روى عن: سعيد، ومحمد ابْنيْ عُبَيد، ويزيد بن أَبي الفتيان.
روى عنه: حاتم بن إسماعيل، ومحمد بن عَجلان.
حاله: ذَكَره البخاري، وابن أَبِي حاتم، ولمْ يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. وذَكَره ابن حبان في "الثقات"، وقال الذهبي في "الكاشف": حَسَّن الترمذي له (١). (٢) فالحاصل: أنَّه "مجهول الحال"، وابن حبان معروفٌ بتوثيق المجاهيل على منهجه الذي خالفَ فيه الجمهور. وأمَّا تحسين الترمذي، فالظاهر أنه حَسَّنَ له بمجموع شواهد الحديث، وليس بإسناد حديثه، والله أعلم.
قلتُ: وعلى فرض أَنَّه هو عبد الله بن مسلم بن هُرْمز المَكِّي، فهو "ضعيف". (٣)
• الطريق الثاني: عبد الله بن هُرْمز، عن محمد وسعيد ابنيْ عُبيد، عن أبي حاتم المُزَني.
أ تخريج الوجه الثالث، مِنْ الطريق الثاني:
• أخرجه ابن معين في "تاريخه" (٣/ ٤٠/١٦٤) - ومن طريقه أبو داود في "المراسيل" (٢١٢)، والدُّولابي في "الكنى" (١٥٩)، والبيهقي في "الكبرى" (١٣٤٨١)، وابن قانع في "الصحابة" (٢/ ٣٠٤)، وأبو نُعيم في "الصحابة" (٦٧٤٩/ ١) -؛ والترمذي في "سننه" (١٠٨٥)، ك/النكاح، ب/ما جاء إذا جاءكم مَنْ تَرْضوْن دينه فَزَوِّجوه، وابن أبي الدنيا في "النفقة على العيال" (١١٧)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (١١٢٢) - ومن طريقه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٦٧٤٩/ ٣) -، والطبراني في "الكبير" (٢٢/ ٢٩٩/٧٦٢)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (١٦٧٤٩/ ٢، ٤)، والذهبي في "السِيَر" (١٦/ ١١٨).
كلهم منْ طرقٍ عن حاتم بن إسماعيل، عن عبد الله بن هُرْمز - البعض لم ينسبه، والبعض نَسَبَه، فقال: الفَدَكي، والبعض اليماني -، عن سعيد، ومحمد بن عُبيد، عن أبي حاتم المُزَنيّ، قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَإِنْ كَانَ فِيهِ؟ قَالَ: «إِذَا
стр. 354
جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ». قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. واللفظ لابن معين، والأكثرون بنحوه، والبعض مُختصراً.
وقال الترمذي: "حَسَنٌ غَريبٌ"، وأبو حاتم المُزَني له صُحبة ولا نعرف له عن النبي ﷺ غير هذا الحديث.
قلتُ: هكذا رواه تسعة من الرواة عن حاتم بن إسماعيل، وفصلتهم، مع بيان حالهم، عند التعليق على ترجمة عبد الله بن هُرْمز في دراسة إسناد الطريق الأول مِنْ هذا الوجه.
ب دراسة إسناد الوجه الثالث، مِنْ الطريق الثاني (بإسناد يحيى بن معين):
١) حاتم بن إسماعيل، أبو إسماعيل المَدَني: "ثقة". (١)
٢) عبد الله بن هُرْمز الفَدَكي اليماني: "مجهول الحال"، تَقَدَّم في الطريق الأول.
٣) سعيد بن عُبَيد: "مجهول العين"، لم أجد أحداً روى عنه غير ابن هُرْمُز الفَدَكي. (٢)
٤) محمد بن عُبَيد، أخو سعيد بن عُبيد: ترجم له البخاري، وابن أبي حاتم، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. ولم يذكره ابن حبان. وقال ابن القطَّان، وابن حجر: مجهول. وقال الذهبي في "الميزان": لا يُعْرَف. وقال الذهبي كما في حاشية "الكاشف": وعنه عبد الله بن هُرْمز فقط. فالحاصل: "مجهول العيْن". (٣)
٥) أبو حاتم المُزَنيُّ - مشهور بكُنيته، ولا يُعرف اسمه على الصحيح -:
مُخْتَلَفٌ في صُحبته، فأثبتها له: البخاري، ومسلم، والترمذي، وغيرهم؛ ونفاها عنه أبو زُرْعة الرَّازي، فقال: لا أعرف له صُحبة. وأخرج حديثه أبو داود في "المراسيل". وذَكَره العلائي في "جامع التحصيل".
وجَزَمَ أبو زُرعة الرازي، والترمذي، وعبد الغني المقدسي، وابن كثير، وغيرهم: بأنه ليس له إلا حديثٌ واحد - وهو حديث الباب، وقد سبق نقل كلام الترمذي عقبه -، وعليه فصحبته متوقفةٌ على ثبوت صحة السند إليه - كما قال ابن القطَّان -، وبعد دراسة سنده إليه تبيّن أنه "ضعيف جدًا" فيه عبد الله بن هُرْمز، ومحمد، وسعيد ابنيْ عُبيد مجاهيل، وعليْه ففي إثبات صحبته نظر - والله أعلم -. (٤)
رابعًا: النظر في الخلاف على هذا الحديث:
مما سبق يتضح أنَّ الحديث مداره على محمد بن عَجْلان، وقد اختلف عليه فيه من ثلاثة أَوْجه:
الوجه الأول: محمد بن عجلان، عن ابن وَثِيمة، عن أبي هريرة ﵁.
الوجه الثاني: محمد بن عجلان، عن سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة ﵁.
الوجه الثالث: محمد بن عَجلان، عن عبد الله بن هُرْمز، واختلف فيه على ابن هُرْمز مِنْ طريقين:
الطريق الأول: عن عبد الله بن هُرْمز (مُرْسلاً).
стр. 355
الطريق الثاني: عبد الله بن هُرْمز، عن محمد وسعيد ابنَيْ عُبيد، عن أبي حاتم المُزَني.
والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الثالث بالطريق الأول (المرسل)، هو الأشبه والأقرب للصواب؛ وذلك للقرائن الآتية:
١) أنَّ الوجه الأول رواه عبد الحميد بن سُليمان، وهو "ضَعيفٌ"، وتَفَرَّد برواية هذا الوجه عن ابن عَجْلان:
قال الإمام الطبراني: لم يَرو هذا الحديث عن ابن عَجْلان إلا عبد الحميد بن سليمان.
وقال الدَّارقطني: تَفَرَّد به عبد الحميد بن سليمان، عن ابن عَجْلان، عن ابن وَثِيمة. (١)
بالإضافة إلى مخالفته لِمَا رواه الثقات عن محمد بن عَجْلان، كما في الوجه الثالث.
٢) أنَّ الوجه الثاني رواه نوح بن ذَكْوان، وهو "ضعيفٌ، وواهٍ"، وانفَرَدَ برواية هذا الوجه عن ابن عجلان:
قال الإمام الطبراني: لمْ يرْو هذا الحديث عن ابن عَجْلان، عن المَقْبُري إلا نُوح بن ذَكْوان، تَفَرَّد به عمرو بن عاصم. بالإضافة إلى مخالفته لِما رواه الثقات عن ابن عَجْلان، كما في الوجه الثالث.
٣) أمَّا الوجه الثالث بالطريق الأول (المرسل) فقد رواه الليث بن سعدٍ "ثِقَةٌ ثَبْتٌ"، ولم ينفرد به، بل تابعه الدَّراوردي عليه، مع صحة الأسانيد إليهما. فاجتَمَع فيه الأكثرية، والأحفظية، فكيف لا يُرَجَّح عليهما؟!
٤) وأمَّا رواية حاتم بن إسماعيل، عن عبد الله بن هُرْمز، فقد اختلف فيه على حاتم بن إسماعيل - كما سبق -، مَرَّة عن عبد الله بن هُرْمز (مُرْسلاً)، ومَرَّة عن عبد الله بن هُرْمز (مُتصلاً) مِنْ حديث أبي حاتم المُزَنيِّ، وقد تابعه محمد بن عجلان على الوجه المرسل، فَيُرَجَّح مِنْهما ما تُوبع عليه.
٥) ويُضاف إلى ما سبق ترجيح الأئمة الكبار - أصحاب هذا الشأن - للوجه الثالث:
_ قال الإمام الترمذي: قال محمد - يعني البخاري -: وحديث الليث أشبه - أي بالصواب -، ولم يَعُدَّ عبد الحميد بن سليمان، عن ابن عَجْلان، عن ابن وَثِيمة، عن أبي هريرة مَحْفُوظًا. (٢)
_ وقال أبو داود في "المراسيل": وقد أَسْنَدَه عبد الحميد بن سليمان، عن ابن عَجْلان، وهو خطأ. (٣)
_ قلتُ: وللإمام يحيى بن معين في "تاريخه" كلامٌ غايةٌ في الأهمية؛ حيثُ أَوْرَدَ حديث الباب، فقال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن عبد الله بن هُرْمز الفَدَكي، عن سعيد ومحمد ابْنيْ عُبيد، عن أبي حاتم المُزَني، وذكر حديث الباب بنحوه مُطَوَّلًا، ثم قال: وابن عَجلان، سَمِعَه منْ عبد الله بن هُرْمز هذا. (٤)
خامسًا:- الحكم على الحديث:
أ الحكم على الحديث بإسناد الطبراني:
مما سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "مُنْكَرٌ"؛ لأجل عبد الحميد بن سُليمان "ضَعيفٌ"، وقد انفَرَدَ به
стр. 356
- كما قال الطبراني، والدَّارقطني -، مع مخالفته لِمَا رواه الثقات.
ب الحكم على الحديث من وجهه الراجح:
والحديث مِنْ وجهه الراجح "ضعيف"؛ لإرساله، وفيه: عبد الله بن هُرْمز الفَدَكي "مجهول الحال".
شواهدٌ للحديث:
وفي الباب عن أبي أمامة، وعبد الله بن عُمر، وعائشة، وعِدَّة مراسيل، وبيانها كالآتي:
- أمَّا حديث أبي أُمامة ﵁، فأخرجه البيهقي في "الشعب" (٥١٣٦)، عن أبي أمامة ﵁، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَا أَبَا أُمَامَةَ، مَا أَنَا وَأَمَةٌ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ، سَفْعَاءُ الْمِعْصَمَيْنِ، آمَنَتْ بِرَبِّهَا، وَتَحَنَّنَتْ عَلَى وَلَدِهَا إلا كَهَاتَيْنِ - وَفَرَّقَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى - وَاللهُ أَذْهَبَ فَخْرَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَكَبُّرَهَا بِآبَائِهَا، كُلُّكُمْ لآدَمَ وَحَوَّاءَ كَطَفِّ الصَّاعِ بِالصَّاعِ، وَإِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ، فَمَنْ أَتَاكُمْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَأَمَانَتَهُ فَزَوِّجُوهُ ". قال البيهقي: فيه سَلْم بن سَالِمٍ البَلْخِيُّ غير قويٍّ، وقد رواهُ عن رَجُلٍ مَجْهُولٍ.
قلتُ: وسنده "ضعيفٌ جدًا" لا يصلح للاعتبار، ففيه علتان - كما قال البيهقي -:
الأولى: سَلْمُ بْنُ سَالِمٍ البَلْخِيُّ: قال ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو زُرعة: لا يُكتب حديثه، واتهمه بالكذب. وقال الخليلي: أَجْمَعوا على ضَعْفه.
الثانية: شيخ سالم البَلْخِيُّ "مجهول العين".
- وأمَّا حديث عبد الله بن عُمر، فأخرجه أبو بِشر الدُّولابي في "الكنى" (١٢٥٥)، وابن عدي في "الكامل" (٦/ ١٤٠)، من طريق عَمَّار بن مطر أبو عثمان الرَّهَاوي، عن مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عُمر، قال: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَأَمَانَتَهُ فَزَوِّجُوهُ إلاَّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وفسادٌ كبيرٌ ".
قال الدُّولابي: قال أبو عبد الرحمن - أي النسائي -: هذا كَذِبٌ. وقال ابن عدي: الأحاديث التي ذَكَرْتُها عن عمَّار، عن مالك بهذه الأسانيد بواطيل، ليس هي بمحفوظة عن مالك، وعمّار بن مطر الضَّعْف على رواياته بَيِّن. قلتُ: وعمَّار هذا؛ قال عنه أبو حاتم: كان يكذب. وقال ابن حبَّان: يسرق الحديث ويقلبه. وقال ابن عديّ: متروك الحديث. وقال الذهبي: هالك. وقال العُقَيْلي: يُحَدِّث عن الثقات بمناكير. (١)
- وأمَّا حديث عائشة؛ فأخرجه البخاري، ومسلم في "صحيحيهما"، عن عائشة ﵂، قالت: "أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، تَبَنَّى سَالِمًا، وَأَنْكَحَهُ بِنْتَ أَخِيهِ هِنْدَ بِنْتَ الوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَهُوَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، … فذكر الحديث". (٢)
стр. 357
والحديث بَوَّب له البخاري بقوله: الأكفاء في الدين، ثم أعقبه أيضًا بحديث عائشة، قالت: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهَا: «لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الحَجَّ؟». قَالَتْ: وَاللَّهِ لَا أَجِدُنِي إِلا وَجِعَةً، فَقَالَ لَهَا: " حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي "، وَكَانَتْ تَحْتَ المِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ. (١)
قال ابن حجر: وقوله: "وَكَانَتْ تَحْتَ المِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ" هذا القدر هو المقصود من هذا الحديث في هذا الباب، فإنَّ المقداد وهو ابن عَمرو الكندي نُسب إلى الأسود بن يغوث الزَّهري لكوْنه تبنَّاه، فكان من حلفاء قريش، وتزوَّج ضباعة وهي هاشمية، فلولا أنَّ الكفاءة لا تُعتبر بالنسب لَمَا جاز له أنْ يتزوجها لأنها فوقه في النسب. (٢) وقال: ولمْ يثبت في اعتبار الكفاءة في النسب حديث، وما ثبت صريحًا في ذلك فهو ضعيف. (٣)
قلتُ: فالحديث فهم مِنْه البخاري بفقهه الرائع أنَّ الكفاءة قائمة على الكفاءة في الدين، وليس النسب.
- وأمَّا المراسيل، فمنها: ما أخرجه عبد الرزَّاق في "المصنف" (١٠٣٢٥)، وفي "تفسيره" (١/ ٢٦٣)، عن مَعْمر، عن يحيى بن أبي كثير، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ أَمَانَتَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ، فَإِنْ لا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ». أَوْ قَالَ: «عَرِيضٌ».
قلتُ: وهذا أيضًا لا يصلح للاستشهاد والاعتبار لإعضاله، ولاحتمال عَوْدته إلى عبد الله بن هُرْمز.
- وللحديث شاهدٌ آخر أخرجه ابن وهب في "الموطأ" (٢٤٢)، قال: حدثني هشام بن سعد، وغيره، عن زيد بن أَسْلم - مُرسلًا -، أنّ رسول الله ﷺ قال: "إذا جاءَكُم مَنْ تَرْضَون دينه ورأيهُ فأنكِحوه"، قالوا: يا رسول الله، وإن؟ قال: "إذا جاءَكُم مَنْ تَرْضَون دينه ورأيهُ فأنكِحوه، … الحديث بنحوه". وإسناده حسنٌ في الشواهد.
- وأخرج ابن أبي الدُّنيا في "النفقة على العيال" (١٢٥)، عن سلمة بن سعيد، قال: قال رجل للحسن: إنَّ عندي ابنةٌ لي، وقد خُطبت إليَّ، فمن أُزَوِّجها؟ قال: "زَوِّجها مَنْ يخاف الله، فإن أحبَّها أكْرَمها، وإن أبغضها لم يظلمها.
- ويشهد لمعنى هذا الحديث ما تدل عليه أصول الشريعة، فإذا جاء من يُرْضَى دينه، وأمانته، وخُلُقه، فهو أَوْلى بالتزويج من غيره ولو كان صاحب ومال، وجاه إذا كان الآخر ليس بصاحب دين، وخلق، من ذلك:
- ما أخرجه البخاري، ومسلم في "صحيحيهما"، عن أبي هريرة ﵁، أنَّ النبي ﷺ قال: " تُنْكَحُ المَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاكَ ". (٤)
стр. 358
قلتُ: وحاصل ما سبق ذكره:
أنَّ الحديث بلفظ: "إذا جاءكم مَنْ ترْضوْن دينه وخُلُقَه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ عريض - وفي رواية: كبير -" لم يثبت بهذا اللفظ مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، فحديث أبي أُمامة، وابن عُمر، كلاهما "ضعيفٌ جدًا"، ورواية يحيى بن أبي كثير "مُعضلة"، ورواية أبي هريرة الراجح عدم ثبوتها، والراجح فيها أنَّها من رواية ابن عَجْلان عن ابن هُرْمز مُرسلًا. ورواية أبي حاتم المُزَني الراجح عدم ثبوتها من حديثه، والصواب فيها رواية حاتم بن إسماعيل - من أصحّ الأوجه عنه - وابن عَجلان - السابقة، فهي ترجع إلى هذه - كلاهما عن ابن هُرْمز مُرسلًا. وهذا المرسل يشهد له ويقوِّيه عموم ما ذكرناه من الأدلة السابقة في "الصحيحيْن" لكن بشرط أن لا يُؤخذ الحديث على ظاهره فحسب، فهناك اعتبارات أخرى ينبغي للمرء أنْ ينظر إليها، ويعتبرها، ويوليها اهتمامه كالطِّباع، والجمال، ونحو ذلك، فكما أنَّ الرجل يحب في المرأة كذا وكذا، فكذلك المرأة تحب من الرجال كذا وكذا. فيجب على وليّ المرأة أن يعتبر الدين أولًا - وهو الأساس، ولا شك - بالإضافة إلى الاعتبارات الأخرى من طباعه، ورِضَى المرأة به، ونحو ذلك، بدليل أنَّ النبي ﷺ هو الذي قال في الحديث السالف الذكر "فاظفر بذات الدين تربت يداك" وهو أيضًا القائل للمغيرة بن شُعبة: " أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ "- حين قال له أنه خطب امرأة - فقال: لا، فقال له النبي ﷺ : " فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا " (١).
تنبيه: الحديث صححه الحاكم في "المستدرك"، ورد عليه كلاً من الذهبي في "التلخيص"، وابن حجر في "اتحاف المهرة"، وقد سبق - بحمد الله وفضله - ذكر ذلك كله.
وذهب الترمذي ﵀ في "سننه" إلى أنَّ حديث أبي حاتم المُزَني "حَسَنٌ غَريبٌ"، وتبعه على تحسينه جماعة من أهل العلم، منهم الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (١٠٢٢)، وفي "إرواء الغليل" (١٨٦٨)، والشيخ الحويني في "الانشراح في آداب النكاح" (١٢)، واعتبرا - الأخيران - أنَّ حديث أبي حاتم المُزَني شاهدًا لحديث أبي هريرة من رواية ابن عَجْلان، وبهما صار الحديث حسنًا، وقال الشيخ الألباني: ولعلّ الترمذي حَسَّنَه بشواهده. قلتُ: وما سبق ذكره وتفصيله كافٍ - إن شاء الله للجواب والرد عليهم - غفر الله لنا ولهم، وجزاهم الله عنا جميعًا وعن الإسلام خير الجزاء -.
سابعًا:- النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث:
قال المصنف ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن ابن عَجْلَانَ إلا عَبْدُ الْحَمِيدِ بن سُلَيْمَانَ.
_ ومما سبق يتضح صحة ما قاله الطبراني ﵁، فلم يروه عن ابن عَجْلان، إلا عبد الحميد بن سليمان،
стр. 359
أي بالوجه المذكور برواية عبد الحميد، عن ابن عَجْلان، عن ابن وَثِيمة النَّصْري، عن أبي هريرة ﵁.
_ والذي يدلُّ على أنَّه حين قال ذلك كان يقصد تفرُّد عبد الحميد، عن ابن عَجْلان، بالوجه المذكور فقط: أنَّه في المَوْضع الثاني - الحديث رقم (٧٠٧٤) - قال: ولم يَرْوه عن ابن عَجْلان، عن المَقْبُري إلا نوح بن ذَكْوان، فكلامه هنا فَسَّرَ لنا مُراده عقب رواية الباب.
_ وقال الدَّارقطني ﵀: تفرَّد به عبد الحميد بن سُليمان، عن ابن عَجْلان، عن ابن وَثِيمة. (١)
_ وأخيرًا، أقول: يُعتبر قول الطبراني هنا إعلالاً ضِمْنياً للحديث، ووافقه على تخطئة عبد الحميد بن سُليمان - بروايته للحديث عن ابن وثيمة - البخاري، وأبو داود، وابن مَعين، كما سبق نقله، والله أعلم.
ثامنًا:- التعليق على الحديث:
قال الطِّيبِيُّ: وفي الحديثِ دَلِيلٌ لِمَالِكٍ، فإنَّه يقول: لا يُرَاعَى في الكفاءة إلا الدِّينَ وَحْدَهُ.
ومذهبُ الجمهور: أنَّه يُرَاعَى أربعة أشياء الدِّينُ والحرِّيَّة والنَّسَبُ والصَّنْعَة، فلا تُزَوَّجُ المُسْلِمَة مِنْ كافر، ولا الصَّالِحَة مِنْ فاسق، ولا الحُرَّة مِنْ عَبْدٍ، ولا المشهورة النَّسَبِ مِنَ الخَامِلِ، ولا بِنْت تاجر أو مَنْ له حرفة طَيِّبَة مِمَّنْ له حرفة خبيثة أو مكروهة، فإِنْ رَضِيَتِ المَرْأَةُ أو وَلِيُّهَا بغير كُفْءٍ صَحَّ النِّكَاحُ. (٢)
* * *
стр. 360
[٤٧/ ٤٤٧]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الطَّبَّاعُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ حَبِيبِ بْنِ نَدَبَةَ (١)، قَالَ: نا الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ.
عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ: «اسْتَكْثِرُوا هَذِهِ النِّعَالَ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لا يَزَالُ رَاكِبًا مَا كَانَتَا فِي رِجْلَيْهِ».
* لم يَرْوِ هذا الحديث عن المُثنَّى إلا الحَسَنُ بنُ حَبِيبٍ.
أولًا:- تخريج الحديث:
_ أخرجه أحمد في "مسنده" (١٤٦٢٦ و ١٤٨٧٤)، وعبدُ بن حُميد في "مسنده" - كما في "المنتخب" (١٠٥٦) -، وأبو القاسم عبد الكريم بن محمد القزويني في "أخبار قزوين" (٢/ ٢٥٤).
ثلاثتهم من طرقٍ عن عبد الله بن لهيعة، قال: حدثنا أبو الزُّبير، عن جابر، بنحوه.
_ وأخرجه الإمام مسلم في "صحيحه" (٢٠٩٦)، ك/اللباس والزينة، ب/استحباب لبس النّعال وما في معناها، والنسائي في "الكبرى" (٩٧١٥)، ك/الزينة، ب/الأمر بالاستكثار من النّعال، وأبو عوانة في "المُستخرَج" (٨٦٦٢)، وابن حبَّان في "صحيحه" (٥٤٥٨)، والبيهقي في "الشعب" (٦٢٦٦)، وفي "الآداب" (٦٢٧)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٤/ ٦٧٢)، وفي "تالي تلخيص المتشابه في الرسم" (٣٤٢).
منْ طريقيْن عن الحسن بن محمد بن أعين، عن مَعْقِل بن عُبيد الله، عن أبي الزُّبير، عن جابر، بنحوه.
_ وأبو داود في "سننه" (٤١٣٣)، ك/اللباس، ب/في النّعال، وأبو عوانة في "المُستخرَج" (٨٦٦٤)، والطبراني في "الأوسط" (٥٠٨٠ و ٥٠٨١)، وابن عدي في "الكامل" (٥/ ٤٥٢).
كلهم من طريق عبد الرحمن بن أبي الزّناد، عن موسى بن عقبة، عن أبي الزُّبير، عن جابر نحوه.
وقال الطبراني: لمْ يروِ هذا الحديث عن موسى بن عُقبة إلا ابن أبي الزّناد.
وقال ابن عدي: ولا أعلم يَرْوِيه عن موسى بن عُقبة غير عبد الرحمن بن أبي الزّناد، ولعبد الرحمن من الحديث غير ما ذَكَرْت، وبعض ما يَرْويه لا يُتابع عليه، وهو مِمَّن يُكتب حديثه.
وقال ابن القيسراني: وَرَوَاهُ عبد الرَّحْمَن بن أبي الزِّنَاد، عَن مُوسَى بن عقبَة، عَن أبي الزبير، عَن جَابر،
стр. 361
ولم يَرْوِه عن مُوسَى غيره، وهو ضَعِيفٌ. (١)
_ وأبو عوانة في "المُستخرَج" (٨٦٦٣)، وابن حبّان في "صحيحه" (٥٤٥٧)، وأبو طاهر محمد بن عبد الرحمن المُخَلِّص في "الجزء السّابع من الفوائد المُنْتقاة العوالي" - بانتقاء أبو الفتح ابن أبي الفوارس - (٨٦) - مطبوع ضمن "المخلصيات" باعتناء/ نبيل سعد الدين جرَّار (١٤١٧) -.
ثلاثتهم من طريق يحيى بن أيّوب، عن ابن جُرَيج عبد الملك بن عبد العزيز، عن أبي الزّبير، عن جابر، بنحوه. وفيه ابن جُريج لمْ يُصرّح بسماعه لهذا الحديث من أبي الزّبير.
_ والعقيلي في "الضعفاء الكبير" (١/ ٢٢١)، وابن عدي في "الكامل" (٣/ ١٣٥)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (١١/ ٥٨٢)، من طريق الحسن بن عجلان أبي جعفر، عن أبي الزّبير، عن جابر، أنَّ النبي ﷺ بَعَثَ جيشًا، وأَمَرَهم أنْ يستكثروا من النّعال، وقال: "المنتعل بمنزلة الرَّاكب".
وقال العقيلي: لا يتابعه عليه إلا مَنْ هو قريبٌ منه.
قلتُ: والحسن بن أبي جعفر، قال عنه البخاري: منكر الحديث. وقال ابن معين: ليس بشيء. (٢)
ولعلّ مُراد العقيلي من قوله: "لا يتابعه عليه إلا مَنْ هو قريبٌ منه": أي على قوله: "أنَّ النبي ﷺ بعث جيشًا"؛ والذي رواه عامة الرواة عن أبي الزُّبَير، عن جابر، قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول في غزوة غزاها"، وعند أبي داود: "كنّا مع النبي ﷺ في سفر"، وهذا يدلّ على أنَّه ﷺ كان معهم.
_ وابن عدي في "الكامل" (٤/ ٤٦٢)، من طريق سَعيد بن سَلَّام القُرشي، ثنا إبراهيم بن يزيد (٣)، عن أبي الزُّبير، عن جابر، قال: "لمَّا توجّهنا إلى تبوك، … وذَكَر الحديث"، بنحوه.
قال ابن عدي: ولسعيد بن سلّام غير ما ذكرتُ أحاديث ينفرد بها عمنْ يَروي عنهم، ويتبيّن على حديثه ورواياته الضّعف. قلتُ: وسعيد بن سلَّام، قال فيه البخاري، وأبو حاتم، وابن حبّان: منكر الحديث، وزاد أبو حاتم: جدًا. وقال ابن نُمير: كذّاب. (٤)
_ وقد وَرَدَ الحديثُ أيضًا من طريق مُجَّاعة بن الزُّبير، لكنّ مُجَّاعة هذا قد اضطرب فيه، فَرَواه مرّةً عن الحسن، عن جابر (٥)؛ ومرّةً عن الحسن، عن عِمْران بن حُصين (٦)؛ ومُجَّاعة هذا ضعيف من قِبَل
стр. 362
حفظه (١)، ولمْ يُتابعه أحدٌ على قوْلٍ منْ هذين القوليْن عن الحسن، لذا فإنّ الأئمة قد تتابعوا على ذكر هذا الحديث في ترجمته من كتب الضعفاء كالعقيلي، وابن عدي، بل والبخاري في "التاريخ الكبير" - ومعلوم أنّه يسوق في ترجمة الراوي المعلول من رواياته -، فدَلَّ هذا كله على أنّه من مُنْكراته، وأنّه لم يضبطه. (٢)
ثانيًا:- دراسة الإسناد:
١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١).
٢) محمد بن عيسى الطبّاع: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، فَقِيْهٌ، حَافِظٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٨).
٣) الحَسَنُ بن حَبِيْب بن نَدَبة، وقيل ابن حبيب بن حُميد بن نَدَبة، التّميميُّ، العَبْديُّ، أبو سعد البَصْريُّ.
روى عن: المُثَنَّى بن الصَّبَّاح، وهشام بن عُرْوة، ورَوْح بن القاسم، وآخرين.
روى عنه: محمد بن عيسى الطَّبَّاع، وعبد الله بن الصَّبَّاح، وأبو موسى محمد بن المُثَنّى، وآخرون.
حاله: قال أحمد، وأبو زُرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: شيخٌ. وقال النسائي، والدَّارقطني، والذهبي: ثِقَةٌ. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن حجر: لا بأس به. والحاصل: أنه "ثِقَةٌ". (٣)
٤) المُثَنَّى بن الصَّبَّاح، أبو عبد الله اليَمانيّ، ويُقال: أبو يحيى المَكّي.
روى عن: أبي الزُّبير المَكّي محمد بن مسلم، وعمرو بن شُعيب، وعطاء بن أبي رباح، وآخرين.
روى عنه: الحسن بن حبيب، وعبد الله بن المُبارك، وعيسى بن يونس، وآخرون.
حاله: قال أحمد: لا يساوي حديثه شيئًا، مضطرب الحديث. وقال ابن مَعين: ضعيفٌ يُكتب حديثه، ولا يُترك. وقال أبو حاتم، وأبو زُرعة: ليّن الحديث. وزاد أبو حاتم: يَرْوي عن عطاء ما لم يروِ عنه أحدٌ، وهو ضعيفٌ. وقال ابن عدي: الضعف على حديثه بَيِّنٌ. وقال ابن حبَّان: اختلط في آخره، حتّى كان لا يَدْري ما
стр. 363
يُحدِّث به، فاختلط حديثه الأخير الذي فيه الأوْهام والمناكير بحديثه العظيم الذي فيه الأشياء المستقيمة عن قومٍ مشاهير فبطل الاحتجاج به. وقال الترمذي: يُضَعَّف في الحديث. وقال ابن سعد، والدَّارقطني، والسَّاجي: ضعيف. وزاد السَّاجي: جدًّا، حدَّث بمناكير يطول ذكرها، وكان عابدًا. وقال النسائي، وعلي بن الجُنيد: متروك الحديث. وحاصله: كما قال ابن حجر في "التقريب": "ضعيفٌ، اختلط بآخره، وكان عابدًا". (١)
قلتُ: هو في الأصل ضعيفٌ في أوّل أمْره وآخره، ولعلّه اشتدّ ضعْفه باختلاطه في آخر أمره. (٢)
٥) محمد بن مُسلم بن تَدْرُس أبو الزُّبير المكّي، القُرَشيّ، الأَسَديّ، مَوْلى حَكِيم بن حزام.
روى عن: جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عُمر بن الخطَّاب، وسعيد بن حُبَير، وآخرين.
روى عنه: المُثَنَّى بن الصَّبَّاح (٣)،
وشُعبة بن الحجَّاج، ومَعْقِل بن عُبَيد الله الجزريُّ، وآخرون.
حاله: اختلف فيه أهل العلم على عدة أقوال، ملخصها ما يلي:
• ذِكْر مَنْ وَثَّقُوه: قال ابن معين، والنسائي، وابن سعد، والعِجْلي: ثِقَةٌ. وقال ابن المَديني: ثِقَةٌ ثبتٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وقال: كان من الحفّاظ، وكان عطاء يُقدّمه إلى جابر ليحفظ له.
_ وقال أحمد بن حنبل: احتمله النَّاس، وأبو الزُّبير أحبّ إليّ من أبي سفيان - يعني طلحة بن نافع -، وأبو الزُّبير ليس به بأسٌ. وقيل لأحمد: هو حُجةٌ في الحديث؟ قال: نعم هو حُجة. وقال أيضًا: أبو الزُّبير يُرْوى عنه، ويُحتجّ به. وقال ابن معين، ويحيى بن سعيد: وهو أحبّ إليّ من أبي سفيان طلحة بن نافع.
_ وقال عطاء: كنّا إذا خرجنا من عند جابر تذاكرنا حديثه، وكان أبو الزُّبير أحفظنا لحديثه.
_ وقال ابن عدي: روى عنه مالك، وكفى به صِدْقًا إنْ حَدَّثَ عنه مالك، فإنَّ مالكًا لا يَرْوي إلا عن ثقة، ولا أعلم أحدًا من الثقات تَخَلَّفَ عنه إلا قد كَتَبَ عنه، وهو في نفسه ثقة، إلا أن يَرْوي عنه بعض الضعفاء؛ فيكون ذلك من جهة الضعيف لا مِنْهُ، وأبو الزُّبير يروي أحاديث صالحة، وهو صدوقٌ ثقةٌ، لا بأس به.
_ وقال الذهبي في "الكاشف": حافظٌ ثقة. وفي "الديوان": ثقة، غَمَزَهُ شُعبة لكوْنه وزن راجحًا. وفي "تاريخ الإسلام": من الحفَّاظ الثقات، وإن كان غيره أَوْثق منه.
• ذكر مَنْ ضَعَّفه: تكلَّمَ فيه شُعبة لأسباب أَجْمَلَها الذهبي في "المُغْني"، فقال: تكلَّمَ فيه شُعبة لكوْنه استرجحَ في الميزان، وقيل: لأنه رآه يُسِيء صلاته، وقيل: لأنه رآه خاصَمَ ففجر، وقيل: لأنه كان بِزِيّ الشُّرَط.
- وقال مَعْمر: كان أَيُّوب السّختياني إذا قَعَدَ إلى أبِي الزُّبيْر مَنَّعَ رأسه. وقال أحمد: كان أيّوب يقول: حدثنا أبو الزُّبير، وأبو الزُّبير، أبو الزُّبير، قال عبد الله بن أحمد: قلتُ لأبي: كأنَّه يُضَعِّفه؟ قال: نعم. وقال
стр. 364
ابن عُييْنة: حدثنا أبو الزُّبير، وهو أبو الزُّبير. قال ابن أبي حاتم: كأنَّه يُضَعِّفه. وقال الشافعي: أبو الزُّبير يحتاج إلى دِعامة. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يُحتجُّ به، وهو أَحَبُّ إليّ من أبي سفيان - يعني طلحة بن نافع (١) -. وقال أبو زُرعة: روى عنه الناس. قيل له: يُحتجّ بحديثه؟ قال: إنما يُحتجّ بأحاديث الثقات.
• ذِكْر مَنْ تَوَسَّطَ في أمره: قال يعقوب بن شَيْبة: ثقةٌ صدوق، وإلى الضَّعف ما هو. وقال الذهبي في "المُغني"، وفي "تذكرة الحفاظ": صدوقٌ، مكثرٌ، مشهورٌ. وقال ابن حجر: صَدُوقٌ.
• وَصْفُهُ بالتدليس، وتَقْييد ذلك بروايته عن جابر، من غير رواية الليث عنه:
- وصفه به أبو حاتم الرازي، فقال - في ترجمة سُليمان بن قيْس اليَشْكُري -: جَالَسَ سُليمانُ جابراً، فسمع منه، وكتب عنه صحيفة، فتُوُفي، وبقيت الصحيفة عند امرأته، فروى أبو الزُّبير، وأبو سُفيان، والشعبي عن جابر، وهم قد سمعوا من جابر، وأكْثَره من الصحيفة. (٢) وقال النسائي: إذا قال سمِعْتُ جابرًا، فهو صحيح، وكان يدلّس. (٣) وقال ابن القطّان: أبو الزُّبير يُدلّس، ولا يُتوقّف فيما ذكر فيه سماعه، أو كان من رواية الليث عنه، ولو كان مُعَنْعَنًا. (٤) وقال الذهبي في "الكاشف": كان مدلِّسًا، واسع العلم. وقال في "المغني" و"الميزان": أبو محمد بن حزم يَرُدُّ من حديث أبي الزّبير ما يقول فيه عن جابر، ونحوه، لأنه عندهم ممن يدلّس، فإذا قال: سمعتُ، وأخبرنا احتُجَّ به. ويَحتجّ به ابن حزم إذا قال (عن) مِمَّا رواه الليث بن سعد خاصة، ثم ذكر القصة المشهورة عن الليث بن سعد في مراجعته لأبي الزّبير، وطَلَبِهِ منه أن يُعَلّم له على ما سمعه من جابر خاصة. (٥)
وذكره أبو زُرعة العراقي، والعلائي، وبرهان الدين ابن العجمي، وابن حجر، في المدلِّسين. وقال ابن حجر في "النكت": وكذا ما كان من رواية الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁، فإنه مما لم يدلس فيه أبو الزبير للقصة المشهورة. وذكره العلائي، وابن حجر في المرتبة الثالثة من
стр. 365
المدلسين. وأَكَّدَ ابن حجر وَصْفَهُ بالتدليس في "التقريب"، فقال: صدوق إلا أنه يدلّس.
• النظر في هذه الأقوال مع الجمع أو الترجيح:
١) بالنظر في أقوال الموثقين: نجدهم جماعة، فيهم مَنْ وُصف بالتشدد كابن معين، والنسائي، وغيرهما، وفيهم عطاء بن أبي رباح أحد شيوخه، وأحد الرواة عنه، فهو أدرى بحاله من غيره.
٢) وبالنظر في أقوال المُجَرّحين، نجد الآتي:
أ أمَّا قوْل شُعبة: فأمرٌ لا يقدح في ضبط الراوي، بل ويدلّ على تشدد شُعبة، وقد أخرج الجماعة لأبي الزُّبير، لذا تَعَقَّبه غير واحدٍ من أهل العلم: فقال النسائي: كان شُعبة يُسيء الرأي فيه، وأبو الزُّبير من الحُفَّاظ. (١) وقال ابن حبان: ولمْ يُنْصف مَن قَدَحَ فيه لأنّ من استرجح في الوزن لنفسه لم يَسْتحق الترك. (٢) وقال ابن رجب الحنبلي: ولم يذكر شُعبة عليه كَذِبًا، ولا سوء حفظٍ. (٣) وقال الذهبي: لعلّه - أي شُعْبَة - ما أَبْصر. (٤) وأجاب ابن القطَّان على كلام شُعبة، وفَنَّدَ جميع الأمور التي ذكرها أمرًا، أمرًا. (٥)
ب وأما المضَعّفين غير شُعبة، فالجواب عنهم بأمور؛ منها:
- أنَّ فيهم مَن هو موصوفٌ بالتشدد كأبي حاتم، وأبي زُرعة، فلا يُقبل منه الجرح، وقد وَثَّقه غيره من المُعْتَبَرين، والمُعْتَدِلين، خاصةً والجرح منه غير مُفَسَّر، يقابله توثيق جماعة، والبعض تعديلهم يدلّ على سبر لمرويَّاته، فيُقدّم التعديل عليه.
- والأوْلى مِنْ ردّ قول المُضَعّفين - وفيهم من هم! - الجمع بين الأقوال، فيُحمل قول المُضعّفين على التدليس: قال الذهبي: وقد عِيب أبو الزُّبير بأمور لا توجب ضعفه المطلق، منها: التدليس. (٦) وقال ابن حجر: وضَعَّفه بعضهم لكثرة تدليسه. وذكره في فصل مَنْ ضُعِّفَ بأمرٍ مردود، وقال: عابوا عليه التدليس. (٧)
وبالتالي يتضح لنا أنَّ منْ ضعّفه، إمَّا أن يكون مردودًا لكوْنه جَرَّحه بما لا يَقْدَح فيه، أو يُحمل تضعيفه على التدليس، وعليه فلا تعارض بين أقوال أهل العلم.
٣) وبالنظر في أقوال المتوسّطين في أمره:
أ أمَّا الذهبي فوثَّقه حِينًا، وحسَّنه حينًا آخر، فيؤخذ من قوليه ما وافق قول الجمهور.
ب وأمّا قول الحافظ ابن حجر في "التقريب": صدوق، فهو نفسه هو الذي قال في "هدي الساري" عنه:
стр. 366
أحد التابعين، وثَّقه الجمهور، وبَيَّنَ أنَّ تضْعِيفه من البعض محمولٌ على التدليس كما سبق. (١)
• والحاصل: أنه "ثِقَةٌ، لكنَّه يدلّس عن جابر خاصة (٢)، فلا يُقبل من حديثه عن جابر إلا ما صرَّحَ فيه بسماعه منه، أو كان من رواية الليث بن سعد عنه - للقصة المعروفة - (٣)
". أخرج له الجماعة، إلَّا أنّ
стр. 367
البخاري روى له مقرونًا بغيره (١). (٢)
٦) جابر بن عبد الله الأنصاري: "صَحَابِيُّ جَليلٌ، من المكثرين"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٠).
ثالثًا:- الحكم على الحديث:
مما سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ"؛ لأجل عِلَّتَيْن:
الأُولى: المُثَنَّى بن الصَّبَّاح "ضعيف". قلتُ: وضعفه يزول بمتابعات من ذكرتهم - كمَعْقِل بن عُبيد الله الجَزَري، وموسى بن عُقبة، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، وسبق تخريجها - عن أبي الزُّبير، عن جابر، فزال عنه ما نخشاه من ضعفه، فهي بمجموعها - على ما في بعضها - تُقَوّي حديثه، وترفعه.
الثانية: أبو الزُّبير المكيّ، "يدلّس في روايته عن جابر"، وقد رواه بالعنعنة - ولم أقف على تصريحه بالسماع من جابر عند كلَّ مَنْ خرَّج الحديث من طريقه -، ولم أقف - بعد طُول بحث - على رواية الليث بن سعد لهذا الحديث عن أبي الزُّبير، وبالتالي فلا سبيل إلا المتابعات والشواهد.
- وبهذه العلَّة أَعَلَّه الإمام ابن القَطَّان في كتابه "الوهم والإيهام" فقال: وَذكر - أي صاحب "الأحكام" - من طَرِيق مُسلم، عَن جَابر، أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ فِي غَزْوَة غَزَاهَا: " استكثروا من النِّعَال … "، فقال: وَسكت عَنهُ، وَلم يبيِّن أَنه من رِوَايَة أبي الزبير، عَن جَابر، من غير رِوَايَة اللَّيْث عَنهُ. (٣)
مُتابعات للحديث:
وتُوبع أبو الزبير في هذا الحديث، تابعه الحسن البصري عن جابرٍ، لكنَّها مُتابعةٌ لا يُفرح بها؛ لكونها مِنْ رواية مُجَّاعة بن الزبير، عن الحسن، ومُجَّاعة هذا "ضَعيفٌ" - كما سبق -، ومع ضَعفه فقد اضطرب في رواية هذا الحديث، فرواه مَرَّة عن الحسن عن جابر ﵁، ومَرَّة عن الحسن عن عِمْران بن حُصَين، ولم يُتابعه
стр. 368
أحدٌ مِنْ أصحاب الحسن على أحد القولين، فضعفه، مع اضطرابه، وعدم وجود مُتابعٍ له، يدل على وهنه وعدم ضبطه لهذه الرواية، وأنَّه أخطأ فيها، وبالتالي فلا تصلح روايته للاعتبار، والله أعلم.
شواهد للحديث:
وللحديث شاهدٌ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، وأنس بن مالك ﵁، ومدار حديثهما على إسماعيل بن مُسْلم المَكّي، وقد اختُلف عليه فيه من وجهين:
الوجه الأول: إسماعيل بن مسلم، عن داود بن شابور، عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه.
تخريج الوجه الأول:
• أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٤٧٥٠)، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلْمٍ، قَالَ: نَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: نَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ شَابُورَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اسْتَكْثِرُوا مِنَ الْحِذَاءِ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَنْ يَزَالَ رَاكِبًا مَا دَامَ نَاعِلاً».
وقال الطبراني: لم يَرْوِه عن دَاوُدَ بن شَابُورَ إلا إسماعيلُ بن مُسْلِمٍ، ولا عن إسماعيل إلا عَلِيُّ بنُ هاشم، تَفَرَّدَ به: سَهْلُ بن عُثْمَانَ.
الوجه الثاني: إسماعيل بن مُسلم، عن الحَسَن، عن أنس بن مالك ﵁.
تخريج الوجه الثاني:
• أخرجه خيثمة بن سليمان في "حديثه" (ص/١٩٨) - ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٨/ ٤٤) -، وأبو الشيخ الأصْبهاني في "أمثال الحديث" (٤٥)، وفي "طبقات المحدّثين بأصْبهان" (٧٧٠)، وأبو نُعَيم في "تاريخ أصْبهان" (١/ ١٠٩). كلهم من طريقٍ عن عبد الرحيم بن سُليمان، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحَسَن، عن أنس، قال: قال النبي ﷺ : "المُنْتَعل راكبٌ".
الحكم على الحديث من الوجهين:
الحديث بالوجهين مداره على إسماعيل بن مسلم المكّي - وليس البصريّ (١) -، والمكّي، قال فيه ابن
стр. 369
مَعين: ليس بشيء. وقال النسائي: متروكٌ. وقال الذهبي: ساقطُ الحديث. (١)
وقال الهيثمي: رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه إسماعيل المكّي، وهو ضعيفٌ. (٢)
وقال ابن القيسراني: رواه إسماعيل بن مسلم المكّي، وهو: متروك الحديث. (٣)
قلتُ: وإسماعيل بن مسلم اضْطَرَب فيه، فَتَلَوُّنه في الحديث - وليس مِمَّنْ يُحتمل مِنْه ذلك - يُوهنه، ويُنَبِّئُ بقلة ضبطه، ويَدلّ على أنّ هذا الحديث من مُنْكَراته، وأنّه لم يضبطه، وخطأ الراوي لا يُقَوّي غيره، ولا يتقوّى بغيره، وبالتالي فالحديث من طريق إسماعيل بن مُسلم لا يصلح للاعتبار، والشواهد، والله أعلم.
طريقٌ آخر للحديث عن أنس بن مالك ﵁:
وأخرجه العُقيلي في "الضعفاء الكبير" (٤/ ٢٥٨)، بسنده من طريق مكي بن قُمَيْر أبو الحسن العَنْبري، قال: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا يَزَالُ أَحَدُكُمْ رَاكِبًا مَا دَامَ مُنْتَعِلاً».
قال العُقيلي: هذا يُرْوَى مِنْ غير هذا الوجه بإسنادٍ أصلح مِنْ هذا.
قلتُ: والحديث بهذا الإسناد "ضعيفٌ جدًا"، فيه عِلَلٌ، وهى كالآتي:
١) مكي بن قُمَير: قال العُقيلي: مجهولٌ بالنقل، حديثه غير محفوظ. وقال الذهبي في "المغني": لا يُعرف. وقال ابن حجر في "اللسان": مجهولٌ. وذكروا هذا الحديث في ترجمته. (٤)
قلتُ: فذكر هؤلاء الأئمة الكبار وتَتابُعِهم على ذِكْر هذا الحديث في ترجمة الرّاوي يدلُّ على أنَّه من منكراته، ويؤكّد ذلك أنَّه لم يُتابعه أحدٌ - على حسب بحثي - بروايته من طريقٍ ثابتٍ، عن أنس.
٢) جعفر بن سُليمان الضُّبَعِيُّ: أعلَّ العلماء روايته عن ثابت خاصة، فقال ابن المَديني: أَكْثَرَ جعفر بن سُليمان، عن ثابت، وكَتَبَ المراسيل، وفيها أحاديث مناكير عن ثابت عن النبي ﷺ . وقال ابن عدي: وهذه الأحاديث عن جعفر بن سُليمان، عن ثابت، عن أنس، كلها إفرادات لجعفر لا يرويها عن ثابت غيره. (٥)
٣) بالإضافة إلى أنَّه لم يتابعه أحدٌ من أصحاب ثابت - المُقَدَّمين فيه - على روايته هذه (٦)، فأين كانوا؟! وعليْه فالحديث يُعتبر من مناكيره، وبالتالي فلا يصلح هذا الطريق أيضًا للاعتبار والشواهد (٧). (٨)
стр. 370
قلتُ - والله أعلم -: وعليه فلم يُصرِّح أبو الزّبير بسماعه من جابر، ولم أقف على ما يقوم مقامه من المتابعات، والشواهد، اللهم إلا تحسينًا الظن بصاحب "الصحيح"، وهو الإمام مسلم فقد أخرجه في "صحيحه" - كما سبق في التخريج - من طريق أبي الزّبير، عن جابر - ولم يذكر في الباب غيره -، ولولا هذا لكان الحديث مُعَلًاً بعنعنة أبي الزّبير. (١)
стр. 371
فلعلّ الإمام مسلم أخرجه في "صحيحه" إما لوقوفه على تصرّح أبي الزّبير، أو ما يقوم مقام ذلك من المتابعات أو الشواهد، المهم أنه أخرج الحديث في "صحيحه"، وهذا كافٍ لإثبات صحته عنده.
وعليه فالحديث بإخراج الإمام مُسلمٍ له في "صحيحه" يرتقي إلى "الصحيح لغيره"، والله أعلم.
[قلتُ - والله أعلم -: ويُضاف إلى ذلك قرينة أخرى، تدفع إعلال الحديث بعنعنة أبي الزُّبير عن جابر؛ وهي: إخراج ابن حبَّان لهذا الحديث في "صحيحه"، فإنَّه قد اشترط في "صحيحه" عدم قبول خبر المُدَلِّس إذا لم يُبَيِّن السماع فيه وإن كان ثِقَةً، فقال - مُبَيِّنًا صحة سَمَاع المُدَلِّس، أو ما يقوم مقام السماع إذا ما أخرج له في "صحيحه" بالعنعنة -: إذا صَحَّ عندي خَبَرٌ مِنْ رواية مُدَلِّس أنه بَيَّن السماع فيه، لا أُبالي أن أذكره من غير بَيَانِ السَّمَاع في خَبَرِه بعد صحته عندي من طريق آخر. (١)] [*]
رابعًا:- النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث:
قال المصنف ﵁: لم يروِه عن المُثَنَّى بن الصَّبَّاح إلا الحسن بن حبيب.
قلتُ - والله أعلم -: ومِمَّا سبق في التخريج يَتَّضح صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁.
خامسًا:- التعليق على الحديث:
يُرغّب النبي ﷺ أصحابه، والأمة من بعدهم إلى ما فيه مصلحة لهم، وحفاظًا على صحتهم، وعدم تعرُّضهم إلى ما يؤذيهم في النفس والبدن.
قال القاضي عياض: الحديث يَدُلُّ على تَرْغِيبِ اللُّبْسِ للنِّعَالِ، ولأنَّها قد تقيه الحرَّ والبَرْدَ والنَّجاسة.
وقال النَّوَوِيُّ: أي إنَّه شبيهٌ بالرَّاكب في خفَّة المشقَّة، وقلّة التَّعب، وسلامة الرِّجْلِ مِنْ أذى الطَّرِيق.
وقال القُرْطُبِيُّ: هذا كلامٌ بَلِيغٌ، ولفظ فَصِيحٌ بحيثُ لا يُنْسَجُ على مِنْوَالِهِ، ولا يُؤْتَى بمثاله، وهو إرْشَادٌ إلى المصلحة، وتَنْبِيهٌ على ما يُخَفِّفُ المشقَة، فإنَّ الحافي المُدِيمَ للمَشْيِ، يلقَى مِنْ الآلَامِ والمشَقَّةِ، وغيره ما يَقْطَعُهُ عن المشيِ، ويمنعه مِنْ الوُصُولِ إلى مقصُودِهِ، بخلافِ المُنْتَعِلِ فإنَّهُ لا يَمْنَعُهُ مِنْ إدامة المشيِ فيصلُ إلى مَقْصُودِهِ كالرَّاكِبِ؛ فلذلك يُشَبّههُ به. (٢)
* * *
стр. 372
[٤٨/ ٤٤٨]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا يُوسُفُ بْنُ يُونُسَ الأَفْطَسُ - أَخُو أَبِي مُسْلِمٍ الْمُسْتَمْلِي (١) -، قَالَ: نا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، دَعَا اللَّهُ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ، فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَسْأَلُهُ عَنْ جَاهِهِ (٢)، كَمَا يَسْأَلُهُ عَنْ مَالِهِ».
* لم يَرْوِ هذا الحديث عن عَبْدِ اللَّهِ بن دينارٍ إلا سُلَيْمَانُ بن بلالٍ، تَفَرَّدَ به: يُوسُفُ بن يُونُسَ.
أولًا:- تخريج الحديث:
• أخرجه الطبراني في "الصغير" (١٨) - ومن طريقه أبو القاسم الأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (١١٨١)، وابن العديم في "تاريخ حلب" (٢/ ٧٣١)، وهذا الحديث هو ممّا انتقاه ابن مَرْدَويه في "انتقاءه على الطبراني من حديثه لأهل البصرة" (ص/٢٠١، برقم ٩٥) -، قال: حدثنا أحمد بن خُليد (٣)، به.
- وأبو بكر الدَّيْنُوري في "المجالسة وجواهر العلم" (١١) - ومن طريقه ابنُ العديم في "تاريخ حلب" (٢/ ٧٣٢) -، وابن حبَّان في "المجروحين" (٣/ ١٣٧) - ومن طريقه ابن الجَوزي في "الموْضوعات" (٢/ ١٦٨) -، وأبو القاسم تمَّام بن محمد في "فوائده" - كما في "الروض البسَّام" (١٧٤٩) -، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٨/ ٦٦٨)، وفي "الفصل للوصل المُدْرَج في النَّقل" (٢/ ٨٠٢) - ومن طريقه ابن الجوْزيّ في "العلل المتناهية" (١٥٣٤) -، ويحيى بن الحسين الشجري في "الأمالي الخُميْسية" (٢/ ١٧٥)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٥١/ ١٧١)، كلهم من طرقٍ، عن أحمد بن خُليدٍ، به.
وقال ابن حبَّان: وهذا لا أصل له من كلام النبي ﷺ .
وقال الخطيب البغدادي في "تاريخه": هذا الحديث غريبٌ جدًّا، لا أَعْلَمُهُ يُرْوى إلا بهذا الإسناد، تفرَّد به أحمد بن خُليْد. قلتُ: وقوْله: "تفرّد به أحمد بن خُليد": سيأتي تفنيده، عند النظر في كلام المصنف ﵁.
وقال في "المدرج": وهذا الحديث لا يَثْبُت عن النبي ﷺ بوجهٍ من الوجوه. ثمّ ذكرَ توْثيقه لرجال الإسناد،
стр. 373
ونقَلَ كلامًا للدارقطني، سيأتي في موْضعه إن شاء الله .
• وأخرجه ابن عدي في "الكامل" (٨/ ٥١٤) - ومن طريقه ابن العديم في "تاريخ حلب" (٣/ ١٢٤٧) -، بسنده من طريق محمد بن يزيد الكندي، وأحمد بن يزيد بن خالد، وعِمْرَان بن بكّار، ثلاثتهم، عن يوسف بن يونس الأفطس، به. وقال ابن عدي: هذا عن سُليمان بهذا الإسناد مُنْكَرٌ، لا يرْويه عنه غير الأفطس هذا.
وذكره الذهبي في "الميزان" (٤/ ٤٧٦) - في ترجمة يوسف بن يونس الأفطس -، قال: عِمران بن بَكَّار، ومحمد بن يزيد الكندي، وأحمد بن خُليْد الكندي، حدثنا يوسف بن يونس الأفطس، وذكره بسنده، ومتنه.
- والحديث ذَكَره الإمام القرطبي في "التذكرة بأحوال الموْتى وأمور الآخرة" (١/ ٦٢٩) بإسناد الطبراني، ومتنه، ولمْ يذكر قوْل الطبراني عقبه.
ثانيًا:- دراسة الإسناد:
١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١).
٢) يوسف بن يونس الأفطس: "ضعيفٌ، يُعتبر به"، تَقَدَّمَ في الحديث رقم (٢٨).
وتتابع العلماء على ذكر حديث الباب في ترجمته، وحديث النهي عن الإخصاء، حتى قال الذهبي في "الميزان": مَنْ يَرْوي مثل هذين الخبريْن، ليس بثقةٍ، ولا مأمونٍ. (١)
٣) سُليمان بن بلال، أبو محمد، ويُقال: أبو أيُّوب، التَّيْميّ، القُرَشي، المَدَني.
روى عن: عبد الله بن دينار، وحُمَيد الطَّويل، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وآخرين.
روى عنه: يوسف بن يونس الأفطس، وإسماعيل بن أبي أُوَيس، وعبد الله بن وهب، وآخرون.
حاله: قال ابن مَعين، وأحمد، والنسائي، والعجلي، وابن عدي، والدَّارقطني، والذهبي، وابن حجر: ثِقَةٌ. وزاد أحمد: لا بأس به. وقال ابن حبَّان: من أهل الإتقان والورع في السِّر والعَلَن. وقال ابن حجر في "الفتح": حافظٌ وزيادته مقبولة. وأخرج له الجماعة. فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ"، متفقٌ على الاحتجاج به. (٢)
٤) عبد الله بن دينار، القُرَشي، العَدَوي، أبو عبد الرحمن المَدَني، موْلى عبد الله بن عُمر بن الخطَّاب.
روى عن: عبد الله بن عُمر، وذَكْوان أبي صالح السَّمّان، وسُليْمان بن يَسار، وآخرين.
روى عنه: سُليمان بن بلال، وشُعبة بن الحجَّاج، ومالكٌ بن أنس، وآخرون.
حاله: قال ابن سعد، والعجلي، وأحمد، وابن معين، وأبو حاتم، وأبو زُرعة، والنسائي، وابن حجر: ثِقَةٌ. وقال ابن حبّان: مِنْ مُتْقني أهل المدينة، وقُرَّائهم. وقال الذهبي: ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، تَفَرَّد بحديث الولاء عن ابن عُمر. وقال ابن حجر في "اللسان": مُجْمعٌ على ثقته. روى له الجماعة. ولمْ يَسْمع من عُمر ﵁ كما في "جامع
стр. 374
التحصيل" -. فالحاصل: أنّه "ثقة، ثبتٌ". (١)
٥) عبد الله بن عُمر بن الخَطَّاب ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ، من المكثرين"، تقدّم في الحديث رقم (٦).
ثالثًا:- الحكم على الحديث:
مما سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني، مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، "مُنْكرٌ جدًّا"؛ لأجل يوسف بن يونس الأفطس "ضعيف، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد"، وقد انفردَ بهذا الحديث عن سُليْمان بن بلال.
وقال ابن حبَّان - في ترجمة الأفطس هذا -: يروي عن سُليمان بن بلال ما ليس من حديثه، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. وقال ابن عدي: كلّ ما روى عن الثقات مُنكرٌ. وقال الهيْثمي: ضعيفٌ جدًّا. (٢)
ولذلك تتابع العلماء على ذكر هذا الحديث في ترجمته - على أنه من مناكيره -، وحَكَمَ غير واحدٍ من أهل العلم على هذا الحديث بأنه لا أصْل له من كلام النبي ﵁، أو نحوًا من هذا.
- فقال ابن حبّان في "المجروحين": هذا الحديث لا أصل له من كلام النبي ﷺ . (٣)
стр. 375
- وقال ابن عدي: وهذا الحديث عن سُليمان بهذا الإسناد مُنكر، لا يرْوِيه عنه غير الأفطس هذا.
- وقال الخطيب البغدادي: وهذا الحديث لا يثبت عن النبي ﷺ بوجهٍ من الوجوه.
- وقال الخطيب أيضًا: هذا الحديث غريبٌ جدًّا لا أعْلَمُه يُرْوى إلا بهذا الإسناد.
- وقال الهيْثمي: رواه الطبراني في "الصغير"، وفيه يوسف بن يونس، وهو ضعيفٌ جدًّا.
قلتُ: وقد عزاهُ في "مجمع الزوائد"، و"مجمع البحرين" إلى "الصغير" فقط، وتَبِعَهُ عليْهِ السيوطيّ في "اللآلئ المصنوعة". والحديث في "الأوْسط" أيضًا - وهو رواية الباب -.
- وذكره الشَوْكاني في "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموْضوعة"، وقال: لا أصل له.
- وقال ابن القيْسراني في "ذخيرة الحفاظ": هذا عن سُليمان بهذا الإسناد مُنكر، لا يرْوِيه عن سُليمان غير يوسف، وكان ابن عديّ حَمَلَ عليْه فيه.
- والحديث أخرجه ابن الجوزي في "العلل المتناهية"، وفي "الموْضوعات"، ونقل في "العلل" أقوال أهل العلم، وتعقَّب الخطيب البغدادي لتوثيقه يوسف بن يونس الأفطس.
- وذكره السيوطي في "اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموْضوعة"، وذكر له شاهدًا سيأتي إن شاء الله ذكره، وبيان حاله. وتَبِعه ابن عَرَّاق في "تنزيه الشريعة المرفوعة من الأخبار الشنيعة الموْضوعة".
- وقال الشيخ الألباني في "السلسلة الضعيفة": "موْضوع"، ثم قال: وأوْرَدَهُ ابن الجوْزي في "الموْضوعات"، وتعقّبه السيوطي، ثم ابن عرّاق بما لا يُجْدي. (١)
هل للحديث من شواهد؟
ذكر السيوطي في "اللآلئ المصنوعة" الحديث بإسناد الطبراني، ونقل قوْل ابن حبَّان على الحديث؛ ثم تعقّبه بأنّ يوسف الأفطس، وثَّقه الدَّارقطني، وأنّ الحديث له شاهدٌ!!، وساق الشاهد برواية الخطيب البغدادي.
والحديث أخرجه الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (٤/ ١٩٨)، مِنْ طريق محمد بن العبَّاس المعروف بابنِ النَّحْويِّ، قال: حدَّثنا أبو جعفر محمد بن عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان بن أبي شيبة، قال: حدَّثنا إبراهيم بن الحسن التَّغلبيُّ، قال: حدَّثنا عبد اللَّه بن بَكِيرٍ الغنويُّ، عن حَكِيمِ بن جُبَيْرٍ، عن الحسن بن سَعْدٍ، عن أبيه مولى عليِّ بن أبي طالبٍ، عن عليِّ بن أبي طالبٍ، قال: إِنَّ الْجَنَّةَ لَتَشْتَاقُ إِلَى مَنْ سَعَى لأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِ
стр. 376
لِيَصْلُحَ شَأْنُهُ عَلَى يَدَيْهِ، فَاسْتَبَقُوا النَّعَمِ بِذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ الْكَرِيمَ يَسْأَلُ الرَّجُلَ عَنْ جَاهِهِ وَمَا بَذَلَهُ، كَمَا يَسْأَلُهُ عَنْ مَالِهِ فِيمَ أَنْفَقَهُ.
والحديث ساقه الخطيب في ترجمة محمد بن العبَّاس المعروف بابن النحوي، ثم قال: وفي روايته نُكْرة. وقال الشوْكاني: وروى الخطيب نحو هذا من حديث عليّ بن أبي طالب بإسناد فيه مُنكر. (١)
قلتُ: والحديث بهذا الإسناد فيه عدة علل، وهي:
١) سَعد بن مَعْبَد - والد الحسن، ومولى علي بن أبي طالب - "مجهول الحال"، فلمْ يروِ إلا عن علي بن أبي طالب، ولم يروِ عنه غير ابنه الحسن، ولمْ يُوثّقه غير ابن حبَّان. وقال الذهبي: يُجهل. وقال ابن حجر: مقبول. قلتُ: ولمْ يتابع عليه فهو ليّن الحديث. (٢)
٢) وحكيم بن جُبَيْر الكوفي، قال ابن معين، وأبو داود: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، مُنكر الحديث. وقال ابن مهدي: روى أحاديث يسيرة،، وفيها أحاديث مُنكرات. وقال الدّارقطني: متروك. (٣)
٣) وعبد الله بن بُكَير الغَنَوي، قال ابن عدي: له أحاديث إفرادات. وقال الذهبي: حديثه مُنْكر. (٤)
٤) وأخيرًا أبو الحسين محمد بن العَبّاس - المعروف بابن النّحَوي -، قال الخطيب: في روايته نُكْرة.
رابعًا:- النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث:
قال المصنف ﵁: لم يَرْوِه عن عَبْدِ اللَّهِ بن دينارٍ إلا سُلَيْمَانُ بن بلالٍ، تَفَرَّدَ به: يُوسُفُ بن يُونُسَ.
- لقد وافقهُ على إطلاق التفرّد في هذا الحديث جماعةٌ من أهل العلم، كالآتي:
قال ابن عدي: لا يرويه عن سليمان بن بلال، غير يوسف بن يونس. وقال الخطيب البغدادي: هذا الحديث غريبٌ جدًّا، لا أَعْلمُه يُرْوى إلا بهذا الإسناد، تفرَّد به أحمد بن خُليْد. وقال ابن القيْسراني: لا يَرْوِيه عن سُليمان غير يوسف. (٥) والحديث أخرجه تمّام بن محمد في "فوائده"، ففيه إشارة ضمنية إلى غرابته.
ومما سبق في التخريج يتضح لنا صحة ما ذهب إليْه المصنف ﵁، فيُسلّم له فيه.
- وأمّا قول الخطيب البغدادي: تفرّد به أحمد بن خُليْد، فهذا غيْر مُسَلَّمٌ له فيه، فابن خُليْد لمْ ينفرد به، بل تابعه ثلاثةٌ من الرواة، هم: عِمْران بن بَكَّار، وأحمد بن يزيد بن خالد، ومحمد بن يزيد الكِنْدِي، وقد أخرج روايتهم ابن عدي في "الكامل" - كما سبق في التخريج -، والله أعلم.
стр. 377
خامسًا:- التعليق على الحديث:
قال المناوي: قوله: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، دَعَا اللَّهُ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ": يجوز أن يُراد به واحد، وأن يُراد به المتعدد، "فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَسْأَلُهُ عَنْ جَاهِهِ، كَمَا يَسْأَلُهُ عَنْ مَالِهِ": من أيّ جهةٍ اكتسبه، وفي أيّ شيءٍ أنفقه، نَبَّه به على أنه كما يجب على العبد رعاية حقوق الله في ماله بالإنفاق، يلزمه رعاية حقوق الله في بدنه ببذله المعونة للخلق بالشفاعة وغيرها، فكما يسأله الله عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، يسأله عن تقصيره في جاهه وبخله به؛ فإذا رأينا عالمًا أو صالحًا يتردَّدُ للحكّام لا يبادر بالإنكار، بل يتأمل إن كان لمحض نفع العباد وكشف الضر عنهم مع الزهد واليأس فيما في أيديهم والتعزيز بعز الإيمان، وأمرهم بالمعروف والنهي عن المنكر فلا حرج عليه؛ لأنه من المحسنين، وما على المحسنين من سبيل.
قال الغزالي: والجاه معناه ملك القلوب بطلب محل فيها للتوصل إلى الاستعانة للفرض، وكل من لم يقدر على القيام بنفسه في جميع حاجاته وافتقر لمن يخدمه افتقر إلى جاه في قلب خادمه، إذ لو لم يكن له عنده قدر لم يقم بخدمته، فقيام القدر في القلوب هو الجاه، وهذا له أول قريب، لكن يتمادى إلى هاوية لا عمق لها، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، وإنما الحمل في القلوب لجلب نفع أو دفع ضر، فالنفع يغني عنه المال، والدفع يحتاج إلى الجاه، وقدر الحاجة لا ينضبط، والخائض في طلب الجاه سالكٌ طريق الهلاك، والاشتغال بالتدين والتعبد يُمهد له في القلوب ما يدفع به الأذى، فلا رخصة في طلبه؛ لأن له ضراوة كضراوة الخمر، بل أشد! ولذلك يسأل الله تعالى عنه.
وقال أيضًا: حقيقة الجاه ملك القلوب، فمالكها يتوسل بها إلى المقاصد؛ كمالك المال يتوسل به إليها، بل المال أحدها، والجاه قُوت الأرواح الطالبة الاستعلاء، ومن ابتُلي بحب الجاه جرَّه إلى الرياء، والنفاق، ولا يقوم بحق الجاه على الوجه الشرعي إلا الأفراد، ولهذا كان مسؤولًا عنه، وعلاجه مركّب من علم وعمل: فالعلم أن يتأمل أن آخر أمره الموت، ويجعله نصب عينه، والعمل أن يتخذ العزلة إلا لضرورة المعيشة، وما لا بد له منه كالقليل من المال، فالمال قوت الأبدان للغذاء، والجاه قوت الأرواح للاستعلاء. (١)
* * *
стр. 378
[٤٩/ ٤٤٩]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو يَعْقُوبَ التَّمِيمِيُّ (١) الأَذَنِيُّ (٢)، قَالَ: نا شَرِيكٌ (٣)، عَنْ هِلالٍ الْوَزَّانِ (٤)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلا وسَيَسْأَلُهُ رَبُّهُ ﵎، فَيَقُولُ: عَبْدِي مَا غَرَّكَ بِي؟ مَاذَا أَجَبْتَ الْمُرْسَلِينَ؟».
* لم يَرْوِ هذا الحديث عن هلالٍ الوزَّانِ إلا شَرِيكٌ، تَفَرَّدَ به: إسحاقُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ.
هذا الحديث مداره على شَرِيكٌ بن عبد الله النَّخعي، واختُلف عليه فيه من وجهين:
الوجه الأول: شريك، عن هلال الوَزَّان، عن عبد الله بن عُكَيم، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ (مرفوعًا).
الوجه الثاني: شريك، عن هِلال الوزَّان، عن عبد الله بن عُكَيم، عن عبد الله بن مسعود ﵁ (موقوفًا).
وتفصيل ذلك كالآتي:
أولًا:- الوجه الأول: شريك، عن هلال الوَزَّان، عن عبد الله بن عُكَيم، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ (مرفوعًا).
أ تخريج الوجه الأول:
• لم أقف عليه - على حد بحثي - مِنْ هذا الوجه إلا برواية الباب.
ب دراسة إسناد الوجه الأول:
٢) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١).
٣) إسحاق بن عبد الله، أبو يعقوب التميميّ، الأَذَنيّ.
روى عن: شريك بن عبد الله، وإسماعيل ابن عُلَيَّة، ويوسف بن أسباط.
روى عنه: أحمد بن خُليْد، وبلال بن العلاء الرَّقي.
حاله: ذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وقال: شيخ يروي عن: يوسف بن أسباط، روى عنه: بلال بن العلاء
стр. 379
الرَّقي. ولمْ أقف - على حد بحثي - على أحدٍ وثَّقه، أو ترجم له غيره. والحاصل: أنَّه "مجهول الحال". (١)
٤) شريك بن عبد الله النَّخَعيّ: "ضعيفٌ، يُعتبر بحديثه"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٠).
٥) هلال بن أبي حُمَيد، ويُقال: ابن حُمَيد، ويُقال: ابن عبد الله - قال البخاري: ولا يصح -، ويُقال: ابن عبد الرحمن، ويُقال: ابن مِقْلاص، الجُهَني (٢)، أبو عمرو، ويُقال: أبو الجَهْم، الكُوفيّ، المعروف بالوَزَّان.
روى عن: عبد الله بن عُكَيم الجُهَني، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعُرْوة بن الزُّبير، وآخرين.
روى عنه: شريك بن عبد الله النَّخَعي، وسفيان بن عُيينة، ومِسْعر بن كِدام، وآخرون.
حاله: قال ابن معين، والنسائي، والذهبي، وابن حجر: ثِقَةٌ. وقال أبو داود: لا بأس به. وذكره ابن حبان، وأبو حفص ابن شاهين في "الثقات". فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ". (٣)
٦) عبد الله بن عُكيْم الجُهنيّ، أبو مَعْبد الكوفي.
روى عن: النبي ﷺ ، وعبد الله بن مسعود ﵁، وعمر بن الخطّاب ﵁، وآخرين.
روى عنه: هلال الوزَّان، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وآخرون.
حاله: المتفق عليه فيه أنّه أسْلم بلا ريْب في حياة النبي ﷺ قاله الذهبي في "السير" -، وأنه سمع من كتاب النبي ﷺ على اختلافٍ في هذه -. وقد اختُلف في صحبته، وسماعه من النبي ﷺ ، والراجح من ذلك عدم ثبوت سماعه من النبي ﷺ ؛ قال البخاري، وأبو حاتم: أدرك زمان النبي ﷺ ، ولا يُعرف له سماعٌ صحيح. وقال أبو زُرعة: لمْ يَسْمع ابن عُكيم من النبي ﷺ ، وكان في زمانه. وبنحو هذا قاله: ابن حبان في "الثقات"، وابن مندة، وأبو نُعيم في "معرفة الصحابة"، والبغوي في "معجم الصحابة"، وابن الأثير في "أسد الغابة"، والخطيب البغدادي في "تاريخه"، والذهبي في "التجريد"، ونقل الحافظ ابن حجر في "الإصابة" قوْل البخاري، ولم يذكر غيره. وقال الخزرجي في "الخلاصة"، وابن حجر في "التقريب": مُخضرم.
- وأمَّا مَنْ ذكروه في "الصحابة"، وأخرجوا حديثه في "المسند - كأبي داود الطيالسي، وأحمد بن حنبل -، فالجواب عنه بما قاله أبو حاتم: مَن شاء أدخله في "مسنده" على المجاز - يعني تجوّزًا -.
стр. 380
وقال د/ كمال قالمي الجزائري: ومَن ذكره من العلماء في الصحابة، فإنِّما لأجل المعاصرة. (١)
- وقال الخطيب البغدادي: ثقة. وذكره العجلي، وابن حبان في "الثقات". فالحاصل: أنه "مُخَضْرَمٌ ثِقَةٌ". (٢)
٧) عبد الله بن مسعود: "صحابيٌّ جليلٌ، مِنْ كِبَار الصحابة"، تقدم في الحديث رقم (٢٨).
ثانيًا:- الوجه الثاني: شريك، عن هِلال الوزَّان، عن ابن عُكَيم، عن ابن مسعود ﵁ (موقوفًا).
أ تخريج الوجه الثاني:
• أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (٣٨) - ومن طريقه عبد الله بن أحمد في "السنة" (١١٥٢)، والنسائي في "الكبرى" (١١٨٤٣)، ك/المواعظ، وأبو بكر الدَّيْنُوري في "المجالسة وجواهر العلم" (٨)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (١٢٠٠)، وعزاه ابن كثير في "البداية والنهاية" (٢٠/ ٢٢) إلى البيهقي، من طريق عبد الله بن المبارك - ولم أقف عليه في المطبوع من كتبه -.
_ وأسد بن موسى في "الزهد" (٩٦) - ومن طريقه ابن خزيمة في "التوحيد" (٢٤٥) -.
стр. 381
- وعبد الله بن أحمد في "السنة" (٤٧٤ و ٤٧٥ و ١١٥٠ و ١١٥١)، وابن خُزيمة في "التوحيد" (٢١٧)، مِنْ طرق عن وكيعٍ بن الجَرَّاح.
_ والطبري في "تفسيره" (١٤/ ١٤٠)، مِنْ طريق محمد بن عبد الله بن الزّبير أبي أحمد الكوفي.
_ وأبو جعفر محمد بن عمرو البَختري في "فوائده" - مطبوع ضمن "مجموع فيه مصنفات أبي جعفر ابن البختري" (٦٠٥) - مِنْ طريق الأسود بن عامر شاذان، أبي عبد الرحمن الشّامي.
_ وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٨/ ٢٣٤)، مِنْ طريق أبي نُعيم الفضل بن دُكين الكوفيّ الأحول.
_ وابن بطة في "الإبانة الكبرى" (٧/ ٤٣)، مِنْ طريق إسحاق بن عيسى أبي يعقوب ابن الطبّاع.
سبعتهم (ابن المبارك، وأسد بن موسى، ووكيع، وأبو أحمد الكوفي، وشاذان، والفضل بن دُكين، وابن الطبّاع)، عن شريك بن عبد الله، عن هلال الوزّان، عن عبد الله بن عُكيم، قال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، بَدَأَ بِالْيَمِينِ قَبْلَ الْحَدِيثِ، فَقَالَ: " مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا سيَخْلُو بِهِ رَبُّهُ كَمَا يَخْلُو أَحَدُكُمْ بِالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ يَقُولُ: ابْنَ آدَمَ! مَا غَرَّكَ بِي؟ يَا ابْنَ آدَمَ! مَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ؟ يَا ابْنَ آدَمَ! مَاذَا أَجَبْتَ الْمُرْسَلِينَ؟ "، واللفظ لابن المبارك.
ب متابعة للوجه الثاني:
وقد تُوبع شريك في روايته للحديث بالوجه الثاني (موْقُوفًا)، تابعه:
الوضّاح بن عبد الله، أبو عوانة اليَشْكُري: فأخرجه أحمد في "الزهد" (٩٠٧)، وأبو عبد الله المَرْوزي في "تعظيم قدر الصلاة" (٨٤٨)، والطبراني في "الكبير" (٨٨٩٩)، وأبو بكر الآجُري في "أخلاق العلماء" (ص/٧٩)، وأبو القاسم اللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" (٨٦٠)، وأبو نُعيم في "حلية الأولياء" (١/ ١٣١)، كلهم من طرقٍ، عن أبي عوانة، عن هلال الوزَّان، بنحوه.
ثالثًا:- النظر في الخلاف على هذا الحديث:
مِمَّا سبق يتضح أنّ الحديث مداره على شريك بن عبد الله النّخعي، واختُلف عليه فيه من وجهين:
الوجه الأول: عن شريك، عن هلال الوزّان، عن عبد الله بن عُكيم، عن عبد الله بن مسعود (مرفوعًا).
الوجه الثاني: عن شريك، عن هلال الوزّان، عن عبد الله بن عُكيم، عن عبد الله بن مسعود (موقوفًا).
والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الثاني هو الأشبه، والأقرب إلى الصواب؛ للقرائن الآتية:
١) الأكثرية، والأحفظية، بالإضافة إلى أنَّ الراوي بالوجه الأول، هو إسحاق بن عبد الله أبو يعقوب التميمي "مجهول الحال"، ومع ضعفه فقد انفرد به، مع مخالفته لمن هم أكثر عددًا منه، وأحْفظ.
٢) وجود متابعة لشريك بن عبد الله على الوجه الثاني، دون الأول. (١)
стр. 382
رابعًا: الحكم على الحديث:
أ الحكم على الحديث بإسناد الطبراني:
مما سبق يَتَبَيَّن أنّ الحديث بإسناد الطبراني - بالوجه المرفوع - "مُنْكَرٌ"؛ لأجل إسحاق بن عبد الله التَّميمي الأذني "مجهول الحال"، وانفرد به، مع مخالفته لما رواه عامة الثقات عن شريك بن عبد الله.
ب الحكم على الحديث مِنْ وجهه الراجح - بالوجه الموْقُوف على ابن مسعود -:
مما سبق يتضح أنّ الحديث مِنْ وجهه الراجح الموقوف "ضعيفٌ"؛ لأجل شريك بن عبد الله النّخعي "ضَعيفٌ يُعتبر بحديثه". قلتُ: ولم يَنْفرد به، بل تابعه أبو عوانة اليَشْكُري - كما سبق في التخريج -.
شواهد للحديث:
- وللحديث شواهد، منها: ما أخرجه البخاري، ومسلم في "صحيحيهما"، من حديث عديّ بن حاتم، قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلا وَسَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، ثُمَّ يَنْظُرُ فَلَا يَرَى شَيْئًا قُدَّامَهُ، ثُمَّ يَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَّقِيَ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». (١)
- وأخرج البخاري في "صحيحه" من طريق مُحِلّ بن خليفة الطّائي، قال: سمعتُ عدي بن حاتم ﵁، يَقُولُ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَهُ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا يَشْكُو العَيْلَةَ، وَالآخَرُ يَشْكُو قَطْعَ السَّبِيلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَمَّا قَطْعُ السَّبِيلِ: فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكَ إِلا قَلِيلٌ، حَتَّى تَخْرُجَ العِيرُ إِلَى مَكَّةَ بِغَيْرِ خَفِيرٍ، وَأَمَّا العَيْلَةُ: فَإِنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ، حَتَّى يَطُوفَ أَحَدُكُمْ بِصَدَقَتِهِ، لَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا مِنْهُ، ثُمَّ لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ وَلَا تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ: أَلَمْ أُوتِكَ مَالا؟ فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى … الحديث". (٢)
وعلى هذا فالأثر بمتابعاته، وشواهده، يرْتقي من "الضعيف" إلى "الصحيح لغيره".
قلتُ: والأثر مع كوْنه موْقُوفًا، فله حكم الرّفع، فهذا مما لا مجال فيه للرأي والاجتهاد، والله أعلم.
خامسًا: النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث:
قال المصنف ﵁: لم يَرْوِه عن هلالٍ الوزَّانِ إلا شَرِيكٌ، تَفَرَّدَ به: إسحاقُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ.
قلتُ: ومِمَّا سبق في التخريج يَتَبَيَّن صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁.
* * *
стр. 383
[٥٠/ ٤٥٠]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا عُبَيْدُ بْنُ هِشَامٍ الْحَلَبِيُّ، قَالَ: نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ إِسْمَاعِيلِ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ.
عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ.
* لم يَرْوِ هذا الحديث عن إِسْمَاعِيلَ بن أبي خَالِدٍ إلا عُبَيْدُ اللَّهِ بن عَمْرٍو، تَفَرَّدَ به: عُبَيْدُ بن هِشَامٍ.
أولاً:- تخريج الحديث:
• أخرجه مالك في "الموطأ" (٢١١) - ومِنْ طريقه النَّسائيّ في "الكبرى" (١٠٧٤)، ك/المساجد، ب/القراءةُ في العشاء الآخرة بالتِّينِ والزَّيْتُونِ، وبرقم (١١٦١٨)، ك/التفسير، ب/سورة التين، وفي "الصغرى" (١٠٠٠)، والمُسْتَغْفري في "فضائل القرآن" (١٠٠٠)، والبيهقي في "معرفة السنن" (٤٨٢١) -، وعبد الرَّزَّاق في "المُصَنَّف" (٢٧٠٦)، وابن أبي شيبة" في "المُصَنَّف" (٣٦٠٧)، وأحمد في "مسنده" (١٨٥٠٣ و ١٨٥٢٧ و ١٨٥٦٦ و ١٨٦٣٩ و ١٨٦٨١ و ١٨٦٨٨ و ١٨٦٩٨ و ١٨٧٠٨)، والبخاري في "صحيحه" (٧٦٧)، ك/الآذان، ب/الجهر في العشاء، وبرقم (٧٦٩)، ك/الآذان، ب/القراءة في العشاء، وبرقم (٤٩٥٢)، ك/التفسير، ب/سورة والتين، وبرقم (٧٥٤٦)، ك/التوحيد، ب/قول النَّبِيِّ ﷺ : «المَاهِرُ بِالقُرْآنِ مَعَ الكِرَامِ البَرَرَةِ»، ومُسلمٌ في "صحيحه" (٤٦٤/ ١ - ٣)، ك/الصلاة، ب/القراءة في العشاء، وابن ماجه في "سننه" (٨٣٤ و ٨٣٥)، ك/الصلاة، ب/القراءة في صلاة العشاء، وأبو داود في "سننه" (١٢٢١)، ك/الصلاة، ب/قَصْرِ قِرَاءَةِ الصَّلَاةِ في السَّفَرِ، والترمذي في "سننه" (٣١٠)، ك/الصلاة، ب/القراءة في صلاة العشاء، والنَّسائيّ في "الكبرى" (١٠٧٥)، ك/المساجد، ب/القراءةُ في الرَّكْعَةِ الأُولى مِنْ صلاة العِشَاءِ، وفي "الصغرى" (١٠٠١)، وأبو يعلى في "مسنده" (١٦٦٥)، وأبو بكر الرُّويانيُّ في "مسنده" (٣٧٤ و ٣٧٥ و ٣٧٧ و ٣٧٨)، وابن خزيمة في "صحيحه" (٥٢٢ و ٥٢٤ و ١٥٩٠) - ومِنْ طريقه المُسْتَغْفري في "فضائل القرآن" (٩٩٨) -، وأبو العبَّاس السَّرَّاج في "مسنده" (١٥٢ - ١٥٦)، وأبو عوانة في
"المُستخرَج" (١٧٧٠ و ١٧٧١ و ١٧٧٢ و ١٧٧٣)، وابن حبَّان في "صحيحه" (١٨٣٨)، والطبراني في "الأوسط" (٥٠٧٨)، وأبو نُعيم في "الحلية" (٧/ ٢٤٩)، والمستغفري في "فضائل القرآن" (٩٩٩)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٤٠٣٩ و ٤٠٤٠)، وفي "معرفة السنن" (٤٨٢٢)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٤/ ٧٨)، والبغوي في "تفسيره" (٨/ ٤٧٣).
كلهم مِنْ طُرُقٍ عن عدي بن ثابتٍ، بنحوه. وقال الترمذي: هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ.
ثانياً:- دراسة الإسناد:
١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١).
٢) عُبَيْد بن هشام، أبو نُعَيْم الحلبيّ، القَلانِسِيُّ، الجُرْجَانيُّ الأصل.
روى عن: عُبَيد الله بن عَمرو الرَّقيّ، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، ومالك بن أنس، وآخرين.
стр. 384
روى عنه: أحمد بن خُليد، وأبو زرعة، وأبو حاتم الرَّازيان، وآخرون.
حاله: قال ابن عدي: سألت عَبْدان عنه، فقال: هو عندهم ثِقَةٌ. وقال الخليليُّ: ثِقَةٌ مَرْضيٌّ عندهم. وقال أبو حاتم، وصالح جزرة: صدوقٌ. وزاد جزرة: رُبَّما غلط.
- وقال أبو داود: ثِقَةٌ، إلا أنَّه تَغَيَّر في آخر عمره، لُقِّن أحاديث ليس لها أصلٌ، لُقِّن عن ابن المبارك، عن مَعْمَر، عن الزُّهْري، عن أنس حديثًا مُنْكَرًا. وقال أبو أحمد الحاكم: حدَّث عن عبد الله بن المبارك، عن مالك بن أنس بأحاديث لا يُتابع عليها. وقال ابن حجر: صَدُوقٌ، تَغَيَّر في آخر عمره، فتلقَّن.
- وقال النَّسائي: ليس بالقوي. وقال أحمد بن محمد بن عثمان: ضَعيفٌ. (١)
وحاصله: أنَّه في الأصل "ثِقَةٌ، مرضيٌّ عندهم، لكنَّه تَغَيَّر في آخر عمره، ولُقِّن، فقبل التلقين، وذكر العلماء بعض ما لُقِّن فيه، ولم أقف على الضابط الذي يُمَيِّز حديثه قبل وبعد الاختلاط، فلا يُقبل مِنْ حديثه إلا ما تُوبع عليه، ويُرد ما انفرد به"، والله أعلم. (٢)
٣) عُبيد الله بن عَمرو الرَّقي: "ثِقَةٌ، فَقِيهٌ، حُجَّةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٩).
٤) إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ الْبَجَلِيُّ، أبو عبد الله الْكُوفِيُّ. وَاسْمُ أَبِيْهِ: هُرْمُزُ، وَقِيْلَ: سَعْدٌ. وَقِيْلَ: كَثِيْرٌ.
روى عن: عدي بن ثابت (٣)،
وعبد الله بن أبي أوفى ﵁، وقيس بن أبي حازم، وآخرين.
روى عنه: عُبيد الله بن عَمرو الرَّقي، وزُهير بن مُعاوية، والسفيانان، وشعبة، ويحيى القَطَّان، وآخرون.
حاله: قال العِجْلي، ويعقوب بن شيبة، وابن حجر: ثِقَةٌ ثَبْتٌ في الحديث. وقال ابن مهدي، وابن معين،
стр. 385
وأبو حاتم، والنَّسائي: ثِقَةٌ. ولَقَّبَه مَرْوان بن مُعاوية بالميزان. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال الذهبي: ثقةٌ حجةٌ. وفي "السير": أَجْمَعُوا عَلَى إِتقَانِه، وَالاحْتِجَاجِ بِهِ، وَلَمْ يُنْبَزْ بِتَشَيُّعٍ، وَلَا بِدعَةٍ، وحديثه مِنْ أعلى ما يكون في "صحيح البخاري". وروى له الجماعة.
- وقال الثوري: هو أعلم النَّاس بالشَّعْبيّ، وأثبتهم فيه. وقال أحمد: أصح النَّاس حديثًا عن الشَّعْبيّ ابنُ أبي خالد. وقال ابن معين، وأبو حاتم: لا أُقَدِّم عليه أحدًا مِنْ أصحاب الشَّعْبيّ. وقال العِجْلي: رُبَّما أرسل الشيء عن الشعبي، فإذا وُقِفَ أخبر. وقال العجلي: راوية لقيس بن أبي حازم، ولم يكن أحدٌ أروى عنه مِنْه.
- وذكره العلائيُّ، وأبو زرعة العراقي، وابن حجر في "المدلسين"، وقالوا: وصفه به النَّسائي. وجعله العلائي، وابن حجر في المرتبة الثانية مِنْ المدلسين. ثُمَّ ذكره العلائيُّ فيمن يُرسل عن جماعة مِنْ الصحابة، وغيرهم، كأنس بن مالك، وغيره. وفي "تهذيب التهذيب"، قال أبو نُعيم: أدرك إسماعيل اثنى عشر نفساً من الصحابة، منهم من سمع منه، ومنهم من رآه رؤية.
فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ ثَبْتٌ"، وأمَّا وصف النَّسائي له بالتدليس فهو محمولٌ على الإرسال؛ فلم أقف على مَنْ ذكره بالتدليس غيره، وإنَّما ذكره غير واحدٍ بالإرسال، وتدليسه عن الشَّعبي قليلٌ ونادر؛ بدليل قول العجلي: رُبَّما أرسل عن الشَّعْبيّ، ومع ذلك فإذا وُقِفَ أخبر. وعلى كل حال فلو صَحَّ وصفه بالتدليس فهو مِمَّن يُحتمل تدليسه فلا يُتَوقف في عنعنته. توفيَّ سنة سِتٍ وأربعين ومائة. (١)
٥) عَدِيّ بن ثابت الأنصاري: "ثِقَةٌ"، تُوفيَّ سنة ست عشرة ومائة، تَقَدَّم في الحديث رقم (٣٥).
٦) البَرَاءُ بن عَازب بن الحارث، أبو عُمارة، وأبو عَمرو، ويُقَال: أبو الطُّفَيل، الأَنْصَاريُّ، المدنيُّ.
روى عن: النَّبيّ ﷺ ، وأبي بكرٍ الصديق ﵁، وعُمر بن الخطاب ﵁، وآخرين.
روى عنه: عدي بن ثابت، وعامر الشَّعْبيّ، وأبو إسحاق السَّبيعيُّ، وآخرون.
له ولأبيه صحبةٌ. استصغره النَّبيُّ ﷺ يوم بدر، وأول مشاهده الخندق، وقيل: أحد. وغزا مع النَّبي ﷺ أربع عشرة غزوة، وقيل: خمس عشرة غزوة. (٢)
ثالثًا:- الحكم على الحديث:
مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ"؛ لأجل عُبَيْد بن هشام الحلبي "ثِقَةٌ، لكنَّه اختلط بآخرة، ولُقِّن أحاديث"، ولم يَتَميز حديثه.
стр. 386
مُتابعات للحديث:
والحديث قد جاء مِنْ طُرُقٍ عِدَّة عن عدي بن ثابت، وبعضها مُخَرَّجٌ في "الصحيحين" - كما سبق في التخريج -؛ وعليه فالحديث بمتابعاته يرتقي إلى "الصَحيح لغيره"، والله أعلم.
رابعًا:- النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث:
قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْوِه عن إِسْمَاعِيلَ إلا عُبَيْدُ اللَّهِ بن عَمْرٍو، تَفَرَّدَ به: عُبَيْدُ بن هِشَامٍ.
قلتُ: ومِمَّا سبق في التخريج يَتَبَيَّن صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁.
ولم أقف عليه بهذا الطريق إلا عند المُصَنِّف ﵁، مِمَّا يدل على سعة روايته، وكثرة علمه، وكثرة رحلاته.
خامسًا:- التعليق على الحديث:
قال الإمام الترمذي: وقد رُوِيَ عن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «قَرَأَ فِي العِشَاءِ الآخِرَةِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ»، وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي العِشَاءِ بِسُوَرٍ مِنْ أَوْسَاطِ المُفَصَّلِ نَحْوِ سُورَةِ المُنَافِقِينَ، وَأَشْبَاهِهَا، وَرُوِيَ عن أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالتَّابِعِينَ ﵃: أَنَّهُمْ قَرَأُوا بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا وَأَقَلَّ، كَأَنَّ الأَمْرَ عِنْدَهُمْ وَاسِعٌ فِي هَذَا، وَأَحْسَنُ شَيْءٍ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «قَرَأَ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ». (١)
وقال ابن حجر: كثر سؤال بعض الناس هل قرأ بها في الركعة الأولى أم الثانية، أو قرأ فيهما معًا، كأن يقول أعادها في الثانية، وعلى أن يكون قرأ غيرها، فهل عُرِفَ؛ وما كنت أستحضر لذلك جوابًا، إلى أن رأيت في كتاب "الصحابة" لأبي علي بن السكن في ترجمة زرعة بن خليفة رجل من أهل اليمامة، أنه قال: سمعنا بالنبي ﷺ فأتيناه فعرض علينا الإسلام، فأسلمنا، وأسهم لنا، وقرأ في الصلاة بالتين والزيتون، وإنا أنزلناه في ليلة القدر، فيمكن إن كانت هي الصلاة التي عَيَّن البراء بن عازب أنَّها العشاء، أن يُقَال: قرأ في الأولى بالتين، وفي الثانية بالقدر، ويحصل بذلك جواب السؤال، ويقوي ذلك أنَّا لا نعرف في خبر من الأخبار أنه قرأ بالتين والزيتون، إلا في حديث البراء، ثم حديث زرعة هذا. (٢)
* * *
стр. 387
[٥١/ ٤٥١]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ الأَذَنِيُّ، قَالَ: نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مِنَ السُّنَةِ أَنْ لا تَخْرُجَ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى تَطْعَمَ، ولا يَوْمَ النَّحْرِ حَتَّى تَرْجِعَ.
* لم يَرْوِ هذا الحديث عن ابن جُرَيْجٍ إلا ابنُ عُلَيَّةَ، تَفَرَّدَ بِهِ: إِسْحَاقُ بن عَبْدِ اللَّهِ.
هذا الحديث مداره على عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، واخْتُلف عليه مِنْ وجهيْن:
الوجه الأول: ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عبَّاس، بِذِكر الأكل يوم الفِطر قبل الخروج إلى المُصَلَّى، ويوم الأضحى بعد الرجوع، وأنَّ الأمريْن من السُّنَّة.
الوجه الثاني: ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عبَّاس، يقول: "إِنِ اسْتطعتم أن لا يغدو أحدكم يوم الفِطْرِ حتى يَطْعَم فَلْيَفعل … الحديث"، وليس فيه ذِكر الإطعام يوم النَّحر.
وتفصيل ذلك كالآتي:
أولًا:- الوجه الأول: ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عبَّاس، بِذِكر الأكل يوم الفِطر قبل الخروج إلى المُصَلَّى، ويوم الأضحى بعد الرجوع، وأنَّ الأمريْن من السُّنَّة.
أ تخريج الوجه الأول:
• لم أقف عليه - على حد بحثي - إلا برواية الطبرانيّ - ومن طريقه الضياء المَقْدِسي في "المختارة" (١٩٨)، وذكره الزيلعيُّ في "نصب الرَّاية" (٢/ ٢٠٩) بإسناد الطبراني ومتنه -.
ب دراسة إسناد الوجه الأول:
١) أحمد بن خُليد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١).
٢) إسحاق بن عبد الله التَّميميُّ الأَذَنِيُّ: "مجهول الحال"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٤٩).
٣) إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم، أبو بِشْر، المعروف: بابن عُليَّة، وعُلَيَّة أُمُّه، وقيل: جدَّته لأمِّه.
روى عن: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، وسعيد بن إياس الجُريري، وأيُّوب السِّختيانيّ، وآخرين.
روى عنه: إسحاق بن عبد الله التميميّ، وشُعبة بن الحَجَّاج، وعبد الرحمن بن مهديّ، وآخرون.
حاله: قال ابن معين: ثِقَةٌ مأمونٌ صدوقٌ وَرِعٌ تَقِيٌّ. وقال أحمد: إليه المُنْتَهى والتَّثَبْت بالبصرة. وقال أبو حاتم: ثِقَةٌ مُتَثَبِّتٌ في الرجال. وقال ابن حبَّان: كان مِنْ المُتْقِنِين. وقال النسائي: ثِقَةٌ ثَبْتٌ. وقال الذهبي: إمامٌ حُجَّةٌ. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ حافظٌ. وقال شُعبة: ابن عُليَّة رَيْحانة الفقهاء، وسَيَّد المُحدِّثين.
- وقال قُتيبة بن سعيد: إسماعيل أَرْواهم عن الجُرَيري - وهو سعيد بن إياس-. وقال سهل بن أبي
стр. 388
خدويه: كتب إليَّ أصحابنا من البصرة أن ليس أحدٌ أثبت في الجُريري من ابن عُلَيَّة. (١)
فالحاصل: أنّه "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، فَقِيهٌ، حافظٌ، أَثْبِتُ مَنْ رَوَى عن الجُريريِّ"، روى له الجماعة.
٤) عَبْدُ المَلِك بن عبد العزيز بن جُريج، أبو الوليد، وأبو خالد - له كنيتان- المكيّ، القُرَشيّ، الأُمويّ.
روى عن: عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، ونافع مَوْلى ابن عمر، وآخرين.
روى عنه: إسماعيل بن عُلَيَّة، والسفيانان، وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، وغيرهم.
حاله: قال أحمد: ابن جُريج ثبتٌ صحيح الحديث، لم يُحَدِّث بشيءٍ إلا أتقنه. وقال ابن سعد، والعجلي، والدَّارقطني، والذهبي، وابن حجر: ثِقَةٌ، وزاد الدّارقطني: حافظٌ. وقال أبو زرعة: بَخٍ، مِنْ الأئمة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال ابن حبَّان: مِنْ فقهاء أهل الحجاز وقُرَّائهم ومُتْقِنِيهم. وروى له الجماعة.
- وقال ابن جُريج: لَزِمت عطاء ثماني عشرة سنة، أو تسع عشرة سنة، ثم جالَسْتُ عمرو بن دينار سبع سنين. وقيل لعطاء: مَنْ ترى صاحب مجلسك من بعدك؟ قال: هذا - وأشار إلى ابنِ جُريج-. وقال أحمد، وابن المديني: ابن جُريج مِنْ أثْبت النَّاس في عطاء. وقال ابن المديني، والدَّارقطني: مِنْ أَعْلم النَّاس بعمرو بن دينار - وذكروا معه غيره-. وقال يحيى بن سعيد: لم يكن أحدٌ أَثْبت في نافع من ابن جُريج، وهو أَثْبت من مالك في نافع. وذكره علي بن المديني في الطبقة الثانية من طبقات أصحاب نافع. (٢)
- قال الذهبي: كان ابن جُريج يَرَى الرواية بالإجازة، وبالمناولة، ويتوسَّع في ذلك، ومن ثَمَّ دخل عليه الدَّاخل في رواياته عن الزُّهري؛ لأنه حمل عنه مناولة، وهذه الأشياء يدخلها التَّصْحيف، ولا سيَّما في ذلك العصر، لم يكن حَدَثَ بَعْدُ في الخَطِّ شَكْلٌ ولا نَقْطٌ.
- وَوَصَفَهُ بالتَّدليس غير واحدٍ من أهل العلم، منهم: أحمد بن حنبل، ويحيى بن سعيد القطَّان، وأحمد ابن صالح المصريُّ، والنَّسائيُّ، وابن حبَّان، والدَّارقطنيُّ، والذهبيُّ، وابن حجر - وذكره في المرتبة الثالثة-.
وقال الدَّارقطني: يُتجنَّب تدليسه؛ فإنه وَحِش التدليس، لا يدلِّس إلا فيما سمعه من مجروحٌ؛ مثل: إبراهيم ابن أبي يحيى، وموسى بن عُبيدة، وغيرهما. وذكره أبو زرعة العراقي في "المدلسين"، وقال: مُكثرٌ من التدليس. بينما ذكره العلائي في المرتبة الثانية. وقال الذهبي: الرجل في نفسه ثقة، حافظ، كان ربَّما دلَّس.
- وعن يحيى بن سعيد، عن ابن جُريج، قال: إذا قلتُ "قال عطاء" فأنا سَمِعت منه، وإن لم أقل "سمعت". (٣) ووصفه الحافظ ابن حجر في غير موضعٍ بقلة تدليسه عن نافع؛ فقال مَرَّة: سمع عن نافع كثيرًا، وروى عنه بواسطة، وهو دالٌّ على قلة تدليسه، وقال أيضًا: أدخل موسى بن عُقبة بينه وبين نافع، وهو قد
стр. 389
سمع الكثير من نافع، ففيه دلالة على قلة تدليسه. وغيرها من الأقوال. (١) وهذا يدل على قلة تدليسه عن نافع لكثرة روايته عنه وسماعه منه، ولتصريحه بالواسطة بينهما.
- وَصْفُهُ بالإرسال: قال الإمام أحمد: بعض الأحاديث التي كان يرسلها ابن جُريج أحاديث موضوعة؛ كان لا يُبالي من أين يأخذها - يعني قوله: أُخْبِرْتُ، وحُدِّثْتُ عن فلان-. وقال الحافظ ابن حجر في "التقريب": كان يُدَلِّس ويُرسل.
وحاصله: ما قاله الحافظ ابن حجر في "التقريب": "ثِقَةٌ، فَقِيهٌ، فَاضِلٌ، كان يُدَلِّسُ ويُرْسِلُ". (٢)
قلتُ: وهو مِنْ أثبت النَّاس في عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وفي الطبقة الثانية من أصحاب نافع - مولى ابن عمر-، وهو مُكثرٌ من التدليس إلا في روايته عن عطاء فلا يتوقف في عنعنته، وكذلك في روايته عن نافع - لكثرة روايته عنه، مع تصريحه بالواسطة-؛ إلا إذا ثبت في روايةٍ بعينها أنَّه دلَّس فيها.
٥) عَطَاءُ بن أبي رَبَاح القُرَشِيُّ: "ثِقَةٌ، فَقِيهٌ، فَاضِلٌ، كَثِيرُ الإرسال"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٣٧).
٦) عبدُ الله بن عبَّاس بن عبد المُطَّلِب الهاشميُّ، أبو العباس المدنيُّ، صاحب النبيّ ﷺ ، وابن عمِّه.
روى عن: النبيّ ﷺ ، وأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطَّاب ﵃، وغيرهم.
روى عنه: أنس بن مالك، وعطاء بن أبي رباح، وطاوس بن كَيْسان ﵃، وغيرهم كثير.
دعا له النَّبيُّ ﷺ ، فَقَالَ: «اللهُمَّ فَقِّهْهُ». (٣) ولمَّا مات، قال محمد بن الحنفية: اليوم مات رَبَّانِيُّ هذه الأُمَّة. وفضائله كثيرة، وأخرج له الجماعة. (٤)
ثانيًا:- الوجه الثاني: ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عبَّاس، يقول: "إِنِ اسْتطعتم أن لا يغدو أحدكم يوم الفِطْرِ حتى يَطْعَم فَلْيَفعل … الحديث، وليس فيه ذِكر الإطعام يوم النَّحر".
أ تخريج الوجه الثاني:
• أخرجه عبد الرَّزَّاق في "المُصنَّف" (٥٧٣٤) - ومِنْ طريقه أحمد في "مسنده" (٢٨٦٦)، وابن المُنذر في "الأوسط" (٢١١١)، والطبراني في "الكبير" (١١٤٢٧)، والضياء في "المختارة" (١٩٧) -، عن ابن جُريج، قال: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، قَال: إِنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: "إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لا يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ
стр. 390
فَلْيَفْعَلْ، قَالَ: فَلَمْ أَدَعْ أَنْ آكُلَ قَبْلَ أَنْ أَغْدُوَ مُنْذُ سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ … ، الحديث مطولاً"، وليس فيه ذكر الإطعام يوم النَّحر. وقال الهيثمي: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. (١)
• وأخرجه ابن عبد البر في "الاستذكار" (٢/ ٣٩٢) (٢)، من طريق سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عن ابن جريج، عن عطاءٍ، قال: سمعت ابن عَبَّاسٍ، يَقُولُ: لا يَغْدُو أَحَدٌ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ.
ب متابعات للوجه الثاني:
• لقد تُوبع ابن جُريج على روايته لهذا الحديث بهذا الوجه، تَابَعَه راويان عن عطاء:
- فأخرجه ابن أبي شيبة في "المُصنَّف" (٥٥٨٤)، والطبراني في "الكبير" (١١٢٩٦)، والدَّارقطني في "سننه" (١٧٠٩ و ٢١٣٦)، وابن عبد البر في "الاستذكار" (٢/ ٣٩١).
كلهم من طريق الحجَّاج بن أرطاة، عن عطاءٍ، عن ابن عباس، قال: «مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لا تَخْرُجَ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى تُخْرِجَ الصَّدَقَةَ، وتطعم شَيْئًا قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ». وهذا لفظ الطبراني، والباقون بنحوه.
قال الهيثمي: إسناد الطبراني حسن. (٣) قلتُ: بل فيه الحجَّاج بن أرطاة مُتَكَلَّمٌ فيه، ويُدلّس، وقد رواه بالعنعنة، ولم يُصَرِّح بالسَّمَاع. وقال العظيم أبادي: وفي إسناده الحجاج بن أرطاة، وهو مُختلف في الاحتجاج به، والحديث له شواهدٌ قوية من رواية أنس، وغيره - سيأتي بإذن الله ذِكر بعض هذه الشواهد -. (٤)
- وأخرجه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (٤/ ١٠٦) من طريق الحكم بن مَرْوَان، قال: حدَّثنا محمد بن عُبَيْد الله العَرْزَميّ، عن عطاءٍ، عن ابن عبَّاس، قال: كان النَّبِيُّ ﷺ لا يَخْرُج يَوَم عِيدٍ حتى يُطْعَمَ التَّمَرَات. قال العقيلي: وهذا الحديث رُوي بإسنادٍ أصلح من هذا.
• وتابعه عن ابن عبَّاس بهذا الوجه راوِيان أيضًا:
- فأخرجه عبد الرزَّاق في "المصنف" (٥٧٤١)، عن ابن جُريج، عن عمرو بن دينار، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ