف فيه على حاتم بن إسماعيل - كما سبق -، مَرَّة عن عبد الله بن هُرْمز (مُرْسلاً)، ومَرَّة عن عبد الله بن هُرْمز (مُتصلاً) مِنْ حديث أبي حاتم المُزَنيِّ، وقد تابعه محمد بن عجلان على الوجه المرسل، فَيُرَجَّح مِنْهما ما تُوبع عليه. ٥) ويُضاف إلى ما سبق ترجيح الأئمة الكبار - أصحاب هذا الشأن - للوجه الثالث: _ قال الإمام الترمذي: قال محمد - يعني البخاري -: وحديث الليث أشبه - أي بالصواب -، ولم يَعُدَّ عبد الحميد بن سليمان، عن ابن عَجْلان، عن ابن وَثِيمة، عن أبي هريرة مَحْفُوظًا. (٢) _ وقال أبو داود في "المراسيل": وقد أَسْنَدَه عبد الحميد بن سليمان، عن ابن عَجْلان، وهو خطأ. (٣) _ قلتُ: وللإمام يحيى بن معين في "تاريخه" كلامٌ غايةٌ في الأهمية؛ حيثُ أَوْرَدَ حديث الباب، فقال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن عبد الله بن هُرْمز الفَدَكي، عن سعيد ومحمد ابْنيْ عُبيد، عن أبي حاتم المُزَني، وذكر حديث الباب بنحوه مُطَوَّلًا، ثم قال: وابن عَجلان، سَمِعَه منْ عبد الله بن هُرْمز هذا. (٤) خامسًا:- الحكم على الحديث: أ الحكم على الحديث بإسناد الطبراني: مما سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "مُنْكَرٌ"؛ لأجل عبد الحميد بن سُليمان "ضَعيفٌ"، وقد انفَرَدَ به
следующие страницы →